النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ باب ٣٣ / ح ٤٠٥ كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد في الباب الذي قبله (٤٠١). وتَعلَّقه بالترجمة من قوله: ((قال: وما ذاكَ؟» أي: ما سبب هذا السؤال؟ وكان في تلك الحالة غيرَ مُستَقْبِل القِبْلة سَهْواً كما يظهر في الرواية الماضية من قوله: (فَثَنَى رِجْله واستَقْبَلَ القِبْلة)). ٣٣- باب حَكِّ البُزَاق باليد من المسجد ٤٠٥- حدَّثنا قُتَيةٌ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ جعفرٍ، عن مُميد، عن أنسٍ: أنَّ النبيَّ ◌َِيه رَأى نُخَامَةً في / القِبْلة، فشَقَّ ذلكَ عليه حتَّى رُئِيَ فِي وَجِهِهِ، فقامَ فحَكَّه بيدِه، فقال: ((إنَّ ٥٠٨/١ أحدَكُم إذا قامَ في صلاتِهِ فإنَّه يُناجي رَبَّه - أو إنَّ رَبَّ بينَه وبينَ القِبْلة - فلا يَبْزُقَنَّ أحدُكُمْ قِبَلَ قِبْلِهِ، ولكنْ عن يَسارِه أو تحتَ قَدَمَيه)) ثمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِه فبَصَقَ فيه، ثمَّ رَدَّ بعضه على بعضٍ فقال: ((أو يَفعَلُ هكذا)». قوله: ((باب حَكّ البُزاق باليد من المسجد)) أي: سواء كان بآلةٍ أم لا. ونازَعَ الإسماعيلي في ذلك فقال: قوله: «فحَكَّه بيده)) أي: تَولَّى ذلك بنفسِه، لا أنَّه باشَرَ بيده النُّخامة، ويؤيِّد ذلك الحديثُ الآخر: أنَّه حَكَّها بعُرْجون. انتهى، والمصنّف مَشَى على ما يَحَتَمِله اللفظ، مع أنَّه لا مانع في القِصَّة من التعدُّد، وحديث العُرْجون رواه مسلم (٣٠٠٨) (١) من حدیث جابر. قوله: ((عن مُميدٍ عن أنس)) كذا في جميع ما وقفتُ عليه من الطَّرُق بالعَنْعنة، ولكن أخرجه عبد الرزاق (١٦٩٢) فصَرَّحَ بسماع حُميدٍ من أنس، فأُمنَ تدليسه. قوله: (نُخَامة)) قيل: هي ما يخرجُ من الصَّدْر، وقيل: النُّخاعةُ بالعين من الصَّدْر، وبالميم من الرأس. قوله: ((في القِبْلة)) أي: الحائط الذي من جهة القِبْلة. قوله: ((حتَّى رُئِيَ)) أي: شُوهِدَ في وجهه أثر المشَقّة، وللنَّسائيِّ (٧٢٨): فغَضِبَ حتَّى احمرّ (١) هكذا في (أ)، وفي (ع) و(س): رواه أبو داود. قلنا: وهو مخرَّج أيضاً عند أبي داود برقم (٤٨٥). ٣٠٢ باب ٣٣ / ح ٤٠٥ فتح الباري بشرح البخاري وجهه، وللمصنَّف في الأدب من حديث ابن عمر: فَتَغَيَّظَ على أهل المسجد(١). قوله: «إذا قام في صلاته» أي: بعد شروعه فيها. قوله: ((أو إنَّ رَبّه)) كذا للأكثر بالشَّكِّ كما سيأتي في الرواية الأُخرى (٤١٧) بعد خمسة أبواب، وللمُستَمْلي والحَمُّوِيّ: ((وإنَّ ربّه)) بواو العطف، والمراد بالمناجاة من قِبَل العبد حقيقة النَّجْوَى، ومن قِبَل الرَّبّ لازمُ ذلك فيكون مجازاً، والمعنى: إقباله عليه بالرَّحْمة والرِّضْوان. وأمَّا قوله: ((أو إنَّ رَبّه بينه وبين القِبْلة))، وكذا في الحديث الذي بعده: «فإنَّ الله قِبَلَ وجهه))، فقال الخطَّبيُّ: معناه: أنَّ توجّهَه إلى القِبْلة مُفْضٍ بالقَصْدِ منه إلى ربِّه فصارَ في التقدير: فإنَّ مقصودَه بينَه وبين قِبْلِهِ. وقيل: هو على حذف مُضاف، أي: عَظَمة الله أو ثواب الله. وقال ابن عبد البَرِّ: هو كلام خرج على التعظيم لشأنِ القِبْلة، وقد نَزَعَ به بعض المعتَزِلة القائلين بأنَّ الله في كلّ مكان، وهو جَهْل واضح، لأنَّ في الحديث أنَّه يَبْزُق تحت قَدَمه، وفيه نقضُ ما أصَّلوه(٢). وفيه الرَّدّ على مَن زَعَمَ أنَّه على العَرْش بذاته(٣)، ومَهْما تُؤوِّلَ به هذا جازَ أنْ يُتَأوَّلَ به (١) هذه الرواية عند البخاري في كتاب العمل في الصلاة برقم (١٢١٣)، والتي في كتاب الأدب (٦١١١) ليس فيها قوله: ((على أهل المسجد)). (٢) إلى هنا انتهى كلام ابن عبد البر، وهو في كتابه الجليل ((التمهيد)) ١٥٧/١٤ -١٥٨. (٣) ليس في الحديث المذكور رةٌّ على من أثبت استواءَ الرب سبحانه على العرش بذاته، لأن النصوص من الآيات والأحاديث في إثبات استواء الرب سبحانه على العرش بذاته محكمة قطعية واضحة لا تحتمل أدنى تأويل، وقد أجمعَ أهلُ السنة على الأخذ بها والإيمان بما دَلَّت عليه على الوجه الذي يليق بالله سبحانه من غير أن يشابه خلقَه في شيء من صفاته. وأما قوله في هذا الحديث: ((فإن الله قِبَلَ وجهِه إذا صلَّى)) وفي لفظٍ: «فإن ربَّه بينه وبين القِبلة))، فهذا لفظٌّ محتمل يجب أن يفسّر بما يوافق النصوص المحكمة، كما قد أشار الإمامُ ابن عبد البر إلى ذلك، ولا يجوز حملُ هذا اللفظ وأشباهه على ما يناقض نصوصَ الاستواء الذي أثبتته النصوص القطعيّة المحكمة الصريحة، والله أعلم. (س) ٣٠٣ باب ٣٣ / ح ٤٠٦ كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد ذاكَ، والله أعلم. وهذا التعليل يدلُّ على أنَّ البُزاق في القِبْلة حرامٌ سواءٌ كان في المسجد أم لا، ولا سيّما من المصلّي، فلا يجري فيه الخلاف في أنَّ كراهية البُزاق في المسجد هل هي للتنزیه أو للتَّحْریم. وفي ((صحيحَي)) ابن خُزَيمةَ (٩٢٥) وابن حِبَّان (١٦٣٩) من حديث حُذَيفة مرفوعاً: ((مَن تَفَلَ تُّجاه القِبْلة، جاء يوم القيامة وتَفْلُه بين عينَه))(١)، وفي رواية لابن خُزَيمةَ (١٣١٣) من حديث ابن عمر مرفوعاً: ((يُبعَث صاحبُ النُّخامة في القِبْلة يوم القيامة وهي في وجهه))(٢)، ولأبي داود (٤٨١) وابن حِبَّان (١٦٣٦) من حديث السائب بن خَلّاد: أنَّ رجلاً أمَّ قوماً فبَصَقَ في القِبْلة، فلمَّا فَرَغَ قال رسول الله وَّه: ((لا يصلِّي لكم)) الحديث، وفيه أنَّه قال له: ((إنَّك آذيتَ اللهَ ورسولَه)). قوله: «قبل قبلته» بکسر القاف وفتح الموحّدة، أي: جهة قِبلته. قوله: ((أو تحت قَدَمه)) أي: اليُسرى كما/ في حديث أبي هريرة في الباب الذي بعده (٤٠٨)، ٥٠٩/١ وزاد أيضاً من طريق همَّام عن أبي هريرة: ((فَيَدْفِنها)) كما سيأتي ذلك بعد أربعة أبواب (٤١٦). قوله: ((ثُمَّ أخَذَ طَرَف رِدائه ... )) إلى آخره، فيه البيان بالفعل ليكون أوقعَ في نفس السامع، وظاهر قوله: ((أو يَفعَل هكذا)) أنَّه ◌ُيَّرٌ بين ما ذُكِر، لكن سيأتي بعد أربعة أبواب (٤١٧) أنَّ المصنّف حمل هذا الأخير على ما إذا بَدَرَه البُزاقُ، فـ((أو)) - على هذا - في الحديث للتنويع، والله أعلم. ٤٠٦- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن نافع، عن عبدِ الله بنِ عمرَ: أنَّ رسولَ الله وَلّهِ رَأى بُصاقاً في جِدَار القِبْلة فحَكَّه، ثمَّ أقبَلَ على الناسِ، فقال: ((إذا كانَ أحدُكُم يُصلِّي فلا يَبِصُقْ قِبَلَ وَجِهِه، فإنَّ الله قِبَلَ وَجهِه إذا صَلَّى)). [أطرافه في: ٧٥٣، ١٢١٣، ٦١١١] (١) وأخرجه كذلك أبوداود في ((سننه)) (٣٨٢٤)، وإسناده صحيح. (٢) وكذلك صححه ابن حبان برقم (١٦٣٨)، وإسناده صحيح. ٣٠٤ باب ٣٤ / ح ٤٠٧-٤٠٩ فتح الباري بشرح البخاري قوله في حديث ابن عمر: ((رَأْى بُصاقاً في جِدار القِبْلة)) وفي رواية المُستَمْلي: ((في چِدار المسجد))، وللمصنّف في أواخر الصلاة (١٢١٣) من طريق أيوب عن نافع: ((في قِيْلة المسجد)) وزاد فيه: ((ثمَّ نزل فحَكَّها بيده)) وهو مطابق للترجمة، وفيه إشعارٌ بأنَّه كان في حال الخُطْبة. وصرَّحَ الإسماعيلي بذلك في روايته من طريق شیخ البخاري فيه، وزاد فيه أيضاً: قال: وأحسَبُهُ دَعَا بزَعْفَران فلَطَّخَه به، زاد عبد الرزاق (١٦٨٣) عن مَعمَر عن أيوب: فلذلك صُنِعَ الَّعْفَرانُ في المساجد. ٤٠٧- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن هشام بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، عن عائشةَ أُمِّ المؤمنينَ: أنَّ رسولَ اللهِ ﴿ رَأى في جِدَار القِبْلة مُخاطَاً أو بُصاقاً أو نُخامةً، فحَكَّه. قوله في حديث عائشة: «رأی في چِدار القِبلة مُخاطاً أو بُصاقاً أو نُخامَة فحَگَّه» كذا هو في ((الموطَّأ)) (١/ ١٩٥) بالشَّكّ، وللإسماعيليِّ من طريق مَعْنٍ عن مالك: ((أو نُخاعاً) بدل ((ُحاطا) وهو أشبه، وقد تقدَّم(١) الفَرْق بين النُّخاعة والنُّخامة. ٣٤- باب حَكِّ المخاط بالحصى من المسجد وقال ابنُ عبَّاس: إنْ وَطِئْتَ على قَذَرٍ رَطْبٍ فاغسِلْه، وإنْ كانَ يابساً فلا. ٤٠٨ و٤٠٩- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: أخبرنا إبراهيمُ بنُ سَعْد، أخبرنا ابنُ شِهَاب، عن مُميدٍ بنِ عبدِ الرحمن، أنَّ أبا هُرَيرةَ وأبا سعيدٍ حَدَّتاه: أنَّ رسولَ الله ◌ِوَهْ رَأْى نُخامةً في جدار المسجدِ، فتَنَاوَلَ حَصاةً فحَكَّها، فقال: ((إذا تَنَثَّمَ أحدُكُم فلا يَتَتَخَّمَنَّ قِبَلَ وَجِهِه ولا عن يَمِينِهِ، ولْيَبصُقْ عن يَسارِه أو تحتَ قَدَمِه الیُسْری». [ح ٤٠٨ - طرفاه في: ٤١٠، ٤١٦] [ح ٤٠٩ - طرفاه في: ٤١١، ٤١٤] قوله: ((باب حَكِّ المُخاط بالحَصَى من المسجد)» وجه المغايرة بين هذه الترجمة والتي قبلها من طريق الغالب، وذلك أنَّ المخاط غالباً يكون له جِرْم لَزِجٌ فيحتاج في نَزْعه إلى (١) عند شرح الحديث رقم (٤٠٥). ٣٠٥ باب ٣٥ / ح ٤١٠-٤١٢ كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد مُعالَجَة، والبُصاق لا يكون له ذلك، فيمكن نَزْعُه بغير آلةٍ إلَّا إنْ خالَطَه بَلَغَمٌ فَيَلتحِق بالمخاط، هذا الذي يظهر من مراده. قوله: ((وقال ابن عبَّاس)) هذا التعليق وَصَلَه/ ابن أبي شَيْبة (٥٥/١) بسندٍ صحيح وقال ٥١٠/١ في آخره: ((وإنْ كان يابساً (١) لم يَضُرَّه))، ومطابقته للترجمة الإشارة إلى أنَّ العِلّة العُظْمَى في النهي احترام القِبْلة، لا مجرَّد التأذّي بالبُزاق ونحوه، فإنَّه وإنْ كان عِلّة فيه أيضاً لكنَّ احترام القِبْلة فيه آكَد، فلهذا لم يُفرَّق فيه بين رَطْب ويابس، بخلاف ما عِلّةُ النهي فيه مجرَّدُ الاستقذار فلا يَضُرُّ وَطْءُ اليابس منه، والله أعلم. قوله: ((فتَنَاوَلَ حَصاةً)) هذا موضع الترجمة، ولا فرقَ في المعنى بين النُّخامة والمخاط، فلذلك استدلَّ بأحدهما على الآخر. قوله: ((فحَكَّها)) وللكُشْمِيھَنيّ: ((فحَتَّها» بمُثنَّاةٍ من فوق، وهما بمعنی. قوله: ((ولا عن یمینه» یأتي الكلامُ علیه قريباً. ٣٥- باب لا يَبصُقْ عن يمينه في الصلاة ٤١٠ و٤١١ - حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، قال: حدَّثنا اللَّيْثُ، عن عُقَيل، عن ابنِ شِهَاب، عن مُميدِ بنِ عبدِ الرحمن، أنَّ أبا هُرَيرةَ وأبا سعيدٍ أخبَرَاه: أنَّ رسولَ الله وَِّ رَأى نُخامةً في حائطِ المسجدِ، فَتَنَاوَلَ رسولُ اللهِ وَّهِ حَصاةً فحَتَّها، ثمَّ قال: ((إذا تَنَخَّمَ أحدُكُم فلا يَتَنَخَّم قِبَلَ وَجِهِه ولا عن يَمِينِهِ، ولْيَبصُقْ عن يَسارِه أو تحتَ قَدَمِه الیُسْرى)). ٤١٢- حدَّثنا حفصُ بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، قال: أخبرني قَتَادةُ، قال: سمعتُ أنساً قال: قال النبيُّ ◌َّهِ: ((لا يَتْفِلَنَّ أحدُكُم بينَ يَدَيه ولا عن يَمِينِهِ، ولكنْ عن يَسارِه أو تحتَ ڕِجْلِه». قوله: ((باب لا يَبصُق عن يمينه في الصلاة)) أورَدَ فيه الحديث الذي قبله من طريق أُخرى عن ابن شهاب، ثمَّ حديث أنس من طريق قتادةَ عنه مُختصَراً من روايته عن حفص بن (١) تحرفت في (س) إلى: ناسياً. ٣٠٦ باب ٣٥ / ح ٤١٠- ٤١٢ فتح الباري بشرح البخاري عمر، وليس فيهما تقييد ذلك بحالة الصلاة، نعم هو مُقيَّد بذلك في رواية آدم الآتية في الباب الذي يليه (٤١٣)، وكذا حديث أبي هريرة فيه التقييد بذلك في رواية همَّام الآتية بعدُ (٤١٦)، فجرى المصنّف في ذلك على عادته في التمَسُّك بما وَرَدَ في بعض طرق الحديث الذي يَستَدِلُّ به وإنْ لم يكن ذلك في سياق حديث الباب، وكأنَّه جَنَحَ إلى أنَّ المطلَق في الروايتين محمولٌ على المقيَّد فيهما، وهو ساكتٌ عن حُكْم ذلك خارج الصلاة. وقد جَزَمَ النَّوويّ بالمنع في كلّ حالة داخلَ الصلاة وخارجها، سواء كان في المسجد أم غيره، وقد نُقِلَ عن مالك أنَّه قال: لا بأس به؛ يعني: خارجَ الصلاة. ويشهد للمنع ما رواه عبد الرزاق (١٦٩٩) وغيره عن ابن مسعود: أنَّه كَرِهَ أنْ يَبصُق عن يمينه وليس في صلاة. وعن معاذ بن جبل (١٧٠٠) قال: ما بَصَقْتُ عن يميني منذُ أسلمْتُ. وعن عمر بن عبد العزيز (١٧٠١): أنَّه نَهَى ابنه عنه مُطلَقاً. وكأنَّ الذي خَصَّه بحالة الصلاة أخَذَه من عِلّة النهي المذكورة في رواية همَّام عن أبي هريرة حيثُ قال: ((فإنَّ عن يمينه مَلَكاً))، هذا إذا قلنا: إنَّ المراد بالملَكِ غيرُ الكاتب والحافظ، فيظهر حينئذٍ اختصاصُه بحالة الصلاة. وَسيأتي البحث في ذلك (٤١٦) إن شاء الله تعالى. وقال القاضي عِيَاض: النهي عن البُصاق عن اليمين في الصلاة إنَّما هو مع إمكان غيره، فإنْ تَعذَّرَ فله ذلك. قلت: لا يظهر وجود التعذَّر مع وجود الثوب الذي هو لابسه، وقد أرشَدَه الشارع إلى التَّفْل فيه كما تقدَّم. وقال الخطَّبيُّ: إنْ كان عن يساره أحد فلا يَبْزُقْ في واحد من الجِهِتَين، لكن تحت قدمه أو ثوبه. قلت: وفي حديث طارق المحارِبي عند أبي داود (٤٧٨) ما يُرشِد لذلك، فإنَّه قال فيه: ((أو تِلْقاء شِمالك إنْ كان فارغاً، وإلَّا فهكذا)) وبَزَقَ تحت رِجْله ودَلَك. ولعبد الرزّاق ٣٠٧ باب ٣٦ / ح ٤١٣-٤١٤ كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد (١٦٨٠) من طريق عطاء عن / أبي هريرة نحوه، ولو كان تحت رِجْله مَثلاً شيءٌ مبسوطٌ ٥١١/١ أو نحوُه تَعيَّن الثوبُ، ولو فَقَدَ الثوبَ مَثلاً فلعلَّ بَلْعَه أولى من ارتكاب المنھيِّ عنه، والله أعلم. تنبيه: أخَذَ المصنّف كونَ حُكْم النُّخامة والبُصاق واحداً من أنَّه وَّهِ رأى النُّخامة فقال: ((لا يَبْزُقَنّ))، فدَلَّ على تساويهما، والله أعلم. ٣٦- باب ليبصُقْ عن يساره أو تحت قدمه الیسری ٤١٣- حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثْنَا شُعْبةُ، قال: حدَّثْنَا قَتَادةُ، قال: سمعتُ أنسَ بنَ مالكِ، قال: قال النبيُّ نَّه : ((إنَّ المؤمِنَ إذا كانَ في الصلاةِ فإنَّمَا يُناجِي رَبَّه، فلا يَبْزُقَنَّ بينَ يَدَیه، ولا عن يَمِينِهِ، ولكنْ عن يَسارِه أو تحتَ قَدَمِه)). ٤١٤- حدَّثنا عليٌّ، قال: حدثنا سفيانُ، حدّثنا الزُّهْرِيُّ، عن مُمیدِ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي سعيدٍ: أَنَّ النبيَّ وَّهِ أَبصَرَ نُخامةً في قِبْلة المسجدِ فحَكَّها بحَصَاة، ثمَّ نَهَى أَنْ يَبزُقَ الرجلُ بينَ يَدَيهِ أو عن يَمِينِهِ، ولكنْ عن يَسارِه أو تحتَ قَدَمِه الُسْرى. وعن الزُّهْريّ، سَمِعَ مُميداً، عن أبي سعيدٍ، نحوَه. قوله: ((باب ليَبَصُق عن يسارِهِ. حدَّثنا عليٌّ)) زاد الأَصِيلي: ((ابن عبد الله)) وهو ابن المَدِينيّ، والمتن هو الذي مضى من وجهين آخرينٍ عن ابن شهاب: وهو الزُّهْرِيُّ، ولم يَذكُر سفيانَ - وهو ابن عُيَينةَ - فیه أبا هريرة، كذا في الروايات كلِّها، لكن وقع في رواية ابن عساكر: ((عن أبي هريرة)) بدل: أبي سعيد، وهو وَهْم، وكأنَّ الحامل له على ذلك أنَّه رأى في آخره: ((وعن الزُّهْريِّ سمع حُيداً عن أبي سعيد)) فظنَّ أنَّه عنده عن أبي هريرة وأبي سعيد معاً، لكنَّه فَرَّقَهما، وليس كذلك، وإنَّما أراد المصنّف أنْ يُبيِّنَ أنَّ سفيان رواه مرَّة بالعَنْعَنة، ومَرَّة صَرَّحَ بسماع الزُّهْريِّ من حُميد، ووَهِمَ بعض الشُّراح في زَعْمه أنَّ قوله: ((وعن الزُّهْريّ)) مُعلَّقٌ، بل هو موصولٌ، وقد تقدَّمت له نظائر. ٣٠٨ باب ٣٧ / ح ٤١٥ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((ولكنْ عن يساره أو تحت قَدَمه)) كذا للأكثر، وهو المطابق للترجمة، وفي رواية أبي الوَقْت: ((وتحت قَدَمه)) بالواو، ووقع عند مسلم (٥٥٠) من طريق أبي رافع عن أبي هريرة: ((ولكن عن يساره تحت قَدَمه)) بحذف ((أو))، وكذا للمصنّف من حديث أنس في أواخر الصلاة (١٢١٤)، والرواية التي فيها ((أو)) أعمّ لكَوْنها تَشْمَل ما تحت القَدَم وغير ذلك. ٣٧- باب كفَّارة البُزاق في المسجد ٤١٥ - حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، قال: حدَّثنا قَتَادةُ، قال: سمعتُ أنسَ بنَ مالكٍ قال: قال النبيُّ ◌ََّ: ((البُزاقُ في المسجدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَغْنُها)». قوله: ((باب كفَّارة البُزاق في المسجد)) أورَدَ فيه حديث: ((البُراق في المسجد خطيئة، و گَفّارتُها دفنُها)) من حديث أنس بإسناده الماضي في الباب قبله سواء، ولمسلم (٥٦/٥٥٢): ((التَّفْلِ)) بدل البُزاق، والتفل بالمثنَّة من فوقُ أخفُّ من البُزاق، والنَّفْث بمُثَلَّئة آخرَه أخفُّ منه. قال القاضي عِيَاض: إنَّما يكون خطيئة إذا لم يَدْفِنه، وأمَّا مَن أراد دفنه فلا. ورَدَّه النَّوويُّ فقال: هو خلافُ صريح الحديث. قلت: وحاصلُ النّزاع أنَّ هنا عمومَينِ تَعارَضا، وهما قوله: ((البُزاق في المسجد خطيئة))، وقوله: ((وليَبصُقْ عن يساره أو تحت قَدَمه))، فالنَّوويُّ يجعل الأوَّل عاماً ويُخُصّ ٥١٢/١ الثاني بما إذا لم يكن في/ المسجد، والقاضي بخلافه يجعل الثاني عامّاً ويَخُصّ الأوَّل بمَن لم يُرِدْ دفنها، وقد وافق القاضيَ جماعةٌ منهم ابن مَكِّيّ في ((التنقيب)) والقُرْطبيّ في ((المفهم)) وغيرهما، ويشهد لهم ما رواه أحمد (١٥٤٣) بإسنادٍ حسن من حديث سعد بن أبي وَقَّاصٍ مرفوعاً قال: ((مَن تَنَخَّمَ في المسجد فليُغيِّبْ نُخامتَهَ أنْ تُصيبَ جِلْد مؤمن أو ثوبه فتُؤْذيَه)). وأوضَحُ منه في المقصود ما رواه أحمد أيضاً (٢٢٢٤٣) والطَّبرانيُّ (٨٠٩٢) بإسنادٍ حسن من حديث أبي أمامةَ مرفوعاً قال: ((مَن تَنَخَّعَ في المسجد فلم يَدْفِنه فسَيِّئَة، وإنْ دَفَنَه فحسنةٌ»، فلم يجعله سيِّئَة إلَّا بقَيدِ عَدَم الدَّفْن، ونحوه حديث أبي ذرِّ عند مسلم (٥٥٣) مرفوعاً قال: ٣٠٩ باب ٣٧ / ح ٤١٥ كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد ((ووجدتُ في مَساوِئ أعمال أُمَّتي النُّخاعةَ تكون في المسجد لا تُدفَن)) قال القُرْطبي: فلم يُثبِت لها حُكْم السَّيِّئَة لمجرَّدِ إيقاعها في المسجد، بل به وبتركها غیر مدفونة، انتهى. وروى سعيد بن منصور عن أبي عبيدة بن الجراح: أنَّه تَنَخَّمَ في المسجد ليلةً، فَنَسِيَ أنْ يَدْفِنِها حتَّى رَجَعَ إلى مَنزِلِهِ، فأخَذَ شُعْلة من نار ثمَّ جاء فطَلَبها حتَّى دَفَنها، ثمَّ قال: الحمدُ لله الذي لم يَكتُب عليَّ خطيئةً الليلة. فدَلَّ على أنَّ الخطيئة تَخْتَصّ بمن تركها لا بمن دَفَنها. وعلّة النهي تُرْشِد إلیه، وهي تأذّي المؤمن بها. ومَّاً يدلّ على أنَّ عمومه مخصوصٌ جوازُ ذلك في الثوب ولو كان في المسجد بلا خلاف، وعند أبي داود (٤٨٢-٤٨٣) من حديث عبد الله بن الشِّخّير: أنَّه صلَّى مع النبيّ ﴿ فِبَصَقَ تحت قدمِه الیُسْرِى ثمَّ دَلَكَه بنَعْلِه، إسناده صحيح، وأصله في مسلم (٥٥٤)، والظاهر أنَّ ذلك كان في المسجد، فيؤيِّد ما تقدَّم. وتَوَسَّطَ بعضهم فحمل الجوازَ على ما إذا كان له عُذْر، كأنْ لم يتمكَّنْ من الخروج من المسجد، والمنعَ على ما إذا لم يكن له عُذْر، وهو تفصيلٌ حسن، والله أعلم. وينبغي أنْ يُفصَلَ أيضاً بين مَن بدأَ بمُعالجة الدَّفْن قبل الفعل كمَن حَفَرَ أوَّلاً ثمَّ بَصَقَ ووَارَى(١)، وبين مَن بَصَقَ أوَّلاً بنيَّة أنْ يَدْفِن مثلاً، فيجري فيه الخلاف، بخلاف الذي قبله، لأنَّه إذا كان المكَفِّرُ إثمَ إبرازها هو دفنها فكيف يأثَم مَن دفنها ابتداءً؟ وقال النَّووي: قوله: ((كَفّارتُها دفنُها)) قال الجمهور: يَدْفِنها في تراب المسجد أو رَمْله أو حَصْبائه. وحكى الرُّويانيّ: أنَّ المراد بدفنِها إخراجُها من المسجد أصلاً. قلت: الذي قاله الرُّويانيّ يجري على ما قال النَّوويّ من المنع مُطلَقاً، وقد عُرِفَ ما فیه. تنبيه: قوله: ((في المسجد)) ظرف للفعل فلا يُشترَط كونُ الفاعل فيه، حتَّى لو بَصَقَ مَن هو خارج المسجد فيه تناولَه النهيُ، والله أعلم. (١) تحرفت في (س) إلى: وأوری. ٣١٠ باب ٣٨ / ح ٤١٦ فتح الباري بشرح البخاري ٣٨- باب دفن التُّخامة في المسجد ٤١٦- حدَّثنا إسحاقُ بنُ نَصْر، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، عن مَعمَر، عن هنَّام، سَمِعَ أبا هُرَيرةَ، عن النبيِّ وَّ قال: ((إذا قامَ أحدُكُم إلى الصلاةِ فلا يَبصُقْ أمامَه، فإنَّما يُناجِي اللّهَ ما دامَ في مُصلَّاه، ولا عن يَمِينِهِ فإنَّ عن يَمِينِهِ مَلَكاً، ولْيَبصُقْ عن يَسارِه أو تحتَ قَدَمِه فيَدْفِنَها)). قوله: ((باب دفن النُّخامة في المسجد)» أي: جواز ذلك، وأورَدَ فيه حديث أبي هريرة من طريق همَّام عنه بلفظ: ((إذا قامَ أحدكم إلى الصلاة)) ثمَّ قال في آخره: ((فَيَدْفِنِها)»، فأشعَرَ قولُه في الترجمة: ((في المسجد)» بأنَّه فَهِمَ من قوله: ((إلى الصلاة)) أنَّ ذلك يختصُّ بالمسجد، لكنَّ اللفظ أعمُّ من ذلك. وقيل: إنَّمَا تَرجَمَ الذي قبله بالكَفّارة، وهذا بالدَّفْن، إشعاراً بالتَّرِقة بين المتعمِّد بلا حاجة - وهو الذي أثبتَ عليه الخطيئة - وبين مَن غَلَبتْه التُّخامة، وهو الذي أُذِنَ له في الدَّفْن أو ما يقوم مقامَه. قوله: ((فإنَّما يُناجِي)) للكُشْمِيهَنِيّ: فإنَّه. ٥١٣/١ قوله: ((ما دامَ في مُصلَّاه)» يقتضي تخصيصَ المنع بما/ إذا كان في الصلاة، لكنَّ التعليل المتقدِّم بأذى المسلم يقتضي المنعَ في جدار المسجد مُطلَقاً ولو لم يكن في صلاة، فيُجمَع بأنْ يقال: كَوْنه في الصلاة أشدُّ إثماً مُطلَقاً، وكَوْنه في جِدار القِبْلة أشدُّ إثماً من كَوْنه في غيرها من جُدُر المسجد، فهي مراتبُ مُتفاوتٌ مع الاشتراك في المنع. قوله: ((فإنَّ عن يمينه مَلَكاً)) تقدَّم (١) أنَّ ظاهره اختصاصه بحالة الصلاة، فإنْ قلنا: المراد بالملَكِ الكاتب، فقد استُشكِل اختصاصه بالمنع مع أنَّ عن يساره مَلَكاً آخَر، وأُجيبَ باحتمال اختصاص ذلك بمَلَكِ اليمين تشريفاً له وتكريماً، هكذا قاله جماعة من القدماء، ولا يخفى ما فيه. وأجابَ بعض المتأخِّرين بأنَّ الصلاة أُمُّ الحسنات البدنيَّة، فلا دَخْلَ لكاتب السَّيِّئَات فيها، ويشهد له ما رواه ابن أبي شَيْبة (٢ / ٣٦٤) من حديث حُذَيفة موقوفاً في هذا الحديث (١) تقدّم قريباً في شرح ترجمة الباب رقم (٣٥). ٣١١ باب ٣٩ / ح ٤١٧ كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد قال: ولا عن یمینه، فإنّ عن یمینه کاتب الحسنات. وفي الطبراني (٧٨٠٨) من حديث أبي أُمامةَ في هذا الحديث: ((فإنَّه يقوم بين يَدَي الله ومَلَكُه عن يمينه، وقَرِينهُ عن يساره))(١) انتهى، فالتَّفْل حينئذٍ إنَّما يقع على القَرِين: وهو الشَّيطان، ولعلَّ مَلَك اليسار حينئذٍ يكون بحيثُ لا يصيبه شيءٌ من ذلك، أو أنَّه يَتحوَّل في الصلاة إلى اليمين، والله أعلم. قوله: ((فَيَدْفِها)) قال ابن أبي جَمْرة: لم يقل: يُغطِّيها، لأنَّ التغطية يَستمِرُّ الضَّرَر بها إِذْ لا يأمَن أنْ يجلس غيرُه عليها فتُؤذيه، بخلاف الدَّفْن فإِنَّه يُفهَم منه التعميق في باطن الأرض. وقال النَّوويّ في ((الرِّياض)): المراد بدَفيِها ما إذا كان المسجد ترابيّاً أو رَمْليّاً، فأمَّا إذا كان مُبلَّطاً مَثلاً فدَلَكَها عليه بشيءٍ مثلاً، فليس ذلك بدفنٍ بل زيادةٌ في التقذير. قلت: لكن إذا لم يبقَ لها أثرٌ البَّةَ فلا مانع، وعليه يُحمَل قوله في حديث عبد الله بن الشِّخّير المتقدِّم: ((ثمَّ دَلَكَه بنَعْلِه))، وكذا قوله في حديث طارق عند أبي داود: وبَزَقَ تحت رِجْله ودَلَك (٢). فائدة: قال القَفّال في ((فتاويه)): هذا الحديث محمولٌ على ما يخرج من الفم أو ينزل من الرأس، أمَّا ما يخرج من الصَّدْر فهو نَجَسٌ فلا يُدفَن في المسجد. انتهى، وهذا على اختياره، لكن يظهر التفصيلُ فيما إذا كان طرفاً من قَيْء، وكذا إذا خالطَ البزاقَ دَمٌ، والله أعلم. ٣٩- باب إذا بَدَرَه البزاقُ فليأخُذْ بطرف ثوبه ٤١٧ - حدَّثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدّثنا زُهَيرٌ، قال: حدَّثنا مُميدٌ، عن أنسٍ: أنَّ النبيَّ وَ رَأَى نُخامةً في القِبْلة فحَكَّها بيَدِهِ، ورُِيَ منه كَراهيَةٌ، أو رُئِيَ كَراهيَتُه لذلكَ وشِدَّتُه عليه، وقال: ((إنَّ أحدَكُم إذا قامَ في صَلاتِهِ فإِنَّما يُناجِي رَبَّه - أو رَبُّ بينَه وبينَ قِبْلِهِ - فلا يَبْزُقَنَّ في قِبْلِهِ، ولكنْ عن يَسارِه أو تحتَ قَدَمِه)) ثمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِه فبَزَقَ فيه ورَدَّ بعضَه على بعضٍ، قال: ((أو يَفعَلُ هُكَذا)). (١) إسناده ضعيف. (٢) حديث طارق بن عبد الله الذي في ((سنن أبي داود)) (٤٧٨) ليس فيه هذه اللفظة، وجاءت هذه اللفظة من حديثه عند أحمد (٢٧٢٢١)، والنسائي (٧٢٦). ٣١٢ باب ٣٩ / ح ٤١٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((باب إذا بَدَرَه البزاقُ)) أنكَرَ السَّرُوجيّ قوله: ((بَدَرَه)) وقال: المعروف في اللُّغة: بَدَرْتُ إليه وبادَرْته. وأُجيب: بأنَّه يُستعمَلُ في المغالَبة فيقال: بادَرْتُ إلى كذا فبَدَرَني، أي: سبقني. واستَشكَل آخرون التقييد في الترجمة بالمبادرة، مع أنَّه لا ذِكْر لها في الحديث الذي ساقه، وكأنَّه أشار إلى ما في بعض طرق الحديث المذكور، وهو ما رواه مسلم (٣٠٠٨) من حديث جابر بلفظ: (ولْيَبصُقْ عن يساره تحت رِجْله اليُسْرى، فإنْ عَجِلَت به بادرةٌ فليقلْ بثوبِه هكذا، ثمَّ طَوَی بعضه على بعض))، ولابن أبي شَيْبة (٣٦٣/٢) وأبي داود (٤٨٠) من حديث أبي سعيد نحوه، وفَسَّرَه في رواية أبي داود: بأنْ يَتَفُل في ثوبه ثمَّ يردّ بعضه على بعض، والحديثان صحيحان لكنَّهما ليسا على شرط البخاري، فأشار إليهما بأنْ حمل الأحاديثَ التي لا تفصيل فيها على ما فُصِّلَ فيهما، والله أعلم. وقد تقدَّم الكلام على حديث أنس قبل خمسة أبواب (٤٠٥). ٥١٤/١ وقوله هنا: ((ورُئِيَ منه)) بضمِّ الراء بعدها واو مهموزة، أي: من النبيّ وَّةِ، و((كراهيةٌ))(١) بالرفع، أي: لذلك الفعل. وقوله: ((أو رُئيَ)) شكٍّ من الراوي ((وقوله: شِدَّتُه)) بالرفع عطفاً على ((كراهيته))، ويجوز الجرّ عطفاً على قوله: ((لذلك)). وفي الأحاديث المذكورة من الفوائد - غير ما تقدَّم - النَّذْبُ إلى إزالة ما يُستقذَرُ أو يُتنزّه عنه من المسجد، وتفقّدُ الإمام أحوالَ المساجد وتعظيمُها وصيانتها، وأنَّ للمُصلّي أنْ يَبصُق وهو في الصلاة ولا تَفسُد صلاته، وأنَّ النَّفْخ والتنحنح في الصلاة جائزان، لأنَّ النُّخامة لا بدَّ أنْ يقع معها شيءٌ من نَفْخ أو تَنحنُح، ومَحِلّه ما إذا لم يَفحُشْ ولم يَقصِد صاحبه العَبَث، ولم يَِنْ منه مُسمَّى كلام وأقلُّه حرفان أو حرفٌ ممدودٌ. واستدلَّ به المصنِّف على جواز النَّفْخ في الصلاة كما سيأتي في أواخر كتاب الصلاة (١٢١٣)، (١) في (أ) و(س): كراهيته، والمثبت من (ع) وهو الموافق لسياق الحديث. ٣١٣ باب ٤٠ / ح ٤١٨ كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد والجمهور على ذلك، لكن بالشَّرْطِ المذكور قبلُ. وقال أبو حنيفة: إنْ كان النَّفْخ يُسمَع فهو بمنزلة الكلام يقطع الصلاة، واستدلُّوا له بحديثٍ عن أُمّ سَلَمَةَ عند النَّسائيِّ (ك ٥٥٣)، وبأثرٍ عن ابن عبّاس عند ابن أبي شَيْبةٍ(١) (٢٦٤/٢). وفيها أنَّ البُصاق طاهر، وكذا النُّخامة والمُخاط، خلافاً لمن يقول: كلّ ما تَستَقْذِره النفسُ حرام. ويُستَفاد منه أنَّ التحسين والتقبيح إنَّما هو بالشَّرْع، فإنَّ جهة اليمين مُفضّلة على اليسار، وأنَّ اليد مُفضّلة على القَدَم. وفيها الحثُّ على الاستكثار من الحسنات وإنْ كان صاحبها مَليئاً، لكَوْنِه ◌َلِّ بَاشَرَ الحكَّ بنفسه، وهو دالٌّ على عِظَم تواضعه، زاده الله تشريفاً وتعظيماً له. ٤٠ - باب عِظَة الإمام الناسَ في إتمام الصلاة وذِكْر القِيْلة ٤١٨- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هُرَيرةَ، أنَّ رسولَ الله وَّه قال: «هل تَرَوْنَ قِبْلتي هاهُنا، فوالله ما يَخْفَى عليَّ خُشُوعُكُم ولا رُكُوعُكُم، إِي لَأَرَاكُم مِن وَراءِ ظَهْرِي)). [طرفه في: ٧٤١] قوله: ((باب عِظَة الإمام الناسَ)) بالنصب على المفعوليَّة، وقوله: ((في إتمام الصلاة)) أي: بسبب ترك إتمام الصلاة. قوله: ((وذِكْرِ القِبْلة)) بالجرِّ عطفاً على ((عِظة))، وأورَدَه للإشعار بمناسبة هذا الباب لما قبله. قوله: ((هل تَرَوْنَ قِبْلتي)) هو استفهام إنكار لما يَلزَم منه، أي: أنتُم تَظُنّون أني لا أرى (١) حديث أم سلمة عند النسائي ضعَّفه الحافظ ابن حجر في ((الدراية)) ١ / ١٨٧، وهو كما قال، وأما أثر ابن عباس فرجاله ثقات. ٣١٤ باب ٤٠ / ح ٤١٨ فتح الباري بشرح البخاري فعلكم لكَوْن قِبْلتي في هذه الجهة، لأنَّ مَن استَقبَلَ شيئاً استَدبَرَ ما وراءَه، لكن بيَّن النبيُّ وَ أَنَّ رُؤْيته لا تَخْتَصّ بجهةٍ واحدة. وقد اختُلِفَ في معنى ذلك: فقيل: المراد بها العِلْم، إمَّا بأنْ يُوحَى إليه كيفيَّة فعلهم، وإمَّا أنْ يُلْهَم، وفيه نظر، لأنَّ العِلْم لو كان مراداً لم يُقيِّده بقوله: ((من وراء ظَهْري)). وقيل: المراد أنَّه يرى مَن عن يمينه ومَن عن يساره مَّن تُدرِ كه عينُه مع الْتِفات يسير في النادر، ويُوصَف مَن هو هناك بأنَّه وراء ظَهْره، وهذا ظاهر التكلُّف، وفيه عُدول عن الظاهر بلا مُوچِب. والصواب المختار: أنَّه محمول على ظاهره، وأنَّ هذا الإبصار إدراك حقيقيّ خاصّ به وَلَّ انخَرَقَت له فيه العادة، وعلى هذا عمل المصنِّف فأخرج هذا الحديث في علامات النبوَّةُ(١)، وكذا نُقِلَ عن الإمام أحمد وغيره. ثمَّ إِنَّ ذلك الإدراك يجوز أنْ يكون برُؤية عينه انخَرَقَت له العادةُ فيه أيضاً، فكان يرى بها من غير مُقَابَلة، لأنَّ الحقّ عند أهل السُّنّة أنَّ الرُّؤْية لا يُشترَط لها عَقْلاً عُضو مخصوص ولا مُقابَلةٌ ولا قُرْب، وإنَّما تلك أُمور عاديَّة يجوز حصول الإدراك مع عَدَمها عقلاً، ولذلك حكموا بجواز رُؤْية الله تعالى في الدَّار الآخرة خلافاً لأهل البِدَع لوقوفهم مع العادَةِ. ٥١٥/١ وقيل: كانت له عين خَلْف ظَهْره/ يرى بها مَن وراءَه دائماً، وقيل: كان بين کَتِفَيه عينان مثل سَمِّ الْخِيَاط يُصِر بهما لا يَحَجُبُهما ثوب ولا غيره، وقيل: بل كانت صُوَرهم تنطبع في حائط قِبْلته كما تنطبع في المرآة فيرى أمثلتَهم فيها فيشاهد أفعالهم. قوله: ((ولا خُشُوعُكم)) أي: في جميع الأركان، ويحتمل أنْ يريد به السجود، لأنَّ فيه غاية الخشوع، وقد صَرَّحَ بالسجود في رواية لمسلم (٤٢٤). قوله: «إنّي لَأراكُم» بفتح الهمزة. (١) لم نقف عليه مخرَّجاً في هذا الموضع، ويغلب على ظننا أن الحافظ ابن حجر واهمٌ في هذه الإحالة، والله أعلم. ٣١٥ باب ٤٠ / ح ٤١٩ كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد ٤١٩ - حدَّثنا يحيى بنُ صالح، قال: حدَّثنا فُلَيحُ بنُ سليمانَ، عن هِلال بنِ عليّ، عن أنسِ ابنِ مالكٍ قال: صَلَّى بنا النبيُّ نَّهِ صلاةً ثُمَّ رَقِيَ الِثْبَرَ، فقال في الصلاةِ وفي الرُّكُوعِ: ((إنِّ لَأراكُم مِن وَرَائي كما أَرَاكُم)). [طرفاه في: ٧٤٢، ٦٦٤٤] قوله في حديث أنس: ((صَلَّى لنا)) أي: لأجلِنا، وقوله: ((صلاةً) بالتنكير للإبهام. وقوله: ((ثُمَّ رَقِيَ)) بكسر القاف. قوله: ((فقال في الصلاة)) أي: في شأن الصلاة، أو هو مُتعلِّق بقوله بعدُ: ((إنّي لَأراكم)) عند مَن يُجيز تقدُّمَ الظَّرْف. وقوله: ((وفي الرُّكُوع)) أفردَه بالذِّكر - وإنْ كان داخلاً في الصلاة - اهتماماً به، إمَّا لكَوْن التقصير فيه كان أكثر، أو لأنَّه أعظم الأركان بدليل أنَّ المسبوق يُدرِك الرَّكْعة بتمامها بإدراك الركوع. قوله: ((کما أُرَاكُم)) يعني: من أمامي، وصرَّح به في روایة أُخرى كما سيأتي(١)، ولمسلم (٤٢٣): ((إنّ لأُبصِرُ مَن ورائي كما أُبِصِرُ مَن بينَ يديّ)). وفيه دليل على المختار: أنَّ المراد بالرُّؤْية الإبصار، وظاهر الحديث أنَّ ذلك يختصُّ بحالة الصلاة، ويحتمل أنْ يكون ذلك واقعاً في جميع أحواله، وقد نُقِلَ ذلك عن مجاهد، وحكى بقيُّ بن عَلَد: أنَّه ◌َ لِ كان يُصِر في الظلمة كما يُصِر في الضَّوءِ(٢). وفي الحديث الحثّ على الخشوع في الصلاة، والمحافظة على إتمام أركانها وأبعاضها، وأنَّه ينبغي للإمام أنْ يُنبِّهَ الناس على ما يتعلَّق بأحوال الصلاة، ولا سيّما إنْ رأى منهم ما (١) لم نقف على شيء من هذا فيما سيأتي، لكن هذا الحرف روي في حديث المختار بن فلفل عن أنس فيما أخرجه مسلم (٤٢٦). (٢) وروي ذلك عن عروة بن الزبير، أخرجه عنه ابن عساكر في ((تاريخه) ٦٠/ ٣٨٧ بسندٍ فيه من لم نقف على حاله. وأخرجه أيضاً البيهقي في ((دلائل النبوة)) ٦/ ٧٤ -٧٥ عن عائشة وابن عباس بإسنادين واهيين. ٣١٦ باب ٤١-٤٢ / ح ٤٢٠ فتح الباري بشرح البخاري يخالف الأَولى. وسأذكر حُكْم الخشوع في أبواب صفة الصلاة حيثُ تَرجَمَ به المصنّف (٧٤٢) مع بقيّة الكلام عليه إن شاء الله تعالى. ٤١ - باب هل يقال: مسجدُ بني فلان ٤٢٠ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن نافعٍ، عن عبدِ الله بنِ عمرَ: أنَّ رَسولَ الله وَّهِ سابَقَ بينَ الخيلِ الَّتِي أُضمِرَتْ مِن الحَفْياءِ وَأُمَدُهَا ثَنِيَّةُ الوَدَاعِ، وسابَقَ بينَ الخيلِ الَّتي لم تُضْمَر مِن الثَّنِيَة إلى مسجدٍ بني زُرَبِقِ، وأنَّ عبدَ الله بنَ عمرَ كانَ فيمَن سابَقَ بها. [أطرافه في: ٢٨٦٨، ٢٨٧٠،٢٨٦٩، ٧٣٣٦] قوله: ((باب هل يقال: مسجد بني فُلان)) أورَدَ فيه حديث ابن عمر في المسابقة، وفيه قول ابن عمر: ((إلى مسجد بني زُرَيق)» وزُرَيق بتقديم الزَّاي مُصغَّراً. ويُستَفاد منه جوازُ إضافة المساجد إلى بانيها أو المصلِّي فيها، ويَلتحِق به جوازُ إضافة أعمال البِرّ إلى أربابها، وإنَّما أورَدَ المصنّ الترجمةَ بلفظ الاستفهام ليُنبُّهَ على أنَّ فيه احتمالاً، إذْ يحتمل أنْ يكون ذلك قد عَلِمَه النبيُّ وَلِ بأن تكون هذه الإضافة وقعت في زمنه، ويحتمل أنْ يكون ذلك ممّا حَدَثَ بعده، والأوَّل أظهر، والجمهور على الجواز، والمخالف في ذلك إبراهيمُ النَّخَعيُّ فيما رواه ابن أبي شَيْبة (٢/ ٤٣٨) عنه: أنَّه كان يَكْره أنْ يقول: مسجد بني فلان، ويقول: مُصلَّى بني فلان؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُواْ مَعَ اللَّهِ أَحَدَا ﴾ ٥١٦/١ [الجن: ١٨]، وجوابه: أنَّ الإضافة في مثل هذا/ إضافة تمييزٍ لا مِلْك. وسيأتي الكلام على فوائد المتن في کتاب الجهاد (٢٨٦٨) إن شاء الله تعالى. تنبيه: الحَفْياء: بفتح المهمَلة وسكون الفاء بعدها ياء أخيرة ممدودة، والأمَد: الغاية. واللام في قوله: ((الَِّيَّة)) للعَهْدِ من ثَنِيَّة الوَدَاعِ. ٤٢ - باب القِسْمة وتعليق القِنْو في المسجد قال أبو عبدِ الله: القِنْوُ: العِذْقُ، والاثنانِ قِنْوانِ، والجماعةُ أيضاً: قِنْوانٌ، مِثْل: صِنْوٍ وصِنْوانٍ. ٣١٧ باب ٤٢ / ح ٤٢١ كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد ٤٢١ - وقال إبراهيمُ - يعني ابن طَهْمانَ -: عن عبدِ العزيزِ بنِ صُهَيب، عن أنسٍ ﴾ قال: أَنِيَ النبيُّ ◌َّهِ بمالٍ مِن البَحْرِينِ، فقال: (اتشُرُوه في المسجدِ)) وكانَ أكثرَ مالٍ أَتِيَ به رسولُ الله وَّهِ، فَخَرَجَ رسولُ اللهِوَلَه إلى الصلاة ولم يَلْتَفِتْ إليه، فلمَّا قَضَى الصلاةَ جاءَ فجَلَسَ إلیه، فما كانَ يَرَى أحداً إلا أَعْطَاهُ، إِذْ جاءَه العبَّاسُ، فقال: يا رسولَ الله، أَعطِنِي فإنّ فادَيتُ نَفْسِي وفادَيتُ عَقِيلاً، فقال له رسولُ اللهِ وَيِ: ((خُذْ)) فحَثَا في ثَوبِهِ ثمَّ ذهبَ يُقِلُّه فلم يَستَطِعْ، فقال: يا رسولَ الله، مُرْ بعضَهم يَرفَعْه إليّ، قال: «لا» قال: فارفَعْه أنتَ عليَّ، قال: ((لا)) فَثَرَ منه ثمَّ ذهبَ يُقِلُّه فقال: يا رسولَ الله، مُرْ بعضَهم يَرفَعْه عليَّ، قال: ((لا)) قال: فارفَعْه أنتَ عليَّ، قال: ((لا)) فَتَثَرَ منه ثمَّ احْتَمَلَه فَألْقَاه على كاهلِه ثمَّ انطَلَقَ، فما زالَ رسولُ الله ◌َ﴿ يُّتِعُهُ بَصَرَه حتَّى خَفِيَ علينا؛ عَجَباً من حِرْصِه، فما قامَ رسولُ الله ◌ِّهِ وَثَمَّ منها دِرْهَمٌ. [طرفاه في: ٣٠٤٩، ٣١٦٥] قوله: ((باب القِسْمة)) أي: جوازها، والقِنْو بكسر القاف وسكون النون، فسَّره في الأصل في روايتنا بالعِذْق، وهو بكسر العين المهمَلة وسكون الذّال المعجمة: وهو العُرْجون بما فیه. وقوله: ((الاثنان قِنْوان)» أي: بکسر النون. وقوله: ((مِثْلِ صِنْو وصِنْوانٍ)) أهمَلَ الثالثة اكتفاءً بظُهورِها. قوله: (وقال إبراهيم؛ يعني: ابن طَهْمان)) كذا في روايتنا وهو صواب، وأُهمِل في غيرها، وقال الإسماعيلي: ذكره البخاري عن إبراهيم - وهو ابن طَهْمان - فيما أحسَب بغير إسناد؛ يعني: تعليقاً. قلت: وقد وَصَلَه أبو نُعَيم في ((مُستخرَجه)) والحاكم في ((مُستدرَكه)) من طريق أحمد بن حفص بن عبد الله النَّيسابوريّ، عن أبيه، عن إبراهيم بن طَهْمان(١)، وقد أخرج البخاري بهذا الإسناد إلى إبراهيم بن طَهْمان عِدّة أحاديث. قوله: «عن عبد العزیز بن صُھیبٍ» کذا في روایتنا، وفي غیرها: ((عن عبد العزیز)) غير (١) أورده الحافظ في ((تغليق التعليق)) ٢/ ٢٢٦ ثم نسبه إلى الحاكم دون أن يقيده بكتاب، ويغلب على ظننا أنه في ((تاريخ نيسابور)) له، وأن تقييده هنا بالمستدرك سبق قلم من الحافظ، إذ لم نقف عليه في المطبوع من ((المستدرك)) ولم يعزه إليه الحافظ نفسه في («إتحاف المهرة)). ٣١٨ باب ٤٢ / ح ٤٢١ فتح الباري بشرح البخاري منسوب، فقال المِزِّيُّ في ((الأطراف)): قيل: إنَّه عبد العزيز بن رُفَيع. وليس بشيء. ولم يَذكُر البخاري في الباب حديثاً في تعليق القِنْو، فقال ابن بَطَّال: أغفَلَه، وقال ابن التِّين: أُنسِيَه. وليس كما قالا، بل أخَذه من جواز وَضْع المال في المسجد بجامع أنَّ كُلَّا منهما وُضِعَ لأخذ المحتاجين منه، وأشار بذلك إلى ما رواه النَّسائيُّ (٢٤٩٣) من حديث عَوْف بن مالك الأشجَعَيّ قال: خرج رسول الله وَلّهِ وبيده عَصاً وقد عَلَّقَ رجل قِنْوَ حَشَفٍ، فجعل يَطعُنُ في ذلك القِنْو ويقول: ((لو شاءَ رَبُّ هذه الصَّدَقة تَصدَّقَ بأطيبَ من هذا)) وليس هو على شرطه وإنْ كان إسناده قويّاً، فكيف يقال: إنَّه أغفَلَه؟ وفي الباب أيضاً حديث آخر أخرجه ثابت في ((الدَّلائل)) بلفظ: ((أنَّ النبيَّ ◌َّ أَمَرَ من كلّ حائط بقِنْوِ يُعلَّق في المسجد)) يعني: للمساكين، وفي رواية له: ((وكان عليها معاذ بن جبل)) أي: على حِفْظها أو على قِسْمتها. ٥١٧/١ قوله: ((بمالٍ من البحرين))/ روى ابن أبي شَيْبة (١٤ /٨٥-٨٦) من طريق محُميد بن هلال مُرسَلاً: أنَّه كان مئة ألف (١)، وأنَّه أرسَلَ به العلاء بن الحَضْرَميّ من خَرَاج البحرين، قال: وهو أوَّل خراج ◌ُِلَ إلى النبيّ ◌َّ. وعند المصنِّف في المغازي (٤٠١٥) من حديث عَمْرو بن عَوْف: أنَّ النبيَّ وَِّ صالَحَ أهلَ البحرين وأمَّرَ عليهم العلاءَ بن الحَضْرَميّ وبَعَثَ أبا عبيدة بن الجرّاح إليهم، فقَدِمَ أبو عُبيدة بمالٍ فسمعت الأنصارُ بقُدومِه ... الحديث. فُيُستَفاد منه تعيين الآتي بالمال، لكن في ((الرِّدّة)) للواقديّ: أنَّ رسول العلاء بن الحَضْرَميّ بالمال هو العلاء بن حارثة الثَّقَفيّ، فلعلَّه كان رفيق أبي عبيدة. وأمَّا حديث جابر: أنَّ النبيَّ وَّ قال له: ((لو قد جاء مالُ البحرينِ أعطَيْتُك)) وفيه: فلم يَقدَم مالُ البحرين حتَّى مات النبيُّ ◌َّر ... الحديث، فهو صحيحٌ كما سيأتي عند المصنّف (٢٢٩٦)، وليس مُعارضاً لما تقدَّم، بل المراد أنَّه لم يَقدَمْ في السَّنة التي مات فيها النبيّ وَّ، (١) هكذا في الأصلين و(س)، وفي ((المصنف)): ثمان مئة ألف. ٣١٩ باب ٤٣ / ح ٤٢٢ كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد لأنَّه كان مال خَرَاج أو جِزْية، فكان يَقدَم من سنة إلى سنة. قوله: «فقال: انتُرُوه)) أي: صُبّوه. قوله: ((وفادَيتُ عَقيلاً)) أي: ابن أبي طالب، وكان أُسِرَ مع عمّه العبّاس في غزوة بدر. وقوله: ((فحَثَا)) بمُهمَلةٍ ثمَّ مُعلَّئةٍ مفتوحة، والضمير في ((ثوبه)) يعود على العبّاس. قوله: ((يُقِلُّ)) بضمِّ أوَّله من الإقلال: وهو الرفع والحمل. قوله: (مُرْ بعضهم) بضمِّ الميم وسكون الراء، وفي رواية: ((اؤْمُر)) بالهمزة. وقوله: ((يَرفعْه)) بالجَزْمِ، لأنَّه جواب الأمر، ويجوز الرفع، أي: فهو يرفعه. قوله: «علی کاهلِه» أي: بین کتِفیه. وقوله: ((يُتِبِعُه)) بضمٍّ أوَّله من الإتباع، و ((عَجَباً)) بالفتح. وقوله: ((وثَمَّ منها دِرْهَم)) بفتح المثلَّثة، أي: هناك. وفي هذا الحديث بيان كَرَم النبيّ ◌َّهِ وعَدَم الْتِفاته إلى المال قَلَّ أو كَثُر، وأنَّ الإمام ينبغي له أنْ يُفرِّق مال المصالح في مُستحِقِّها ولا يُؤخّره. وسيأتي الكلام على فوائد هذا الحديث في كتاب الجهاد في ((باب فِداء المشركين)) (٣٠٤٩) حيثُ ذكره المصنّف فيه مُختصَراً إن شاء الله تعالى. وموضع الحاجة منه هنا: جواز وَضْع ما يشترك المسلمون فيه من صَدَقة ونحوها في المسجد، ومحلُّه ما إذا لم يَمنَع ممّا وُضِعَ له المسجدُ من الصلاة وغيرها ممَّا بُنيَ المسجدُ لأجلِه، ونحو وَضْع هذا المال وضع مال زكاة الفِطْر، ويُستَفاد منه جواز وضع ما يَعُمّ نفعُه في المسجد كالماء لشُرْب مَن يعطش، ويحتمل التَّفْرِقة بين ما يُوضَع للتَّفْرِقة وبين ما يُوضَع للخَزْنِ، فيُمنَع الثاني دون الأوّل، وبالله التوفيق. ٤٣- باب من دعا لطعام في المسجد ومن أجاب منه ٤٢٢- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ الله، سَمِعَ أنساً قال: ٣٢٠ باب ٤٤ / ح ٤٢٣ فتح الباري بشرح البخاري وَجَدتُ النبيَّ ◌َّهِ في المسجدِ معَه ناسٌ فَقُمْتُ، فقال لي: ((آرْسَلَكَ أبو طَلْحةَ؟)) قلتُ: نَعَم، فقال: (الطَعامِ؟)) قلتُ: نَعَم، فقال لمن حَوْلَه: ((قُومُوا)) فانطَلَقَ وانطَلَقتُ بينَ أيدِيهم. [أطرافه في: ٣٥٧٨، ٥٣٨١، ٥٤٥٠، ٦٦٨٨] قوله: ((باب مَن دعا لطعام في المسجد ومَن أجاب منه)) وفي رواية الكُشْمِيهَنيّ: ومَن أجابَ إلیه. أورَدَ فيه حديث أنس مُختصَراً، وأورَدَ عليه أنَّه مناسب لأحد شِقَّي الترجمة وهو الثاني، ويُجاب بأنَّ قوله: ((في المسجد)) مُتعلِّق بقوله: ((دَعَا)) لا بقوله: ((طعام)) فالمناسَبة ظاهرة، والغَرَض منه أنَّ مثل ذلك من الأُمور المباحة ليس من اللَّغْو الذي يُمنَع في المساجد. و((مِن)) في قوله: ((منه)) ابتدائيّة، والضمير يعود على المسجد، وعلى رواية الكُشْمِيهَني يعود على الطعام، وللگُشْمِيهنيّ: «قال من معه» بدل: لمن حَوْله. وفي الحديث جواز الدُّعاء إلى الطعام وإنْ لم يكن وليمة، واستدعاء الكثير إلى الطعام ٥١٨/١ القليل، وأنَّ المدعوَّ إذا علم من الدَّاعي أنَّه لا يكره أنْ يُضِر معه غيره، فلا بأس / بإحضاره معه. وسيأتي بقيَّة الكلام على هذا الحديث إن شاء الله تعالى، حيثُ أورَدَه المصنِّف تامّاً في علامات النبوّة (٣٥٧٨). ٤٤- باب القضاءِ واللِّعان في المسجد بين الرجال والنساء ٤٢٣- حدَّثنا يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرَّزّاق، قال: أخبرنا ابنُ جُرَیج، قال: أخبرني ابنُ شِهَاب، عن سَهْلٍ بنِ سَعْدٍ: أَنَّ رجلاً قال: يا رسولَ الله، أرأيتَ رجلاً وَجَدَ معَ امرأتِه رجلاً، أيُقتُلُه؟ فَتَلاعَنا في المسجدِ وأنا شاهدٌ. [أطرافه في: ٤٧٤٥، ٤٧٤٦، ٥٢٥٩، ٥٣٠٨، ٥٣٠٩، ٦٨٥٤، ٧١٦٥، ٧١٦٦، ٧٣٠٤] قوله: ((باب القَضاء واللِّعان في المسجد)) هو من عطف الخاصّ على العامّ، وسَقَطَ قوله: ((بين الرجال والنساء)) من رواية المُستَمْلي.