النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ باب ١ / ح ٣٣٥ كتاب التيمم لي الأرض كلّها ولأُمَّتي مسجداً وطَهوراً» (١). وسيأتي البحث في ذلك. قوله: ((فأيُّما رجلٍ)) ((أَيُّ)) مُبتدَأ فيه معنى الشَّرْط، و((ما)) زائدة للتأكيد، وهذه صيغة عموم يدخل تحتها مَن لم يجد ماء ولا تراباً ووَجَدَ شيئاً من أجزاء الأرض فإنَّه يَتَيمَّم به، ولا يقال: هو خاصٌّ بالصلاة، لأنّا نقول: لفظ حديث جابر مختصر، وفي رواية أبي أمامةَ عند البيهقيِّ (٢١٢/١): ((فأُما رجل من أُمَّتي أتى الصلاة فلم يجد ماء، وَجَدَ الأرض طَهوراً ومسجداً)، وعند أحمد (٢٢١٣٧): ((فعنده طَهورُه ومسجدُه))، وفي رواية عَمْرو بن شعيب (٧٠٦٨): ((فأَينَما أدرَكَتْني الصلاةُ تَمَسَّحْتُ وصلَّيت)). واحتَجَّ مَن خَصَّ التيقُّمَ بالتُّراب بحديث حُذَيفة عند مسلم (٥٢٢) بلفظ: ((وجُعِلَت لنا الأرض كلُّها مسجداً، وجُعِلَت تُربَتُها لنا طَهوراً إذا لم نَجِد الماء))، وهذا خاصّ فينبغي أنْ يُحِمَل العامُّ عليه فَتَخْتَصُّ الطَّهوريَّة بالتُّراب، ودَلَّ الافتراق في اللفظ حيثُ حصل التأكيد في جَعْلها مسجداً دون الآخر، على افتراق الحُكْم، وإلَّا لَعُطِفَ أحدهما على الآخر نَسقاً كما في حديث الباب. ومَنَعَ بعضهم الاستدلال بلفظ: ((التُّرْبة)) على خصوصيَّة التيمُّم بالتُراب بأنْ قال: تُرْبة كلّ مكان: ما فيه من تراب أو غيره. وأُجيب بأنَّه وَرَدَ في الحديث المذكور بلفظ: ((التُراب)) أخرجه ابن خُزَيمةَ (٢٦٤) وغيره، وفي حديث عليٍّ: ((وجُعِلَ التُرابُ لِي طَهوراً) أخرجه أحمد (٧٦٣) والبيهقيُّ (٢١٣/١-٢١٤) بإسنادٍ حسن، ويقوِّي القولَ بأنَّه خاصّ بالتُّراب: أنَّ الحديث سِيقَ لإظهار التشريف والتخصيص، فلو كان جائزاً بغير التُّراب لمَا اقْتُصِرَ عليه. قوله: ((فليُصلِّ)) عُرِفَ مَمَّا تقدَّم أنَّ المراد: فليُصلِّ بعد أنْ يتيمَّم. قوله: ((وأُحِلَّتْ لي الغَنائم)) وللكُشْمِيهَنيّ: ((المغانم)) وهي رواية مسلم(٣). (١) أخرجه أحمد (٢٢١٣٧). (٢) رواية مسلم في ((صحيحه)) (٥٢١): الغنائم، إلا إن أراد الشارح العطف على اللفظ الأول! ١٦٢ باب ١ / ح ٣٣٥ فتح الباري بشرح البخاري قال الخطَّبيُّ: كان مَن تقدَّم على ضَرْبَين: منهم مَن لم يُؤْذَن له في الجهاد، فلم تكن لهم مغانم، ومنهم مَن أُذِنَ له فيه لكن كانوا إذا غَنِموا شيئاً لم يَحِلَّ لهم أنْ يأكُلوه وجاءت نار فأحرَقَتْه. وقيل: المراد أنَّه خُصّ بالتصرّف في الغنيمة يَصرِفها كيف يشاء، والأوَّل أصوَب، وهو أنَّ مَن مضى لم تَحِلَّ لهم الغنائم أصلاً، وسيأتي بَسْطُ ذلك في الجهاد(١). قوله: ((وأُعْطيت الشَّفاعَة)) قال ابن دَقِيق العيد: الأقرب أنَّ اللام فيها للعَهْد، والمراد الشَّفاعة العُظْمَى في إراحة الناس من هَوْل الموقِف، ولا خلاف في وقوعها. وكذا جَزَمَ النَّوويّ وغيره. وقيل: الشَّفاعة التي اختصَّ بها أنَّه لا يُرَدُّ فيما يُسأل. وقيل: الشَّفاعة لخروج مَن في قلبه مِثْقال ذَرّة من إيمان، لأنَّ شفاعة غيره تقع فيمن في قلبه أكثر من ذلك. قاله عِیَاض، والذي يظهر لي أنَّ هذه مرادة مع الأولى، لأنَّه يَتَبَعُها بها كما سيأتي واضحاً في حديث الشَّفاعة إن شاء الله تعالى في كتاب الرِّقاق (٦٥٧٣). وقال البيهقيُّ في ((الْبَعْث)): يحتمل أنَّ الشَّفاعة التي يَخْتَصّ بها أنَّه يَشْفَع لأهل الصَّغائر ٤٣٩/١ والكبائر،/ وغيره إنَّمَا يَشْفَع لأهل الصَّغائر دون الكبائر. ونقل عِيَاض أنَّ الشَّفاعة المختَصّة به شفاعة لا تُرَدّ. وقد وقع في حديث ابن عبّاس (٢): ((وأُعطيت الشَّفاعةَ فأخّرْتَها لأُمَّتي، فهي لمن لا يُشِرِك بالله شيئاً)، وفي حديث عَمْرو بن شعيب(٣): ((فهي لكم ولمن شَهِدَ أنْ لا إلهَ إلَّا الله)). فالظاهر أنَّ المراد بالشَّفاعة المختَصّة في هذا الحديث إخراج مَن ليس له عملٌ صالحٌ إلَّا التوحيد، وهو مُخْتَصّ أيضاً بالشَّفاعة الأولى، لكن جاء التنويه بذِكْر هذه، لأنَّها غاية (١) في كتاب فرض الخمس: ٨- باب قول النبي وَلّ: ((أحلت لكم الغنائم)). (٢) عند أحمد في «مسنده)) (٢٧٤٢). (٣) عند أحمد أيضاً (٧٠٦٨). ١٦٣ باب ١ / ح ٣٣٥ كتاب التيمم المطلوب من تلك لاقتضائها الراحة المستمرَّة، والله أعلم. وقد ثبتت هذه الشفاعة في رواية الحسن عن أنس كما سيأتي في كتاب التوحيد (٧٥١٠): ((ثُمَّ أرجع إلى رَبّي في الرابعة فأقول: يا رَبّ ائْذَنْ لي فيمن قال: لا إلهَ إلَّا الله، فيقول: وعِزَّتِي وجَلالي لَأُخرِ جَنَّ منها مَن قال: لا إلهَ إلَّا الله)) ولا يُعكِّرُ على ذلك ما وقع عند مسلم (٣٢٦/١٩٣) قبل قوله: ((وعِزَّتي)) فيقول: ((ليس ذلك لك، وعِزَّتي .. )). إلى آخره، لأنَّ المراد أنَّه لا يباشر الإخراج كما في المرات الماضية، بل كانت شفاعته سبباً في ذلك في الجملة، والله أعلم. وقد تقدَّم الكلام على قوله: ((وكان النبيّ يُبعَث إلى قومه خاصّة)) في أوائل الباب(١). وأمَّا قوله: ((وبُعِثْت إلى الناس عامّة)) فوقع في رواية مسلم (٣/٥٢١): ((وبُعِثْت إلى كلّ أحمرَ وأسودَ)) فقيل: المراد بالأحمر: العَجَم، وبالأسود: العرب، وقيل: الأحمر: الإنس، والأسود: الجِنّ، وعلى الأوَّل التنصيص على الإنس من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، لأنَّه مُرسَل إلى الجميع، وأصرحُ الروايات في ذلك وأشمَلُها رواية أبي هريرة عند مسلم (٥٢٣): ((وأُرسِلْت إلى الخَلْق كافّة)). تكميل: أوَّل حديث أبي هريرة هذا: ((فُضِّلتُ على الأنبياء بسِتّ)) فذَكَر الخمس المذكورة في حديث جابر إلَّ الشَّفاعة وزاد خَصْلتينِ وهما: ((وأُعطيت جوامع الكَلِم، وخُتِمَ بي النبيّون)) فَتَحصَّل منه ومن حديث جابر سبع خِصال، ولمسلم أيضاً (٥٢٢) من حديث حُذَيفة: ((فُضِّلْنا على الناس بثلاثٍ خِصال: جُعِلَت صُفوفُنا كصُفوف الملائكة)) وذكر خَصْلة الأرض كما تقدَّم. قال: وذكر خَصْلة أُخرى، وهذه الحَصْلة المبهمة بيَّنها ابن خُزَيمةَ (٢٦٣) والنَّسائيُّ (ك ٧٩٦٨) وهي: ((وأُعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كَنْز تحت العَرْش))، يشير إلى ما حَطَّه الله عن أُمَّته من الإصر وتحميل ما لا طاقة لهم به، ورفع الخطأ والنِّسْيان، فصارت الخِصال تِسْعاً. (١) تقدم ص ١٥٦ -١٥٧. ١٦٤ باب ١ / ح ٣٣٥ فتح الباري بشرح البخاري ولأحمد (٧٦٣) من حديث عليٍّ: «أُعطيت أربعاً لم يُعطَهُنَّ أحد من أنبياء الله: أُعطيت مفاتيح الأرض، وسُمّيتُ أحمد، وجُعِلَت أُمَّتي خير الأُمَم)) وذكر خَصْلة التُراب فصارت الِصال اثنتَي عشرة خَصْلة، وعند البَزَّار (٨١٣٣) من وجه آخر عن أبي هريرة رفعه: («فُضِّلتُ على الأنبياء بسِتّ: غُفِرَ لي ما تقدَّم من ذَنْبي وما تأخّرَ ... وجُعِلَت أُمَّتي خير الأُمَم ... وأُعطيت الكَوْثَر ... وإنَّ صاحبكم لَصاحبُ لواء الحمد يوم القيامة تحته آدمُ فمَن دونه)) وذكر ثِنتَينِ ممّا تقدَّم (١). وله من حديث ابن عبّاس رفعه(٢): ((فُضِّلْت على الأنبياء بخَصْلتين: كان شيطاني كافراً فأعانَني الله عليه فأسلَم)) قال: ونسيت الأُخرى. قلت: فيَنْتَظِم بهذا سبع عشرة خَصْلة، ويمكن أنْ يُوجَد أكثر من ذلك لمن أمعَنَ التبُّع، وقد تقدَّم طريق الجمع بين هذه الروايات، وأنَّه لا تَعارُضَ فيها. وقد ذكر أبو سعيد النَّيسابوريّ في كتاب ((شَرَف المصطفى)): أنَّ عَدَد الذي اختصَّ به نبيُنَا وَ لِّ عن الأنبياء سِتّون خَصْلة. وفي حديث الباب من الفوائد غير ما تقدَّم: مشروعيّة تعديد نِعَم الله، وإلْقاء العِلْم قبل السؤال، وأنَّ الأصل في الأرض الطهارة، وأنَّ صِحّة الصلاة لا تَخْتَصّ بالمسجد المبنيّ ٤٤٠/١ لذلك. وأمَّا حديث: ((لا صلاة لجار المسجد إلَّا في المسجد)) فضعيفٌ / أخرجه الدَّارَ قُطنيُّ (١٥٥٢) من حديث جابر(٣). واستدلَّ به صاحب ((المبسوط)) من الحنفيّة على إظهار كرامة الآدميّ وقال: لأنَّ الآدميَّ خُلِقَ من ماء وتراب، وقد ثبت أنَّ كُلَّ منهما طَهور، ففي ذلك بيان كرامته، والله تعالى أعلم بالصواب. (١) بل ذكر ثلاثاً مما تقدم: ١- وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد كان قبلي ٢ - وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ٣ - ونصرت بالرعب. (٢) بل هو عنده (٧٨٢٦) من حديث أبي هريرة أيضاً. (٣) حديث جابر في سنده محمد بن سُكين الشَّقَري، جهله أبو حاتم وقال: والحديث منکر، كما في ((الجرح والتعديل)) ٢٨٣/٧. وأخرجه الدار قطني (١٥٥٣)، والحاكم ٢٤٦/١، والبيهقي ٥٧/٣ من حديث أبي هريرة. ١٦٥ باب ٢ / ح ٣٣٦ كتاب التيمم ٢ - باب إذا لم يَجِدْ ماءً ولا تراباً ٣٣٦- حدَّثْنا زكريًّا بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ نُمَير، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عُرْوةَ، عن أبيه، عن عائشةَ: أنَّهَا استَعارَتْ من أسماءَ قِلادةً فهَلَكَت، فبَعَثَ رسولُ الله ◌َ﴾ رجلاً فَوَجَدَها، فَأَدَرَكَتُهُمُ الصلاةُ وليسَ معهم ماءٌ فصَلَّوْا، فشَكَوْا ذلك إلى رسولِ اللهِوَِّ فِأَنْزَلَ الله آيةَ النَّهُّم، فقال أُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ لعائشةَ: جَزاكِ الله خيراً، فوالله ما نَزَلَ بكِ أمرٌ تَكْرَ هِينَه إِلَّا جَعَلَ الله ذلكَ لكِ وللمُسلمِينَ فيه خيراً. قوله: (باب إذا لم يَجِد ماء ولا تُراباً) قال ابن رُشَيد: كأنَّ المصنِّف نزّل فَقْدَ شَرْعيَّة التيمُّم منزلة فَقْد التُراب بعد شَرْعيَّة التيمُّم، فكأنَّه يقول: حُكْمهم في عَدَم المطهّر - الذي هو الماء خاصّة - كحُكْمنا في عَدَم المطهِّرَين: الماء والتُراب. وبهذا تظهر مناسبة الحديث للترجمة، لأنَّ الحديث ليس فيه أنَّهم فَقَدوا التُّراب، وإنَّما فيه أنَهم فَقَدوا الماء فقط، ففيه دليل على وجوب الصلاة لفاقد الطّهورین، ووجهہ أنَّهم صَلَّوْا مُعتقدین وجوب ذلك، ولو كانت الصلاة حينئذٍ ممنوعة، لَأَنكَرَ عليهم النبيُّوَّهِ، وبهذا قال الشافعيّ وأحمد وجمهور المحدِّثين وأكثر أصحاب مالك، لكن اختلفوا في وجوب الإعادة، فالمنصوص عن الشافعيّ وجوبُها، وصحَّحه أكثر أصحابه، واحتجُّوا بأنَّه عُذْرٌ نادرٌ فلم يُسقِط الإعادة، والمشهور عن أحمد، وبه قال المُزَنِيُّ وسَحْنون وابن المنذر: لا تجبُ، واحتجُّوا بحديث الباب، لأنّها لو كانت واجبة لَبيَّنها لهم النبيُّ وَلّهِ، إذْ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. وتُعُقِّبَ بأنَّ الإعادة لا تجبُ على الفَوْر، فلم يتأخّر البيان عن وقت الحاجة، وعلى هذا فلا بدَّ من دليل على وجوب الإعادة. وقال مالكٌ وأبو حنيفة في المشهور عنهما: لا يُصلّي، لكن قال أبو حنيفة وأصحابه: يجب عليه القضاء، وبه قال الثَّوْريّ والأوزاعيّ. وقال مالكٌ فيما حكاه عنه المدنُّون: لا يجبُ عليه القضاء. وهذه الأقوال الأربعة هي المشهورة في المسألة. ١٦٦ باب ٢ / ح ٣٣٦ فتح الباري بشرح البخاري وحكى النَّوويّ في ((شرح المهذَّب)) عن القديم: تُستَحَبُّ الصلاة وتجبُ الإعادة، وبهذا تصير الأقوال خمسةً، والله أعلم. قوله: «حدّثنا ز کریّا بن یحیی)» هکذا وقع في جمیع الروايات غير منسوب، وكذا في قِصّة سعد بن معاذ فإنَّه أورَدَها في الصلاة (٤٦٣) والهِجْرة (٣٩٠١) والمغازي (٤١٢٢) بهذا الإسناد عنه ولم يَنسُبه، ومثله في الصلاة (٦٨٣) حديث: ((مُروا أبا بكر أنْ يصلِّ بالناس»، وكذا سبق (١٤٧) في ((باب خروج النساء إلى البراز)) لكن من روايته عن أبي أُسامة لا عن عبد الله بن نُمَير، وأعادَه في التفسير تامّاً (٤٧٩٥)، ومثله في التفسير (٤٧٨٨) حديث عائشة: ((كنت أغارُ على اللّاتي، وَهَبْنَ أنفُسَهنّ»، وفي صفة إبليس (٣٢٩٠) حديث: ((لمَّا كان يوم أُحُد انهزَمَ المشركون)) الحديث. ٤٤١/١ وجَزَمَ الكَلَاباذيّ بأنَّه اللُّؤْلُؤيّ البَلْخيّ،/ وقال ابن عَديّ: هو زکریًّا بن یحیی بن زکریًّا ابن أبي زائدة، وإلى هذا مالَ الدَّارَ قُطنيُّ، لأنَّه كوفيّ، وكذا الشيخان المذكوران عبد الله بن ثُمَير وأبو أُسامة، وقد روى البخاري في العيدين (٩٦٦) عن زكريًّا بن يحيى عن المحاربيّ، لكن قال: حدَّثنا زكريًّا بن يحيى أبو السُّكَين، فيحتمل أنْ يكون هو المهمَل في المواضع الأُخرى، لأنَّه کوفيّ وشيخه کوفيّ أيضاً، وقد ذكر المِزِّيُّ في ((التهذیب)» أنَّه روى عن ابن نُمَير وأبي أُسامة أيضاً، وجَزَمَ صاحب ((الزَّهْرة)) بأنَّ البخاري روى عن أبي السُّكَين أربعة أحاديث، وهو مَصِير منه إلى أنَّه المراد كما جَوَّزْناه، وإلى ذلك مالَ أبو الوليد الباجيُّ في رجال البخاري، والله أعلم. قوله: ((وليس معهم ماء فصَلَّوْا)) زاد الحسن بن سفيان في ((مسنده)) عن محمد بن عبد الله بن نُمَير عن أبيه: ((فصَلَّوْا بغير وضوء)) أخرجه الإسماعيلي وأبو نُعَيم من طريقه، وكذا أخرجه الجَوْزَقيّ من وجه آخر عن ابن نُمَير، وكذا للمصنِّف (٣٧٧٣) في فضل عائشة من طريق أبي أسامة، وفي التفسير (٤٥٨٣) من طريق عَبْدة بن سليمان، كلاهما عن هشام، وكذا لمسلم (١٠٩/٣٦٧) من طريق أبي أُسامة، وأغرَبَ ابن المنذر فادَّعَى أنَّ عَبْدة ١٦٧ باب ٣ / ح ٣٣٧ كتاب التيمم تفرَّد بهذه الزيادة. وقد تقدَّمت مباحثُ الحديث وطريق الجمع بين رواية عُرْوة والقاسم في الباب الذي قبله. ٣- باب التيمُّم في الحَضَر إذا لم يجد الماءَ وخاف فَوْتَ الصلاة وبه قال عطاءٌ. وقال الحسنُ في المريضِ عندَه الماءُ ولا يَجِدُ مَن يُناوِلُهُ: يَتَيِمَّم. وأقبَلَ ابنُ عمرَ من أرضِه بالجُرُفِ فحَضَرَتِ العصرُ بِمِرْبَدِ النَّعَمِ، فصَلَّى ثمَّ دَخَلَ المدينةَ والشمسُ مُرتَفِعٌ فلم يُعِدْ. ٣٣٧- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، قال: حدَّثنا اللَّيْثُ، عن جعفرِ بنِ رَبِيعةَ، عن الأعرج، قال: سمعتُ عُمَيراً مولى ابنِ عبَّاس قال: أقبلتُ أنا وعبدُ الله بنُ يَسارٍ مولى ميمونةَ زوجِ النبيِّ ◌َّـ حتَّى دَخَلْنا على أبي ◌ُهَيم بنِ الحارثِ بنِ الصِّمَّة الأنصاريّ، فقال أبو الجُهَيم: أقبَلَ النبيُّ ◌َيه من نَحْوِ بِثْرِ جَمَل، فَلَقِيَه رجلٌ فَسَلَّمَ عليه، فلم يَرُدَّ عليه النبيُّ وَّهِ حَتَّى أقبَلَ على الجِدَار، فمَسَحَ بَوَجْهِهِ ويَدَيه ثمَّ رَدَّ عليه السلامَ. قوله: ((باب التيمُّم في الحَضَر إذا لم يجدِ الماء وخافَ فَوْت الصلاة)) جعله مُقيَّداً بشرطين: خَوْف خروج الوقت وفَقْد الماء، ويَلتحِقُ بفَقْدِه عَدَمُ القُدْرة عليه. قوله: ((وبه قال عطاء)) أي: بهذا المذهب، وقد وَصَلَه عبد الرزاق (٩٣٠) من وجه صحيح، وابن أبي شَيْبة (١/ ١٦٠) من وجه آخَر، وليس في المنقول عنه تَعرُّضُ لوجوب الإعادة. قوله: ((وقال الحسن)) وَصَلَه إسماعيل القاضي في ((الأحكام)) من وجه صحیح، وروى ابن أبي شَيْبة (١/ ١٦٠) من وجه آخر عن الحسن وابن سيرين قالا: لا يتيمَّم ما رَجَا أنْ يَقدِر على الماء في الوقت. ومفهومُه یوافُ ما قبله. ١٦٨ باب ٣ / ح ٣٣٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وأقبَلَ ابن عمر)) قال الشافعيّ (٦٢/١): أخبرنا ابن عُيَينة، عن ابن عَجْلان، عن نافع، عن ابن عمر: أنَّ أقبَلَ من الْجُرُف، حتَّى إذا كان بالِرْبَدِ تَمَّمَ فمَسَحَ وجهه ویدیه وصلَّى العصر، وذَكَر بقيّة الخبر كما عَلَّقَه المصنّف، ولم يظهر لي سبب حذفه منه ذِكْر التيمُّم مع أنَّه مقصود الباب. وقد أخرجه مالك في ((الموطَّأ)) (١/ ٥٦) عن نافع مختصراً، لكن ذكر فيه أنَّه تَیمَّمَ فمسح وجهه ویدیه إلى المرفقين. وأخرجه الدَّارَقُطنيُّ (٧١٦) والحاكم (١ / ١٨٠) من وجه آخر عن نافع مرفوعاً، لكنَّ إسناده ضعيف. والجُرُف، بضمِّ الجيم والراء بعدها فاءٌ: موضعٌ ظاهر المدينة كانوا يُعَسكِرون به إذا أرادوا الغَزْو، وقال ابن إسحاق: هو على فَرْسَخ من المدينة. والِرْبَد: بكسر الميم وسكون الراء بعدها موحّدة مفتوحة، وحكى ابن التِّين أنَّه رُوِيَ ٤٤٢/١ بفتح أوَّله، وهو من المدينة على ميل. / وهذا يدلُّ على أنَّ ابن عمر كان يرى جواز التيمُّم للحاضر، لأنَّ مثل هذا لا يُسمَّى سفراً، وبهذا يناسب الترجمة. وظاهره أنَّ ابن عمر لم يُراعِ خروج الوقت، لأنَّه دخل المدينة والشمسُ مرتفعة، لكن يحتمل أنْ يكون ظنَّ أنَّه لا يَصِلُ إلَّا بعد خروج الوقت، ويحتمل أيضاً أنَّ ابن عمر تَيمَّمَ لا عن حَدَثٍ بل لأنَّه كان يتوضَّأ لكلِّ صلاة استحباباً، فلعلَّه كان على وضوء فأراد الصلاة ولم يجد الماء كعادته، فاقتَصَرَ على التيمُّم بدل الوضوء، وعلى هذا فليس مطابقاً للترجمة إلَّا بجامع ما بينهما من التيقُم في الحَضَر، وأمَّا كونه لم يُعِدْ فلا حُجَّة فيه لمن أسقَطَ الإعادة عن المتيمِّم في الحضر، لأنَّه على هذا الاحتمال لا تجب عليه الإعادة بالاتّفاق. وقد اختلف السَّلَف في أصل المسألة، فذهب مالك إلى عَدَم وجوب الإعادة على مَن تَيَمَّمَ في الْحَضَر، ووَجَّهَه ابن بَطَّال بأنَّ التيمُّم إنَّما وَرَدَ في المسافر والمريض لإدراك وقت الصلاة، فيَلتحِق بهما الحاضر إذا لم يَقدِر على الماء قياساً، وقال الشافعي: تجب عليه الإعادة "ُدُورِ ذلك، وعن أني يوسف وزُفَر: لا يصلِّ إلى أنْ يجد الماء ولو خرج الوقت. ١٦٩ باب ٣ / ح ٣٣٧ كتاب التيمم قوله: ((عن جعفر بن رَبِيعة)) في رواية الإسماعيلي: حدَّثني جعفر، ونصفُ هذا الإسناد مِصْريّون ونصفُه الأعلى مدنُّون. قوله: ((سمعت عُمَيراً مَوْلى ابن عبّاس)) هو ابن عبد الله الهلاليّ مولى أُمّ الفضل بنت الحارث والدة ابن عبّاس، وقد روى ابن إسحاق هذا الحديث فقال: ((مولى عبيد الله بن عبَّاس)(١)، وإذا كان مولى أُمّ الفضل فهو مولى أولادها، وروى موسى بن عُقْبة وابن لَهِيعةً وأبو الحُوَيرِث هذا الحديث(٢) عن الأعرج عن أبي الجُهَيم ولم يَذْكُروا بينهما عُمَيراً (٣)، والصواب إثباته، وليس له في (الصحيح)) غير هذا الحديث وحديث آخر عن أُمّ الفضل (١٦٥٨)، ورواية الأعرج عنه من رواية الأقران. قوله: ((أقبلتُ أنا وعبد الله بن يسار)) هو أخو عطاء بن يسار التابعيّ المشهور، ووقع عند مسلم (٣٦٩) في هذا الحديث: ((عبد الرحمن بن يسار)) وهو وهمٌ، وليس له في هذا الحديث رواية، ولهذا لم يَذكُره المصنُِّون في رجال ((الصحيحين)). قوله: ((على أبي جُهَيم)) قيل: اسمه عبد الله، وحكى ابن أبي حاتم عن أبيه قال: يقال: هو الحارث بن الصِّمّة، فعلى هذا لفظة ((ابن)) زائدة بين أبي جُهَيم والحارث، لكن صحَّح أبو حاتم أنَّ الحارث اسم أبيه لا اسمه، وفَرَّقَ ابن أبي حاتم بينه وبين عبد الله بن جُهَیم يُكْنى أيضاً أبا جُهَيم، وقال ابن مَندَه: ((عبد الله بن جُهَيم بن الحارث بن الصِّمّة)) فجعل الحارثَ اسم جَدّه، ولم يوافق عليه، وكأنَّه أراد أن يجمع الأقوال المختَلِفة فيه. والصِّمّة، بكسر المهملة وتشديد الميم: هو ابن عَمْرو بن عَتِیك اخَزْرَجيّ، ووقع في (١) هكذا وقع لابن إسحاق عند ابن قانع في ((معجم الصحابة)) ٣/ ١٣٠، والدارقطني في ((سننه)) (٦٧٢) و(٦٧٣)، وأخرجه غيرهما عن ابن إسحاق فوقع فيه: ((مولى عبد الله بن عباس))، انظر ((مسند أحمد)) (٢٤٠٠٩/ ٦١). (٢) أخرجه من طريق موسى بن عقبة الدار قطنيُّ (٦٧٤) و(٦٧٥)، ومن طريق ابن لهيعة أحمدُ (١٧٥٤١)، ومن طريق أبي الحويرث - واسمه عبد الرحمن بن معاوية - الشافعيُّ ٦٥/١ و٦٨، والبيهقي ٢٠٥/١. (٣) إلا رواية ابن لهيعة عند أحمد ففيها عمير مولى ابن عباس. ١٧٠ باب ٣ / ح ٣٣٧ فتح الباري بشرح البخاري مسلم (٣٦٩): ((دَخَلْنا على أبي الجَهْم)) بإسكان الهاء، والصواب أنَّه بالتصغير، وفي الصحابة شخص آخر يقال له: أبو الجَهْم وهو صاحب الإنبِجانيَّة(١)، وهو غير هذا، لأنَّه قُرشيّ وهذا أنصاريّ، ويقال بحذف الألف واللام في كلٍّ منهما وباثباتهما. قوله: ((من نحو بئر ◌َمَل)) أي: من جهة الموضع الذي يُعرَفُ بذاك، وهو معروف بالمدينة، وهو بفتح الجيم والميم، وفي النَّسائيِّ (٣١١): ((بثْر الْجَمَل)) وهو من العَقيق. قوله: ((فَلَقِيَه رجل)) هو أبو الْجُهَيم الراوي، بيَّنَه الشافعيّ (٦٨/١) في روايته لهذا الحديث من طريق أبي الحُوَيرِث عن الأعرج. قوله: ((حتَّى أقبَلَ على الجِدار)) وللدَّارَ قُطنيّ (٦٧٣) من طريق ابن إسحاق عن الأعرج: ((حتَّى وَضَعَ يده على الجدار)، وزاد الشافعيّ: ((فحَتَّه بعَصاً»، وهو محمولٌ على أنَّ الجدار کان مُباحاً، أو مملوكاً لإنسانٍ یعرف رِضاه. قوله: ((فمَسَحَ بوَجْهِه ويديه)) وللدَّارَقُطنيّ (٦٧١) من طريق أبي صالح عن الليث: ((فمَسَحَ بوجهِه وذِراعَیه)) وكذا للشافعيِّ من رواية أبي الحُوَيرِث(٣)، وله شاهد من حديث ابن عمر أخرجه أبو داود (٣٣٠)، لكن خَطَّأ الْحُفَّاظُ روايته في رفعه وصَوَّبوا وَقْفَه(٣)، وقد تقدَّم(٤) أنَّ مالكاً أخرجه موقوفاً بمعناه، وهو الصحيح، والثابت في حديث أبي جُهَيم ٤٤٣/١ أيضاً بلفظ: ((يديه)) لا ذِراعَيه، فإنَّها روايةٌ شاذّةٌ مع ما في / أبي الحُوَيرِث وأبي صالح من الضَّعْف، وسیأتي ذِكْر الخلاف في إيجاب مسح الذِّراعینِ بعدُ ببابٍ واحد. (١) سيأتي حديث الانبجانية عند البخاري برقم (٣٧٣). (٢) طريق الدار قطني فيها أبو صالح كاتب الليث، وهو سيىء الحفظ، وطريق الشافعي فيها إبراهيم بن محمد الأسلمي وهو متروك، كما أن أبا الحويرث في حفظه سوء. (٣) في إسناد المرفوع محمد بن ثابت العبدي وهو لين الحديث، ونقل أبو داود عن الإمام أحمد أنه قال: روى محمد بن ثابت حديثاً منكراً في التيمم. (٤) قريباً ص ١٦٥. ١٧١ باب ٤ / ح ٣٣٨ كتاب التيمم قال النَّووي: هذا الحديث محمولٌ على أنَّه ◌َ لِّ كان عادماً للماء حال التيمُّم. قلت(١): وهو مُقتَضى صنيع البخاري، لكن تُعُقِّبَ استدلالُه به على جواز التيمُّم في الحَضَر بأنَّه وَرَدَ على سبب، وهو إرادة ذِكْر الله تعالى، لأنَّ لفظ السلام من أسمائه، وما أُريدَ به استباحة الصلاة. وأُجيب بأنَّه لمَّا تَيمَّمَ في الحَضَر لرَدِّ السلام - مع جوازه بدون الطهارة - فمَن خشِيَ فَوْت الصلاة في الحَضَر جازَ له التيمُّم بطريق الأَولى لعَدَم جواز الصلاة بغير طهارة مع القُدْرة. وقيل: يحتمل أنَّه لم يُرِدْ وَ ◌َّ بذلك التيمُم رفعَ الحَدَث، ولا استباحة محظور، وإنَّما أراد التشَبُّه بالمتطهِّرين كما يُشرَع الإمساك في رمضان لمن يباح له الفِطْر، أو أراد تخفيف الحَدَث بالتيمُّم كما يُشرَع تخفيف حَدَث الجُنُب بالوضوء كما تقدَّم. واستدلَّ به ابن بَطَّال على عَدَم اشتراط التُراب، قال: لأنَّه معلوم أنَّه لم يَعْلَق بيده من الجدار تراب، ونوقِضَ بأنَّه غيرُ معلوم بل هو محتمَل، وقد سبق من رواية الشافعيّ (٦٨/١) ما يدلُّ على أنَّه لم يكن على الجدار تراب، ولهذا احتاجَ إلى حَتِّه بالعصا. ٤ - بابٌ المتيمِّمُ هل يَنفُخُ فيهما؟ ٣٣٨- حدَّثْنا آدمُ، قال: حدَّثْنا شُعْبةُ، حدَّثنا الحَكَمُ، عن ذرٍّ، عن سعيدِ بنِ عبدِ الرحمن ابنِ أَبْزَى، عن أبيه قال: جاء رجلٌ إلى عمرَ بنِ الخَطَّاب، فقال: إنّ أجنَبْتُ فلم أُصِبِ الماءَ؟ فقال عَّارُ بنُ ياسرٍ لعمرَ بنِ الخَطَّاب: أما تَذْكُرُ أنَّا كنَّا في سَفَرٍ أنا وأنتَ، فأمّا أنتَ فلم تُصلِّ، وأمّا أنا فتَمعَّكْتُ فصَلَّيتُ، فذكرتُ للنبيِّ وَِّ، فقال النبيُّ وَّ: (( كان يَكْفِيكَ هُكَذا)» وضَرَبَ بِكَفَّيه الأرضَ ونَفَخَ فیھما، ثمَّ مَسَحَ بهما وجهَه و کَفَّیه. [أطرافه في: ٣٣٩، ٣٤٠، ٣٤١، ٣٤٢، ٣٤٣، ٣٤٥، ٣٤٦، ٣٤٧] قوله: ((باب المتيمِّم هل يَنفُخ فيهما)) أي: في يديه، وزَعَمَ الكِرْمانيُّ أنَّ في بعض النُّسَخِ: ((باب هل يَنفُخ في يديه بعدَما يضرب بهما الصَّعيد للتيمُّم)) وإنَّما تَرجَمَ بلفظ الاستفهام (١) في (ع) و(س): ((قال)) وهو خطأ، فإن كلام النووي انتهى بلفظة ((التيمم)) كما في شرحه على حديث من ((صحيح مسلم)) (٣٦٩). ١٧٢ باب ٤ / ح ٣٣٨ فتح الباري بشرح البخاري ليُنبِّهَ على أنَّ فيه احتمالاً كعادته، لأنَّ النَّفْخ يحتمل أنْ يكون لشيءٍ عَلِقَ بيده خشِيَ أنْ يصيب وجهه الكريم، أو عَلِقَ بيده من التُّراب شيء له كثرة، فأراد تخفيفه لئلّا يَبْقَى له أثر في وجهه، ويحتمل أنْ يكون لبيان التشريع، ومِن ثَمَّ تَمَسَّكَ به مَن أجازَ التيمُّم بغير التُّراب، زاعماً أنَّ نَفْخَه يدلّ على أنَّ المشترَط في التيقُّم الضَّرْب من غير زيادة على ذلك، فلمَّا كان هذا الفعل مُحتمِلاً لما ذكر، أورَدَه بلفظ الاستفهام ليعرفَ الناظِرِ أنَّ للبحث فيه مجالاً. قوله: ((حدَّثنا الحَكَمِّ)) هو ابن عُتَيبة، الفقيه الكوفيّ، وذرِّ بالمعجَمة: هو ابن عبد الله المُرهِبي. قوله: ((جاء رجل)) لم أقِفْ على تسميته، وفي رواية الطَّبراني: أنَّه من أهل البادية، وفي رواية سليمان بن حَرْب الآتية (٣٤٠): أنَّ عبد الرحمن بن أبزَى شَهِدَ ذلك. قوله: ((فلم أُصِبِ الماء، فقال عَّار)) هذه الرواية اختصر فيها جواب عمر، وليس ذلك من المصنّف، فقد أخرجه البيهقيُّ (٢٠٩/١) من طريق آدم أيضاً بدونها، وقد أورَدَ المصنّف الحديث المذكور في الباب الذي يليه (٣٣٩) من رواية ستّة أنفُس أيضاً عن شُعْبة بالإسناد المذكور، ولم يَسُقْه تامّاً من رواية واحد منهم. نعم ذكر جوابَ عمر مسلمٌ (١١١/٣٦٨) من طريق يحيى بن سعيد، والنَّسائي (٣١٩) من طريق حَجّاج بن محمد، كلاهما عن شُعْبة ولفظهما: ((فقال: لا تُصلّ)) زاد السَّراج (٩): ((حتَّى يجدَ الماء)»، وللنَّسائيِّ (٣١٦) نحوُه. وهذا مذهبٌ مشهورٌ عن عمر، ووافقه عليه عبد الله بن مسعود، وجَرَت فيه مناظرة بين أبي موسى وابن مسعود كما سيأتي في ((باب التيمُم ضَرْبٌ)(١)، وقيل: إنَّ ابن مسعود رَجَعَ عن ذلك، وسنذكر هناك توجيه ما ذهب إليه عمر في ذلك والجواب عنه. ٤٤٤/١ قوله: ((في سَفَر))/ ولمسلم (٣٦٨/ ١١٢): ((في سَرِيَّة)) وزاد: ((فأجنبنا))، وسيأتي للمصنّف مثله في الباب الذي بعده (٣٤٠) من رواية سليمان بن حَرْب عن شُعْبة. (١) باب رقم (٨). ١٧٣ باب ٤ / ح ٣٣٨ كتاب التيمم قوله: ((فَتَمعَّكْت)) وفي الرواية الآتية بعدُ (٣٤٧): ((فَتَمرَّغْت)) بالغين المعجَمة، أي: تَقَلَّبْت، وكأنَّ عمّاراً استعمل القياس في هذه المسألة، لأنَّه لمَّا رأى أنَّ التيمُّم إذا وقع بدلَ الوضوء وقع على هيئة الوضوء، رأى أنَّ التيمُّم عن الغُسل يقع على هيئة الغسل. ويُستَفادُ من هذا الحديث: وقوعُ اجتهاد الصحابة في زمن النبيّ ◌َّهِ، وأنَّ المجتهد لا لَوْمَ عليه إذا بَذَلَ وُسْعَه وإنْ لم يُصِب الحقَّ، وأنَّه إذا عَمِلَ بالاجتهاد لا تجب عليه الإعادة، وفي تركه أمرَ عمر أيضاً بقَضائها مُتمسٌَّ لمن قال: إنَّ فاقد الطَّهورَينِ لا يصلِّي ولا قَضاءً علیه كما تقدَّم(١). قوله: ((إنَّما كان يَكْفيكَ)) فيه دليلٌ على أنَّ الواجب في التيمُّم هي الصِّفة المشروحة في هذا الحديث، والزيادة على ذلك لو ثبتت بالأمر دَلَّت على النَّسْخِ ولَزِمَ قَبُولها، لكن إنَّما وَرَدَت بالفعل فتُحمَلُ على الأكمَل، وهذا هو الأظهر من حيثُ الدليل كما سيأتي. قوله: ((وضَرَبَ بكَفَّيه الأرض)) في رواية غير أبي ذرّ: ((فضرب النبيُّ ونَ﴿))، وكذا للبيهقيّ (٢٠٩/١) من طريق آدم. قوله: ((ونَفَخَ فيهما)) وفي رواية حَجّاج الآتية (٣٣٩): ((ثمَّ أدناهما من فيه)) وهي كناية عن النَّفْخ، وفيها إشارة إلى أنَّه كان نَفْخاً خفيفاً، وفي رواية سليمان بن حَرْب (٣٤٠): «تَفَلَ فيهما)) والتَّفْل قال أهل اللُّغة: هو دون البَزْق، والنَّفْث دونه. وسياق هؤلاء يدلّ على أنَّ التعليم وقع بالفعل. ولمسلم (٣٦٨/ ١١٢) من طريق يحيى بن سعيد، وللإسماعيليِّ من طريق يزيد بن هارون وغيره، كلّهم عن شُعْبة: أنَّ التعليم وقع بالقول، ولفظهم: ((إنَّما كان يَكْفيك أنْ تَضرِب بيديك الأرض» زاد يحيى: ((ثُمَّ تَنفُخ، ثمَّ تمسح بهما وجهك وکَفَّیك». واستُدلَّ بالنَّفْخ على استحباب تخفيف التُراب كما تقدَّم، وعلى سقوط استحباب التكرار في التيقُّم، لأنَّ التكرار يستلزم عَدَم التخفيف، وعلى أنَّ مَن غَسَلَ رأسه بدلَ المسح في الوضوء أجزأه، أخذاً من كَوْن عمَّار تَرَّغَ في التُراب للتيمُّم وأجزأه ذلك، ومن هنا (١) في شرح الباب رقم (٢) من التيمم، وهو قول محكيٍّ عن الإمام مالك رحمه الله. ١٧٤ باب ٥ / ح ٣٣٩ - ٣٤٠ فتح الباري بشرح البخاري يُؤخَذ جواز الزيادة على الضَّرْبتَينِ في التيمُّم، وسقوط إيجاب الترتيب في التيمُّم عن الجنابة. ٥ - بابٌ التیُّمُ للوجه والگَفَّین ٣٣٩- حدَّثنا حَجّاجٌ، قال: أخبرنا شُعْبةُ، عن الحكم، عن ذَرِّ، عن ابنِ عبدِ الرحمن بنِ أَبْزَى، عن أبيه، قال عَّارٌ بهذا؛ وضَرَبَ شُعْبةُ بَيَدَيه الأرضَ، ثمَّ أدناهُما من فيهِ، ثمَّ مَسَحَ وجهَه وكَفَّه. وقال النَّضْرُ: أخبرنا شُعْبةُ، عن الحَكَم، قال: سمعتُ ذَرّاً يقولُ: عن ابنِ عبدِ الرحمن بنِ أَبْزَى. قال الحَكَمُ: وقد سمعتُهُ منِ ابنِ عبدِ الرحمن، عن أبيه، قال: قال عَّارٌ ... ٣٤٠- حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْب، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، عن الحكم، عن ذَرّ، عن ابنِ عبدِ الرحمن بنِ أَبْزَى، عن أبيه: أَنَّ شَهِدَ عمرَ وقال له عَّارٌ: كنّا في سَرِيّةٍ فأجنَبْنا ... وقال: تَفَلَ فيهما. قوله: ((باب التيمُّم للوَجْه والكَفَّين)) أي: هو الواجب المجزِىُّ، وأتى بذلك بصيغة الجَزْم مع شُهْرة الخلاف فيه لقوَّة دليله، فإنَّ الأحاديث الواردة في صفة التيمُم لم يَصِحَّ منها سوى حديث أبي جُهَيم وعمَّار، وما عداهما فضعيفٌ أو مُخُتلَفٌ في رفعه ووَقْفه، ٤٤٥/١ والراجح عدمُ رفعه، فأمَّا حديث أبي جُهَيم فوَرَدَ بذِكْر اليدين مُجمَلاً، وأمَّا / حديث عمَّار فَوَرَدَ بِذِكْرِ الكَفَّين في ((الصحيحين)) وبذِكْر الْمِرْفقَين في السُّنن(١)، وفي رواية: إلى نصف الذِّراع(٢)، وفي رواية: إلى الآباط(٣). فأمَّا رواية المِرفقَينِ وكذا نصف الذِّراع ففيهما مَقال، وأمَّا رواية الآباط فقال الشافعيّ وغيره: إنْ كان ذلك وقع بأمر النبيّ ◌َّهِ، فكلَّ تیمُّم صَحَّ للنبيِّ ێ بعده فهو ناسخ له، (١) أخرجه أبو داود (٣٢٤) و(٣٢٥) و(٣٢٨)، والنسائي (٣١٩)، وابن ماجه (٥٧٠). (٢) أخرجها أبو داود (٣٢٢) و(٣٢٣)، والنسائي (٣١٦). (٣) أخرجها أبو داود (٣١٨) و(٣٢٠)، والنسائي (٣١٤)، وابن ماجه (٥٦٦). ١٧٥ باب ٥ / ح ٣٣٩ - ٣٤٠ كتاب التيمم وإنْ كان وقع بغير أمره، فالحُجَّة فيما أمَرَ به. وممّا يقوِّي رواية ((الصحيحين)) في الاقتصار على الوجه والكَفَّين، كَوْنُ عمَّار كان يُفْتي بعد النبيّ وَّ بذلك، وراوي الحديث أعرَفُ بالمراد به من غيره ولا سيّما الصحابي المجتهد، وسيأتي الكلام على مسألة الاقتصار على ضَرْبة واحدة في بابه(١) إن شاء الله تعالى. قوله: ((حدَّثنا حَجّاج)) هو ابن مِنْهال، وقد روى النَّسائيُّ (٣١٩) هذا الحديث من طريق حَجّاج بن محمد عن شُعْبة بغير هذا السِّياق، ولم يسمع البخاري من حَجّاج بن محمد، وتابَعَه على هذا السِّياق عن حَجّاج بن منهال عليّ بن عبد العزيز البَغَويُّ، أخرجه ابن المنذر (٢/ ٥٥) والطَّبرانيُّ عنه، وخالفَهما محمد بن خُزيمةَ البصريّ عنه فقال: ((عن عبد الرحمن بن أبزَى، عن أبيه)) أخرجه الطَّحاويُّ عنه (١١٢/١ -١١٣) وأشار إلى أنَّه وَهمَ فيه. قلت: سَقَطَت من روايته لفظة ((ابن)) ولا بدَّ منها، لأنَّ أبزَى والد عبد الرحمن لا رواية له في هذا الحديث، والله أعلم. ١ قوله: ((عن الحكم» في روایة کریمة والأُصِیلي: «أخبرني الخگم»، وهي رواية ابن المنذر أيضاً. قوله: ((عن ابن عبد الرحمن)) في رواية أبي ذرٍّ وأبي الوَقْت: عن سعيد بن عبد الرحمن. قوله: ((بهذا)) أشار إلى سياق المتن الذي قبله (٣٣٨) من رواية آدم عن شُعْبة، وهو كذلك، إلّا أنَّه ليس في رواية حَجّاج قِصّة عمر. قوله: ((وقال النَّضْر)) هو ابن شُمَيل، وهذا التعليق موصول عند مسلم (١١٣/٣٦٨) عن إسحاق بن منصور عن النَّصْر، وأخرجه أبو نُعيم في ((المستخرَج)) من طريق إسحاق ابن راهويه عنه. وأفادَ النَّصْر في هذه الرواية أنَّ الحكم سمعه من شیخ شیخه سعید بن عبد الرحمن، والظاهر أنَّه سمعه من ذَرّ عن سعيد، ثمَّ لَقِيَ سعيداً فأخَذَه عنه، وكأنَّ سماعه له من ذرِّ كان أتقَنَ، ولهذا أكثر ما يجيءُ في الروايات بإثباته، وأفادت رواية سليمان بن (١) في باب (٨): التيمم ضربة. ١٧٦ باب ٥ / ح ٣٤١ فتح الباري بشرح البخاري حَرْب أنَّ عمر أيضاً كان قد أجنَب، فلهذا خالفَ اجتهاده اجتهاد عمّار. ٣٤١ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ كَثير، أخبرنا شُعْبةُ، عن الحكم، عن ذَرّ، عن ابنِ عبدِ الرحمن بنِ أَبْزَى، عن عبد الرحمن قال: قال عَّارٌ لعمرَ: تَمَعَّكْتُ فَأَتَيْتُ النبيَّ وَّ فقال: ((يَكْفِيكَ الوَجْهُ والكَفَّان». قوله في رواية محمد بن كثير: ((يَكْفيك الوَجْه والكَفّان)) كذا في رواية الأَصِيليّ وغيره بالرفع فيهما على الفاعليَّة، وهو واضح، وفي رواية أبي ذرِّ وكَرِيمة: ((يَكْفيك الوجه والكَفَّين)) بالنصب فيهما على المفعوليَّة إمَّا بإضمار: أعني، أو التقدير: يَكْفيك أنْ تمسح الوجه والكفَّين، أو بالرفع في ((الوجه)» على الفاعليَّة، وبالنصب في ((الكَفَّين)) على أنَّه مفعول معه، وقيل: إنَّه رُوِيَ بالجرِّ فيهما، ووَجَّهَه ابن مالك بأنَّ الأصل: يَكْفیك مسحُ الوجه والكفَّين، فحَذَفَ المضاف وبقي المجرور به على ما كان. ويُستَفاد من هذا اللفظ أنَّ ما زاد على الكَفَّين ليس بفرضٍ كما تقدَّم، وإليه ذهب أحمد وإسحاق وابن جَرِير وابن المنذر وابن خُزَيمة، ونقله ابن الجَهْم وغيره عن مالك، ونقله الخطّابُّ عن أصحاب الحديث. وقال النَّووي: رواه أبو ثَوْر وغيره عن الشافعيّ في القديم، وأنكَرَ ذلك الماوَرْديّ وغيره. قال: وهو إنكارٌ مردود، لأنَّ أبا ثَوْر إمام ثِقة. قال: وهذا القول - وإنْ كان مرجوحاً - فهو القويُّ في الدليل. انتهى كلامه في ((شرح المهذَّب)). وقال في ((شرح مسلم)) في الجواب عن هذا الحديث: إنَّ المراد به بيان صورة الضَّرْب للتَّعْليم، وليس المراد به بيان جميع ما تَجِصُل به التيُّم. وتُعُقِّبَ بأنَّ سياق القِصَّة يدلُّ على أنَّ المراد به بيان جميع ذلك، لأنَّ ذلك هو الظاهر ٤٤٦/١ / من قوله: ((إنَّما يَكْفيك)). وأمَّا ما استدلَّ به من اشتراط بلوغ المسح إلى المِرفقَينِ من أنَّ ذلك مُشترَط في الوضوء، فجوابه: أنَّه قياس في مُقابلة النَّصّ، فهو فاسد الاعتبار، وقد عارَضَه مَن لم يشترط ذلك ١٧٧ باب ٥-٦ / ٣٤٢- ٣٤٣ كتاب التيمم بقياسٍ آخَر، وهو الإطلاق في آية السَّرِقة (١)، ولا حاجة لذلك مع وجود هذا النَّصّ. ٣٤٢- حدَّثْنَا مُسْلمٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن الحكم، عن ذَرّ، عن ابنِ عبدِ الرحمن، عن عبد الرحمن قال: شَهِدْتُ عمرَ، فقال له عَّارٌ ... وساقَ الحديثَ. ٣٤٣- حدَّثنا محمَّدُ بنُ بَشّار، قال: حدّثنا غُندَرٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن الحَكَم، عن ذَرّ، عن ابنِ عبدِ الرحمن بنِ أَبْزَى، عن أبيه قال: قال عَّارٌ: فضَرَبَ النبيُّ وََّ بِيدِه الأرضَ، فمَسَحَ وجهَه و گَفَّیه. قوله: ((حدّثنا مسلم)) هو ابن إبراهيم، ولم يَسُق المتن في هذه الرواية بل قال: ((وساقَ الحديث))، وظاهره أنَّ لفظه يوافق اللفظ الذي قبله، ثمَّ ساقه نازلاً من طريق غُندَر عن شُعْبة، وأظنُّهُ قَصَدَ بإيراد هذه الطُّرُق الإشارةَ إلى أنَّ النَّضْر تفرَّد بزيادته، وأنَّ الحكم سمعه من سعيد بلا واسطة. واختصر المصنّف سياق غُندَر، وقد أخرجه أحمد عنه (١٨٣٣٢)، وأخرجه ابن خُزيمةَ في «صحيحه» (٢٦٨) عن محمد بن بَشّار شيخ البخاري وسياقه أتمُّ، ذكر فيه قِصّة عمر وذَكَر فيه النَّفْخ أيضاً، والله أعلم. ٦ - بابٌّ الصَّعيدُ الطيِّب وَضوءُ المسلم يكفيه من الماءِ وقال الحسنُ: يُجِزِتُه التَّهُّمُ ما لم يُحدِث. وأمَّ ابنُ عبَّاس وهو مُتَيمٌّمٌ. وقال يحيى بنُ سعيدٍ: لا بأسَ بالصلاة على السَّبَخة والتَّمُّم بها. قوله: ((بابٌ)) بالتنوين ((الصَّعيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ المسلم)» هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه البَزَّار (١٠٠٦٨) من طريق هشام بن حسَّان، عن محمد بن سِيرِين، عن أبي هريرة مرفوعاً، وصحَّحه ابن القَطان، لكن قال الدَّارَ قُطنيُّ: إنَّ الصواب إرسالُه. (١) يعني بها قوله تعالى: ﴿وَالسََّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَأَقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَّآءُ بِمَا كَسَبَا﴾ الآية [المائدة: ٣٨]. ١٧٨ باب ٦ فتح الباري بشرح البخاري وروى أحمد وأصحاب السُّنن(١) من طريق أبي قلابة، عن عَمْرو بن بُجْدان - وهو بضمِّ الموحّدة وسكون الجيم - عن أبي ذرِّ نحوه، ولفظه: ((إنَّ الصَّعيد الطيِّب طَهُور المسلم وإنْ لم يجد الماء عَشْر سنين)) وصحَّحه التِّرمِذيُّ وابن حِبَّان (١٣١١) والدَّارَ قُطْنيّ (٧٢١). قوله: ((وقال الحسن)) وَصَلَه عبد الرزاق (٨٣٦) ولفظه: يُحِزِئُّ تَيُّمٌ واحدٌ ما لم يُحدِث، وابن أبي شَيْبة (١/ ١٦٠) ولفظه: لا يَنقُضُ التيمُّمَ إلَّ الْحَدَثُ، وسعيد بن منصور ولفظه: التيمُّم بمنزلة الوضوء، إذا تَيمَّمتَ فأنت على وضوء حتَّى تُحدِث، وهو أصرحُ في مقصود الباب. وكذلك ما أخرجه حمَّد بن سَلَمةَ في ((مصنَّفَه)) عن يونس بن عُبيد، عن الحسن قال: تُصلِّيّ الصَّلَوات كلّها بتيُّم واحدٍ مثل الوضوء ما لم تُحدِث(٢). قوله: ((وأمَّ ابنُ عبَّاس وهو مُتَيمٌّمٌ)) وَصَلَه ابن أبي شَيْبة (١/ ٩٧) والبيهقيُّ (٢٣٤/١) وغيرهما، وإسناده صحيح، وسيأتي في ((باب إذا خاف الجُنُب)) لعَمْرو بن العاص مثلُه(٣)، وأشار المصنِّف بذلك إلى أنَّ التيمُّم يقوم مقام الوضوء، ولو كانت الطهارة به ضعيفة لما أمَّ ابن عبّاس وهو مُتَيمٌّمٌ مَن كان متوضِّئاً. وهذه المسألة وافق فيها البخاريُّ الكوفيِّين والجمهور، وذهب بعضهم - من التابعين وغيرهم - إلى خلاف ذلك، وحُجَّتُهم أنَّ التيمُّم طهارة ضروريّة لاستباحة الصلاة قبل خروج الوقت، ولذلك أعطى النبيُّ وَ لِّ الذي أجنَب فلم يُصلِّ الإناءَ من الماء ليغتسلَ به بعد أنْ قال له: ((عليك بالصَّعيدِ فإنَّه يَكْفيك))(٤)، لأنَّه وَجَدَ الماء فبَطَلَ تيقُّمه. وفي الاستدلال بهذا على عَدَم جواز أكثر من فريضة بتيمُّم واحدٍ نظرٌ، وقد أُبِيحَ عند الأكثر ٤٤٧٨ بالتيقُم / الواحد النَّوافل مع الفريضة، إلّا أنَّ مالكاً رحمه الله يشترط تقدُّمَ الفريضة. وشَذَّ شَرِيكٌ القاضي فقال: لا يُصلَّى بالتيمُّم الواحد أكثر من صلاة واحدة فرضاً كانت أو نَفْلاً. (١) أحمد (٢١٥٦٨)، وأبو داود (٣٣٢)، والترمذي (١٢٤)، والنسائي (٣٢٢). (٢) وأخرجه بنحوه عبد الرزاق (٨٣٥) من طريق قتادة عن سعيد بن المسيب والحسن. (٣) تعليقاً عند الباب رقم (٧). (٤) سيأتي في الحديث التالي برقم (٣٤٤). ١٧٩ باب ٦ كتاب التيمم قال ابن المنذر: إذا صَحَّتِ النَّوافل بالتيمُّم الواحد صَحَّت الفرائض، لأنَّ جميع ما يُشترَط للفرائض مُشترَط للنَّوافل إلَّا بدليل، انتهى. وقد اعتَرَفَ البيهقيُّ بأنَّه ليس في المسألة حديثٌ صحيحٌ من الطَّرفَين، قال: لكن صَحَّ عن ابن عمر إيجابُ التيقُّم لكلِّ فريضة، ولا يُعلَمُ له مخالفٌ من الصحابة. وتُعُقِّبَ بما رواه ابن المنذر عن ابن عبّاس: أنَّه لا يجبُ(١)، واحتَجَّ المصنِّف لعَدَم الوجوب بعموم قوله في حديث الباب: ((فإنَّه يَكْفيك)) أي: ما لم تُحدِث أو تجد الماء، وحمله الجمهور على الفريضة التي تَيمَّمَ من أجلها ويصلِيّ به ما شاءَ من النَّوافل، فإذا حَضَرَت فريضةٌ أُخرى وَجَبَ طلبُ الماء، فإنْ لم يجد تَيمَّم، والله أعلم. قوله: ((وقال يحيى بن سعيد)) هو الأنصاريّ، و((السَّبَخَة)) بمُهمَلةٍ وموخَّدة ثمَّ مُعجَمة مفتوحات: هي الأرض المالحة التي لا تكاد تُنبِتُ، وإذا وصفتَ الأرض قلت: هي أرضٌ سَبِخة، بكسر الموحّدة. وهذا الأثر يتعلَّق بقوله في الترجمة: ((الصَّعيد الطيِّب)) أي: أنَّ المراد بالطيِّب الطاهرُ، وأمَّا الصَّعيد فقد تقدَّم نَقْلُ الخلاف فيه وأنَّ الأظهر اشتراطُ التُراب، ويدلّ عليه قوله تعالى: ﴿فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] فإنَّ الظاهر أنَّها للتبعيض. قال ابن بَطَّال: فإنْ قيل: لا يقال: مَسَحَ منه، إلَّا إذا أخَذَ منه جزءاً، وهذه صفة التُراب لا صفة الصَّخْرِ مَثلاً الذي لا يَعْلَقُ باليد منه شيء، قال: فالجواب أنَّه يجوز أنْ يكون قوله: ((منه)) صِلة. وتُعُقِّبَ بأنَّه تَعشُّفٌ. قال صاحب ((الكَشّاف)): فإنْ قلتَ لا يفهمُ أحدٌ من العرب من قول القائل: مسحْتُ برأسي من الدُّهْن أو غيره إلَّا معنى التبعيض، قلتُ: هو كما تقول، والإذْعان للحقِّ خيرٌ من المِراء، انتهى. واحتَجَّ ابن خُزَيمةَ (٢٦٥) لجواز التيمُّم بالسَّبخة بحديث عائشة في شأْن الهِجْرة أنَّه (١) انظر ((الأوسط)) لابن المنذر ٥٨/٢. ١٨٠ باب ٦ / ح ٣٤٤ فتح الباري بشرح البخاري قال ◌َّ: ((أُريت دارَ هِجْرَتكم سَبِخةً ذات نَخْل))(١) يعني المدينة، قال: وقد سَمَّى النبيّ وَل المدينة طَيْبة، فدَلَّ على أنَّ السَّبِخة داخلة في الطيِّب، ولم يخالف في ذلك إلَّا إسحاق بن راهويه. ٣٤٤- حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثني يحيى بن سعيد، قال: حدَّثنا عَوْفٌ، قال: حدّثنا أبو رَجاء، عن عِمْرانَ قال: كَّا فِي سَفَرِ معَ النبيِّ ◌َِّ وأَنَّا أسرَينا، حتَّى كنَّا في آخر اللَّيْلِ وَقَعْنا وَقْعَةً ولا وَقْعَةَ أحَى عند المسافرِ منها، فما أيقَظَنَا إِلَّ حَرُّ الشمس، وكان أوَّلَ مَن استَقَظَ فُلانٌ ثُمَّ فُلانٌ ثمَّ فُلانٌ. يُسمِّيهم أبو رَجاءٍ فَتَسِيَ عَوْفٌ - ثمَّ عمرُ بنُ الخَطَّابِ الرّابعُ، وكان النبيُّ وَ﴿ إذا نامَ لم يُوقَظْ حَتَّى يكونَ هو يَستيقِظُ، لأنَّا لا نَذْري ما يَحدُثُ له في نومِه، فلمَّا استَقَظَ عمرُ ورَأى ما أصابَ الناسَ، وكان رجلاً جَلِيداً، فكَبَّرَ ورَفَعَ صَوْتَه بالتَّكْبِير، فما زالَ يُكبِّرُ ويَرفَعُ صَوْتَه بالتَّكْبِيرِ حتَّى استَيقَظَ بصَوْتِه النبيُّ ◌ِێ، فلمَّا استيقظَ شَگوْا إليه الذي أصابُم، قال: ((لا ضَيْرَ - أو لا يَضِيرُ - ارَحِلُوا)). فارتَحَلَ فسارَ غيرَ بَعِيد، ثمَّ نزلَ فَدَعَا بالوَضُوءِ فَتَوضَّأ ونُودِيَ بالصلاةِ فصَلَّى بالناس، فلمَّا انفَتَلَ من صلاِهِ إذا هو برجلٍ مُعتَزِلٍ لم يُصلِّ معَ القَوْم، قال: ((ما مَنَعَكَ يا فُلانُ أنْ تُصلِّيَ معَ القَوْم؟)) قال: أصابَتْني جَنابةٌ ولا ماءَ، قال: ((عليكَ بالصَّعِيدِ، فإِنَّه يَكْفِيكَ)). ثُمَّ سارَ النبيُّ ◌َِّ فاشتكَى إليه الناسُ مِن العَطَشْرِ، فنزل فدَعا فُلاناً - كان يُسمِّيه أبو رَجاءٍ ٤٤٨/١ نَسِيَه عَوْفٌ - ودَعَا/ عليّاً، فقال: ((اذْهَبا فابتَغِيا الماءَ)) فانطَلَقا فتَلَقَّيا امرأةً بينَ مَزادتَينِ أو سَطِيحَتَينِ من ماءٍ على بَعِيرٍ لها، فقالا لها: أينَ الماءُ؟ قالت: عَهْدي بالماءِ أمسِ هذه الساعةَ ونَفَرُنا خُلُوفٌ، قالا لها: انطَلِقِي إذاً، قالت: إلى أينَ؟ قالا: إلى رسولِ اللهِ وَّ، قالت: الذي يقالُ له: الصَّابي، قالا: هو الذي تَعْنِينَ، فانطَلِقي. فجاءا بها إلى النبيِّ نَّهِ وَحَدَّثاه الحديثَ، قال: فاستَنَزَلُوها عن بَعِيرِها، ودَعَا النبيُّ ◌ِلـ بإناءٍ فَفَرَّغَ فيه من أفواهِ المَزادتَيْنِ أو السَّطِيحَتَين، وأوكَأَ أفواهَهُما، وأطلَقَ العَزَالِيَ، ونُودِيَ في (١) سيأتي عند البخاري برقم (٢٢٩٧).