النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ باب ٥١ / ح ٤٣١ كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد والمراد أنْ يكون ذلك بين المصلِّ وبين القِبْلة. قوله: «وقال الزُّهْريُّ)» هو طرفٌ من حديث طويل يأتي موصولاً (٥٤٠) في ((باب وقت الظُّهر))، وقد تقدَّم طرف منه في كتاب العِلْم (٩٣)، وسيأتي باللفظ الذي ذكره هنا في كتاب التوحيد (٧٢٩٤)، وحديث ابن عبّاس يأتي الكلام عليه بتمامه في صلاة الكسوف (١٠٥٢)، فقد ذكره بتمامه هناك بهذا الإسناد، وتقدَّم أيضاً طرف منه في كتاب الإيمان (٢٩). وقد نازَعَه الإسماعيلي في الترجمة فقال: ليس ما أرى اللهُ نبيَّه من النار بمنزلة نار معبودة لقوم يتوجَّه المصلِّي إليها. وقال ابن التِّين: لا حُجَّة فيه على الترجمة، لأنَّه لم يفعل ذلك مُختاراً، وإنَّما عُرِضَ عليه ذلك للمعنى الذي أراده الله من تنبيه العباد. وتُعُقِّبَ بأنَّ الاختيار وعَدَمه في ذلك سواء منه، لأنَّه وَّهَ لا يُقَرّ على باطل، فدَلَّ على أنَّ مثله جائز. وتَفرِقة الإسماعيلي بين القَصْد وعَدَمه وإنْ كانت ظاهرة، لكنَّ الجامع بين الترجمة والحديث وجود نارٍ بين المصلِي وبين قِبْلته في الجملة. وأحسن من هذا عندي أن يقال: لم يُفصِح المصنِّ في الترجمة بكراهةٍ ولا غيرها، فيحتمل أنْ يكون مراده التَّفْرِقَةَ بين مَن بقي ذلك بينه وبين قِبْلته وهو قادر على إزالته أو انحرافه عنه، وبين مَن لا يَقدِر على ذلك فلا يُكرَه في حقِّ الثاني، وهو المطابق لحديثَي الباب، ويُکره في حقّ الأوَّل کما سيأتي التصریحُ بذلك عن ابن عبّاس في التماثيل(١)، وکما روى ابن أبي شَيْبة عن ابن سيرين: أنَّه كَرِهَ الصلاة إلى التنُّور أو إلى بيت نار، ونازَعَه أيضاً من المتأخِّرين القاضي السَّرُوجيّ في ((شرح الهداية)) فقال: لا دلالة في هذا الحديث على عَدَم الكراهة، لأنَّه وَ ل( قال: ((أُريت النار)) ولا يلزم أن تكون أمامه متوجهاً إليها، بل يجوز أن تكون عن يمينه أو عن يساره أو غير ذلك. قال: ويحتمل أنْ يكون ذلك وقع له قبلَ شروعه في الصلاة، انتهى. وكأنَّ البخاري رحمه الله كُوشِفَ بهذا الاعتراض فعَجَّلَ بالجواب عنه، حيثُ صَدَّرَ الباب بالمعلَّق عن أنس، ففيه: ((عُرِضَت عليَّ النار وأنا أُصلِّ))، وأمَّا كَوْنه رآها أمامه فسياق (١) سيأتي ذلك قريباً في الباب رقم (٥٤): باب الصلاة في البيعة. ٣٤٢ باب ٥٢ / ح ٤٣٢ فتح الباري بشرح البخاري حديث ابن عبّاس يقتضيه، ففيه: أنَّهم قالوا له بعد أن انصَرَف: يا رسول الله، رأيناك تناولتَ شيئاً في مقامك ثمَّ رأيناك تَكَعْكَعْت؛ أي: تأخّرْت إلى خَلْف، وفي جوابه: أنَّ ذلك بسبب كَوْنه أُريَ النار. وفي حديث أنس المعلَّق هنا عنده في كتاب التوحيد (٧٢٩٤) موصولاً: ((لقد عُرِضَت عليَّ الجنَّة والنار آنِفاً في عُرْض هذا الحائط وأنا أُصلِّ)) وهذا يدفع جواب مَن فَرَّق بين القريب من المصلّي والبعيد. ٥٢- باب كراهية الصلاة في المقابر ٤٣٢ - حدَّثنا مُسَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن عُبيد الله، قال: أخبرني نافعٌ، عن ابنِ عمرَ، ٥٢٩/١ عن النبيِّيَ ◌ّه قال: / ((اجعَلُوا في بُيُوتِكُم من صَلائِكُم، ولا تَتَّخِذُوها قُوراً). [طرفه في: ١١٨٧] قوله: ((باب كراهية الصلاة في المقابر)) استَنْبَطَ من قوله في الحديث: ((ولا تَتَّخِذوها قبوراً) أنَّ القبور ليست بمحلّ للعبادة فتكون الصلاة فيها مكروهة، وكأنَّه أشار إلى أنَّ ما رواه أبو داود (٤٩٢) والتِّرمِذيّ (٣١٧) في ذلك ليس على شرطه، وهو حديث أبي سعيد الخُذْريِّ مرفوعاً: ((الأرض كلّها مسجد إلَّا المقبرة والحَّام)) رجاله ثقات، لكن اختُلِفَ في وصله وإرساله، وحَكَمَ مع ذلك بصِحّتِه الحاكمُ (١/ ٢٥١) وابن حِبَّان (١٦٩٩). قوله: ((حدَّثنا يحيى)) هو القَطَّانُ، وعبيد الله: هو ابن عمر العُمَريّ. قوله: ((مِن صلاتكم)) قال القُرْطبيّ: ((مِن)) للتبعيض، والمراد: النَّوافل، بدليل ما رواه مسلم (٧٧٨) من حديث جابر مرفوعاً: ((إذا قَضَى أحدُكم الصلاة في مسجده فليجعلْ البيتِه نصيباً من صلاته)). قلت: وليس فيه ما ينفي الاحتمال، وقد حكى عِيَاض عن بعضهم أنَّ معناه: اجعلوا بعضَ فرائضكم في بيوتكم ليَقْتَديَ بكم مَن لا يخرج إلى المسجد من نِسْوة وغيرهنّ. وهذا وإنْ كان مُتمَلاً لكنَّ الأوَّل هو الراجح، وقد بالَغَ الشَّيخ محبي الدِّين فقال: لا يجوز حمله على الفريضة. وقد نازَعَ الإسماعيلي المصنِّفَ أيضاً في هذه الترجمة فقال: الحديث دالٌّ على كراهة ٣٤٣ باب ٥٢ / ح ٤٣٢ كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد الصلاة في القبر لا في المقابر. قلت: قد وَرَدَ بلفظ ((المقابر)) كما رواه مسلم (٧٨٠) من حديث أبي هريرة بلفظ: ((لا تجعلوا بيوتكم مقابرَ)»، وقال ابن التِّين: تأوَّلَه البخاري على كراهة الصلاة في المقابر، وتأوَّلَه جماعة على أنَّه إنَّما فيه النَّدْب إلى الصلاة في البيوت إذ الموتى لا ◌ُصلُّون، كأنَّه قال: لا تكونوا کالموتی الذین لا يُصلّون في بيوتهم، وهي القبور. قال: فأمَّا جواز الصلاة في المقابر أو المنع منه، فليس في الحديث ما يُؤخَذ منه ذلك. قلت: إنْ أراد أنَّه لا يُؤخَذ منه بطريق المنطوق، فمُسلَّم، وإنْ أراد نفي ذلك مُطلَقاً، فلا، فقد قدَّمنا وجه استنباطه. وقال في ((النِّهاية)) تَبَعاً لـ((المَطالع)): إنَّ تأويل البخاري مرجوح، والأَولى قول مَن قال: معناه: إنَّ المِّت لا يُصلِّي في قبره. وقد نقل ابن المنذر عن أكثر أهل العِلْم: أنَّهم استدلُّوا بهذا الحديث على أنَّ المقبرة ليست بموضع للصلاة، وكذا قال البَغَويُّ في ((شرح السُّنّة)) والخطَّبيُّ، وقال أيضاً: يحتمل أنَّ المراد: لا تجعلوا بيوتكم وَطَناً للنَّوْم فقط لا تُصلُّون فيها، فإنَّ النوم أخو الموت، والميِّت لا يُصلّي. وقال التُّورِبِشْتيُّ: حاصل ما يَحَتَمِله أربعةُ معانٍ، فذكر الثلاثة الماضية، ورابعها: يحتمل أنْ يكون المراد: أنَّ مَن لم يُصلِّ في بيته جعل نفسه كالميِّت وبيته كالقبر. قلت: ويؤيِّده ما رواه مسلم (٧٧٩): ((مَثَلُ البيت الذي يُذكَر الله فيه والبيت الذي لا يُذكَرُ الله فيه، کمَثَل الحَيّ والميِّت)). قال الخطَّبيُّ: وأمَّا مَن تأوَّلَه على النهي عن دفن الموتى في البيوت فليس بشيء، فقد دُفِنَ رسول الله وَّه في بيته الذي كان يَسكُنه أيام حياته. قلت: ما اذَّعَى أَّه تأويل، هو ظاهر لفظ الحديث ولا سيّما إنْ جعل النهيَ حُكْماً مُنفصِلاً عن الأمر، وما استدلَّ به على رَدِّه تعقَّبه الكِرْ مانيُّ فقال: لعلَّ ذلك من خصائصه، وقد رُوِيَ: أنَّ الأنبياء يُدفَنون حيثُ يموتون. قلت: هذا الحديث رواه ابن ماجَهْ (١٦٢٨) من حديث ابن عبّاس عن أبي بكر ٣٤٤ باب ٥٣ / ح ٤٣٣ فتح الباري بشرح البخاري مرفوعاً: ((ما قُبِضَ نبيّ إلَّا دُفِنَ حيثُ يُقبَض))، وفي إسناده حُسَين بن عبد الله الهاشميّ وهو ضعيف، وله طريق أُخرى مُرسَلة ذكرها البيهقيُّ في ((الدَّلائل)) (٢٦٠/٧-٢٦١)، وروى التِّرمِذيّ في ((الشَّمائل)) (٣٧٨) والنَّسائي في ((الكُبْرى)) (ك ٧٠٨١) من طريق سالم ابن عُبيد الأشجَعَيّ الصحابي، عن أبي بكر الصِّدّيق أنَّه قيل له: فأين يُدفَن رسول الله وَّ؟ قال: في المكان الذي قَبَضَ اللهُ فيه روحه، فإنَّه لم يَقْبِضْ روحه إلَّا في مكان طيِّب. إسناده صحيح لكنَّه موقوف، والذي قبله أصرحُ في المقصود. وإذا حُلَ دفنُه في بيته على الاختصاص، لم يَبعُد نهي غيره عن ذلك، بل هو مُتَّجِه، لأنَّ ٥٣٠/١ استمرار الدَّفْن في / البيوت رُبَّمَا صَيَّرَها مقابر فتصير الصلاة فيها مكروهة، ولفظ حديث أبي هريرة عند مسلم (٧٨٠) أصرح من حديث الباب وهو قوله: ((لا تجعلوا بيوتكم مقابر)) فإنَّ ظاهره يقتضي النهي عن الدَّفْن في البيوت مُطلَقاً، والله أعلم. ٥٣- باب الصلاة في مواضع الخَشْف والعذاب ويُذكَرُ أنَّ عليّاً عليه كَرِهَ الصلاةَ بخَسْفِ بابلَ. ٤٣٣- حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثني مالكٌ، عن عبدِ الله بنِ دِینارٍ، عن عبدِ الله بنِ عمرَ رضي الله عنهما، أنَّ رسولَ الله ◌ِِّ قال: ((لا تَدخُلُوا على هؤلاءِ المعذَّبِينَ إلا أنْ تکونُوا باکِینَ، فإنْ لم تکونُوا باکِینَ فلا تَدخُلُوا علیھم، لا يُصِيُگُم ما أصابُم». [أطرافه في: ٣٣٨٠، ٣٣٨١، ٤٤١٩، ٤٤٢٠، ٤٧٠٢] قوله: ((باب الصلاة في مواضع الخَسْفِ والعَذاب)) أي: ما حُكْمها؟ وذِكرُ العذاب بعد الخَسْف من العامِّ بعد الخاصّ، لأنَّ الخَشْف من جملة العذاب. قوله: ((ويُذكَر أنَّ عليّاً)) هذا الأثر رواه ابن أبي شَيْبة (٢/ ٣٧٧) من طريق عبد الله بن أبي المُحِلِّ - وهو بضمِّ الميم وكسر المهمَلة وتشديد اللام - قال: كنَّا مع عليّ فمَرَرْنا على الخَسْف الذي ببابل، فلم يُصلِّ حتَّى أجازَه؛ أي: تَعَدّاه. ٣٤٥ باب ٥٣ / ح ٤٣٣ كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد ومن طریق اُخرى (٣٧٧/٢) عن عليّ قال: ما کنت لأُصلِّي في أرض خَسَفَ الله بها ثلاث مِرار. والظاهر أنَّ قوله: ((ثلاث مِرار)) ليس مُتعلِّقاً بالخَسْف، لأنَّه ليس فيها إلَّا خَسْفٌ واحد، وإنَّما أراد أنَّ عليّاً قال ذلك ثلاثاً. ورواه أبو داود (٤٩٠) مرفوعاً من وجه آخر عن عليّ ولفظه: نهافي حبيبي وََّ أنّ أُصلِّ في أرض بابل فإنَّهَا مَلْعونة. في إسناده ضعف، واللّائق بتعليقِ المصنِّف ما تقدَّم. والمراد بالخَسْف هنا ما ذكر الله تعالى في قوله: ﴿فَأَنَى اللهُ بُلْيَنَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ الآية [النحل: ٢٦]، ذكر أهل التفسير والأخبار: أنَّ المراد بذلك: أنَّ الُّمْروذَ بن كَنْعان بنى ببابلَ بُنْياناً عظيماً يقال: إنَّ ارتفاعه كان خمسة آلاف ذِراع، فخَسَفَ الله بهم. قال الخطَّبيُّ: لا أعلمُ أحداً من العلماء حَرَّمَ الصلاة في أرض بابل، فإنْ كان حديث عليٍّ ثابتاً، فلعلَّه نهاه أنْ يتَّخذها وَطَناً، لأَنَّه إذا أقام بها كانت صلاته فيها، يعني: أطلَقَ الملزوم وأراد اللّازم. قال: فيحتمل أنَّ النهي خاصّ بعليٌّ إنْذاراً له بما لَفِيَ من الفِتْنة بالعراق. قلت: وسياق قِصّة عليّ الأُولى يُبعِد هذا التأويل، والله أعلم. قوله: ((حدَّثنا إسماعيل بن عبد الله)) هو ابن أبي أُوَيسِ ابنُ أُخت مالك. قوله: ((لا تَدخُلُوا)) كان هذا النهي لمَّا مَرُّوا مع النبيّ ◌َّ بالحِجْرِ ديار ◌َمُود في حال توجُّههم إلى تبوك، وقد صرّحَ المصنّف في أحاديث الأنبياء (٣٣٨٠) من وجه آخر عن ابن عمر ببعض ذلك. قوله: ((هؤُلاءِ المعذَّبِينَ)) بفتح الذّال المعجَمة. وله في أحاديث الأنبياء (٣٣٨٠): ((لا تَدخُلوا مساكنَ الذين ظلموا أنفُسَهم)». قوله: ((إلّا أنْ تكونُوا باكِينَ)) ليس المراد الاقتصار في ذلك على ابتداء الدُّخول، بل دائماً عند كلّ جزء من الدُّخول، وأمَّا الاستقرار فالكيفيَّة المذكورة مطلوبة فيه بالأولَويَّة، وسيأتي أنَّه ◌ِ له لم ينزل فيه البشَّةَ. قال ابن بَطَّال: هذا يدلُّ على إباحة الصلاة هناك، لأنَّ الصلاة موضع بُكاء وتَضَرُّع، ٣٤٦ باب ٥٣ / ح ٤٣٣ فتح الباري بشرح البخاري كأنَّه يشير إلى عَدَم مطابقة الحديث لأثرٍ عليّ. قلت: والحديث مطابق له من جهة أنَّ كُلَّا منهما فيه تركُ التُّرول كما وقع عند المصنّف في المغازي (٤٤١٩) في آخر الحديث: (ثُمَّ قَنَّعَ بَّهِ رأسه وأسرَعَ السَّير حتَّى أجازَ الوادي)) فدَلَّ على أنَّه لم ينزل ولم يُصلِّ هناك كما صنع عليٌّ في خَسْف بابل. ٥٣١/١ وروى الحاكم في ((الإكليل)) عن أبي سعيد الخُذْريِّ قال: رأيت رجلاً جاء بخاتم وَجَدَه بالحِجْرِ في بيوت المعذَّبين، فأعرَضَ عنه النبيّ ◌َّهِ واستَثَرَ بيده أنْ يَنظُر إليه وقال: ((ألْقِه)) فألقاه. لكنَّ إسناده ضعيف، وسيأتي نهيه وَّرَ أَنْ يُستَقَى من مياههم في كتاب أحاديث الأنبياء (٣٣٧٨) إن شاء الله تعالى. قوله: ((لا يُصيبُكم)) بالرفع على أنَّ ((لا)) نافية، والمعنى: لئلّا يصيبكم. ويجوز الجَزْم على أَّها ناهية وهو أوجَهُ، وهو نهي بمعنى الخبر. وللمصنِّف في أحاديث الأنبياء (٣٣٨١): ((أنْ يصيبكم)) أي: خَشْيَةَ أنْ يصيبكم، ووجه هذه الخَشْية أنَّ البكاء يبعثُه على التفكُّر والاعتبار، فكأنَّه أمَرَهم بالتفكُّرِ في أحوال تُوجِب البكاءَ من تقدير الله تعالى على أولئك بالكفر مع تمكينه لهم في الأرض وإمهالهم مُدَّة طويلة، ثمَّ إيقاع نِقْمته بهم وشِدّة عذابه، وهو سبحانه مُقلِّب القلوب، فلا يأمَنُ المؤمن أنْ تكون عاقبتُه إلى مثل ذلك. والتفكُّر أيضاً في مُقَابَلة أولئك نِعْمةَ الله بالكفرِ، وإهمالِهم إعمالَ عقولهم فيما يُوجِب الإيمان به والطاعة له، فمَن مَرَّ عليهم ولم يتفكّر فيما يُوجِب البكاء اعتباراً بأحوالهم، فقد شابَهَهم في الإهمال، ودَلَّ على قساوة قلبه وعَدَم خشوعه، فلا يأمَن أنْ يجرَّه ذلك إلى العمل بمثل أعمالهم فيصيبه ما أصابهم، وبهذا يَندَفِعِ اعتراضُ مَن قال: كيف يصيب عذاب الظالمين مَن ليس بظالم؟ لأنَّه بهذا التقرير لا يأمَن أنْ يصير ظالماً فيُعذَّب بظُلْمِه. وفي الحديث الحثُّ على المراقَبة، والزَّجْر عن السُّكنَى في ديار المعذَّبين، والإسراع عند المرور بها، وقد أُشير إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَسَكَنتُمْ فِ مَسَكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوَأْ أَنْفُسَهُمْ وَتَبَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٤٥]. ٣٤٧ باب ٥٤ / ح ٤٣٤ كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد ٥٤ - باب الصلاة في البِيعَة وقال عمرُ ﴾: إنَّا لا نَدْخُلُ كَنائسَكُمْ من أجْلِ التَّاثِلِ الَّتي فيها الصُّوَر. وكانَ ابنُ عبَّاس يُصلِّيّ في البِيعَة، إلا بِيعةً فيها تماثيلُ. ٤٣٤- حدَّثنا محمَّدٌ، قال: أخبرنا عَبْدُ، عن هشام بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، عن عائشةَ: أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ ذكرتْ لرسولِ اللهِوَّ كَنِسةً رَأْتْها بأرضِ الحَبَشة، يقالُ لها: مارِيَةُ، فَذَكَرَتْ له ما رَأتْ فيها مِن الصُّوَرِ، فقال رسولُ اللهَ وَّةِ: ((أُولئكَ قَوْمٌ إذا ماتَ فيهمُ العبدُ الصَّالِحُ - أو الرجلُ الصَّالِحُ - بَنَوْا على قَبْرِه مسجداً، وصَوَّرُوا فيه تلكَ الصُّوَرَ، أُولئكَ شِرارُ الخَلْقِ عندَ الله)). قوله: ((باب الصلاة في البِيعَة)) بكسر الموحّدة بعدها مُثنَّة تحتانيَّة: مَعبَدٌ لِلنَّصارى، قال صاحب ((المحكم)): البِيعَة صَوْمعة الراهب. وقيل: كنيسة النَّصارى، والثاني هو المعتمد. ويدخل في حُكْم البيعة الكنيسة وبيت المِدْراس والصومعة وبيت الصَّنَم وبيت النار ونحو ذلك. قوله: ((وقال عمر: إنَّا لا نَدْخُل كَنائسَكم)) وفي رواية الأَصِيلِيّ: كنائسهم. قوله: ((من أجل التَّاثيل)) هو جمع: تِمْثال، بمُثنَّةٍ ثمَّ مُثلّثة بينهما ميم، وبينه وبين الصورة عموم وخصوص مُطلَق، فالصورة أعمّ. قوله: ((الَّتي فيها)) الضمير يعود على الكنيسة، والصُّوَر بالجرِّ على أنَّها بدل من التماثيل أو بيان لها، أو بالنصب على الاختصاص، أو بالرفع؛ أي: أنَّ التماثيل مُصوَّرة، والضمير على هذا للتَّماثيل، وفي رواية الأَصِيليّ: ((والصور)) بزيادة الواو العاطفة. وهذا الأثر وَصَلَه عبد الرزاق (١٦١١) من طريق أسلَمَ مولى عمر قال: لمَّا قَدِمَ عمر الشامَ صنع له رجل من النَّصارى طعاماً وكان من عُظَمائهم وقال: أُحِبّ أنْ تجِيئَني وتُكرِمني. فقال له عمر: إنَّا لا نَدخُل كنائسكم / من أجل الصور التي فيها، يعني: التماثيل. ٥٣٢/١ وتبيَّن بهذا أنَّ روايتَي النصب والجرّ أوجَهُ من غيرهما. والرجل المذكور من عُظَمائهم اسمه قُسْطَنطِين، سَمَّه مَسْلَمة بن عبد الله الجُّهَنيّ عن ٣٤٨ باب ٥٥ / ح ٤٣٥ - ٤٣٧ فتح الباري بشرح البخاري عمّه أبي مَشْجَعةَ بن رِبْعيٍّ عن عمر في قِصّة طويلة(١). قوله: ((وكانَ ابن عبّاس)) وَصَلَه البَغَويُّ في ((الْجَعْديّات)) (٢٤٤٤) وزاد فيه: فإنْ كان فيها تماثيل خرج فصلّى في المطر. وقد تقدَّم في ((باب مَن صلَّى وقُدّامه تَنّور))(٢) أنْ لا مُعارضة بين هذين البابَین، وأنَّ الكراهة في حال الاختيار. قوله: (حدثنا محمَّد)) هو ابن سَلّام کما صرَّح به ابن السَّگن في روايته، وعبدة: هو ابن سليمان. وقد تقدَّم الكلام على المتن قبل خمسة أبواب (٤٢٧). ومطابقته للترجمة من قوله: ((بَنَوْا على قبره مسجداً» فإنَّ فيه إشارةً إلى نهي المسلم عن أنْ يصلِّيَ في الكنيسة فيتَّخذَها بصلاته مسجداً، والله أعلم. ٥٥- بابٌ ٤٣٥ و٤٣٦ - حدَّثْنا أبو اليَمَان، قال: أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريّ، أخبرني عُبيد الله بنُ عبدِ الله بنِ عُثْبةَ، أنَّ عائشةَ وعبدَ الله بنَ عبَّاس قالا: لمَّا نَزَلَ بِرسولِ اللهِ وَِّ طَفِقَ يَطْرَعُ خميصةً له على وَجِهِهِ، فإذا اغتَمَّ بها كَشَفَها عن وَجِهِهِ، فقال وهو كذلكَ: «لَعْنَةُ الله على اليهودِ والنَّصارى، اَّخَذُوا قُبُورَ أنبِيائِهِم مَساجِدَ)) يُذِّرُ مَا صَنَعُوا. [ح ٤٣٥ - أطرافه في: ١٣٣٠، ١٣٩٠، ٣٤٥٣، ٤٤٤١، ٤٤٤٣، ٥٨١٥] [ح٤٣٦ - أطرافه في: ٣٤٥٤، ٤٤٤٤، ٥٨١٦] ٤٣٧ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسلَمةَ، عن مالكِ، عن ابنِ شِهَاب، عن سعيدِ بنِ المسِّب، عن أبي هُرَيرةَ، أَنَّ رسولَ الله وَِّ قال: ((قاتَلَ اللهُ اليهودَ، الَّخَذُوا قُبُورَ أنبِيَائِهم مَساجِدَ)). قوله: ((بابٌ)) كذا في أكثر الروايات بغير ترجمة، وسَقَطَ من بعض الروايات، وقد قَرَّرْنا (١) أخرجها ابن شبَّة في ((تاريخ المدينة)) ٨٢٦/٣ - ٨٣٠، والمعافى بن زكريا في ((الجليس الصالح)) ٣٠٦/٣ وما بعدها، ومن طريقه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ٢٣١/٦٧ وما بعدها، كلهم من طريق سليمان بن عطاء الجزري عن مسلمة بن عبد الله الجهني. وسليمان بن عطاء منكر الحديث ضعيف. (٢) باب رقم (٥١). ٣٤٩ باب ٥٥ / ح ٤٣٥-٤٣٧ كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد أن ذلك كالفَصْلِ من الباب، فله تعلّقٌ بالباب الذي قبلَه، والجامع بينهما: الَّجرُ عن اتّخاذ القبور مساجد، وكأنه أراد أن يُبيِّنَ ان فعل ذلك مذموم، سواء كان مع تصویر أم لا. قوله: ((لمَّا نَزَلَ)) كذا لأبي ذرِّ بفتحتين، والفاعل محذوف، أي: الموتُ، ولغيره بضمِ النون وكسر الَّاي، و ((طَفِقٍ)) أي: جعل. والخَميصة: كِساء له أعلام كما تقدَّم (٢٩٨). قوله: ((فقال وهو كذلك)) أي: في تلك الحال، ويحتمل أنْ يكون ذلك في الوقت الذي ذكرتْ فيه أُمُّ سَلَمَةَ وأُمُّ حبيبة أمر الكنيسة التي رأتاها بأرض الحبشة، وكأنَّه وَِّ عَلِمَ أنَّه مُرَحِل من ذلك المرض، فخاف أنْ يُعظّم قبرُه كما فعل مَن مضى، فلَعَنَ اليهود والنَّصارى إشارة إلى ذمّ مَن يفعل فعلهم. وقوله: ((أنَّخَذُوا)) جملة مُسْتَأنَفة على سبيل البيان لمُوجِب اللَّعْن، كأنَّه قيل: ما سبب لَعْنهم؟ فأُجيب بقوله: ((انّخَذوا)). وقوله: (ُذِّر ما صَنَعُوا)» جملة أُخرى مُستأنَفة من كلام الراوي، کأنَّه سُئِلَ عن حِكْمة ذكر ذلك في ذلك الوقت فأجيب بذلك. وقد استُشکلَ ذِكْر النصاری فیه، لأنَّ اليهود لهم أنبياءُ، بخلاف النصارى فلیس بین عیسی وبین نبيّنا ﴾﴾ نبيُّ غیره وليس له قبر. والجواب: أنَّه كان فيهم أنبياء أيضاً لكنَّهم غير مُرسَلين كالحَواريِّين ومريم في قولٍ، أو الجمع في قوله: ((أنبيائهم)) بإزاء المجموع من اليهود والنصارى، والمراد الأنبياء وكِبار أتباعهم، فاكتَفَى بذِكْر الأنبياء، ويؤيِّده قوله في رواية مسلم (٥٣٢) من طريق جُنْدُب: ((كانوا يتَّخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد))، ولهذا لمَّا أفرَدَ النصارى في الحديث الذي قبله (٤٣٤) قال: ((إذا مات فيهم الرجلُ الصالح))،/ ولمَّا أفرَدَ اليهود في الحديث ٥٣٣/١ الذي بعده قال: ((قبور أنبيائهم)). أو المراد بالاتّخاذ أعمُّ من أنْ يكون ابتداعاً أو اتِباعاً، فاليهود ابتَدَعَت والنصارى أَتَّبَعَت، ولا ريبَ أنَّ النصارى تُعظّم قبور كثير من الأنبياء الذين تُعظِّمهم اليهود. ٣٥٠ باب ٥٦ -٥٧ / ح ٤٣٨ -٤٣٩ فتح الباري بشرح البخاري ٥٦ - باب قول النبيِّ وَّ: ((جُعِلَت لي الأرضُ مسجداً وطَهُوراً)) ٤٣٨- حدَّثنا محمَّدُ بنُ سِنَان، قال: حدَّثنا هُشَيمٌ، قال: حدَّثنا سَّارٌ - هو أبو الحكم. قال: حدَّثنا يزيدُ الفَقِيرُ، قال: حدَّثنا جابرُ بنُ عبدِ الله، قال: قال رسولُ اللهِ وَالَ: «أُعْطِيتُ خمساً لم يُعطَّهُنَّ أحدٌ مِن الأنبياءِ قَبْلي: نُصِرْتُ بالرُّعْبِ مَسِيرةَ شَهٍ، وجُعِلَتْ لِيَ الأرضُ مسجداً وطَّهُوراً، وأيُّما رجلٍ من أُمَّتي أدرَكَتْه الصلاةُ فلْيُصلِّ، وأُحِلَّتْ لِيَ الغَنائمُ، وكانَ النبيُّ يُعَثُ إلى قَوْمِه خاصّةً وبُعِثْتُ إلى الناسِ كافّةً، وَأُعْطِيتُ الشَّفاعةَ)). قوله: ((باب قول النبي وَلّ: جُعِلت لي الأرضُ)) تقدَّم الكلام على حديث جابر في أوائل كتاب التيمُّم (٣٣٥)، وأخرجه هناك عن محمد بن سِنان أيضاً وسعيد بن النَّضْر، لكنَّه ساقه هناك على لفظ سعيد، وهنا على لفظ ابن ◌ِنان، وليس بينهما تَفاوت من حيثُ المعنى لا في السَّنَد ولا في المتن، وإيراده له هنا يحتمل أنْ يكون أراد أنَّ الكراهة في الأبواب المتقدِّمة ليست للتَّحْريم لعموم قوله: ((جُعِلَت لي الأرض مسجداً)) أي: كلّ جزء منها يَصلُح أنْ يكون مكاناً للسجود، أو يَصلُح أنْ يُبنَى فيه مكان للصلاة، ويحتمل أنْ يكون أراد أنَّ الكراهة فيها للتَّحْريم، وعموم حديث جابر مخصوص بها، والأوَّل أَولى (١)، لأنَّ الحديث سِيقَ في مقام الامتنان فلا ينبغي تخصيصه، ولا يَرِدُ عليه أنَّ الصلاة في الأرض المتنجِّسة لا تصحُّ، لأنَّ التنجُّس وصفٌ طارئٌّ، والاعتبار بما قبل ذلك. ٥٧- باب نوم المرأة في المسجد ٤٣٩- حدَّثنا عُبيدُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا أبو أسامةَ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةً: أنَّ وَلِيدةً كانَتْ سَوْدَاءَ لحيٍّ مِن العَرَبِ فأعتَقُوها، فكانَتْ معَهُم، قالت: فَخَرَجَتْ صَبِيَّةٌ لهم عليها وِشاحٌ أحمرُ من سُيُورٍ، قالت: فَوَضَعَتْه أو وَقَعَ منها، فمَرَّتْ به حُدَيّاةٌ وهو مُلْقَى فحَسِبَتْه لحماً فخَطِفَتْه، قالت: فالتَمَسُوه فلم يَجِدُوه، قالت: فاتَّهُمُوني به، قالت: فَطَفِقُوا يُفتِّئُونَ، حتَّى (١) في كون الأول أولى، نظرٌ، والأصح الثاني، وعليه تكون المقبرة ونحوها مما صحَّ النهي عن الصلاة فيه مخصوصة من عموم حديث جابر المذكور، والله أعلم. (س). ٣٥١ باب ٥٧ / ح ٤٣٩ كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد فَتَُّوا قُبُلَها، قالت: والله إنّي لَقائمةٌ معَهم إِذْ مَرَّتِ الحُديَّةُ فأَلْقَتْه، قالت: فَوَقَعَ بينَهم، قالت: فقلتُ: هذا الَّذِي اتََّمْتُمُوني به زَعَمْتُم وأنا منه بَرِيئَةٌ، وهو ذا هو، قالت: فجاءَتْ إلى رسولِ الله وَ﴿ فَأَسْلَمَت، قالت عائشةُ: فكانَ لها خِباءٌ في المسجدِ أو حِفْشٌ، قالت: فكانَتْ تَأْتِيني فتَحَدَّثُ عِنْدي، قالت: فلا تَجلِسُ عِنْدي مَجلِساً إلا قالت: ويومَ الوِشَاحِ من تَعاجِيبٍ رَبِّنا ألَّا إِنَّه من بَلْدةِ الكُفْرِ أَنْجَاني قالت عائشةُ: فقلتُ لها: ما شَأْنُكِ لا تَقعُدِينَ معي مَفْعَداً إلا قُلْتِ هذا؟ قالت: فحَدَّثَنْني ٥٣٤/١ بهذا الحديثِ. [طرفه في: ٣٨٣٥] قوله: ((باب نوم المرأة في المسجد)) أي: وإقامتها فيه. قوله: ((أنَّ وَلِيدة)) أي: أَمَة، وهي في الأصل المولودة ساعةً تُولَد، قاله ابن سِيدَه، ثمَّ أُطلِقَ على الأَمة وإنْ كانت كبيرة. قوله: ((قالتْ: فخَرَجَت)) القائلة ذلك هي الوليدة المذكورة، وقد رَوَت عنها عائشة هذه القِصَّة والبيتَ الذي أنشَدَتْه، ولم يَذْكُرها أحد ممَّن صَنَّفَ في رواة البخاري، ولا وقفتُ على اسمها ولا على اسم القبيلة التي كانت لهم، ولا على اسم الصَّبِيَّة صاحبة الوشاح. والوٍشاح: بكسر الواو ويجوز ضمّها ويجوز إبدالها ألفاً: خَيْطان من لُؤْلُؤْ يخالَف بينهما وتتوشَّح به المرأة، وقيل: يُنسَج من أَدِيمِ عَريضاً ويُرصَّع بالُّؤْلُؤِ، وتَشُدُّه المرأة بين عاتقها وكَشْحها. وعن الفارسي: لا يُسمَّى وشاحاً حتَّى يكون منظوماً بلُؤْلُؤ ووَدَعٍ، انتهى. وقولها في الحديث: ((من سُيُور)) يدلّ على أنَّه كان من جِلْد، وقولها بعدُ: ((فحَسِبَتْه لحماً)) لا ينفي كونَه مُرصَّعاً، لأنَّ بياض اللُّؤْلُؤ على حُمْرة الجِلْد يصير كاللَّحْمِ السَّمين. قوله: ((فَوَضَعَتْه أو وَقَعَ منها)) شٌّ من الراوي، وقد رواه ثابت في ((الدَّلائل)) من طريق أبي معاوية عن هشام فزاد فيه: أنَّ الصبيّة كانت عَروساً فدخلت إلى مُغتَسَلها، فَوَضَعَت الوشاح. ٣٥٢ باب ٥٧ / ح ٤٣٩ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((حُدَيّاة)) بضمِّ الحاء وفتح الدَّال المهمَلتينِ وتشديد الياء التَّحْتانيَّة، تصغير: حِدَأة، بالهمز بوَزْنِ عِنَبة، ويجوز فتح أوَّله: وهي الطائر المعروف المأذون في قَتْله في الحِلّ والحَرَم، والأصل في تصغيرها: حُدَيْئَة، بسكون الياء وفتح الهمزة، لكن سُهِّلَت الهمزة وأُدْغِمَت ثمَّ أُشْبِعَت الفتحة فصارت ألفاً، وتُسمَّى أيضاً: الحُدَّى، بضمٍّ أوَّله وتشديد الدَّال مقصور، ويقال لها أيضاً: الحِدَوْ، بكسر أوَّله وفتح الدَّال الخفيفة وسكون الواو، وجمعها: حِدَأُ كالمفرد بلا هاء، ورُبَّما قالوه بالمدّ، والله أعلم. قوله: ((حتَّى فَتَّئُوا قُبُلَها)) كأنَّه من كلام عائشة، وإلَّ فمُقتَضى السِّياق أنْ تقول: ((قُبُلِي)) وكذا هو في رواية المصنِّف في أيام الجاهليّة (٣٨٣٥) من رواية عليّ بن مُسهِر عن هشام، فالظاهر أنَّه من كلام الوليدة أورَدَتْه بلفظ الغَيْبة الْتِفاتاً أو تجريداً، وزاد فيه ثابت أيضاً: قالت: فدَعوتُ الله أنْ يُبرِّئني، فجاءت الحُدَيّا وهم يَنظُرُون. قوله: ((وهو ذا هو)) يحتمل أنْ يكون ((هو)) الثاني خبراً بعد خبر، أو مُبتدَأ وخبره محذوف، أو يكون خبراً عن «ذا))، والمجموع خبراً عن الأوَّل، ويحتمل غير ذلك. ووقع في رواية أبي نُعَيم: ((وها هو ذا))، وفي رواية ابن خُزَيمةَ (١٣٣٢): ((وهو ذا كما تَرَوْن)). قوله: ((قالت)) أي: عائشة ((فجاءت)) أي: المرأة. قوله: ((فکانت)» أي: المرأة، وللگُشْمِیھنیّ: ((فکان)). والخِباء، بكسر المعجَمة بعدها موحّدة وبالمدّ: الخيمة من وَبَر أو غيره، وعن أبي عُبيد: لا یکون من شعر. والحِفْش، بكسر المهمَلة وسكون الفاء بعدها شين مُعجَمة: البيت الصغير القريب السُّمْك، مأخوذ من الانحفاش: وهو الانضمام، وأصله: الوعاء الذي تضع المرأة فيه غَزْلها. قوله: ((فتَحَدَّثُ)) بلفظ المضارع بحذف إحدى التاءَین. قوله: ((تَعاجِيب)) أي: أعاجيب، واحدها: أُعجوبة، ونقل ابن السِّيد أنَّ تَعاجِيبَ لا واحد له من لفظه. ٣٥٣ باب ٥٨ / ح ٤٤٠ كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد قوله: ((أَلَا إِنَّ)) بتخفيف اللام وكسر الهمزة، وهذا البيت الذي أنشَدَتْه هذه المرأة عَرُوضه من الضَّرْب الأوَّل من الطَّويل، وأجزاؤه ثمانية، ووَزْنه: فَعولُن مَفاعيلُن، أربع مرات، لكن دخل البيتَ المذكور القَبْضُ: وهو حذف الخامس الساكن في ثاني جزء منه، فإنْ أشبَعْت حركة الحاء من الوشاح صارَ سالماً، أو قلت: ويوم وِشاحٍ، بالتنوين بعد حذف التعريف صارَ القَبْض في أوَّل جزء من البيت، وهو أخفّ من الأوَّل، واستعمال القَبْض في الجزء الثاني وكذا السادس في أشعار العرب كثير جِدّاً نادر في أشعار المولَّدين، وهو / عند الخليل بن أحمد أصلحُ من الكَفّ، ولا يجوز الجمع عندهم بين الكفِّ - وهو ٥٣٥/١ حذف السابع الساكن - وبين القبض، بل يُشترَط أنْ يَتَعاقَبا. وإنَّما أورَدْتُ هذا القَدْر هنا، لأنَّ الطَّبْعِ السَّليم يَنْفِر من القَبْض المذكور. وفي الحديث: إباحةُ المَبِيت والمَقِيل في المسجد لمن لا مَسْكنَ له من المسلمين، رجلاً كان أو امرأة عند أَمْنِ الفِتْنة، وإباحة استظلاله فيه بالخيمة ونحوها. وفيه الخروجُ من البلد الذي يَحَصُل للمرءِ فيه المِحْنة، ولعلَّه يتحوَّلُ إلى ما هو خير له كما وقع لهذه المرأة. وفيه فضل الهِجْرة من دار الكفر، وإجابة دَعْوة المظلوم ولو كان كافراً، لأنَّ في السِّياق أنَّ إسلامها كان بعد قُدومها المدينة، والله أعلم. ٥٨- باب نوم الرِّجال في المسجد وقال أبو قِلابةَ، عن أنس: قَدِمَ رَهْطٌ من عُكْلٍ على النبيِّ وَّ فكانوا في الصُّفَّة. وقال عبدُ الرحمن بنُ أبي بَكْرٍ: كانَ أصحابُ الصُّفَّة الفُقَراءَ. ٤٤٠- حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن عُبيد الله، قال: حدَّثني نافعٌ، قال: أخبرني عبدُ الله: أنَّه كانَ ينامُ وهو شابٌّ أعزَبُ لا أهلَ له في مسجدِ النبيِّ وَّ. [أطرافه في: ١١٢١، ١١٥٦، ٣٧٣٨، ٣٧٤٠، ٧٠١٥، ٧٠٢٨، ٧٠٣٠] قوله: ((باب نوم الرِّجال في المسجد)) أي: جواز ذلك، وهو قول الجمهور، ورُوِيَ عن ابن عبّاس كراهيتُه إلَّا لمن يريد الصلاة، وعن ابن مسعود مُطلَقاً، وعن مالك التفصيلُ بين ٣٥٤ باب ٥٨ / ح ٤٤١ فتح الباري بشرح البخاري مَن له مَسْکَن فیُکره، وبین مَن لا مَسْگن لہ فیباح. قوله: (وقال أبو قلابةً عن أنس)) هذا طرف من قِصّة العُرَنِيِّين، وقد تقدَّم حديثهم في الطَّهارة (٢٣٣). وهذا اللفظ أورَدَه في المحاربين موصولاً (٦٨٠٤) من طريق وُهَيب عن أيوب عن أبي قلابة. قوله: ((وقال عبد الرحمن بن أبي بَكْر)) هو أيضاً طرفٌ من حديث طويل يأتي في علامات النبوَّة (٣٥٨١). والصُّفَّة: موضع مُظلَّل في المسجد النَّبويّ كانت تأوي إليه المساكين. وقد سبق البخاريّ إلى الاستدلال بذلك سعيد بن المسيِّب وسليمان بن يسار، رواه ابن أبي شَيْبة (٨٥/٢) عنهما. قوله: ((حدَّثنا يحيى)) هو القَطَّانُ ((عن عُبيد الله)) هو العُمريّ. وحدیث عبد الله بن عمر هذا مُتصر أيضاً من حديث له طویل یأتي في ((باب فضل قيام الليل)) (١١٢١)، وأورَدَه ابن ماجَهْ (٧٥١) مُختصَراً أيضاً بلفظ: ((كنّا ننام)). قوله: ((أعزبُ)) بالمهمَلة والَّاي، أي: غير مُتزوِّج. والمشهور فيه: عَزِبٌ، بفتح العين ٥٣٦/١ وكسر الَّاي(١)، والأوَّل لغة قليلة مع أنَّ القَزّاز/ أنكَرَها. وقوله: ((لا أهلَ له)) هو تفسير لقوله: ((أعزَب))، ويحتمل أنْ يكون من العامّ بعد الخاصّ فیدخل فيه الأقارب ونحوهم. وقوله: ((في مسجد)» مُتعلِّق بقوله: ((ينام)). ٤٤١- حدَّثنا قُتَيَبةُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ أبي حازِمِ، عن أبي حازِم، عن سَهْلٍ بِنِ سَعْدٍ قال: جاء رسولُ اللهِ وَله بيتَ فاطِمَةَ فلم يَجِدْ عليّاً في البيت، فقال: ((أينَ ابنُ عَمِّكِ؟)) قالت: كانَ بيني وبينَه شيءٌ فغاضَبَنِي، فَخَرَجَ فلم يَقِلْ عِنْدي، فقال رسولُ اللهِ وَاهـ (١) قوله: ((بكسر الزاي)) سبق قلم من الحافظ رحمه الله، فالصواب أنه ((عَزَبٌ)) بفتح العين والزاي، هكذا في کتب اللغة. ٣٥٥ باب ٥٨ / ح ٤٤١ كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد الإنسانِ: ((انظُرُ أينَ هو؟)) فجاء فقال: يا رسولَ الله، هو في المسجدِ راقِدٌ، فجاء رسولُ الله وَلِّ. وهو مُضطَجِعُ قد سَقَطَ رِداؤُه عن شِقِّه، وأصابَه تُرابٌ، فجعل رسولُ اللهِوَلِ يَمْسَحُه عنه، ويقولُ: ((قُم أبا تُرابٍ، قُم أبا تُرابٍ)). [أطرافه في: ٣٧٠٣، ٦٢٠٤، ٦٢٨٠] قوله: ((عن أبي حازم)) هو سَلَمةَ بن دينار والد عبد العزيز المذكور. قوله: ((أينَ ابن عَمِّك؟)) فيه إطلاق ابن العَمّ على أقارب الأب، لأنَّه ابن عمِّ أبيها لا ابن عمّها. وفيه إرشادها إلى أنْ تخاطبَه بذلك لما فيه من الاستعطاف بذِكْر القَرابة، وكأنَّه رَّ فَهِمَ ما وقع بينهما، فأراد استعطافها عليه بذِكْر القرابة القريبة التي بينهما. قوله: ((فلم يَقِلْ عندي)) بفتح الياء التَّحْتانيَّة وكسر القاف، من القَيْلولة: وهو نوم نصف النَّهار. قوله: ((فقال لإنسانٍ)) يظهر لي أنَّه سَهْل راوي الحديث، لأنَّه لم يَذكُر أنَّه كان مع النبيّ وَ ل﴾ غيره. وللمصنِّف في الأدب: فقال النبيّ وَّ لفاطمة: ((أين ابن عَمّك؟)) قالت: في المسجد (١)، وليس بينه وبين الذي هنا مخالفة، لاحتمال أنْ يكون المراد من قوله: «انظُرُ أينَ هو)) المكان المخصوص من المسجد. وعند الطبراني (٥٨٠٨): فأمَرَ إنساناً معه فوَجَدَه مُضطَجِعاً في فَيْء الجدار. قوله: ((هو راقدٌ في المسجد)) فيه مراد الترجمة، لأنَّ حديث ابن عمر يدلُّ على إباحته لمن لا مَسكَنَ له، وكذا بقيَّة أحاديث الباب، إلَّا قِصّة عليّ فإنّها تقتضى التعميم، لكن يُمكِن أنْ يُفرَّق بين نوم الليل وبين قَيْلولة النَّهار. وفي حديث سَهْل هذا من الفوائد أيضاً: جوازُ القائلة في المسجد، وتُمازَحة المغضَب بما لا یغضب منه بل یحصُل به تأنيسُه. (١) هذا اللفظ هو لحديث (٣٧٠٣) في كتاب المناقب، وأما الذي في كتاب الأدب (٦٢٠٤) فلم ترد فيه هذه اللفظة. ٣٥٦ باب ٥٨ / ح ٤٤٢ فتح الباري بشرح البخاري وفيه التکنیةُ بغير الولد وتكنية من له گُنْية، والتلقيب بالگُنْية لمن لا يَغْضَب، وسيأتي في الأدب (٦٢٠٤): أنَّه كان يفرح إذا دُعيَ بذلك. وفيه مُداراة الصِّهْر وتسكينه من غضبه، ودخول الوالد بيت ابنته بغير إذْن زوجها حيثُ يعلم رِضاه، وأنَّه لا بأس بإبداء المنكِبَينِ في غير الصلاة(١). وسيأتي بقيَّة ما يتعلَّق به في فضائل عليٍّ (٣٧٠٣) إن شاء الله تعالى. ٤٤٢- حدَّثنا يوسفُ بنُ عيسى، قال: حدَّثنا ابنُ فُضَيل، عن أبيه، عن أبي حازِمٍ، عن أبي هُرَيرةَ قال: لقد رأيتُ سبعينَ من أهل الصُّفَّة ما منهم رجلٌ عليه رِداءٌ، إمّا إزارٌ وإمّا كِساءً، قد رَبَطُوا في أعناقِهم، فمِنْها ما يَبلُغُ نِصْفَ الساقَينِ، ومِنْها ما يَبلُغُ الكَعْبِينِ، فَيَجْمَعُهُ بيدِه كَراهِيةً أنْ تُرَى عَوْرَتُه. قوله: ((حدَّثنا ابن فُضَيلِ)) هو محمد بن فُضَيل بن غَزْوان، وأبو حازم: هو سَلْمان الأشجَعَيّ، وهو أكبر من أبي حازم الذي قبله في السِّنّ واللِّقاء، وإنْ كانا جميعاً مدنيَّنِ تابعیَّينِ ثِقتين. قوله: ((لقد رأيت سبعينَ من أصحاب الصُّفَّة)) يُشعِر بأنَهم كانوا أكثر من سبعين، وهؤلاء الذين رآهم أبو هريرة غير السَّبْعين الذين بَعَثَهم النبيُّ وَله في غزوة بثْر مَعُونَةَ، وكانوا من أهل الصُّفَّة أيضاً لكنَّهم استُشهِدوا قبل إسلام أبي هريرة، وقد اعتَنَى بجمع أصحاب الصُّفَّة ابنُ الأعرابيّ والسُّلَميّ والحاكم وأبو نُعَيم، وعند كلّ منهم ما ليس عند الآخَر، وفي بعض ما ذَكَروه اعتراضٌ ومناقشة، لكن لا يَسَعُ هذا المختصَر تفصيل ذلك. قوله: ((رِدَاء)) هو ما يَستُر أعالي البدن فقط. وقوله: ((إِمّا إِزَار)) أي: فقط ((وإمّا كِساء)) أي: على الهيئة المشروحة في المتن. وقوله: ((قد رَبَطُوا)) أي: الأكسيةَ، فحَذَفَ المفعول للعِلْم به. وقوله: «فمِنْها)) أي: من الأكسية. (١) انظر الباب السالف برقم (٥) من كتاب الصلاة، الحديثين (٣٥٩ -٣٦٠). ٣٥٧ باب ٥٩ / ح ٤٤٣ كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد قوله: ((فيَجْمعُه بيده)) أي: الواحدُ منهم، زاد الإسماعيلي: أنَّ ذلك في حال كَوْنهم في الصلاة. ومُحصَّل ذلك أنَّه لم يكن لأحدٍ منهم ثوبانِ. وقد تقدَّم نحو هذه الصِّفة في ((باب إذا كان الثوب ضَيِّقًا))(١). ٥٣٧/١ ٥٩- باب الصلاة إذا قدم من سفرٍ وقال كَعْبُ بنُ مالكٍ: كَانَ النبيُّ ◌َّهِإِذا قَدِمَ من سَفَرِ بَدَأْ بالمسجدِ فصَلَى فيه. ٤٤٣- حدَّثنا خَلَادُ بنُ يحيى، قال: حدَّثْنا مِسْعَرٌّ، قال: حدَّثْنا مُحارِبُ بنُ دِنَار، عن جابرِ ابنِ عبدِ الله قال: أتيتُ النبيَّ نَّهِ وهو في المسجدِ - قال: مِسْعَر: أُراه قال: ضُحَّى - فقال: (صَلِّ رَكْعتَين)). وكانَ لي عليه دِينٌّ فقَضَاني وزَادَني. [أطرافه في: ١٨٠١، ٢٠٩٧، ٢٣٠٩، ٢٣٨٥، ٢٣٩٤، ٢٤٠٦، ٢٤٧٠، ٢٦٠٣، ٢٦٠٤، ٢٧١٨، ٢٨٦١، ٢٩٦٧، ٣٠٨٧، ٣٠٨٩، ٣٠٩٠، ٤٠٥٢، ٥٠٧٩، ٥٠٨٠، ٥٢٤٣، ٥٢٤٤، ٥٢٤٥، ٥٢٤٦، ٥٢٤٧، ٦٣٨٧،٥٣٦٧] قوله: ((باب الصلاة إذا قَدِمَ من سَفَرٍ)) أي: في المسجد. قوله: ((وقال كَعْب)) هو طرف من حديثه الطّويل في قِصّة تَخلُّفه وتوبتِه، وسيأتي في أواخر المغازي (٤٤١٨)، وهو ظاهر فيما تَرجَمَ له، وذكر بعده حديث جابر ليجمع بين فعل النبيّ وَ ◌ّ وأمره، فلا يُظَنُّ أنَّ ذلك من خصائصه. قوله: ((قال مِسْعَر: أُراه)) بالضمّ، أي: أظُنّه، والضمير المحارب. قوله: ((وكانَ لي عليه دَيْن)) كذا للأكثر، وللحَمُِّيِّ: ((وكان له)) أي: لجابرِ ((عليه)) أي: على النبيّ وَّة، وفي قوله بعد ذلك: ((فقَضاني)) الْتِفات. وهذا الدَّين هو ثمن جَمَل جابر، وسيأتي مُطوَّلاً في كتاب الشُّروط (٢٧١٨)، ونذكر هناك فوائده إن شاء الله تعالى، وقد أخرجه المصنّف أيضاً في نحو من عِشْرين موضعاً مُطوَّلاً ومُختصَراً، وموصولاً ومُعلَّقاً. ومطابقته للترجمة من جهة أنَّ تَقاضِيَه لثَمَنِ الْجَمَل كان عند قُدومه من السَّفَر كما سيأتي (١) رقم الباب (٥). ٣٥٨ باب ٦٠ / ح ٤٤٤ فتح الباري بشرح البخاري واضحاً، وغَفَلَ مُغَلْطاي حيثُ قال: ليس فيه ما بَوَّبَ عليه، لأنَّ لقائل أنْ يقول: إنَّ جابراً لم يَقْدَم من سفر، لأنَّه ليس فيه ما يُشعِر بذلك. قال النَّووي: هذه الصلاة مقصودةٌ للقُدوم من السَّفَر ينوي بها صلاة القدوم، لا أنَّها تحيَّ المسجد التي أُمِرَ الدَّاخل بها قبل أنْ يجلس، لكن تَحصُل التحيَّة بها. وتَسَّكَ بعض مَن مَنَعَ الصلاة في الأوقات المنهيّة ولو كانت ذات سبب بقوله: ((ضُحِّى))، ولا حُجَّة فيه، لأنَّها واقعةُ عَينِ. ٦٠ - بابٌ إذا دخل المسجد فليركع ركعتين ٤٤٤- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن عامرِ بنِ عبدِ الله بنِ الزُّبیر، عن عَمْرِو بنِ سُلَيْمِ الزُّرَقِيّ، عن أبي قَتَادةَ السَّلَمَيّ، أنَّ رسولَ الله وَّهِ قال: ((إذا دَخَلَ أحدُكُم المسجدَ فلَرَكَعْ رَكْعتَينِ قبلَ أنْ تَجلِسَ)). [طرفه في: ١١٦٣] قوله: ((باب إذا دخل المسجد)) حَذَفَ الفاعل للعلم به، وذکر في روایة الأَصِيلِّ و كريمة كلفظ المتن. قوله: ((عن أبي قَتَادةَ) بفتحتين، هكذا اتَّفَقَ عليه الرُّواة عن مالك، ورواه سُهَيل بن أبي صالح عن عامر بن عبد الله بن الزُّبَير فقال: ((عن جابر)) بدل: أبي قتادة، وخَطَّأه الِّرمِذيّ والدَّارَ قُطنيّ وغيرهما. قوله: ((السَّلَميّ)) بفتحتين، لأنَّه من الأنصار، والإسناد كلَّه مدنيّ كالذي بعده. قوله: ((فليَركَعْ)) أي: فلْيُصلِّ، من إطلاق الجزء وإرادة الكُلّ. قوله: (رَكْعتَين)) هذا العدد لا مفهوم لأكثرِه باتِّفاق، واختُلِفَ في أقلِّه، والصحيح اعتباره فلا تتأدَّى هذه السُّنّة بأقلّ من رَكْعَتَين. واتَّفَقَ أئمّة الفَتْوَى على أنَّ الأمر في ذلك ٥٣٨/١ للنَّدْب، ونقل ابن بَطَّال عن أهل الظاهر الوجوب، والذي صَرَّحَ به/ ابن حَزْم عَدَمُه، ومن أدلَّة عدم الوجوب قوله وَلّ للذي رآه يَتَخَطَّى: ((اجلِسْ فقد آذَيتَ)) ولم يأمُرُه بصلاة، ٣٥٩ باب ٦١ / ح ٤٤٥ كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد كذا استدلَّ به الطَّحاويُّ وغيره، وفيه نظر. وقال الطَّحاويُّ أيضاً: الأوقات التي نُّهيَ عن الصلاة فيها ليس هذا الأمر بداخل فيها. قلت: هما عمومان تَعارَضا: الأمر بالصلاة لكلّ داخل من غير تفصيل، والنهي عن الصلاة في أوقات مخصوصة، فلا بدَّ من تخصيص أحد العُمومَين، فذهب جمع إلى تخصيص النهي وتعميم الأمر، وهو الأصحّ عند الشافعيّة، وذهب جمع إلى عكسه، وهو قول الحنفيّة والمالكيّة. قوله: ((قبل أنْ يَجلِس)) صَرَّحَ جماعة بأنَّه إذا خالفَ وجَلَسَ لا يُشرَع له التدارُك، وفيه نظر لما رواه ابن حِبَّان في «صحيحه)) (٣٦١) من حديث أبي ذرٍّ: أنَّه دخل المسجد فقال له النبيّ ◌َّهِ: ((أَرَكَعت رَكْعتَين؟)) قال: لا، قال: ((قُم فاركَعْهما))(١)، تَرجَمَ عليه ابن حِبَّن أنَّ تَحَيَّة المسجد لا تَقُوت بالجلوس. قلت: ومثله قِصّة سُلَيك كما سيأتي في الجمعة (٩٣٠). وقال المحِبّ الطبريُّ: يحتمل أن يقال: وقتُهما قبل الجلوس وقت فضيلة، وبعده وقت جواز، أو يقال: وقتهما قبله أداءٌ وبعده قَضاءٌ، ويحتمل أنْ تُحمَل مشروعيّتهما بعد الجلوس على ما إذا لم يَطُلِ الفَصْل. فائدة: حديث أبي قتادةَ هذا وَرَدَ على سبب، وهو: أنَّ أبا قتادةَ دخل المسجد فوَجَدَ النبيَّ ◌َطِّ جالساً بين أصحابه فجَلَسَ معهم، فقال له: ((ما مَنَعَك أنْ تَركَع؟)) قال: رأيتُك جالساً والناسُ جلوس. قال: ((فإذا دخل أحدُكم المسجدَ، فلا يجلسْ حتَّى يركع رَكْعتَين» أخرجه مسلم (٧١٤/ ٧٠)، وعند ابن أبي شَيْبة (١/ ٣٤٠) من وجه آخر عن أبي قتادةَ: ((أَعطُوا المساجد حقَّها)) قيل له: وما حقّها؟ قال: ((رَكْعتَينِ (٢) قبل أنْ تجلسَ)). ٦١ - باب الحَدَث في المسجد ٤٤٥- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هُرَيرةَ، أنَّ رسولَ الله وَّةِ قال: «الملائكةُ تُصلِّ على أحدِكُم ما دامَ في مُصلَّاه الَّذي صَلَّى فيه ما (١) وإسناده ضعيف جداً. (٢) وفي ((مصنف ابن أبي شيبة)): ركعتان، بالرفع، وهو الظاهر، ويمكن توجيه ما وقع عند الشارح هنا بأنه منصوب على تقدير فعل محذوف، والله تعالى أعلم. ٣٦٠ باب ٦١ / ح ٤٤٥ فتح الباري بشرح البخاري لم يُحدِثْ، تقولُ: اللهُمَّ اغفِرْ له، اللهُمَّ ارحَمْهُ)». قوله: ((باب الحَدَث في المسجد)» قال المازَرِي: أشار البخاري إلى الرَّدّ على مَن مَنَعَ المحدِث أنْ يدخلَ المسجد أو يجلسَ فيه وجعله كالجُنُب، وهو مبنيٌّ على أنَّ الحَدَث هنا الرِّيح ونحوه، وبذلك فسَّرَه أبو هريرة كما تقدَّم في الطَّهارة (١٣٥). وقد قيل: المراد بالحَدَثِ هنا أعمُّ من ذلك، أي: ما لم يُحدِثْ سوءاً، ويؤيِّده رواية مسلم (٦٤٩): ((ما لم يُحدِثْ فيه، ما لم يُؤْذِ فيه))(١)، وفي أُخرى للبخاريِّ (٤٧٧): ((ما لم يُؤْذِ يُحِدِث فيه))، وسيأتي قريباً بناء على أنَّ الثانية تفسير للأولى. قوله: ((المَلائِكَة تُصلّي) للكُشْمِيهَنيُّ: ((إنَّ الملائكة تُصلّى)) بزيادة ((إنّ))، والمراد بالملائكة: الحَفَظة أو السَّيّارة، أو أعمُّ من ذلك. قوله: ((تقول ... )) إلى آخره، هو بيانٌ لقوله: ((تُصلِّي)). قوله: «ما دامَ في مُصلَّاه)) مفهومه أنَّه إذا انصَرَفَ عنه انقَضَى ذلك، وسيأتي في ((باب مَن جَلَسَ في المسجد ينتظرُ الصلاة)) (٦٥٩) بيانُ فضيلة مَن انتظرَ الصلاة مُطلَقاً، سواء ثبتَ في مَجَلِسه ذلك من المسجد أم تحوَّلَ إلى غيره، ولفظه: ((ولا يزال في صلاة ما انتَظَرَ الصلاة))، فأثبتَ للمُنتظِرِ حُكْمَ المصلِّ، فيُمكِن أنْ يُحِمَل قوله: ((في مُصلَّاه)) على المكان المعَدِّ للصلاة، لا الموضع الخاصّ بالسجود، فلا يكون بين الحدیثین تخالف. وقوله: ((ما لم يُحدِثْ)) يدلّ على أنَّ الحَدَث يُبطِلِ ذلك ولو استَمرَّ جالساً. وفيه دليل على ٥٣٩/١ أنَّ الحَدَث في المسجد أشدّ من / النُّخامة لما تقدَّم(٢) من أنَّ لها كَفّارة، ولم يَذكُر لهذا كَفّارة، بل عُومِلَ صاحبه بحِرْمان استغفار الملائكة، ودعاءُ الملائكة مرجوُّ الإجابة لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ آَرْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]. وسيأتي بقيّة فوائد هذا الحديث في ((باب مَن جَلَسَ ينتظر الصلاة)) (٦٥٩) إن شاء الله تعالى. (١٠) وهي عند البخاري أيضاً ستأتي برقم (٢١١٩). (٢) في الباب رقم (٣٧): باب كفارة البزاق في المسجد.