النص المفهرس
صفحات 481-500
٤٨١ باب ٥ / ح ٥٢٧ كتاب مواقيت الصلاة ٥ - باب فضل الصلاة لوقتها ٥٢٧- حدَّثنا أبو الوليدِ هشامُ بنُ عبدِ الملك، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، قال: الوليدُ بنُ العَيْزار أخبَرني، قال: سمعتُ أبا عَمْرِو الشَّيْبانيَّ يقولُ: حدَّثنا صاحبُ هذه الدَّار - وأشارَ بيَدِه(١) إلى دارِ عبدِ الله - قال: سألتُ النبيَّ وَّ: أيُّ العملِ أحَبُّ إلى الله؟ قال: ((الصلاةُ على وَقْتِها)) قال: ثُمَّ أيُّ؟ قال: ((بِرُّ الوالدينِ)) قال: ثمَّ أيُّ؟ قال: ((الجهادُ في سَبِيل الله)). قال: حدَّثني بِنَّ، ولو استَزَدتُه لَزادني. [أطرافه في: ٢٧٨٢، ٥٩٧٠، ٧٥٣٤] : قوله: ((باب فضل الصلاة لوَقْتها)) كذا تَرجَم، وأورَدَه بلفظ: «على وقتها)» وهي روايةٌ شُعْبة وأكثر الرُّواة، نعم أخرجه في التوحيد (٧٥٣٤) من وجهٍ آخرَ بلفظ الترجمة، وكذا أخرجه مسلم (٨٥) باللَّفظَين. قوله: ((قال: الوليد بن العَيزارِ أخبرني)) هو على التقديم والتأخير. قوله: ((حدَّثْنا صاحبُ هذه الدّار)) كذا رواه شُعْبة مُبهَاً، ورواه مالك بن مِغْول عند المصنّف في الجهاد (٢٧٨٢) وأبو إسحاق الشَّيبانيّ في التوحيد (٧٥٣٤) عن الوليد، فصَرَّحا باسم عبد الله، وكذا رواه النَّسائي (٦١١) من طريق أبي معاوية النَّخَعَيّ عن أبي عَمْرو الشَّيبانيّ، وأحمد (٣٩٧٣) من طريق أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه. قوله: ((وأشارَ بيده)) فيه الاكتفاء بالإشارة المفهِمة عن التصريح. وعبد الله: هو ابن مسعود. قوله: ((أيُّ العملِ أحَبُّ إلى الله؟)) في رواية مالك بن مِغْول: ((أُّ العمل أفضل؟)) وكذا لأكثر الرُّواة، فإنْ كان هذا اللفظ هو المسؤولُ به، فلفظ حديث الباب مَلْزوم عنه. ومُحصَّل (١) لفظة ((بيده)) زدناها من شرح الحافظ ابن حجر، وليست في شيء من النسخ المقابل عليها في النسخة اليونينية من ((الصحيح))، لكن ثبتت في كتاب ((الجمع بين الصحيحين)) للحميدي ١٢١/١، و((عمدة الأحكام)) للحافظ عبد الغني المقدسي، كلاهما بلفظ: ((وأشار بيده إلى دار عبد الله، وسيأتي الحديث عند البخاري في أول كتاب الأدب (٥٩٧٠) عن أبي الوليد لكن بلفظ: وأومأ بيده ... ٤٨٢ باب ٥ / ح ٥٢٧ فتح الباري بشرح البخاري ما أجاب به العلماءُ عن هذا الحديث وغيره ممَّا اختلفت فيه الأجوبة بأنَّه أفضل الأعمال: أنَّ الجوابَ اختلف لاختلاف أحوال السائلينَ، بأنْ أعلمَ كلَّ قوم بما يحتاجون إليه، أو بما لهم فيه رَغْبة، أو بما هو لائقٌ بهم، أو كان الاختلاف باختلاف الأوقات بأنْ يكون العملُ في ذلك الوقت أفضلَ منه في غيره، فقد كان الجهاد في ابتداء الإسلام أفضلَ الأعمال، لأنَّه الوسيلةُ إلى القيام بها والممكِّن من أدائها، وقد تَضافَرَت النُّصوص على أنَّ الصلاة أفضل من الصَّدَقة، ومع ذلك ففي وقت مواساة المضطرِّ تكونُ الصَّدَقَةُ أفضل، أو أنَّ ((أفضل)) ليست على بابها، بل المراد بها الفضل المطلَق، أو المراد: من أفضل الأعمال، فحُذِفَت ((مِن)) وهي مرادة. وقال ابن دقيق العيد: الأعمالُ في هذا الحديث محمولة على البدنيّة. وأراد بذلك الاحترازَ عن الإيمان، لأنَّه من أعمال القلوب، فلا تَعارُضَ حينئذٍ بينه وبين حديث أبي هريرة: ((أفضل الأعمال إيمانٌ بالله)) الحديث(١). وقال غيره: المرادُ بالجهاد هنا ما ليس بفرض عَينٍ، لأنَّه يتوقَّفُ على إذْنِ الوالدينِ فيكونُ بُّهما مُقدَّماً عليه. قوله: ((الصلاة على وَقْتها)) قال ابن بَطَّل: فيه أنَّ الِدَارَ إلى الصلاة في أوَّل أوقاتها أفضل من التَّراخي فيها، لأنَّه إنَّمَا شَرَطَ فيها أنْ تكون أحَبَّ الأعمال إذا أُقيمَت لوقتِها المستَحَبّ. قلت: وفي أخذٍ ذلك من اللفظ المذكور نظر، قال ابن دقيق العيد: ليس في هذا اللفظ ما يقتضي أوَّلاً ولا آخراً، وكأنَّ المقصودَ به الاحتراز عمّا إذا وَقَعَت قَضاءً. وتُعُقِّبُ بأنَّ إخراجَها عن وقتها مُرَّم، ولفظ ((أحَبّ)) يقتضي المشارَكةَ في الاستحباب، فيكونُ المراد الاحترازَ عن إيقاعها آخر الوقت. وأُجيبَ بأنَّ المشارَكةَ إنَّما هي بالنّسبة إلى الصلاة وغيرها ١٠/٢ من الأعمال، فإنْ وَقَعَت الصلاةُ في وقتها، كانت/ أحبَّ إلى الله من غيرها من الأعمال، فوقع الاحتراز عَّا إذا وَقَعَت خارجَ وقتها من معذورٍ كالنَّائم والنَّاسي، فإنَّ إخراجَهما لها (١) سلف برقم (٢٦). ٤٨٣ باب ٥ / ح ٥٢٧ كتاب مواقيت الصلاة عن وقتها لا يُوصَفُ بالتَّحْرِيم، ولا يُوصَفُ بكَوْنه أفضلَ الأعمال مع كونِه محبوباً، لكنَّ إيقاعها في الوقت أحبّ. تنبيه: أَنَّفَقَ أصحابُ شُعْبةَ على اللفظ المذكور وهو قوله: ((على وقتها)) وخالفَهم عليُّ ابن حفصٍ، وهو شيخٌ صَدوقٌ من رجال مسلم، فقال: ((الصلاة في أوَّل وقتها)) أخرجه الحاكمُ (١٨٨/١-١٨٩) والدَّارَقُطني (٩٦٧) والبيهقيُّ من طريقه(١). قال الدَّارَ قُطني: ما أحسَبُه حَفِظَه، لأنَّه كبر وتَغيَّر حفظُه. قلت: ورواه الحسن بن عليِّ المَعمَريّ في ((اليوم والليلة)) عن أبي موسى محمَّد بن المثنَّى عن غُندَر عن شُعْبةَ كذلك. قال الدَّارَ قُطْني: تَفرَّدَ به المَعمَري، فقد رواه أصحابُ أبي موسى عنه بلفظ: ((على وقتها))، ثمَّ أخرجه الدَّارَ قُطنيّ (٩٦٨) عن المَحامِليّ عن أبي موسى كرواية الجماعة، وهكذا رواه أصحاب ◌ُندَر عنه، والظاهر أنَّ المَعمَريّ وَهِمَ فيه، لأنَّه كان يُحدِّثُ من حِفْظه، وقد أطلَقَ النَّويّ في ((شرح المهذَّب)) أنَّ رواية «في أوَّل وقتها)» ضعيفة. انتهى، لكنْ لها طريق أُخرى أخرجها ابن خُزيمة في ((صحيحه)) (٣٢٧) والحاكمُ (١٨٨/١) وغيرهما من طريق عثمان بن عمرَ عن مالك بن مِغْول عن الوليد، وتَفرَّدَ عثمان بذلك، والمعروف عن مالك بن مِغْول كرواية الجماعة، كذا أخرجه المصنّف (٢٧٨٢) وغيره، وكأنَّ مَن رواها كذلك ظنَّ أنَّ المعنى واحد، ويمكن أنْ يكون أخَذَه من لفظة ((على))، لأنَّها تقتضي الاستعلاءَ على جميع الوقت فيَتعيَّنُ أَوَّله(٢). قال القُرْطبيّ وغيره: قوله: ((لوقتِها)) اللَّام للاستقبال مثلُ قوله تعالى: ﴿فَطَلِقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] أي: مُستَقبِلاتٍ عِدَّتَهنَّ، وقيل: للابتداء كقوله تعالى: ﴿أَقِمِ (١) هو عنده في «سننه)) ٤٣٤/١ من طريق الحسن بن مكرم البزار، عن عثمان بن عمر، عن مالك بن مغول، عن الوليد بن العيزار، باللفظ المذكور. ثم أشار بإثره إلى رواية علي بن حفص ولم يسندها. وستأتي الإشارةُ إلى رواية مالك بن مغول بعد قليل، وأخرجه بهذا اللفظ أيضاً غير واحد، انظر التعليق على «مسند أحمد)) (٣٨٩٠). (٢) من قوله: ((ويمكن أن يكون)) إلى هنا لم يرد في (أ) و(ع)، وهو من (س). ٤٨٤ باب ٥ / ح ٥٢٧ فتح الباري بشرح البخاري الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، وقيل: بمعنى (في)) أي: في وقتها. وقوله: ((على وقتها)) قيل: ((على)) بمعنى اللّام ففيه ما تقدَّم، وقيل: لإرادة الاستعلاء على الوقت، وفائدته تَحَقُّقُ دخول الوقت ليقع الأداءُ فيه. قوله: ((ثُمَّ أبيٌّ)) قيل: الصوابُ أنَّه غيرُ مُنوَّن، لأنَّه غيرُ موقوفٍ عليه في الكلام، والسائل ينتظرُ الجوابَ والتنوينُ لا يُوقَفُ عليه، فتنوينه ووَصْله بما بعده خطأ، فيُوقَفُ عليه وقفة لطيفة ثمَّ يُؤتَى بما بعده، قاله الفاكهانيّ. وحكى ابن الجَوْزيِّ عن ابن الخَشّاب الْجَزْمَ بتنوينه، لأنَّه مُعرَبٌ غيرُ مضاف، وتُعُقِّبَ بأنَّه مضافٌ تقديراً والمضاف إليه محذوف لفظاً، والتقدير: ثمَّ أُّ العمل أحَبّ؟ فيُوقَفُ عليه بلا تنوين، وقد نَصَّ سيبويه على أنَّها تُعرَبُ ولكنَّها تُبنَى إذا أُضيفَت، واستَشكَله الزَّجّاج. قوله: ((قال: بُّ الوالِدَين)) كذا للأكثر، وللمُستَمْلي: ((قال: ثمَّ بُرُّ الوالدين)) بزيادة ((ثم))، قال بعضهم: هذا الحديثُ موافق لقوله تعالى: ﴿أَنِ آَشْكُرْ لِ وَلَوْ لِدَيْكَ ﴾ [لقمان: ١٤] وكأنَّه أخَذَه من تفسير ابن عُيَينة حيثُ قال: مَن صلَّى الصَّلَوات الخمس فقد شَكَرَ لله، ومَن دعا لوالدیه عَقِبها فقد شَكَرَ هما. قوله: ((حدَّثْني بهنَّ» هو مَقُولُ عبد الله بن مسعود، وفيه تقريرٌ وتأكيدٌ لما تقدَّم من أنَّه باشَرَ السُّؤالَ وسمع الجواب. قوله: ((ولو استَزَدتُه)) يحتمل أنْ يريدَ من هذا النوع وهو مراتبُ أفضل الأعمال، ويحتمل أنْ يريدَ من مُطلَق المسائل المحتاج إليها، زاد التِّرمِذيّ (١٨٩٨) من طريق المسعوديّ عن الوليد: ((فسَكَتَ عنّي رسولُ اللهِ ﴿ ولو استَزِدْتُه لَزادَني)) فكأنَّه استَشْعَرَ منه مَشقّة، ويؤيِّدُه ما في رواية لمسلم (٨٥/ ١٣٧): ((فها تركتُ أستزيدُه إلَّا إرعاءً عليه)) أي: شَفَقةً عليه لئلا يَسأم. وفي الحديث فضلُ تعظيم الوالدين، وأنَّ أعمالَ البِرِّ يُفضَّلُ بعضها على بعض. وفيه السُّؤالُ عن مسائلَ شَتَّى في وقتٍ واحد، والرِّفْق بالعالم، والتَّوقُّف عن الإكثار عليه خَشْية ٤٨٥ باب ٦/ ح ٥٢٨ كتاب مواقيت الصلاة مَلالِه، وما كان عليه الصحابة من تعظيم النبيِّ وَّهِ والشَّفَقة عليه، وما كان هو عليه من إرشاد المستَرشِدينَ ولو شَقَّ عليه. وفيه أنَّ الإشارةَ تَتَنَزَّلُ مَنزِلةَ التصريح إذا كانت مُعيِّنَةُ للمُشار إليه ثُمیِّزةًله عن غيره. قال ابن بَزِيزة: الذي يقتضيه النَّظرُ تقديمُ الجهاد على جميع أعمال البدن، لأنَّ/ فيه بَذْلَ ١١/٢ النَّفْس، إلّا أنَّ الصَّبْرِ على المحافظة على الصَّلَوات وأدائها في أوقاتها والمحافظة على برِّ الوالدَينِ أمرٌ لازم، مُتكَرِّر دائم، لا يَصْبِرُ على مُراقَبة أمر الله فيه إلَّا الصِّدِّيقون، والله أعلم. ٦ - بابٌ الصلواتُ الخمس كفَّارة ٥٢٨- حدَّثنا إبراهيمُ بنُ حمزةَ، قال: حدَّثني ابنُ أبي حازمٍ والدَّرَاوَرْدِيُّ، عن یزِيدَ بنِ عبد الله، عن محمَّدٍ بنِ إبراهيمَ، عن أبي سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرَّحمن، عن أبي هُرَيرةَ، أَنَّه سَمِعَ رسولَ اللهِ وَلَه يقولُ: ((أرأيتُم لو أنَّ نَهَراً ببابِ أحدِكُمْ يَغتسِلُ فيه كُلَّ يوم خمساً، ما تقولُ ذلكَ يُبْقِي مِن دَرَنِهِ؟ قالوا: لا يُبْقِي مِن دَرَنِهِ شيئاً، قال: ((فذلكَ مِثْلُ الصَّلَوات الخمسِ يَمْحُو اللهُ به الخَطَايا)). قوله: ((بابٌ)) بالتنوين ((الصَّلَوات الخمس كَفّارة)) كذا ثبت في أكثر الروايات، وهي أخصُّ من الترجمة السابقة على التي قبلها. وسَقَطَت الترجمةُ من بعض الروايات، وعليه مَشَى ابن بَطَّالٍ ومَن تبعه، وزاد الكُشْمِيهَنيّ بعد قوله: ((كَفّارة)): للخَطَايا إذا صَلّاهُنَّ لوقتِهِنَّ في الجماعة وغيرها. قوله: ((ابن أبي حازم والدَّراوَرْديّ)) كُلٌّ منهما يُسمَّى عبد العزيز، وهما مدنيّان وكذا بقيّة رجال الإسناد. قوله: ((عن يزيد بن عبد الله)) أي: ابن أُسامة بن الهادِ اللَّيثي، وهو تابعيٌّ صغير، ولم أرَ هذا الحديث بهذا الإسناد إلَّا من طريقه، وأخرجه مسلم (٦٦٧) أيضاً من طريق الليث بن سَعْد وبَكْر بن مُضَرِ كلاهما عنه. نعم رُوِيَ من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، أخرجه البيهقيُّ في ((الشِّعَب)) (٢٨١٢) من طريق محمّد بن عُبيد عنه، لكنَّه شاذٌّ، ٤٨٦ باب ٦/ ح ٥٢٨ فتح الباري بشرح البخاري لأنَّ أصحابَ الأعمش إنَّما رَوَوْه عنه عن أبي سفيان عن جابر، وهو عند مسلم (٦٦٨) أيضاً من هذا الوجه. قوله: ((عن محمَّد بن إبراهيم)) هو التَّيميُّ راوي حديث الأعمال(١)، وهو من التّابعينَ أيضاً، ففي الإسناد ثلاثة تابعيُّون على نَسَق. قوله: ((أرأيتُم)) هو استفهام تقرير مُتعلِّق بالاستخبار، أي: أخبِروني هل يَبقَى. قوله: (لو أنَّ نَهرا) قال الطِّيبي: لفظ ((لو)) يقتضي أنْ يدخلَ على الفعل وأنْ يُجاب، لكنَّه وُضِعَ الاستفهام موضعَه تأكيداً وتقريراً، والتقدير: لو ثبت نهر صِفَتُه كذا لمَا بقي كذا، والنَّهرُ بفتح الهاء وسكونها: ما بين جَنْبَي الوادي، سُمّيَ بذلك لسَعَتِهِ، وكذلك سُمّيَ النهارُ لسَعَة ضَوْئه. قوله: ((ما تقولُ)) كذا في النُّسَخِ المعتمَدَة بإفراد المخاطَب، والمعنى: ما تقول يا أيُّها السامعُ؟ ولأبي نُعَيم في ((المستخرَج على مسلم)) (١٤٩٣) وكذا للإسماعيليِّ والجَوْزَقيّ: ((ما تقولون؟)) بصيغة الجمع، والإشارة في ذلك إلى الاغتسال. قال ابن مالك: فيه شاهد على إجراء فعل القول مجرى فعل الظَّن، وشرطُه أنْ يكون مُضارعاً مسنداً إلى المخاطَب متصلاً باستفهام. قوله: (يُبْقي)) بضمٌّ أوَّله على البناء للفاعل. قوله: ((من دَرَنِه)) زاد مسلم: ((شيئاً) والدَّرَن: الوَسَخ، وقد يُطلَقُّ الدَّرَن على الحَبِّ الصِّغار التي تَحصُلُ في بعض الأجساد، ويأتي البحث في ذلك. قوله: ((قالوا: لا يُبْقي)) بضمّ أوَّله أيضاً، و((شيئاً)) منصوب على المفعوليَّة، ولمسلم: ((لا يَبقَى)) بفتح أوَّله و((شيء)) بالرفع، والفاء في قوله: ((فذلك)) جواب شيءٍ محذوف، أي: إذا تَقرَّرَ ذلك عندكم فهو مثلُ الصَّلَوات ... إلى آخره، وفائدةُ التمثيل التأكيدُ، وجَعْل المعقول کالمحسوس. (١) يريد حديث: ((إنما الأعمال بالنيات))، وهو أول حديث في ((صحيح البخاري)). ٤٨٧ باب ٦/ ح ٥٢٨ كتاب مواقيت الصلاة قال الطِّيبي: في هذا الحديث مُبالَغَة في نفي الذُّنوب، لأنَّهم لم يَقتِصِروا في الجواب على ((لا)) بل أعادوا اللفظَ تأكيداً. وقال ابن العربي: وجه التمثيل أنَّ المرءَ كما يَتَدَنَّسُ بالأقذار المحسوسة في بدنِه وثيابه ويُطهِّرُه الماءُ الكثير، فكذلك الصَّلَوات تُطهِّرُ العبد عن أقذار / الذُّنوب حتَّى لا تُبْقي له ذَنْباً إلَّا أسقَطَتْه، انتهى. ١٢/٢ وظاهرُه أنَّ المراد بالخَطايا في الحديث ما هو أعمُّ من الصغيرة والكبيرة، لكنْ قال ابن بَطَّل: يُؤْخَذُ من الحديث أنَّ المراد الصغائر خاصَّة، لأَنَّه شَبَّهَ الْخَطايا بالدَّرَن، والدَّرَنُ صغير بالنّسبة إلى ما هو أكبرُ منه من القُروح والخُرَاجات. انتهى، وهو مبنيٌّ على أنَّ المراد بالدَّرَنِ في الحديث الحَبُّ، والظاهر أنَّ المراد به الوَسَخ، لأنَّه هو الذي يناسبُهُ الاغتسالُ والتَّنظُّف. وقد جاء من حديث أبي سعيد الخُذْريّ التصريحُ بذلك، وهو فيما أخرجه البَزَّارُ(١) والطَّبرانيُّ (٥٤٤٤) بإسنادٍ لا بأسَ به من طريق عطاء بن يسارِ أنَّه سمع أبا سعيد يُحدِّثُ أنَّه سمع رسول الله وَله يقول: ((أرأيتَ لو أنَّ رجلاً كان له مُعتمَل، وبينَ مَنِزِلِه ومُعتمَلِه خمسة أنهار، فإِذا انطَلَقَ إلى مُعتمَلِهِ عَمِلَ ما شاءَ الله فأصابه وَسَخٌ أو عَرَق، فكلّما مَرَّ بنهرٍ اغتسلَ منه)) الحديث، ولهذا قال القُرْطبي: ظاهرُ الحديث أنَّ الصَّلَوات الخمسَ تَسْتَقِلُّ بتكفيرِ جميع الذُّنوب، وهو مُشكِل، لكنْ روى مسلم قبلَه (١٤/٢٣٣) حديث العلاء عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعاً: ((الصَّلَوات الخمس كَفّارة لما بينَها ما اجتُنِبَت الكبائرُ))، فعلى هذا المقيّدِ يُحِمَلُ ما أُطلِقَ في غيره. فائدة: قال ابن بَزِيزةَ في ((شرح الأحكام)): يَتَوجَّه على حديث العلاء إشكال يَصْعُبُ التَّخَلُّصُ منه، وذلك أنَّ الصغائرَ بنَصِّ القرآن مُكفّرة باجتناب الكبائر، وإذا كان كذلك فما الذي تُكفِّرُه الصَّلَوات الخمس؟ انتھی. وقد أجاب عنه شيخُنا الإمامُ البُلْقينيُّ بأنَّ السُّؤالَ غير وارد، لأنَّ مراد الآية: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ﴾ [النساء: ٣١] أي: في جميع العُمُرِ، ومعناه الموافاةُ على هذه الحالة من وقت الإيمان (١) برقم (٣٤٤ - كشف الأستار عن زوائد البزار). ٤٨٨ باب ٦/ ح ٥٢٨ فتح الباري بشرح البخاري أو التكليف إلى الموت، والذي في الحديث أنَّ الصَّلَوات الخمسَ تُكفِّرُ ما بينَها - أي: في يومِها - إذا اجْتُنِبَت الكبائرُ في ذلك اليوم، فعلى هذا لا تَعارُضَ بين الآية والحديث. انتهى، وعلى تقدير وُرودِ السُّؤال فالنَّخَلَّص منه بحَمْدِ الله سَهْل، وذلك أنَّه لا يَتِمُّ اجتنابُ الكبائر إلَّا بفعل الصَّلَوات الخمس، فمَن لم يفعلْها لم يَعُدْ مُجْتَنِباً للكبائر، لأنَّ تَرْكَها من الكبائر، فيتوقَّف التَّكْفير على فعلها، والله أعلم. وقد فضَّلَ شيخُنا الإمام البُلْقينيُّ أحوال الإنسان بالنّسبة إلى ما يَصدُرُ منه من صغيرة وكبيرة، فقال: تنحصرُ في خمسة: أحدها: أنْ لا يَصدُرَ منه شيءٌ البَّة، فهذا يُعاوَضُ بَرَفْع الدَّرَجات، ثانيها: أن يأتيَ الصغائرَ بلا إصرار، فهذا تُكفَّرُ عنه جَزْماً، ثالثُها: مثلُه لكنْ مع الإصرار، فلا تُكفَّرُ إذا قلنا: إنَّ الإصرارَ على الصغائرِ كبيرة، رابعُها: أنْ يأتيَ كبيرة واحدة وصغائر، خامسُها: أنْ يأتيَ بصغائر وكبائر، فهذا فيه نظرٌ يحتمل إذا لم تُجتَنَب الكبائر أنْ لا تُكفَّرَ الكبائرُ بل تُكفَّرُ الصغائر، ويحتمل أنْ لا يُكفَّرَ شيءٌ أصلاً، والثاني أرجَح، لأنَّ مفهومَ المخالَفة إذا لم تتعيَّن جهتُهُ لا يُعمَلُ به، فهنا لا يُكفَّرُ شيئً إمَّا لاختلاط الكبائر والصغائر، أو لتَمَخُّض الكبائر، أو تُكفَّر الصغائر، فلم تتعيَّنْ جهةُ مفهوم المخالفة لدَوَرانه بين الفصلَينِ فلا يُعمَلُ به، ويؤيِّدُه أنَّ مُقتَضى تجنُّب الكبائر أنَّ هناك كبائر، ومُقتَضى ((ما اجتنبت الكبائرُ)) أنْ لا کبائر، فيُصانُ الحدیث عنه. تنبيه: لم أرَ في شيءٍ من طرقِهِ عند أحدٍ من الأئمّة السِّنَّة وأحمد بلفظ: ((ما تقول)) إلَّا عند البخاريِّ، وليس هو عند أبي داود أصلاً، وهو عند ابن ماجه (١٣٩٧) من حديث عثمان لا من حديث أبي هريرة، ولفظ مسلم (٦٦٧): ((أرأيتُم لو أنَّ نَهراً بباب أحدِكم يغتسلُ فيه كلّ يوم خمس مَرّاتٍ، هل كان يَبقَى من دَرَنِه شيء»، وعلى لفظِهِ اقتَصَرَ عبد الحقّ في ((الجمع بين الصحيحين)) وكذا الحميدي، ووقع في كلام بعض المتأخّرين بعد أنْ ساقه بلفظ: ((ما تقولون)) أنَّه في ((الصحيحين)) والسُّنن الأربعة، وكأنَّه أراد أصلَ الحديث، لكنْ رُدَّ عليه أنَّه ليس عند أبي داود أصلاً وا عند ابن ماجه من حديث أبي هريرة. ٤٨٩ باب ٧ / ح ٥٢٩ - ٥٣٠ كتاب مواقيت الصلاة ووقع في بعض النُّسَخ المتأخِّرة من البخاريِّ بالياء التَّحْتانيَّة آخر الحُروف: ((ما يقول)) فَزَعَمَ بعضُ أهل العصر أنَّ غَلَطٌ وأنَّه/ لا يَصِخُّ من حيثُ المعنى، واعتَمَدَ على ما ذكره ابن ١٣/٢ مالك مما قدَّمتُه وأخطأ في ذلك، بل له وجه وجيه، والتقدير: ما يقول أحدُكم في ذلك، والشَّرْطُ الذي ذكره ابن مالك وغيره من النُّحاة إنَّما هو لإجراء فعل القول مجرى فعل الظنّ كما تقدَّم، وأمَّا إذا تُرِكَ القولُ على حقيقتِه فلا، وهذا ظاهر، وإنَّما نَبَّهتُ عليه لئلا يُغتَرَّ به. ٧- بابٌ في تضييع الصلاة عن وقتها ٥٢٩- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا مَهْدِيٌّ، عن غَيْلانَ، عن أنس قال: ما أعرِفُ شيئاً ممَّا كان على عَهْدِ النّبِّ وَِّ، قيلَ: الصلاةُ! قال: أليسَ صَنَعتُم ما صَنَعتُم فيها؟! ٥٣٠- حدَّثنا عمرُو بنُ زُرَارةَ، قال: أخبرنا عبدُ الواحدِ بنُ واصِلٍ، أبو عُبيدةَ الحَدّادُ، عن عثمانَ بنِ أبي رَوَّادٍ، أَخو عبدِ العزيز، قال: سمعتُ الزُّهْريَّ يقولُ: دَخَلتُ على أنسِ بنِ مالكٍ بدِمَشقَ وهو يَيْكي فقلتُ: ما يُكِيكَ؟ فقال: لا أعرِفُ شيئاً ممّا أدرَكْتُ إلا هذه الصلاةَ، وهذه الصلاةُ قد ضُبِّعَتْ. وقال بَكْر: حدَّثنا محمَّدُ بنُ بَكْرِ البُرْسانِيُّ، أخبرنا عثمانُ بنُ أبي رَوّادٍ، نحوَه. قوله: ((بابٌ في تضييع الصلاة عن وقتها)) ثبتت هذه الترجمةُ في رواية الحَمُّوِيّ والكُشْمِيهَني وسَقَطَت للباقين. قوله: «مَهْديّ)) هو ابن میمون، وغیلانٌ: هو ابن جَرِیر، والإسناد كلَّه بصریّون. قوله: ((قيلَ: الصلاة)) أي: قيل له: الصلاة هي شيء ممّا كان على عَهْدِه وَلِّ وهي باقية، فكيف يَصِحُّ هذا السَّلْب العامّ؟ فأجاب بأنَّهم غَيَّروها أيضاً بأنْ أخرجوها عن الوقت، وهذا الذي قال لأنسٍ ذلك يقال له: أبو رافع، بيَّنه أحمد بن حَنبَل في رواية هذا الحديث (١٣١٦٨) عن رَوْحِ عن عثمان بن سَعْد عن أنس فذكر نحوَه، فقال أبو رافع: يا أبا حمزة، ولا الصلاة؟ فقال له أنس: قد علمتُم ما صَنَعَ الحجّاج في الصلاة. ٤٩٠ باب ٧ / ح ٥٢٩- ٥٣٠ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((صَنَعْتُم)) بالمهمَلتينِ والنُّون للأكثر، وللنَّسَفي(١) بالمعجَمة وتشديد الياء وهو أوضحُ في مُطابَقة الترجمة، ويؤيِّدُ الأوَّل ما ذكرتُه آنفاً من رواية عثمان بن سَعْد، وما رواه التِّرمِذيُّ (٢٤٤٧) من طريق أبي عِمْران الجَوْنِيِّ عن أنس، فذكر نحوَ هذا الحديث وقال في آخرِه: أوَلم تصنعوا في الصلاة ما قد علمتُم؟ وروى ابن سَعْد في ((الطبقات)) سبب قول أنسٍ هذا القول، فأخرج في ترجمة أنس من طريق عبد الرحمن بن العُزْيان الحارثيّ سمعت ثابتاً البُنانيّ قال: كنَّا مع أنس بن مالك، فأخَّرَ الحجّاج الصلاة، فقامَ أنس يريدُ أنْ يُكلِّمَه فنَهاه إخوانُه شَفَقةً عليه منه، فخرج فرَكِبَ دابَّتَه فقال في مَسیرِه ذلك: والله ما أعرِفُ شيئاً مَّا كنَّا عليه على عَهْدِ النبيّ وَلِ إلَّا شهادة أنْ لا إلهَ إلَّ الله. فقال رجل: فالصلاةُ يا أبا حمزة؟ قال: قد جعلتُم الظُّهرَ عند المغرب، أفتلك كانت صلاةَ رسول الله وَّليه؟ وأخرجه ابن أبي عمر في ((مسنده)) من طريق حَمَّاد عن ثابت مختصراً. قوله: ((عن عثمان بن أبي رَوّاد)» هو خُراسانيٌّ سَكَنَ البصرةَ، واسم أبيه ميمون. قوله: ((أخُو عبد العزيز)) أي: هو أخو عبد العزيز، وللكُشْمِيهَنيّ: أخي عبد العزيز، وهو بدلٌ من قوله: عثمانَ. قوله: ((بدِمَشقَ)) كان قُدومُ أنس دمشقَ في إمارة الحجّاج على العراق، قَدِمَها شاكياً من الحجّاج للخليفة، وهو إذْ ذاكَ الوليد بن عبد الملك. قوله: ((ممّاً أدرَكْتُ)) أي: في عَهْدٍ رسول الله وَالتّ .. قوله: ((إلّا هذه الصلاةَ) بالنصب، والمراد أنَّه لا يَعِرِفُ شيئاً موجوداً من الطّاعات ١٤/٢ معمولاً به/ على وجهه غير الصلاة. قوله: ((وهذه الصلاة قد ضُيَّعَتْ)) قال المهلَّب: المرادُ بتضييعِها تأخيرُها عن وقتها المستَحَبِّ لا أنَّهم أخرجوها عن الوقت. كذا قال، وتبعه جماعة، وهو مع عَدَم مُطابَقتِه (١) تحرف في (س) إلى: وللكشميهني. ٤٩١ باب ٧ / ح ٥٢٩ - ٥٣٠ كتاب مواقيت الصلاة للترجمة مخالف للواقع، فقد صَحَّ أنَّ الحجّاج وأميرَه الوليد وغيرهما كانوا يؤخِّرون الصلاة عن وقتها، والآثارُ في ذلك مشهورة، منها ما رواه عبد الرزاق (٣٧٩٥) عن ابن جُرَيج عن عطاءٍ قال: أخّرَ الوليد الجمعة حتَّى أمسى، فجِئْت فصلَّيت الظُّهرَ قبلَ أنْ أجلِسَ ثمّ صلَّيت العصرَ وأنا جالس إيماءً وهو يَخْطُب. وإنَّما فعل ذلك عطاء خَوْفاً على نفسِه من القتل. ومنها ما رواه أبو نُعَيم شيخ البخاري في كتاب ((الصلاة)) من طريق أبي بكر بن عُثْبة قال: صلَّيت إلى جَنْب أبي جُحَيفة فمَسَّى الحجّاجُ بالصلاة، فقامَ أبو جُحَيفة فصلَّى. ومن طريق ابن عمر: أنَّه كان يُصلِّ مع الحجّاج، فلمَّا أَخَّرَ الصلاة تركَ أنْ يَشْهَدَها معه. ومن طريق محمَّد بن أبي إسماعيل قال: كنت بمِنَّى وصُحُفٌ تُقْرأُ للوليد، فأخَّروا الصلاة، فنظرتُ إلى سعيد بن مُبَير وعطاء يُومِئان إيماءً وهما قاعدان. قوله: ((وقال بَكْر بن خَلَف)) هو البصريُّ نزيل مكَّة، وليس له في ((الجامع)) إلَّا هذا الموضع. وقد وَصَلَه الإسماعيليّ قال: أخبرنا محمود بن محمَّد الواسطيّ قال: أخبرنا أبو بِشْر بکر بن خَلَف. قوله: ((نحوَه)) سياقه عند الإسماعيليِّ موافق للَّذي قبلَه، إلّا أنَّه زاد فيه: «وهو وَحْدَه)) وقال فيه: ((لا أعرِفُ شيئاً ممّا كنَّا عليه في عَهْدِ رسول اللهِوَّ))، والباقي سواء. تنبيه: إطلاق أنس محمول على ما شاهده من أمراء الشام والبصرة خاصَّة، وإلَّا فسيأتي في هذا الكتاب (٧٢٤) أنَّه قَدِمَ المدينةَ فقال: ((ما أنكَرْتُ شيئاً إلَّا أَنَّكم لا تُقِيمون الصُّفوف))، والسبب فيه أنَّه قَدِمَ المدينةَ وعمر بن عبد العزيز أميرها حينئذٍ وكان على طريقة أهل بيته حتَّى أخبره عُرْوة عن بَشير بن أبي مسعود عن أبيه بالنَّصِّ على الأوقات، فكان يُحافظُ بعد ذلك على عَدَم إخراج الصلاة عن وقتها كما تقدَّم بيانه في أوقات الصلاة (٥٢١)، ومع ذلك فكان يُراعي الأمر معهم فيؤخّرُ الظَّهر إلى آخر وقتها، وقد أنكَرَ ذلك أنس أيضاً كما في حديث أبي أمامة بن سَهْل عنه(١). (١) سيأتي حديث أبي أمامة بن سهل عن أنس برقم (٥٤٩). ٤٩٢ باب ٨/ ح ٥٣١ فتح الباري بشرح البخاري ٨- باب المصلي یناجي ربّه عز وجل ٥٣١ - حدَّثْنا مُسلِمُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا هشامٌ، عن قَتَادةَ، عن أنسٍ قال: قال النبيُّ وَلِّل : ((إنَّ أحدَكُم إذا صَلَّى يُناجِي رَبَّ فلا يَتْفِلَنَّ عن يَمِينِهِ، ولكنْ تحتَ قَدَمِه اليُشْرى)). وقال سعيدٌ، عن قَتَادةَ: ((لا يَتَفِلْ قُدَّامَه - أو بينَ يَدَيه - ولكنْ عن يَسارِهِ، أو تحتَ قَدَمَيه). وقال شُعْبةُ: ((لا يَبِزُقْ بِينَ يَدَيهِ ولا عن يَمِينِهِ، ولكنْ عن يَسارِه أو تحتَ قَدَمِه)). وقال مُميدٌ، عن أنس، عن النبيِّ وَّهِ: (( لا يَبْزُقْ في القِبْلة، ولا عن يَمِينِهِ، ولكنْ عن يساره أو تحتَ قَدَمِه». قوله: ((باب المصلِّ يُناجِي رَبَّه)) تقدَّم الكلامُ على حديث هذا الباب في أبواب المساجد (٤٠٥ و٤١٢ و٤١٧)، ومناسبة هذه الترجمة لما قبلها من جهة أنَّ الأحاديثَ السابقةَ دَّت على مَدْح مَن أوقَعَ الصلاة في وقتها وذَمِّ مَن أخرجها عن وقتها، ومناجاة الرَّبِّ أرفَعُ درجات العبد، فأشارَ المصنّ بإيراد ذلك إلى التَّرْغيب في المحافظة على الفرائض في أوقاتها، لتحصيل هذه المنزِلة السَّنِيَّة التي يُحْشَى فواتُها على مَن قَصَّرَ في ذلك. ١٥/٢ قوله: ((حدَّثنا هشام)) هو ابن أبي عبد الله/ الدَّسْتُوائيّ. قوله: ((وقال سعيد)) أي: ابن أبي عَرُوبة ((عن قَتَادة)) أي: بالإسناد المذكور، وطريقه موصولة عند الإمام أحمد (١٢٠٦٣) وابن حِبَّنَ(١). وقولُه فيها: ((قُدّامَه أو بين يديه)) شٌّ من الراوي. قوله: ((وقال شُعْبة)) أي: عن قتادة بالإسناد أيضاً، وطريقه موصولة عند المصنّف فيما تقدَّم (٤١٣) عن آدمَ عنه، وتقدَّم أيضاً في ((باب حَكّ المخاط من المسجد))(٢) عن حفص ابن عمر عن شُعْبة، وأراد بهذينِ التَّعْليقَينِ بيان اختلاف ألفاظِ أصحاب قتادة عنه في (١) في ((صحيحه)) برقم (٢٢٦٧)، لكن وقع في المطبوع منه ((شعبة)) بدل: سعيد، وانظر ((إتحاف المهرة)) للحافظ ابن حجر (١٤٩٣). (٢) بل هو في الباب الذي يلي الباب المذكور، وهو ((باب لا يبصق عن يمينه في الصلاة)) حديث رقم (٤١٢). ٤٩٣ باب ٨-٩/ ح ٥٣٢ -٥٣٤ كتاب مواقيت الصلاة روايته هذا الحديث، ورواية شُعْبةَ أتمُّ الروايات، لكنْ ليس فيها المناجاة. وقال الكِرْماني: ليس هذا التَّعْليق موقوفاً على قتادة ولا على شُعْبة، يعني بل هي مرفوعةٌ عن النبيِّ وَّه. قال: ويحتمل الدُّخولَ تحت الإسناد السابق بأن يكون معناه مثلاً: حدَّثنا مسلم حدَّثنا هشامٌ، وحدَّثنا مسلم قال: قال سعيد، وحدَّثنا مسلم قال: قال شُعْبة. انتهى، وهو احتمالٌ ضعيفٌ بالنّسبة لشُعْبة، فإنَّ مسلم بن إبراهيم سمع منه، وباطل بالنِّسبة لسعيدٍ فإنَّه لا روايةَ له عنه، والذي ذكرتُه هو المعتمَد. وكذا طريق حُميدٍ وَصَلها المؤلِّف في أوائل أبواب المساجد (٤٠٥) من طريق إسماعيل بن جعفر عنه، لكن ليس فيها قوله: ((ولا عن يمينِهِ)). ٥٣٢- حدَّثْنَا حَفْصُ بنُ عمرَ، قال: حدَّثْنا بِزِيدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا قَتَادةُ، عن أنسٍ، عن النبيِّ وَّلِ قال: ((اعتَدِلُوا في السُّجودِ ولا يَبسُطْ ذِراعَيهِ كالكلبِ، وإذا بَزَقَ فلا يَبْزُقَنَّ بينَ يَدَیهِ ولا عن یَمِينِهِ، فإنّما يُناچِي رَبَّ)). قوله: ((اعتَدِلُوا في السجود)» يأتي الكلامُ عليه في أبواب صفة الصلاة (٨٢٢). قوله: ((فإنَّا يُناجي)) في رواية الكُشْمِيهَنِيّ: «فإنَّه يُناجي رَبَّه)). قال الكِرْمانيّ ما حاصله: تقدَّم أنَّ عِلَّة النَّهي عن البُزاق عن اليمينِ بأنَّ عن يمينِه مَلَكاً، وهنا عَلَّلَ بالمناجاة، ولا تَنافيَ بينهما، لأنَّ الْحُكْمَ الواحد يجوز أنْ يكون له عِلَّتان سواء كانتا مُجتمِعتَينِ أو مُنفِرِدتَين، والمناجي تارةً يكونُ قُدّامَ مَن يُناجيه وهو الأكثرُ، وتارةً يكونُ عن يمينه. ٩- باب الإبراد بالظهر في شدة الحرّ ٥٣٣ و٥٣٤- حدَّثنا أيوبُ، قال: حدَّثنا أبو بَكْر، عن سليمانَ، قال صالحُ بنُ كَيْسانَ: حدَّثنا الأعرَجُ عبدُ الرَّحمن وغيرُه، عن أبي هُرَيرةَ. ونافعٌ مَوْلَى عبدِ الله بنِ عمرَ، عن عبدِ الله ابن عمرَ، أَّمَا حَدَّثَاه عن رسول الله وَّهِ أَنَّه قال: ((إذا اشتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا عن الصلاةِ، فإنَّ شِدّةَ الحَرِّ مِن فَتْحِ جَهَنَّمَ)). [طرفه في: ٥٣٦] ٤٩٤ باب ٩/ ح ٥٣٢-٥٣٤ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((باب الإبراد بالظّهرِ في شِدَّة الحَرّ)» قَدَّمَ المصنِّف باب الإبراد على باب وقت الظُّهر، لأنَّ لفظ الإبراد يستلزم أنْ يكون بعد الزَّوال لا قبلَه، إذْ وقتُ الإبراد هو ما إذا انحَطَّت قوَّة الوَهَج من حَرِّ الظَّهِيرة، فكأنَّه أشارَ إلى أوَّل وقت الظُّهر، أو أشارَ إلى حديث جابر بن سَمُرة قال: كان بلال يُؤذِّنُ الظُّهر إذا دَحَضَت الشمسُ(١)، أي: مالَت. قوله: ((حذَّثنا أیُّوبُ)) هو ابن سليمان بن بلال كما في رواية أبي ذَر، وأبو بكر: هو ابن أبي أُوَيسٍ، وهو من أقران أيوب، وسليمان: هو ابن بلال والد أيوب، روى أيوبُ عنه تارةً بواسطةٍ وتارةً بلا واسطة. قوله: ((حدَّثْنا الأعْرَجُ عبد الرحمن وغيرُه)» هو أبو سَلَمَةَ بن عبد الرحمن فيما أظنُّ، وقد ١٦/٢ رواه أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) من وجهٍ / آخرَ عن أيوب بن سليمان فلم يقل فيه: ((وغيره)»، والإسنادُ كلّه مدنُّون. قوله: ((ونافعٌ)) هو بالرفع عطفاً على الأعرج، وهو من رواية صالح بن كَيْسانَ عن نافع، وقد روى ابن ماجَهْ (٦٨١) من طريق عبد الوهاب (٢) الثّقَفيّ عن عبيد الله بن عمر عن نافعٍ عن ابن عمر بعضه: ((أبرِدوا بالظّهر))، وروى السَّرّاج (٩٩٦) من هذا الوجه بعضه: ((شِدَّةُ الْحَرِّ من فَيْحِ جهنّم)). قوله: ((أنَهما)) أي: أباهريرة وابن عمر ((حَدَّثاه)) أي: حَدَّثا مَن حدَّث صالحَ بن کَیْسان، ويحتمل أنْ يكون ضمير ((أنَّهما)» يعودُ على الأعرج ونافع، أي: أنَّ الأعرجَ ونافعاً حَدَّثاه، أي: صالحَ بن كَيْسانَ، عن شيخَيهما بذلك. ووقع في رواية الإسماعيليّ: ((أنَّهمَا حَدَّثا)) بغير ضميرٍ فلا يحتاجُ إلى التقدير المذكور. قوله: ((إذا اشتَّ)) أصله: اشتَدَدَ بوَزْن افتَعَلَ، من الشِّدَّة ثمَّ أُدْغِمَت إحدَى الدَّالَين في الأُخرى، ومفهومه: أنَّ الحَرَّ إذا لم يَشتَدَّ لم يُشرَع الإبراد، وكذا لا يُشرَعُ في البَرْدِ من باب الأَولى. (١) أخرجه مسلم (٦٠٦)، وأبو داود (٤٠٣). (٢) تحرف في (س) إلى: عبد الرحمن. ٤٩٥ باب ٩/ ح ٥٣٢ -٥٣٤ كتاب مواقيت الصلاة قوله: ((فأبِرِدُوا)) بقَطْع الهمزة وكسر الرّاء، أي: أخّروا إلى أنْ يَبرُدَ الوقت، يقال: أبَرَدَ: إذا دخل في البَرْدِ، كأظهرَ: إذا دخل في الظَّهيرة، ومثله في المكان: أنجَدَ إذا دخل نَجْداً، وأَنهمَ إذا دخل تِهامة. والأمرُ بالإبراد أمر استحباب، وقيل: أمر إرشاد، وقيل: بل هو للوجوب، حكاه عِيَاض وغيره، وغَفَلَ الكِرْمانيّ فتَقَلَ الإجماعَ على عَدَم الوجوب، نعم قال ◌ُمهور أهل العِلْمِ: يُستَحبُّ تأخير الظُّهر في شِدَّة الحَرِّ إلى أنْ يَبرُدَ الوقت ويَنكَسِرَ الوَهَج، وخَصَّه بعضهم بالجماعة، فأمَّا المنفرِدُ فالتَّعْجيل في حقِّه أفضل، وهذا قول أكثر المالكيَّة والشافعيِّ لكنْ خَصَّه أيضاً بالبلدِ الحارِّ، وقَيَّدَ الجماعةَ بما إذا كانوا يَنْتابون مسجداً من بُعْد، فلو كانوا مُجُتِمِعينَ أو كانوا يمشون في كِنِّ، فالأفضل في حقِّهم التَّعْجيل، والمشهور عن أحمد التَّسْوية من غير تخصيص ولا قيد، وهو قولُ إسحاق والكوفيّينَ وابن المنذِر، واستدلَّ له القِّرمِذيّ (١٥٨) بحديث أبي ذرِّ الآتي بعد هذا، لأنَّ في روايته: أنَّهم كانوا في سفر، وهي روايةٌ للمصنّف أيضاً ستأتي قريباً (٥٣٩)، قال: فلو كان على ما ذهبَ إليه الشافعيّ لم يأمُرْ بالإبراد لاجتماعهم في السَّفَر، وكانوا لا يحتاجون إلى أنْ يَنْتابوا من البُعْد. قال التِّرمِذي: والأوَّل أَولِى بالاتِّباع. وتَعَقَّبَه الكِرْمانيّ بأنَّ العادةَ في العسكرِ الكثير تفرُّقهم في أطراف المنزل للتخفيف وطَلَب الرَّعْي، فلا نُسلِّمُ اجتماعهم في تلك الحالة، انتهى. وأيضاً فلم تَجْرِ عادتُهم بالتَّخاذ ◌ِباءٍ كبيرٍ يَجَمَعُهم، بل كانوا يَتَفَرَّقون في ظِلال الشَّجَر، وليس هناك كِنٌّ يمشون فيه، فليس في سياق الحديث ما يخالفُ ما قاله الشافعي، وغايته أنَّه استَنَبَطَ من النَّصِّ العامّ - وهو الأمرُ بالإبراد - معنى يُخُصِّصُه، وذلك جائز على الأصحِّ في الأُصول، لكنَّه مبنيٌّ على أنَّ العِلَّةَ في ذلك تأذِّيهم بالحَرِّ في طريقهم، وللمُتمسِّكِ بعمومِه أنْ يقول: العِلَّةُ فيه تأذِّيهم بحَرِّ الرَّمْضاء في جِباههم حالة السجود، ويؤيِّدُه حديثُ أنس: (كنَّا إذا صَلَّينا خلفَ النبيِّي ◌َّهِ بِالظَّهَائِرِ سَجَدْنا على ثيابنا اتِّقَاءَ الحَرّ)) رواه أبو عَوَانةَ في ((صحيحه)) بهذا اللفظ (١)، وأصلُه في مسلم (٦٢٠)، وفي حديث (١) هو عند أبي عوانة برقم (١٠١٣) لكن بلفظ: كنا إذا صلينا مع رسول الله وَ له سجدنا على ثيابنا مخافة الحر. ٤٩٦ باب ٩ / ح ٥٣٢-٥٣٤ فتح الباري بشرح البخاري أنس أيضاً في ((الصحيحين)) نحوه، وسيأتي إن شاء الله تعالى قريباً (٣٨٦). والجوابُ عن ذلك: أنَّ العِلَّةَ الأولى أظهر، فإنَّ الإبراد لا يُزيلُ الحَرَّ عن الأرض، وذهبَ بعضهم إلى أنَّ تعجيل الظُّهر أفضل مُطلَقاً، وقالوا: معنى ((أبرِدو): صَلُّوا في أوَّل الوقت، أخذاً من بَرْدِ النهار وهو أوَّلُه، وهو تأويلٌ بعيد، ويردُّه قوله: ((فإنَّ شِدَّةَ الحَرِّ من فَيْحِ جهنّم)) إذ التَّعْليلُ بذلك يدلُّ على أنَّ المطلوبَ التأخير، وحديث أبي ذرِّ الآتي إن شاء الله تعالى صريح في ذلك حيثُ قال: ((انتَظِرِ انتَظِر))، والحامل لهم على ذلك حديث خَبّاب: ((شَكَوْنا إلى رسول الله وَ لَ حَرّ الرَّمْضاء في جِباهنا وأكُفِّنا فلم يُشكِنا) أي: فلم يُزِلْ شَكْوانا، وهو حديثٌ صحيحٌ رواه مسلم (٦١٩). وتمسّكوا أيضاً بالأحاديث الدَّالَّة على فضيلة أوَّل الوقت، وبأنَّ الصلاة حينئذٍ أكثرُ مَشقَّة فتكونُ أفضل، والجواب عن حديث ٧/٢ ١ خَبّاب: أنَّه محمولٌ على أنَّهم طَلَبوا تأخيراً / زائداً عن وقت الإبراد، وهو زوالُ حَرِّ الرَّمْضاء، وذلك قد يستلزم خروج الوقت، فلذلك لم يُحِيْهم، أو هو منسوخٌ بأحاديث الإبراد فإنَّهَا متأخِّرة عنه، واستدلَّ له الطَّحاويّ بحديث المغيرة بن شُعْبة قال: كنَّا نُصلِّ مع النبيِّ وَِّ الظُّهر بالهاجرة، ثمَّ قال لنا: أبرِدوا بالصلاة ... الحديث، وهو حديثٌ رجاله ثقات رواه أحمد (١٨١٨٥) وابن ماجَهْ (٦٨٠) وصحَّحه ابن حِبَّانَ (١٥٠٥)، ونَقَلَ الخَلّال عن أحمد أنَّه قال: هذا آخرُ الأمرَينِ من رسول الله وَّه. وجمع بعضهم بين الحديثين بأنَّ الإبراد رُخْصة والتَّعْجيلَ أفضل، وهو قولُ مَن قال: إنَّه أمرُ إرشاد، وعَكَسَه بعضهم فقال: الإبرادُ أفضل. وحديث خبّاب يدلُّ على الجواز، وهو الصارفُ للأمرِ عن الوجوب. كذا قيل، وفيه نظر، لأنَّ ظاهرَه المنعُ من التأخير. وقيل: معنى قول خَبّاب: ((فلم يُشكِنا)) أي: فلم يُحوِجْنا إلى شَكْوى، بل أذِنَ لنا في الإبراد، حُكَيَ عن ثَعْلَب، ويردُّه أنَّ في الخيرِ زيادةً رواها ابن المنذر بعد قوله: ((فلم يُشكِنا)) وقال: ((إذا زالَت الشمسُ فصَلُّوا)). وأحسن الأجوبة كما قال المازَرِي الأوَّلُ، والجواب عن أحاديث أوَّل الوقت أنَّها عامَّةٌ أو مُطلَقة والأمر بالإبراد خاصٌّ فهو مُقدَّم، ولا الْتِفْاتَ إلى مَن قال: التَّعْجيلُ أكثر مَشقَّةً ٤٩٧ باب ٩/ ح ٥٣٢-٥٣٤ كتاب مواقيت الصلاة فيكونُ أفضل، لأنَّ الأفضليَّةَ لم تنحصرْ في الأشَقِّ، بل قد يكونُ الأخفُّ أفضلَ كما في قَصْرِ الصلاة في السَّفَر. قوله: ((بالصلاة)) كذا للأكثر، والباء للتَّعْدية، وقيل: زائدة. ومعنى ((أبرِدوا)): أخِّروا على سبيل التَّضْمين، أي: أخِروا الصلاة. وفي رواية الكُشْمِيهَنيّ: ((عن الصلاة)) فقيل: زائدة أيضاً أو بمعنى الباء، أو هي للمُجاوَزَة، أي: تَجَاوَزوا وقتها المعتاد إلى أنْ تَنْكَسِرَ شِدَّة الحرِّ، والمراد بالصلاة الظُّهر، لأنَّها الصلاةُ التي يَشتَدُّ الحَرُّ غالباً في أوَّل وقتها، وقد جاء صريحاً في حديث أبي سعيد كما سيأتي آخرَ الباب، فلهذا حمل المصنِّف في الترجمة المطلَق على المقيَّد، والله أعلم. وقد حمل بعضهم الصلاة على عمومِها بناءً على أنَّ المفرَد المعَرَّف يَعُمُّ، فقال به أشهَبُ في العصر، وقال به أحمد في رواية عنه في العشاء حيثُ قال: تُؤَخَّرُ في الصيف دون الشِّتاء، ولم يقل أحدٌ به في المغرب ولا في الصبح لضيق وقتهما. قوله: ((فإنَّ شِدَّةَ الحَرّ)) تعليل لمشروعيَّة التأخيرِ المذكور، وهل الحِكْمةُ فيه دَفْع المشقّة لكَوْنها قد تَسلُبُ الخشوع؟ وهذا أظهرُ، أو كَوْنها الحالةَ التي يَنتشِرُ فيها العذابُ؟ ويؤيِّدُه حديثُ عَمْرو بن عَبَسة عند مسلم (٨٣٢) حيثُ قال له: ((أقصِرْ عن الصلاة عند استواء الشمس، فإنَّها ساعة تُسجَرُ فيها جهنّم))، وقد استُشكِلَ هذا بأنَّ الصلاة سبب الرَّحْمة ففعلُها مَظِنَّةٍ لطَرْدِ العذاب، فكيف أمر بتَّرْكِها؟ وأجاب عنه أبو الفتح اليَعمَرِيُّ بأنَّ التَّعْليلَ إذا جاء من جهة الشارع، وَجَبَ قَبُوله وإنْ لم يُفهَم معناه، واستَنَبَطَ له الَّينُ بن المنيِرِ مَعنّى مناسباً فقال: وقت ظُهور أثَرِ الغَضَب لا يَنْجَعُ فيه الطََّب إلَّا ممَّنْ أُذِنَ له فيه، والصلاة لا تَنْفَكُّ عن كَوْنها طَلَباً ودعاءً فناسَبَ الاقتصار عنها حينئذ، واستدلَّ بحديث الشَّفاعة(١) حيثُ اعْتَذَرَ الأنبياءُ كلهم للأُمَم بأنَّ اللهَ تعالى غَضِبَ غَضَباً لم يَغْضَبْ قبلَه مِثْلَه، ولا يَغْضَبُ بعده مثله، سوى نبيًِّا وَّ فإنه لم يَعتَذِرْ بل طَلَبَ لكَوْنه أُذِنَ له في ذلك. (١) الذي سيأتي برقم (٣٣٤٠). ٤٩٨ باب ٩/ ح ٥٣٥ فتح الباري بشرح البخاري ويمكن أنْ يقال: سَجْر جهنّم سبب فَيْحِها، وفَيحُها سبب وجودِ شِدَّة الحَرِّ، وهو مَظِنَّة المشقّة التي هي مَظِنَّةٍ سَلْب الخشوع، فناسَبَ أنْ لا يُصلَّى فيها. لكنْ يردُّ عليه أنَّ سَجْرَها يستمرّ في جميع السَّنة، والإبرادُ مُختصّ بِشِدَّة الحَرّ فهما مُتَغايران، فحِكْمة الإبراد دَفْعُ المشقّة، وحِكْمة التَّرْكِ وقت سَجْرِها لكَوْنه وقتَ ظُهور أثَرِ الغَضَب، والله أعلم. قوله: ((من فَيْحِ جَهَنَّم)) أي: من سَعَة انتشارها وتَنَفُسِها، ومنه: مكانٌ أفيَحُ، أي: مُتَّسِع، وهذا كناية عن شِدَّة استعارها، وظاهره أنَّ مَثار وَهَج الحَرِّ في الأرض من فَيْحِ جهنّم حقيقة، وقيل: هو من تَجَاز التشبيه، أي: كأنَّه نارُ جهنّمَ في الحر، والأوَّل أَولى، ويؤيِّدُه الحديث الآتي (٥٣٧): ((اشتَكَت النار إلى رَبِّهَا فَأَذِنَ لها بنَفَسَین)) وسيأتي البحث فيه. ١٨/٢ ٥٣٥- حدَّثنا ابنُ بَشّار، قال: حدَّثنا غُندَرٌ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، عن المهاجِرِ أبي الحَسَنِ سَمِعَ زيدَ بنَ وَهْب، عن أبي ذَرِّ قال: أَّنَ مُؤَذِّنُ النبيِّوَِّ الظُّهرَ فقال: ((أَبْرِدْ أَبْرِدْ)) أو قال: ((انْتَظِرِ انتَظِرْ)) وقال: ((شِدّةُ الحَرِّ مِن فَيْحِ جَهَنَّمَ، فإذا اشتَدَّ الحَرُّ فَأَبِدُوا عن الصلاةِ، حتَّى رأَينا فَيْءَ التُّلُول. [أطرافه في: ٥٣٩، ٣٢٥٨،٦٢٩] قوله: ((عن المهاجِرِ أبي الحَسَن)) المهاجر اسم وليس بوَصْفٍ، والألف واللام فيه للَمْح الصِّفة كما في العبّاس، وسيأتي في الباب الذي بعده بغير ألف ولام. قوله: ((عن أبي ذرٍ)) في رواية المصنِّف في صفة النار (٣٢٥٨) من طريقٍ أُخرى عن شُعْبةَ بهذا الإسناد: سمعت أبا ذَرٌ. قوله: ((أُذَّنَ مُؤَذِّنُ النبيِّ ێ) هو بلال كما سيأتي قريباً. قوله: ((الظُّهرَ)) بالنصب، أي: أذَّنَ وقتَ الظُّهر، ورواه الإسماعيليّ بلفظ: «أراد أنْ يُؤْذِّنَ بالظُّهر))، وسيأتي (٥٣٩) بلفظ ((للظُّهر)) وهما واضحان. قوله: ((فقال أَبِدْ)) ظاهره أنَّ الأمرَ بالإبراد وقع بعد تقدُّم الأذان منه، وسيأتي في الباب الذي بعده بلفظ: فأراد أنْ يُؤذِّنَ للظُّهْرِ، وظاهرُه أنَّ ذلك وقع قبلَ الأذان، فيُجمَعُ بينهما ٤٩٩ باب ٩/ ح ٥٣٦-٥٣٨ كتاب مواقيت الصلاة على أنَّه شَرَعَ في الأذان فقيل له: أبرِدْ، فترك، فمعنى ((أَذَّن)): شَرَعَ في الأذان، ومعنى ((أراد أنْ يُؤْذِّن)) أي: يُتِمّ الأذان، والله أعلم. قوله: ((حتَّى رأينا فَيْء التُّلُول)) كذا وقع هنا مُؤخّراً عن قوله: ((شِدَّة الحَرِّ ... )) إلى آخره، وفي غير هذه الرواية وَقَع ذلك عَقِبَ قوله: ((أبِد)» وهو أوضحُ في السياق، لأنَّ الغايةَ مُتعلِّقة بالإبراد، وسيأتي في الباب الذي بعده بقيَّة مباحثه إن شاءَ الله تعالى. ٥٣٦- حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا سفيانُ قال: حَفِظْناه مِن الزُّهْريّ، عن سعيدِ ابن المسيّب، عن أبي هُرَيرة، عن النبيِّ نَّهِ قال: ((إذا اشتَدَّ الحَرُّ فأبْرِدُوا بالصلاةِ، فإنَّ شِدّةَ الحَرِّ مِن فَيْحِ جَهَنَّمَ)). ٥٣٧ - ((واشتكَتِ النّارُ إلى رَبِّها فقالت: يا رَبِّ أكَلَ بعضي بعضاً، فَأَذِنَ لها بنَفَسَينٍ: نَفَسٍ في الشِّتاءِ، وَنَفَسٍ في الصَّيف، أشَدُّ ما تَجِدُونَ مِن الحَّرِّ، وأشَدُّ ما تَجِدُونَ مِن الَّمْهَرِير)). [طرفه في: ٣٢٦٠] ٥٣٨- حدَّثنا عمرُ بنُ حَفْص، قال: حدَّثنا أَبي، قال: حدَّثنا الأعمشُ، حدَّثنا أبو صالحٍ، عن أبي سعيدٍ قال: قال رسولُ الله وَِّ: ((أَبْرِدُوا بالظَّهرِ، فإنَّ شِدّةَ الحَرِّ مِن فَنْحِ جَهَنَّمَ). تابَعَه سفيانُ ويحيى وأبو عَوَانةَ عن الأعمش. [طرفه في: ٣٢٥٩] قوله: ((حَفِظْناه من الزُّهْريّ)) في رواية الإسماعيليّ عن جعفر الفِرْيابيِّ عن عليّ بن المَدِينِيِّ شيخ المصنِّف فيه بلفظ: حدَّثنا الزُّهْريّ. قوله: ((عن سعيد بن المسيّب)) كذا رواه أكثرُ أصحاب سفيان عنه، ورواه أبو العبّاس السَّاج (٩٨٧) عن أبي قُدامةَ عن سفيان عن الزُّهْريِّ عن سعيدٍ أو أبي سَلَمةَ أحدهما أو كلاهما، ورواه أيضاً (٩٩٢) من طريق شُعَيب بن أبي حمزة عن الزُّهْريِّ عن أبي سَلَمةَ وحدَه، والطريقان محفوظان، فقد رواه الليث وعَمْرو بن الحارث عند مسلم (٦١٥)، ومَعمَر وابن جُرَيج عند أحمد (٧٦١٣)، وابن أخي الزُّهْريّ وأُسامة بن زيد عند السَّرّاج ٥٠٠ باب ٩/ ح ٥٣٦-٥٣٨ فتح الباري بشرح البخاري (٩٩٠ و٩٩١)، ستُهم عن الزُّهْريِّ عن سعيد وأبي سَلَمةَ كلاهما عن أبي هريرة. ١٩/٢ قوله: ((واشتكَت النّار)) في رواية الإسماعيليّ: ((قال: واشتكَت النار))/ وفاعل ((قال)) هو النبيّ وَّ وهو بالإسناد المذكور قبلُ، ووَهِمَ مَن جعله موقوفاً أو مُعلَّقاً. وقد أفرَدَه أحمد في ((مسنده)) (٧٢٤٧) عن سفيان، وكذلك السَّاج (٩٨٨) من طريق سفيان وغيره. وقد اختُلِفَ في هذه الشَّكْوَى هل هي بلسان المقال أو بلسان الحال؟ واختار كُلَّا طائفةٌ، وقال ابن عبد البَرِّ: لكِلا القولين وجه ونظائر، والأوَّل أرجَح، وقال عِيَاض: إنَّه الأظهر. وقال القُرْطبي: لا إحالةَ في حَمْل اللفظ على حقيقتِه. قال: وإذا أخبَرَ الصادق بأمرٍ جائزٍ لم يُحْتَجْ إلى تأويله، فحَمْلُه على حقيقتِهِ أَولى. وقال النَّوويّ نحو ذلك، ثمّ قال: حَمُه على حقيقته هو الصواب. وقال نحوَ ذلك التُّورِبِشْتي، ورَجَّحَ البيضاويّ حمله على المجاز فقال: شَكْواها مَجاز عن غَلَيانها، وأكلُها بعضُها بعضاً مجاز عن ازْدِحام أجزائها، وتَنَفَّسُها ◌َجَاز عن خروج ما يَبرُزُ منها. وقال الزَّين بن المنيِر: المختارُ حَمْلُه على الحقيقة لصلاحية القُدْرة لذلك، ولأنَّ استعارة الكلام للحال وإنْ عُهِدَت وسُمِعَت، لكن الشَّكْوَى وتفسيرها والتَّعْليل له والإذْن والقَبُول والتنفّس وقَصْره على اثنين فقط، بعيد من المجاز، خارجٌ عَّ أُلِفَ من استعماله. قوله: ((بنَفَسَين)) بفتح الفاء، والنَّفَس معروف: وهو ما يَخْرُجُ من الجَوْف ويدخل فيه من الهواء. قوله: ((نَفَسٍ في الشِّتاءِ ونَفَسٍ في الصَّيف)» بالجرِّ فيهما على البَدَل أو البيان، ويجوز الرفعُ والنصب. قوله: ((أشدُّ) يجوز الكسر فيه على البَدَل، لكنَّه في روايتنا بالرفع، قال البيضاوي: هو خبرُ مُبتدَأٍ محذوفٍ تقديره: فذلك أشَدُّ. وقال الطِّيبي: جَعْل ((أشَدّ)) مُبتدَأ محذوف الخبر أَولى، والتقدير: أشَدُّ ما تَجِدون من الحَرِّ من ذلك النَّفَس.