النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ باب ٦ / ح ٣٤٤ كتاب التيمم الناس: أَسْقُوا واستَقُوا، فسَقَى مَن شاءَ واستَقَى مَن شاءَ، وكان آخِرَ ذاكَ أنْ أعطَى الذي أصابَتْه الجَنَابةُ إناءً من ماء، قال: ((اذهَبْ فأفرِغْه عليكَ)) وهي قائمةٌ تَنظُرُّ إلى ما يُفعَلُ بمائها، وانْمُ الله، لقد أُقْلِعَ عنها وإِنَّه لَيُخَيَّلُ إلينا أنَّها أشَدُّ مِلْأةً منها حينَ ابتَدَأ فيها، فقال النبيُّ ◌َلَّ: ((اجَمَعُوا لها) فجَمَعُوا لها من بينِ عَجْوةٍ ودَقِيقٍ وسَوِيقة، حتَّى جَعُوا لها طَعاماً فجَعلُوها في ثوبٍ وَمَلُوها على بَعِيرِها، ووَضَعُوا الثَّوْبَ بِينَ يَدَيها، قال لها: ((تَعلَّمِينَ ما رَزِثْنا من مائِكِ شيئاً، ولكنَّ اللهَ هو الذي أَسْقانا)). فَأَتَتْ أهلها وقد احتَسَتْ عنهم، قالوا: ما حَبَسَكِ يا فُلانةُ؟ قالت: العَجَبُ! لَقِيَني رجلان فذَهَبا بي إلى هذا الذي يقالُ له: الصّابِي ففَعَلَ كَذا وكَذا، فوالله إنَّه لأسحَرُ الناسِ من بينِ هذه وهذه! وقالت بإصْبَعَيها الوُسْطَى والسَّابَةِ فَرَفَعَتُهُما إلى السَّماء - تَعْني: السَّمَاءَ والأرضَ - أو إِنَّه لَرسولُ الله حَقّاً. فكان المسلمُونَ بعد ذلك يُغِيرُونَ على مَن حَوْلها مِن المشركِينَ ولا يُصِيبُونَ الصِّرْمَ الذي هي منه، فقالت يوماً لقَوْمِها: ما أَرى هؤلاءِ القَوْمُ يَدَعُونَكُمْ عَمْداً، فهل لَكُم في الإسلام؟ فأطاعُوها فدَخَلُوا في الإسلام. قال أبو عبد الله: صبا: خَرَجَ مِن دِینٍ إلى غيرِه. وقال أبو العالِيَة: الصّابِئِينَ: فِرْقةٌ من أهلِ الكتابِ يَقْرَؤُونَ الزَّبُورَ. [طرفاه في: ٣٤٨، ٣٥٧١] قوله: ((حدَّثْنا مُسَّدٌ)) زاد أبو ذرٍّ: ((ابن مُسَرهَد))، ويحيى بن سعيد: هو القَطَّان، وعوف بالفاء: هو الأعرابيُّ، وأبو رجاء: هو العُطَارديّ، وعِمْرانُ: هو ابن حُصَين، كلّهم بصرتُّون. قوله: ((كنَّا فِي سَفَرَ معَ النبيّ ◌َ)) اختُلِفَ في تعيين هذا السَّفَر، ففي مسلم (٦٨٠) من حديث أبي هريرة: أنَّه وقع عند رُجوعهم من خَيْبر قريبٌ من هذه القِصَّة، وفي أبي داود (٤٤٧) من حديث ابن مسعود: أقبَلَ النبيّ وَّ من الحُدَيبية ليلاً فنزل فقال: مَن يَكْلَؤُنا؟ فقال بلال: أنا ... الحديث، وفي ((الموطَّأ)) (١٤/١) عن زيد بن أسلَمَ مُرسَلاً: عَرَّسَ رسولُ اللهِوَّ ليلة بطريق مكَّة، ووَكَّلَ بلالاً، وفي ((مصنَّف عبد الرزاق)) عن عطاء بن ١٨٢ باب ٦ / ح ٣٤٤ فتح الباري بشرح البخاري يسار مُرسَلاً: أنَّ ذلك كان بطريق تَبُوكَ(١)، وللبيهقيِّ في ((الدَّلائل)) (٢٤١/٥-٢٤٢) نحوه من حديث عُقْبة بن عامر، وروى مسلم (٦٨١) من حديث أبي قتادة مُطوَّلاً، والبخاري مختصراً في الصلاة (٥٩٥) قِصّة نومهم عن صلاة الصُّبْح أيضاً في السَّفَر، لكن لم يُعيِّنْه، ووقع في رواية لأبي داود (٤٣٨): أنَّ ذلك كان في غزوة جيش الأُمَراء، وتعقَّبه ابن عبد البَرِّ بأنَّ غزوة جيش الأُمَراء هي غزوة مُؤْتة ولم يشهدها النبيُّ وََّ، وهو كما قال، لكن ٤٩/١: يَحتمِل أنْ يكون المراد بغزوة جيش الأُمَراء غزوة أُخرى غير غزوة/ مُؤْتة. وقد اختلف العلماء هل كان ذلك مرَّة أو أكثر - أعني: نومهم عن صلاة الصُّبْح -؟ فجَزَمَ الأَصِيلِيّ بأنَّ القِصَّة واحدة، وتعقَّبِه القاضي عِيَاض بأنَّ قِصّة أبي قتادةَ مُغايرةٌ لقصَّة عِمْران ابن حُصَين، وهو كما قال، فإنَّ قِصّة أبي قتادةَ فيها: أنَّ أبا بكر وعمر لم يكونا مع النبيِّ وَِّ لمَّا نام، وقِصّة عِمْران فيها: أنَّهما كانا معه كما سنبيِّته، وأيضاً فِقِصّة عِمْران فيها: أنَّ أوَّل مَن استَيقَظَ أبو بكر ولم يَستيقِظ النبيّ وَِّ حَتَّى أيقَظَه عمر بالتكبير، وقِصّة أبي قتادةَ فيها: أنَّ أوَّل مَن استَيقَظَ النبيّ نَّهِ، وفي القِصَّتَينِ غير ذلك من وجوه المغايرات، ومع ذلك فالجمع بينهما ممكنٌ لا سيَّما ما وقع عند مسلم (٦٨١) وغيره: أنَّ عبد الله بن رَبَاح راوي الحديث عن أبي قتادةَ ذكر: أنَّ عِمْران بن حُصَينٍ سمعه وهو يُحدِّثُ بالحديث بطولِه فقال له: انظر كيف تُحدِّثُ، فإنّي كنت شاهداً القِصَّة، قال: فما أَنْكرَ عليه من الحديث شيئاً. فهذا يدلُّ على اتّحادها. لكن لمُدَّعي التعدُّد أنْ يقول: يحتمل أنْ يكون عِمْران حَضَرَ القِصَّتين، فحدَّث بإحداهما وصَدَّقَ عبدَ الله بن رَبَاح لمَّا حدَّث عن أبي قتادةَ بالأُخرى، والله أعلم. ومَّاً يدلّ على تعدُّد القِصَّة اختلافُ مواطنها كما قدَّمناه. (١) ذكره عن عبد الرزاق ابنُ عبد البر في «التمهيد)» ٢٠٧/٥، وهو بالإسناد الذي ساقه ابن عبد البر وبنحو متنه في المطبوع من ((مصنف عبد الرزاق)) برقم (٢٢٣٩) لكن ليس لتبوك فيه ذكرٌ. قال ابن عبد البر معقّباً على أثر عطاء هذا: وهذا لا يصح، والآثار الصِّحاح على خلاف قوله مُسنَدة ثابتة، وقوله مُرسَل. ١٨٣ باب ٦ / ح ٣٤٤ كتاب التيمم وحاول ابن عبد البَرِّ الجمعَ بينهما بأنَّ زمان رُجوعهم من خَيْبر قريبٌ من زمان رجوعهم من الحُدَيبية، وأنَّ اسم طريق مكَّة يَصدُقُ عليهما. ولا يخفى ما فيه من التكلَّف، ورواية عبد الرزاق بتعيين غزوة تَبُوك تَرُدُّ عليه. وروى الطَّبرانيُّ من حديث عَمْرو بن أُميّة شبيهاً بقِصَّة عِمْران، وفيه: أنَّ الذي كَلَأَ لهم الفجر ذو مِخْبَر، وهو بكسر الميم وسكون الخاء المعجَمة وفتح الموخَّدة، وأخرجه (١) من طريق ذي مِخْبَرٍ أيضاً، وأصله عند أبي داود (٤٤٥)، وفي حديث أبي هريرة عند مسلم (٦٨٠) أنَّ بلالاً هو الذي كَلَأَ لهم الفجر، وذكر فيه: أنَّ النبيَّ وَ ل﴿ كان أوَّلهم استيقاظاً كما في قِصّة أبي قتادة. ولابن حِبَّان في ((صحيحه) (١٥٨٠) من حديث ابن مسعود: أنَّه كَلَأَّ لهم الفجرَ (٢)، وهذا أيضاً يدلّ على تعدُّد القِصَّة، والله أعلم. قوله: ((أسرَينا)) قال الجَوْهَري: تقول: سَرَيتُ وأسرَيتُ بمعنى: إذا سِرْتَ ليلاً، وقال صاحب ((المحكم)): السُّرى: سيرُ عامّة الليل، وقيل: سير الليل كلّه. وهذا الحديث يخالف القول الثاني. قوله: ((وَقَعْنا وَفْعَة)) في رواية أبي قتادةَ عند المصنِّف (٥٩٥) ذِكْر سبب نزولهم في تلك الساعة وهو سؤال بعض القوم في ذلك، وفيه أنَّه وَ لّه قال: ((أخاف أنْ تناموا عن الصلاة، فقال بلال: أنا أُوقِظهم)). قوله: ((فكان أوَّلَ مَن استَيقَظَ فلان)) بنصب ((أوَّل))، لأنَّه خبر ((كان)). وقوله: ((الرابعُ)) هو في روايتنا بالرفع، ويجوز نصبُه على خبر ((كان)) أيضاً، وقد بيَّن عَوْفٌ أَنَّه نَسِيَ تسمية الثلاثة مع أنَّ شيخه كان يُسمّيهم، وقد شارَكَه في روايته عنه سَلْم ابن زَرِير فسَمَّی أوَّل مَن استَقَظ، أخرجه المصنّف في علامات النُّبوّة من طريقه (٣٥٧١) (١) يعني الطبراني، وهو في ((معجمه الکبیر)) برقم (٤٢٢٨). (٢) كذا نسبه الحافظ لابن حبان وكان الأَولى أن ينسبه إلى من هو أعلى طبقة منه، وهو الإمام أحمد، فقد أخرجه في («مسنده)) برقم (٤٣٠٧)، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة ٨٣/٢، والبزار (١٩٨٩)، وأبو يعلى (٥٠١٠)، وكلهم بالإسناد نفسه الذي عند ابن حبان، وهو حسنٌ. ١٨٤ باب ٦ / ح ٣٤٤ فتح الباري بشرح البخاري ولفظه: ((فكان أوَّل مَن استَيقَظَ أبو بَكْر))، ويُشْبه - والله أعلمُ - أنْ يكون الثاني عِمْران راوي القِصَّة، لأنَّ ظاهر سياقه أنَّه شاهَدَ ذلك ولا يُمكِنه مُشاهَدَته إلَّا بعد استيقاظه، ويُشْبِه أنْ يكون الثالث مَن شارَكَ عِمْران في رواية هذه القِصَّة المعيَّنة، ففي الطبراني من رواية عَمْرو بن أُميَّةُ: قال ذو مِخْبَر: فما أيقَظَني إلَّا حَرُّ الشمس، فجِئْت أدنى القوم فأيقَظْته، وأيقَظَ الناس بعضهم بعضاً حتَّى استَيقَظَ النبيّ ◌َِه. قوله: ((لأنّا لا نَذْري ما يَحَدُث له)) بضم الدَّال بعدها مُثَّثة، أي: من الوَحْي، كانوا يخافون من إيقاظه قَطْعَ الوَحْي، فلا يُوقِظونَه لاحتمال ذلك. قال ابن بَطَّال: يُؤخَذ منه التمسُّك بالأمر الأعمّ احتياطاً. قوله: ((وكان رجلاً جليداً» هو من الجَلَادة بمعنى الصلابة، وزاد مسلمٌ (٦٨٢) هنا: ((أجوَف)) أي: رفيع الصوت، يَخْرُج صوته من جَوْفه بقوّة. وفي استعماله التكبير سُلوك طريق الأدب والجمع بين المصلحتين، وخَصَّ التكبير، لأنَّه أصلُ الدُّعاء إلى الصلاة. قوله: ((الذي أصابهم)) أي: من نومهم عن صلاة الصُّبْح حتَّى خرج وقتها. قوله: ((لا ضَيْر)) أي: لا ضَرَر، وقوله: ((أو لا يضيرُ)) شكٌّ من عَوْفٍ صَرَّحَ بذلك ٤٥٠/١ البيهقيُّ في روايته (٢١٨/١-٢١٩)، ولأبي نُعيم في ((المستخرَج)): ((لا يَسوءُ/ ولا يضيرُ)). وفيه تأنيسٌ لقلوب الصحابة لما عَرَضَ لهم من الأسَف على فوات الصلاة في وقتها، بأنَّهم لا حرجَ عليهم إذْ لم يَتعمَّدوا ذلك. قوله: ((ارَحِلُوا)) بصيغة الأمر، استُدلَّ به على جواز تأخير الفائتة عن وقت ذِكْرِها إذا لم يكن عن تَغافُل أو استهانة، وقد بيَّن مسلم (٦٨٠/ ٣١٠) من رواية أبي حازم عن أبي هريرة السبب في الأمر بالارتحال من ذلك الموضع الذي ناموا فيه، ولفظه: «فإنَّ هذا مَنْزِلٌ حَضَرَنا فيه الشيطان))، ولأبي داود من حديث ابن مسعود: ((تحوَّلوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغَفْلة))(١)، وفيه رَدٌّ على مَن زَعَمَ أنَّ العِلّة فیه کَوْنُ ذلك کان وقت الكراهة، بل في حدیث (١) حديث ابن مسعود عند أبي داود (٤٤٧) وليس فيه هذا الحرف، وإنما هو عنده في حديث أبي هريرة (٤٣٦). ١٨٥ باب ٦ / ح ٣٤٤ كتاب التيمم الباب أنَّهم لم يَستيقِظوا حتَّى وَجَدوا حَرّ الشمس، ولمسلم (٣٠٩/٦٨٠) من حديث أبي هريرة: ((حتَّى ضربتهم الشمس)) وذلك لا يكون إلَّ بعد أنْ يذهب وقتُ الكراهة. وقد قيل: إنَّمَا أَخَّرَ النبيُّ نَّهَ الصلاة لاشتغالهم بأحوالها، وقيل: تَحُّزاً من العَدوّ، وقيل: انتظاراً لما ينزل عليه من الوَحْي، وقيل: لأنَّ المحلَّ محلّ غَفْلة كما تقدَّم عند أبي داود، وقيل: ليَستيقِظَ مَن كان نائماً، ويَنشَطَ مَن كان کَسْلاناً. ورُوِيَ عن ابن وَهْب وغيره: أنَّ تأخير قَضاء الفائتة منسوخ بقوله تعالى: ﴿ وَأَقِيمِ الصَّلَوةَ لِذِكْرِىّ﴾ [طه: ١٤]، وفيه نظر، لأنَّ الآية مكيّة والحديث مدنيّ، فكيف ينسخ المتقدِّمُ المتأخِّر؟ وقد تكلّم العلماء في الجمع بين حديث النوم هذا وبين قوله وَّهِ: ((إنَّ عينَيَّ تنامان ولا ينام قَلْبِي))(١)، قال النّووي: له جوابان: أحدهما: أنَّ القلب إنَّما يُدرِك الِحِسِّيّات المتعلِّقة به كالحَدَثِ والألم ونحوهما، ولا يُدرِك ما يتعلَّق بالعين، لأنَّها نائمةٌ والقلب يقظان. والثاني: أنَّه كان له حالان: حالٌ كان قلبُه فيه لا ينام وهو الأغلَب، وحال ينام فيه قلبُه وهو نادر، فصادَفَ هذا، أي: قصّةَ النوم عن الصلاة. قال: والصحيح المعتمَد هو الأوَّل، والثاني ضعيف. انتهى، وهو كما قال. ولا يقال: القلب وإنْ كان لا يُدرِك ما يتعلَّق بالعين من رُؤْية الفجر مثلاً، لكنَّه يُدرِك إذا كان يقظاناً مُرور الوَقْت الطّويل، فإنَّ من ابتداء طلوع الفجر إلى أنْ حَمِيَت الشمس مُدَّة طويلة لا تخفَى على مَن لم يكن مُستغرِقاً، لأنَّا نقول: يحتمل أنْ يقال: كان قلبه وَّهِ إِذْ ذاكَ مُستغرِقاً بالوَحْي، ولا يَلزَم مع ذلك وَصْفُه بالنوم، كما كان يَستَغرِق ◌َلِّ حالة إلْقاء الوَحْي في اليَقَظة، وتكون الحِكْمة في ذلك بيان التشريع بالفعل، لأنَّه أوقَعُ في النَّفْس كما في قضيّة سَهْوه في الصلاة. (١) سيأتي عند البخاري برقم (١١٤٧). ١٨٦ باب ٦ / ح ٣٤٤ فتح الباري بشرح البخاري وقريب من هذا جواب ابن المنيِرِ: أنَّ القلب قد يَحَصُل له السَّهْو في اليقظة لمصلحة التشريع، ففي النوم بطريق الأَولى، أو على السَّواء. وقد أُجيب على أصل الإشكال بأجوبةٍ أُخرى ضعيفة، منها أنَّ معنى قوله: ((لا ينام قَلْبي)) أي: لا يخفى عليه حالة انتقاض وُضوئه، ومنها: أنَّ معناه لا يَستغرِق بالنوم حتَّى يُوجَد منه الحَدَث، وهذا قريب من الذي قبله. قال ابن دَقِيق العيد: كأنَّ قائل هذا أراد تخصيص يَقَظة القلب بإدراك حالة الانتقاض، وذلك بعيد، وذلك أنَّ قوله وَّ: ((إنَّ عينَيَّ تنامان ولا ينام قَلْبي)) خرج جواباً عن قول عائشة: أتنامُ قبل أنْ تُوتِرَ؟ وهذا كلام لا تَعلَّق له بانتقاض الطهارة الذي تكلَّموا فيه، وإنَّما هو جواب يتعلَّق بأمر الوِتْر، فتُحمَلُ يَقَظَته على تَعلُّق القلب باليقظة للوِتْر، وفرقٌ بين مَن شَرَعَ في النوم مُطْمَئِنَّ القلب به، وبين مَن شَرَعَ فيه مُتعلِّقاً باليَقَظة. قال: فعلى هذا فلا تَعارُض ولا إشكال في حديث النوم حتَّى طَلَعَت الشمس، لأنَّه يُحِمَل على أنَّه اطمَأنَّ في نومه لما أو جَبَه تَعَبُ السَّير مُعتمِداً على مَن وَكَّلَه بكِلاءة الفجر. انتهى، والله أعلم. ومُحصَّلُه: تخصيصُ اليَقَظة المفهومة من قوله: ((ولا ينام قَلْبي)) بإدراكه وقت الوِثْر إدراكاً معنَويّاً لتَعلَّقِه به، وأنَّ نومه في حديث الباب كان نوماً مُستغرِقاً، ويؤيِّده قول بلال له: ((أخَذَ بنفسي الذي أخَذَ بنفسِك)) كما في حديث أبي هريرة عند مسلم (٣٠٩/٦٨٠) ولم يُنكِرِ عليه، ومعلومٌ أنَّ نوم بلال كان مُستغرِقاً. وقد اعتُرضَ عليه بأنَّ ما قاله يقتضى اعتبار خصوص السبب، وأجابَ بأنَّه يُعْتبَر إذا قامت عليه قَرينةٌ وأرشَدَ إليه السِّياق، وهو هنا كذلك. ٤٥١/١ ومن الأجوبة / الضَّعيفة أيضاً قول مَن قال: كان قلبُه يقظاناً وعلم بخروج الوقت، لكن ترك إعلامهم بذلك عَمْداً لمصلحة التشريع. وقول مَن قال: المراد بنفي النوم عن قلبه أَنَّه لا يَطْرَأ عليه أضْغاث أحلام كما يَطْرَأ على غيره، بل كلُّ ما يراه في نومه حقٍّ ووَحْيٌّ. فهذه عِدّة أجوبة أقربها إلى الصواب الأوَّل على الوجه الذي قَرَّرْناه، والله المستعان. ١٨٧ باب ٦ / ح ٣٤٤ كتاب التيمم فائدة: قال القُرْطبي: أخَذَ بهذا بعض العلماء فقال: مَن انتَبَهَ من نوم عن صلاة فاتَتْه في سفر، فلْيَتحوَّلْ عن موضعه، وإنْ كان وادياً فليخرج عنه، وقيل: إنَّما يَلزَم في ذلك الوادي بعينِهِ، وقيل: هو خاصٌّ بالنبيِّ وَّة، لأنَّه لا يعلم من حال ذلك الوادي ولا غيره ذلك إلَّا هو. وقال غيره: يُؤخَذ منه: أنَّ مَن حصلت له غَفْلة في مكان عن عبادة، استُحِبَّ له التحوُّل منه، ومنه أمرُ الناعس في سماع الخُطْبة يوم الجمعة بالتحوُّل من مكانه إلى مكان آخَرَ (١). قوله: ((فسارَ غير بَعيدٍ)) يدلُّ على أنَّ الارتحال المذكور وقع على خلاف سيرهم المعتاد. قوله: ((ونُوديَ بالصلاة)) استُدلَّ به على الأذان للفوائت، وتُعُقِّبَ بأنَّ النِّداء أعمُّ من الأذان، فيحتمل أنْ يُراد به هنا الإقامة. وأُجيب بأنَّ في رواية مسلم (٦٨١) من حديث أبي قتادةَ التصريح بالتأذين، وكذا هو عند المصنِّف في أواخر المواقيت (٥٩٥)، وتَرجَمَ له ترجمةً خاصّة بذلك كما سيأتي. قوله: ((فصَلَّى بالناس)) فيه مشروعيَّةُ الجماعة في الفوائت. قوله: ((إذا هو برجلٍ)) لم أقِفْ على تسميته، ووقع في ((شرح العُمْدة)) للشّيخ سِراج الدّين بن الملقِّن ما نصُّه: هذا الرجل هو خَلَادُ بن رافع بن مالك الأنصاريّ أخو رِفاعة، شَهِدَ بدراً، قال ابن الكلبي: وقُتِلَ يومَئذ، وقال غيره: له رواية، وهذا يدلُّ على أنَّه عاشَ بعد النبيّ ێ﴾. قلت: أمَّا على قول ابن الكلبيّ، فيستحيل أنْ يكون هو صاحب هذه القِصَّة، لتقدُّم وَقْعة بدر على هذه القِصَّة بمُدَّةٍ طويلة بلا خلاف، فكيف تَحِضُرُ هذه القِصَّة بعد قَتْله؟ وأمَّا على قول غير ابن الكلبيّ فيحتمل أنْ يكون هو، لكن لا يَلزَم من كَوْنه له رواية أنْ يكون عاشَ بعد النبيّ وَّه، لاحتمال أنْ تكون الرواية عنه مُنقطِعة، أو مُتَّصِلة لكن نقلها عنه (١) روي هذا عن ابن عمر مرفوعاً وموقوفاً، والموقوف أصحُّ، انظر ((مسند أحمد)) (٤٧٤١). ١٨٨ باب ٦ / ح ٣٤٤ فتح الباري بشرح البخاري صحابي آخر ونحوه. وعلى هذا فلا منافاة بين هذا وبين مَن قال: إنَّه قُتِلَ ببدرٍ إلَّا أنْ تجيءَ رواية عن تابعيٍّ غير مُضرَم وصَرَّحَ فيها بسماعه منه، فحينئذٍ يَلزَم أنْ يكون عاشَ بعد النبيِّ وَّة، لكن لا يَلزَم أنْ يكون هو صاحب هذه القِصَّة، إلَّا إنْ وَرَدَت رواية مخصوصة بذلك، ولم أقِفْ عليها إلى الآن. قوله: ((أصابَتْني جَنابةٌ ولا ماءً)) بفتح الهمزة، أي: معي أو موجود، وهو أبلَغُ في إقامة عُذْرِه. وفي هذه القِصَّة مشروعيّة تيمُّم الجُنُب، وسيأتي القول فيه في الباب الذي بعده. وفيها جواز الاجتهاد بحَضْرة النبيّ ◌َّهِ، لأنَّ سياق القِصَّة يدلّ على أنَّ التيُم كان معلوماً عندهم، لكنَّه صريح في الآية عن الحَدَث الأصغر، بناء على أنَّ المراد بالملامسة ما دون الجماع، وأمَّ الحَدَث الأكبر فليست صريحة فيه، فكأنَّه كان يعتقد أنَّ الْجُنُب لا يَتَيَمَّم، فَعَمِلَ بذلك مع قُدْرَته على أنْ يسأل النبيَّ وَّر عن هذا الْحُكْم، ويحتمل أنَّه كان لا يعلم مشروعيَّة التيمُّم أصلاً فكان حُكْمُه حكمَ فاقد الطّهورين. ويُؤخَذ من هذه القِصَّةِ: أنَّ للعالم إذا رأى فعلاً مُحتمَلاً أنْ يسأل فاعله عن الحال فيه لیُوضِحَ له وجه الصواب. وفيه التحريض على الصلاة في الجماعة، وأنَّ ترك الشخص الصلاة بحَضْرة المصلِّين مَعِيبٌ على فاعله بغير عُذْر. وفيه حُسْنُ الملاطفة، والرِّفْقُ في الإنكار. قوله: ((عليك بالصَّعيد)» وفي رواية سَلْم بن زَرِير (٣٥٧١): «فأمَرَه أنْ يَتَيَمَّم بالصَّعید»، واللام فيه للعَهْدِ المذكور في الآية الكَرِيمة، ويُؤْخَذ منه الاكتفاء في البيان بما يَحَصُّل به المقصود من الإفهام، لأنَّه أحالَه على الكيفيّة المعلومة من الآية، ولم يُصرِّحْ له بها. ودَلَّ قوله: ((يَكْفيك)) على أنَّ المتيمِّم في مثل هذه الحالة لا يلزمه القضاء، ويحتمل أنْ يكون المراد بقوله: ((يَكْفيك)) أي: للأداء، فلا يدلّ على تركِ القضاء. ٤٥٢/١ قوله: ((فدعا فلاناً)) هو عمران بن حُصَین، ویدلّ على ذلك قوله في روایة سَلْم بن/ زَریر ١٨٩ باب ٦ / ح ٣٤٤ كتاب التيمم عند مسلم (٦٨٢): ثمَّ عَجَّلَني النبيّ وَ لَ فِي رَكْب بين يديه نَطلُب الماء، ودَلَّت هذه الرواية على أنَّه كان هو وعليٌّ فقط، لأنَّما خُوطِيا بلفظ التثنية، ويحتمل أنَّه كان معهما غيرهما على سبيل التبعيَّة لهما، فيَتَّجه إطلاق لفظ ((رَكْب)) في رواية مسلم، وخُصّا بالخِطاب لأنَّهما المقصودان بالإرسال. قوله: ((فابتَغِيا)) للأصِيليّ: ((فابغِيَا)) ولأحمد (١٩٨٩٨): ((فأبغِيَان))(١)، والمراد: الطَّلَب، يقال: ابْتَغِ الشيء، أي: تَطَلَبْه، وابغِ الشيء، أي: اطلُبْه، وأبغِني، أي: اطلُبْ لي. وفيه الجَزْي على العادة في طَلَب الماء وغيره دون الوقوف عند خَرْقها، وأنَّ التسُب في ذلك غیر قادح في التوُّل. قوله: ((بين مَزَادَتَين)) المَزادة بفتح الميم والزَّاي: قِرْبة كبيرة يُزاد فيها جِلْدٌ من غيرها، وتُسمَّى أيضاً: السَّطيحة، و((أو)) هنا شكٌّ من عَوْف خُلوِّ رواية سَلْم بن زَرِير (٢) عن أبي رجاء عنها، وفي رواية سَلْم(٣): ((فإذا نحن بامرأةٍ سادلة - أي: مُدلّية - رِجْليها بين مَزادتَين)) والمراد بهما الراوية. قوله: ((أمسٍ)) خبرٌ لمبتدَأ، وهو مبنيٌّ على الكسر، و((هذه الساعةَ)) بالنصب على الظَّرْفِيَّة، وقال ابن مالك: أصلُه: في مثل هذه الساعة، فحُذِفَ المضاف وأُقيمَ المضاف إليه مقامه، أي: بعد حذف (في)». قوله: ((ونَفَرُنا)) قال ابن سِيدَه: النَّفَر: ما دون العشرة، وقيل: النَّفر: الناس، عن كُراع. قلت: وهو اللّائق هنا، لأنَّها أرادت أنَّ رجالها تخلَّفوا لطلب الماء. و(خُلوف)) بضمِّ الخاء المعجَمة واللام جمع: خالِف، قال ابن فارس: الخالف: المستقي، ويقال أيضاً لمن غاب، ولعلَّه المراد هنا، أي: أنَّ رجالها غابوا عن الخَيّ، ويكون قولها: (١) هكذا هو في بعض نسخ ((المسند)) كما في حاشية السندي عليه، وفي أكثر النسخ: ((فابغيا لنا)). (٢) في (س): رواية مسلم عن أبي رجاء، وهو خطأ. (٣) تحرفت في (س): إلى: مسلم. ورواية سَلْم هذه عند مسلم برقم (٦٨٢)، وهي عند البخاري أيضاً برقم (٣٥٧١). ١٩٠ باب ٦ / ح ٣٤٤ فتح الباري بشرح البخاري ((ونَفَرُنا خُلوف)) جملةٌ مستقلّةٌ زائدةٌ على جواب السؤال. وفي رواية المُستَمْلي والحَمُّوِيّ: (ونَفَرنا خُلوفاً) بالنصب على الحال السادّة مَسَدَّ الخبر(١). قوله: ((الصّابي)) بلا همز، أي: المائل، ويُروَى بالهمز من: صَبَأْ صُبوءاً، أي: خرج من دين إلى دين. وسيأتي تفسيره للمصنّف في آخر الحديث. قوله: ((هو الذي تَعْنينَ)) فيه أدَبٌّ حسن، ولو قالا لها: ((لا)) لَفاتَ المقصود، أو ((نعم)) لم يَحْسُن بهما إذْ فيه تقرير ذلك، فَتَخَلَّصا أحسن تَخُلُّص. وفيه جواز الخَلْوة بالأجنبيَّة في مثل هذه الحالة عند أَمن الفِتْنة. قوله: ((فاستَزَلُوها عن بعيرها)» قال بعض الشُّراح المتقدِّمين: إنَّما أخذوها واستَجازوا أخذَ مائها، لأنَّها كانت كافرة حَرْبِيَّةٍ، وعلى تقدير أنْ يكون لها عَهْدٌ فضرورةُ العَطَش تُبيح للمسلم الماءَ المملوك لغيره على عِوَض، وإلَّا فنفسُ الشارع تُقدَى بكلِّ شيء على سبيل الوجوب. قوله: (ففَرَّغَ)) وللكُشْمِيهَنيّ: ((فأفرَغَ فيه من أفواه المزادتَين))، زاد الطَّبرانيُّ (٢٧٦/١٨) والبيهقيُّ (٢١٨/١ -٢١٩) من هذا الوجه: ((فتمضمض في الماء وأعادَه في أفواه المزادتَين)) وبهذه الزيادة تَنَّضِحُ الحِكْمة في رَبْط الأفواه بعد فتحها، وإطلاق الأفواه هنا كقوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم:٤] إذْ ليس لكلِّ مَزادة سوى فم واحد، وعُرِفَ منها أنَّ البَرَكة إنَّما حصلت بمُشاركة ريقه الطاهر المبارَك للماء. قوله: ((وأو كاً)) أي: رَبَط. وقوله: ((وأطلَقَ)) أي: فَتَحَ، و((العَزَالي)) بفتح المهمَلة والَّاي وكسر اللام ويجوز فتحها: جمع عَزْلاء بإسكان الَّاي، قال الخليل: هي مَصَبُّ الماء من الراويَةِ، ولكلِّ مَزادة عِزالان من أسفَلِها. (١) تعقَّب العيني في ((عمدة القاري)) ٣٠/٤ هذا القول فقال: ما الخبرُ هنا حتى تسدَّ الحالُ مسدّه! والأوجه ما قاله الكرماني: أنه منصوب بكان المقدّر. ١٩١ باب ٦ / ح ٣٤٤ كتاب التيمم قوله: ((أَسقُوا)) بهمزة قَطْع مفتوحة من أسقَى، أو بهمزة وصل مكسورة من سَقَى، والمراد أنَهم سَقَوْا غيرهم كالدَّوابِّ ونحوها واستَقَوْا هم. قوله: ((وكان آخرَ ذلك أنْ أعطَى)) بنصب ((آخر)) على أنَّه خبر مُقدَّم، و((أنْ أعطى)) اسم كان، ويجوز رفعه على أنَّ ((أعطى)) الخبر، لأنَّ كِلَيهما معرفة، قال أبو البقاء: والأوَّل أقوى، ومثله قوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾﴾ الآية [النمل: ٥٦]. واستدلَّ بهذه القِصَّة على تقديم مصلحة شُرْب الآدميّ والحيوان على غيره كمصلحة الطهارة بالماء لتأخيرِ المحتاج إليها عمَّن سَقَى واستَقَى، ولا يقال: قد وقع في رواية سَلْم ابن زَرِير (٣٥٧١): ((غير أنَّا لِم نَسْقِ بعيراً»، لأنَّ نقول: هو محمول على أنَّ الإبل لم تكن / ٤٥٣/١ محتاجة إِذْ ذاكَ إلى السَّقْي، فيُحمَل قوله: ((فسَقَى)) على غيرها. قوله: ((وإيمُ الله)) بفتح الهمزة وكسرها والميم مضمومة أصله: ((أيمُن الله)) وهو اسمٌ وُضِعَ للقَسَم هكذا ثمَّ حُذِفَت منه النون تخفيفاً، وألفُه ألفُ وَصْل مفتوحة، ولم يجئ كذلك غيرها، وهو مرفوع بالابتداء وخبره محذوف والتقدير: ايمُ الله قَسَمي، وفيها لُغات جمع منها النَّوويّ في (تهذيبه)) سبع عشرة، وبَلَغَ بها غيره عِشْرين، وسيكون لنا إليها عَوْدة لبيانها في كتاب الأيمان (٦٦٢٧) إن شاء الله تعالى. ويُستَفاد منه جواز التوكيد باليمينِ وإنْ لم یتعیَّن. قوله: ((أشَدُّ مِلْأة)) بكسر الميم وسكون اللام بعدها همزة، وفي رواية للبيهقيّ (٢١٨/١ - ٢١٩): ((أملأ منها))، والمراد: أنَّهم يَظُنّون أنَّ ما بقي فيها من الماء أكثر ممّا كان أوَّلاً. قوله: ((اجمعُوا لها)) فيه جواز الأخذ للمُحتاج برِضا المطلوب منه، أو بغير رِضاه إنْ تَعيَّن، وفيه جواز المعاطاة في مثل هذا من الهِبات والإباحات من غير لفظٍ من المعطي والآخذ. قوله: ((من بين عَجْوةٍ وسَوِيقةٍ ودَقيقةٍ)) العَجْوة معروفة، والسَّويقة بفتح أوَّله: وكذا الَّقيقة، وفي رواية كَرِيمة بضمِّها مُصغَّراً مُثقَّلاً. ١٩٢ باب ٦ / ح ٣٤٤ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((حتَّى جَمعُوا لها طَعاماً)) زاد أحمد في روايته (١٩٨٩٨): ((كثيرا)). وفيه إطلاق لفظ الطعام على غير الحِنْطة والذُّرة خلافاً لمن أَبى ذلك، ويحتمل أنْ يكون قوله: ((حتَّى جمعوا لها طعاماً) أي: غير ما ذُكِرَ من العَجْوة وغيرها. قوله: ((قال لها: تَعلَّمينَ)) بفتح أوَّله وثانيه وتشديد اللام، أي: اعلَمي، وللأَصِيلِيّ: ((قالوا)) وللإسماعيليِّ: ((قال لها رسول الله ،َ﴿))، فتُحمَلُ رواية الأَصِيليّ على أنَّهم قالوا لها ذلك بأمره. وقد اشتَمَلَ ذلك على عَلم عظيم من أعلام النُّبوّة. قوله: «ما رَزِثْنا)» بفتح الراء وكسر الَّاي - ويجوز فتحها - وبعدها همزة ساكنة، أي: نَقَصْنا، وظاهرُه أنَّ جميع ما أخذوه من الماء ممَّا زاده الله تعالى وأوجَدَه، وأنَّه لم يَخْتَلِط فيه شيءٌ من مائها في الحقيقة وإنْ كان في الظاهر مُخْتَلِطاً، وهذا أبدَعُ وأغرَبُ في المعجزة، وهو ظاهر قوله: ((ولكنَّ الله هو الذي أسقانا))، ويحتمل أنْ يكون المراد: ما نَقَصْنا من مِقْدار مائك شيئاً. واستدلَّ بهذا على جواز استعمال أواني المشركين ما لم يتيقَّن فيها النجاسة، وفيه إشارة إلى أنَّ الذي أعطاها ليس على سبيل العِوَض عن مائها، بل على سبيل التكُّم والتفضُّل. قوله: ((وقالت بإصْبَعَيها)) أي: أشارت، وهو من إطلاق القول على الفعل. قوله: (يُغِيرُونَ)) بالضمِّ من أغار، أي: دَفَعَ الخيل في الحَرْب. قوله: ((الصِّرْم)) بكسر المهمَلة، أي: أبياتاً مُجُتِمِعة من الناس. قوله: ((فقالت يوماً لقَوْمِها: ما أَرى هؤُلاءِ القومُ يَدَعُونَكُمْ عَمْداً)) هذه رواية الأكثر، قال ابن مالك: ((ما)) موصولة، و((أَرى)) بفتح الهمزة بمعنى: أعلم، والمعنى: الذي أعتَقِدُه أنَّ هؤلاء يَترُكونَكم عَمْداً لا غَفْلة ولا نِسْياناً، بل مراعاة لما سبق بيني وبينهم، وهذه الغاية في مُراعاة الصُّحْبة اليسيرة، وكان هذا القول سبباً لرَغْبتِهم في الإسلام. وفي رواية أبي ذرٍّ: ((ما أرى أنَّ هؤلاء القوم))، وقال ابن مالك أيضاً: وقع في بعض النُّسَخِ: ((ما أدري أنَّ هؤلاء)) - يعني رواية الأَصِيليّ - قال: و((ما)) موصولة و((أنّ)) بفتح الهمزة. وقال غيره: ((ما)) ١٩٣ باب ٦ / ح ٣٤٤ كتاب التيمم نافية و((أنّ) بمعنى: لَعَلّ. وقيل: ((ما)) نافية و((إنّ)) بالكسر، ومعناه: لا أعلم حالكم في تَخُلُّفكم عن الإسلام مع أنَّهم يَدَعونَكم عَمْداً. ومُحصَّل القِصَّة: أنَّ المسلمين صاروا يُراعون قومها على سبيل الاستثلاف لهم حتَّى كان ذلك سبباً لإسلامهم. وبهذا يَحصُل الجواب عن الإشكال الذي ذكره بعضهم، وهو أنَّ الاستيلاء على الكُفّارِ بمجرَّدِهِ يُوجِب رِقَّ النساء والصِّبْيان، وإذا كان كذلك فقد دخلت المرأة في الرِّقّ باستيلائهم عليها، فكيف وقع إطلاقها وتزويدها كما تقدَّم؟ لأنَّا نقول: أُطلِقَت لمصلحة الاستئلاف الذي جَرَّ دخول قومها أجمعين في الإسلام، ويحتمل أنَّهَا كان لها أمانٌ قبل ذلك، أو كانت من قوم لهم عَهْدٌ. واستدلَّ به بعضهم على جواز أخذ أموال الناس عند الضَّرورة بثَمَنِ إنْ كان له ثَمَن، وفيه نظر، لأنَّه بَناه على أنَّ الماء كان مملوكاً للمرأة وأنَّها كانت معصومة النَّفْس والمال، ويحتاج/ إلى ثبوت ذلك، وإنَّما قدَّمناه احتمالاً. ٤٥٤/١ وأمَّا قوله: (بثَمَن)) فكأنَّه أخَذَه من إعطائها ما ذَكَر، وليس بمستقيم، لأنَّ العَطيَّة المذكورة مُتَقوَّمة، والماء مِثْلِيّ، وضمان المثليّ إنَّما يكون بالمثل. ويَنعَكِس ما قاله من جهةٍ أُخرى: وهو أنَّ المأخوذ من فضل الماء للضَّرورة لا يجبُ العِوَضُ عنه. وقال بعضهم: فيه جواز طعام المُخارَجة، لأنَّهم تَّخَارَجوا في عِوَض الماء، وهو مبنيٌّ على ما تقدَّم. وفيه أنَّ الخوارق لا تُغيِّر الأحكام الشَّرْعيَّة. قوله: ((قال أبو عبد الله: صَبَأ ... )) إلى آخره، هذا في رواية المُستَمْلي وحدَه، ووقع في نسخة الصَّغَاني: ((صَبَأ فلان: انخَلَع، وأصبًا)) أي: كذلك. وكذا قوله: ((وقال أبو العالية ... )) إلى آخره، وقد وَصَلَه ابن أبي حاتم (١) من طريق الرَّبيع بن أنس عنه. وقال غيره: هم منسوبون إلى صابئ بن متوشلح عَمّ نوح عليه السلام. وروى ابن مَرْدويه بإسنادٍ حسن عن ابن عباس قال: الصابئون ليس لهم کتاب، انتهى. (١) في «تفسيره)) (٦٤٣). وأخرجه أيضاً ابنُ جرير الطبري في تفسيره» ١/ ٣٢٠ موصولاً بالإسناد نفسه. ١٩٤ باب ٧ فتح الباري بشرح البخاري ووقع في نسخة الصَّغَانيّ: ((أَصْبُ: أَمِلْ)) وهذا سيأتي في تفسير سورة يوسف إن شاء الله تعالى. وإنَّما أورَدَ البخاري هذا هنا ليُبيِّنَ الفَرْق بين الصابئ المراد في هذا الحديث، والصابئ المنسوب للطائفة المذكورة، والله أعلم. ٧ - باب إذا خاف الجُنُب على نفسه المرضَ أو الموتَ أو خاف العطشَ تیمَّم ويُذكَرُ: أَنَّ عَمْرَو بنَ العاصِ أجنَبَ في ليلةٍ باردٍ، فَتَيَّمَ وتَلا: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اُللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] فَذُكِرَ للنبِّوَّ فلم يُعَنِّف. قوله: ((باب إذا خافَ الجُنُب على نَفْسه المرض ... )) إلى آخره، مراده إلحاق خَوْف المرض، وفيه اختلاف بين الفقهاء، بخَوْف العَطَش ولا اختلاف فيه. قوله: ((ويُذكَّرُ أَنَّ عَمْرو بن العاص)) هذا التعليق وَصَلَه أبو داود (٣٣٤) والحاكم (١/ ١٧٧ -١٧٨) من طريق يحيى بن أيوب، عن يزيد بن أبي حَبيب، عن عِمْران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جُبير، عن عَمْرو بن العاص قال: احتَلمتُ في ليلة باردة في غزوة ذات السَّلاسل، فأشفَقْتُ أنْ أغتسِل فأهلِكَ، فَتَيَمَّمت، ثمَّ صلَّيتُ بأصحابي الصُّبْح، فذكروا ذلك للنبيِّ وَِّ فقال: ((يا عَمْرو، صلَّيت بأصحابك وأنت جُنُبُّ؟» فأخبرته بالذي مَنَعَني من الاغتسال وقلت: إنّي سمعت الله يقول: ﴿ وَلَا نَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، فضَحِكَ رسولُ اللهِوَّهِ ولم يقل شيئاً. ورَوَياه(١) أيضاً من طريق عَمْرو بن الحارث عن يزيد بن أبي حَبيب، لكن زاد بين عبد الرحمن بن جُبَير وعَمْرو(٢) رجلاً وهو أبو قيسٍ مولى عَمْرو بن العاص، وقال في القِصَّة: ((فَغَسَلَ مَغابنَه وتوضَّأ)) ولم يقل: تَيمَّم، وقال فيه: (لو اغتَسَلْتُ مُتّ))، وذَكَر أبو داود: أنَّ الأوزاعيَّ روى عن حسَّان بن عَطيَّة هذه القِصَّة فقال فيها: (فَتَمَّم))، انتهى. (١) أبو داود (٣٣٥)، والحاكم ١/ ١٧٧. (٢) في (س) والأصلين: ((بين عبد الرحمن بن جبير وعبد الله بن عمرو)) وهو خطأ واضح. ١٩٥ باب ٧ / ح ٣٤٥ كتاب التيمم ورواها عبد الرزاق (٨٧٨) من وجه آخر عن عبد الله بن عَمْرو بن العاص [عن أبيه](١) ولم يَذْكُر التيمُّم، والسِّياق الأوَّل أَلْيَق بمراد المصنّف وإسناده قويّ، لكنَّه عَلَّقَه بصيغة التمريض لكَوْنه اختصره، وقد أوهَمَ ظاهرُ سياقه أنَّ عَمْرو بن العاص ثَلا الآية لأصحابه وهو جُنُّب، وليس كذلك، وإنَّما تَلاها بعد أنْ رَجَعَ إلى النبيِّ وََّ، وكان النبيّ ◌َّلِ قد أمَّرَه على غزوة ذات السَّلاسل كما سيأتي في المغازي (٤٣٥٨). ووجه استدلاله بالآية ظاهر من سياق الرواية الثانية. وقال البيهقيُّ: يُمْكِنُ الجمع بين الروايات بأنَّه توضَّأ ثمَّ تَيَمَّمَ عن الباقي، وقال النَّووي: وهو متعيِّنٌ. قوله: ((فلم يُعنِّف) حَذَفَ المفعول للعِلْم به، أي: لم يَلُمْ رسول الله ◌َّهِ عَمْراً، فكان ذلك تقريراً دالًّا على الجواز. ووقع في رواية الكُشْمِيهَنيّ: ((فلم يُعَنِّفه)) بزيادة هاء الضمير. وفي هذا الحديث جواز التيمُّم لمن يَتوقَّع من استعمال الماء الهلاك، سواء كان لأجل بَرْدٍ أو غيره، وجواز صلاة المتيمِّم بالمتوضِّئین، وجواز الاجتهاد في زمن النبيّ ٣٤٥ - حدَّثنا بِشرُ بنُ خالد، قال: حدَّثنا محمَّدٌ، هو غُندَرٌّ، عن شُعْبةَ، عن سليمانَ، عن أبي ٤٥٥/١ وائلٍ قال: قال أبو موسى لعبدِ الله بنِ مسعودٍ: إذا لم تَجِدِ الماءَ لا تُصَلّي؟ قال عبدُ الله: لو رَخَّصْتُ لهم في هذا، كان إذا وَجَدَ أحدُهُم البَرْدَ قال لهُكَذا؛ يَعْني: تَيمَّمَ وصَلَّى، قال: قلتُ: فأينَ قولُ عَّارٍ لعمرَ؟ قال: إنّي لم أرَ عمَرَ قَنِعَ بقول عَّارٍ. قوله: ((حدَّثْنا محمَّد هو غُندَر)) لم يقل الأَصِيلي: ((هو غُندَر)) فكأنَّها مَقُول مَن دون البخاريّ. قوله: ((عن شُعْبة)) للأصِيلي: ((حدَّثنا شُعْبة))، وسليمان: هو الأعمش. قوله: ((فإذا لم تَجِد الماء لا تُصلّي)) كذا في روايتنا بتاء الخِطاب، ويؤيِّده رواية الإسماعيلي من هذا الوجه ولفظه: ((فقال عبد الله: نعم إنْ لم أجِد الماء شهراً لا أُصلِّي))، وفي رواية (١) ما بين المعقوفين زيادة لا بدَّ منها ولم ترد في (س) والأصلين، والحديث عند عبد الرزاق من رواية عبد الله بن عمرو عن أبيه، وقرن بعبد الله أبا أمامة بن سهل. وفي سنده إبراهيم بن عبد الرحمن الأنصاري، ولم نعرفه. ١٩٦ باب ٧ / ح ٣٤٦ فتح الباري بشرح البخاري كَرِيمة بالياء التَّحْتَانيَّة في الموضعين، أي: إذا لم يجد الجُنُب. قوله: «قال عبد الله)) زاد ابن عساكر: نعم. قوله: ((أحدهم)) كذا للأكثر، وللحَمُّوِيّ: أحدكمْ. قوله: ((قال هكذا)» فيه إطلاق القول على العمل، وقوله: ((يعني: تَيمَّمَ وصلَّى)) شرح لقوله: ((هكذا)) والظاهر أنَّه مَقُول أبي موسى. قوله: «فاینَ قول عمّار لعمر» هکذا وقع في رواية شُعبة مختصراً، وبيانه في رواية حفص الآتية (٣٤٦) ثمَّ رواية أبي معاوية (٣٤٧) وهي أتمّ. ٣٤٦- حدَّثنا عمرُ بنُ حَفْص، قال: حدَّثنا أَبي، قال: حدَّثنا الأعمشُ، قال: سمعتُ شَقِيقَ بنَ سَلَمةَ قال: كنتُ عند عبدِ الله وأبي موسى، فقال له أبو موسى: أرأيتَ يا أبا عبد الرحمن إذا أجنَبَ فلم يَجِدْ ماءً، كيفَ يَصْنَعُ؟ فقال عبدُ الله: لا يُصلِّ حتَّى يَجِدَ الماءَ، فقال أبو موسى: فكيفَ تَصْنَعُ بقول عَّارٍ حينَ قال له النبيُّ ◌َّفِ: ((كان يَكْفِيكَ)) قال: ألم تَرَ عمرَ لم يَقْنَعْ بذلك؟ فقال أبو موسى: فَدَعْنا من قول عمَّار، كيفَ تَصْنَعُ بهذه الآية؟ فما دَرَى عبدُ الله ما يقولُ، فقال: إنَّا لو رَخَّصْنا لهم في هذا لأوشَكَ إذا بَرَدَ على أحدِهمُ الماءُ أنْ يَدَعَهُ ويَتَيِمَّمَ. فقلتُ لشَقِيقِ: فإنَّما كَرِهَ عبدُ الله لهذا؟ قال: نَعَم. قوله: ((حدثنا عمرُ بن حفص)) أي: ابن غِيَات. قوله: ((حدثنا الأعمش)) في رواية أبي ذرِّ وأبي الوَقْت: ((عن الأعمش))، وأفادت روايةٌ حفصٍ التصريحَ بسماع الأعمش من شَقِيق. قوله: ((أرأيتَ)) أي: أَخِرِني ((يا أبا عبد الرحمن)) وهي كُنْية ابن مسعود. قوله: ((إذا أجنَب)) أي: الرجل. قوله: ((حين قال له النبيُّ ◌َّ: كان يكفيكَ)) كذا اختصر المتنَ وأَبهَم الآية، وسيأتي المراد من ذلك في الباب الذي بعده. ١٩٧ باب ٨ / ح ٣٤٧ كتاب التيمم قوله: ((فدَعْنا من قول عمار)) فيه جوازُ الانتقال من دليل إلى دليل أوضحَ منه، ومما فيه الاختلافُ إلى ما فيه الاتفاق. وفيه جوازُ التيمُّم للجُنُب بخلاف ما نُقِلَ عن عمر وابن مسعود. وفيه إشارةٌ إلى ثبوت حُجَّة أبي موسى لقوله: ((فما دَرى عبدُ الله ما يقول)). وسيأتي الكلام على ذلك وعلى السبب في کون عمر لم يقنعْ بقول عمار. ٨- بابٌ التیُمُ ضربةٌ ٣٤٧- حدَّثْنا محمَّدُ بنُ سَلَام، قال: أخبرنا أبو معاويةَ، عن الأعمش، عن شَقِيق، قال: كنتُ جالساً معَ/ عبدِ الله وأبي موسى الأشعَريّ، فقال له أبو موسى: لو أنَّ رجلاً أجنَبَ فلم ٤٥٦/١ تَجِدِ الماءَ شهراً، مَا كان يَتَيَمَّمُ ويُصلّى، فكيفَ تَصْنَعُونَ في سورة المائدة: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءَ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾؟ فقال عبدُ الله: لو رُخّصَ لهم في هذا، لأوشَكُوا إذا بَرَدَ عليهمُ الماءُ أنْ يَتَيَمَّمُوا الصَّعِيدَ، قلتُ: وإِنَّا كَرِهْتُم هذا لِذا؟ قال: نَعَم، فقال أبو موسى: ألم تَسمَعْ قولَ عَّارٍ لعمرَ: بَعَثَني رسولُ اللهِوَلَه في حاجةٍ فأجنَبْتُ، فلم أجِدِ الماءَ فَتَمَرَّغْتُ في الصَّعِيدِ كما تَمَرَّغُ الدابَّةُ، فذكرتُ ذلك للنبيِّ وَّهِ، فقال: ((إنَّما كان يَكْفِيكَ أنْ تَصْنَعَ هُكَذا)» فضَرَبَ بِكَفِّهِ ضَرْبةً على الأرضِ، ثمَّ نَفَضَها ثمَّ مَسَحَ بهما ظَهْرَ كفِّه بِشِمالِهِ، أو ظَهْرَ شِمالِهِ بِكَفِّه، ثمَّ مَسَحَ بهما وجهَه، فقال عبدُ الله: ألَمْ تَرَ عمرَ لم يَقْتَعْ بقول عمَّارٍ؟ وزادَ يَعْلَى، عن الأعمش، عن شَقِيقٍ: كنتُ معَ عبدِ الله وأبي موسى، فقال أبو موسى: ألم تَسْمَعْ قولَ عَّارٍ لعمرَ: إنَّ رسولَ الله ◌َّهَ بَعَثَني أنا وأنتَ فأجنَبتُ فَتَمعَّكْتُ بالصَّعِيدِ، فأتينا رسولَ الله ◌َّ فأخبر ناه، فقال: ((إنَّما كان يَكْفِيكَ هُكَذا)» ومَسَحَ وجهَه وكَفَّيه واحدةً. قوله: ((بابٌ التيمُّم ضَرْبة)) رواية الأكثر بتنوين ((باب))، وقوله: ((التيمُّم ضَرْبة)» بالرفع، لأنَّه مُبتدَأ وخبر، وفي رواية الكُشْمِيهَني بغير تنوين و((ضَرْبً)) بالنصب. قوله: ((حدَّثنا محمَّد بن سَلَامِ) وللأَصِيلي: ((محمد: هو ابن سلام). قوله: ((ما كان يَتَيَمَّم ويُصلِّي))، ولكَرِيمة والأَصِيليّ: ((أما كان)) بزيادة همزة الاستفهام، ١٩٨ باب ٨ / ح ٣٤٧ فتح الباري بشرح البخاري ولمسلم (٣٦٨/ ١١): كيف يَصْنَع بالصلاة؟ قال عبد الله: لا يَتَيَمَّم وإنْ لم يجد الماء شهراً ونحوه لأبي داود (٣٢١): قال: فقال أبو موسى: فكيف تصنَعون بهذه الآية. قوله: «فكيف تَصْنَعُونَ في سورة المائدة؟» وللگُشْمِیھنيّ: «فکیف تصنعون بهذه الآية في سورة المائدة؟)) وسَقَطَ لفظ الآية من رواية الأَصِيلِيّ. قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ﴾ هو بيان للمراد من الآية، ووقع في رواية الأَصِيليّ: «فإنْ لم تجدوا)) وهو مُغايِرٌ للتِّلاوة. وقيل: إنَّه كان كذلك في رواية أبي ذرِّ ثمَّ أصلَحَها على وَفْق الآية، وإنَّما عيَّن سورة المائدة لكَوْنها أظهر في مشروعيَّة تيمُّم الجُنُب من آية النساء، لتقدُّم حُكْم الوضوء في المائدة. قال الخطَّبيُّ وغيره: فيه دليل على أنَّ عبد الله كان يرى أنَّ المراد بالملامسة: الجماع، فلهذا لم يدفع دليل أبي موسى، وإلا لكان يقول له: المراد من الملامسة: الْتِقاء البَشَرَتَينِ فيما دون الجماع، وجَعْلُ التيمُّم بدلاً من الوضوء لا يستلزم جَعْله بدلاً من الغُسل. قوله: ((إذا بَرَدَ)) بفتح الراء على المشهور، وحكى الجَوْهَريّ ضمَّها. قوله: «قلت: وإنّما کَرِهْتُم هذا لذا» قائل ذلك هو شقيق، قاله الکِرْمانيُّ، ولیس کما قال بل هو الأعمش، والمقول له شَقيق كما صَرَّحَ بذلك في رواية حفص التي قبل هذه (٣٤٦). قوله: ((فقال أبو موسى: ألم تَسْمع)) ظاهره أنَّ ذِكْر أبي موسى لقِصَّة عمَّار متأخّرٌ عن احتجاجه بالآية، وفي رواية حفص الماضية احتجاجه بالآية متأخّرٌ عن احتجاجه بحديث عمَّار، ورواية حفص أرجَحُ، لأنَّ فيها زيادة تَدُلّ على ضبط ذلك، وهي قوله: فدَعْنا من قول عمَّر، كيف تصنَع بهذه الآية؟ قوله: ((كما تَمَرَّغُ الدّابَّة)) بفتح المثنَّاة وضمِّ الغَين المعجَمة، وأصله: تَتَمَرَّغ، فحُذِفَت إحدى التاءَين. قوله: ((إنَّما كان يَكْفيك)) فيه أنَّ الكيفيَّة المذكورة مُجُزِئة، فيُحمَل ما وَرَدَ زائداً عليها على الأكمل. ١٩٩ باب ٨ / ح ٣٤٧ كتاب التيمم قوله: ((ظَهْر کفّه بشِماله أو ظَهْر شِماله بكفِّه) كذا في جمیع الروايات بالشّكّ، وفي رواية أبي داود (٣٢١) تحرير ذلك من طريق أبي معاوية أيضاً ولفظه: ثمَّ ضرب بشماله على يمينه، وبیمینه علی شِماله على الگَفَّین ثمَّ مَسَحَ وجهه. وفيه الاكتفاء بضَرْبةٍ واحدةٍ في التيمُّم، ونقله ابن المنذر عن/ جمهور العلماء واختاره. ٤٥٧/١ وفيه أنَّ الترتيب غير مُشترَط في التيمُّم. قال ابن دَقِيق العيد: اختُلِفَ في لفظ هذا الحديث فوقع عند البخاري بلفظ «ثمّ)) وفي سياقه اختصار، ولمسلم (٣٦٨/ ١١٠) بالواو ولفظه: «ثمَّ مَسَحَ الشِّمال على اليمين وظاهر كفَّيه ووجهه))، وللإسماعيليِّ ما هو أصرحُ من ذلك. قلت: ولفظه من طريق هارون الحَمَّال عن أبي معاوية: ((إنَّما يَكْفيك أنْ تضرِب بيديك على الأرض ثمَّ تَنفُضهما، ثمَّ تمسح بیمینك على شِمالك، وشِمالك علی یمینك، ثمّ تمسح على وجهك». قال الكِرْمانيُّ: في هذه الرواية إشكالٌ من خمسة أوجُه: أحدُها: الضَّرْبة الواحدة، وفي الطُّرُقِ الأُخرى ضَرْبتان، وقد قال النَّووي: الأصحّ المنصوص ضَرْبتان. قلت: مراد النَّوويّ ما يتعلَّق بنَقْل المذهب. قوله: ((ألم تَرَ عمر)) في رواية الأَصِيلِيّ وكَرِيمة: ((أفَلم)) بزيادة فاء، وإنَّما لم يَقْنَع عمر بقول عمَّر لكَوْنه أخبره أنَّه كان معه في تلك الحال وحضَرَ معه تلك القِصَّة كما سيأتي في رواية يَعْلى ابن عُبيد، ولم يَتَذكَّر ذلك عمر أصلاً، ولهذا قال لعَّار فيما رواه مسلم (١١٢/٣٦٨) من طريق عبد الرحمن بن أبزَى: ((اتَّقِ الله يا عَّار، قال: إنْ شِئْتَ لم أُحدِّث به، فقال عمر: نولِّيك ما تَوَلَّيت)) قال النَّووي: معنى قول عمر: (اتَّقِ الله يا عَّار)) أي: فيما تَرْويه وتَتَبَّت فيه، فلعلَّك نسيتَ أو اشتَبَهَ عليك، فإنّي كنت معك ولا أتذكَّرُ شيئاً من هذا، ومعنى قول عمّار: إنْ رأيتَ المصلحة في الإمساك عن التحديث به راجحةً على التحدیث به، وافقتُك وأمسكت، فإنّي قد بَلَّغْته فلم يبقَ عليَّ فيه حرجٌ. فقال له عمر: نولّيك ما تَولَّيت، أي: لا يَلزَم من کَوْني لا أتذگُّه أنْ لا یکون حقّاً في نفس الأمر، فليس لي منعُك من التحدیث به. ٢٠٠ باب ٩ / ح ٣٤٨ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((زاد يَعْلى)) هو ابن عُبيد، والذي زاده يَعْلى في هذه القِصَّة قول عمّار لعمر: ((بَعَثَني أنا وأنت)) وبه يَتَّضِح عُذْر عمر كما قدَّمناه، وأمَّا ابن مسعود فلا عُذْر له في التوقُّف عن قَبُول حديث عمَّر، فلهذا جاء عنه أنَّه رَجَعَ عن الفُتْيا بذلك كما أخرجه ابن أبي شَيْبة (١٥٧/١) بإسنادٍ فيه انقطاعٌ عنه، ورواية يَعْلى بن عُبيدٍ لهذا الحديث وَصَلَها أحمد في «مسنده)) (١٨٣٣٤) عنه. قوله: «إنّما کان یگفیك هكذا» للگُشْمِیھَنيّ: هذا. قوله: ((واحدةً)) أي: مسحة واحدة. ٩- بابٌ ٣٤٨- حدَّثْنا عَبْدانُ، قال: أخبرنا عبدُ الله، قال: أخبرنا عَوْفٌ، عن أبي رَجَاء، قال: حدَّثنا عِمْرانُ بنُ حُصَينِ الخُزاعيُّ: أنَّ رسولَ اللهِ وَهَ رَأَى رَجلاً مُعتَزِلاً لم يُصلِّ في القَوْم، فقال: ((يا فُلانُ، ما مَنَعَكَ أنْ تُصلِّيَّ في القَوْمِ؟)) فقال: يا رسولَ الله، أصابَتْني جَنابةٌ ولا ماءَ، قال: ((عليكَ بالصَّعِيدِ فإِنَّهِ يَكْفِيكَ». قوله: ((باب)) كذا للأكثر بلا ترجمة، وسَقَطَ من رواية الأَصِیليّ أصلاً، فعلى روايته هو من جملة الترجمة الماضية، وعلى الأوَّل هو بمنزلة الفَصْل من الباب كنظائره. قوله: ((أخبرنا عبد الله)) هو ابن المبارك، وحديثه هذا مختصر من الحديث الطَّويل الماضي (٣٤٤) في ((باب الصَّعيد الطيِّب))، وليس فيه التصريح بكَوْن الضَّرْبة في التيمُّم مرَّة واحدة، فيحتمل أنْ يكون المصنِّف أخَذَه من عَدَم التقييد، لأنَّ المرّة الواحدة أقلّ ما يَحَصُل به الامتثال، ووجوبها مُتيقَّن، والله أعلم. خاتمة: اشتَمَلَ كتاب التيمُّم من الأحاديث المرفوعة على سبعة عشر حديثاً، المكرَّر منها عشرة، منها اثنان مُعلَّقان والخالص سبعة، منها واحد مُعلَّق والبقيّة موصولة، وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث عَمْرو بن العاص المعلَّق، وفيه من الموقوفات على الصحابة