النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
باب ١٠٦ / ح ٥١٦
كتاب الصلاة - أبواب سترة المصلي
يُشعِرُ بأنَّ الكبيرةَ ليست كذلك.
قوله: ((عن أبي قَتَادَةً)) في رواية عبد الرزَّاق (٢٣٧٨) عن مالك: ((سمعت أبا قتادة))،
وكذا في رواية أحمد (٢٢٥٨٩) من طريق ابن جُرَيج، عن عامر، عن عَمْرو بن سُلَيم أنَّه
سمع أبا قتادة.
قوله: ((وهو حامِلٌ أَمامَةَ)) المشهور في الروايات بالتنوين ونصب أُمامة، ورُوي
بالإضافة كما قُرِىَ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَلِغُ أَمْرِهِ﴾ [الطلاق: ٣] بالوجهين، وتخصيص
الحمل في الترجمة بكَوْنه على العُنُقِ - مع أنَّ السِّياقَ يَشمَلُ ما هو أعمُّ من ذلك - مأخوذ من
طريقٍ أُخرى مُصرِّحةٍ بذلك وهي لمسلم (٤٣/٥٤٣) من طريق بُكَير بن الأشجّ عن عَمْرو
ابن سُلَيم، ورواه عبد الرزَّاق (٢٣٧٨) عن مالكٍ بإسناد حديث الباب فزاد فيه: على
عاتقه، وكذا لمسلم (٥٤٣/ ٤٢) وغيره من طرقٍ أُخرى، ولأحمد (٢٢٥٨٩) من طريق ابن
جُرَيجٍ: على رَقَبْتِهِ.
وأُمامة: بضمِّ الهمزة وتخفيف الميمَينِ، كانت صغيرةً على عَهْدِ النبيِّ وَّةِ، وتزوَّجها عليّ
بعد وفاة فاطمة بوَصيَّةٍ منها ولم تُعقِب.
قوله: ((ولأبي العاص)) قال الكِرْمانيّ: الإضافةُ في قوله: ((بنت زينب)) بمعنى اللام،
فأظهرَ في المعطوف وهو قوله: ((ولأبي العاص)) ما هو مُقدَّرٌ في المعطوف عليه. انتهى،
وأشار ابن العَطَّار إلى أنَّ الِحِكْمَةَ في ذلك كَوْن والد أُمامة كان إذْ ذاكَ مُشرِكاً، فَنُسِبَت إلى
أُمِّها تنبيهاً على أنَّ الولدَ يُنسَبُ إلى أشرَف أبوَيهِ ديناً ونَسَباً، ثمَّ بيَّن أنَّها من أبي العاص تبييناً
لحقيقة نَسَبِها، انتھی.
وهذا السّياقُ لمالكٍ وحدَه، وقد رواه غيرُه عن عامر بن عبد الله فنسبوها إلى أبيها ثمَّ
بيَّنوا أنَّها بنتُ زينب كما هو عند مسلم (٤٢/٥٤٣) وغيره، ولأحمد (٢٢٥٨٤) من طريق
المقبُريّ عن عَمْرو بن سُلَيم: يحملُ أمامة بنت أبي العاص - وأُمُّها زينب بنت رسول الله
وَلا - على عاتقه.

٤٦٢
باب ١٠٦ / ح ٥١٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((ابن رَبِیعة بن عبدِ شَمْسٍ» کذا رواه الجمهور عن مالك، ورواه یحیی بن بُکیر
ومَعْن بن عيسى وأبو مُصعَب وغيرُهم عن مالكِ فقالوا: ((ابن الرَّبيع)) وهو الصواب،
وغَفَلَ الكِرْمانيّ فقال: خالفَ القوم البخاريُّ فقال: ربيعة، وعندهم: الرَّبيع، والواقعُ أنَّ
مَن أخرجه من القوم من طريق مالكٍ كالبخاري، فالمخالفة فيه إنَّما هي من مالك. واذَّعَى
الأَصِيلِيّ أنَّه ابن الرَّبيع بن ربيعة، فَنَسَبَه مالك مرَّةً إلى جدِّه، ورَدَّه عِيَاض والقُرْطبيّ
وغيرهما لإطباق النَّسّابین على خلافه.
نعم قد نَسَبَه مالك إلى جدِّه في قوله: ((ابن عبد شمس)) وإنَّما هو ابن عبد العُزَّى بن
عبد شمس، أطبَقَ على ذلك النَّسّابون أيضاً، واسم أبي العاص لَقِيط، وقيل: مِقْسَم، وقيل:
القاسم، وقيل: مِهْشَم(١)، وقيل: هُشَيم، وقيل: ياسر، وهو مشهورٌ بكُنْيْتِه، أسلَمَ قبل
الفتح وهاجر، ورَدَّ عليه النبيُّ وَّ ابنتَه زينب وماتت معه وأثنَى عليه في مُصاهَرتِهِ،
وكانت وفاته في خلافة أبي بكر الصِّدّیق.
قوله: ((فإذا سَجَدَ وَضَعها)) كذا لمالكِ (١/ ١٧٠) أيضاً، ورواه مسلم (٤٢/٥٤٣) أيضاً
من طريق عثمان بن أبي سليمان ومحمد بن عَجْلان، والنَّسائي (ك٥٢٧) من طريق الزُّبَيديّ،
وأحمد (٢٢٥٨٩) من طريق ابن جُرَيج، وابن حِبَّان (٢٣٣٩) من طريق أبي العُمَيس، كلّهم
عن عامر بن عبد الله شيخ مالك فقالوا: ((إذا رَكَعَ وَضَعَها))، ولأبي داود (٩٢٠) من طريق
المقبُريّ عن عَمْرو بن سُلَيم: ((حتَّى إذا أراد أنْ يركعَ أخَذَها فَوَضَعَها ثمَّ رَكَعَ وسَجَد،
حَتَّى إذا فرغَ من سجودِهِ قامَ وأخَذَها فَرَدَّها في مكانها)»، وهذا صريح في أنَّ فعلَ الحمل
والوضع كان منه لا منها بخلاف ما أوَّلَه الخطّابي حيثُ قال: يُشبِه أنْ تكون الصبيّة كانت
قد ألِفَتْه، فإذا سَجَدَ تَعَلَّقَت بأطرافه والتزمَتْه فيَنهَضُ من سجودِه، فتبقى محمولة كذلك إلى
أن یرکعَ فیُرسِلَها، قال: هذا وجهُه عندي.
وقال ابن دَقِيق العيد: من المعلوم أنَّ لفظ حَمَلَ لا يُساوي لفظ وَضَعَ في اقتضاء فعل
(١) بكسر الميم وسكون الهاء وفتح الشين، وقيل: مُهَشِّم بضم أوله وفتح الثاني وكسر الشين المثقَّلة. ذكر
الضبطين الحافظ ابن حجر في ترجمة أبي العاص من ((الإصابة)) ٢٤٨/٧.

٤٦٣
باب ١٠٦ / ح ٥١٦
كتاب الصلاة - أبواب سترة المصلي
الفاعل، لأنَّا نقولُ: فلان حمل كذا، ولو كان غيره حمله، بخلاف وَضَع، فعلى هذا فالفعل
الصادر منه هو الوضعُ لا الرفعُ فيَقِلَّ العمل. قال: وقد كنت أحسِبُ هذا حسناً إلى أنْ
رأيت في بعض طرقه الصحيحة: ((فإذا قامَ أعادَها)). قلت: وهي روايةٌ لمسلم (٤٢/٥٤٣)،
وروايةُ أبي داود (٩٢٠) التي قدَّمناها أصرحُ في ذلك وهي: ((ثُمَّ أَخَذَها/ فَرَدَّها في مكانها)»، ٥٩٢/١
ولأحمد (٢٢٥٨٩) من طريق ابن جُرَيجٍ: «وإذا قامَ حَلها فَوَضَعَها على رَقَيتِهِ)).
قال القُرْطبي: اختلف العلماءُ في تأويل هذا الحديث، والذي أحوَجَهم إلى ذلك أنَّه
عمل كثير، فروى ابن القاسم عن مالكِ أنَّه كان في النافلة، وهو تأويلٌ بعيد، فإنَّ ظاهرَ
الأحاديث أنَّه كان في فريضة. وسبقه إلى استبعاد ذلك المازَريّ وعِيَاض، لما ثبت في مسلم
(٤٢/٥٤٣): ((رأيت النبيَّ ◌َّهِ يَؤُمُّ الناس وأُمامة على عاتقه))، قال المازري: إمامَتُه بالناس
في النافلة ليست بمعهودة. ولأبي داود (٩٢٠): ((بينما نحن ننتظرُ رسولَ اللهِ وَِّ فِي الظُّهر
- أو العصر - وقد دَعَاه بلال إلى الصلاة، إذْ خرج علينا وأُمامة على عاتقِه، فقامَ في مُصلَّاه،
فقُمْنا خلفَه، فكَبَّرَ فَكَبَّرْنا وهي في مكانها))، وعند الزُّبَير بن بكّارٍ وتبعه السُّهَيلِيّ الصُّبْحُ
ووَهِمَ مَن عَزاه للصحيحين.
قال القُرْطبي: وروى أشهَبُ وعبد الله بن نافع عن مالكِ: أنَّ ذلك للضَّرورة حيثُ لم
يجدْ مَن يَكْفیه أمرها، انتهى.
وقال بعض أصحابه: لأنَّه لو تركها لَبَكَت وشَغَلَت سِرَّه في صلاته أكثر من شُغْلِه
بحملِها. وفَرَّقَ بعضُ أصحابه بين الفريضة والنافلة، وقال الباجي: إن وُجِدَ مَن يَكْفيه
أمرها جاز في النافلة دون الفریضة، وإن لم يجدْ جاز فیھما.
قال القُرْطبي: وروى عبد الله بن يوسف التِّنِّيسيُّ عن مالك: أنَّ الحديثَ منسوخ. قلت:
روى ذلك الإسماعيلي عَقِبَ روايته للحديث من طريقه، لكنَّه غيرُ صريح ولفظُه: قال
التِّنِّيسيُّ: قال مالك: من حديث النبيِّ وَّ ناسخ ومنسوخ، وليس العمل على هذا.
وقال ابن عبد البَرّ: لعلَّه نُسِخَ بتحريم العمل في الصلاة. وتُعُقِّبَ بأنَّ النَّسْخَ لا يَثْبُتُ

٤٦٤
باب ١٠٦ / ح ٥١٦
فتح الباري بشرح البخاري
بالاحتمال، وبأنَّ هذه القِصَّةَ كانت بعد قوله ◌ِِّ: ((إنَّ في الصلاة لشُّغْلاً))(١)، لأنَّ ذلك كان
قبل الهِجْرة، وهذه القِصَّة كانت بعد الهِجْرة قَطْعاً بمُدَّةٍ مَدِيدة.
وذكر عِيَاض عن بعضهم: أنَّ ذلك كان من خصائصه ◌َّ، لكَوْنه كان معصوماً من
أنْ تبولَ وهو حاملُها، ورُدَّ بأنَّ الأصلَ عَدَم الاختصاص، وبأنَّه لا يَلْزَمُ من ثبوتٍ
الاختصاص في أمر ثبوتُه في غيره بغير دليل، ولا مَدْخَل للقياس في مثل ذلك.
وحمل أكثرُ أهل العِلْم هذا الحديثَ على أنَّه عملٌ غيرُ متوالٍ، لوجودِ الطُّمأنينة في
أركان صلاته.
وقال النَّووي: ادَّعَى بعض المالكيَّةَ أنَّ هذا الحديثَ منسوخ، وبعضهم أنَّه من
الخصائص، وبعضهم أنَّه كان لضرورة، وكلّ ذلك دَعاوَى باطلة مردودة لا دليلَ عليها،
وليس في الحديث ما يخالفُ قواعدَ الشَّرْع، لأنَّ الآدميَّ طاهر، وما في جَوْفِه معفوٌّ عنه،
وثياب الأطفال وأجسادُهم محمولة على الطهارة حتَّى تتبيَّن النجاسة، والأعمال في الصلاة
لا تُبطِلُها إذا قَلَّت أو تفرَّقت، ودلائل الشَّرْع مُتظاهِرة على ذلك، وإنَّما فعل النبيُّ ◌َّ ذلك
لبيان الجواز.
وقال الفاكِهَاني: وكأنَّ السَّ في حملِهِ أُمامة في الصلاة دَفْعاً لما كانت العربُ تألَفُه من
كراهة البنات وحملِهنّ، فخالفَهم في ذلك حتَّى في الصلاة للمُبالَغة في رَدْعِهم، والبيانُ
بالفعل قد يكون أقوى من القول.
واستدلَّ به على ترجيح العمل بالأصل على الغالب كما أشار إليه الشافعيّ، ولابن
دَقِيق العيد فيه هنا بحث من جهة أنَّ حكايات الأحوال لا عمومَ لها، وعلى جواز إدخال
الصِّبْيان في المساجد، وعلى أنَّ لمسَ الصِّغار الصَّبايا غير مُؤثِّرٍ في الطهارة، ويحتمل أنْ يُفرَّقَ
بين ذوات المحارم وغيرهنّ، وعلى صِحّة صلاة مَن حمل آدميّاً، وكذا مَن حمل حيواناً
طاهراً، وللشافعيَّة تفصيل بين المستَجْمِر وغيره، وقد يجابُ عن هذه القِصَّة بأنَّها واقعةُ
(١) سيأتي عند البخاري برقم (١١٩٩).

٤٦٥
باب ١٠٧ / ح ٥١٧-٥١٨
كتاب الصلاة - أبواب سترة المصلي
حال، فيحتمل أنْ تكون أُمامة كانت حينئذٍ قد غُسِّلَت، كما يحتمل أنَّه كان ◌َّهِ يَمَسُها
بحائل.
وفيه تواضعُهُ بِّهِ، وشَفَقَته على الأطفال، وإكرامه لهم جَبْراً لهم ولوالديهم.
٥٩٣/١
١٠٧ - بابٌ إذا صلی إلی فِراشٍ فیه حائض
٥١٧- حدَّثْنَا عَمرُو بنُ زُرَارةَ، قال: أخبرنا هُشَيمٌّ، عن الشَّيبانيّ، عن عبدِ الله بنِ شدَّادِبنِ
الهادٍ قال: أخبرتْني خالَتي ميمونةُ بنتُ الحارثِ قالت: كانَ فِرَاشي حِيالَ مُصلّى النبيِّ وَلِّ، فَرُّما
وَقَعَ ثوبُه عليَّ وأنا على فِرَاشي.
٥١٨ - حدَّثنا أبو التُّعْمان، قال: حدَّثنا عبدُ الواحدِ بنُ زِیاد، قال: حدَّثْنَا الشَّيبانيُّ سلیمانُ،
حدّثنا عبدُ الله بنُ شدَّاد، قال: سمعتُ ميمونةَ تقول: كانَ النبيُّ ◌َ﴿ يُصلِّ وأنا إلى جَنْبِهِ نائمةٌ،
فإذا سَجَدَ أصابني ثوبُه وأنا حائضٌ.
قوله: ((بابٌ إذا صَلَّى إلى فِراشِ فيه حائض)) أي: هل يُكرَه أو لا؟ وحديثُ الباب يدلُّ
على أنْ لا كراهة، وقال الكِرْماني: جوابُ ((إذا)) محذوف تقديره: صَحَّت صلاتُه، أو معناه:
باب حُكم المسألة الفلانيَّة، وقد تقدَّم الكلام عليه في أبواب سَتْر العَوْرة (٣٧٩) في ((باب
إذا أصاب ثوب المصلّ امرأته)) وهذه الترجمة أخصُّ من تلك، وتقدَّمت له طريق أُخرى
في آخر كتاب الحيض (٣٣٣).
قوله: ((حيالَ)) بكسر المهمَلة بعدَها ياء تحتانيَّة، أي: بجَنْبِه كما ذكره في الطريق الثانية.
قوله: ((فإذا سَجَدَ أصابني ثوبُه)) كذا للأكثر، وللمُستَمْلي والكُشْمِیھَنيّ: ثيابه،
وللأصيليّ: أصابتني ثیابُه.
قال ابن بَطَّال: هذا الحديثُ وشبهُه من الأحاديث التي فيها اعتراض المرأة بين المصلّي
وقِبْلِتِهِ، يدلُّ على جواز القُعودِ لا على جواز المرور، انتهى.
وتُعُقِّبَ بأنَّ ترجمةَ الباب ليست معقودةً للاعتراض، بل مسألة الاعتراض تقدَّمت،
والظاهر أنَّ المصنّف قَصَدَ بيان صِحّة الصلاة ولو كانت الحائض بجَنْب المصلِّي ولو

٤٦٦
باب ١٠٨ / ح ٥١٩
فتح الباري بشرح البخاري
أصابتها ثيابُه، لا كَوْن الحائض بين المصلّي وبين القِبْلة، وتعبيرُه بقوله: ((إلى)) أعمُّ من أنْ
تكون بينَه وبين القِبْلة، فإنَّ الالتهاءَ(١) يَصدُقُ على ما إذا كانت أمامَه أو عن يمينه أو عن
شماله، وقد صرَّحَ في الحدیث بگَوْنها كانت إلى جَنْبِهِ.
قوله: ((وأنا حائضٌ)) كذا لأبي ذرِّ وسَقَطَت هذه الجملةُ لغيره، لكن في روایة کریمةً بعد
قوله: ((أصابني ثوبُه)): زاد مُسدَّد، عن خالد، عن الشَّيبانيّ: ((وأنا حائض))؛ ورواية مُسدّد
هذه ساقها المصنّف في ((باب إذا أصاب ثوب المصلّي)) (٣٧٩) وفيها هذه الزيادةُ، وهي
أصرحُ بمراد الترجمة، والله أعلم.
١٠٨ - باب هل يَغمِز الرجلُ امرأتَه عند السجود لكي يسجد
٥١٩- حدَّثنا عَمرُو بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا يحيى، قال: حدَّثنا عُبِيدُ الله، قال: حدّثنا
القاسِمُ، عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: بِثْسَا عَدَلتُمُونا بالكلبِ والحمارِ، لقد رأيتُني
ورسولُ اللهِ وَّهَ يُصلِّ وأنا مُضطَجِعةٌ بينَه وبينَ القِبْلة، فإذا أرادَ أنْ يَسجُدَ غَمَزَ رِجْليَّ
فقَبَضْتُهما.
قوله: ((باب هل يَغمِزُّ الرجلُ امرأته ... )) إلى آخره، في الترجمة التي قبلها بيانُ صِحّة
الصلاة ولو أصابت المرأةُ بعضَ ثياب المصلِّي، وفي هذه الترجمة بیان صِحّتها ولو أصابها
بعضُ جسده.
قوله: ((حدَّثْنا عَمْرو بن عليّ)) هو الفَلّاسُ، ويحيى: هو القَطَّانُ، وعبيد الله: هو العُمَرُّ،
والقاسم: هو ابن محمد بن أبي بكر.
٥٩٢/١ قوله: ((بِئْسَا عَدَلتُهُونا)) بتخفيف الدَّال، و((ما) / نَكِرة مُفسِّرة لفاعل بِئْس، والمخصوص
بالذَّمِّ محذوف تقديره: عَدْلُكم، أي: تسويَتُكُم إِيَّانا بما ذُكِرٍ. وقد تقدَّم الكلام على مباحث
الحديث في ((باب التطوُّع خلفَ المرأة)) (٥١٣).
(١) تحرفت في (ع) و(س) إلى: الانتهاء، بالنون، والتصويب من (أ).

٤٦٧
باب ١٠٩ / ح ٥٢٠
كتاب الصلاة - أبواب سترة المصلي
١٠٩ - باب المرأة تَطرَحُ عن المصلي شيئاً من الأذى
٥٢٠- حدّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا عُبيد الله بنُ موسى، قال: حدَّثنا إسرائيلُ،
عن أبي إسحاقَ، عن عَمْرٍو بنٍ ميمونٍ، عن عبدِ الله قال: بينما رسولُ الله ◌َّهِ قائمٌ يُصلِّي عند
الكَعْبة وجمعُ قُرَيشٍ في مَجَالسِهم، إذْ قال قائلٌ منهم: ألا تَنظُرُونَ إلى هذا المُرائي، أيُّكُم يقومُ
إلى جَزُورِ آلٍ فُلانٍ فَيَعْمِدُ إِلى فَرْئِها ودَمِها وسَلَاها فيَجِيءُ به، ثمَّ يُمهِلُهُ حتَّى إذا سَجَدَ وَضَعَه
بِينَ كَتِفَيَه؟ فانْبَعَثَ أشْقَاهُم، فلمَّا سَجَدَ رسولُ الله وَّهِ وَضَعَه بينَ كَتِفَيْه وَثَبَتَ النبيُّ لَهـ
ساجِداً، فضَحِكُوا حَتَّى مالَ بعضُهم إلى بعضِ مِن الضَّحِك، فانطَلَقَ مُنطَلِقٌّ إلى فاطِمةَ عليها
السلام، وهي جُوَيِرِيَةٌ فأقبَلَتْ تَسْعَى، وثَبَتَ النبيُّ نَِّ ساجِداً حتَّى الْقَتْه عنه وأقبَلَتْ عليهم
تَسُبُّهم، فلمَّا قَضَى رسولُ الله ◌َِّ الصلاةَ قال: «اللهُمَّ عليكَ بَقُرَيشٍ، اللهُمَّ عليكَ بِقُرَيْشٍ،
اللهُمَّ عليكَ بِقُرَيشٍ)) ثمَّ سَمَّى («اللهُمَّ عليكَ بعَمْرِو بنِ هشامٍ، وعُتْبَةَ بنِ رَبِيعةَ، وشَيْئَةَ بنِ
رَبِيعَةَ، والوليدِ بنِ عُتْبةَ، وأَمَيَّةَ بنِ خَلَف، وعُقْبَةَ بنِ أبي مُعَيطٍ، وعُمارةَ بنِ الوليدِ)).
قال عبدُ الله: فوالله لقد رأيتُهم صَرْعَى يومَ بَدْر، ثمَّ سُحِبُوا إلى القَلِیبِ قَلِيبٍ بَدْر، ثمّ قال
رسولُ الله ◌َّ: ((وَأُتْبَعَ أصحابُ القَلِيبِ لَعْنَةً)).
قوله: ((باب المرأة تَطْرَحُ عن المصلِّ شيئاً من الأذَى)) قال ابن بَطَّل: هذه الترجمةُ قريبة من
التراجم التي قبلَها، وذلك أنَّ المرأة إذا تناولَت ما على ظَهْرِ المصلّي، فإنَّهَا تَقصِدُ إلى أخذِه من
أيِّ جهةٍ أمكنها تَناوُلُه، فإن لم يكن هذا المعنى أشدَّ من مُرورِها بين يديه فليس بدونه.
قوله: «حدّثنا أحمد بن إسحاق» هو من صغار شيوخ البخاري، وقد شارَگه في الرواية
عن شيخه عبيد الله بن موسى المذكور، وعبيد الله ومَن فوقَه كلَّهم کوفیُّون.
قوله: ((ألا تَنظُرُونَ إلى هذا المرائي) مأخوذ من الرِّياء وهو التعبُّدُ في الملا دون الخَلْوة
لیُرَی.
قوله: ((جَزُور آلِ فُلان)) لم أقِفْ على تعيينهم لكن يُشبِه أنْ يكونوا آلَ أبي مُعَيط، لمبادرة
عُقْبة بن أبي مُعَيط إلى إحضار ما طلبوه منه، وهو المعنيُّ بقوله: أشقاهم.

٤٦٨
باب ١٠٩ / ح ٥٢٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فانطَلَقَ مُنطَلِقٍ)) لم أقِفْ على تسميته، ويحتمل أنْ يكون هو ابن مسعود الراوي،
وقد تقدَّم الكلامُ على فوائد هذا الحديث في الطهارة (٢٤٠) قبل الغُسل بقليل.
خاتمة: اشْتَمَلَت أبوابُ استقبال القِيْلة - وما معها من أحكام المساجد وسُتْرة المصلِي -
من الأحاديث المرفوعة على ستّة وثمانين حديثاً، المكرَّر منها ستَّة وثلاثون حديثاً، عشرة
تقدَّمت، وستَّة وعشرون فيها، الخالص منها خمسون حديثاً، وافقه مسلم على تخريج
أُصولها سوى حديثِ أنس: ((مَن استَقبَلَ قِبْلَتَنَا))، وحديثِ ابن عبّاس في الصلاة في قُبُل
الكَعْبة، لكنْ أوضَحْنا أنَّ مسلماً أخرجه عن ابن عبّاس عن أسامة، وحديثِ جابر في
الصلاة على الراحلة، وحديث عائشة في قِصَّة الوليدة صاحبة الوِشَاحِ، وحديثٍ أبي
٥٩٥/١ هريرة: ((رأيت سبعين من أصحاب الصُّفَّة))، وحديثِ/ ابن عمر: ((كان المسجد مبنيّاً
باللَّبِن))، وحديثِ ابن عبّاس في قِصَّة عَّار في بناء المسجد، وحديثِه في الخُطْبة في خَوْخة أبي
بكر، وحديثٍ عمرَ في رفع الصوت في المسجد، وحديثٍ ابن عمر في المساجد التي على
طرق المدينة وهو مُشتمِلٌ على عشرة أحاديث، وحديث عائشة: ((لم أعقِلْ أبوَيَّ إلَّا وهما
یدینان الدِّین».
وفيها من المعلّقات ثمانيةَ عشرَ حديثاً، كلُّها مُكرَّرة إلَّا حديث أنس في قِصَّة العبَّاس
ومال البَحْرينِ وهو من أفراده أيضاً عن مسلم، فجملة ما فيها من الأحاديث بالمكرَّرِ مئة
وأربعة أحاديث، وفيها من الآثار ثلاثة وعشرون كلّها مُعلَّقات، إلَّا أثر مساجد ابن
عبّاس، وأثر عمر وعثمان: أنَّهما كانا يَستَلقيان في المسجد، وأثرهما: أنَّهما زادا في المسجد،
فإنَّ هذه موصولة، والله سبحانه وتعالى أعلم.

٤٦٩
باب ١ / ح ٥٢١
كتاب مواقيت الصلاة
كتاب مواقيت الصَّلاة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
٣/٢
١ - باب مواقيت الصلاة وفضلها
وقولِه: ﴿إِنَّ الصَّلَوةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا قَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]: مُوَقََّاً، وَقَتَه
علیهم.
٥٢١- حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ قال: قَرأْتُ على مالكٍ عن ابنِ شِهَابٍ: أنَّ عمرَ بنَ عبد
العزيزِ أَخَّرَ الصلاةَ يوماً فدَخَلَ عليه عُرْوةُ بنُ الزُّبَيرِ، فأخبَرَهِ: أنَّ المغيرةَ بنَ شُعْبةَ أخَّرَ الصلاةَ
يوماً وهو بالعِرَاقِ، فَدَخَلَ عليه أبو مسعودٍ الأنصاريُّ فقال: ما هذا يا مُغِيرةٌ! أليسَ قد عَلِمتَ
أنَّ جِبْرِيلَ وَ نَزَلَ فِصَلَّى فِصَلَّى رسولُ اللهِوَِّ، ثمَّ صَلَّى فصَلَّى رسولُ اللهِ، ثمَّ صَلَى فِصَلَّى
رسولُ اللهِ وَّةِ، ثمَّ صَلَّى فصَلَّى رسولُ اللهِ، ثمَّ صَلَّى فصَلَّى رسولُ الله ◌ِلِّ، ثمّ قال: «بهذا
أُمِرْتَ))؟
فقال عمرُ لعُرْوةَ: اعلَمْ ما تُحدِّثُ، أَوَ إِنَّ جِبْرِيلَ هو أقامَ لرسول الله وَّهِ وُقُوتَ الصلاة؟
قال عُرْوةُ: كذلكَ كان بَشِيرُ بنُ أبي مسعودٍ يُحدِّثُ عن أبيهِ.
[طرفاه في: ٣٢٢١، ٤٠٠٧]
((كتاب مواقيت الصلاة)) كذا للمُستَمْلي وبعده البسملة، ولَرَفيقَيه البسملة مُقدَّمة
وبعدها: ((باب مواقيت الصلاة وفضلها))، وكذا في نسخة الصَّغَاني، وكذا لكَرِيمةَ لكنْ بلا
بسملة، وكذا للأَصِيليّ لكنْ بلا باب. والمواقيت: جمع مِيقاتٍ، وهو مِفْعالٌ من الوقت:
وهو القَدْرُ المحذَّدُ للفعل من الزمان أو المكان.
قوله: ((﴿كِشَبًا مَّوْقُوتًا﴾ مُوَقَّاً وَقَّتَه عليهم)) كذا وقع في أكثر الروايات، وسَقَطَ في
بعضها لفظُ ((مَوَقَّتاً))، فاستَشكَل ابن التِّين تشديد القاف من وَقَّتَه وقال: المعروفُ في اللُّغة

٤٧٠
باب ١ / ح ٥٢١
فتح الباري بشرح البخاري
التخفيف. انتهى، والظاهرُ أنَّ المصنِّ أراد بقوله: ((مَوَقَّاً) بيان أنَّ قوله: ﴿مَوْقُوتًا ﴾ من
التوقيت، فقد جاء عن مجاهدٍ في معنى قوله: ﴿مَوْقُوتًا﴾ قال: مفروضاً، وعن غيره:
محدوداً. وقال صاحب ((المنتهى)): كلَّ شيءٍ جُعِلَ له حينٌ وغاية فهو مُوقَّت، يقال: وَقَّتَه
ليوم كذا، أي: أجَّلَه.
قوله: ((حدَّثنا عبد الله بن مَسْلَمة)) هو القَعْنبي، وهذا الحديث أوَّل شيءٍ في ((الموطَّ)»
(٣٧/١)، ورجاله کلهم مدنُّون.
قوله: ((أَخَّرَ الصلاةَ يوماً)) وللمصنِّف في بَدْء الخلق (٣٢٢١) من طريق الليث عن ابن
شهاب بيان الصلاة المذكورة ولفظه: ((أخّرَ العصر شيئاً) قال ابن عبد البَرِّ: ظاهرُ سياقه
أنَّه فعل ذلك يوماً ما، لا أنَّ ذلك كان عادةً له وإنْ كان أهل بيته معروفينَ بذلك. انتهى،
وسيأتي إن شاء الله تعالى بيانُ ذلك قريباً في ((باب تضييع الصلاة عن وقتها))(١)، وفي رواية
عبد الرزاق (٢٠٤٤) عن مَعمَرٍ عن ابن شهاب: ((أَخَّرَ الصلاة مَرَّة)) يعني العصر،
وللطَّبرانيّ (٧١٨/١٧) من طريق أبي بكر بن حَزْمِ: أنَّ عُرْوة حدَّث عمر بن عبد العزيز -
وهو يومئذٍ أميرُ المدينة في زمان الوليد بن عبد الملك - وكان ذلك زمانٌ يؤخّرون فيه
الصلاة؛ يعني بني أُميَّة. قال ابن عبد البَرِّ: المرادُ أنَّه أَخَّرَها حتّى خرج الوقت المستَحَب،
لا أَنَّه أَخَّرَها حتَّى غَرَبَت الشمسُ. انتهى، ويؤيِّدُه سياقُ رواية الليث المتقدِّمة.
وأمَّا ما رواه الطَّبرانيّ (٧١٦/١٧) من طريق يزيد بن أبي حبيب عن أسامة بن زيد
الليثيّ عن ابن شهاب في هذا الحديث قال: («دعا المؤَذِّنُ لصلاة العصر فأمسى عمر بن عبد
٤/٢ العزيز قبلَ أنْ يُصلّيَها)) فمحمول على أنَّه/ قارَبَ المساءَ لا أنَّه دخل فيه. وقد رَجَعَ عمرُ بن
عبد العزيز عن ذلك، فروى الأوزاعيُّ عن عاصم بن رَجَاء بن حَيْوةَ عن أبيه: أنَّ عمر بن
عبد العزيز - يعني في خلافته - كان يُصلِّ الظَّهرَ في الساعة الثامنة، والعصرَ في الساعة
العاشرة حین تَدخُل.
(١) في (س) بعد هذا زيادة: وكذا في نسخة الصغاني. وهي زيادة مقحمة لا لزوم لها هنا، والباب المشار إليه
سیأتي برقم (٧).

٤٧١
باب ١ / ح ٥٢١
كتاب مواقيت الصلاة
قوله: ((أنَّ المغيرة بن شُعْبة أخَّرَ الصلاةَ يوماً) بَّن عبد الرزاق (٢٠٤٥) في روایته عن ابن
جُرَيج عن ابن شهاب: أنَّ الصلاة المذكورةَ العصر أيضاً، ولفظه: أمسى المغيرة بن شُعْبة
بصلاة العصر.
قوله: ((وهو بالعراق)) في ((الموطَّأ)) (٣٧/١) رواية القَعْنبيّ وغيره عن مالك: ((وهو
بالكوفة))، وكذا أخرجه الإسماعيليّ عن أبي خَلِيفة عن القَعْنبيّ. والكوفةُ من جُمْلة العراق،
فالتعبير بها أخصُّ من التعبير بالعراق، وكان المغيرة إذْ ذاكَ أميراً عليها من قِبَل معاوية بن
أبي سفيان.
قوله: ((أبو مسعود)) أي: عُقْبة بن عَمْرو البَدْريّ.
قوله: «ما هذا)) أي: التأخير.
قوله: ((أليسَ)) كذا الرواية، وهو استعمالٌ صحيح، لكنَّ الأكثر في الاستعمال في مُخاطَبة
الحاضر: ألستَ، وفي مُخاطَبة الغائب: أليس.
قوله: ((قد عَلمتَ)) قال عِيَاض: يدلُّ ظاهرُه على عِلْم المغيرة بذلك، ويحتمل أنْ يكون
ذلك على سبيل الظنِّ من أبي مسعود لعِلْمه بصُحْبة المغيرة.
قلت: ويؤيِّدُ الأوَّل روايةُ شُعَيب عن ابن شهاب عند المصنّف (٤٠٠٧) في غزوة بَدْر
بلفظ: ((فقال: لقد عَلِمْتَ)) بغير أداة استفهام، ونحوُه لعبد الرزاق (٢٠٤٤ و٢٠٤٥) عن
مَعمَر وابن جُرَيج جميعاً.
قوله: ((أنَّ جِبْيلَ نَزَل)) بيَّن ابن إسحاق في ((المغازي)) أنَّ ذلك كان صَبِيحَةَ الليلة
التي فُرِضَت فيها الصلاةُ وهي ليلة الإسراء، قال ابن إسحاق: حدَّثني عُتْبةُ بن مسلم
عن نافع بن جُبَير، وقال عبد الرزاق (١٧٧٣) عن ابن جُرَيج قال: قال نافع بن جُبَير
وغيره: لمَّا أصبَحَ النبيّ ◌َّهَ من الليلة التي أُسريَ به لم يَرُعْه إلَّا جِبْرِيلُ نزل حين
زاغت الشمس، ولذلك سُمّيَت: الأُولى - أي: صلاةُ الظُّهر - فأمر فصِيحَ بأصحابه:
الصلاةَ جامعةً، فاجتَمَعوا، فصلَّى به جِبْريلُ وصلَّى النبيُّ ◌ِ لِّ بالناس ... فذكر

٤٧٢
باب ١ / ح ٥٢١
فتح الباري بشرح البخاري
الحديث(١)، وفيه رَدٌّ على مَن زَعَمَ أنَّ بيان الأوقات إنَّما وقع بعد الهِجْرة، والحقُّ أنَّ ذلك
وقع قبلها ببيان چېریل، وبعدها ببيان النبيِّ آلّ﴾.
قوله: («نزل فصَلَّى، فصَلَّى رسولُ الله ◌ِ)) قال عِيَاض: ظاهرُه أنَّ صلاتَه كانت بعد فراغ
صلاة جِبْريل، لكنَّ المنصوصَ في غيره: أن جِبْرِيلَ أمَّ النبيَّ وََّ(٢)، فيُحمَلُ قوله: ((صلَّى
فصلّى)) على أنَّ جِبْريلَ كان كلَّما فعل جزءاً من الصلاة تابَعَه النبيُّ پ﴿ ففعله. انتهى، وبهذا
جَزَمَ النَّوويّ.
وقال غيره: الفاءُ بمعنى الواو، واعتُّرِضَ بأنَّه يَلْزَمُ أنْ يكون النبيُّونَ ﴿ كان يتقدَّم في
بعض الأركان على جِبْرِيلَ على ما يقتضيه مُطلَقُ الجمع. وأُجيبَ بمراعاة الحيثيّة وهي
التبيينُ، فكان لأجل ذلك يَتَرَاخَى عنه. وقيل: الفاءُ للسَّبَبيَّة كقوله تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى
فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥]، وفي رواية الليث عند المصنِّف (٣٢٢١) وغيره: ((نزل جِبْرِيلُ
فأمَّني فصلَّيت معه))، وفي رواية عبد الرزاق (٢٠٤٤) عن مَعمَر: ((نزل فصلَّى(٣)، فصلَّ
رسولُ الله ◌َ﴾، فصلَّى الناسُ معه)) وهذا يؤيِّدُ روايةَ نافع بن جُبَير المتقدِّمةَ، وإنَّما دعاهم إلى
الصلاة بقوله: ((الصلاة جامعة))، لأنَّ الأذانَ لم یکن شُرِعَ حينئذ.
واستدلَّ بهذا الحديث على جواز الانْتِمام بمَن یأتمُّ بغيره، ومجابُ عنه بما يجابُ به عن
قصَّة أبي بكر في صلاته خلفَ النبيِّ وَّهِ وصلاة الناس خلفَه، فإنَّه محمولٌ على أنَّه كان
مُبلِّغاً فقط كما سيأتي تقريرُه في أبواب الإمامة (٧١٣).
واستُدلَّ به أيضاً على جواز صلاة المفتَّرِض خلفَ المتنفِّل من جهة أنَّ الملائكة ليسوا
مُكلَّفِينَ بمثل ما كلِّفَ به الإنس، قاله ابن العربيِّ وغيره. وأجاب عِيَاض باحتمال أن لا
(١) إسناده ضعيف، فابن جريج مشهور بالتدليس ولم يصرح بسماعه من نافع، ورواية نافع هذه مرسلة فإنه
تابعيٌّ لم يحضر هذه القصة، ثم إن المتن فيه نكارة، إذ كيف يُصاح بالمسلمين: الصلاة جامعة، وكانوا إذا
ذاك في مكة مُستضعَفين لا تمكنهم قريش من الصلاة في المسجد الحرام، والله تعالى أعلم.
(٢) انظر حديث ابن عباس عند أحمد في («المسند» (٣٠٨١) بتحقيقنا.
(٣) لفظة ((فصلى)) الأُولى سقطت من (أ) و(ع)، والصواب إثباتها كما في (س) وهي كذلك عند عبد الرزاق.

٤٧٣
باب ١ / ح ٥٢١
كتاب مواقيت الصلاة
تكونَ تلك الصلاة كانت واجبة على النبيِّي وَّ حينئذ. وتَعقَّبَه بما تقدَّم من أنَّها كانت
صَبِيحَةَ ليلة فرض الصلاة، وأجاب باحتمال أنَّ الوجوبَ عليه كان مُعلَّقاً بالبيان، فلم
يتحقَّق الوجوب إلَّ بعد تلك الصلاة. قال: وأيضاً لا نُسلِّمُ أنَّ جِبْرِيلَ كان مُتنَفِّلاً، بل
كانت تلك الصلاة واجبة عليه، لأنَّه مُكلَّفُ بتبليغها، فهي صلاةُ مُفتَرِضٍ/ خلف ٥/٢
مُقترِض، انتھی.
وقال ابن المنِّر: قد يتعلَّقُ به مَن مُجُوِّزُ صلاة مُفتِضٍ بفرضٍ خلف مُقتَرِض بفرضٍ
آخر. كذا قال، وهو مُسلَّمٌ له في صورة المؤدَّة مثلاً خلفَ المقضيّة، لا في صورة الظّهر
خلفَ العصر مثلاً.
قوله: ((بهذا أُمِرْتَ)) بفتح المثنَّاة على المشهور، والمعنى: هذا الذي أُمِرتَ به أنْ تُصلّيَه كلَّ
يوم وليلة، ورُوِيَ بالضم، أي: هذا الذي أُمِرتُ بتبليغه لك.
قوله: ((اعلَمْ)) بصيغة الأمر.
قوله: ((أَو إنَّ جِبْرِيلَ)) بفتح الهمزة وهي للاستفهام والواو هي العاطفةُ، والعطف على
شيءٍ مُقدَّر، وبكسر همزة ((إنّ) ويجوز الفتح.
قوله: ((وُقُوتَ الصلاة)) كذا للمُستَمْلي بصيغة الجمع، وللباقين: وقت الصلاة، بالإفراد
وهو للچِنْس.
قوله: («كذلك كان بَشيرٌ)) هو بفتح الموحّدة بعدها مُعجَمة بوَزْن فَعِيل، وهو تابعيٍّ
جليل ذُكِرَ في الصحابة لكَوْنه وُلِدَ في عَهْدِ النّبِّ وَّهِ ورآه. قال ابن عبد البَرِّ: هذا السياقُ
مُنقطِع عند جماعةٍ من العلماء، لأنَّ ابن شهاب لم يقل: حضرت مُراجَعة عُرْوة لعمر،
وعُرْوة لم يقل: حدَّثني بشير، لكنَّ الاعتبارَ عند الجُمْهور بثبوت اللِّقاء والمجالَسَة لا
بالصّیغِ، انتھی.
وقال الكِرْماني: اعلم أنَّ الحديث بهذا الطريق ليس متصل الإسناد، إذْ لم يقل أبو
مسعود: شاهدتُ رسولَ الله ◌ِِّ، ولا قال: قال رسول الله ◌َّ﴾.

٤٧٤
باب ١ / ح ٥٢١
فتح الباري بشرح البخاري
قلت: هذا لا يُسمَّى مُنقطِعاً اصطلاحاً وإنَّما هو مُرسَلُ صحابي، لأنَّه لم يُدرِك القصَّة،
فاحتمل أنْ يكون سمع ذلك من النبيِّ وَّهِ أو بَلَغَه عنه بتبليغ مَن شاهده أو سمعه
كصحابيِّ آخَر. على أنَّ رواية الليث عند المصنِّف تُزِيلُ الإشكالَ كلَّه، ولفظه: ((فقال عُرْوة:
سمعت بشير بن أبي مسعود يقول: سمعت أبي يقول: سمعت رسولَ الله ◌َ ال﴾ يقول)) فذكر
الحديث، و کذا سیاق ابن شهاب ليس فيه التصريح بسماعه له من عُزْوة، وابن شهاب قد
جُرِّبَ عليه التدليسُ، لكنْ وقع في رواية عبد الرزاق (٢٠٤٤) عن مَعمَرٍ عن ابن شهاب
قال: ((كنَّا مع عمر بن عبد العزيز)) فذكره، وفي رواية شُعَيب عن الزُّهْريّ: ((سمعت عُرْوة
يُحدِّثُ عمر بن عبد العزيز)) الحديث(١).
قال القُرْطبىُّ: قولُ عُرْوة: إنَّ جِبْرِيل نزل، ليس فيه حُجَّةٌ واضحةٌ على عمر بن عبد
العزيز، إذْ لم يُعِّنْ له الأوقات. قال: وغايةُ ما يُتَوَهَّمُ عليه أنَّه نَبَّهَه وذَكَّرَه بما كان يَعرِفُه من
تفاصيل الأوقات. قال: وفيه بُعْد، لإنكار عمرَ على عُرْوةَ حيثُ قال له: ((اعلم ما تُحدِّثُ يا
عُرْوة)) قال: وظاهرُ هذا الإنكار أنَّه لم يكن عنده عِلْمٌ من إمامة چِبريل.
قلت: لا يَلْزمُ من كَوْنه لم يكن عنده عِلْمٌ منها، أنْ لا يكون عنده عِلْمٌ بتفاصيل
الأوقات المذكورة من جهة العمل المستمر، لكنْ لم يكن يَعرِفُ أنَّ أصلَه بتبيين جِبْرِيلَ
بالفعل، فلهذا استَثَبَتَ فيه، وكأنَّه كان يرى أنْ لا مُفاضَلةَ بين أجزاء الوقت الواحد، وكذا
يُحمَلُ عمل المغيرة وغيره من الصحابة، ولم أقِفْ في شيءٍ من الروايات على جواب المغيرة
لأبي مسعود، والظاهر أنَّه رَجَعَ إليه، والله أعلم.
وأمَّا ما زاده عبد الرزاق في («مصنَّه)) (٢٠٤٤) عن مَعمَرٍ عن الزُّهْريّ(٢) قال: فلم يَزَلْ
عمرُ يُعلِّمُ الصلاة بعلامةٍ حتَّى فارَقَ الدنيا. ورواه أبو الشَّيخ في كتاب ((المواقيت)) له من
طريق الوليد عن الأوزاعيّ عن الزّهْريِّ قال: ما زالَ عمر بن عبد العزيز يَتعلَّمُ مواقيت
(١) رواية شعيب ستأتي برقم (٤٠٠٧).
(٢) زاد هنا في (س): ((في هذه القصة))، وليست في (ع)، وهذه الفقرة كلها لم ترد في (أ).

٤٧٥
باب ١ / ح ٥٢١
كتاب مواقيت الصلاة
الصلاة حتَّى مات. ومن طريق إسماعيل بن حَكِيمٍ: أنَّ عمر بن عبد العزيز جعل ساعات
يَنْقَضينَ مع غروب الشمس، زاد من طريق ابن إسحاق عن الزُّهْريّ: فما أخّرَها حتَّى
مات. فكلّه يدلُّ على أنَّ عمرَ لم يكن يحتاطُ في الأوقات كثير احتياطٍ إلَّا بعد أنْ حدَّثه عُرْوة
بالحديث المذكور، والله أعلم.
تنبيه: وَرَدَ في هذه القصَّة من وجهٍ آخرَ عن الزُّهْريِّ بیان أبي مسعود للأوقات وفي
ذلك ما يَرفَعُ الإشكال، ويوضحُ توجيه احتجاج عُرْوة به، فروى أبو داود (٣٩٤) وغيرُه
وصحَّحه ابن خُزَيمة (٣٥٢) وغيرُه من طريق ابن وَهْب، والطَّبراني (٧١٦/١٧) من
طريق يزيد بن أبي حبيب، كلاهما عن أُسامةَ بن زيد عن الزّهْريِّ هذا الحديثَ بإسناده،
وزاد في آخرِهِ: قال أبو مسعود: فرأيت / رسولَ اللهَ وَّهِ يُصلِّي الظُّهر حين تزولُ الشمسُ ... ٦/٢
فذكر الحديث. وذكر أبو داود أنَّ أُسامة بن زيد تَفرَّدَ بتفسير الأوقات فيه، وأنَّ أصحابَ
الزُّهْرِيِّ لم يَذْكُروا ذلك. قال: وكذا رواه هشام بن عُرْوة وحبيب بن أبي مرزوق عن عُرْوةً
لم یذکرا تفسیراً. انتهى، وروايةُ هشام أخرجها سعید بن منصور في ((سننه))، ورواية حبیبٍ
أخرجها الحارث بن أبي أُسامة في «مسنده)). وقد وجدتُ ما يَعضُدُ رواية أُسامةَ ويزيدُ
عليها أنَّ البيان من فعل چِبْریل، وذلك فيما رواه الباغَنْديُّ في ((مسند عمر بن عبد العزيز))
(٥٨) والبيهقيُّ في ((السنن الكُبْرى)) من طريق يحيى بن سعيد الأنصاريّ عن أبي بكر بن
خَزْم أنَّه بلَغَه عن أبي مسعود، فذكره مُنقطِعاً (١)، لكنْ رواه الطَّبرانيّ (٧١٨/١٧) من وجهٍ
آخرَ عن أبي بكر عن عُرْوةٍ، فَرَجَعَ الحديثُ إلى عُرْوة، ووَضَحَ أنَّ له أصلاً، وأنَّ في رواية
مالكٍ ومَن تابَعَه اختصاراً، وبذلك جَزَمَ ابن عبد البر، وليس في رواية مالك ومَن تابَعَه ما
ينفي الزيادة المذكورة، فلا تُوصَفُ والحالة هذه بالشُّذوذ.
وفي الحديث من الفوائد: دخولُ العلماء على الأُمراء، وإنكارُهم عليهم ما يخالفُ
(١) هو عند البيهقي في ((السنن)) ١/ ٣٦٥ لكن من طريق صالح بن كيسان قال: سمعت أبا بكر بن حزم
بلغه أن أبا مسعود قال ... فذكره، وليس من طريق يحيى بن سعيد، لكنه عنده من طريق يحيى في كتابه
الآخر ((معرفة السنن والآثار)) برقم (٢٣٣٧ -٢٣٣٩).

٤٧٦
باب ١ / ح ٥٢١
فتح الباري بشرح البخاري
السُّنَّة، واستثبات العالم فيما يَستَغرِبُه السامعُ، والرجوع عند التَّنَازُع إلى السُّنَّة.
وفيه فضيلة عمر بن عبد العزيز. وفيه فضيلةُ المبادرة بالصلاة في الوقت الفاضل.
وقَبُولُ خبر الواحد الثَّبْت. واستدلَّ به ابن بَطَّال وغيره على أنَّ الحُجَّةَ بالمتَّصِل دون
المنقَطِع، لأنَّ عُرْوةَ أجاب عن استفهام عمرَ له لمَّا أرسَلَ الحديث بذِكْر مَن حدَّته به فرَجَعَ
إليه، فكأنَّ عمرَ قال له: تأمَّلْ ما تقول، فلعلَّه بَلَغَكَ عن غيرِ ثَبْت، فكأنَّ عُرْوةً قال له: بل
قد سمعته ثمَّن قد سمع صاحبَ رسول الله وَّهِ، والصاحبُ قد سمعه من النبيِّ وَّ.
واستدلَّ به عِيَاض على جواز الاحتجاج بمُرسَل الثِّقة لصنيع عُرْوة حين احتَجَّ على عمرَ،
قال: وإنَّما راجَعَه عمر ليُئِبِّتَه فيه لا لكَوْنه لم يَرْضَ به مُرسَلاً. كذا قال، وظاهر السياق
يَشْهَدُ لما قال ابن بَطَّال.
وقال ابن بَطَّال أيضاً: في هذا الحديث دليل على ضعف الحديث الوارد في أنَّ جِبْرِيلَ أمَّ
بالنبيِّ نَ ◌ّه في يومَينِ لوقتين مُخْتِلِفَيْنِ لكلِّ صلاة(١)، قال: لأنَّه لو كان صحيحاً لم يُنكِرْ عُرْوة
على عمر صلاته في آخر الوقت مُتَجاً بصلاة چِبریل، مع أنَّ چِبْریل قد صلَّى في اليوم الثاني
في آخر الوقت وقال: «الوقتُ ما بین ھذین».
وأُجيبَ باحتمال أنْ تكون صلاة عمر كانت خرجت عن وقت الاختيار وهو مَصِيرُ
ظِلِّ الشيء مِثلَيه، لا عن وقت الجواز وهو مَغيبُ الشمس، فيَتَّجِه إنكارُ عُرْوة، ولا يَلْزمُ
منه ضعف الحديث. أو يكونُ عُرْوةُ أنكَرَ مخالفةَ ما واظَبَ عليه النبيُّ وَِّ وهو الصلاةُ في
أوَّل الوقت، ورأى أنَّ الصلاة بعد ذلك إنَّما هي لبيان الجواز، فلا يَلْزِمُ منه ضعف الحديث
أيضاً. وقد روى سعيد بن منصور من طريق طَلْق بن حبيب مُرسَلاً قال: ((إنَّ الرجلَ
لَيُصلِّي الصلاة وما فاتَتْه، ولَمَا فاتَه من وقتها خيرٌ له من أهله وماله»، ورواه أيضاً عن ابن
عمر من قوله، ويؤيِّدُ ذلك احتجاجُ عُرْوة بحديث عائشة في كَوْنه وَ ل﴿ كان يُصلِّي العصر
(١) بل هو ثابت صحيح، فقد روي من حديث جابر عند أحمد (١٤٥٣٨)، والترمذي (١٥٠)، والنسائي
(٥٢٦) بسند صحيح، ومن حديث ابن عباس عند أحمد (٣٠٨١)، وأبي داود (٣٩٣)، والترمذي
(١٤٩) بسند حسن.

٤٧٧
باب ١-٢ / ح ٥٢٢-٥٢٣
كتاب مواقيت الصلاة
والشمس في حُجْرتها(١)، وهي الصلاةُ التي وقع الإنكارُ بسببها، وبذلك تظهرُ مناسبة
ذِكْره لحديث عائشة بعد حديث أبي مسعود، لأنَّ حديثَ عائشة يُشعِرُ بمُواظَيتِه على صلاة
العصر في أوَّل الوقت، وحديثُ أبي مسعود يُشعِرُ بأنَّ أصلَ بيان الأوقات كان بتعليم
چېریل.
٥٢٢ - قال عُرْوةُ: ولقد حَدَّثْني عائشةُ: أنَّ رسولَ اللهَوَّلَه كان يُصلِّي العصرَ والشمسُ في
حُجْرِتِها قبلَ أنْ تَظهَرَ.
[أطرافه في: ٥٤٤، ٥٤٥، ٥٤٦، ٣١٠٣]
قوله: ((قال عُرْوة: ولقد حَدَّثْني عائشةُ)) قال الكِرْماني: هو إمَّا مَقُول ابن شهاب، أو ٧/٢
تعليقٌ من البخاريّ.
قلت: الاحتمالُ الثاني - على بُعْدِه - مُغايِر للواقع كما سيَظهَرُ في ((باب وقت العصر))
قريباً، فقد ذكره (٥٤٥) مسنداً عن ابن شهاب عن عُرْوةَ عن عائشة، فهو مَقُولُه وليس
بتعليق، وسنذكر الكلامَ على فوائده هناك إن شاءَ الله تعالى.
٢ - بابٌ ﴿مُنِينَ إِلَيْهِ وَأَتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَلَا تَكُونُواْ
مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الروم: ٣١]
٥٢٣- حدَّثنا قُتَيِيةُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا عَبّادٌ وهو ابنُ عَبّاد، عن أبي جَمْرة، عن ابنِ
عبَّاسٍ قال: قَدِمَ وَفْدُ عبدِ القَيسِ على رسول الله وَّهِ فقالوا: إنَّا هذا الحَيَّ مِن رَبِيعةَ ولَسْنا
نَصِلُ إليكَ إلا في الشَّهْرِ الحَرَامِ، فمُرْنا بشيءٍ نَأْخُذْه عنكَ ونَدْعُو إليه مَن وراءَنا، فقال:
((آمُرُكُم بأربعٍ وأنهاكُم عن أربعٍ: الإيمانِ بالله) ثمَّ فسَّرها لهم: ((شَهادةُ أنْ لا إلهَ إلَّ اللهُ وأنّ
رسولُ الله، وإقام الصلاةِ، وإيتاءُ الزَّكَاةِ، وأنْ تُؤَدُّوا إليَّ ◌ُسَ ما غَنِمتُم، وأنْهَى عن الدُّبَاءِ
والحَنْتَم والمُقْتَِّ والنَّقِير)».
قوله: ((بابٌ ﴿مُنِينَ إِلَيْهِ﴾)» كذا عند أبي ذرِّ بتنوین باب، ولغيره: «بابُ قوله تعالی»
(١) وهو الحديث التالي.

٤٧٨
باب ٣ / ح ٥٢٤
فتح الباري بشرح البخاري
بالإضافة. والمُنِيبُ: التّائبُ، من الإنابة: وهي الرجوع. وهذه الآيةُ ممّا استدلَّ به من یری
تكفير تارك الصلاة لما يقتضيه مفهومُها(١)، وأُجيبَ بأنَّ المراد: أنَّ تَرْكَ الصلاة من أفعال
المشركين، فوَرَدَ النَّهيُ عن التشبُّه بهم، لا أنَّ مَن وافَقَهم في التَّرْكِ صارَ مُشِرِكاً.
وهي من أعظم ما وَرَدَ في القرآن في فضل الصلاة. ومناسَبتُها لحديث وَفْدٍ عبد القيس
أنَّ في الآية اقترانَ نفي الشِّرْك بإقامة الصلاة، وفي الحديث اقتران إثبات التوحيد بإقامتها.
وقد تقدَّم الكلام عليه مُستَوفَّى في كتاب الإيمان (٥٣).
وقوله في هذه الرواية: ((حدَّثنا عَبّاد وهو ابن عَبّاد)) كذا لأبي ذرٍّ وسَقَطَت الواوُ لغيره.
وهو ثمَّن وافَقَ اسمُه اسمَ أبيه، واسم جدِّه حبيب بن المهلَّب بن أبي صُفْرة.
وقوله: «إنّا هذا الحَيَّ» هو بالنصب على الاختصاص.
٣- باب البيعة على إقام الصلاة
٥٢٤- حدَّثنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، قال: حدَّثنا يحيى، قال: حدّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثنا قَيَسُ،
عن جَرِيرِ بنِ عبدِ الله قال: بايَعْتُ رسولَ الله ◌َّهِ على إقام الصلاة، وإيتاءِ الزَّكاة، والنُّضح
لكلِّ مُسلِمٍ.
قوله: ((باب البيعة على إقام الصلاة)) وفي رواية كَرِيمة: ((إقامة)). والمراد بالبيعة: المبايعة على
الإسلام، وكان النبيُّ وَّه أوَّلَ ما يَشتِرِطُ بعد التوحيد إقامةَ الصلاة، لأنَّها رأْس العبادات
البدنيّة، ثمَّ أداءَ الزّكاة، لأنَّها رأْس العبادات الماليّة، ثمَّ يعلِّمُ كلّ قوم ما حاجَتُهم إليه أمسُ،
فبايعَ جَرِيراً على النصيحة، لأنَّه كان سيِّدَ قومِه فأرشَدَه إلى تعليمِهم بأمرِه بالنصيحة لهم،
وبايعَ وَفْد عبد القيس على أداء الخُمس لكَوْنهم كانوا أهل محاربة مع مَن يَلِيهم من كُفّار
مُضَر، وقد تقدَّم الكلامُ على حديث جَرِير أيضاً مُستَوقَى في آخر كتاب الإيمان (٥٧).
ويحيى في الإسناد أيضاً: هو القَطّان، وإسماعيل: هو ابن أبي خالد، وقيسٌ: هو ابن
أبي حازم.
(١) في (أ): بما يقتضي مفهومها.

٤٧٩
باب ٤ / ح ٥٢٥
كتاب مواقيت الصلاة
٨/٢
٤ - بابٌ الصلاة كفَّارة
٥٢٥- حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدّثنا يحيى، عن الأعمشِ، قال: حدَّثني شَقِيقٌ، قال: سمعتُ
خُذَيفةَ قال: كنَّ جُلُوساً عندَ عمرَ ﴾ فقال: أيُّكُمْ يَحِفَظُ قولَ رسولِ الله وَلِ فِي الْفِتْنَة؟ قلتُ:
أنا كما قالَهُ. قال: إنَّكَ عليه - أو عليها - لَجَرِيءٌ. قلتُ: فِتْنَةُ الرَّجُلِ في أهلِه ومالِهِ وَلَدِه
وجارِهِ، تُكفِّرُها الصلاةُ والصومُ والصَّدَقَةُ والأمرُ والنَّهْيُ. قال: ليسَ هذا أُرِيدُ، ولكنِ الفِشْتَةُ
الَّتِي تَمُوجُ كما يَمُوجُ البحرُ. قال: ليسَ عليكَ منها بأْسِّ يا أميرَ المؤمنينَ، إِنَّ بينَكَ وبينَها باباً
مُغلَقاً. قال: أيُكسَرُ أم يُفتَحُ؟ قال: يُكسَرُ. قال: إذاً لا يُغلَقَ أبداً. قلنا: أكانَ عمرُ يَعلَمُ البابَ؟
قال: نَعَمْ كما أنَّ دُونَ الغَدِ اللَّيلةَ، إِنِّ حَدَّثتُه بحديثٍ ليسَ بالأَغالِيطِ.
فِهِبْنا أنْ نَسأَلَ حُذَيفةَ، فَأَمَرْنا مَسرُوقاً فسألَه فقال: البابُ عمرُ.
[أطرافه في: ١٤٣٥، ١٨٩٥، ٣٥٨٦، ٧٠٩٦]
قوله: ((بابُّ الصلاة كَفّارة)) كذا للأكثر، وللمُستَمْلي: باب تكفير الصلاة.
قوله: ((حدَّثنا يحيى)) هو القَطّان، وشَقِيق: هو ابن سَلَمةَ أبو وائل.
قوله: ((سمعتُ حذيفةَ)) وللمُستَمْلي: حدَّثني حُذَيفة.
قوله: ((في الفِتْنة)) فيه دليل على جواز إطلاق اللفظ العامِّ وإرادة الخاصّ، إذْ تبيَّن أنَّه لم
يسألْ إلَّا عن فِتْنَةٍ مخصوصة. ومعنى الفِتْنة في الأصل: الاختبار والامتحان، ثمَّ استُعمِلَت
في كلِّ أمرٍ يَكْشِفُه الامتحانُ عن سوء، ويُطلَقُ على الكُفْرِ، والغُلوِّ في التأويل البعيد، وعلى
الفضيحة، والبَليَّة، والعذاب، والقتال، والتَّحَوُّل من الحسنِ إلى القبيح، والمَيْل إلى الشيءٍ
والإعجاب به، ويكونُ في الخير والشرِّ كقوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيَّرِ فِتْنَةٌ﴾
[الأنبياء: ٣٥].
قوله: ((أنا كما قالَه)) أي: أنا أحفظُ ما قاله، والكاف زائدة للتأكيد، أو هي بمعنى: على.
ويحتمل أنْ يُرادَ بها المِثِليَّة، أي: أقوله مِثْلَ ما قاله.
قوله: ((عليه)) أي: على النبيِّ وَّهِ((أو عليها)) أي: على المقالة، والشَّكّ من أحدٍ رواته . .

٤٨٠
باب ٤ / ح ٥٢٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((الأمر والنَّهْي)) أي: الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكَرِ كما صَرَّحَ به في الزّكاة
(١٤٣٥).
وقوله: ((قلنا)) هو مَقُول شَقِيق، وقوله: ((إنّ حَدَّثْته)) هو مَقُول حُذَيفة، و((الأغاليط))
جمع أُغْلوطة.
وقوله: ((فِهِبْنا)) أي: خِفْنا، وهو مَقُول شَقِيق أيضاً.
وقوله: ((البابُ عمرُ)) لا يعارضُ قوله قبلَ ذلك: ((إنَّ بينَه وبينَ الفِتْنة باباً)، لأنَّ المراد
بقوله: بينك وبينَها، أي: بين زمانك وبينَ زمان الفِتْنة وجود حياتك. وسيأتي الكلامُ على
بقيَّة فوائد هذا الحديث في علامات النُّبُوَّة (٣٥٨٦) إن شاءَ الله تعالى.
٥٢٦- حدَّثنا قُتَيةٌ، قال: حدَّثَنَا يَزِيدُ بنُ زُرَيع، عن سليمانَ الَّيْمَيّ، عن أبي عثمانَ
النَّهْدِيّ، عن ابنِ مسعودٍ: أنَّ رجلاً أصابَ مِن امرأةٍ قُبْلَةً فأتَى النبيَّ ◌َهِ فأخبَرَه، فأنْزَلَ اللهُ:
﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ الَّيْلِّ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، فقال
الرَّجُلُ: يا رسولَ الله، أَلِي هذا؟ قال: ((لجميعِ أُمَّتِي كُلُّهم).
[طرفه في: ٤٦٨٢]
قوله: ((أنَّ رجلاً)) هو أبو اليَسَرِ - بفتح التَّحْتَانيَّة والمهمَلة - الأنصاري، رواه التِّرمِذيُّ
(٣١١٥)، وقيل: غيرُه، ولم أقِفْ على اسم المرأة المذكورة، لكنْ جاء في بعض الأحاديث
أنَّها من الأنصار.
قوله: ((لجميع أَمَّتِي كُلّهم) فيه مُبالَغَة في التأكيد، وسَقَطَ ((كلّهم)) من رواية المُسْتَمْلِي.
٩/٢ وسيأتي الكلام على بقيَّة فوائد هذا الحديث في أواخر تفسير سورة/ هود (٤٦٨٧) إن شاءَ
الله تعالى.
واحتَجَّ المُرجِئة بظاهرِهِ وظاهر الذي قبلَه على أنَّ أفعالَ الخير مُكفِّرة للكبائرِ
والصغائر، وحمله ◌ُهور أهل السُّنَّة على الصغائرِ عملاً بحَمْل المطلَق على المقيَّد كما سيأتي
بَسْطُه هناك إن شاء الله تعالى.