النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
باب ٨١ / ح ٤٦٨
كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد
الموقِّق، قال الدَّارَ قُطني: رواية مَن رواه عن أبي النَّضْر عن عُبيد عن بُسْر غير محفوظة.
قوله: ((إنْ يَكُن اللهُ خَيَّرَ عبداً) كذا للأكثر، وللكُشْمِيهَنِيّ: ((إنْ يكن الله عبدٌ خُيِّ))، والهمزة
في ((إنْ)) مكسورة على أنّها شرطيَّة، وجَوَّزَ ابن التِّين فتحها على أنَّها تعليليّة، وفيه نظرٌ.
قوله: ((إنَّ أُمَنَّ الناسِ)) قال النَّووي: قال العلماء: معناه: أكثرُهم جُوداً لنا بنفسِه وماله،
وليس هو من المنِّ الذي هو الاعتدادُ بالصَّنيعة، لأنَّ الِنَّةَ لله ولرسوله في قَبُول ذلك، وقال
القُرْطبي: هو من الامتنان، والمراد: أنَّ أبا بكر له من الحقوقِ ما لو كان لغيره نظیرُها،
لامتَنَّ بها، يؤيِّدُه قولُه في رواية ابن عبّاس: ((ليس أحدٌ أمَنّ عليّ))، والله أعلم.
قوله: ((ولكنْ أُخُوَّةُ الإسلام)) كذا للأكثر، وللأصيليِّ: ((ولكن خُوّة الإسلام)) بحذف
الألف، كأنَّه نقل حَرَكةَ الهمزة إلى النون وحَذَفَ الهمزة، فعلى هذا يجوز ضمُّ نون ((لكن)»
کما قاله ابن مالك، وخبر هذه الجملة محذوف، والتقدیر: أفضلُ، کما وقع في حدیث ابن
عبَّاس الذي بعده: ((ولكن فيه (١) خُلّة الإسلام))، ويأتي ما في ذلك من الإشكال وبيانه في
كتاب المناقب (٣٦٥٤) إن شاء الله تعالى.
وبيَّن حديث ابن عبّاس أيضاً أنَّ ذلك كان في مرض موته وَّةِ، وذلك لمَّا أمَرَ أبا بكر
أنْ يُصلّيَ بالناس، فلذلك استثنى خَوْختَه بخلاف غيره، وقد قيل: إنَّ ذلك من جملة
الإشارات إلى استخلافه كما سيأتي أيضاً.
قوله: «غیرَ خَوْخة أبي بكر)) کذا للأکثر، وللگُشْمِیھنیّ: ((إلَّا)) بدل: غیر.
٨١ - باب الأبواب والغَلَق للكعبة والمساجد
قال أبو عبد الله: وقال لي عبدُ الله بنُ محمَّدٍ: حدَّثنا سفيانُ، عن ابنِ جُرَيج، قال: قال لي
ابنُ أبي مُلَيكةً: يا عبدَ الملِك، لو رأيتَ مساجدَ ابنِ عبَّاس وأبوابها.
٤٦٨ - حدَّثنا أبو الثُّعْمَان وقُتَيبةُ، قالا: حدَّثنا حَمَّادُ بن زيدٍ، عن أيوبَ، عن نافعٍ، عن ابنِ
عمرَ: أَنَّ النبيَّ ◌َّرِ قَدِمَ مَكّةَ فَدَهَا عثمانَ بنَ طَلْحَةَ ففَتَحَ البابَ، فَدَخَلَ النبيُّ ◌َِّ وبلالٌ
(١) روايات ((الصحيح)) بإسقاط لفظ ((فيه)).

٤٠٢
باب ٨٢ / ح ٤٦٩
فتح الباري بشرح البخاري
وأُسامةُ بنُ زيدٍ وعثمانُ بنُ طَلْحَةَ، ثُمَّ أغْلَقَ البابَ فَلَبِثَ فيه ساعةً، ثمَّ خَرَجُوا، قال ابنُ عمَرَ:
٥٦٠/١ فبَدَرْتُ فسألتُ بلالاً، فقال: صَلَّى فيه، فقلتُ: في أيٍّ؟ قال: / بين الأُسْطُوانَتَينِ. قال ابنُ عمَرَ:
فذهب عليَّ أنْ أسألَه كَمْ صَلَّى؟
قوله: ((باب الأبواب والغَلَق» بفتح المعجَمة واللام، أي: ما يُغلَقُ به الباب.
قوله: ((قال لي عبد الله بن محمَّد)) هو الجُعْفيّ، وسفيان: هو ابن عُيَينة، وعبد الملك: هو
اسمُ ابن جُرَيج.
وقوله: ((لو رأيتَ)) محذوف الجواب وتقديره: لرأيتَ عَجَباً أو حُسناً، لإتقانها أو نظافتها
ونحو ذلك. وهذا السّياقُ يدلُّ على أنَّها في ذلك الوقت كانت قد اندَرَسَت.
قوله: ((قالا: حدّثنا حماد بن زيد)» لم يقل الأَصِيلي: ((ابن زيد))، وسيأتي الكلامُ على حديث
ابن عمر هذا في كتاب الحج (١٥٩٨) إن شاء الله تعالى.
قال ابن بَطَّل: الحِكْمةُ في غَلْقِ الباب حينئذٍ لئلا يَظُنَّ الناس أنَّ الصلاةَ فيه سُنَّةٌ
فیلتَزِمون ذلك. کذا قال، ولا يخفى ما فيه.
وقال غيره: يحتمل أنْ يكون ذلك لئلّا يَزْدَحِموا عليه لتَوَقُّر دَواعِيهم على مراعاة أفعاله
ليأخذوها عنه، أو ليكون ذلك أسكنَ لقَلْبِهِ وأجمعَ لخشوعِه، وإنَّما أدخَلَ معه عثمان لئلا يُظنَّ
أنَّه ◌ُزِلَ عن ولاية الكعبة، وبلالاً وأُسامة لمُلازَمتهما خدمته. وقيل: فائدةُ ذلك التمگُّن من
الصلاة في جميع جهاتها، لأنَّ الصلاةَ إلى جهة الباب وهو مفتوحٌ لا تصحُ.
٨٢ - باب دخول المشرك المسجد
٤٦٩- حدَّثنا قُتَبةُ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، عن سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ، أنَّه سَمِعَ أبا هُرَيرةَ
يقولُ: بَعَثَ رسولُ الله ◌َّهِ خَيْلاً قِبَلَ نَجْدٍ فجاءَتْ برجلٍ من بني حَنِيفةَ يقالُ له: ثُمَامةُ بنُ
أُثَالِ، فَرَبَطُوه بسارِيَةٍ من سَوَارِي المسجدِ.
قوله: ((باب دخولِ المشركِ المسجد)» هذه الترجمة تَرِدُ على الإسماعيليِّ حيثُ تَرجَمَ بها فيما

٤٠٣
باب ٨٣ / ح ٤٧٠
كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد
مضى بدلَ ترجمة ((الاغتسال إذا أسلم))(١)، وقد يقال: إنَّ في هذه الترجمة بالنّسبة إلى ترجمة
((الأسير يُربَطُ في المسجد)) تكراراً، لأنَّ رَبْطَه فيه يستلزم إدخالَه، لكن يُجابُ عن ذلك بأنَّ
هذا أعمُّ من ذاك.
وقد اختصر المصنّف الحديث مُقتَصِراً على المقصودِ منه، وسيأتي تامّاً في المغازي (٤٣٧٢).
وفي دخول المشركِ المسجدَ مذاهب: فعن الحنفيَّة: الجوازُ مُطلَقاً، وعن المالكيَّة والمُزَنِيّ:
المنعِ مُطلَقاً، وعن الشافعيَّة: التفصيلُ بين المسجد الحرام وغيره للآية. وقيل: يُؤْذَنُ للكتابيِّ
خاصّةً، وحديث الباب يردُّ عليه، فإنَّ تُمامة ليس من أهل الكتاب.
٨٣ - باب رفع الصوت في المسجد
٤٧٠- حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا الجُعَيدُ بنُ
عبدِ الرحمن، قال: حدَّثني يزيدُ بنُ خُصَيفةَ، عن السائب بن يزيدَ، قال: كنتُ قائماً في المسجدِ
فحَصَبَتِي رجلٌ، فتَظَرتُ فإذا عمرُ بنُ الخَطَّاب، فقال: اذهَبْ فَأْتِني بهذَين، فچِثْتُه بهما، قال:
مَن أنتما، أو من أينَ أنتُها؟ قالا: من أهلِ الطّائفِ، قال: لو كنتُما من أهلِ البَلَدِ لأوجَعْتُُما،
تَرْفَعانِ أصْواتكُما في مسجدِ رسولِ الله ◌َِّ؟!
قوله: ((باب رَفْع الصوت في المسجد)» أشار بالترجمة إلى الخلاف في ذلك، فقد كَرِهَه مالكٌ
مُطلَقاً سواء كان في العِلْم أم في غيره، وفَرَّقَ غيره بين ما يتعلَّقُ بغَرَضِ دينيٍّ أو نَفْعِ دُنيَويّ
وبين ما لا فائدةَ فيه، وساق البخاري في / الباب حديث عمرَ الدَّالَّ على المنع، وحديث كَعْب ٥٦١/١
الدَّالٌ على عَدَمِه، إشارةً منه إلى أنَّ المنعَ فيما لا مَنفَعَةً فيه وعَدَمَه فيما تُلجِئُ الضَّرورة إليه.
وقد تقدَّم البحثُ فيه في ((باب التقاضي))(٢). ووَرَدَت أحاديثُ في النهي عن رفع الصوت في
المساجد، لكنَّها ضعيفة أخرج ابن ماجَهْ بعضها (٣)، فكأنَّ المصنّف أشار إليها.
(١) باب رقم (٧٦).
(٢) باب رقم (٧١).
(٣) كحديث واثلة بن الأسقع عنده برقم (٧٥٠) ولفظه: ((جنِّبوا مساجدكم صبيانكم ... ورفع أصواتكم ... )).

٤٠٤
باب ٨٣ / ح ٤٧١
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((حدَّثْنا الجُعَيد بن عبد الرحمن)) في رواية الإسماعيلي: ((الجَعْد بن أَوس)) وهو هو،
فإِنَّ اسمَه الجَعْدُ وقد يُصغَّر: وهو ابن عبد الرحمن بن أوس، فقد يُنسَبُ إلى جدِّه.
قوله: ((حدَّثني يزيد بن خُصيفة)) هو ابن عبد الله بن خُصيفة نُسِبَ إلى جدِّه، وروى
حاتم بن إسماعيل هذا الحديثَ عن الجُعَيد عن السائب بلا واسطة، أخرجه الإسماعيليّ،
والجُعَيد صَحَّ سماعُه من السائب كما تقدَّم في الطهارة (١٩٠)، فليس هذا الاختلاف قادحاً،
وعند عبد الرزاق (١٧١١) له طريق أُخرى عن نافع قال: كان عمرُ يقولُ: لا تُكْثِروا
اللَّغَطِ، فدخل المسجد فإذا هو برجلَينِ قد ارتفعت أصواتُهما، فقال: إنَّ مسجدَنا هذا لا
يُرفَعُ فيه الصوت ... الحديث، وفيه انقطاع، لأنَّ نافعاً لم يُدرِكْ ذلك الزّمان.
قوله: ((كنت قائماً في المسجد)» كذا في الأُصول بالقاف، وفي رواية: ((نائم)» بالنون،
ويؤيِّدُه رواية حاتم عن الجُعَيد بلفظ: كنت مُضطَجِعاً.
قوله: ((فخَصَبني)) أي: رَمَاني بالخَصْباء.
قوله: ((فإذا عمرُ)) الخبر محذوفٌ تقديره: قائم أو نحوه، ولم أقِفْ على تسمية هذين
الرجلَين، لكن في رواية عبد الرزاق: أنَّهما ثقفيَّان.
قوله: ((لو كنتُما)) يدلُّ على أنَّه كان تقدَّم نهيُه عن ذلك، وفيه المعذِرةُ لأهل الجَهْل
بالُكْم إذا كان مما يخفى مثلُه.
قوله: ((لَأَ وجَعتُكُما)) زاد الإسماعيلي: ((جَلْداً)). ومن هذه الجهة يتبيَّنُ كَوْن هذا الحديث
له حُكْم الرفع، لأَنَّ عمرَ لا يَتوعَّدُهما بالجَلْدِ إلَّا على مخالفة أمرٍ توقيفيّ.
قوله: ((تَرْفَعان)) هو جوابٌ عن سؤالٍ مُقدَّرٍ كأنَّهما قالا له: لِمَ تُوجِعُنا؟ قال: لأنَّكما
ترفعان، وفي رواية الإسماعيلي: ((برفعكما أصواتَكما))، وهو يؤيِّدُ ما قَدَّرْناه. وقد تقدَّم
توجيه جمع ((أصواتكما)) في حديث (٢١٦): ((يُعذَّبان في قبورِ هما)).
٤٧١ - حدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: أخبرني يونسُ بنُ يزيدَ، عن ابنِ شِهَاب،
حدَّثني عبدُ الله بنُ كَعْبٍ بنِ مالكٍ، أنَّ كَعْبَ بنَ مالكِ أخبره: أنَّه تَقاضَى ابنَ أبي حَدْرَدٍ دَیناًله

٤٠٥
باب ٨٤ / ح ٤٧٢-٤٧٤
كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد
عليه في عَهدِ رسولِ اللهِ وَله في المسجدِ، فارتَفَعَتْ أصْواتُما حتَّى سَمِعَها رسولُ اللهِ وَلِ وهو
في بيتِه، فخَرَجَ إليهما رسولُ الله ◌ِِّ حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرتِهِ، ونادَى: ((يا كعبُ بنَ مالكٍ،
يا كعبُ)) قال: لَّيكَ يا رسولَ الله، فأشارَ بيدِه: أنْ ضَع الشَّطْرَ من دَينِكَ، قال كعبٌّ: قد
فَعَلتُ يا رسولَ الله، قال رسولُ اللهِوَّةِ: «قُمْ فَاقْضِه)».
قوله: ((حدَّثنا أحمد)) في رواية أبي عليّ الشَّبُِّيِّ عن الفِرَبْريّ: ((حدَّثنا أحمد بن صالح))
وبذلك جَزَمَ ابن السَّكَن، وقد تقدَّم الكلامَ على حديث كَعْب (٤٥٧) في ((باب التقاضي)
قبل عشرة أبوابٍ أو نحوِها.
وقولُه هنا: «حتَّى سمعها)) في رواية الأصيليّ: سمعهما.
٨٤ - باب الحَلَق والجلوس في المسجد
٤٧٢- حدَّثْنَا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا بِشْرُ بنُ المفضَّل، عن عُبيدِ الله، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ،
قال: سألَ رجلٌ النبيَّ ◌َله وهو على المِثْبِ: ما تَرَى في صلاةِ اللَّيلِ؟ قال: ((مَثْنَى مَثْنَى، فإذا خَشِيَ
الصُّبْحَ صَلَّى واحدةً، فأوتَرَتْ/ له ما صَلَى)). وإِنَّه كانَ يقولُ: اجعَلُوا آخرَ صَلائِكُم بالليلِ ٥٦٢/١
وِتْراً، فإنَّ النبيَّ ◌َّ أَمَرَ به.
[أطرافه في: ٤٧٣، ٩٩٠، ٩٩٣، ٩٩٥، ١١٣٧]
٤٧٣- حدَّثنا أبو التُّعْمان، قال: حدّثنا حمادٌ، عن أيوبَ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ: أنَّ رجلاً
جاء إلى النبيِّ وَله وهو يَخْطُبُ، فقال: كيفَ صلاةُ اللَّيلِ؟ فقال: ((مَثْنَى مَثْتَى، فإذا خَشِيتَ
الصُّبْحَ فَأَوِرْ بواحدةٍ نُوتِرْ ما قد صَلَّيْتَ)).
قال الوليدُ بنُ كَثِيرٍ: حدَّثني عُبيدُ الله بنُ عبدِ الله: أنَّ ابنَ عمرَ حَدَّثَهم: أنَّ رجلاً نادَى
النبيَّ وَّ وهو في المسجدِ.
٤٧٤- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ الله بنِ أبي
طَلْحَةَ: أنَّ أبا مُرّةَ مولى عَقِيلٍ بنِ أبي طالبٍ أخبره عن أبي واقِدِ اللَّيْثِيّ، قال: بينما رسولُ الله ◌ِه
في المسجدِ فأقبَلَ ثلاثةُ نَفَر، فأقبَلَ اثْنانٍ إلى رسولِ الله وَِّ وذهبَ واحدٌ، فأمّا أحدُهُما فَرَأَى

٤٠٦
باب ٨٤ / ح ٤٧٢ - ٤٧٤
فتح الباري بشرح البخاري
فُرْجَةً فَلَسَ، وأمّا الآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُم، فلمَّا فَرَغَ رسولُ الله ◌َِّ قال: ((أَلَا أُخبِرُكُم عن
الثَّلاثةِ؛ أمّا أحدُهم أَوَى إلى الله فآواهُ الله، وأمّا الآخَرُ فاستَحْيا فاستَحْيا اللهُ منه، وأمّا الآخَرُ
فأعرَضَ فأعرَضَ اللهُ عنه)).
قوله: ((باب الحَلَق)) بفتح المهمَلة ويجوز كسرها واللام مفتوحة على كلِّ حال: جمعُ
حَلْقة بإسكان اللام على غير قياس، وحُكيَ فتحُها أيضاً.
قوله: ((عن عُبيدِ الله)) هو ابن عمر العُمَريّ.
قوله: ((سألَ رجل)) لم أقِفْ على اسمِه.
قوله: ((ما تَرى؟)) أي: ما رَأْيُك؟ من الرَّأْي، أو من الرُّؤْية بمعنى العِلْمِ. و((مَثْنَى مَثْنَى))
بغير تنوين، أي: اثنتَيْنِ اثنتَين، وكُرِّرَ تأكيداً.
قوله: ((فأوتَرَت)) بفتح الراء، أي: تلك الواحدةُ.
قوله: ((وإِنَّه كانَ يقولُ)) بكسر الهمزة على الاستئناف، وقائل ذلك هو نافع، والضمير
لابن عمر.
قوله: ((باللَّيل» هي في رواية الكُشْمِيهَني والأَصِيليّ فقط.
قوله في طريق أيوب عن نافع: ((تُوِرْ)) بالجَزْم جواباً للأمر، وبالرفع على الاستئناف،
وزاد الكُشْمِيهَني والأَصِيليّ: ((لكَ)).
قوله: ((قال الوليد بن كَثير)) هذا التعليق وَصَلَه مسلم (٧٤٩) من طريق أبي أسامة عن
الوليد، وهو بمعنى حديث نافع عن ابن عمر، وسيأتي الكلام على ذلك مفصَّلاً في کتاب
الوتر (٩٩٠) إن شاء الله تعالى.
وأراد البخاري بهذا التعليقِ بيانَ أنَّ ذلك كان في المسجد، ليتِمَّ له الاستدلالُ لما تَرجَمَ
له، وقد اعترضَه الإسماعيلي فقال: ليس فيما ذُكِرَ دلالةٌ على الحَلَقِ ولا على الجلوس في
المسجد بحال. وأُجيبَ بأنَّ كَوْنَه كان في المسجد صريحٌ من هذا المعلَّق، وأمَّا التحلُّقُ فقال
المهلَّب: شَبَّهَ البخاريُّ جلوس الرجال في المسجد حَوْلَ النبيِّ وَّلِ وهو يَخْطُبُ بالتحلُّقِ

٤٠٧
باب ٨٥ / ح ٤٧٥
كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد
حولَ العالِم، لأنَّ الظاهرَ أنَّه ◌َله لا يكون في المسجد وهو على المنبر إلَّ وعنده جمعٌ
جلوسُ مُحدِقين به كالمتحلِّقين، والله أعلم.
وقال غيره: حديثُ ابن عمر يتعلَّقُ بأحدٍ رُكْنَي الترجمة وهو الجلوسُ، وحديث أبي
واقد يتعلَّق بالُّكنِ الآخَرِ وهو التحلّق. وأمَّا ما رواه مسلم من حديث جابر بن سَمُرة
(٤٣٠) قال: دخل رسولُ الله وَّر المسجدَ وهم حَلَقٌّ فقال: ((ما لي أراكم عِزِينَ؟)) فلا
مُعارَضةَ بينَه وبين هذا، لأنَّه إنَّما كَرِهَ تحلّقَهم على ما لا فائدةَ فيه ولا مَنفَعَةً(١)، بخلاف
تحلُّقِهم حولَه، فإنَّه كان/ لسماع العِلْم والتعلُّم منه.
٥٦٣/١
قوله: ((بينما رسول الله وَّهَ في المسجد)) زاد في العِلْم (٦٦): ((والناسُ معه)) وهو أصرحُ
فیما تَرجَمَ له.
قوله: ((فَرَأَى فُرْجَةً)) زاد في العِلْمِ: ((في الخَلْقة))، وزادها الأَصِيلِيّ والكُشْمِيهَني أيضاً في
هذه الرواية، وقد تقدَّم الكلامُ على فوائده في كتاب العِلْم.
٨٥ - باب الاستلقاء في المسجد
٤٧٥- حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسلَمةَ، عن مالك، عن ابنِ شِهَاب، عن عَبّادِ بنِ تَمِيم، عن
عَمِّه: أنَّه رَأَى رسولَ الله وَلّ مُستَلقِياً في المسجدِ واضعاً إحدى ڕِجلیه على الأُخرى.
وعن ابنِ شِهَاب، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، قال: كانَ عمرُ وعثمانُ يَفعَلان ذلكَ.
[طرفاه في: ٥٩٦٩، ٦٢٨٧]
قوله: ((باب الاستلقاء في المسجد)) زاد في نسخة الصَّغَانيِّ: ومَدِّ الرِّجْل.
قوله: ((حدَّثنا عبد الله بن مَسْلَمة)) هو القَعْنبيّ.
قوله: ((عن عَمِّه)) هو عبد الله بن زيد بن عاصم المازنيّ.
(١) هذا فيه نظر، والظاهر أنه أنكر عليهم تفرُّقهم، ودلَّ بذلك على استحباب اجتماعهم حالَ مذاكرة العلم،
وأن يكونوا حلقة واحدة لا حلقاً، لأن ذلك أجمع للقلوب وأكمل للفائدة، والله أعلم. (س).

٤٠٨
باب ٨٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((واضعاً إحدَى رِجْليهِ على الأُخرى)) قال الخطّبي: فيه أنَّ النهيَ الواردَ عن ذلك
منسوخ، أو يُحمَلُ النهي حيثُ يُحْشَى أنْ تَبْدوَالعَوْرة، والجواز حيثُ يُؤْمَنُ ذلك.
قلت: الثاني أَولى من ادِّعاء النَّسْخ، لأنَّه لا يَثبُتُ بالاحتمال، وَمَّنْ جَزَمَ به البيهقي
والبَغَويُّ وغيرهما من المحققين، وجزمَ ابن بَطَّالٍ ومَن تبعه بأنَّه منسوخ.
وقال المازَرِي: إنَّما بَوَّبَ على ذلك، لأنّه وقع في كتاب أبي داود (٤٨٦٥) وغيره، لا في
الكتب الصِّحاح، النهيُ عن أنْ يضعَ إحدى رِجْليه على الأُخرى، لكنَّه عامٌّ، لأنَّه قولٌ يتناولُ
الجميع، واستلقاؤه في المسجد فعل قد يُدَّعى قَصْرُه عليه فلا يُؤخَذُ منه الجواز، لكن لمَّا صَحَّ
أنَّ عمر وعثمان كانا يفعلان ذلك، دلَّ على أنَّه ليس خاصاً به وَلّ، بل هو جائز مُطلَقاً، فإذا
تَقرَّرَ هذا صارَ بين الحديثين تَعارُضٌ فيُجمَعُ بينهما؛ فذكر نحو ما ذكره الخطّابي.
وفي قوله عن حديث النهي: ((ليس في الكتب الصِّحاح)) إغفال، فإنَّ الحديثَ عند
مسلم في اللِّباس (٢٠٩٩/ ٧٢) من حديث جابر، وفي قوله: ((فلا يُؤْخَذُ منه الجواز)) نظرٌ،
لأنَّ الخصائصَ لا تَثْبُتُ بالاحتمال، والظاهرَ أنَّ فعلَه ◌َليِ كان لبيان الجواز، وكان ذلك
في وقتِ الاستراحة لا عند مُجْتَمَع الناس لما عُرِفَ من عادته من الجلوس بينهم بالوَقَار
التامِّ، وَله.
قال الخطَّابي: وفيه جواز الاتِّكاء في المسجد والاضطجاع وأنواع الاستراحة.
وقال الدَّاوودي: فيه أنَّ الأجرَ الوارد للابثِ في المسجد لا يَخْتَصُّ بالجالس، بل يَحَصُلُ
للمُستَلقي أيضاً.
قوله: ((وعن ابن شِهَاب، عن سعيد بن المسيِّب)) هو معطوفٌ على الإسناد المذكور، وقد
صَرَّحَ بذلك أبو داود (٤٨٦٧) في روايته عن القَعْنبيّ، وهو كذلك في ((الموطَّأ)) (١/ ١٧٢)،
وقد غَفَلَ عن ذلك مَن زَعَمَ أنَّه مُعلَّق.
٨٦ - باب المسجد يكون في الطريق من غير ضررٍ بالناس
وبه قال الحسنُ وأيُّوبُ ومالكٌ.

٤٠٩
باب ٨٦ / ح ٤٧٦
كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد
٤٧٦- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، قال: حدَّثْنا اللَّيْثُ، عن عُقَيل، عن ابنِ شِهَاب، قال: أخبرني
عُرْوةُ بنُ الزُّبَيرِ: أنَّ عائشةَ زوجَ النبيِّ ◌َّه قالت: لم أَعْقِلْ أَبَوَيَّ إلا وهُما يَدِينانِ الدِّينَ، ولم يَمُرَّ
علينا يومٌ إلَّا يَأْتِينا فيه / رسولُ اللهِ وَّهَ طَرَفَي النَّهَارِ بُكْرَةً وعَشِيَةً، ثمَّ بَدَا لأبي بَكْرٍ فَابْتَنَى ٥٦٤/١
مسجداً بفِنَاءِ دارِه، فكانَ يُصلِّ فيه ويَقْرَأُ القرآنَ، فيَقِفُ عليه نساءُ المشركِينَ وأبناؤُهم
يَعْجَبُونَ منه ويَنظُرُونَ إليه، وكانَ أبو بَكْرِ رجلاً بَّاءً لا يَمَلِكُ عَينَيَهِ إذا قَرَأَ القرآنَ، فَأَفَزَعَ
ذلكَ أشرافَ قُرَيشٍ مِن المشركينَ.
[أطرافه في: ٢١٣٨، ٢٢٦٣، ٢٢٦٤، ٢٢٩٧، ٣٩٠٥، ٤٠٩٣، ٥٨٠٧، ٦٠٧٩]
قوله: ((باب المسجدِ يكونُ في الطريق من غيرِ ضَرَرٍ بالناس)) قال المازَرِي: بناءُ المسجد في
مِلْك المرء جائز بالإجماع، وفي غير مِلْكِهِ تُمْتنِعِ بالإجماع، وفي المباحات حيثُ لا يَضُرُ بأحد
جائز أيضاً لكن شَذَّ بعضُهم فمَنَعَه، لأنَّ مُباحات الطُّرُقِ موضوعة لانتفاع الناس، فإذا
بُنِيَ بها مسجدٌ مَنَعَ انتفاع بعضهم، فأراد البخاري الرَّدَّ على هذا القائل واستدلَّ بقِصَّة أبي
بكر، لَكَوْن النبيّ ◌ََّاطَّلَعَ على ذلك وأقرّه.
قلت: والمنعُ المذكورُ مرويّ عن رَبِيعة، ونقله عبد الرزاق عن عليٍّ وابن عمر(١)، لكن
بإسنادین ضعيفين.
قوله: ((وبه قال الحسن)) يعني أنَّ المذكورين وَرَدَ التصريحُ عنهم بهذه المسألة، وإلّا
فالجمهور على ذلك کما تقدَّم.
قوله: ((فأخبَرَني عُرْوة)) هو معطوفٌ على مُقدَّر، والمراد بأبَوَي عائشة أبو بكر وأُمّ
رُومَان، وهو دالٌّ على تقدُّم إسلام أمِّ رومان.
قوله: ((ثمَّ بَدَا لأبي بكر)) اختصر المؤلِّفُ المتن هنا، وقد ساقه في كتاب الهِجْرة (٣٩٠٥)
مُطوَّلاً بهذا الإسناد فذكر بعد قوله: ((وعَشيّة)) وقبل قوله: ((ثمَّ بَدَا)) قِصّة طويلة في خروج
أبي بكر عن مكَّةَ ورجوعه في جِوَار ابن الدُّغُنَّة واشتراطه عليه أنْ لا يَستعلِنَ بعبادتِه، فعند
(١) رواه عنهما عبد الرزاق في ((مصنفه)) (١٥٧٥ - ١٥٧٦): أنهما كرها الصلاة على الطريق.

٤١٠
باب ٨٧ / ح ٤٧٧
فتح الباري بشرح البخاري
فراغ القِصَّة قال: ((ثمَّ بَدا لأبي بَكْر - أي: ظَهَرَ له رَأْيٌ - فبنى مسجداً) فذكر باقي القِصَّة
مُطوَّلاً كما سيأتي الكلام عليه مبسوطاً هناك إن شاء الله تعالى. ولم يُجِدْ بعض المتأخّرين
حيثُ شَرَحَ جميع الحديث هنا، مع أنَّه لم يقعْ منه هنا سوى قَدْرٍ يسير، وقد اشتَمَلَ من
فضائل الصِّدّيق على أُمورٍ كثيرةٍ كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
٨٧- باب الصلاة في مسجد السوق
وصَلَّى ابنُ عَوْنٍ في مسجدٍ في دارٍ يُغلَقُ علیھمُ البابُ.
٤٧٧- حدَّثْنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا أبو معاويةً، عن الأعمشِ، عن أبي صالحٍ، عن أبي
هُرَيرةَ، عن النبيِّ ◌َّرِ قال: ((صلاةُ الجمِيعِ تَزِيدُ على صلاِهِ في بيتِه وصلاتِهِ في سُوقِه خمساً
وعِشْرِينَ دَرَجةً، فإنَّ أحدَكُم إذا تَوضَّأْ فَأَحسنَ، وأَتَى المسجدَ لا يريدُ إلا الصلاةَ، لم يَخْطُ
خَطْوَةً إِلا رَفَعَه اللهُ بها دَرَجَةً، وحَطَّ عنه خَطِيئَةً حَتَّى يَدخُلَ المسجدَ، وإذا دَخَلَ المسجدَ كانَ في
صلاةٍ ما كانَتْ تَحِسُه، وتُصلِّي - يعني - عليه الملائكةُ ما دامَ في مَجلِسِهِ الَّذِي يُصلِّي فيه: اللهُمَّ
اغفِرْ له، اللهُمَّ ارحَمْه، ما لم يُؤْذِ مُحدِثْ فیه».
قوله: ((باب الصلاة في مسجد السُّوق)) ولغير أبي ذرّ: ((مساجد)». موقِعُ الترجمة الإشارة إلى
أنَّ الحديث الوارد في أنَّ الأسواقَ شرُّ الِقَاعِ، وأنَّ المساجدَ خيرُ البِقَاعِ، كما أخرجه البَزَّار
(٣٤٣٠) وغيره، لا يَصِحُّ إسنادُه(١)، ولو صَحَّ لم يَمنَعْ وَضْعَ المسجد في السُّوق، لأنَّ بُقْعة
المسجد حينئذٍ تكونُ بُقْعةَ خير. وقيل: المرادُ بالمساجد في الترجمة مواضع إيقاع الصلاة لا
الأبنيةُ الموضوعةُ لذلك، فكأنَّه قال: باب الصلاة في مواضع الأسواق، ولا يخفى بُعْدُه.
٥٦٥/١ قوله: ((وصَلَّى ابنُ عَوْنٍ)) كذا في جميع الأُصول، وصَحَّفَه ابن المنيِّر فقال: وجه مطابقة
الترجمة لحديث ابن عمر - مع كَوْنه لم يُصلِّ في سوق - أنَّ المصنّف أراد أنْ يُبيِّنَ جواز بناء
(١) من حديث جبير بن مطعم، ففي إسناده زهير بن محمد عن عبد الله بن محمد بن عَقِيل، وزهير ذو
مناكير، وابن عقيل فيه لين، وهو بنحوه في ((مسند أحمد)) (١٦٧٤٤)، لكن صحَّ في هذا المعنى حديث
أبي هريرة عن النبي وسلم قال: ((أحبُّ البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها)»، أخرجه
مسلم (٦٧١).

٤١١
باب ٨٧ / ح ٤٧٧
كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد
المسجد داخلَ السوقِ لئلا يَتخيَّلَ مُتخيّل من كَوْنه محجوراً منع الصلاة فيه، لأنَّ صلاةَ ابن
عمر كانت في دارٍ تُغلَقُ عليهم، فلم يمنع التحجيرُ اتَّخاذ المسجد.
وقال الكِرْماني: لعلَّ غَرَض البخاري منه الرَّدُّ على الحنفيَّة حيثُ قالوا بامتناعِ التّحَاذ
المسجد في الدَّار المحجوبة عن الناس. انتهى، والذي في كُتُب الحنفيّة الكراهةُ لا التحریمُ،
وظَهَرَ بحديث أبي هريرة أنَّ الصلاةَ في السُّوقِ مشروعة، وإذا جازت الصلاةُ فيه فُرادَى،
كان أَولى أنْ يُتَّخَذَ فيه مسجد للجماعة، أشار إليه ابن بَطَّال.
حديث أبي هريرة الذي ساقه المصنّف هنا أخرجه بعدُ (٦٤٧) في ((باب فضل صلاة
الجماعة)) ويأتي الكلام على فوائده هناك إن شاء الله تعالى. وزاد في هذه الرواية: ((وتُصلِي
الملائكة ... )) إلى آخره، وقد تقدَّمت (٤٤٥) في ((باب الحَدَث في المسجد)) من وجهٍ آخرَ عن
أبي هريرة.
قوله في هذه الرواية: ((صلاةُ الجميع)) أي: الجماعة، وتَكَلَّفَ مَن قال: التقديرُ: في
الجمیع.
وقوله: ((على صلاِه)) أي: الشخص.
قوله: ((فإنَّ أحدَكم)) كذا للأكثر بالفاء، وللكُشْمِيهَنيّ بالموخَّدة، وهي سبيَّةٌ أو
للمُصاحبة.
قوله: ((فأحسِن)) أي: أسبغ الوضوء.
قوله: ((ما لم يُؤْذِ يُحدِثْ)) كذا للأكثر بالفعل المجزوم على البَدَليَّة، ويجوز بالرفع على
الاستئناف، وللكُشْمِيهَنيّ: ((ما لم يُؤْذِ بحَدَثٍ فيه)) بلفظ الجارّ والمجرور مُتعلِّقاً بـ((يُؤْذِ))،
والمراد بالحَدَثِ الناقضُ للوضوء، ويحتمل أنْ يكون أعمَّ من ذلك، لكن صَرَّحَ في رواية
أبي داود (٤٧١) من طريق أبي رافع عن أبي هريرة بالأوَّل(١).
(١) وكذلك هو في طريق سعيد المقبري عن أبي هريرة، وقد سلفت عند البخاري برقم (١٧٦)، وقد ذَهَلَ
الحافظُ عن العزو له.

٤١٢
باب ٨٨ / ح ٤٧٨-٤٨٢
فتح الباري بشرح البخاري
٨٨- باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره
(١)
٤٧٨، ٤٧٩-
(١)
٤٨٠-
٤٨١- حدَّثنا خَلَادُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن أبي بُرْدَةَ بنِ عبدِ الله بنِ أبي بُرْدةَ،
عن جدِّه، عن أبي موسى، عن النبيِّ وَّ قال: ((إنَّ المؤمِنَ للمُؤْمِنِ كالبُنْيان، يَشُدُّ بعضُه بعضاً)»
وشَبَّك أصابعَه.
[طرفاه في: ٢٤٤٦، ٦٠٢٦]
٤٨٢- حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ شُمَيل، أخبرنا ابنُ عَوْن، عن ابنِ سِيرِينَ، عن أبي
هُرَيرةَ، قال: صَلَّى بنا رسولُ الله ◌ِّهِ إحدَى صلاتَي العَشِيِّ - قال ابنُ سِيرِينَ: سَمّاها أبو هُرَيرةَ
ولكنْ نَسِيتُ أنا. قال: فصَلَّى بنا رَكْعتَينِ ثمَّ سَلَّمَ، فقامَ إلى خَشَبةٍ مَعرُوضةٍ في المسجدِ فاتَّكاً
٥٦٦/١ عليها كأنَّه غَضْبانُ، ووَضَعَ يِدَه اليُمْنَى على / اليُسْرى، وشَبَّكَ بينَ أصابعِهِ، ووَضَعَ يدَه اليُمْنى
على ظَهْرِ كَفِّه اليُسْرى، وخَرَجَتِ السَّرَعانُ من أبوابِ المسجدِ، فقالوا: قَصُرَتِ الصلاةُ! وفي
القَوْمِ أبو بكرٍ وعمرُ فهَابًا أنْ يُگلِّمم، وفي القوم رجلٌ في يَدِهِ طُولٌ یقالُ له: ذُو الیدین، قال: يا
رسولَ الله، أَنَسِيتَ أم قَصُرَتِ الصلاةُ؟ قال: ((لم أنْسَ ولم تُقْصَرْ)) فقال: ((أكَما يقولُ ذُو
الْيَدَينِ؟)) فقالوا: نَعَم، فتَقَدَّمَ فصَلَّى ما تَرَكُ ثمَّ سَلَّمَ، ثمَّ كَبََّ وسَجَدَ مثلَ سُجُودِه أو أطوَلَ، ثمّ
رَفَعَ رَأْسَهُ وكَبَّرَ، ثمَّ كَبَّرَ وسَجَدَ مثلَ سُجُودِه أو أطوَلَ، ثمَّ رَفَعَ رَأْسَه وكَبَّرَ. فُرُبَّا سَأُلُوه: ثمَّ
سَلَّمَ؟ فيقولُ: نُبِّتُ أنَّ عِمْرانَ بنَ حُصَينٍ قال: ثمَّ سَلَّمَ.
[أطرافه في: ٧١٤، ٧١٥، ١٢٢٧، ١٢٢٨، ١٢٢٩، ٦٠٥١، ٧٢٥٠]
قوله: ((باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيرِه)) أورَدَ فيه حديثَ أبي موسى، وهو دالٌّ
على جواز التشبيك مُطلَقاً، وحديثَ أبي هريرة وهو دالٌّ على جوازِه في المسجد، وإذا جازَ
(١) وقع في هذين الموضعين في (س) حديثان ليسا في رواية الشارح، ولا هما في أكثر الروايات كما سيبيِّن
الحافظ ذلك لاحقاً، فلذلك لم نثبتهما وأبقينا على أرقامهما حفاظاً على الترقيم المشتهر بين الناس.

٤١٣
باب ٨٨ / ح ٤٧٨-٤٨٢
كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد
في المسجد فهو في غيره أجوزُ.
ووقع في بعض الروايات قبل هذين الحديثين حديث آخر، وليس هو في أكثر
الروايات، ولا استخرَجَه الإسماعيلي ولا أبو نُعَيم، بل ذكره أبو مسعود في ((الأطراف)) عن
رواية ابن رُمَيح، عن الفِرَبْريّ وحَمَّاد بن شاكر جميعاً، عن البخاريِّ قال (٤٧٨، ٤٧٩):
حدَّثنا حامد بن عمر، حدَّثنا بِشْر بن المفضَّل، حدَّثنا عاصم بن محمد، حدَّثنا واقد - يعني
أخاه - عن أبيه - يعني محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر - عن ابن عمر أو ابن عَمْرو قال:
شَبَّكَ النبيُّ ◌َّ أصابعَه. قال البخاري (٤٨٠): وقال عاصم بن عليّ، حدَّثنا عاصم بن
محمد قال: سمعت هذا الحديث من أَبي، فلم أحفَظْه، فقَوَّمَه لي واقد(١) قال: سمعت أَبي
وهو يقولُ: قال عبد الله: قال رسول الله وَلّ: ((يا عبد الله بن عَمْرو، كيف بك إذا بَقِيتَ في
حُثالةٍ من الناس)).
وقد ساقه الحميديّ في ((الجمع بين الصحيحين)) نَقْلاً عن أبي مسعود، وزاد هو: ((قد
مَرَجَت عُهودُهم وأماناتُهم، واختلفوا فصاروا هكذا)) وشَبَّكَ بين أصابعِه ... الحديث.
وحديثُ عاصم بن عليٌّ الذي عَلَّقَه البخاري وَصَلَه إبراهيم الحَرْبيّ في ((غريب
الحديث)) له قال: حدَّثنا عاصم بن عليّ، حدَّثنا عاصم بن محمد، عن واقد: سمعت أبي
يقولُ: قال عبد الله: قال رسول الله مَل ◌ٍ ... فذكره.
قال ابن بَطَّال: وجه إدخال هذه الترجمة في الفِقْهِ مُعارَضةٌ ما وَرَدَ في النهي عن التشبيكِ
في المسجد، وقد وَرَدَت فيه مَراسيل مسندة من طرقٍ غير ثابتةٍ. انتهى، وكأنّه يشير بالمسنَدِ
إلى حديث كَعْب بن عُجْرةَ قال: قال رسول الله وَّهِ: ((إذا توضَّأ أحدُكم ثمَّ خرج عامداً إلى
المسجد فلا يُشَبِّكَنَّ يديه فإنَّه في صلاة)) أخرجه أبو داود (٥٦٢) وصحَّحه ابن خُزيمة
(٤٤١) وابن حِبَّان (٢٠٣٦)، وفي إسناده اختلاف، ضَعَّفَه بعضهم بسببه.
وروى ابن أبي شَيْبة (٢/ ٧٥) من وجهٍ آخرَ بلفظ: ((إذا صلَّ أحدكم فلا يُشَبِّكَنَّ بين
(١) زاد في (س): عن أبيه.

٤١٤
باب ٨٨ / ح ٤٧٨-٤٨٢
فتح الباري بشرح البخاري
أصابعِه، فإنَّ التشبيكَ من الشيطان، وإنَّ أحدَكم لا يزالُ في صلاةٍ ما دامَ في المسجد حتَّى
يخرج منه)»، وفي إسناده ضعيف ومجهول.
وقال ابن المنيِر: التحقيقُ أنَّه ليس بين هذه الأحاديث تَعارض، إذ المنهيُّ عنه فعلُه على
وجهِ العَبَث، والذي في الحديث إنَّما هو المقصودِ التمثيل، وتصوير المعنى في النَّفْس بصورة
الحِسّ.
قلت: هو في حديث أبي موسى وابن عمر كما قال، بخلاف حديث أبي هريرة.
وجمع الإسماعيلي بأنَّ النهيَ مُقيَّد بما إذا كان في الصلاة أو قاصداً لها، إذْ مُنتظِرِ الصلاة
في حُكْم المصلِّي، وأحاديث الباب الدَّالّة على الجواز خالية عن ذلك، أمَّا الأوَّلان فظاهران،
وأمَّا حديثُ أبي هريرة فلأنَّ تشبيكَه إنَّما وَقَعَ بعد انقضاء الصلاة في ظَنِّه، فهو في حُكْم
٥٦٧/١ المنصَرِف من الصلاة، والروايةُ التي فيها النهي / عن ذلك ما دامَ في المسجد ضعيفة كما
قدَّمنا، فهي مُعارِضة(١) لحديث أبي هريرة كما قال ابن بَطَّال.
واختُلِفَ في حِكْمة النهي عن التشبيكِ فقيل: لكَوْنه من الشيطان كما تقدَّم في رواية
ابن أبي شَيْبة، وقيل: لأنَّ التشبيكَ يَجِلِبُ النومَ وهو من مَظانٌّ الحَدَث، وقيل: لأنَّ صورةً
التشبيكِ تُشْبِهِ صورةَ الاختلاف كما نَبَّهَ عليه في حديث ابن عمر، فكُرِه ذلك لمن هو في
حُكْم الصلاة حتَّى لا يقعَ في المنهيِّ عنه وهو قولُهُ وَّ للمُصلّين: ((ولا تَخْتِلِفُوا فَتَخْتِلِفَ
قلوبُكم)) (٢)، وسيأتي الكلام عليه في موضعه(٣). ويأتي الكلام على حديث ابن عمر في
كتاب الفِتَن(٤)، وعلى حديث أبي موسى في كتاب الأدب (٦٠٢٦)، وعلى حديث أبي هريرة
في سجود السَّهْو (١٢٢٧).
(١) في (س): ((فهي غير معارضة)) بزيادة لفظ ((غير))، وهو خطأ، والصواب حذفها كما وقع في أصلينا (أ)
و(ع)، فقد قال ابن بطال في ((شرحه)): وهذه الآثار معارضة لحديثي هذا الباب وهي غير مقاومة لهما في
الصحة ولا مساوية.
(٢) أخرجه مسلم (٤٣٢) من حديث أبي مسعود البدري.
(٣) انظر: كتاب الأذان: ٧١ - باب تسوية الصفوف عند الإقامة وبعدها، ح (٧١٧).
(٤) كتاب الفتن: ١٣ - باب إذا بقي في حثالة من الناس.

٤١٥
باب ٨٩ / ح ٤٨٣
كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد
وسفيان: هو الثّورِيُّ، وأبو بُرْدة: هو ابن عبد الله، ووقع للگُشْمِھنيّ: ((عن بُرید)»
وهو اسمه.
قوله: ((يَشُدُّ بعضُه)) في رواية المُستَمْلِي: ((شَدَّ)) بلفظ الماضي.
قوله: ((حدَّثنا إسحاق)) هو ابن منصور كما جَزَمَ به أبو نُعَیم.
قوله: ((إحدَى صلاتَي العَشِيّ)) كذا للأكثر، وللمُستَمْلِي والحَمُّوِيِّ: ((العِشاء)) بالمدِّ وهو
وَهْم، فقد صَحَّ أنَّها الظَّهِرُ أو العصرُ كما سيأتي (١٢٢٧)، وابتداءُ العَشِيّ: من أوَّل الَّوال.
قوله: ((ووَضَعَ بدَه اليُمنَى على ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرى)) عند الكُشْمِيهَنيّ: ((خَدّه الأيمَن)) بدلَ:
(يده اليُمِنَى))، وهو أشبه لئلا يَلزَمَ التكرار.
قوله: ((فربّما سألوه: ثمَّ سَلَّمَ؟» أي: ربَّما سألوا ابنَ سِيرين: هل في الحديث ((ثمَّ سَلَّمَ))؟
فيقولُ: نُبِّئْت ... إلى آخره، وهذا يدلّ على أنَّه لم يسمع ذلك من عِمْران، وقد بيَّن أشعَثُ في
روايته عن ابن سيرين الواسطةَ بينَه وبين عِمْران فقال: ((قال ابن سيرين: حدَّثني خالدٌ
الخَذّاء، عن أبي قلابة، عن عَمِّه أبي المهلَّب، عن عِمْران بن حُصَين)) أخرجه أبو داود
(١٠٣٩) والتِّرمِذيّ (٣٩٥) والنَّسائي (١٢٣٦)، ووقع لنا عالياً في ((جزء الذُّهْلِيّ))، فظَهَرَ أنَّ
ابنَ سيرين أبهَمَ ثلاثة، وروايته عن خالدٍ من رواية الأكابرِ عن الأصاغر.
٨٩ - باب المساجد التي على طرق المدينة
والمواضع التي صلَّى فيها النبيُّ وَله
٤٨٣- حدَّثنا محمَّدُ بنُ أبي بَكْرِ المُقدَّميُّ، قال: حدَّثْنا فُضَيلُ بنُ سليمانَ، قال: حدَّثنا
موسى بنُ عُقْبةَ، قال: رأيتُ سالم بنَ عبدِ الله يَتَحَرَّى أماكِنَ مِن الطَّرِيقِ فيُصلِّ فيها، ويُحدِّثُ
أنَّ أباه كانَ يُصلِّ فيها، وأنَّه رَأَى النبيَّ ◌َلاَ يُصلِّ في تلكَ الأمكِنَةِ.
وحدَّثني نافعٌ، عن ابنِ عمرَ: أَنَّه كانَ يُصلِّ في تلكَ الأمكِنَة، وسألتُ سالماً فلا أعلَمُه إلا
وافَقَ نافعاً في الأمكنةِ كُلِّها، إلا أنَّهما اختَلَفا في مسجدٍ بِشَرَفِ الرَّوْحاءِ.
[أطرافه في: ١٥٣٥، ٢٣٣٦، ٧٣٤٥]

٤١٦
باب ٨٩ / ح ٤٨٤-٤٨٧
فتح الباري بشرح البخاري
٤٨٤- حدَّثنا إبراهيمُ بنُ المنذِر، قال: حدّثنا أنسُ بنُ عِيَاض، قال: حدَّثنا موسى بنُ
عُقْبةَ، عن نافع، أنَّ عبدَ الله أخبره: أنَّ رسولَ الله وَِّ كَانَ يَنْزِلُ بذي الحُلَيفة حينَ يَعتَمِرُ وفي
حَجَّتِهِ حينَ حَجَّ تحتَ سَمُرةٍ في مَوْضِعِ المسجدِ الَّذِي بذي الحُلَيفة، وكانَ إذا رَجَعَ من غَزْوٍ
وكانَ في تلكَ الطَّريقِ أو حَجٍّ أو عُمْرةٍ، هَبَطَ من بَطْنِ وادٍ، فإذا ظَهَرَ من بَطْنٍ وادٍ أناخَ
بالبَطْحاءِ الَّتي على شَغِيرِ الوادي الشَّرْقِيّة فعَرَّسَ ثَمَّ، حتَّى يُصبِحَ ليسَ عند المسجدِ الَّذي
بِحِجَارةٍ، ولا على الأَكَمَة الَّتي عليها المسجدُ، كانَ ثَمَّ خَلِيجٌ يُصلِّ عبدُ الله عندَه في بَطْنِهِ كُنُبُّ
كانَ رسولُ الله وَِّ ثَمَّ يُصلِّي، فَدَحَا السَّيلُ فيه بالبَطْحاءِ حتَّى دَفَنَ ذلكَ المكانَ الَّذي كانَ
عبدُ الله ◌ُصلِّي فیه.
[أطرافه في: ١٥٣٢، ١٥٣٣، ١٧٩٩]
٥٦٨/١ ٤٨٥- وأنَّ عبدَ الله بنَ عمرَ حَدَّثَه: أنَّ النبيَّلَّهِ صَلَّى حيثُ المسجدُ الصَّغِيرُ الَّذِي دُونَ
المسجدِ الَّذِي بِشَرَفِ الرَّوْحاءِ، وقد كانَ عبدُ الله يُعلِمُ المكانَ الَّذِي صَلَّى فيه النبيُّ ◌َّ يقولُ:
ثَمَّ عن يَمِينِكَ حينَ تَقُومُ في المسجدِ تُصلِّى، وذلكَ المسجدُ على حافَةِ الطَّرِيقِ الْيُمْنَى وأنتَ
ذاهبٌ إلى مَكّةَ بينَه وبينَ المسجدِ الأكبرِ رَمْيٌ بِحَجَرٍ، أو نحوُ ذلكَ.
٤٨٦- وأنَّ ابنَ عمرَ كانَ يُصلِّي إلى العِرْقِ الَّذي عند مُنصَرَفِ الرَّوْحاءِ، وذلكَ العِرْقُ
انتِهاءُ طَرَفِهِ على حافَةِ الطَّريقِ دُونَ المسجدِ الَّذِي بينَه وبينَ المنصَرَفِ وأنتَ ذاهبٌ إلى مَكّةَ،
وقد ابتُنِيَ ثَمَّ مسجدٌ فلم يَكُنْ عبدُ الله يُصلِّي في ذلكَ المسجدِ، كانَ يَترُكُه عن يَسارِه ووَراءَه
ويُصلِّى أمامَه إلى العِرْقِ نَفْسِه، وكانَ عبدُ الله يَرُوحُ مِن الرَّوْحاءِ فلا يُصلِّي الظُّهرَ حتَّى يأْتِيَ
ذلكَ المكانَ فيُصلِّى فيه الظُّهرَ، وإذا أقبَلَ من مَكّةَ فإنْ مَرَّ به قبلَ الصُبْحِ بساعةٍ أو من آخرِ
السَّحَرِ عَرَّسَ حتَّى يُصلِّي بها الصُّنْحَ.
٤٨٧- وأنَّ عبدَ الله حَدَّثَه: أنَّ النبيَّ ◌َِّ كَانَ يَنْزِلُ تحتَ سَرْحَةٍ ضَخْمَةٍ دُونَ الرُّوَيْئة عن یَمِينِ
الطَّرِيق، ووِجَاهَ الطَّريقِ في مكانٍ بَطْحِ سَهْلٍ حتَّى يُفْضِيَ من أَكَمَةٍ دُوَينَ بَرِيدِ الرُّوَيثة بمِيلَين، وقد
انكسَرَ أعلاها فانثَنَى في جَوْفِها، وهي قائمةٌ على ساقٍ وفي ساقِها كُثُبُّ كَثِيرةٌ.

٤١٧
باب ٨٩ / ح ٤٨٨- ٤٩٢
كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد
٤٨٨ - وأنَّ عبدَ الله بنَ عمرَ حَدَّثَه: أنَّ النبيَّ وَّهِ صَلَّى في طَرَفِ تَلْعَةٍ من وَراءِ العَرْجِ
وأنتَ ذاهبٌ إلى هَضْبة، عند ذلكَ المسجدِ قَبْرانِ أو ثلاثةٌ، على القُبُورِ رَضْمٌ من حِجارةٍ عن
يَمِينِ الطَّرِيق، عند سَلِماتِ الطَّريقِ بينَ أُولئكَ السَّلِماتِ كانَ عبدُ الله يَرُوحُ مِن العَرْجِ بعدَ أنْ
تَمِيلَ الشمسُ بالهاجِرَةِ، فيُصلِّ الظَّهرَ في ذلكَ المسجدِ.
٤٨٩ - وأنَّ عبدَ الله بنَ عمرَ حَدَّثَه: أنَّ رسولَ الله ◌ََّ نَزَلَ عندَ سَرَحاتٍ عن يَسارِ الطَّريقِ
فِي مَسِيلٍ دُونَ هَرْشَى، ذلكَ المَسِيلُ لاصِقٌّ بِكُرَاعٍ هَرْشَى، بينَه وبينَ الطَّريقِ قَرِيبٌ من غَلْوةٍ،
وكانَ عبدُ الله يُصلِّ إلى سَرْحةٍ هي أقربُ السَّرَحاتِ إلى الطَّريق، وهي أطوَهُنَّ.
٤٩٠- وأنَّ عبدَ الله بنَ عمرَ حَدَّثَه: أنَّ النبيَّ وَّ﴿ كَانَ يَنْزِلُ في المَسِيلِ الَّذي في أدنَى مَرِّ
الظَّهْران قِبَلَ المدينةِ حينَ يَهِطُ مِن الصَّفْراوات، يَنْزِلُ في بَطْنِ ذلكَ المَسِيلِ عن يَسارِ الطَّريقِ
وأنتَ ذاهبٌ إلى مَكّةً، ليسَ بينَ مَنزِلِ رسولِ اللهِ ◌ِّ وبينَ الطَّرِيقِ إِلا رَمْيٌ بِحَجَرٍ.
٤٩١- وأنَّ عبدَ الله بنَ عمرَ حَدَّثَه: أنَّ النبيَّ ◌َ كَانَ يَئِزِلُ بذِي طُوَّى وَبِيتُ حتَّى يُصبحَ
يُصلِّي الصُّبحَ حينَ يَقْدَمُ مَكّةَ، وَمُصلَّى رسولِ اللهِوَِّ ذلكَ على أَكَمَةٍ غَلِيظةٍ ليسَ في المسجدِ
الَّذِي بُنِيَ ثَمَّ، ولكنْ أسفَلَ / من ذلكَ على أَكَمَةٍ غَلِيظةٍ.
٥٦٩/١
[طرفاه في: ١٧٦٧، ١٧٦٩]
٤٩٢- وأنَّ عبدَ الله حَدَّثَه: أنَّ النبيَّ ◌َِّ اسْتَقْبَلَ فُرْضَتَي الجبلِ الَّذِي بينَه وبينَ الجبلِ
الطَّيلِ نحوَ الكَعْبةِ، فَجَعَلَ المسجدَ الَّذِي بُنِيَ ثَمَّ يَسارَ المسجدِ بِطَرَفِ الأَكَمَة، ومُصلَّى النبيِّ
وَلِ﴿ أَسْفَلَ منه على الأكَمَة السَّوداءِ، تَدَعُ مِن الأَكَمَةِ عَشَرَةَ أذْرُعٍ أو نحوَها، ثمَّ تُصلِّ مُستَقبِلَ
الفُرْضَتَينِ مِن الجبلِ الَّذِي بِينَكَ وبينَ الكَعْبة.
قوله: ((باب المساجد التي على طُرُق المدينة)) أي: في الطُّرُقِ التي بين المدينة النبويَّة ومكَّة.
وقوله: ((والمواضع)) أي: الأماكن التي لم(١) تُجُعَلْ مساجد.
قوله: ((وحدَّثني نافع)) القائل ذلك هو موسى بن عُقْبة، ولم يَسُق البخاري لفظ فُضَيل
(١) سقط لفظ: ((لم)) من (س).

٤١٨
باب ٨٩ / ح ٤٨٨-٤٩٢
فتح الباري بشرح البخاري
ابن سليمان، بل ساقَ لفظَ أنس بن عِيَاض وليس في روايته ذِكْر سالم، بل ذِكرُ نافعٍ فقط،
وقد دَلَّت رواية فُضَيل على أنَّ روايةَ سالم ونافع مُتَّفِقَتان إلَّا في الموضع الواحدِ الذي أشار
إليه، وكأنَّه اعتَمَدَ روايةَ أنس بن عِيَاض لكَوْنه أتقَنَ من فُضَيل.
ومُحُصَّل ذلك: أنَّ ابن عمر كان يَتَبَّكُ بتلك الأماكن، وتَشَدُّدُه في الاتِّباع مشهور، ولا
يعارِضُ ذلك ما ثبت عن أبيه: أنَّه رأى الناسَ في سفر يَتَبَادَرون إلى مكانٍ فسألَ عن ذلك
فقالوا: قد صلَّى فيه النبيّ وَِّ، فقال: مَن عَرَضَت له الصلاةُ فليُصلِّ وإلَّ فليَمْضِ، فإنّما
هَلَكَ أهلُ الكتاب لأنَّهم تَتَبَّعوا آثارَ أنبيائهم فاتَّخذوها كنائسَ وبِيَعاً(١)، لأنَّ ذلك من عمرَ
محمولٌ على أنَّه كَرِهَ زيارتَهم لمثل ذلك بغير صلاة، أو خشيَ أنْ يُشكِلَ ذلك على مَن لا
يعرفُ حقيقةَ الأمر فيَظُنَّه واجباً، وكِلا الأمرَينِ مأمون من ابن عمر، وقد تقدَّم حديث
عِتْبان (٤٢٥) وسؤالُه النبيَّ وَّهِ أنْ يُصلّيَ في بيته ليتَّخِذَه مُصلَّ، وإجابةُ النبيِّي ◌َّل إلى ذلك،
فهو حُجَّةٌ في التبرُّكِ بآثار الصالحين(٢).
قوله: ((تحتَ سَمُرٍ)) أي: شجرة ذات شَوْك، وهي التي تُعرَفُ بأُمّ غَيْلان.
قوله: ((وكانَ في تلكَ الطريق)) أي: طريق ذي الحُلَيفة.
قوله: «بَطْن وادٍ» أي: وادي العَقِيق.
قوله: ((فَعَرَّسَ)) بمُهمَلاتٍ والراءُ مُشدَّدة، قال الخطَّابي: التعريسُ: نزول استراحةٍ لغير
إقامة، وأكثرُ ما يكون في آخر الليل، وخَصَّه بذلك الأصمعيُّ وأطلَقَ أبو زيد.
قوله: ((على الأكّمَة)) هو الموضعُ المرتَفِعُ على ما حَوْلَه، وقيل: هو تلَّ من حَجَرٍ واحد.
(١) رواه عنه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ٣٧٦/٢ -٣٧٧.
(٢) هذا خطأ، والصواب ما تقدم في حاشية ص٣٢١، وغيرُ النبيِّ وٍَّ لا يقاس عليه في مثل هذا، والحقُّ أن
عمر رضي الله عنه أراد بالنهي عن تتبع آثار الأنبياء سدَّ الذريعة إلى الشرك، وهو أعلم بهذا الشأن من ابنه
رضي الله عنهما، وقد أخذ الجمهور بما رآه عمرُ، وليس في قصة عبان ما يخالف ذلك، لأنه في حدیث
عتبان قد قصد أن يتأسَى به وَّله في ذلك، بخلاف آثاره في الطرق ونحوها، فإنَّ التأسِّي به فيها وتتبعها
لذلك غير مشروع كما دلَّ عليه فعلُ عمر، وربما أَفضى ذلك بمن فعله إلى الغلوِّ والشرك كما فعل أهلُ
الكتاب، والله أعلم. (س).

٤١٩
باب ٨٩ / ح ٤٨٨-٤٩٢
كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد
قوله: ((كانَ ثَمَّ خَلِيج)) تكرَّر لفظ ((ثَمّ)) في هذه القِصَّة، وهو بفتح المثلَّثة، والمراد به الجهة،
والخليج: وادٍ له عُمْق، والكُتُب بضمِّ الكاف والمثلَّئة جمع كَثِيب: وهو رَمْلٌ مُجتمِعٌ.
قوله: ((فدَحًا)) بالحاء المهمَلة، أي: دَفَع، وفي رواية الإسماعيلي: ((فدخل)) بالخاء المعجمة
واللام، ونقل بعض المتأخِّرين عن بعض الروايات: ((قد جاء)) بالقاف والجيم على أنَّهما
كلمتان: حرف التحقيق، والفعلُ الماضي من المجيء.
قوله: ((وأنَّ عبد الله بن عمر حَدَّثَه)) أي: بالإسناد المذكور إليه.
قوله: ((بشَرَفِ الرَّوْحاء)) هي قريةٌ جامعةٌ على ليلتينِ من المدينة، وهي آخرُ السَّالة
للمتوجِّه إلى مكَّة، والمسجدُ الأوسطُ: هو في الوادي المعروف الآنَ بوادي بني سالم، وفي
الأَذان من ((صحيح مسلم)) (٣٨٨): أنَّ بينهما ستَّة وثلاثين ميلاً.
قوله: ((يُعلِمُ المكان)) بضمّ أوَّله من: / أعلمَ يُعْلمُ من العَلَامة.
٥٧٠/١
قوله: ((يقولُ: ثَمَّ عن يَمينِك)) قال القاضي عِيَاض: هو تصحيف، والصوابُ: بعَواسجَ
عن يمينك.
قلت: توجيه الأوَّل ظاهر، وما ذكره إن ثبتت به روايةٌ فهو أولى، وقد وَقَعَ التوقُّف في
هذا الموضع قديماً فأخرجه الإسماعيلي بلفظ: ((يُعلِمُ المكانَ الذي صلَّى)) قال فيه هنا لفظة لم
أضبِطْها: ((عن يمينِك)) الحديثَ(١).
قوله: ((يُصلِّ إلى العِرْق)) أي: عِرْق الظَّبْية: وهو وادٍ معروف، قاله أبو عُبيد البَكْريّ.
((ومُنصَرَف الرَّوْحاء)) بفتح الراء، أي: آخرها.
قوله: ((وقد ابتُنيَ)) بضمِّ المثنَّة مبنيٌّ للمفعول.
قوله: ((سَرْحة ضَخْمة)) أي: شجرة عظيمة، و((الزُّوَيثَة)) بالراء والمثلَّثة مُصغَّراً: قرية
جامعة، بينها وبين المدينة سبعةَ عشرَ فَرْسَخاً، و((وِجَاه الطريق)) بكسر الواو، أي: مُقابِله.
قوله: (بَطْح)) بفتح الموحّدة وسكون الطاء وبكسرها أيضاً، أي: واسع.
(١) هذه الفقرة ليست في (أ) و(ع) وأثبتناها من (س).

٤٢٠
باب ٨٩ / ح ٤٨٨-٤٩٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((حتَّى يُفْضيَ)) كذا للأكثر، وللمُستَمْلي والحَقُّويِّ: حين يُفْضي.
قوله: ((دُوَينَ بَرِيد الرُّوَيثة بمِيلَين)) أي: بينَه وبين المكان الذي ينزلُ فيه البريد بالرُّوَيثة
ميلان، وقيل: المراد بالبريدِ سِكّة الطريق.
قوله: ((فانثنَى)) بفتح المثلَّئة مبنيٌّ للفاعل.
قوله: (تَلْعة) بفتح المثنَّة وسكون اللام بعدَها مُهمَلة: وهي مَسيلُ الماء من فوقُ إلى
أسفَل، ويقالُ أيضاً لما ارتفع من الأرض ولما انهبَطَ، و((العَرْج)) بفتح المهمَلة وسكون الراء
بعدَها جيم: قريةٌ جامعةٌ بينها وبين الرُّوَيثة ثلاثة عشر أو أربعة عشر ميلاً، و((الهَضْبة)»
بسكون الضّاد المعجَمة فوقَ الكَثيب في الارتفاع ودون الجبل، وقيل: الجبلُ المنبَسِطُ على
الأرض، وقيل: الأكَمة الملساء، و((الرَّضْم)) الحجارة الكِبار واحدها رَضْمة بسكون الضّاد
المعجمة في الواحد والجمع، ووقع عند الأصيلي بالتحريك.
قوله: ((عند سَلِمات الطريق)) أي: ما يَتَفرَّعُ عن جوانبِهِ، والسَّلِمات بفتح المهمَلة وكسر
اللام في رواية أبي ذرِّ والأَصِيليّ، وفي رواية الباقين بفتح اللام، وقيل: هي بالكسر:
الصَّخَراتُ، وبالفتح: الشَّجَرات.
و(السَّرَحات)) بالتحريكِ جمعِ سَرْحة: وهي الشَّجَرةُ الضَّخْمةُ كما تقدَّم.
قوله: ((فِي مَسيلٍ دُونَ هَرْشَى)) المَسِيل: المكان المنحَدِر، و((هَرْشَى)) بفتح أوَّله وسكون
الراء بعدَها شين معجمة مقصور، قال البَكْريُّ: هو جبلٌ على مُلتَقَى طريق المدينة والشام
قريب من الْجُحْفة، و((كُرَاع ◌َرْشَى)): طرفُها، و((الغَلْوة)) بالمعجَمة المفتوحة: غايةٌ بلوغ
السَّهْم، وقيل: قَدْرُ ثُلفَي میلٍ.
قوله: ((مَرِّ الظَّهْران)) بفتح الميم وتشديد الراء وبفتح الظاء المعجَمة وسكون الهاء: هو
الوادي الذي تُسمّيه العامّة بَطْنَ مَرْوٍ، بإسكان الراء بعدَها واو. قال البَكْري: بينَه وبين
مكَّةَ ستَّةَ عشرَ ميلاً، وقال أبو غسَّان: سُمّيَ بذلك، لأنَّ في بَطْنِ الوادي كتابةً بعِرْقٍ من
الأرض أبيض هِجاء ((م ر)) الميم مُنفصِلة عن الراء، وقيل: سُمّيَ بذلك لمرارة مائه.