النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
باب ٣ / ح ٣٥٢
كتاب الصلاة - أبواب ستر العورة
ودلالته على الترجمة من جهة تأكيد الأمر باللُّبْس حتَّى بالعاريَّة للخروج إلى صلاة العيد،
فيكون ذلك للفريضة أولى.
قوله: ((وقال عبد الله بن رَجاء)) هو الغُدَانيُّ، بضمِّ المعجَمة وتخفيف المهمَلة وبعد الألف
نون، هكذا في أكثر الروايات، ووقع عند الأَصِيليّ في عَرْضه على أبي زيد بمكَّة: ((حدَّثنا
عبد الله بن رجاء قال))، وفي بعض النُّسَخ عن أبي زيد: ((وقال عبد الله بن رجاء)) كما قال
الباقون. قلت: وهذا هو الذي اعتَمَدَه أصحاب الأطراف والكلام على رجال هذا
الکتاب.
وعِمْران المذكور: هو القَطَّنُ، وفائدة التعليق عنه تصريح محمد بن سيرين بتحديث
أُمّ عَطيّة له، فبَطَلَ ما تخيَّله بعضهم من أنَّ محمداً إنَّما سمعه من أُخته حفصة عن أُمّ عَطِيَّة.
وقد رُوِّيناه موصولاً في ((الطبراني الكبير)) (٢٥/ ١٠١): حدَّثنا عليّ بن عبد العزيز، حدَّثنا
عبد الله بن رجاء، والله أعلم.
٣- باب عَقْد الإزار على القَفَا في الصلاة
وقال أبو حازِمٍ عن سَهْلٍ: صَلَّوْا مَعَ النبيِّ وَلَّ عاقِدِي أَزْرِهم على عَواتِقِهم.
٣٥٢- حدَّثنا أحمدُ بنُ يونسَ، قال: حدَّثنا عاصِمُ بنُ محمَّد، قال: حدَّثني واقِدُ بنُ محمَّدٍ،
عن محمَّد بنِ المُنكَدِر قال: صَلَّى جابرٌ في إزارٍ قد عَقَدَه من قِبَلِ قَفَاه وثِيابُه مَوْضُوعةٌ على
الِشْجَب، فقال له قائلٌ: تُصلِّي في إزارٍ واحدٍ؟! فقال: إنَّا صَنَعتُ ذلك لِيَراني أحمَقُ مِثلُكَ،
وأيُّنا كانَ له ثَوْبانٍ على عَهْدِ النبيِّ وََّ؟!
[أطرافه في: ٣٥٣، ٣٦١، ٣٧٠]
قوله: ((باب عَقْد الإزار على القَفا» هو بالقَصْر.
قوله: «وقال أبو حازم» هو ابن دینار، وقد ذكره بتمامه موصولاً بعد قليل.
قوله: ((صَلَّوْا)) بلفظ الماضي، أي: الصحابة، و((عاقِدي)) جمع عاقدٍ، وحُذِفَت النون

٢٢٢
باب ٣ / ح ٣٥٢
فتح الباري بشرح البخاري
للإضافة، وهو في موضع الحال، وفي رواية الكُشْمِيهَنيّ: ((عاقدو)) وهو خبر مُبتدَأ محذوف،
أي: وهم عاقدو، وإنَّما كانوا يفعلون ذلك، لأنَّهم لم يكن لهم سَراوِيلات، فكان أحدهم
يَعِقِد إزاره في قَفاه ليكون مستوراً إذا رَكَعَ وسَجَد، وهذه الصِّفة صفة أهل الصُّفَّة كما
سيأتي في ((باب نوم الرجال في المسجد)) (٤٤٢).
قوله: «حدّثني واقِد)» هو أخو عاصم بن محمد الراوي عنه، ومحمد أبوهما: هو ابن زيد
ابن عبد الله بن عمر، وواقد ومحمد بن المنكَدِر مدنيّان تابعيّان من طبقة واحدة.
قوله: ((من قِبَل)) بكسر القاف وفتح الموحّدة، أي: من جهة قَفَاه.
قوله: ((المِشْجَب)) بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الجيم بعدها موحّدة: هو عيدانٌ
تُضَمُّ رؤوسها ويُفرَّجُ بين قوائمها تُوضَع عليها الثياب وغيرها، وقال ابن سِيدَهُ: المِشْجَب
والشّجاب: خَشَبات ثلاث يُعلِّق عليها الراعي دَلْوَه وسِقاءَه، ويقال في المثَل: فلان
كالِشْجَب من حيثُ قَصَدْتَه وَجَدْتَه.
قوله: ((فقال له قائل)) وقع في رواية مسلم (٣٠٠٨): أنَّه عُبادةٌ بن الوليد بن عُبادةَ بن
الصامت، وسيأتي قريباً (٣٦١): أنَّ سعيد بن الحارث سأله عن هذه المسألة، ولعلَّهما جميعاً
سألاه، وسيأتي عند المصنِّف (٣٧٠) في ((باب الصلاة بغير رِداء)) من طريق ابن المنكَدِر أيضاً:
((فقلنا: يا أبا عبد الله)) فلعلَّ السؤال تَعَدَّد، وقال في جواب جابرٍ(١): ((فأحببتُ أنْ يراني
الجُهّال مثلُكم))، وعُرِفَ به أنَّ المراد بقوله هنا: ((أحمق)) أي: جاهل، والحُمْقِ: وَضْعُ الشيء في
غير موضعه مع العِلْم بقُبْحِه، قاله في ((النّهاية)). والغَرَض: بيان جواز الصلاة في الثوب
الواحد ولو كانت الصلاة في الثوبَينِ أفضل، فكأنَّه قال: صنعتُهُ عَمْداً لبيان الجواز، إمَّا
٦٨/١؛ ليَقْتَديَ بي الجاهلُ ابتداءً، أو يُنكِرِ عليَّ فأُعلِّمه أنَّ ذلك جائز. وإنَّما أغلَظَ لهم في / الخِطاب
زَجْراً عن الإنكار على العلماء، وليَحُثّهم على البحث عن الأُمور الشَّرْعيَّة.
قوله: ((وأيُّنا كانَ له)) أي: كان أكثرنا في عَهْده ◌ََّ لا يَملِك إلَّا الثوب الواحد، ومع
(١) تحرَّف في (س) إلى: وقال في جواب ابن المنكدر.

٢٢٣
باب ٣ / ح ٣٥٣
كتاب الصلاة - أبواب ستر العورة
ذلك فلم يُكلَّف تحصیل ثوب ثانٍ ليُصلَّ فیه، فدَلَّ على الجواز.
وعَقَّبَ المصنّف حديثه هذا بالرواية الأُخرى المصرِّحة بأنَّ ذلك وقع من فعل النبيّ
وَلَّه ليكون بيان الجواز به أوقعَ في النَّفْس، لکَوْنه أصرحَ في الرفع من الذي قبله. وخَفِيَ
ذلك على الكِرْمانيِّ فقال: دلالته - أي: الحديث الأخير - على الترجمة، وهي عَقْدُ الإزار
على القَفا، إمَّا لأنَّه مخروم من الحديث السابق - أي: هو طرف من الذي قبله - وإمَّا لأنَّه
يدلّ عليه بحَسَب الغالب، إذْ لولا عَقْدُه على القَفا لمَا سَتَرَ العَوْرة غالباً. انتهى، ولو تأمَّل
لفظه وسياقه بعد ثمانية أبواب لعَرَفَ اندفاع احتمالَيه، فإنَّه طرف من الحديث المذكور هناك
(٣٧٠) لا من السابق، ولا ضرورة إلى ما اذَّعاه من الغَلَبة، فإنَّ لفظه: ((وهو يصلِي في ثوب
مُلتَحِفاً به)) وهي قِصّة أُخرى فيما يظهر كان الثوب فيها واسعاً فالتَحَفَ به، وكان في الأولى
ضَيِّقاً فعَقَدَه، وسيأتي ما يؤيِّد هذا التفصيل قريباً.
فائدة: كان الخلاف في منع جواز الصلاة في الثوب الواحد قديماً، روى ابن أبي شيبة
(٣١٥/١) عن ابن مسعود قال: لا يُصلِّيَّنَّ في ثوب واحد وإنْ كان أوسَعَ ما بين السماء
والأرض(١)، ونَسَبَ ابن بَطَّال ذلك لابن عمر ثمَّ قال: لم يُتَابَع عليه، ثمَّ استَقَرَّ الأمر على
الجواز.
٣٥٣- حدَّثنا مُطرِّفٌ أبو مُصعَب، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ أبي المَوَالي، عن محمَّدِ بنِ
المُنكَدِر قال: رأيتُ جابرَ بنَ عبدِ الله يُصلِّيّ في ثَوبٍ واحدٍ، وقال: رأيتُ النبيَّ وَلا يُصلِّي في
ثوپٍ.
قوله: ((حدَّثنا مُطرِّف)) هو ابن عبد الله بن سليمان الأصَمّ صاحب مالك، مدنٌّ هو
وباقي رجال إسناده، وقد شارَكَ أبا مُصعَب أحمدَ بن أبي بكر الزُّهْريّ في صُحْبة مالك،
وفي رواية ((الموطَّأ)) عنه، وفي كُنْيته، لكنَّ أحمد مشهور بكُنْيتِه أكثر من اسمه، ومُطرِّف
بالعكس.
(١) إسناده ضعيف، فيه ضعيف ومجهول.

٢٢٤
باب ٤ / ح ٣٥٤ - ٣٥٥
فتح الباري بشرح البخاري
٤- باب الصلاة في الثوب الواحد مُلتَحِفاً به
قال الزُّهْريُّ في حديثه: الملتَحِفُ: المتوشِّحُ، وهو المخالِفُ بينَ طَرَفَيه على عاتِقَيهِ، وهو
الاشتِمالُ على مَنْكِییه.
قال: قالت أُمُّ هانيٍ: التَحَفَ النبيُّ ◌َّ بِثوبٍ، وخالَفَ بينَ طَرَفَيه على عاتِقَيْهِ.
قوله: ((باب الصلاة في الثوب الواحد مُلتَحِفاً به)) لمَّا كانت الأحاديث الماضية في
الاقتصار على الثوب الواحد مُطلَقة، أردَفَها بما يدلُّ على أنَّ ذلك يَخْتَصّ بحال الضِّيق، أو
بحال بیان الجواز.
قوله: ((قال الزُّهْريُّ في حديثه)» أي: الذي رواه في الالتِحاف، والمراد: إمَّا حديثه عن سالم
ابن عبد الله عن أبيه، وهو عند ابن أبي شَيْبة (٨/ ٤٨٧) وغيره، أو عن سعيد عن أبي هريرة،
وهو عند أحمد وغيره(١)، والذي يظهر أنَّ قوله: ((وهو المخالف ... إلخ)) من كلام المصنّفُ.
قوله: ((وقالت أُمّ هانئ)» سيأتي حديثها موصولاً في أواخر الباب (٣٥٧)، لكن ليس
فيه: ((وخالفَ بين طرفيه))، وهو عند مسلم (٧١/٣٣٦) من وجه آخَر عن أبي مُرّة عنها،
ورواه أحمد (٢٦٨٩٦) من ذلك الوجه بلفظ المعلَّق.
٣٥٤- حدَّثنا عُبيد الله بنُ موسى، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عُرْوةَ، عن أبيه، عن عمرَ بنِ أبي
سَلَمَةَ: أنَّ النبيَّ وَ صَلَّى في ثوبٍ واحدٍ قد خالَفَ بينَ طَرَفَيه.
[طرفاه في: ٣٥٥، ٣٥٦]
٤٦٩/١ ٣٥٥- حدَّثنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، قال: حدَّثنا يحيى، قال: حدَّثنا هشامٌ، قال: حدثني أبي، عن
عمرَ بنِ أبي سَلَمَةَ: أَنَّه رَأى النبيَّ ◌َهِ يُصلِّ في ثوبٍ واحدٍ في بيتِ أُمَّ سَلَمَةَ، قد ألْقَى طَرَفَيَه
على عاتِقيه.
(١) حديث أبي هريرة في الالتحاف من هذا الطريق أخرجه البيهقي في ((سننه)) ٢/ ٢٣٧ بإثر حديثه مرفوعاً:
((أولكلكم ثوبان)) من فعله، وهو بنحوه عند أحمد (٧٢٥١) دون ذكر لفظ الالتحاف، وسيأتي المرفوع
منه عند البخاري برقم (٣٥٨).

٢٢٥
باب ٤ / ح ٣٥٦
كتاب الصلاة - أبواب ستر العورة
٣٥٦- حدَّثنا عُبيدُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدّثنا أبو أسامةَ، عن هشام، عن أبيه، أنَّ عمرَ بنَ
أبي سَلَمَةَ أخبره قال: رأيتُ رسولَ الله وَلِّ يُصلِّي في ثوبٍ واحدٍ مُشتَمِلاً به في بيتٍ أُمِّ سَلَمَةَ،
واضعاً طَرَفَیه على عاتِقَیه.
قوله: «حدّثنا عبيد الله بن موسی قال: حدثنا هشام بن عُزْوة)) هذا الإسناد له ◌ُكْم
الثُّلاثيّات وإنْ لم تكن له صورتها، لأنَّ أعلى ما يقع للبخاريِّ ما بينه وبين الصحابي فيه
اثنان، فإنْ كان الصحابي يرويه عن النبيِّ ◌َّهَ، فحينئذٍ تُوجَد فيه صورة الثَّلاثيّ، وإنْ كان
يرويه عن صحابيّ آخر فلا، لكنَّ الْحُكْم من حيثُ العُلوّ واحد، لصِدْقِ أنَّ بينه وبين
الصحابي اثنين، وهكذا تقول بالنِّسبة إلى التابعيّ إذا لم يقع بينه وبينه إلَّا واحد، فإنْ رواه
التابعيُّ عن صحابيّ فعلى ما تقدَّم، وإنْ رواه عن تابعيّ آخر فله حُكْم العُلوّ لا صورة
الثَّلاثيّ كهذا الحديث، فإنَّ هشام بن عُرْوة من التابعين، لكنَّه حدَّث هنا عن تابعيّ آخر
وهو أبوه، فلو رواه عن صحابيّ ورواه ذلك الصحابي عن النبيّ وَّ لكان ثُلاثيّاً.
والحاصل: أنَّ هذا من العُلوّ النِّسْبيّ لا المطلَق، والله أعلم.
ثمَّ أورَدَ المصنِّف الحديث المذكور بنزول درجة من رواية يحيى القَطّان عن هشام، وهو
ابن عُرْوة المذكور، وفائدته ما وقع فيه من التصريح بأنَّ الصحابي شاهَدَ النبيَّ ◌َّ يفعل ما
نقل عنه أوَّلاً بالصورة المحتَمَلة، وفيه تعيين المكان وهو بيت أُمّ سَلَمةَ، وهي والدة
الصحابي المذكور عمر بن أبي سَلَمَةَ رَبِيب النبيّ ◌َِّ.
وفيه زيادة كَوْن طرفَي الثوب على عاتقَي النبيّ وَّةِ، على أنَّ الإسماعيلي قد أخرج
الحديث المذكور من طريق عبيد الله بن موسى وفيه جميع الزيادة، فكأنَّ عبيد الله حدَّث به
البخاري مُختصَّراً.
وفائدة إيراد المصنّف الحديث المذكور ثالثاً بالتُّرول أيضاً من رواية أبي أسامة عن
هشام، تصريحُ هشام عن أبيه بأنَّ عمر أخبَرَه، ووقع في الروايتين الماضيتَينِ بالعَنعَنة. وفيه
أيضاً ذِكْر الاشتمال، وهو مطابق لما تقدَّم من التفسير.

٢٢٦
باب ٤ / ح ٣٥٧
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((مُشتَمِلاً به)) بالنصب للأكثر على الحال، وفي رواية المُستَمْلِي والحَمُّوِيّ بالجرِّ
على المجاورة، أو الرفع على الحذف.
قال ابن بَطَّال: فائدة الالتِحاف المذكور أنْ لا يَنظُرَ المصلِّي إلى عَوْرة نفسه إذا رَكَع،
ولئلَّا يَسقُط الثوب عند الركوع والسجود.
٣٥٧- حذَّثنا إسماعيلُ بنُ أبي أُوَيس، قال: حدَّثني مالكُ بنُ أنس، عن أبي النَّصْر مولى
عمرَ بنِ عُبيد الله: أنَّ أبا مُرّةَ مولى أُمَّ هانئ بنتِ أبي طالبٍ أخبره، أنَّه سَمِعَ أُمَّ هانئ بنتَ أبي
طالبٍ تقولُ: ذهبتُ إلى رسولِ الله ◌ََّعامَ الفَتْح، فوَجَدْتُه ◌َغتِلُ وفاطِمةُ ابنتُهُ تَستُرُه، قالت:
فسَلَّمْتُ عليه فقال: ((مَن هذِه؟)) فقلتُ: أنا أُمُّ هانئ بنتُ أبي طالبٍ، فقال: ((مَرحَباً بأُمّ هاني))
فلمَّا فَرَغَ من غُسْلِهِ قامَ فصَلَّى ثَمانيَ رَكَعَاتٍ مُلتَحِفاً في ثوبٍ واحدٍ، فلمَّ انصَرَفَ قلتُ: یا
رسولَ الله، زَعَمَ ابنُ أُمّي أَنَّه قائِلٌ رجلاً قد أجَرْتُه، فُلانَ ابنَ هُبَيرةً! فقال رسولُ الله ◌َّ: ((قد
أَرْنا مَن أَجَرْتٍ يا أُتَّ هاني). قالت ◌ُ هاني: وذاكَ ضُحى.
قوله: ((عن أبي النَّضْر)) هو المدنيّ، وأبو مُرّة تقدَّم ذِكْره في العِلْم (٦٦)، وعُرِّفَ هنا بأنَّه
مولى أُمّ هانئ وهناك بأنَّه مولى عَقيل، وهو مولى أُمّ هانئ حقيقة، وأمَّا عَقيل فلكَوْنه أخاها
٧٠/١؛ فنُسِبَ إلى ولائه مجازاً بأدَنَى مُلابَسة، أو / لكَوْنه كان يُكثِرِ مُلازَمة عَقيل كما وقع لِقِسَم مع
ابن عبّاس.
وقد تقدَّم الكلام على أوائل هذا الحديث في الغُسل (٢٨٠) في باب التستُُّ، ويأتي
الكلام عليه أيضاً في صلاة الضُّحَى (١١٧٦)، وموضع الحاجة منه هنا: أنَّ أُمّ هانئ
وَصَفَت الالتِحاف المذكور في هذه الطريق الموصولة بأنَّه المخالَفة بين طرفي الثوب على
العاتِقَينِ في الرواية المعلَّقة قبلُ، فطابَقَ التفسيرَ المتقدِّم في الترجمة.
قوله: ((زَعَمَ ابن أُمّي)) هو عليٌّ بن أبي طالب، وفي رواية الحَمُِّيِّ: ((ابن أَبي)) وهو
صحيح في المعنى فإنَّه شقيقها، و((زَعَم)» هنا بمعنى: ادَّعَى.
وقولها: ((قائِلٌ رجلاً)) فيه إطلاق اسم الفاعل على مَن عَزَمَ على التلبُّس بالفَعْلة.

٢٢٧
باب ٤ / ح ٣٥٧
كتاب الصلاة - أبواب ستر العورة
قوله: ((فُلان بن هُبَيرة)) بالنصب على البَدَل أو الرفع على الحذف، وعند أحمد (٢٦٨٩٢)
والطَّبراني (٢٤/ ١٠٠٩) من طريق أُخرى عن أبي مُرّة، عن أُمّ هانئ: ((إنَّ أجَرْتُ حَمَوَينِ
لي))، قال أبو العبّاس بن سُرَيج وغيره: هما جَعْدة بن هُبيرة ورجل آخر من بني مخزوم كانا
فيمن قاتَلَ خالد بن الوليد ولم يَقبَلا الأمان، فأجارَتْهما أُمّ هانئ وكانا من أحْمائها.
وقال ابن الجوزي: إنْ كان ابن مُبيرة منهما فهو جَعْدة. کذا قال، وجَعْدة معدودٌ فیمن له
رُؤْية ولم تصحَّ له صُحْبة، وقد ذكره من حيثُ الرواية في التابعين البخاريُّ وابن حِبَّان
وغيرهما، فكيف يَتهيّا لمن هذه سبيله في صِغَر السِّنّ أنْ يكون عام الفتح مُقاتلاً حتَّى يحتاج
إلى الأمان؟ ثمَّ لو كان ولدَ أُمّ هانئ لم يَهتَمَّ عليٌّ بقتله، لأنَّها كانت قد أسلَمَت وهَرَبَ زوجُها
وترك ولدها عندها، وجَوَّزَ ابن عبد البَرِّ أنْ يكون ابناً لهبيرةَ من غيرها، مع نَقْله عن أهل
النَّسَب أنَّهم لم يَذكُروالهبيرةَ ولداً من غير أُمّ هانئ، وجَزَمَ ابن هشام في (تهذيب السّيرة)) بأنَّ
الَّذَينِ أجارَتْهما أُمّ هانئ هما الحارث بن هشام وزهير بن أبي أُميَّة المخزوميّان.
وروى الأزرقيُّ(١) بسندٍ فيه الواقديُّ في حديث أُمّ هانئ هذا أنَّما الحارث بن هشام
وعبد الله بن أبي ربيعة، وحكى بعضهم: أنَّما الحارث بن هشام وهُبَيرة بن أبي وَهْب،
وليس بشيء، لأنَّ هُبَيرة هَرَبَ عند فتح مكَّة إلى نَجْران فلم يَزَلْ بها مُشِرِكاً حتَّى مات، كذا
جَزَمَ به ابن إسحاق وغيره، فلا يَصِحّ ذِكْره فیمن أجارَتْه ◌ُمُّ هانئ.
وقال الكِرْمانيُّ: قال الزُّبَير بن بكّار: فلان بن هُبَيرة هو الحارث بن هشام. انتهى، وقد
تصرَّف في كلام الزُّبَير، وإنَّما وقع عند الزُّبَير في هذه القِصَّة موضع «فلان بن هُبَيرة)»:
الحارث بن هشام، والذي يظهر لي أنَّ في رواية الباب حذفاً، كأنَّه كان فيه: ((فلان ابن عَمّ
هُبَيرة)) فسَقَطَ لفظ (عَمّ))، أو كان فيه: ((فلان قريب هُبَيرة)) فتغيَّر لفظ ((قريب)) بلفظ: ابن،
وكُلٌّ من الحارث بن هشام وزهير بن أبي أُميَّة وعبد الله بن أبي ربيعة يَصِحُّ وصفُه بأنَّه ابن
عَمّ هُبَيرة وقريبُه، لكَوْن الجميع من بني مخزوم. وسيأتي الكلام على ما يتعلَّق بأمان المرأة في
(١) في ((أخبار مكة)) ٢/ ١٦١.

٢٢٨
باب ٤-٥ / ح ٣٥٨-٣٥٩
فتح الباري بشرح البخاري
آخر كتاب الجهاد (٣١٧١) إن شاء الله تعالی.
٣٥٨- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن ابنِ شِهَاب، عن سعيدِ بنِ
المسيِّب، عن أبي هُرَيرة: أنَّ سائلاً سألَ رسولَ الله وَلِّ عن الصلاةِ في ثوبٍ واحدٍ، فقال
رسولُ اللهِ وَّةٍ: ((أَوَلِكُلِّكُمْ تَوْبانٍ)).
[طرفه في: ٣٦٥]
قوله: ((أنَّ سائلاً سألَ)) لم أقِف على اسمه، لكن ذكر شمسُ الأئمَّة السَّرَخْسيِّ الحنفيُّ في
كتابه ((المبسوط)»: أنَّ السائل ثوبان.
قوله: ((أوَ لِكُلِّكُمْ)) قال الخطَّبيُّ: لفظُه استخبارٌ ومعناه: الإخبار عمَّ هم عليه من قِلَّة
الثياب، ووقع في ضِمْنه الفَتْوَى من طريق الفَحْوَى، كأنَّه يقول: إذا علمتُم أنَّ سَتْر العَوْرة
فرض والصلاة لازمة، وليس لكلِّ أحد منكم ثوبان، فكيف لم تعلموا أنَّ الصلاة في
الثوب الواحد جائزة؟ أي: مع مراعاة سَتْر العورة به.
وقال الطَّحاويُّ: معناه: لو كانت الصلاة مكروهة في الثوب الواحد، لكُرِهَت لمن لا
يجد إلَّا ثوباً واحداً. انتهى، وهذه الملازمة في مقام المنع للفَرْقِ بين القادر وغيره، والسؤال
إنَّما كان عن الجواز وعَدَمه لا عن الكراهة.
٤٧١/١ فائدة: روى ابن حِبَّان (٢٣٠٣) هذا الحديث من طريق الأوزاعيِّ عن ابن شهاب،
لكن قال في الجواب: ((ليَتوشَحْ به ثمَّ ليُصلِّ فيه)) فيحتمل أنْ يكونا حديثَين، أو حديثاً
واحداً فَرَّقَه الرُّواة وهو الأظهرُ، وكأنَّ المصنّف أشار إلى هذا لِذِكْره التوشُّحَ في الترجمة،
والله أعلم.
٥- باب إذا صلَّى في الثوب الواحد فليجعل على عاتِقَيه
٣٥٩- حذَّثنا أبو عاصِم، عن مالك، عن أبي الزِّناد، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي
هُرَيرةَ، قال: قال النبيُّ ◌َّرِ: ((لا يُصلِّ أحدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الواحدِ ليسَ على عاتِقَيهِ شيءٌ».
[طرفه في: ٣٦٠]

٢٢٩
باب ٥ / ح ٣٦٠
كتاب الصلاة - أبواب ستر العورة
قوله: («باب إذا صلّى في الثوب الواحد فليجعل على عاتِقَيه)) أي: بعضه، في رواية:
((عاتقِه)) بالإفراد. والعاتق: هو ما بين المنكِيَينِ إلى أصل العُنُق، وهو مُذكَّر وحُکيَ تأنيثه.
قوله: ((لا يُصلِّ)) قال ابن الأثير: كذا هو في ((الصحيحين)) بإثبات الياء، ووجهه أنَّ
«لا» نافية، وهو خبرٌ بمعنی النھي.
قلت: ورواه الدَّارَ قُطنيّ في ((غرائب مالك)) من طريق الشافعيّ عن مالك بلفظ: ((لا
يُصلِّ)) بغير ياء، ومن طريق عبد الوهّاب بن عطاء عن مالك بلفظ: ((لا يُصلّيَنَّ) بزيادة نون
التأكيد، ورواه الإسماعيلي من طريق الثَّوْريّ عن أبي الزناد بلفظ: نَهَى رسول الله وَّه.
قوله: ((ليسَ على عاتِقَيهِ شيء)) زاد مسلم (٥١٦) من طريق ابن عُيّينة عن أبي الزِّناد:
(«منه شيء»، والمراد: أنَّه لا يَتَّزِر في وَسَطه ويشدُّ طرفَي الثوب في حَقْوَيه، بل يَتوشَّح بهما على
عاتقَيه ليَحصُلِ السَّتْر لجزءٍ من أعالي البدن وإن كان ليس بعَوْرة، أو لكَوْن ذلك أمكنَ في
ستر العورة.
٣٦٠- حدّثنا أبو نُعَیم، قال: حدَّثنا شَيْبانُ، عن يحيى بنِ أبي کثیر، عن عِكْرِمةَ - قال:
سمعتُه أو كنتُ سألتُه - قال: سمعتُ أبا هُرَيرةً يقولُ: أَشْهَدُ أني سمعتُ رسولَ الله ◌َِّ يقولُ:
((مَنِ صَلَّى في ثوبٍ فَلْيُخالِفْ بينَ طَرَّفَيْهِ».
قوله: ((حدّثنا شَیْبان)) هو ابن عبد الرحمن.
قوله: ((سمعتُه)) أي: قال يحيى: سمعت ◌ِكْرمة، ثمَّ تَرَدَّدَ هل سمعه ابتداءً أو جوابَ
سؤال منه، هذا ظاهر هذه الرواية. وأخرجه الإسماعيلي عن مَكِّيّ بن عَبْدان، عن حْدان
السُّلَميّ، عن أبي نُعَيم بلفظ: ((سمعته أو كتب به إليَّ))، فحصل التردُّد بين السَّماع والكتابة،
قال الإسماعيلي: ولا أعلم أحداً ذكر فيه سماع يحيى من عِكْرمة - يعني: بالجَزْم - قال: وقد
رويناه من طريق حُسَين بن محمد عن شَيْبان بالتردُّدِ في السّماع أو الكتابة أيضاً.
قلت: قد رواه الحارث بن أبي أسامة في «مسنده» عن یزید بن هارون عن شيبان، نحو
رواية البخاري قال: ((سمعته أو كنت سألته فسمعته))، أخرجه أبو نُعَيم في ((المستخرّج».

٢٣٠
باب ٥ / ح ٣٦٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((أَشهَدُ)) ذكره تأكيداً لِحِفْظه واستحضاره.
قوله: «مَن صَلَّى في ثوب» زاد الگُشْمِیھنیّ: واحد.
ودلالته على الترجمة من جهة أنَّ المخالفة بين الطَّرفَينِ لا تَتيسَّرُ إلَّا بجَعْل شيء من
الثوب على العاتق، كذا قال الكِرْمانيّ، وأَوْلى من ذلك أنَّ في بعض طرق هذا الحديث
التصريح بالمراد فأشار إليه المصنّف كعادته، فعند أحمد (٧٦٠٨) من طريق مَعمَر عن يحيى
٤٧٢/١ فيه: ((فليخالِفْ بين طرفيه على عاتقَيه))،/ وكذا للإسماعيليِّ وأبي نُعَيم من طريق حُسَين عن
شيبانَ.
وقد حمل الجمهور هذا الأمر على الاستحباب، والنهي في الذي قبله على التنزيه، وعن
أحمد: لا تصحُّ صلاة مَن قَدَرَ على ذلك فتركه. جعله من الشَّرائط، وعنه: تصحّ ويأثَم.
جعله واجباً مُستَقِلاً.
وقال الكِرْمانيُّ: ظاهر النهي يقتضي التحريم، لكنَّ الإجماع مُنعقِد على جواز تركه. كذا
قال، وغَفَلَ عمَّا ذكره بعد قليل عن النَّوويّ من حكاية ما نَقْناه عن أحمد، وقد نقل ابن
المنذِر عن محمد بن عليّ عدمَ الجواز، وكلام التِّرمِذيّ يدلّ على ثبوت الخلاف أيضاً، وقد
تقدَّم ذلك قبلُ ببابٍ.
وعَقَدَ الطَّحاويُّ له باباً في ((شرح المعاني)) (٣٧٧/١) ونقل المنعَ عن ابن عمر ثمَّ عن
طاووسٍ والنَّخَعَيّ. ونقله غيره عن ابن وَهْب وابن جَرِير، وجمع الطَّحاويُّ بين أحاديث
الباب بأنَّ الأصل أنْ يصلَِّ مُشتمِلاً، فإنْ ضاقَ اتَّزَر.
ونقل الشَّيخ تقيُّ الدِّينِ السُّبْكيّ وجوبَ ذلك عن نصِّ الشافعيّ واختاره، لكنَّ
المعروف في كتب الشافعيّ خلافُه.
واستدلَّ الخطّابُّ على عدم الوجوب بأنّه ێ صلَّى في ثوب كان أحد طرفيه على بعض
نسائه وهي نائمة(١)، قال: ومعلوم أنَّ الطَّرَف الذي هو لابسُه من الثوب غير مُتَّسِع لأنّ
(١) روي نحو هذا عن عائشة عند مسلم (٥١٤).

٢٣١
باب ٦ / ح ٣٦١
كتاب الصلاة - أبواب ستر العورة
يَتَّزِّر به ويَفضُلَ منه ما كان لعاتقِه. وفيما قاله نظرٌ لا يخفى، والظاهر من تصرُّف المصنّف
التفصيل بين ما إذا كان الثوب واسعاً فيجب، وبين ما إذا كان ضَيِّقاً فلا يجبُ وَضْعُ شيءٍ
منه على العاتق، وهو اختيارُ ابن المنذر، وبذلك تظهر مناسبةُ تعقیبه بـ«باب إذا كان الثوب
ضيقًاً)).
٦ - باب إذا كان الثوبُ ضيِّقاً
٣٦١- حدَّثنا يحيى بنُ صالح، قال: حدَّثنا فُلَيحُ بنُ سليمانَ، عن سعيدِ بنِ الحارثِ، قال:
سَألْنا جابرَ بنَ عبدِ الله عن الصلاةِ في الثوبِ الواحدِ، فقال: خَرَجْتُ معَ النبيِّ ◌َّ في بعضِ
أَسفارِه فحِثْتُ ليلةً لبعضٍ أَمْرِي فَوَجَدتُّه يُصلِّ وعليّ ثوبٌ واحدٌ، فاشْتَمَلِتُ به وصَلَّيتُ إلى
جانبِهِ، فلمَّ انصَرَفَ قال: ((ما السُّرَى يا جابرُ؟)) فأخبَرَتُه بحاجَتِي، فلمَّا فَرَغْتُ، قال: ((ما هذا
الاشتِمالُ الذي رأيتُ؟)) قلتُ: كانَ ثوبٌّ، قال: «فإنْ كانَ واسِعاً فالتَحِفْ به، وإنْ كانَ ضَيِّقاً
فانّزِرْ به)).
قوله: ((في بعض أسفاره)) عيَّنْه مسلم في روايته (٣٠٠٨ و٣٠٠٩) من طريق عُبادةَ بن
الوليد بن عُبادة عن جابر ((غزوة بُوَاط)) وهو بضمِّ الموحّدة وتخفيف الواو، وهي من أوائل
مغازيه لهد.
قوله: ((لبعضٍ أمري)) أي: حاجَتي، وفي رواية مسلم (٣٠١٠): أنَّه ◌َِّ كان أرسَلَه هو
وجَبّار بن صَخْرِ لتَهْيئة الماء في المنزل.
قوله: ((ما الشُّرَى؟)) أي: ما سبب سُرَاكَ؟ أي: سَيْرك في الليل.
قوله: ((ما هذا الاشتِمال؟)) كأنَّه استفهامُ إنكار، قال الخطّابيُّ: الاشتمال الذي أنكَرَه هو
أنْ يُدِیر الثوب علی بدنه کلِّه لا يُرِجُ منه یده.
قلت: كأنَّه أخَذَه من تفسير الصَّمَّاء على أحد الأوجُه، لكن بيَّن مسلم في روايته
(٣٠١٠): أنَّ الإنكار كان بسبب أنَّ الثوب كان ضَيِّقاً، وأنَّه خالفَ بين طرفيه وتَواقَصَ
- أي: انحَنَى - عليه، كأنَّه عند المخالفة بين طرفي الثوب لم يَصِرْ ساتراً فانحَنَى لَيَسْتِرِ،

٢٣٢
باب ٦ / ح ٣٦٢
فتح الباري بشرح البخاري
فأعلمه ◌َ﴿ بأنَّ محلّ ذلك ما إذا كان الثوب واسعاً، فأمَّا إذا كان ضَيِّقاً، فإنَّه ◌ُجِزِّتُه أنْ يَتَّزِر
به، لأنَّ القَصْد الأصليّ سَتْرُ العَوْرة، وهو يَحَصُّل بالأثْنِزار ولا يحتاج إلى التواقُص المغاير
للاعتدال المأمور به.
قوله: ((كانَ ثوبٌ)) كذا لأبي ذرِّ وكريمة بالرفع على أنَّ ((كان)) تامّة (١)، ولغيرهما
بالنصب، أي: كان المشتمِل به ثوباً، زاد الإسماعيلي: ضَيِّقاً.
٤٧٣/١ ٣٦٢- حدَّثْنا مُسلَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن سفيانَ، قال: حدَّثني أبو حازم، عن سَهْلٍ
قال: كانَ رجالٌ يُصلُّونَ مِعَ النبيِّ وَ﴿ عاقِدِي أُزُرِهم على أعناقِھم کھَبئةِ الصِّبْيان، وقال
للنِّساءِ: ((لا تَرْفَعْنَ رُؤوسَكُنَّ حتَّى يَستَوِيَ الرِّجَالُ جُلُوساً».
[طرفاه في: ٨١٤، ١٢١٥]
قوله: ((حدَّثنا يحيى)) هو ابن سعيدِ القَطَّانُ، وسفيان: هو الثَّوْريّ، وأبو حازم: هو ابن
دینار، وسَهْل: هو ابن سعد.
قوله: «کانَ رجالٌ)) التنکیر فیه للتنویع، وهو يقتضي أنّ بعضھم کان بخلاف ذلك وهو
كذلك، ووقع في رواية أبي داود (٦٣٠): ((رأیت الرجال) واللام فيه للچِنْس، فهو في حُكم
النّكِرة.
قوله: «عاقدِي أُزُرهم على أعناقهم» في رواية أبي داود (٦٣٠) من طريق وكيع عن
الثَّوْري: ((عاقدي أُزُرهم في أعناقهم من ضِيقِ الأُزُر)). ويُؤخَذ منه أنَّ الثوب إذا أمكنَ
الالتحافُ به كان أولى من الانْتِزار، لأنَّه أبلَغُ في التستُّ.
قوله: ((وقال للنِّساء)) قال الكِرْمانيُّ: فاعل ((قال)) هو النبيّ ◌َ﴿. كذا جَزَمَ به، وقد وقع
في رواية الكُشْمِيھَنيّ: ((ويقال للنساء))، وفي رواية وكيع: ((فقال قائل: يا مَعشَر النساء))،
(١) قال القسطلاني في (إرشاد الساري)) ٣٩١/١: واعترضه (يعني: اعترض هذا القول) البدرُ الدَّمَاميني
فقال: الاقتصار على ذلك لا يظهر، وأيُّ معنىّ لإخباره بوجود ثوب في الجملة، فينبغي أن يقدِّر ما
يناسب المقام. ثم قال القسطلَّاني: زاد في فرع اليونينية: يعني ضاقَ.

٢٣٣
باب ٧
كتاب الصلاة - أبواب ستر العورة
فكأنَّ النبيَّ وَّهِ أَمَرَ مَن يقول لهنَّ ذلك، ويَغْلِبُ على الظنّ أنَّه بلال. وإنَّما نهى النساء عن
ذلك لئلا يَلْمَحْنَ عند رفع رؤوسهنَّ من السجود شيئاً من عَوْرات الرجال بسبب ذلك
عند نُهوضِهم، وعند أحمد (٢٦٩٤٧) وأبي داود (٨٥١) التصريحُ بذلك من حديث أسماء
بنت أبي بكر ولفظه: ((فلا ترفع رأسها حتَّى يرفع الرجال رؤوسهم)» كراهيةَ أنْ يَرَينَ
عَوْراتِ الرجال. ويُؤخَذ منه أنَّه لا يجبُ التستُّرُ من أسفل.
٧- باب الصلاة في الجُبَّة الشاميَّة
وقال الحسنُ في الثُّابِ يَنسِجُها المَجُوسِيُّ: لم يَرَ بها بأْساً.
وقال مَعمَرٌ: رأيتُ الزُّهْرِيَّ يَلْبَسُ من ثيابِ الْيَمَنِ ما صُبغَ بالبَوْل.
وصّلَى عليٌّ في ثوبٍ غيرِ مَقْصُورٍ.
قوله: ((باب الصلاة في الجُبَّة الشاميَّة)) هذه الترجمة معقودة لجواز الصلاة في ثياب
الكُفّار ما لم يَتَحقَّق نجاستها، وإنَّمَا عَبَّرَ بالشاميَّة مُراعاةً للفظ الحديث، وكانت الشام إذْ
ذاكَ دارَ كُفْر، وقد تقدَّم في ((باب المسح على الخُفَّين))(١) أنَّ في بعض طرق حديث المغيرة:
أنَّ الجُبّة کانت صوفاً وكانت من ثياب الرُّوم.
ووجه الدّلالة منه: أنَّهِ وَّهِلَبِسَها ولم يَستفصِل، ورُوِيَ عن أبي حنيفة كراهيةُ الصلاة
فيها إلَّا بعد الغسل، وعن مالك: إنْ فعل يعيد في الوقت.
قوله: ((وقال الحسن)) أي: البصريّ، و((يَنسِجُها)) بكسر السِّين المهمَلة وضمّها وبضمِّ
الجیم.
قوله: ((المَجُوسِّ)) كذا للحَمُِّيِّ والكُشْمِيهَني بلفظ المفرد، والمراد الجِنْس، وللباقين:
((المجوس)) بصيغة الجمع.
قوله: ((لم يَرَ)) أي: الحسن، وهو من باب التجريد، أو هو مَقُول الراوي.
(١) كتاب الوضوء: ٤٨- باب المسح على الخفين.

٢٣٤
باب ٧ / ح ٣٦٣
فتح الباري بشرح البخاري
وهذا الأثر وَصَلَه نُعَيم بن حَمَّاد في نُسْخَته المشهورة عن مُعتمِر عن هشام عنه، ولفظه:
٤٧٤/١ (( لا بأس / بالصلاة في الثوب الذي يَنسِجه المجوسيّ قبل أنْ يُغسَل))، ولأبي نُعَيم في ((كتاب
الصلاة)) عن الرَّبيع عن الحسن: لا بأس بالصلاة في رِداء اليهوديّ والنصرانيّ. وكَرِهَ ذلك
ابن ◌ِیرِین، رواه ابن أبي شيبة (٢٣٩/٢).
قوله: ((وقال مَعمَر)) وَصَلَه عبد الرزاق في «مصنَّفه)) (١٤٩٦) عنه.
وقوله: ((بالبَوْل)) إن كان للجِنْس، فمحمول على أنَّه كان يَغسِله قبل لُبْسه، وإن كان
للعَهْدِ، فالمراد بول ما يُؤْكَل لحمه، لأنّه كان يقول بطهارته.
قوله: ((وصَلَّى عليٌّ في ثوب غير مَقصُور)) أي: خامٍ، والمراد: أنَّه كان جديداً لم يُغسَل،
روى ابن سعد (٢٨/٣) من طريق عطاء أبي محمد (١) قال: رأيت علياً صلَّى وعليه قميصُ
گراپیس غیر مغسول.
٣٦٣- حدَّثنا يحيى، قال: حدَّثنا أبو معاويةَ، عن الأعمش، عن مُسلِم، عن مَسْرُوق، عن
مُغِيرةَ بنِ شُعْبةَ قال: كنتُ معَ النبيِّ وَّهِ فِي سَفَرِ فقال: ((يا مُغِيرةُ، خُذِ الإِدَاوَةَ)) فأخَذْتُها،
فانطَلَقَ رسولُ الله ◌َِّ حَتَّى تَوارَى عِنِّي، فقَضَى حاجَتَه وعليه جُبٌَّ شامِيَّةٌ، فذهَبَ لِيُخرِجَ يدَه
من كُمِّها فضاقَتْ، فأخرَجَ يدَه من أسفَلِها فصَبَبتُ عليه، فَتَوضَّأ وُضُوءَه للصلاةِ، ومَسَحَ على
خُقَبِه ثمَّ صَلَّى.
قوله: (حدّثنا یحی)) هو ابن موسى البَلْخيّ.
قال أبو عليّ الجَيَّاني: روى البخاري في ((باب الجُبّة الشاميَّة))، وفي الجنائز (١٣٦١)،
وفي تفسير الدُّخان (٤٨٢١) عن يحيى - غير منسوب - عن أبي معاوية، فنَسَبَ ابن السَّكَن
الذي في الجنائز يحيى بن موسى، قال: ولم أجد الآخرینِ منسوبینِ لأحد.
قلت: فينبغي حملُ ما أُهِل على ما بُيِّن، وقد جَزَمَ أبو نُعَيم بأنَّ الذي في الجنائز هو يحيى
(١) تحرَّف في (س) إلى: عطاء بن محمد. وعطاء أبو محمد هذا ضعَّفه يحيى بن معين، وله ترجمة في ((تهذيب
التهذيب» للحافظ ابن حجر.

٢٣٥
باب ٨ / ح ٣٦٤
كتاب الصلاة - أبواب ستر العورة
ابن جعفر البِيكَنديّ، وذكر الكِرْمانيُّ أنَّه رأى في بعض النُّسَخ هنا مثله.
قلت: والأوَّل أرجَح، لأنَّ أبا عليّ بن شَبّويه وافق ابن السَّكَن عن الفِرَبْريّ على ذلك
في الجنائز وهنا أيضاً، ورأيت بخَطِّ بعض المتأخّرين: يحيى هو ابن بُكَير، وأبو معاوية: هو
شَيْبانُ النَّحْويّ. وليس كما قال، فليس ليحيى بن بُكَير عن شَيْبان رواية، وبعد أنْ رَدَّدَ
الكِرْ مانُّ يحيى بين ابن موسى أو ابن جعفر أو ابن معين قال: وأبو معاوية يحتمل أنْ يكون
شَيْبَانَ النَّحْويّ. وهو عجيب! فإنَّ كُلَّا من الثلاثة لم يسمع من شَيْبان المذكور، وجَزَمَ أبو
مسعود وكذا خلفٌ في ((الأطراف)) وتبعهما المِزِّيُّ بأنَّ الذي في الجنائز هو يحيى بن يحيى،
وما قدَّمناه عن ابن السَّكَن يردُّ عليهم وهو المعتمد، ولا سيّما وقد وافقه ابن شَبّويه، ولم
يختلفوا في أنَّ أبا معاوية هنا هو الضَّرير.
قوله: ((عن مُسلِم)) هو أبو الضُّحَى. وقد تقدَّم الكلام على فوائد حديث المغيرة (٢٠٣)
في ((باب المسح على الخُفَّين)).
٨- باب كراهية التَّعرِّي في الصلاة
٣٦٤- حدَّثْنا مَطَرُّ بنُ الفَضْل، قال: حدَّثْنَا رَوٌْ، قال: حدَّثنا زكريّا بنُ إسحاقَ، حدَّثنا عَمرُو
بنُ دِينارٍ، قال: سمعتُ جابرَ بنَ عبدِ الله يُحدِّثُ: أنَّ رسولَ الله وَِّ كَانَ يَنْقُلُ معَهم الحِجارةَ
للكَعْبة وعليه إزارُه، فقال له العبَّاسُ عَمُّه: يا ابنَ أَخي، لو حَلَلْتَ إزارَكَ فجَعلْتَ على مَنْكِبَيَكَ
دُونَ الِحِجارَةِ؟ قال: فحَلَّه فَجَعَلَه على مَنْكِيَيه، فسَقَطَ مَغْشِيّاً عليه، فما رُِيَ بعدَ ذلكَ عُرْياناً وَله.
[طرفاه في: ٣٨٢٩،١٥٨٢]
قوله: ((باب كَراهِيَة التَّعرّي في الصلاة)) زاد الكُشْمِیھَنيّ والحَمُّوِيّ: وغيرها.
قوله: ((حدَّثنَا رَوْجٌ)) هو ابن عُبادة.
قوله: ((أنَّ رسول الله ێ کان ینقُل معهم)) أي: مع قُریش لمَّا بَنَوا الكعبة، وكان ذلك قبل
البِعْثة، فرواية جابر لذلك من مَراسيل الصحابة، فإمَّا أنْ يكون سمع ذلك من رسول الله
مَله بعد ذلك، أو من بعض مَن حَضَرَ ذلك من الصحابة، والذي يظهر أنَّه العبَّاس، وقد

٢٣٦
باب ٩ / ح ٣٦٥
فتح الباري بشرح البخاري
حدَّث به عن العبَّاس أيضاً ابنه عبد الله وسياقه أتمُّ، أخرجه الطَّبرانيُّ وفيه: ((فقامَ فأخَذَ
إزاره وقال: ثُهيت أنْ أمشي عُرْيانا)). وسيأتي ذِكرُه في كتاب الحج مع بقيّة فوائده في ((باب
بُنْيان الكَعْبة)) (١٥٨٢) إن شاء الله تعالى.
قوله: ((فجعلتَ)) أي: الإزارَ، وللكُشْمِيهَنيّ: ((فجعلتَه))، وجواب ((لو)) محذوف إنْ
٤٧٥/١ كانت/ شرطيّة وتقديره: لكان أسهَلَ عليك، وإنْ كانت للتَّمَنّي فلا حذف.
قوله: ((قال: فحَلَّه)) يحتمل أنْ يكون مَقُول جابر، أو مَقُول مَن حدَّثه به.
قوله: ((فما رُئِيَ)) بضمِّ الراء بعدها همزة مكسورة، ويجوز کسر الراء بعدها مَدّة ثمَّ همزة
مفتوحة، وفي رواية الإسماعيلي: فلم يَتعرَّ بعد ذلك.
ومطابقة الحديث للترجمة من هذه الجملة الأخيرة، لأنَّها تتناول ما بعد النبوَّة فيَتِمُّ
بذلك الاستدلال.
وفيه أنَّه وَلِهِ كان مَصُوناً عَّا يُستَقْبَح قبل البِعْثة وبعدها. وفيه النهي عن التعرِّي
بحَضْرة الناس، وسيأتي ما يتعلَّق بالخلوة بعد قليل.
وقد ذكر ابن إسحاق في ((السِّيرة)): أنَّه وَّ تَعرَّى وهو صغير عند حَلِيمٌ فَلَكَمَه لاكمٌ
فلم يَعُدْ يَتعرَّى(١). وهذا - إنْ ثبت - مُلَ على نفي التعرِّي بغير ضرورة عاديَّة، والذي في
حديث الباب على الضَّرُورة العاديَّة، والنَّفْي فيها على الإطلاق، أو يتقيَّد بالضّرورة
الشَّرْعيَّة كحالة النوم مع الأهل أحياناً.
٩ - باب الصلاة في القميص والسَّراويل والتُّبَّان والقَبَاءِ
٣٦٥- حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْب، قال: حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، عن محمَّد، عن أبي هُرَيرةَ
قال: قامَ رجلٌ إلى النبيِّ وَّ﴿ فسألَه عن الصلاةِ في الثوبِ الواحدِ؟ فقال: ((أوَكُلُّكُمْ تَجِدُ ثَوبَينٍ؟)».
(١) هو في ((سيرة ابن إسحاق)) برواية يونس بن بكير (٥٥) من حديث ابن إسحاق، عن والده إسحاق بن
يسار، عن من حدَّثه عن رسول الله وَله. وليس فيها ذكر حليمة. وهذا إسناد ضعيفٌ لإبهام الراوي
الذي روی عنه إسحاق بن يسار.

٢٣٧
باب ٩ / ح ٣٦٥
كتاب الصلاة - أبواب ستر العورة
ثمّ سألَ رجلٌ عمرَ، فقال: إذا وَسَّعَ اللهُ فَأَوسِعُوا، جَمَعَ رجلٌ علیه ثيابه، صَلَّى رجلٌ في
إزارٍ ورِدَاءٍ، في إزارٍ وَقَمِيص، في إزارٍ وَقَبَاءٍ، في سَرَاوِيلَ ورِدَاءٍ، في سَراوِيلَ وقَمِيص، في
سَرَاوِيلَ وَقَبَاءٍ، في تُّانِ وَقَبَاء، في تَُّانٍ وقَمِيص، قال: وأَحسَبُه قال: في تُبَانٍ ورِدَاءٍ.
قوله: ((باب الصلاة في القميص والسَّراويل)) قال ابن سِيدَهْ: السَّراويل فارسيٌّ مُعرَّبٌ
يُذكَّرُ ويُؤنَّث. ولم يعرف أبو حاتم السِّجِسْتانيّ التذكير، والأشهرُ عدمُ صَرْفِه.
قوله: ((والتَُّان)) بضمِّ المثنَّة وتشديد الموحّدة، وهو على هيئة السَّراويل إلَّا أنَّه ليس له
رجلان، وقد یُتَّخَذ من چِلْد.
قوله: ((والقَباء)» بالقَصْر وبالمدّ، قيل: هو فارسيٌّ مُعرَّب، وقيل: عربيٍّ مُشتَقٌّ من قَبَوْت
الشيء: إذا ضَمَمتَ أصابعك عليه، سُمّيَ بذلك لانضمام أطرافه، ورُوِيَ عن كَعْب: أنَّ
أوَّل مَن لَبِسَه سليمان بن داود عليهما السلام.
قوله: «عن محمّد» هو ابن سیرین.
قوله: ((قامَ رجل)) تقدَّم أنَّه لم يُسمَّ، وتقدَّم الكلام على المرفوع منه (٣٥٨).
قوله: ((ثمّ سألَ رجلٌ عمرَ)) أي: عن ذلك، ولم يُسمَّ أيضاً، ويحتمل أنْ يكون ابن
مسعود، لأنَّه اختلف هو وأُبِيّ بن كَعْب في ذلك فقال أُبي: الصلاة في الثوب الواحد - يعني -
لا تُكرَه، وقال ابن مسعود: إنّما كان ذلك وفي الثياب قِلَّة، فقامَ عمر على المنبر فقال: القول ما
قال أُبِيّ، ولم يألُ ابنُ مسعود، أي: لم يُقصِّر. أخرجه عبد الرزاق (١٣٨٤).
قوله: ((جمعَ رجلٌ)) هو بقيَّة قول عمر، وأورَدَه بصيغة الخبر ومراده الأمر، قال ابن
بَطَّال: يعني: ليجمعْ ولْيُصلِّ.
وقال ابن المنيِر: الصحيح أنَّه کلام في معنی الشّرْط، کأنَّه قال: إنْ جمع رجل عليه ثيابه
فحسنٌ، ثمَّ فصَّل الجمع بصُوَرٍ على معنى البَدَليَّة.
وقال ابن مالك: تَضمَّنَ هذا الحديث فائدتَين:
إحداهما: وُرود الفعل الماضي بمعنى الأمر، وهو قوله: ((صلَّى)) والمعنى: ليُصلِّ، ومثله

٢٣٨
باب ٩ / ح ٣٦٥
فتح الباري بشرح البخاري
قولهم: اتَّقَى اللهَ عبدٌ، والمعنى: لِيَتَّقِ.
ثانيهما: حذف حرف العطف، فإنَّ الأصل: صلَّى رجل في إزار ورِدَاء، وفي إزار
وقميص، ومثله قوله {يُّ: «تَصدَّقَ امرُؤُ من دیناره، من دِرْهمه، من صاع تَمْرْه))(١). انتھی،
فحصل في كلٍّ من المسألتين توجيهان.
قوله: ((قال: وأحسَبُّه)) قائل ذلك أبو هريرة، والضمير في ((أحسَبه)) راجعٌ إلى عمر، وإنَّما
٤٧٦/١ لم يَحَصُل الجَزْم بذلك لإمكان أنَّ عمر أهمَلَ ذلك، لأنَّ التُّبَان لا يَستُر العَوْرة كلّها/ بناء
على أنَّ الفَخِذ من العورة، فالسَّتْر به حاصلٌ مع القَباء ومع القميص، وأمَّا مع الرِّداء فقد
لا يَحَصُل. ورأى أبو هريرة أنَّ انحصار القِسْمة يقتضي ذِكْر هذه الصورة، وأنَّ السَّتْر قد
يَحَصُل بها إذا كان الرِّداء سابغاً.
ومجموع ما ذكر عمرُ من الملابس ستّة، ثلاثةٌ للوَسَط، وثلاثةٌ لغيره، فقَدَّمَ ملابس
الوَسَط، لأنَّها محلّ سَتْر العَوْرةِ، وقَدَّمَ أسترَها أو أكثرَها استعمالاً لهم، وضمّ إلی کلّ واحد
واحداً، فخرج من ذلك تِسْع صور من ضَرْب ثلاثةٍ في ثلاثة، ولم يَقصِد الحَصْر في ذلك،
بل يَلْحِقُ بذلك ما يقوم مقامه.
وفي هذا الحديث دليل على وجوب الصلاة في الثياب لما فيه من أنَّ الاقتصار على
الثوب الواحد كان لضيق الحال.
وفيه أنَّ الصلاة في الثوبَينِ أفضل من الثوب الواحد، وصَرَّحَ القاضي عِيَاض بنفي
الخلاف في ذلك، لكنَّ عبارة ابن المنذر قد تُفْهِم إثباته، لأنَّه لمَّا حكى عن الأئمّة جواز
الصلاة في الثوب الواحد قال: وقد استَحَبَّ بعضهم الصلاة في ثوبين.
وعن أشهَب فيمن اقتَصَرَ على الصلاة في السَّراويل مع القُدْرة: يعيد في الوقت، إلَّا إِنْ
كان صَفيقاً. وعن بعض الحنفيّة: يُكرَّه.
فائدة: روى ابن حِبَّان (١٧١٤) حديث الباب من طريق إسماعيل ابن عُليَّة عن
(١) أخرجه مسلم (١٠١٧) من حديث جرير بن عبد الله البَجَلي.

٢٣٩
باب ٩ / ح ٣٦٦
كتاب الصلاة - أبواب ستر العورة
أيوب، فأدرَجَ الموقوف في المرفوع ولم يَذكُر عمر، ورواية حَمَّاد بن زيد هذه المفصّلة
أصحّ، وقد وافقه على ذلك حَمَّد بن سَلَمة، فرواه عن أيوب وهشام وحَبيب وعاصم
كلّهم، عن ابن سيرين، أخرجه ابن حِبَّان أيضاً (٢٢٩٨). وأخرج مسلم (٢٧٦/٥١٥)
حديث ابن عُليَّة، فاقتَصَرَ على المتَّفَق على رفعه وحَذَفَ الباقي، وذلك من حُسْن تصرُّفه،
والله أعلم.
٣٦٦- حدَّثنا عاصِمُ بنُ عليّ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي ذِئْب، عن الزُّهْريّ، عن سالم، عن ابنِ
عمرَ قال: سألَ رجلٌ رسولَ الله وَِّ فقال: ما يَلْبَسُ المُحْرِمُ؟ فقال: ((لا يَلْبَسِ القَمِيصَ، ولا
السَّراوِيلَ، ولا البُرْنُسَ، ولا ثوباً مَسَّه الزَّعْفَرَانُ ولا وَرْسٌ، فمَن لم يَجِدِ النَّعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسِ
الخُفَّين، ولِيَقْطَعْهُما حتَّى يكونا أسفَلَ مِن الكَعْبینِ».
وعن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ ◌َِّمِثلَه.
قوله: ((حدَّثنا عاصِمُ بن عليّ)) هو الواسطيّ.
قوله: ((سألَ رجل)) تقدَّم في آخر كتاب العِلْم (١٣٤) أنَّه لم يُسمَّ، وأَخَّرْنا الكلام
عليه إلى موضعه في الحج (١٥٤٢). وموضع الحاجة منه هنا: أنَّ الصلاة تجوز بدون
القميص والسَّراويل وغيرهما من المَخِيط لأمرِ المحرِم باجتناب ذلك، وهو مأمور
بالصلاة.
قوله: ((حَتَّى يكونا)) في رواية الحَمُّوِيِّ والمُستَمْلي: ((حتَّی یکون» بالإفراد، أي: كلّ
واحد منهما.
قوله: ((وعن نافع)) معطوف على قوله: ((عن الزُّهْريّ) وذلك بيِّنٌّ في الرواية الماضية في
آخر كتاب العِلْم (١٣٤)، فإنَّ أخرجه هناك عن آدم عن ابن أبي ذِئْب، فقَدَّمَ طريق نافع
وعَطَفَ عليها طريق الزُّهْرِيّ، عکسُ ما هنا.
وزَعَمَ الكِرْمانيُّ أنَّ قوله: ((وعن نافع)) تعليقٌ من البخاري، وقد قدَّمنا أنَّ التجويزات
العَقْلَيَّة لا يليق استعمالها في الأُمور النَّقْليَّة، والله الموفّق.

٢٤٠
باب ١٠ / ح ٣٦٧
فتح الباري بشرح البخاري
١٠ - باب ما يُستَر من العَوْرة
٣٦٧- حدَّثنا قُتَيَبةُ بنُ سعيد، قال: حدَّثْنا لَيثٌ، عن ابنِ شِهَاب، عن عُبيد الله بنِ عبدِ الله
ابنِ عُتْبةَ، عن أبي سعيدِ الخُدْريِّ أَنَّه قال: نَهَى رسولُ اللهِوَله عن اشتِمال الصَّاء، وأنْ تَحَبِيَ
٤٧٧/١ الرجلُ في ثوبٍ واحدٍ ليسَ على/ فَرْجِه منه شيءٌ.
[أطرافه في: ١٩٩١، ٢١٤٤، ٢١٤٧، ٥٨٢٠، ٥٨٢٢، ٦٢٨٤]
قوله: ((باب ما يُستَر من العَورة)) أي: خارج الصلاة. والظاهر من تصرُّف المصنِّف أنَّه
يرى أنَّ الواجب سَتْر السَّوْآتَينِ فقط، وأمَّا في الصلاة فعلى ما تقدَّم من التفصيل، وأوَّل
أحاديث الباب يشهد له، فإِنَّه قَيَّدَ النهي بما إذا لم يكن على الفَرْج شيء، أي: يَستُّره،
ومُقتَضاه أنَّ الفَرْج إذا كان مستوراً فلا نهيَ.
قوله: ((عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُثْبةَ)) أي: ابن مسعود ((عن أبي سعيد)) هكذا رواه
اللیث عن ابن شهاب، ووافقه ابن جُرَیج کما أخرجه المصنّف في اللباس (٥٨٢٢)، ورواه
في اللِّباس أيضاً (٥٨٢٠) من طريق أُخرى عن الليث أيضاً، عن يونس، عن ابن شهاب،
عن عامر بن سعد، عن أبي سعيد، وسياقه أتمّ، وفيه النهي عن الملامسة والمنابذة أيضاً،
وفيه تفسير جميع ذلك. ورواه في الاستئذان (٦٢٨٤) من طريق سفيان عن ابن شهاب،
عن عطاء بن يزيد، عن أبي سعيد بنحو رواية يونس لكن بدون التفسير، والطُّرُق الثلاثة
صحیحة، وابن شهاب سمع حديث أبي سعيد من ثلاثة من أصحابه، فحدَّث به عن كلِّ
منهم بمُفرَدِهِ.
قوله: ((عن اشتمال الصَّاء)) هو بالصاد المهملة والمدّ، قال أهل اللُّغة: هو أنْ يُحُلِّل(١)
جسده بالثوب لا یرفع منه جانباً ولا يُنْقي ما يخرج منه يده.
قال ابن قُتَيبة: سُمّيَت صَمَّاء، لأَنَّه يَسُدّ المنافذ كلَّها فتصير كالصَّخْرة الصَّمَّاء التي ليس
فيها خَرْق. وقال الفقهاء: هو أنْ یَلتحِفَ بالثوب ثمَّ یرفعه من أحد جانبيهِ فیضعه على
(١) تصحفت في (أ) و(س) إلى: يخلل، بالخاء.