النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ باب ٨٩ / ح ٤٨٨-٤٩٢ كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد قوله: ((قِبَلَ المدينة)) بكسر القاف ويفتح الموحّدة، أي: مُقابلَها. و(الصَّفْراوات)) بفتح المهمَلة وسكون الفاء: جمعُ صَفْراء، وهو مكانٌ بعد مَرٌ الظَّهْران. قوله: ((يَنزِلُ بذي طُوَى)) بضمِّ الطاء للأكثر، وبه جَزَمَ الْجَوْهَريّ، وفي رواية الحَمُّوِيّ والمُستَمْلي: ((بذي الطُّوَى)) بزيادة ألفٍ ولام، قَّدَه الأَصِيليّ بالكسر، وحكى عِیَاض وغيرُه الفتح أيضاً. قوله: ((استَقبَلَ فُرْضَتَي الجبل)) الفُرْضة بضمِّ الفاء وسكون الراء بعدَها ضاد معجمة: مَدَ خَلُ الطريق إلى الجبل، وقيل: الشَّقُّ المرتَفِعُ كالشُّرَافة، ويقالُ أيضاً لمدخل النَّهر. تنبيهات: الأوَّل: اشتَمَلَ هذا السِّياقُ على تِسْعة أحاديثَ أخرجها الحسن بن سفيان في ((مسندِه)) مُفرَّقة من طریق إسماعيل بن أبي أُویس عن أنس بن عياض، یعیدُ الإسنادَ في کلّ حدیث، إِلَّا أنَّه لم يذكر الثالث. وأخرج مسلم منها الحديثين الأخيرينِ في كتاب الحج (١٢٥٩ و ١٢٦٠). الثاني: هذه المساجدُ لا يُعرَفُ اليومَ منها غير مسجدَي ذي الحُلَيفة، والمساجد التي بالرَّوْحاء يعرفُها أهلُ تلك الناحية. وقد وقع في رواية الزُّبَير بن بَكّارٍ في ((أخبار المدينة)) له من طريقٍ أُخرى عن نافع عن ابن عمر في هذا الحديث زيادةٌ بَسْطٍ في صفة تلك المساجد. / وفي التِّرمِذيَّ من حديث عَمْرو بن عَوْف: أنَّ النبيَّيَ ◌َّ صَلّى في وادي الرَّوْحاء٥٧١/١ وقال: ((لقد صلَّى في هذا المسجد سبعون نبيًا)(١). الثالثُ: عُرِفَ من صنيع ابن عمر استحباب تتُّع آثار النبيِّ وَّه والتبرُّك بها، وقد قال الْبَغَويّ من الشافعيَّة: إنَّ المساجدَ التي ثبت أنَّ النبيَّ ◌َ ◌ّهِ صلَّى فيها، لو نَذَرَ أحدٌ الصلاةَ في (١) عزو هذا الخبر إلى الترمذي وهمّ من الحافظ رحمه الله، وإنما هو عند الطبراني في ((المعجم الكبير)) ١٧/ (١٢)، وسنده ضعيف جداً، فیه کثیر بن عبد الله المزني، وهو متروك الحديث. ٤٢٢ باب ٨٩ / ح ٤٨٨-٤٩٢ فتح الباري بشرح البخاري شيءٍ منها، تَعيَّن كما تَتَعيَّنُ المساجد الثلاثة(١). الرابعُ: ذكر البخاري المساجد التي في طرق المدينة، ولم يذكر المساجدَ التي كانت بالمدينة، لأنَّه لم يقعْ له إسناد في ذلك على شرطِه. وقد ذكر عمر بن شَبَّة في ((أخبار المدينة)) المساجد والأماكن التي صلَّى فيها النبيُّ وَّهَ بالمدينة مُستَوعِباً، وروى عن أبي غسَّان عن غير واحدٍ من أهل العِلْمِ: أنَّ كلَّ مسجدٍ بالمدينة ونواحيها مبنيٌّ بالحِجارة المنقوشة المطابقة، فقد صلَّى فيه النبيُّ ◌َّهِ، وذلك أنَّ عمر بن عبد العزيز حين بنى مسجدَ المدينة سألَ الناسَ - وهم يومَئذٍ متوافرون - عن ذلك ثمَّ بناها بالحِجارة المنقوشة المطابقة. انتهى، وقد عيَّن عمر بن شَبَّة منها شيئاً كثيراً، لكنَّ أكثرَه في هذا الوقت قد اندَثَر، وبقي من المشهورة الآنَ مسجد قُباء، ومسجد الفضِيخ وهو شَرْقيّ مسجد قُباءٍ، ومسجد بني قُرَيظة، ومَشرَبة أُمِّ إبراهيمَ وهي شَماليّ مسجد بني قُرَيظة، ومسجد بني ظَفَر شَرْقِيّ البقيع ويُعرَفُ بمسجد البَغْلة، ومسجد بني معاوية ويُعرَفُ بمسجد الإجابة، ومسجد الفتح قريبٌ من جبل سَلْع، ومسجد القِبْلتين في بني سَلِمة، هكذا أثبتَه بعضُ شيوخنا، وفائدةٌ معرفة ذلك ما تقدَّم عن البَغَويّ، والله أعلم. (١) هذا ضعيف، والصواب أنه لا يتعيَّن شيء من المساجد بالنذر سوى المساجد الثلاثة إذا احتاج إلى شدِّ رحل، فإن لم يحتج لذلك فهو موضع نظر واختلاف. وأما هذه المساجد التي أشار إليها البغوي فالصواب أنه لا يجوز قصدُها للعبادة، ولا ينبغي الوفاء لمن نذرها سدّاً للذَّريعة، ويكفيه أن يصلي في غيرها من المساجد الشرعية، والله أعلم. (س). ٤٢٣ باب ٩٠ / ح ٤٩٣ كتاب الصلاة - أبواب سترة المصلي أبواب سُتْرة المصلِّي ٩٠ - بابٌ سُتْرة الإمام سُتْرة من خلفه ٤٩٣- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن ابنِ شِهَاب، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ عُتْبةَ، عن عبدِ الله بنِ عِبَّاس، أنَّه قال: أقبلتُ راكِباً على ◌ِمارٍ أَتَانٍ وأنا يَومَئذٍ قد ناهَزْتُ الاحتلامَ، ورسولُ اللهِوَّ يُصلِّ بالناسِ بِمِنَّى إلى غيرِ جِدَارٍ، فمَرَرْتُ بينَ یَدَيْ بعض الصَّفِّ، فنزلتُ وأرسَلتُ الأنانَ تَرتَعُ، ودَخَلتُ في الصَّفِّ فلم يُنكِرْ ذلكَ عليَّ أَحدٌ. قوله: ((بابٌ سُتْرة الإمام سُتْرة مَن خَلْفَه)) أورَدَ فيه ثلاثةَ أحاديث، الثاني والثالث منها مطابقان للترجمة لكَوْنه ◌َّه لم يأمُرْ أصحابه أنْ يتَّخذوا سُتْرةً غير سُتْرتِهِ، وأمَّا الأوَّلُ وهو حديثُ ابن عبّاس، ففي الاستدلال به نظرٌ، لأنَّه ليس فيه أنَّه وَّه صلَّى إلى سُتْرة، وقد بَوَّبَ عليه البيهقي (٢/ ٢٧٣): ((باب من صلَّى إلى غير سُتْرة))، وقد تقدَّمَ في كتاب العِلْم (٧٦) في الكلام على هذا الحديث في ((باب متى يَصِحُّ سماعُ الصغير)) قولُ الشافعيّ: إنَّ المرادَ بقول ابن عبّاس: ((إلى غير جِدار)) أي: إلى غير سُتْرة، وذكرنا تأييدَ ذلك من رواية البَزَّار (٤٩٥١)، وقال بعض المتأخِّرين: قوله: ((إلى غير جِدار)) لا ينفي غير الجدار، إلّا أنَّ إخبارَ ابن عبّاس عن مُرورِه بهم وعَدَم إنكارهم لذلك مُشعِر بحدوثٍ أمرٍ لم يَعْهَدوه، فلو فُرِضَ هناك سُتْرةٌ أُخرى غير الجدار لم يكن لهذا الإخبار فائدة، إذْ مرورُه حينئذٍ لا يُنكِرُه أحد أصلاً، وكأنَّ البخاريَّ حمل الأمر في ذلك على المألوف المعروف من عادته وَّ أنَّه/ كان لا ٥٧٢/١ يصلِّي في الفَضاء إلَّا والعَنَزة أمامَه، ثمَّ أَيَّدَ ذلك بحديثَي ابن عمر (٤٩٤) وأبي جُحَيفة (٤٩٥)، وفي حديث ابن عمر ما يدلُّ على المداومة وهو قولُه بعد ذِكْر الحَرْبة: ((وكان يفعلُ ذلك في السَّفَر))، وقد تبعه النَّوويّ فقال في ((شرح مسلم)) في كلامه على فوائد هذا الحديث: فيه أنَّ سُتْرة الإمام سُتْرة لمن خلفَه، والله أعلم. قوله: ((ناهَزْتُ الاحتلام)) أي: قاربتُه، وقد ذكرت الاختلافَ في قَدْر عُمره في ((باب : ٤٢٤ باب ٩٠ / ح ٤٩٣ فتح الباري بشرح البخاري تعليم الصِّبْيان)) من كتاب فضيلة القرآنِ (٥٠٣٥) وفي ((باب الاختتان بعد الكِبَرَ)) من كتاب الاستئذان (٦٢٩٩)، وتوجيه الجمع بين المختَلِف من ذلك وبيان الراجح من الأقوال ولله الحمد. قوله: ((يُصلِّ بالناس بمِنَّى)) كذا قال مالك وأكثر أصحاب الزّهْريّ، ووقع عند مسلم (٢٥٦/٥٠٤) من رواية ابن عُيَينة: ((بعَرَفة))، قال النَّووي: يُحِمَلُ ذلك على أنَّهَما قَضيَّتَان، وتُعُقِّبَ بأنَّ الأصلَ عَدَمُ التعدُّدِ ولا سيَّما مع اتّحاد ◌َخَرَج الحديث، فالحقّ أنَّ قولَ ابن عُيَينة: (بعَرَفة)) شاذٌّ. ووقع عند مسلم (٥٠٤/ ٢٥٧) أيضاً من رواية مَعمَرٍ عن الزُّهْريِّ: ((وذلك في حَجَّة الوَدَاعِ أو الفتح)) وهذا الشَّكّ من مَعمَرٍ لا يُعوَّلُ عليه، والحقُّ أنَّ ذلك كان في حَجَّة الوَدَاعِ. قوله: ((بعض الصَّفِّ)) زاد المصنِّ في الحجِّ (١٨٥٧) من رواية ابن أخي ابن شهاب عن عَمِّه: ((حتَّى ◌ِرْتُ بين يدَي بعض الصَّفِّ الأوَّل)) انتهى، وهو يُعيِّنُ أحد الاحتمالَينِ الَّذَينِ ذكرناهما في كتاب العِلْم (٧٦). قوله: ((فلم يُنكِرْ ذلك عليَّ أحد)) قال ابن دقيق العيد: استدلَّ ابن عبّاس بترك الإنكار على الجواز، ولم يَستَدِلَّ بتركِ إعادتهم للصلاة، لأنَّ ترك الإنكار أكثرُ فائدةً. قلت: وتوجيهُه أنَّ تركَ الإعادة يدلُّ على صِحّتِها فقط لا على جواز المرور، وترك الإنكارٍ يدلُّ على جواز المرورِ وصِحّة الصلاة معاً. ويُستَفادُ منه أنَّ ترك الإنكار حُجَّة على الجواز بشرطِهِ، وهو انتفاءُ الموانع من الإنكار وثبوتُ العِلْم بالاطلاع على الفعل، ولا يقالُ: لا يَلزَمُ ممَّا ذُكِرَ اطّلاع النبيِّ وَّل على ذلك لاحتمال أنْ يكون الصَّفّ حائلاً دون رُؤْية النبيِّ وسلّ له، لأنّا نقولُ: قد تقدَّم (٤١٨-٤١٩) أنَّە پے کان یری في الصلاة من وراءَه کما یری مَن أمامَه، وتقَدَّم أنَّ في رواية المصنّف في الحجِّ (١٨٥٧): أنَّه مَرَّ بين يدَي بعض الصَّفِّ الأوَّل، فلم يكن هناك حائل دون الرُّؤْية، ولو لم يَرِدْ شيء من ذلك لكان توفّر دَواعِيهم على سؤاله ◌َّهِ عَّا تَحَدُثُ لهم كفياً في الدّلالة على اطلاعه على ذلك، والله أعلم. ٤٢٥ باب ٩٠ / ح ٤٩٤ كتاب الصلاة - أبواب سترة المصلي واستدلَّ به على أنَّ مُرور الحمار لا يقطعُ الصلاة، فيكون ناسخاً لحديث أبي ذرِّ الذي رواه مسلم (٥١٠) في كَوْن مُرورِ الحمار يقطعُ الصلاةَ وكذا مرور المرأة والكلب الأسود. وتُعُقِّبَ بأنَّ مُرور الحمار مُتحقّق في حال مرورٍ ابن عبّاس وهو راكبُه، وقد تقدَّم أنَّ ذلك لا يَضُرُّ لكَوْن الإمام سُتْرة لمن خلفَه، وأمَّا مرورُه بعد أنْ نزل عنه فيحتاجُ إلى نَقْل. وقال ابن عبد البَرِّ: حديثُ ابن عبّاس هذا يُخُصُّ حديثَ أبي سعيد: ((إذا كان أحدُكم يصلِي فلا يَدَعْ أحداً يَمُزُّ بين يديه)(١) فإنَّ ذلك مخصوص بالإمام والمنفَرِد، فأمَّا المأمومُ فلا يَضُرُّه مَن مَرَّ بين يديه لحديث ابن عبّاس هذا، قال: وهذا كُلُّه لا خلافَ فيه بين العلماء. وكذا نقل عِيَاض الاتّفاق على أنَّ المأمومين يُصلّون إلى سُتْرة، لكن اختلفوا هل سُتْرتُهم سُتْرةُ الإمام أم سُتْرتُهم الإمام نفسه. انتهى، وفيه نظر، لما رواه عبد الرزّاق (٢٣٢٠) عن الحكم بن عَمْرو الغفاريّ الصحابي: أنَّه صلَّى بأصحابه في سفرٍ وبین یدیه سُتْرة، فمَرَّت حميرٌ بين يدَي أصحابه فأعادَ بهم الصلاة، وفي رواية له (٢٣١٨) أنَّه قال لهم: إنَّها لم تقطعْ صلاتي ولكن قَطَعَت صلاتكم. فهذا يُعكِّرُ على ما نُقِلَ من الاتّفاق. ولفظُ ترجمة الباب وَرَدَ في حديثٍ مرفوعٍ رواه الطبراني في «الأوسط)) (٤٦٥) من طريق سُوَيدٍ بن عبد العزيز، عن عاصم، عن أنس مرفوعاً: ((سُتْرة الإمام سُتْرة لمن خَلْفَه)) وقال: تفرَّد به سويدٌ عن عاصم. انتهى، وسويدٌ ضعيف عندهم. ووَرَدَ أيضاً في حديثٍ موقوفٍ على ابن عمر أخرجه عبد الرزّاق (٢٣١٧). ويظهرُ أثرُ الخلاف الذي نقله عِيَاض فيما لو مَرَّ بين يدَي الإمام أحد، فعلى قول/ مَن ٥٧٣/١ يقولُ: إنَّ سُتْرة الإمام ◌ُتْرة مَن خَلْفَه، تضُرُّ صلاتَه وصلاتَهم معاً، وعلى قول مَن يقولُ: إنَّ الإمامَ نفسه سُتْرة مَن خلْفَه، تضُرُّ صلاته ولا تضرّصلاتهم. وقد تقدَّمت بقيَّة مباحث حديث ابن عبّاس في كتاب العِلْم (٧٦). ٤٩٤- حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن نُمَير، قال: حدَّثنا عُبيد الله، عن نافع، عن (١) أخرجه بهذا اللفظ مسلم (٥٠٥) (٢٥٨)، وسيأتي بمعناه عند البخاري برقم (٥٠٩). ٤٢٦ باب ٩٠ / ح ٤٩٤ فتح الباري بشرح البخاري ابنِ عمرَ: أنَّ رسولَ اللهِ وََّ كَانَ إذا خَرَجَ يومَ العِيدِ أمَرَ بالحَرْبة فَتُوضَعُ بِينَ يَدَيهِ، فيُصلِّي إليها والناسُ وراءَه، وكانَ يَفعَلُ ذلكَ في السَّفَرِ، فمن ثَمَّ اتَّخَذَها الأُمراءُ. [أطرافه في: ٤٩٨، ٩٧٢، ٩٧٣] قوله: ((حدّثنا إسحاق)) قال أبو عليّ الجَيَّنيُّ: لم أجِدْ إسحاق هذا منسوباً لأحدٍ من الرُّواة. قلت: وقد جَزَمَ أبو نُعَیم وخَلَفٌ وغیرُهما بأنَّه إسحاق بن منصور. قوله: ((أمَرَ بالحَرْبة)) أي: أمَرَ خادمَه بحمل الحَرْبة، وللمصنِّف في العيدين (٩٧٣) من طريق الأوزاعيّ عن نافع: كان يَغْدو إلى المصلَّى والعَنَزَة ◌ُحمَّلُ وتُنصَبُ بين يديه فيصلِّ إليها، زاد ابن ماجَهْ (١٣٠٤) وابن ◌ُزَيمة (١٤٣٥) والإسماعيلي: وذلك أنَّ المصلَّى كان فضاءً ليس فيه شيء يَستُرُه. قوله: ((والناسُ)) بالرفع عطفاً على فاعل ((فيُصلّي)». قوله: «و کان یَفعَلُ ذلك» أي: نَصْبَ الخزبة بین یدیه حیثُ لا یکون جدار. قوله: ((فمن ثَمَّ) أي: فمن تلك الجهة اَّخَذَ الأُمراءُ الحَرْبةَ يُخْرَجُ بها بين أيديهم في العيد ونحوِه، وهذه الجملة الأخيرة فصَّلها عليٌّ بن مُسهِرٍ من حديث ابن عمر فجعلها من كلام نافعٍ كما أخرجه ابن ماجَهْ (١٣٠٥)، وأوضحتُه في كتاب ((المُدرَج)). وفي الحديث: الاحتياطُ للصلاة، وأخذُ آلة دَفْع الأعداء لا سيَّما في السَّفَر، وجواز الاستخدام وغير ذلك. والضميرُ في ((اَّخَذَها)) يحتمل عَوْدَه إلى الحَرْبة نفسها أو إلى چِنْس الخَرْبة، وقد روى عمر بن شَبَّة في ((أخبار المدينة)) (١٣٩/١) من حديث سعدِ القَرَظِ: أنَّ النَّجَاشِيَّ أَهْدَى إلى النبيِّ وَ لَه حَرْبةً فأمسَكَها لنفسِه، فهي التي يُمشَى بها مع الإمام يومَ العيد. ومن طريق الليث: أنَّه بَلَغَه أنَّ العَنَزَةَ التي كانت بين يدَي النبيِّ وَّهِ كانت لرجلٍ من المشركين فقَتَلَه الزُّبَير بن العَوّامِ يومَ أُحُد، فأخَذَها منه النبيُّ وَِّ فكان يَنْصِبُها بين يديه إذا صلَّى. ويحتمل الجمعُ بأنَّ عَنَزَ الزّبير كانت أوَّلاً قبل حَرْبة النجاشيّ. ٤٢٧ باب ٩٠ / ح ٤٩٥ كتاب الصلاة - أبواب سترة المصلي ٤٩٥- حدَّثنا أبو الوليدِ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، عن عَوْنِ بنِ أبي جُحَيفةَ، قال: سمعتُ أَبي: أنَّ النبيَّ نَّهِ صَلَّى بهم بالبَطْحاءِ وبينَ يَدَيِهِ عَنَزَةٌ، الظُّهرَ رَكْعتَين، والعَصْرَ رَكْعتَين، تَمُرُّ بينَ يَدَیه المرأةُ والحمارُ. فائدة: حديث أبي جُحَيفة أخرجه المصنّف مُطوَّلاً ومُختصَراً، وقد تقدَّم في الطهارة (١٨٧) في ((باب استعمال فضل وضوء الناس))، وفي سَتْر العَوْرة من الصلاة (٣٧٦) في ((باب الصلاة في الثوب الأحمر))، وذكره أيضاً هنا وبعدَ بابَينِ (٤٩٩) أيضاً، وفي الأذان (٦٣٣)، وفي صفة النبيِّ وَّه في موضعين (٣٥٥٣ و٣٥٦٦)، وفي اللِّباس في موضعين (٥٧٨٦ و٥٨٥٩)، ومَدارُه عنده على الحكم بن عُتَيبةَ وعلى عَوْن بن أبي جُحَيفة كلاهما عن أبي جُحَيفة، وعند أحدِهما ما ليس عند الآخَر، وقد سمعه شُعْبةُ منهما كما سيأتي واضحاً. ١ قوله: ((أنَّ النبيَّ ◌َّ صَلَّى بهم بالبَطْحاء)) يعني: بَطْحاء مگَّة، وهو موضعٌ خارجَ مگَّة، وهو الذي يقال له: الأبطَحُ، وكذا ذكره من رواية أبي العُمَيس عن عَوْن (٦٣٣)، وزاد من رواية آدم عن شُعْبة عن عَوْنٍ (٤٩٩): أنَّ ذلك كان بالهاجرة. فيُستَفادُ منه - كما ذكر النَّوويّ - أنَّه وَِّه جمع حينئذٍ بين الصلاتَينِ في وقت الأولى منهما، ويحتمل أن يكون قوله: «والعصرَ ركعتين)» أي: بعد دخول وقتها. قوله: ((وبينَ يَدَيهِ عَنَزة)) تقدَّم ضبطها وتفسيرها في الطهارة/ في حديث أنس (١٥٢). وفي رواية أبي العُمَيس (٦٣٣): ((جاء بلال فَآذَنَه بالصلاة، ثمَّ خرج بالعَنَزَة حتَّى رَكَزَها بين يديه وأقامَ الصلاة))، وأوَّل رواية عمر بن أبي زائدة عن عَوْن عن أبيه (٣٧٦): ((رأيت رسولَ الله وَهُ فِي قُبَةٍ حَمْراءَ من أُدَم، ورأيت بلالاً أخَذَ وَضُوءَ رسول الله وَّه ورأيت الناسَ يَبتدِرون ذلك الوضوء، فمَن أصاب منه شيئاً تَمَسَّح به، ومَن لم يُصِبْ منه شيئاً أخذَ من بَلَل يد صاحبِه)) وفيها أيضاً: ((وخرج في حُلّةٍ حَمْراءَ مُشمِّراً)، وفي رواية مالك بن مِغْوَل عن عَوْن (٣٥٦٦): ((كأنّي أنظرُ إلى وَبِيصِ ساقَيه)) وبيَّن فيها أيضاً: أنَّ ٥٧٤/١ ٤٢٨ باب ٩١ / ح ٤٩٦ فتح الباري بشرح البخاري الوضوءَ الذي ابتَدَرَه الناس كان فضلَ الماء الذي توضَّأ به النبيُّ ◌َّ، وكذا هو في رواية شُعْبةَ عن الحَكم (٥٠١)، وفي رواية مسلم (٢٤٩/٥٠٣) من طريق الثَّوْريّ عن عَوْنٍ ما يُشعِرُ بأنَّ ذلك كان بعد خروجه من مكَّةَ بقوله: ثمَّ لم يَزَلْ يصلِّ رَكْعتَينِ حتَّى رَجَعَ إلى المدينة. قوله: ((يَمُرُّ بِينَ يَدَيه)) أي: بين العَنَزَة والقِبْلة لا بينه وبين العَنَزة، ففي رواية عمر بن أبي زائدة (٣٧٦) في (باب الصلاة في الثوب الأحمر)»: ورأيت الناسَ والدَّوابَ يَمُرّون بين يدي العَنَزَة. وفي الحديث من الفوائد: الْتِماس البَرَكة ممّا لامَسَه الصالحون (١)، ووضعُ السُّتْرة للمُصلّي حيث يُخْشَى المرورُ بين يديه والاكتفاءُ فيها بمثل غِلَظِ العَنَزة. وأنَّ قَصْرَ الصلاة في السَّفَرِ أفضلُ من الإتمام لما يُشعِرُ به الخبر من مُواظَبة النبيِّ وَاهـ عليه، وأنَّ ابتداء القَصْر من حينٍ مُفارَقة البلد الذي يخرجُ منه، وفيه تعظيمُ الصحابة للنبيِّ مَلله وفيه استحباب تَشْمير الثياب لا سيّما في السَّفَر، وكذا استصحاب العَنَزة ونحوِها، ومشروعيَّ الأذان في السَّفَر كما سيأتي في الأذان (٦٣٣)، وجواز النَّظرِ إلى الساق وهو إجماعٌ في الرجل حیثُ لا فِتْنة، وجواز لُبْس الثوب الأحمر، وفيه خلافٌ یأتي ذِكرُه في کتاب اللِّباس (٥٨٤٨) إن شاء الله تعالى. ٩١ - باب قَدْر كم ينبغي أن يكون بين المصلي والسُّترة ٤٩٦- حدَّثنا عَمرُو بنُ زُرارةَ، قال: أخبرنا عبدُ العزيزِ بنُ أبي حازِم، عن أبيه، عن سَهْل، قال: كانَ بينَ مُصلَّى رسولِ اللهِوَّه وبينَ الجِدَار مَمَرُّ الشّاةِ. [طرفه في: ٧٣٣٤] (١) قد سلف مراراً الإشارة إلى عدم مشروعية ذلك، وانظر ص ٣٣٠ من هذا الجزء. ٤٢٩ باب ٩١ / ح ٤٩٧ كتاب الصلاة - أبواب سترة المصلي ٤٩٧ - حدَّثْنَا المَكِّيُّ، قال: حدّثنا يزيدُ بنُ أبي عُبيد، عن سَلَمةَ، قال: كانَ جِدارُ المسجدِ عند الِثْبِرِ ما كادَتِ الشّاةُ تَجُوزُها. قوله: ((باب قَدْر كم ينبغي أن يكون بين المصلِّي والسُّتْرة)) أي: من ذراعٍ ونحوِه. و((المصلِّ)) بكسر اللام على أنَّه اسمُ فاعل، ويحتمل أنْ يكون بفتح اللام، أي: المكان الذي یُصلَّى فیه. قوله: ((عن أبيه)) في رواية أبي داود (٦٩٦) والإسماعيلي: أخبَرَني أبي. قوله: «عن سَهْل) زاد الأَصِیليّ: ابن سعد. قوله: «کانَ بین مُصلَّی رسولِ الله ێ)» أي: مَقامِه في صلاته، و کذا هو في رواية أبي داود. قوله: ((وبينَ الجِدار)) أي: جدار المسجد ممَّا يلي القِبْلة، وصَرَّحَ بذلك من طريق أبي غسَّان عن أبي حازم في الاعتصام (٧٣٣٤). قوله: «مَمَرُّ الشّاة)) بالرفع، و((كان)) تامّة، أو ((مَمَرّ)) اسم كان، بتقدير: قَدْر أو نحوه، والظَّرْف الخبر. وأعرَبَه الكِرْمانيّ بالنصب على أنَّ((مَمَرَّ)) خبر كان، واسمها: نحو قَدْر المسافة، قال: والسِّياقُ يدلُّ عليه. قوله: ((عن سَلَمَةَ)) يعني: ابنَ الأكوع، وهذا ثاني ثُلاثيّات البخاري. قوله: ((كانَ جِدارُ المسجد)»/ كذا وقع في رواية مَكِّيّ، ورواه الإسماعيلي من طريق أبي ٥٧٥/١ عاصم عن يزيد بلفظ: كان المنبر على عَهْدِ رسول الله وَ لَه ليس بينَه وبين حائط القِبْلة إلَّا قَدْر ما تَمُرُّ العَنْزِةِ؛ فَتَبِيَّنَ بهذا السِّياق أنَّ الحديثَ مرفوع. قوله: (تَجُوزُها)) ولبعضهم: ((أنْ تجوزَها)) أي: المسافة، وهي ما بين المنبر والجدار. فإن قيل: من أين يطابقُ الترجمةَ؟ أجابَ الكِرْمانيّ فقال: من حيثُ إنَّه وَّلِ كان يقومُ بجَنْب المنبر، أي: ولم يكن لمسجده مِحْراب، فتكونُ مسافةُ ما بينَه وبين الجدار نظيرَ ما بين المنبر والجدار، فكأنَّه قال: والذي ينبغي أنْ يكون بين المصلّي وسُتْرته قَدْر ما كان بين منبره وَلَّه وجدار القِبْلة. ٤٣٠ باب ٩٢ / ح ٤٩٨ فتح الباري بشرح البخاري وأوضَحُ من ذلك ما ذكره ابن رُشَيد: أنَّ البخاريَّ أشار بهذه الترجمة إلى حدیث سَهْل ابن سعد الذي تقدَّم في «باب الصلاة على المنبر والخَشَب)» (٣٧٧) فإنَّ فيه: أنَّهِ ◌ّ قَامَ على المنبر حين عُمِلَ فصلَّى عليه، فاقتَضَى ذلك أنَّ ذِكرَ المنبر يُؤْخَذُ منه موضع قيام المصلّي. فإن قيل: إن في ذلك الحديث أنَّه لم يَسجُدْ على المنبر، وإنَّما نزل فسَجَدَ في أصلِه، وبين أصل المنبر وبين الجدار أكثر من مَمَرّ الشاة. أُجيبَ بأنَّ أكثرَ أجزاء الصلاة قد حصل في أعلى المنبر وتحصَّل به المقصود، وإنَّما نزل عن المنبر، لأنَّ الدَّرَجةَ لم تَتَّسِعْ لقَدْر سجوده وأيضاً فإنَّه لمَّا سَجَدَ في أصل المنبر صارت الدَّرَجة التي فوقَه سُتْرة له وهو قَدْرُ ما تقدَّم. قال ابن بَطَّال: هذا أقلُّ ما يكون بين المصلّي وسُتْرتِهِ، يعني: قَدْر مَمَرّ الشاة، وقيل: أقلُّ ذلك ثلاثة أذرُع لحديث بلال: إنَّ النبيَّ وَّهِ صلَّى في الكَعْبة وبينَه وبين الجدار ثلاثةُ أذرُع، كما سيأتي قريباً (٥٠٦) بعد خمسة أبواب. وجمع الدَّاوودي: بأنَّ أقلَّه مَمَرُّ الشاة، وأكثرُه ثلاثة أذرُع. وجمع بعضهم بأنَّ الأوَّل في حال القيام والقُعود، والثاني في حال الركوع والسجود. وقال ابن الصلاح: قَدَّروا مَمَرّ الشاة بثلاثة أذرُع. قلت: ولا يخفى ما فيه. وقال البَغَوي: استَحَبَّ أهلُ العِلْمِ الدُّنوَّ من السُّتْرة بحيثُ يكون بينَه وبينها قَدْرُ إمكان السجود، وكذلك بين الصُّفوف. وقد وَرَدَ الأمرُ بالدُّنِّ منها، وفيه بيانُ الحِكْمة في ذلك، وهو ما رواه أبو داود (٦٩٥) وغيره من حديث سَهْل ابن أبي حَثْمة مرفوعاً: ((إذا صلَّى أحدكم إلى سُتْرةٍ، فَلْيَدْنُ منها، لا يقطع الشيطانُ عليه صلاته)). ٩٢ - باب الصلاة إلى الحَرْبة ٤٩٨ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن عُبيدِ الله، أخبرني نافعٌ، عن عبدِ الله: أنَّ النبيَّ وَّ كانت تُركَزُ له الحَرْبةُ فيُصلِّي إليها. ٤٣١ باب ٩٣ / ح ٤٩٩- ٥٠٠ كتاب الصلاة - أبواب سترة المصلي قوله: «باب الصلاة إلى الحربة» ساق فیہ حديث ابن عمر مُتصراً، وقد تقدَّم قبل باب (٤٩٤). قوله: ((تُركَزُ)) أي: تُغرَزُ في الأرض. ٩٣ - باب الصلاة إلى العَنَزة ٤٩٩ - حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثْنَا شُعْبةُ، قال: حدَّثنا عَوْنُ بنُ أبي جُحَيفةَ، قال: سمعتُ أَي، قال: خَرَجَ علينا رسولُ اللهَوَّه بالهاجِرَةِ، فَأَتِيَ بوَضُوءٍ فَتَوضَّأَ، فصَلَّى بنا الظُّهرَ والعصرَ وبينَ يَدَيهِ عَنَزَةٌ، والمرأةُ والحمارُ يَمُرُّونَ من وَرائِها. ٥٠٠- حدَّثنا محمَّدُ بنُ حاتمٍ بنِ بَزِيعٍ، قال: حدَّثنا شاذانُ، عن شُعْبةَ، عن عطاءِ بنِ أبي ميمونةَ، قال: سمعتُ / أنسَ بنَ مالكِ قال: كانَ النبيُّ وََّ إذا خَرَجَ لحاجَتِهِ تَبِعتُهُ أنا وغُلامٌ ٥٧٦/١ ومَعَنا عُكّازةٌ أو عَصاً أو عَنَزَةٌ، ومَعَنا إدَاوَةٌ فإذا فَرَغَ من حاجَتِهِ ناوَلْناه الإدَاوَ. قوله: ((باب الصلاة إلى العَنَزة» ساق فيه حديث أبي جُحَيفة، عن آدم، عن شُعْبة، عن عَوْن، وقد تقدَّم الكلام عليه (٤٩٥) أيضاً. واعتُّرِضَ عليه في هذه الترجمة بأنَّ فيها تكراراً، فإنَّ العَنَزَةَ هي الحَرْبةُ، لكن قد قيل: إنَّ الحَرْبةَ إنَّما يقال لها: عَنَرة، إذا كانت قصيرة، ففي ذلك جهةُ مُغايرة. قوله: ((والمرأة والحمار يَمُرُّونَ من ورائها» كذا وَرَدَ بصيغة الجمع فكأنَّه أراد الجِنْس. ويؤيِّدُه رواية: ((والناس والدَّوابّ يَمُرّون)) كما تقدَّم (٣٧٦)، أو فيه حذفٌ تقديرُه: وغيرُهما، أو المراد: الحمار براكبِه، وقد تقدَّم (٤٩٥) بلفظ: ((يَمُرُّ بين يديه المرأة والحمار))، فالظاهر أن الذي وقع هنا من تصرُّف الرُّواة. وقال ابن التِّين: الصوابُ ((يَمُرَّان))، إذْ في (يَمُرّون)) إطلاق صيغة الجمع على الاثنين. وقال ابن مالك: أعادَ ضمير الذُّكور العُقَلاء على مُؤنَّثٍ ومُذكَّرٍ غير عاقلٍ وهو مُشكِل، والوجه فيه: أنَّه أراد المرأة والحمارَ وراكبَه، فحَذَفَ الراكب لدلالة الحمار عليه، ثمَّ غَلَّبَ تذكير الراكب المفهوم على تأنيث المرأة، وذا العَقْل على الحمار. وقد وَقَعَ الإخبارُ عن ٤٣٢ باب ٩٤ / ح ٥٠١ فتح الباري بشرح البخاري مذكورٍ ومحذوفٍ في قولهم: راكبُ البعيرِ طَلِيحانِ(١)، أي: البعيرُ وراكبه. ثمَّ ساق البخاري حديث أنس، وقد تقدَّم الكلامُ عليه مُستَوفَّى في الطهارة (١٥٠). قوله فيه: ((ومعَنا عُكّازةٌ أو عصاً أو عَنَزة)) كذا للأكثر بالمهمَلة والنون والزَّاي المفتوحات، وفي رواية المُستَمْلي والحَمُّوِيّ: ((أو غيره)) بالمعجَمة والياء والراء، أي: سواه، أي: المذكور، والظاهرُ أنَّه تصحيف. ٩٤ - باب السُّترة بمكة وغيرها ٥٠١- حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْب، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، عن الحكم، عن أبي جُحَيفةَ، قال: خَرَجَ رسولُ اللهِ وَّهِ بالهاجِرَةِ فصَلَّى بالبَطْحاءِ الظُّهرَ والعَصْرَ رَكْعتَين، ونَصَبَ بِينَ يَدَيْهِ عَنَزَةً، وتَوضَّأَ فِجَعَلَ الناسُ يَتَمسَّحُونَ بوَضُوئِه. قوله: «باب السُّتْرة بمگّةً وغیرها» ساق فیہ حديث أبي جُحیفة، عن سلیمان بن حَرْب، عن شُعْبةَ، عن الحَكَم، والمراد منه هنا قوله: ((بالبَطْحاء))، فقد قدَّمنا (٤٩٥) أنَّهَا بَطْحاءُ مگّة. وقال ابن المنيِرِ: إنَّما خَصَّ مكةَ بالذِّكر دَفْعاً لتَوهُم مَن يَتوهَّمُ أنَّ السُّتْرَةَ قِبْلة، ولا ينبغي أنْ يكون لمكَّةَ قِبْلةٌ إلَّ الكعبة، فلا يُحتاجُ فيها إلى سُتْرة. انتهى، والذي أظنُّه أنَّه أراد أنْ يُنْكِّتَ على ما تَرجَمَ به عبد الرزَّاق (٣٥/٢) حيثُ قال: «باب لا يقطعُ الصلاةَ بمكَّةَ شيء)) ثمَّ أخرج عن ابن جُرَيج (٢)، عن كثير بن كثير بن المطَّلِب، عن أبيه، عن جدِّه قال: رأيت النبيَّ ◌َّ يصلِّيّ في المسجد الحرام ليس بينَه وبينهم - أي: الناس - سُتْرة، وأخرجه من هذا الوجه أيضاً أصحاب ((السُّنن))(٣)، ورجاله مُوثَّقون إلَّا أنَّه معلول، فقد رواه أبو داود (١) تحرف في (أ) و(س) إلى: طريحان، بالراء، والمثبت من (ع)، وهو الصواب، ومعنى ((طَليحان)): ضعيفان مُتَعَبان. انظر (شرح ابن عقيل)) في عطف النسق ٣/ ٢٤٢، و((لسان العرب)) و(تاج العروس)) مادة (طلح). (٢) الذي في ((مصنف عبد الرزاق)) (٢٣٨٧) عن عمرو بن قيس، و(٢٣٨٨) عن ابن عيينة، كلاهما عن كثير ابن كثير، به. ولم نقف عليه من رواية ابن جريج عنده، والله تعالى أعلم. (٣) ابن ماجه (٢٩٥٨)، والنسائي (٧٥٨) و(٢٩٥٩). ٤٣٣ باب ٩٥ / ح ٥٠٢ كتاب الصلاة - أبواب سترة المصلي (٢٠١٦) عن أحمد (٢٧٢٤٣) عن ابن عُيَينة قال: كان ابن جُرَيج أخبَرَنا به هكذا فلَقِيتُ كثيراً فقال: ليس من أبي سمعتُه ولكن من بعض أهلي عن جَدّي. فأراد البخاري التنبيه على ضعف هذا الحديث وأنْ لا فرقَ بين مكَّةَ وغيرها في مشروعيَّة السُّتْرة، واستدلَّ على ذلك بحديث أبي جُحَيفة، وقد قدَّمنا (٤٩٥) وجه الدّلالة منه. وهذا هو المعروف عند الشافعيّة، وأنْ لا فرقَ في منع المرورِ بين يدَي المصلّي بين مكَّةَ وغيرها، واغتَفَرَ بعضُ الفقهاء ذلك للطائفين دون غيرهم للضَّرورة، وعن بعض الحنابلة: جواز ذلك في جميع مكَّة. ٩٥ - باب الصلاة إلى الأُسطُوانة ٥٧٧/١ وقال عمرُ: المصلُّونَ أحقُّ بالسَّوَاري من المتحدِّثينَ إليها. ورَأَى ابنُ عمرَ رجلاً يُصلِّ بِينَ أُسطُوانتَين، فَأَدْناه إلى ساريةٍ فقال: صَلِّ إليها. ٥٠٢- حدَّثنا المَكِّيُّ، قال: حدّثنا يزيدُ بنُ أبي عُبيد، قال: كنتُ آتي معَ سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ فيُصلِّى عند الأُسطُوانِةِ الَّتي عند المُصحَف، فقلتُ: يا أبا مُسلِمٍ، أراكَ تَتَحَرَّى الصلاةَ عندَ هذه الأُسطوانة؟ قال: فإنِّي رأيتُ النبيَّ ◌َ﴿ يَتَحَرَّى الصلاةَ عندَها. قوله: ((باب الصلاة إلى الأَسطُوانة)) أي: السارية، وهي بضمِّ الهمزة وسكون السِّين المهمَلة وضمِّ الطاء بوَزْن أُفْعُوالة (١) على المشهور، وقيل: بوَزْن فُعْلُوانة، والغالب أنَّهَا تكونُ من بناء، بخلاف العمود فإنَّه من حَجَرٍ واحد. قال ابن بَطَّال: لمَّا تقدَّم أنَّه وَّه كان يصلِّي إلى الحَرْبة، كانت الصلاةُ إلى الأُسطوانة أَولِى، لأنَّها أشدُّ سُتْرة. قلت: لكن أفادَ ذِكرُ ذلك التنصيصَ على وقوعِه، والنَّصُّ أعلى من الفَحْوَى. قوله: ((وقال عمر» هذا التعليق وصله ابن أبي شَيْبة (٢/ ٣٧٠-٣٧١)، والحُميديُّ (٢) من (١) في (أ) و(س): أُفعوانة، بالنون، وهو خطأ، والمثبت من (ع) على الصواب، وهو قول الخليل بن أحمد والجوهري على أن النون فيها أصلية. (٢) رواه الحميدي في كتاب ((النوادر)) له كما في ((تغليق التعليق)) ٢٤٦/٢، ورواه عنه البخاري في ((التاريخ الکبیر)) ٨/ ٢٥٥-٢٥٦. ٤٣٤ باب ٩٥ / ح ٥٠٢ فتح الباري بشرح البخاري طريق هَمْدان - وهو بفتح الهاء وسكون الميم وبالدَّال المهمَلة - وكان بَرِيدَ عمر - أي: رسولَه إلى أهل اليمن - عن عمرَ به. ووجه الأحقّيَّة أنَّهما مُشتَرِكان في الحاجة إلى السارية المتَّخَذة للاستناد والمصلَّى لجَعْلِها سُتْرة، لكن المصلِّ في عبادةٍ مُحُقَّقةٍ فكان أحقّ. قوله: ((ورَأَى ابن عمر)) كذا ثبت في رواية أبي ذرِّ والأَصِيليّ وغيرهما، وعند بعض الرُّواة: ((ورَأَى عمر)) بحذف (ابن)) وهو أشبه بالصواب، فقد رواه ابن أبي شَيْبة (٢/ ٣٧٠) من طريق معاوية بن قُرّة بن إياس المُزَنيّ عن أبيه - وله صُحْبةٌ - قال: رَآني عمر وأنا أصلي ... فذكر مثله سواء، لكن زاد: فأخَذَ بقَفَاي. وعُرِفَ بذلك تسمية المُبهَم المذكور في التعليق. وأراد عمر بذلك أنْ تكون صلاته إلى سُتْرة، وأراد البخاري بإيراد أثر عمرَ هذا: أنَّ المرادَ بقول سَلَمةَ: ((يتحرَّى الصلاة عندها)) أي: إليها، وكذا قول أنس: ((يَبتدِرون السَّواري)) أي: يُصلّون إليها. قوله: ((حدَّثنا المَكِّيّ)) هو ابن إبراهيم كما ثبت عند الأَصِيليّ وغيره، وهذا ثالث ثلاثيّات البخاري، وقد ساوى فيه البخاريُّ شيخَه أحمد بن حَنبَل، فإنَّه أخرجه في ((مسندِه)) (١٦٥١٦) عن مَكِّيّ بن إبراهيم. قوله: ((الَّتي عند المُصحَف)) هذا دالٌّ على أنَّه كان للمُصْحَف موضعٌ خاصٌّ به، ووقع عند مسلم بلفظ: ((يصلِي وراءَ الصُّنْدوق))(١) وكأنَّه كان للمُصْحَف صُنْدوقٌ يُوضَعُ فيه. والأُسطوانةُ المذكورةُ حقَّقَ لنا بعض مشايخنا أنَّها المتوسّطةُ في الرَّوْضة المكرّمة، وأنَّا تُعرَفُ بأسطوانة المهاجرين، قال: ورُوِيَ عن عائشة أنَّها كانت تقولُ: لو عَرَفَها الناسُ لاضْطَرَبوا عليها بالسِّهام، وأَّها أسَرَّتْها إلى ابن الزُّبَير فكان يُكثِرُ الصلاةَ عندها. ثمَّ وجدتُ ذلك في ((تاريخ المدينة)) لابن النَّجّار وزاد: أنَّ المهاجرين من قُرَيش كانوا يَجتمِعون (١) عزو هذا اللفظ إلى مسلم وهمٌّ، فإنه ليس في المطبوع من ((صحيحه)) ولا في مخطوطته التي عندنا، وهو فيه (٥٠٩) بلفظ البخاري، وقد أخرجه باللفظ المذكور ابن بَطَّة في كتابه ((الإبانة)) برقم (٧٩) من طريق فضیل بن سلیمان عن یزید بن أبي عبيد. ٤٣٥ باب ٩٥- ٩٦ / ح ٥٠٣ -٥٠٥ كتاب الصلاة - أبواب سترة المصلي عندها، وذكره قبلَه محمد بن الحسن في ((أخبار المدينة)). قوله: ((يا أبا مُسلِم)) هي كُنْية سَلَمة، و «بتحرَّی)) أي: يَقصِد. ٥٠٣ - حدَّثنا قَبِيصةُ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عَمْرِو بنِ عامٍ، عن أنسٍ، قال: لقد رأيتُ كِبَارَ أصحاب النبيِّ وَّهِ يَبْتِدِرُونَ السَّواريَ عند المَغْرِب. وزادَ شُعْبةُ، عن عَمْرٍو، عن أنسٍ: حَتَّى يَخْرُجَ النبيُّ ◌َِ. [طرفه في: ٦٢٥] قوله: ((حدَّثنا سفيان)) هو الثَّوْرِيُّ، وعَمْرو بن عامر: هو الكوفيُّ الأنصاريّ، لا والدُ ٥٧٨/١ أسَدٍ فإنَّه بَجَلٌّ، ولا عَمْرو بن عامر البصريّ فإنَّه سُلَميٌّ. قوله: (لقد رأيتُ)) في رواية المُستَمْلِي والحَمُّوِيّ: لقد أدركتُ. قوله: ((عند المَغْرِب)) أي: عند أذان المغرب، وصَرَّحَ بذلك الإسماعيليُّ من طريق ابن مَهْديّ عن سفيان، ولمسلم (٨٣٧) من طريق عبد العزيز بن صُهَيب عن أنس نحوُه. قوله: ((وزاد شُعْبةُ عن عَمْرو)) هو ابن عامر المذكورُ، قد وَصَلَه المصنِّف في كتاب الأذان (٦٢٥) من طريق غُندَر عن شُعْبة، فقال: عن عَمْرو بن عامر الأنصاريّ، وزاد فيه أيضاً: يُصلّون الرَّكْعتَينِ قبلَ المغرب. وسيأتي الكلامُ عليه هناك مع بقيَّة مباحثه وتعيين مَن وَقَفْنا عليه من كبار الصحابة المشار إليهم فيه إن شاء الله تعالى. ٩٦- باب الصلاة بين السّواري في غیر جماعة ٥٠٤- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا مجُوَيِرِيةُ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: دَخَلَ النبيُّ ◌َِّ البيتَ وأُسامةُ بنُ زيدٍ وعثمانُ بنُ طَلْحَةَ وبلالٌ، فأطالَ ثمَّ خَرَجَ، كنتُ أوَّلَ الناسِ دَخَلَ على أثَرِهِ، فسألتُ بلالاً: أينَ صَلَّى؟ قال: بينَ العَمُودَينِ المقدَّمَينِ. ٥٠٥- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن نافع، عن عبدِ الله بنِ عمر: أنَّ رسولَ الله وَِّ دَخَلَ الكَعْبةَ وأُسامةُ بنُ زيدٍ وبلالٌ وعثمانُ بنُ طَلْحَةَ الحَجَبِيُّ، فأغْلَقَها عليه ٤٣٦ باب ٩٦ / ح ٥٠٤ -٥٠٥ فتح الباري بشرح البخاري ومَكَثَ فيها، فسألتُ بلالاً حينَ خَرَجَ: مَا صَنَعَ النبيُّ وَّرَ؟ قال: جَعَلَ عَمُوداً عن يَسارِهِ وعَمُوداً عن يَمِينِهِ وثلاثةَ أعمِدةٍ وراءَه - وكانَ البيتُ يومَئِذٍ على سِتّة أعمِدةٍ - ثمَّ صَلَّى. وقال إسماعيلُ: حدَّثني مالكٌ وقال: عَمُودَينِ عن يَمِينِه. قوله: ((باب الصلاة بينَ السَّواري في غير جماعة)) إِنَّا قَّدَها بغير الجماعة، لأنَّ ذلك يقطعُ الصُّفوف، وتسوية الصُّفوف في الجماعة مطلوب. وقال الرافعيّ في ((شرح المسنَد)): احتَجَّ البخاري بهذا الحديث - أي: حديث ابن عمر عن بلال - على أنَّه لا بأسَ بالصلاة بين الساريتَينِ إذا لم يكن في جماعة، وأشار أنَّ الأَولِى للمُنفِرِد أنْ يُصلِّيَ إلى السارية، ومع هذه الأولَويَّة فلا كراهةَ في الوقوف بينهما - أي: للمُنفِرِد - وأمَّا في الجماعة فالوقوف بين الساريتَينِ كالصلاة إلى السارية. انتهى كلامُه، وفيه نظرٌ، لوُرودِ النهي الخاصّ عن الصلاة بين السَّواري كما رواه الحاكمُ (١/ ٢١٠) من حديث أنس بإسنادٍ صحيحٍ، وهو في ((السُّنن)) الثلاثة(١)، وحَسَّنَه التِّرمِذيّ. قال المحِبّ الطبريُّ: كَرِهَ قوم الصَّفَّ بين السَّواري للنهي الواردِ عن ذلك، ومحلّ الكراهة عند عَدَم الضِّيق، والحِكْمة فيه إمَّا لانقطاع الصَّفّ أو لأنَّه موضعُ النِّعال(٢). انتهى، وقال القُرْطبي: رُوِيَ في سبب كراهة ذلك أنَّه مُصلَّى الجِنّ المؤمنين(٣). قوله: ((حدَّثنا جُوَيرِيَة)) هو بالجيم بصيغة التصغير: وهو ابن أسماء الضُّبَعِيُّ، واتَّفَقَ أنَّ اسمه واسم أبيه من الأعلام المشترَكة بين الرجال والنساء. وقد سمع جُوَيرية المذكور من نافع، وروی أیضاً عن مالكٍ عنه. قوله: ((كنت أوَّلَ الناس)) كذا في رواية أبي ذرٍّ وكريمة، وفي رواية الأَصِيليّ وابن عساكر: ((وكنت)) بزيادة واو في أوَّلِه وهي أشبه، ورواه الإسماعيلي من هذا الوجه فقال (١) أبو داود (٦٧٣)، والترمذي (٢٢٩)، والنسائي (٨٢١)، وهو في ((مسند أحمد)) (١٢٣٣٩). (٢) قال أبو بكر بن العربي في ((عارضة الأحوذي)) ٢٨/٢: الأول أشبهُ، لأن الثاني محدث، ولا خلاف في جوازه عند الصِّيق، وأما مع السَّعَة فهو مكروه للجماعة. (٣) هذا كلام لم نقف على دليل يدلُّ عليه، ومثله لا يُقبَل إلا بدليل نقلي صحيح. ٤٣٧ باب ٩٦ / ح ٥٠٤ - ٥٠٥ كتاب الصلاة - أبواب سترة المصلي بعد قوله: ((ثُمَّ خرج)): ودخل عبد الله على أثرِه أوَّلَ الناس. قوله: ((بينَ العَمُودَينِ المقدَّمَين)) في رواية الكُشْمِيهَنيّ: ((المتقدِّمَين)) كذا في هذه الرواية، وفي رواية مالك التي تَلِيها: ((جعل عَموداً عن يساره وعَموداً عن يمينِهِ وثلاثةَ أعمِدةٍ وراءَه))، وليس بين الروايتين/ مخالفة، لكنَّ قوله في رواية مالك: ((وكان البيت يومَئِذٍ على ٥٧٩/١ ستَّة أعمِدة)) مُشكِل، لأنَّه يُشعِرُ بكَوْن ما عن يمينه أو يساره كان اثنينٍ، ولهذا عَقَّبَه البخاري برواية إسماعيلَ التي قال فيها: عَمودَينِ عن یمینِه. ويمكن الجمعُ بين الروايتين بأنَّه حيثُ ثَنَّى، أشار إلى ما كان عليه البيت في زمن النبيِّ وَه، وحيثُ أفرَدَ أشار إلى ما صارَ إليه بعد ذلك، ويُرشِدُ إلى ذلك قوله: ((وكان البيت يومئذٍ))، لأنَّ فيه إشعاراً بأنَّه تغيَّر عن هيئتِه الأولى. وقال الكِرْمانيّ: لفظ العَمُود جِنْسٌ يحتمل الواحد والاثنين، فهو مُجُمَلٌ بيَّنْه رواية ((وعَمودَين))، ويحتمل أنْ يقال: لم تَكُن الأعمِدة الثلاثة على سَمْتٍ واحدٍ، بل اثنان على سَمْت، والثالث على غير سَمْتِهما، ولفظ ((المقدَّمَين)) في الحديث السابق مُشعِرٌ به، والله أعلم. قلت: ويؤيِّدُه أيضاً رواية مجاهدٍ عن ابن عمر التي تقدَّمت (٣٩٧) في ((باب: ﴿وَأَتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلّ﴾)) فإنَّ فيها: ((بين الساريتَينِ اللَّتَيْنِ على يسار الدَّاخِلِ)) وهو صريحٌ في أنَّه كان هناك عمودان على اليسار وأنَّه صلَّى بينهما، فيحتمل أنَّه كان ثَمَّ عمودٌ آخر عن اليمينِ لكنَّه بعيدٌ أو على غيرِ سَمْت العمودَين، فيَصِحُّ قولُ مَن قال: جعل عن يمينِه عَمودَين، وقول مَن قال: جعل عَموداً عن يمينِه. وجَوَّزَ الكِرْمانيّ احتمالاً آخَر: وهو أنْ يكون هناك ثلاثة أعمِدة مُصْطَفّةٍ فصلَّى إلى جَنْب الأوسط، فمَن قال: جعل عموداً عن يمينه وعموداً عن يساره، لم يَعْتَبِ الذي صلَّى إلى جَنْبِهِ، ومَن قال: عَمودَينِ اعتبَرَه. ثمَّ وجدتُه مسبوقاً بهذا الاحتمال، وأبعَدُ منه قول من قال: انتقل في الرَّكْعتَينِ من مكانٍ إلى مكان، ولا تَبطُلُ الصلاةُ بذلك لِقِلّتِهِ، والله أعلم. ٤٣٨ باب ٩٧ / ح ٥٠٦ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وقال إسماعيل)) أي: ابن أبي أُوَيس، كذا في رواية أبي ذرٍّ والأَصِيلِيّ ((قال)) مجرَّدة، وفي رواية كريمةَ: ((قال لنا» فوَضَّحَ وصلَه. وقد ذكر الدَّارَ قُطنيّ الاختلاف على مالكِ فيه، فوافق الجمهورُ عبدَ الله بن يوسف في قوله: «عَمُوداً عن يمينه وعَمُوداً عن يسارِهِ))، ووافق إسماعيلَ في قوله: ((عَمودَينٍ عن يمينِهِ)) ابنُ القاسم والقَعْنبيّ وأبو مُصعَب ومحمد بن الحسن وأبو حُذافة، وكذا الشافعيُّ وابن مَهْديّ في إحدى الروايتين عنهما، وقال يحيى بن يحيى النَّيسابوريّ فيما رواه عنه مسلم (١٣٢٩): ((جعل عمودَينٍ عن يساره وعموداً عن یمینِه)) عکس رواية إسماعيل، وكذلك قال الشافعيّ وبِشْر بن عمر في إحدى الروايتين عنهما، وجمع بعض المتأخِّرين بين هاتينِ الروايتين باحتمال تعدُّد الواقعة، وهو بعيدٌ لاتُّحادٍ تَخَرَج الحديث، وقد جَزَمَ البيهقي بترجیح روایة إسماعيلَ ومَن وافقه. وفيه اختلافٌ رابع: قال عثمان بن عمر عن مالك: «جعل عَمودَينٍ عن يمينِهِ وعَمودَینِ عن يساره)) ويمكن توجيهُه بأنْ يكون هناك أربعة أعمِدة: اثنان مُجتمِعان، واثنان مُنفِدان، فَوَقَفَ عند المجتَمِعَين، لكن يُعِّرُ عليه قوله: ((وكان البيت يومَئذٍ على ستّة أعمِدة)) بعد قوله: «وثلاثة أعمِدةٍ وراءَه)»، وقد قال الدَّارَ قُطني: لم يُتابَعْ عثمان بن عمر على ذلك. ٩٧- بابٌ ٥٠٦- حدَّثنا إبراهيمُ بنُ المنذِرِ، قال: حدَّثنا أبو ضَمْرةَ، قال: حدَّثنا موسى بنُ عُقْبةَ، عن نافع: أنَّ عبد الله كانَ إذا دَخَلَ الكَعْبةَ مَشَى قِبَلَ وجهِهِ حينَ يَدْخُلُ، وجَعَلَ البابَ قِبَلَ ظَهْرِه، فمَشَى حَتَّى يكونَ بينَه وبينَ الجِدَارِ الَّذِي قِبَلَ وَجهِه قَرِيباً من ثلاثِ أذْرُعٍ، صَلَّى يَتَوَخَّى المكانَ الَّذِي أَخَرَه به بلالٌّ أنَّ النبيَّ ◌َێِ صَلَّى فيه. قال: وليسَ على أحدِنا بأْسِّ أنْ يُصلِّيَ في أيِّ نَواحِي البيتِ شاءَ. قوله: ((باب)» كذا للأكثر بلا ترجمة، وهو كالفَصْل من الباب الذي قبله، وكأنه فَصَلَه عنه لأنه ليس فيه تصريحٌ بكون الصلاة وقعت بين السَّواري، لكن فيه بیانُ مِقْدار ما كان ٤٣٩ باب ٩٨ / ح ٥٠٧ كتاب الصلاة - أبواب سترة المصلي ٥٨٠/١ بينه وبين الجدار من المسافة. وسقط لفظ / ((باب)) من رواية الأَصِيلي. قوله: ((حتَّى يكونَ بينَه وبينَ الجِدَارِ ... قَريباً) كذا وَقَعَ بالنصب على أنَّه خبرُ كان، واسمُها محذوف. قوله: ((من ثلاثِ أذْرُع)) كذا لأبي ذرٍّ، ولغيره: ((ثلاثة)) بالتأنيث، والذِّراع يُذكَّرُ ويُؤنَّث. قوله: (بَتَوخّی)» بالمعجمة، أي: يَقصِد. قوله: ((قال)) أي: ابن عمر. قوله: ((أنْ يُصلَِّ)) كذا للكُشْمِيهَنيِّ ولغيره: ((أنْ صلَّى)» بلفظ الماضي، ومراد ابن عمر: أنَّه لا يُشترَطُ في صِحّة الصلاة في البيت، موافقةُ المكان الذي صلَّى فيه النبيُّ ◌َێ، بل موافقة ذلك أولى وإن كان يَحَصُّلُ الغَرَضُ بغيره. ٩٨ - باب الصلاة إلى الراحلة والبعير والشجر والرَّحْل ٥٠٧- حدَّثْنا محمَّدُ بنُ أبي بَكْرِ المُقدَّميُّ، حدَّثنا مُعتمِرٌ، عن عُبيدِ الله ، عن نافعِ، عن ابنِ عمَرَ، عن النبيِّ وَّةِ: أنَّه كانَ يُعرِّضُ راحِلَتَه فيُصلِّي إليها، قلتُ: أفرأَيتَ إذا هَبَّتِ الرِّكابُ؟ قال: كانَ يأْخُذُ هذا الرَّحْلَ فَيَعْدِلُه فيُصلِّى إلى أَخَرَتِهِ - أو قال: مُؤْخِرَتِه - وكانَ ابنُ عمَرَ ﴾ يَفعَلُه. قوله: ((باب الصلاة إلى الرّاحِلَة والبعير)) قال الجَوْهَري: الراحلةُ: الناقة التي تصلُحُ لأنْ يُوضَعَ الرَّحْلُ عليها. وقال الأزهري: الراحلةُ: المركوب النَّجيب ذَكَراً كان أو أُنثى، والهاءُ فيها للمُبالَغة، والبعيرُ يقال لما دخل في الخامسة. قوله: ((والشَّجَر والرّحْل)) المذكور في حديث الباب الراحلة والرَّحْل، فكأنَّه أَلْقَ البعير بالراحلة بالمعنى الجامع بينهما، ويحتمل أنْ يكون أشار إلى ما وَرَدَ في بعض طرقه، فقد رواه أبو خالد الأحمرُ عن عُبيدِ الله بن عمر عن نافعٍ بلفظ: «كان يصلِّي إلى بعيرِه))(١)، فإن كان (١) أخرجه من طريق أبي خالد الأحمر مسلم (٥٠١) (٢٤٨)، وأبو داود (٦٩٢). ٤٤٠ باب ٩٨ / ح ٥٠٧ فتح الباري بشرح البخاري هذا حديثاً آخرَ حصل المقصود، وإن كان مُختصَراً من الأوَّل ــ كأنْ يكون المراد: يصلِّي إلى مُؤْخرة رَحْل بعيرِهِ - انَّجَهَ الاحتمال الأوَّل، ويؤيِّدُ الاحتمال الثاني ما أخرجه عبد الرزّاق: أنَّ ابن عمر كان يَكْره أنْ يُصلّيَ إلى بعيرٍ إلَّا وعليه رَحْلٌ. وسأذكره بعدُ(١). وأُِقَ الشَّجَر بالرَّحْلِ بطريق الأولَويَّة، ويحتمل أنْ يكون أشار بذلك إلى حديث عليٍّ قال: لقد رأيتُنا يومَ بدرٍ وما فينا إنسان إلَّا نائم، إلَّا رسولَ الله ◌ِوَ له فإنه كان يصلي لشجرة يدعو حتى يصبح. رواه النسائي (ك٨٢٥) بإسناد حسن. قوله: ((يُعرِّضُ)) بتشديد الراء، أي: يجعلُها عَرْضاً. قوله: ((قلتُ: أفرأيتَ)) ظاهره أنَّه كلامُ نافع والمسؤولُ ابن عمر، لكن بيَّن الإسماعيلُّ من طريق عُبيدة بن حُميد عن عُبيدِ الله بن عمر أنَّه كلامُ عُبيدِ الله والمسؤولُ نافع، فعلى هذا هو مُرسَل، لأنَّ فاعل ((يأخذُ)) هو النبيُّ ◌ِێے ولم يُدرِكْه نافع. قوله: ((هَبَّت الرِّكابُ)) أي: هاجَت الإبل، يقالُ: هَبَّ الفَحْلُ: إذا هاج، وهَبَّ البعير في السَّير: إذا نَشِط. والرِّكابُ: الإبل التي يُسار عليها، ولا واحدَ لها من لفظِها، والمعنى: أنَّ الإبلَ إذا هاجَتْ شَوَّشَت على المصلّي لعَدَم استقرارها، فيَعْدِلُ عنها إلى الرَّحْل فيجعله سُتْرة. وقوله: ((فَيَعْدِله)) بفتح أوَّله وسكون العين وكسر الدَّال، أي: يُقيمه تِلْقاءَ وجهِه. ويجوز التشدید. وقوله: ((إلى أَخَرَتِهِ)) بفَتَحاتٍ بلا مدٍّ ويجوز المدّ، و ((مُؤْخِرَته)) بضمٍّ أوَّله ثمّ همزة ساكنة، وأمَّا الخاءُ فجَزَمَ أبو عُبيد بكسرها وجَوَّزَ الفتح، وأنكَرَ ابن قُتَيبة الفتح، وعكس ذلك ابن مَكِّيّ فقال: لا يقال: مُقْدِمٌ ومُؤْخِرٌ بالكسر إلَّا في العين خاصّة، وأمَّا في غيرها فيقالُ بالفتح فقط. ورواه بعضهم بفتح الهمزة وتشديد الخاء. والمرادُ بها: العود الذي في آخر الرَّحْلِ الذي يَستِنِدُ إليه الراكب. (١) انظر آخر شرح هذا الباب.