النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
باب ٢٨ / ح ٣٣١
كتاب الحيض
قوله: ((قالوا: بلى)) أي: النساء ومَن معهنَّ من المحارم.
قوله: ((فاخرُجي)) كذا للأكثر بالإفراد خِطاباً لصَفيَّةٍ من باب العُدول عن الغَيْبة، وهي
قوله: ((ألم تكن طافت)) إلى الخِطاب، أو هو خطاب لعائشة، أي: فاخرُ جي، فهي تخرج
معكِ، وللمُستَمْلِي والكُشْمِيهَنيّ: ((فاخرُجْن)) وهو على وَفْقِ السِّياق، وسيأتي الكلام على
هذا الحديث والذي بعده في كتاب الحج (١٧٣٣، ١٧٥٥) إن شاء الله تعالى.
وقوله فيه: ((وكان ابن عمر)) هو مَقُول طاووسٍ لا ابن عبّاس، وكذا قوله: ((ثمَّ سمعتُهُ
يقول))، وكان ابن عمر يُفْتي بأنَّه يجبُ عليها أنْ تتأخّر إلى أنْ تَطهُر من أجل طواف الوَدَاع،
ثُمَّ بَلَغَتْه الرُّخْصة عن النبيّ ◌َِّ لهنَّ في تركه فصارَ إليه، أو كان نَسِيَ ذلك فتذكَّرِه. وفيه
دليلٌ على أنَّ الحائض لا تطوف.
٢٨ - باب إذا رأتِ المستحاضةُ الطُّهْر
قال ابنُ عبَّاس: تَغتسِلُ وتُصلِّي ولو ساعةً، ويَأْتيها زوجُها إذا صَلَّت؛ الصلاةُ أعظَم.
٣٣١- حذَّثنا أحمدُ بنُ يونسَ، عن زُهَير، قال: حدَّثنا هشامٌ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ قالت:
قال النبيُّ وَّ: / ((إذا أقبَلَتِ الحيضةُ فَدَعِي الصلاةَ، وإذا أدبَرَتْ فاغسِلي عنكِ الدَّمَ وصَلِّ)). ٤٢٩/١
قوله: ((باب إذا رأت المستحاضة الطُّهْر)) أي: تميَّز لها دمُ العِرْق من دم الحيض، فسُمّيَ
زمنُ الاستحاضة طُهْراً، لأنَّه كذلك بالنّسبة إلى زمن الحيض، ويحتمل أنْ يريد به انقطاع
الدَّم، والأوَّلُ أو فَقُ للسِّياق.
قوله: ((قال ابن عبّاس: تَغتسِل وتُصلِّ ولو ساعةً)) قال الدَّاوودي: معناه: إذا رأت الطُّهْر
ساعة ثمَّ عاوَدَها دم، فإنَّها تغتسل وتُصلّي. والتعليق المذكور وَصَلَه ابن أبي شَيْبة (١٢٨/١)
والدَّارميُّ (٨٠٠) من طريق أنس بن سيرين عن ابن عبّاس: أنَّه سأله عن المستحاضة
فقال: أمَّا ما رأت الدَّمَ البَحْرانيّ فلا تُصلّى، وإذا رأت الطُّهْر ولو ساعة فلتغتسلُ وتُصلّى.
وهذا موافق للاحتمال المذكور أوَّلاً، لأنَّ الدَّم البَحْرانيّ هو دم الحيض.
قوله: ((ويَأْتيها زوجها)) هذا أثرٌ آخَرُ عن ابن عبّاس أيضاً، وَصَلَه عبد الرزاق (١١٨٩)

١٤٢
باب ٢٩ / ح ٣٣٢
فتح الباري بشرح البخاري
وغيره من طريق عِكْرمة عنه قال: المستحاضة لا بأس أنْ يأتيها زوجها، ولأبي داود
(٣٠٩) من وجه آخر عن عِكْرمة قال: كانت أُمّ حبيبة تُستَحاض وكان زوجها يَغْشاها.
وهو حديثٌ صحيحٌ إِنْ کان عكرمة سمعه منها.
قوله: ((إذا صَلَّت)) شرطٌ محذوف الجزاء، أو جزاؤُه مُقدَّم.
وقوله: ((الصلاة أعظم)) أي: من الجماع، والظاهر أنَّ هذا بحثٌ من البخاري أراد به
بيان الملازمة، أي: إذا جازَت الصلاة فجواز الوَطْء أولى، لأنَّ أمر الصلاة أعظم من أمر
الجماع، ولهذا عَقَّبَه بحديث عائشة المختصر من قِصّة فاطمة بنت أبي حُبَيشٍ المصرِّح بأمر
المستحاضة بالصلاة، وقد تقدَّمت مباحثه (٣٠٦) في ((باب الاستحاضة)).
وزهير المذكور هنا: هو ابن معاوية، وقد أخرجه أبو نُعيم في ((المستخرَج)) من طريقه
تامّاً، وأشار البخاري بما ذكر إلى الرَّدّ على مَن مَنَعَ وَطْء المستحاضة، وقد نقله ابن المنذر
عن إبراهيم النَّخَعيِّ والَكَم والزُّهْريّ وغيرهم، وما استدلَّ به على الجواز ظاهر فيه.
وذكر بعض الشُّراح أنَّ قوله: ((الصلاة أعظم)) من بقيَّة كلام ابن عبّاس، وعَزَاه إلى
تخريج ابن أبي شَيْبة، وليس هو فيه، نعم روى عبد الرزاق (١١٨٧) والدَّارميُّ (٨١٨) من
طريق سالم الأفطَس: أنَّه سأل سعيد بنَ جُبَير عن المستحاضة أتُجامَعُ؟ قال: الصلاة أعظم
من الجماع.
٢٩ - باب الصلاة على النُّفَساءِ وسُنَّتِها
٣٣٢- حدَّثنا أحمدُ بنُ أبي سُرَيج، قال: أخبرنا شَبَابةُ، قال: أخبرنا شُعْبةُ، عن حُسَينِ
المعلِّم، عن ابنِ بُرَيدةَ، عن سَمُرةَ بنِ جُنْدُبٍ: أنَّ امرأةً ماتَتْ في بَطْنٍ، فصَلَّى عليها النبيُّ ◌َلـ
فقامَ وَسَطَها.
[طرفاه في: ١٣٣٢،١٣٣١]
قوله: (باب الصلاة على النُّفساء وسُتَّتِها)) أي: سُنَّة الصلاة عليها.
قوله: ((حدَّثنا أحمد بن أبي سُرَيج)) تقدَّم أنَّه بالمهمَلة والجيم، واسمه الصَّبّاح، وقيل: إنَّ

١٤٣
باب ٢٩ / ح ٣٣٢
كتاب الحيض
أحمد هو ابن عمر بن أبي سُرَيج، فكأنَّه نُسِبَ إلى جَدّه.
قوله: ((أنَّ امرأة)» هي أُمّ كعب سَمَّاها مسلم (٧٨/٩٦٤) في روايته من طريق عبد الوارث
عن حُسَين المعلِّم، وذكر أبو نُعيم في ((الصحابة)) أنّها أنصاريَّة.
قوله: ((ماتَتْ في بَطْن)) أي: بسبب بَطْن، يعني: الحمل، وهو نظير قوله: ((عُذِّبت امرأة
في هِرّة)(١)، قال ابن الثَّيميّ: قيل: وَهِمَ البخاري في هذه الترجمة فظنَّ أنَّ قوله: ((ماتت في
بَطْن)) ماتت في الولادة، قال: ومعنى مَاتت في بَطْنِ: ماتت مَبْطونة. قلت: بل الموهِّمُ له هو
الواهم، فإنَّ عند المصنِّف في هذا الحديث من كتاب الجنائز (١٣٣١): ((ماتت في نفاسها)»،
وكذا لمسلم (٧٨/٩٦٤).
قوله: ((فقامَ وَسَطَها)) بفتح السِّين في روايتنا، وكذا ضبطه ابن التِّين، وضبطه غيره
بالسُّكون،/ وللكُشْمِيهَنيّ: ((فقامَ عند وَسَطها))، وسيأتي الكلام على ذلك في كتاب الجنائز ٤٣٠/١
(١٣٣١) إن شاء الله تعالى.
قال ابن بَطَّال: يحتمل أنْ يكون البخاري قَصَدَ بهذه الترجمة: أنَّ النُّفَساء وإنْ كانت لا
تُصلِّي أنَّ لها حُكْم غيرها من النساء، أي: في طهارة العَيْن، لصلاة النبيّ ◌َّ عليها، قال:
وفيه رَدٌّ على مَن زَعَمَ أنَّ ابن آدم يَنجُسُ بالموت، لأنَّ النُّفَساء جمعت الموت وحملَ النجاسة
بالدَّم اللازم لها، فلمَّا لم يَضُرَّها ذلك كان الميّت الذي لا يسيل منه نجاسة أَولى.
وتعقّبه ابن المنيِّر بأنَّ هذا أجنبيٍّ عن مقصود البخاري، قال: وإنَّما قَصَدَ أنَّها وإنْ وَرَدَ
أنّها من الشُّهَداء، فهي ممَّن يُصلَّى عليها كغير الشُّهداء.
وتعقّبه ابن رُشَيد بأنَّه أيضاً أجنبيّ عن أبواب الحيض، قال: وإنَّما أراد البخاري أنْ
يستدلَّ بلازم من لوازم الصلاة، لأنَّ الصلاة اقتَضَت أنَّ المستقبَل فيها ينبغي أنْ يكون
محكوماً بطهارتِه، فلمَّا صلَّى عليها - أي: إليها - لَزِمَ من ذلك القولُ بطهارة عينها، وحكمُ
النُّفَساء والحائض واحد، قال: ويدلّ على أنَّ هذا مقصودُه، إدخال حديث ميمونة في
(١) سيأتي عند المصنف برقم (٢٣٦٥) من حديث ابن عمر.

١٤٤
باب ٣٠ / ح ٣٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
الباب کما في رواية الأصيليّ وغيره، ووقع في رواية أبي ذرِّ قبل حديث ميمونة:
٣٠ - باب
٣٣٣- حدَّثنا الحسنُ بنُ مُدْرِك، قال: حدَّثنا يحيى بنُ حَمَّد، قال: أخبرنا أبو عَوَانة - اسمُه
الوَضّاحُ - من كتابه، قال: أخبرنا سليمانُ الشَّيبانُّ، عن عبدِ الله بنِ شدَّاد، قال: سمعتُ خالتي
ميمونةَ زوجَ النبيِّ وَِّهِ: أنَّها كانت تكونُ حائضاً لا تُصلِّي وهي مُفْتِشةٌ بحِذاءِ مسجدٍ
رسولِ الله وَلَّ، وهو يُصلِّ على مُخْرَتِهِ، إذا سَجَدَ أصابَني بعضُ ثوِه.
[أطرافه في: ٣٧٩، ٣٨١، ٥١٨،٥١٧]
(بابٌ)) غيرُ مترجَم، وكذا في نسخة الأَصِيلِيّ، وعادته في مثل ذلك أنه بمعنى الفَصْل
من الباب الذي قبله، ومناسبته له: أنَّ عين الحائض والنُّفَساء طاهرة، لأن ثوبه وَ ل# كان
یصیبها إذا سجد وهي حائضٌ ولا يضرُّه ذلك.
قوله: ((حدَّثنا الحسن بن مُدْرِك)) هو الطَّحّان البصريّ أحدُ الحُفَّاظ، وهو من صغار
شيوخ البخاري، بل البخاري أقدَمُ منه، وقد شارَكَه في شيخه يحيى بن حمَّد المذكور هنا،
وكأنَّ هذا الحديث فاتَه، فاعتَمَدَ فيه على الحسن المذكور، لأنَّه كان عارفاً بحديث يحيى
ابن حمّاد.
قوله: ((من كتابه)) إشارة إلى أنَّ أبا عَوَانة حدَّث به من كتابه لا من حِفْظه، وكان إذا
حدَّث من كتابه أتقَنَ ممَّا إذا حدَّث من حِفْظه، حتَّى قال عبد الرحمن بن مَهْدي: كتاب أبي
عَوَانة أثبَتُ من حِفْظ هُشَیم.
قوله: ((كانت تكون)) أي: تَحصُل أو تَستقِرّ، ويحتمل أنَّ قوله: ((تكون لا تُصلِي)) خبر
لـ((كانت))، وقوله: ((حائضاً)) حال، نحو: ﴿وَجَآءُ وَ أَبَاهُمْ عِشَآءُ يَبْكُّونَ﴾ [يوسف: ١٦]، قاله
الکرمانيّ.
قوله: ((بحِذَاء)) بكسر الحاء المهمَلة بعدها ذال مُعجَمة ومَدّة، أي: بجَنْب مسجدٍ،

١٤٥
باب ٣٠ / ح ٣٣٣
كتاب الحيض
والمراد بالمسجد: مكان سجوده، والخُمْرة بضمِّ الخاء المعجمة وسكون الميم، قال الطبريُّ:
هو مُصلَّى صغير يُعمَل من سَعَف النَّخْلِ، سُمّيَت بذلك لسَتْرِها الوجه والكَفَّین من حَرّ
الأرض وبردها، فإنْ كانت كبيرة سُمّيَت حصيراً، وكذا قال الأزهريّ في ((تهذيبه))
وصاحبه أبو عُبيد الهَرَويُّ وجماعة بعدهم، وزاد في ((النِّهاية)): ولا تكون حُمْرة إلَّا في هذا
المِقْدار، قال: وسُمَّت ◌ُمْرة، لأنَّ خُيوطَها مستورة بسَعَفِها.
وقال الخطَّبيُّ: هي السَّجّادة يَسجُد عليها المصلّ؛ ثمَّ ذكر حديث ابن عبّاس في الفَأْرة
التي جَرَّت الفَتِيلة حتَّى ألْقَتْها على الخُمْرة التي كان النبيّ وَِّ قاعداً عليها ... الحديث(١)
قال: ففي هذا تصريحٌ بإطلاق الخُمْرة على ما زاد على قَدْر الوجه، قال: وسُمّيَت ◌ُمْرة،
لأنَّها تُغطّي الوجه، وستأتي الإشارة إلى حُكْم الصلاة عليها في كتاب الصلاة (٣٨١) إن
شاء الله تعالى.
خاتمة: اشتَمَلَ كتاب الحيض من الأحاديث المرفوعة على سبعة وأربعين حديثاً، المكرّر ٤٣١/١
منها فيه وفيما مضى اثنان وعشرون حديثاً، الموصول منها عشرة أحاديث، والبقيّة تعليق
ومُتَابَعة، والخالص خمسة وعشرون حديثاً، منها واحد مُعلَّق وهو حديث: ((كان يَذكُر الله
على كلّ أحيانه))، والبقيَّة موصولة. وقد وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث عائشة
رضي الله عنها: ((كانت إحدانا تحيض ثمَّ تَقتَرِص الدَّم))، وحديثها في اعتكاف المستحاضة،
وحديثها: ((ما كان لإحدانا إلَّا ثوب واحد)»، وحديث أُمّ عَطيّة: «كنَّا لا نَعُدُّ الصُّفْرة»،
وحديث ابن عمر: ((رَخَّصَ للحائض أنْ تَنِفِر)).
وفيه من الآثار الموقوفة على الصحابة والتابعين خمسةَ عشرَ أثراً كُلُّها مُعلّقة، والله
أعلم.
(١) أخرجه عبد بن حميد (٥٩١)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (١٢٢٢)، وأبو داود (٥٢٤٧)، وفي إسناده
سماك بن حرب عن عكرمة، ورواية سماك عن عكرمة فيها مقال.

١٤٧
باب ١ / ح ٣٣٤
كتاب التيمم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كتاب التيمُّم
قولُ الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ
وَأَيْدِيَكُمْ ﴾ [المائدة: ٦].
١ - [بابٌ]
٣٣٤- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن عبد الرحمن بنِ القاسم، عن
أبيه، عن عائشةَ زوجِ النبيِّ وَّ قالت: خَرَجْنا معَ رسولِ الله ◌َّه في بعضِ أسفارِه حتَّى إذا كنّا
بالبَيداءِ أو بذاتِ الجَيْشِ، انقَطَعَ عِقْدٌ لي فأقامَ رسولُ الله ◌ِّهِ على الْتِماسه، وأقامَ الناسُ معه
ولَيسُوا على ماءٍ، فأَتَى الناسُ إلى أبي بَكْرِ الصِّدِّيق، فقالوا: ألا تَرى ما صَنَعَتْ عائشةُ؟ أقامَتْ
برسولِ اللهِ وَلّ والناسِ ولَيسُوا على ماءٍ، وليسَ معهم ماءٌ. فجاء أبو بَكْرٍ ورسولُ الله ◌َيه
واضحٌ رَأْسَه على فَخِذي قد نامَ، فقال: حَبَسْتِ رسولَ اللهِّهِ والناسَ وليسوا على ماءٍ، ولیسَ
معهم ماء!
فقالت عائشةُ: فعاتَبَني أبو بَكْر، وقال ما شاءَ الله أنْ يقولَ، وجعل يَطْعُنُني بيدِه في
خاصِرَتي فلا يمنعُني مِن التَّحَرُّكِ إلَّا مكانُ رسولِ الله ◌ِوَِّ على فَخِذِي، فقامَ رسولُ الله ◌ِّ
حينَ أصبَحَ على غيرِ ماء، فأنزَلَ الله آيةَ الثَّمُّم فَتَيَمَّمُوا، فقال أُسَيدُ بنُ الحُضَيرِ: ما هي بأوَّلِ
بَرَكَتِكُم يا آلَ أبي بَكْر. قالت: فبَعَثْنا البَعِيرَ الذي كنتُ عليه، فأصَبْنا العِقْدَ تحتَه.
[أطرافه في: ٣٣٦، ٣٦٧٢، ٣٧٧٣، ٤٥٨٣، ٤٦٠٧، ٤٦٠٨، ٥١٦٤، ٥٢٥٠، ٥٨٨٢، ٦٨٤٤، ٦٨٤٥]
قوله: ((كتاب(١) التيمُّم)) البسملة قبله لكَرِيمة وبعده لأبي ذرٍّ، وقد تقدَّم توجيه ذلك.
والتيمُّم في اللُّغة: القَصْد، قال امرُؤُ القيس:
(١) في (س): باب، والمثبت من الأصلين.

١٤٨
باب ١ / ح ٣٣٤
فتح الباري بشرح البخاري
تَيمَّمتُها من أَذِرِعاتٍ وأهلُها بَيَثرِبَ أدنى دارِها نظرٌ عالي
أي: قَصَدْتها. وفي الشَّرْع: القَصْد إلى الصَّعيد لمسح الوجه واليدين بنيّة استباحة الصلاة
ونحوها.
وقال ابن السِّيت: قوله: ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا﴾ أي: اقصِدوا الصَّعيد، ثمَّ كَثُرَ استعمالهم
٤٣٢/١ حتَّى صارَ التيمُّم مسحَ الوجه واليدين بالتُّراب. / انتهى، فعلى هذا هو مَجَازٌ لُغَويّ، وعلى
الأوَّل هو حقيقةٌ شَرْعيَّة.
واختُلِفَ في التيمُّم: هل هو عزيمةٌ أو رُخْصة؟ وفَصَّلَ بعضهم فقال: هو لعَدَم الماء
عزيمة، وللعُذْرِ رُخْصة.
قوله: ((قولُ الله)) في رواية الأَصِيليّ: ((وقول الله)) بزيادة واو، والجملة استئنافيَّة.
قوله: ((﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ﴾ كذا للأكثر، وللنَّسَفيِّ وعَبْدوس والمُستَمْلِي والحَمُّوِيّ:
((فإنْ لم تَجِدوا)) قال أبو ذرٍّ: كذا في روايتنا، والتِّلاوة ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ﴾، قال صاحب
((المشارق)): هذا هو الصواب.
قلت: ظَهَرَ لي أنَّ البخاري أراد أنْ يُبيِّنَ أنَّ المراد بالآية المبهمة في قول عائشة في
حديث الباب: ((فأَنزَلَ الله آية التيمُّم)) أنَّها آية المائدة، وقد وقع التصريح بذلك في رواية
حمّاد بن سَلَمة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة في قِصَّتها المذكورة قال: ((فَأَنزَلَ الله آية
التيمُّم: ((فإن لم تجدوا ماءً فتيَّمموا ... )) الحديث(١)، فكأنَّ البخاري أشار إلى هذه الرواية
المخصوصة، واحتمل أنْ تكون قراءة شاذَّة لحَّد بن سَلَمةَ أو غيره أو وَهْماً منه، والله
أعلم، وقد ظَهَرَ أنَّهَا عَنَت آية المائدة وأنَّ آية النساء قد تَرجَمَ لها المصنّ في التفسير وأورَدَ
حديث عائشة أيضاً (٤٥٨٣) ولم يُرِدْ خصوص نزولها في قِصَّتها، بل اللفظ الذي على
شرطه مُتِمِلٌ للأمرين، والعُمْدة على رواية حَمَّد بن سَلَمَةَ في ذلك فإنَّهَا عيَّنت، ففيها
(١) رواية حماد بن سلمة هذه أخرجها ابن عبد البر في ((التمهيد)) ٢٦٩/١٩، لكن وقع في المطبوع منه ذِكرُ
الآية على وَفْق التلاوة الصحيحة، ويغلب على ظننا أنه من تصرُّف المحقق، والله أعلم.

١٤٩
باب ١ / ح ٣٣٤
كتاب التيمم
زيادةٌ على غيرها، والله أعلم(١).
قوله: ﴿وَأَيْدِيكُمْ﴾ إلى هنا في رواية أبي ذرٍّ، زاد في رواية الشَّبُّوِيّ وكَرِيمة: ((منه))،
وهي تُعيِّنُ آية المائدة دون آية النساء، وإلى ذلك نَحًا البخاري فأخرج حديث الباب في
تفسير سورة المائدة (٤٦٠٧)، وأَيَّدَ ذلك برواية عَمْرو بن الحارث عن عبد الرحمن بن
القاسم (٤٦٠٨) في هذا الحديث ولفظه: فنزلت ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى
الصَّلَوْةِ فَأَغْسِلُواْ﴾ إلى قوله: ﴿تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦].
قوله: ((عن عبد الرحمن بن القاسم)) أي: ابن محمد بن أبي بكر الصِّدّیق، ورجاله سوی
شيخ البخاري مدنُّون.
قوله: ((في بعض أسفاره)) قال ابن عبد البَرِّ في ((التمهيد)): يقال: إنَّه كان في غَزاة بني
المُصطَلِقِ، وجَزَمَ بذلك في ((الاستذكار))، وسبقه إلى ذلك ابن سعد وابن حِبَّان. وغَزاة
بني المُصطَلِقِ هي غزوة المُرَيسيع، وفيها وقعت قِصّة الإفك لعائشة، وكان ابتداء ذلك
بسبب وقوع عِقْدها أيضاً، فإنْ كان ما جَزَموا به ثابتاً، حُلَ على أنَّه سَقَطَ منها في تلك
السَّفْرة مَرَّتَينِ لاختلاف القِصَّتَينِ كما هو مُبيَّنٌ في سياقهما، واستَبعَدَ بعض شيوخنا ذلك
قال: لأنَّ المُرَيسيع من ناحية مكَّة بين قُديد والساحل، وهذه القِصَّة كانت من ناحية
خيبر لقولها في الحديث: ((حتَّى إذا كنَّا بالبَيْداء أو بذات الجيش)) وهما بين المدينة وخَيْبر كما
جَزَمَ به النَّوويّ.
قلت: وما جَزَمَ به مخالفٌ لما جَزَمَ به ابن التِّين، فإنَّه قال: البَيْداء هي ذو الحُلَيفة
بالقُرب من المدينة من طريق مكَّة، قال: وذات الجيش وراء ذي الحُلَيفة.
وقال أبو عُبيد البَكْريّ في ((معجمه)): البَيْداء أدنى إلى مَّة من ذي الحُلَيفة. ثمَّ ساقَ
حديث عائشة هذا، ثمَّ ساقَ حديث ابن عمر قال: ((بَيداؤكم هذه التي تَكْذِبون فيها، ما
أهَلَّ رسول الله وَ ◌ّهِ إِلَّ من عند المسجد)) الحديث(٣)، قال: والبَيْداء هو الشَّرَف الذي قُدّام
(١) من قوله: ((وقد ظهر أنها)) إلى هنا من (س) وليس في (أ) و(ع).
(٢) سيأتي عند المصنف برقم (١٥٤١).

١٥٠
باب ١ / ح ٣٣٤
فتح الباري بشرح البخاري
ذي الحُلَيفة في طريق مكَّة. وقال أيضاً: ذات الجيش من المدينة على بَريد، قال: وبينها وبين
العَقيق سبعة أميال. قلت: والعقيق من طريق مكَّة لا من طريق خَيْبر، فاستَقامَ ما قال ابن
التِّين، ويؤيِّده ما رواه الحُميديّ في ((مسنده)) (١٦٥) عن سفيان قال: حدَّثنا هشام بن
عُرْوة، عن أبيه في هذا الحديث فقال فيه: إنَّ القِلادة سَقَطَت ليلة الأبواء. انتهى، والأبواء
بین مگّة والمدینة.
وفي رواية عليّ بن مُسهِر في هذا الحديث عن هشام قال: وكان ذلك المكان يقال له:
الصُّلْصُل. رواه جعفر الفِرْيابيّ في كتاب ((الطهارة)) له وابن عبد البَرِّ (٢٦٧/١٩) من
طريقه، والصُّلْصُل بمُهمَلتينِ مضمومتَينِ ولامَينِ الأولى ساكنة بين الصادين، قال
البَكْريُّ: هو جبل عند ذي الحُلَيفة، كذا ذكره في حرف الصاد المهمَلة، ووَهِمَ مُغَلْطاي في
فَهْم كلامه فَزَعَمَ أنَّه ضبطه بالضّاد المعجَمةِ، وقَلَّدَه في ذلك بعض الشُّراح وتَصَرَّفَ فيه
فزاده وَهْماً على وَهْم.
٤٣٣/١ قلت: وعُرِفَ من تَضافُر هذه/ الروايات تصويب ما قاله ابن التِّين، واعتَمَدَ بعضهم
في تعدُّد السَّفَر على رواية للطَّبراني صريحة في ذلك كما سيأتي(١)، والله أعلم.
قوله: ((عِقْد)) بكسر المهمَلة: كلّ ما يُعقَد ويُعلَّق في العُنُق، ويُسمَی قلادة كما سيأتي، وفي
التفسير (٤٦٠٨) من رواية عَمْرو بن الحارث: ((سَقَطَت قِلادة لي بالبَيْداء ونحن داخلون
المدينة، فأناخَ النبيُّ ◌َّه ونزل)) وهذا مُشعِرٌ بأنَّ ذلك كان عند قُرْبهم من المدينة، والله أعلم.
قوله: ((على الْتِماسِه)) أي: لأجل طَلَبه، وسيأتي(٢) أنَّ المبعوث في طَلَبه أُسَيد بن حُضَيرٍ
وغيره.
قوله: ((وليسوا على ماءٍ، وليس معهم ماءٌ)) كذا للأكثر في الموضعين، وسَقَطَت الجملة
الثانية في الموضع الأوَّل من رواية أبي ذرّ.
(١) سيأتي في أواخر الكلام على هذا الحديث.
(٢) في أواخر الكلام على هذا الحديث.

١٥١
باب ١ / ح ٣٣٤
كتاب التيمم
واستدلَّ بذلك على جواز الإقامة في المكان الذي لا ماء فيه، وكذا سُلوك الطريق التي
لا ماء فيها، وفيه نظر، لأنَّ المدينة كانت قريبة منهم وهم على قَصْد دخولها، ويحتمل أنْ
يكون النبيّ وَّه لم يعلم بعَدَم الماء مع الرَّكْب، وإنْ كان قد علم بأنَّ المكان لا ماء فيه،
ويحتمل أنْ يكون قوله: ((ليس معهم ماء)) أي: للوضوء، وأمَّا ما يحتاجون إليه للشُّرْب
فيحتمل أنْ يكون معهم، والأوَّل مُحتمَل لجواز إرسال المطر أو نَبْع الماء من بين أصابعه وَيه
كما وقع في مواطن أُخرى.
وفيه اعتناء الإمام بحِفْظ حقوق المسلمين وإِنْ قَلَّت، فقد نقل ابن بَطَّال: أنَّه رُوِيَ أنَّ
ثَمَن العِقْد المذكور كان اثني عشر دِرْهماً، ويَلتحِق بتحصيل الضَّائع الإقامةُ للُحوقِ
المنقَطِعِ ودفنِ المَيِّت ونحو ذلك من مصالح الرَّعيَّة، وفيه إشارة إلى ترك إضاعة المال.
قوله: ((فأتى الناسُ إلى أبي بَكْر)) فيه شَكْوى المرأة إلى أبيها وإنْ كان لها زوج، وكأنَّهم إنَّما
شَكَوْا إلى أبي بكر لكَوْن النبيّ ◌َّ كان نائماً وكانوا لا يُوقِظُونَه.
وفيه نسبة الفعل إلى مَن كان سبباً فيه لقوهم: صَنَعتْ وأقامت. وفيه جواز دخول
الرجل على ابنته وإنْ كان زوجها عندها، إذا علم رِضاه بذلك ولم تكن حالةٌ مُباشَرة.
قوله: ((فعاتَبني أبو بَكْر، وقال ما شاءَ الله أنْ يقول)) في رواية عَمْرو بن الحارث (٤٦٠٨):
(فقال: حَبَسْتِ الناس في قِلادة)) أي: بسببها. وسيأتي من رواية الطبراني (١٥٩/٢٣) أنَّ
من جملة ما عاتَبَها به قوله: ((في كلّ مرَّة تكونين عَناءً)). والنُّكْتة في قول عائشة: ((فعاتَبني
أبو بَكْر)) ولم تقل: أبي، لأنَّ قضيّة الأُبوّة الحُنوّ، وما وقع من العِتاب بالقول والتأديب
بالفعل مُغاير لذلك في الظاهر، فلذلك أنزَلَتْه منزلة الأجنبيّ فلم تقل: أبي.
قوله: ((يَطْعُنُني)) هو بضمِّ العين، وكذا في جميع ما هو حِسِّ، وأمَّا المعنَويّ فيقال: يَطْعَنُ
بالفتح، هذا هو المشهور فيهما، وحُكيَ فيهما الفتح معاً في ((المطالع)) وغيرها، والضمّ فيهما
حكاه صاحب ((الجامع)).
وفيه تأديب الرجل ابنتَه ولو كانت مُزوَّجة كبيرة خارجة عن بيته، ويَلْحق بذلك

١٥٢
باب ١ / ح ٣٣٤
فتح الباري بشرح البخاري
تأدیب من له تأديبه ولو لم يأذن له الإمام.
قوله: ((فلا يمنعني من التَّحَرُّك)) فيه استحباب الصَّبْر لمن نالَه ما يُوجِب الحركة أو
تَحِصُل به تشويش لنائم، وكذا لمصلِّ أو قارئ أو مُشتغِل بعِلْم أو ذِكْر.
قوله: ((فقامَ حين أصبَحَ)) كذا أورَدَه هنا، وأورَدَه في فضل أبي بكر (٣٦٧٢) عن قُتَيبة
عن مالك بلفظ: ((فنامَ حتَّى أصبَح))، وهي رواية مسلم (٣٦٧/ ١٠٨) ورُوَاة ((الموظّ))
(٥٣/١-٥٤)، والمعنى فيهما متقارب، لأنَّ كُلَّا منهما يدلُّ على أنَّ قیامه من نومه كان عند
الصُّبْح.
وقال بعضهم: ليس المراد بقوله: ((حتَّى أصبَح)) بيان غاية النوم إلى الصَّباح، بل بيان
غاية فَقْد الماء إلى الصَّباح، لأنَّ قَيَّدَ قوله: ((حتَّى أصبَح)) بقوله: ((على غير ماء)) أي: آلَ أمُرُه
إلى أنْ أصبحَ على غير ماء، وأمَّا رواية عَمْرو بن الحارث (٤٦٠٨) فلفظها: ((ثمَّ إنَّ النبيّ
﴿﴿ استَقَظَ وحَضَرتِ الصُّبْح))، فإنْ أُعرِبَت الواو حاليَّة، كان دليلاً على أنَّ الاستيقاظ
وقع حالَ وجود الصَّباح، وهو الظاهر.
واستُدلَّ به على الرُّخْصة في ترك التهَجُّد في السَّفَر إِنْ ثبت أنَّ التهجُّد كان واجباً عليه،
وعلى أنَّ طَلَب الماء لا يجبُ إلَّا بعد دخول الوقت، لقوله في رواية عَمْرو بن الحارث
(٤٦٠٨) بعد قوله: ((وحَضَرَت الصُّبْح)): فالتَمَسَ الماء فلم يُوجَد.
٤٣٤/١ وعلى أنَّ الوضوء كان واجباً عليهم قبل نزول آية التيمُّم، ولهذا/ استَعظَموا نزولهم على
غير ماء، ووقع من أبي بكر في حقّ عائشة ما وَقَع.
قال ابن عبد البَرِّ: معلوم عند جميع أهل المغازي أنَّه وَّه لم يُصلِّ منذُ افتُرِضَت الصلاة
عليه إلَّا بوضوء، ولا يدفع ذلك إلَّ جاهل أو مُعانِد. قال: وفي قوله في هذا الحديث: («آية
التيمُّم)) إشارة إلى أنَّ الذي طَرَأْ إليهم من العِلْم حينئذٍ حُكْمُ التيمُّم لا حُكْمُ الوضوء. قال:
والحِكْمة في نزول آية الوضوء - مع تقدُّم العمل به - ليكون فرضُه مَتْلوّاً بالتنزيل.
وقال غيره: يحتمل أنْ يكون أوَّل آية الوضوء نزل قديماً فعلموا به الوضوء، ثمَّ نزل

١٥٣
باب ١ / ح ٣٣٤
كتاب التيمم
بَقيَّتها وهو ذِكْر التيمُّم في هذه القِصَّة، وإطلاق آية التيمُّم على هذا من تسمية الكلّ باسم
البعض، لكنَّ رواية عَمْرو بن الحارث التي قدَّمنا أنَّ المصنّف أخرجها في التفسير (٤٦٠٨)
تَدُلّ على أنَّ الآية نزلت جميعاً في هذه القِصَّة، فالظاهر ما قاله ابن عبد البَرّ.
قوله: ((فأنزَلَ الله آيةَ التيمُّم)) قال ابن العربي: هذه مُعضِلة ما وجدتُ لدائها من دواء،
لأنَّا لا نعلم أيَّ الآيتَينِ عَنَت عائشة.
قال ابن بَطَّال: هي آية النساء [٤٣] أو آية المائدة [٦].
وقال القُرْطبي: هي آية النساء. ووَجَّهَه بأنَّ آية المائدة تُسمَّى آية الوضوء، وآية النساء
لا ذِكْر فيها للوضوء، فيتَّجه تخصيصها بآية التيمُم.
وأورَدَ الواحديّ في ((أسباب التُّزول)) هذا الحديث عند ذِكْر آية النساء أيضاً، وخَفيَ
على الجميع ما ظَهَرَ للبخاريّ من أنَّ المراد بها آية المائدة بغير تردُّدٍ لرواية عَمْرو بن الحارث
إِذْ صَرَّحَ فيها بقوله: ((فنزلت: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ ﴾ الآية
[المائدة: ٦])).
قوله: ﴿فَتَيَمَّمُواْ﴾ يحتمل أنْ يكون خبراً عن فعل الصحابة، أي: فتَيمَّمَ الناسُ بعد
نزول الآية، ويحتمل أنْ يكون حكاية لبعض الآية وهو الأمر في قوله: ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا
طَيِّبًا﴾ بياناً لقوله: ((آية التيمُّم)) أو بدلاً.
واستُدلَّ بالآية على وجوب النيّة في التيقُّم، لأنَّ معنى ﴿فَتَيَمَّمُواْ﴾: اقصِدوا كما تقدَّم،
وهو قول فقهاء الأمصار إلَّ الأوزاعيّ، وعلى أنَّه يجبُ نَقْلُ التُّراب ولا يَكْفي هُبوب الرّيح
به بخلاف الوضوء كما لو أصابه مطرٌ فنوى الوضوء به فإنَّه يُجْزِئُ، والأظهر الإجزاء لمن
قَصَدَ التُّراب من الرّيح الهابّة، بخلاف مَن لم يَقصِد، وهو اختيار الشيخ أبي حامد. وعلى تعيُّنْ
الصَّعيد الطيِّب للتيمُّم، لكن اختلف العلماء في المراد بالصَّعيدِ الطيِّب كما سيأتي في بابه قريباً،
وعلى أنَّه يجبُ التيمُّم لكلِّ فريضة، وسنذكر توجيهه وما يرد عليه بعد أربعة أبواب(١).
(١) في: باب الصعيد الطيب وضوء المسلم، رقم (٦).

١٥٤
باب ١ / ح ٣٣٤
فتح الباري بشرح البخاري
تنبيه: لم يقع في شيء من طرق حديث عائشة هذا كيفيّة التيمُّم، وقد روى عنَّار بن ياسر
قِصَّتها هذه فبيَّن ذلك، لكن اختلف الرُّواة على عمَّر في الكيفيَّة كما سنذكره ونبيِّن الأصحّ
منه في ((باب التيمُّم للوجه والكَفَّين)).
قوله: ((فقال أُسَيد)) هو بالتصغير ((ابن الحُضَير)) بمُهمَلة ثمَّ مُعجَمة مُصفَّراً أيضاً، وهو
من كِبار الأنصار، وسيأتي ذِكرُه في المناقب (٣٨٠٥). وإنَّما قال ما قال دون غيره، لأنَّه كان
رأس مَن بُعِثَ في طلب العِقْد الذي ضاع.
قوله: ((ما هي بأوَّلِ بَرَكَتكُم)) أي: بل هي مسبوقة بغيرها من البَرَكات، والمراد بآل أبي
بكر نفسُه وأهله وأتباعه. وفيه دليل على فضل عائشة وأبيها وتكرار البَرَكة منهما، وفي
رواية عَمْرو بن الحارث (٤٦٠٨): ((لقد بارَكَ الله للناس فيكم))، وفي تفسير إسحاق البُسْتِيّ
من طريق ابن أبي مُلَيكة عنها أنَّ النبيَّ ◌َلِّ قال لها: «ما كان أعظمَ بَرَكَةَ قِلادتك))، وفي
رواية هشام بن عُرْوة الآتية في الباب الذي يليه (٣٣٦): ((فوالله ما نزل بكِ من أمر تكرَهينَه
إلَّا جعل الله للمسلمين فيه خيراً))، وفي النكاح (٥١٦٤) من هذا الوجه: («إلَّا جعل الله لكِ
منه مَخَرَجاً، وجعل للمسلمين فيه بَرَكة)) وهذا يُشعِرُ بأنَّ هذه القِصَّة كانت بعد قِصّة
الإفك، فيَقْوَى قول مَن ذهب إلى تعدُّد ضَاعِ العِقْد، وممّن جَزَمَ بذلك محمد بن حَبيب
الأخباريّ فقال: سَقَطَ عِقْد عائشة في غزوة ذات الرِّقاع، وفي غزوة بني المُصطَلِقِ.
وقد اختلف أهل المغازي في أيِّ هاتَينِ الغَزاتَينِ كانت أوَّلاً، وقال الدَّاوودي: كانت
٤٣٥/١ قِصّة التيمُم في غَزاة الفتح. ثمَّ تَرَدَّدَ في ذلك،/ وقد روى ابن أبي شَيْبة (١٥٩/١ - ١٦٠)
من حديث أبي هريرة قال: لمَّا نزلت آية التيمُّم لم أدرِ كيف أصنَع ... الحديث، فهذا يدلُّ
على تأخّرِها عن غزوة بني المُصطَلِقِ، لأنَّ إسلام أبي هريرة كان في السَّنة السابعة وهي
بعدها بلا خلاف، وسيأتي في المغازي أنَّ البخاري يرى أنَّ غزوة ذات الرِّقاع كانت بعد
قُدوم أبي موسى، وقدومه کان وقت إسلام أبي هريرة.
ومَّا يدلّ على تأخّر القِصَّة أيضاً عن قصّة الإفك ما رواه الطَّرانيُّ (١٥٩/٢٣) من

١٥٥
باب ١ / ح ٣٣٤
كتاب التيمم
طريق عَبّاد بن عبد الله بن الزُّبَير عن عائشة قالت: لمَّا كان من أمر عِقْدي ما كان، وقال
أهل الإفك ما قالوا، خرجتُ مع رسول الله وَّه في غزوة أُخرى فسَقَطَ أيضاً عِقْدي حتَّى
حَيَسَ الناس على الْتِماسه، فقال لي أبو بَكْر: يا بُنِيَّة في كلّ سَفْرة تكونين عَناءً وبلاءً على
الناس؟ فأنزلَ الله عزَّ وجلَّ الرُّخْصة في التيمُّم، قال أبو بَكْر: إنَّك لمُبَارَكة، ثلاثاً. وفي
إسناده محمد بن مُميدٍ الرازي، وفيه مقال.
وفي سياقه من الفوائد بيان عِتاب أبي بكر الذي أُبُهمَ في حديث الباب، والتصريح بأنَّ
ضَياع العِقْد كان مَرَّتَينِ في غَزْوَتَين، والله أعلم.
قوله: ((فبَعَثْنا)) أي: أَثَرْنا ((البعير الذي كنتُ عليه)) أي: حالةَ السَّفَر.
قوله: ((فأصَبْنا العِقْد تحته)) ظاهرٌ في أنَّ الذين تَوَجَّهوا في طَلَبه أوَّلاً لم يجدوه، وفي رواية
عُرْوة في الباب الذي يليه (٣٣٦): فَبَعَثَ رسول الله وَِّ رجلاً فَوَجَدَها؛ أي: القِلادة.
وللمصنّف في فضل عائشة (٣٧٧٣) من هذا الوجه، وكذا لمسلم (١٠٩/٣٦٧): فبَعَثَ
ناساً من أصحابه في طَلَبها، ولأبي داود (٣١٧): فبَعَثَ أُسَيد بن حُضَيرٍ وناساً معه. وطريق
الجمع بين هذه الروايات: أنَّ أُسَيداً كان رأس مَن بُعِثَ لذلك، فلذلك سُمَّ في بعض
الروايات دون غيره، وكذا أُسند الفعل إلى واحد مُبهَم وهو المراد به، وكأنَّهم لم يجدوا
العِقْد أوَّلاً، فلمَّا رجعوا ونزلت آية التيمُّم وأرادوا الرَّحيل وأثاروا البعير وَجَدَه أُسَيد بن
خُضَير، فعلى هذا فقوله في رواية عُرْوة الآتية (٣٣٦): ((فَوَجَدَها)) أي: بعد جميع ما تقدَّم
من التفتيش وغيره.
وقال النَّوي: يحتمل أنْ يكون فاعلَ: ((وَجَدَها)) النبيُّ ◌ََّ، وقد بالغ الدَّاووديّ في
توهيم رواية عُرْوة، ونُقِلَ عن إسماعيل القاضي أنَّه حمل الوَهْم فيها على عبد الله بن نُمَير،
وقد بان بما ذكرنا من الجمع بين الروايتين أنْ لا تَخَالُفَ بينهما ولا وَهْم.
وفي الحديثين اختلاف آخَر، وهو قول عائشة: «انقَطَعَ عِقْدٌ لي»، وقالت في رواية عَمْرو
ابن الحارث (٤٦٠٨): ((سَقَطَت قِلادة لي))، وفي رواية عُرْوة الآتية عنها (٣٣٦): ((أَنَّهَا

١٥٦
باب ١ / ح ٣٣٥
فتح الباري بشرح البخاري
استعارَت قلادة من أسماء - يعني أُختها - فهَلَكَتْ)) أي: ضاعَت، والجمع بينهما: أنَّ إضافة
القِلادة إلى عائشة لكَوْنها في يدها وتصرُّفِها، وإلى أسماء لكَوْنها مِلْكَها لتصريح عائشة في
رواية عُرْوة بأنَّها استعارَتْها منها، وهذا كلّه بناء على اتّحاد القِصَّة. وقد جَنَحَ البخاري في
التفسير إلى تعدُّدها، حيثُ أورَدَ حديث الباب في تفسير المائدة (٤٦٠٧) وحديث عُرْوة في
تفسير النساء (٤٥٨٣)، فكان نزول آية المائدة بسبب عِقْد عائشة، وآية النساء بسبب قلادة
أسماء، وما تقدَّم من اتّحاد القِصَّة أظهرُ، والله أعلم.
فائدة: وقع في رواية عمَّر عند أبي داود (٣٢٠) وغيره في هذه القِصَّة: أنَّ العِقْد المذكور
كان من جَزْعِ ظِفار، وكذا وقع في قِصّة الإفك كما سيأتي في موضعه (٤٧٥٠) إن شاء الله
تعالى. والجَزْع، بفتح الجيم وسكون الزَّاي: خَرَزٌ يَمنيٍّ، وظِفار: مدينة تقدَّم ذِكرُها في
((باب الطّيب للمرأة عند غُسْلها من المحيض)) (٣١٣).
وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدَّم: جوازُ السَّفَر بالنساء، واتّخاذُهُنَّ الحُلَّ تَجِمُّلاً
الأزواجِهِنّ، وجواز السَّفَر بالعاريَّة، وهو محمولٌ علی رِضا صاحبها.
٣٣٥- حدَّثْنا محمَّدُ بنُ سِنان، قال: حدَّثنَا هُشَيمٌ (ح) قال: وحدَّثني سعيدُ بنُ النَّضْر،
قال: أخبرنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا سَيّارٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ الفَقِيرُ، قال: أخبرنا جابرُ بنُ عبدِ الله،
٣٦/١، أنَّ النبيَّ ◌َِّ قال: / «أُعْطِيتُ خمساً لم يُعطَهُنَّ أحدٌ قَبلي: نُصِرْتُ بالرُّعْبِ مَسِيرةَ شهر، وجُعِلَتْ
لي الأرضُ مسجداً وطَّهُوراً، فأيّما رجلٍ من أُتي أدرَكَتْه الصلاةُ فلْيُصلِّ، وأُحِلَّتْ لِيَ المَغانمُ
ولم تَحِلَّ لأحدٍ قَبلي، وأُعْطِيتُ الشَّفاعةَ، وكان النبيُّ يُبعَثُ إلى قَوْمِه خاصّةً وبُمِثْتُ إلى الناس
عامّةً)).
[طرفاه في: ٤٣٨، ٣١٢٢]
قوله: ((حدَّثني سعيد بن النَّضْر، قال: أخبرنا هُشَسيم)) إنَّما لم يجمع البخاري بين شیخیه في
هذا الحديث مع كَوْنهما حَدَّثاه به عن هُشَيم، لأنَّه سمعه منهما مُتَفرِّقَين، وكأنَّه سمعه من
محمد بن سِنان مع غيره، فلهذا جمع فقال: ((حدَّثنا))، وسمعه من سعيد وَحْده فلهذا أفرَدَ

١٥٧
باب ١ / ح ٣٣٥
كتاب التيمم
فقال: ((حدَّثني)). وكأنَّ محمداً سمعه من لفظ هُشَيم، فلهذا قال: ((حدَّثنا»، وكأنَّ سعيداً قرأه
أو سمعه يُقرأ على هُشَيم، فلهذا قال: ((أخبرنا»، ومراعاة هذا كلِّه على سبيل الاصطلاح.
ثمّ إنَّ سياق المتن لفظ سعيد، وقد ظَهَرَ بالاستقراء من صنيع البخاري أنَّه إذا أورَدَ
الحديث عن غير واحد، فإنَّ اللفظ يكون للأخير، والله أعلم.
قوله: (أخبرنا سَيّار)) بمُهمَلة بعدها تحتانيَّة مُشدَّدة وآخره راء: هو أبو الحَكَم العَنَريّ
الواسطيُّ البصريّ، واسم أبيه وَرْدان على الأشهر، ويُكْنى أبا سيّار، اتفقوا على توثيق
سيَّار، وأخرج له الأئمَّة السِّة وغيرهم، وقد أدرَكَ بعضَ الصحابة لكن لم يَلْقَ أحداً منهم
فهو من كبار أتباع التابعين.
ولهم شيخ آخر يقال له: سيّار، لكنَّه تابعيّ شاميّ أخرج له التِّرمِذيّ (١٥٥٣) وذكره
ابن حِبَّان في ((الثِّقات))، وإنَّما ذكرته، لأنَّه روى معنى حديث الباب عن أبي أُمامةَ، ولم
يُنسَب في الرواية كما لم يُنسَب سيّار في حديث الباب، فرُبَّما ظنَّهما بعض من لا تمييز له
واحداً، فَيَظُنُّ أنَّ في الإسناد اختلافاً وليس كذلك.
قوله: «حدّثنا یزید الفقیر)) هو ابن صُھیبٍ يُكنَی أبا عثمان، تابعيّ مشهور، قيل له:
الفقير، لأنَّه كان يَشْكو فَقَار ظَهْره ولم يكن فقيراً من المال. قال صاحب ((المحكم)): رجل
فَقِير: مكسور فَقَار الظَّهْر، ويقال له: فقِّير بالتشديد أيضاً.
فائدة: مدار حديث جابر هذا علی هُشَیم بهذا الإسناد، وله شواهد من حديث ابن
عبَّاس (٢٧٤٢) وأبي موسى (١٩٧٣٥) وأبي ذرِّ (٢١٢٩٩)، ومن رواية عَمْرو بن شعيب
عن أبيه عن جَدّه (٧٠٦٨)، رواها كلّها أحمد بأسانيد حسان.
قوله: ((أُعْطيت خمساً)) بيَّن في رواية عَمْرو بن شعيب أنَّ ذلك كان في غزوة تبُوكَ، وهي
آخر غَزَوات رسول الله وَّهِ.
قوله: ((لم يُعطَّهُنَّ أحدٌ قبلي)) زاد في الصلاة (٤٣٨) عن محمد بن سِنان: ((من الأنبياء)»،
وفي حديث ابن عبّاس (٢٧٤٢): ((لا أقولهنَّ فَخْراً)، ومفهومه: أنَّه لم يُخْتَصَّ بغير الخمس

١٥٨
باب ١ / ح ٣٣٥
فتح الباري بشرح البخاري
المذكورة، لكن روى مسلم (٥/٥٢٣) من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((فُضِّلْت على الأنبياء
بسِتّ)) فذَكَر أربعاً من هذه الخمس وزاد ثِنتَينِ كما سيأتي بعدُ، وطريق الجمع أنْ يقال: لعلّه
الطَّلَعَ أوَّلاً على بعض ما اختُصَّ به، ثمَّ الطَّلَعَ على الباقي، ومَن لا يرى مفهوم العدد حُجَّةً
يدفع هذا الإشكال من أصله، وظاهر الحديث يقتضي أنَّ كلّ واحدة من الخمس
المذكورات لم تكن لأحدٍ قبله، وهو كذلك، ولا يُعترَض بأنَّ نوحاً عليه السلام كان
مبعوثاً إلى أهل الأرض بعد الطُّوفان، لأنَّه لم يبقَ إلَّا مَن كان مؤمناً معه وقد كان مُرسَلاً
إليهم، لأنَّ هذا العموم لم يكن في أصل بِعْثته وإنَّما اتَّفْقَ بالحادثِ الذي وقع وهو انحصار
الخَلْق في الموجودين بعد هلاك سائر الناس، وأمَّا نبيُّنَا وَّ رَ فعموم رسالته من أصل البِعْثة
فثبت اختصاصُه بذلك.
وأمَّا قول أهل الموقِف لنوح كما صَحَّ في حديث الشَّفاعة: ((أنت أوَّل رسول إلى أهل
الأرض)) (١) فليس المراد به عموم بِعْثته، بل إثبات أوَّليّة إرساله، وعلى تقدير أنْ يكون مراداً
٣٧/١؛ فهو مخصوص بتنصيصِه سبحانه وتعالى في عدّة آیاتٍ على أنَّ إرسال/ نوح کان إلى قومه،
ولم يَذْكُرُ أَنَّه أُرسِلَ إلى غيرهم، واستدلَّ بعضهم لعموم بِعْثته بكَوْنه دَعا على جميع مَن في
الأرض فأُهلِكوا بالغَرَقِ إلَّا أهل السفينة، ولو لم يكن مبعوثاً إليهم لمَا أُهلِكوا لقوله
تعالى: ﴿وَمَا كُنَا مُعَذِّبِينَ حَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقد ثبت أنَّه أوَّلُ الرُّسُل، وأُجيب
بجواز أنْ يكون غيره أُرسِلَ إليهم في أثناء مُدَّة نوح، وعلم نوحٌ بأنَّهم لم يُؤْمنوا، فدَعَا على
مَن لم يُؤْمن من قومه ومن غيرهم فأُجيب. وهذا جوابٌ حسن، لكن لم يُنقَل أنَّه نُبِّئَ في
زمن نوحِ غيرُه.
ويحتمل أنْ يكون معنى الخصوصيَّة لنبيِّنَا وَّ في ذلك بقاءَ شريعته إلى يوم القيامة،
ونوحٌ وغيره بصَدَدٍ أنْ يُبعَث نبيٌّ في زمانه أو بعده فينسخ بعض شريعته، ويحتمل أنْ يكون
دعاؤُه قومَه إلى التوحيد بَلَغَ بقيَّة الناس فَتَمَادَوْا على الشِّرْك فاستَحقّوا العِقاب، وإلى هذا
(١) سيأتي عند المصنف برقم (٣٣٤٠) من حديث أبي هريرة، وبرقم (٧٤٤٠) من حديث أنس.

١٥٩
باب ١ / ح ٣٣٥
كتاب التيمم
نَحَا ابن عَطيّة في تفسير سورة هود قال: وغير ممكن أنْ تكون نُبُوَّته لم تَبلُغ القريب والبعيد
لطول مُدَّته.
ووَجَّهَه ابن دَقِيق العيد بأنَّ توحيد الله تعالى يجوز أنْ يكون عامّاً في حقِّ بعض الأنبياء،
وإنْ كان الْتِزامِ فُروع شريعته ليس عاماً، لأنَّ منهم مَن قاتلَ غير قومه على الشِّرْك، ولو لم
يكن التوحيد لازماً لهم لم يقاتلهم. ويحتمل أنَّه لم يكن في الأرض عند إرسال نوحٍ إلَّا قوم
نوحِ، فِعْثْتُه خاصّةٌ لكَوْنها إلى قومه فقط، وهي عامّةٌ في الصورة لعَدَم وجود غيرهم، لكن
لو اتَّفَقَ وجود غیرهم لم یکن مبعوثاً إلیھم.
وَغَفَلَ الدَّاووديّ الشارح غَفْلة عظيمة فقال: قوله: ((لم يُعطَهُنَّ أحدٌ)) يعني: لم تُجْمَع
لأحدٍ قبله، لأنَّ نوحاً بُعِثَ إلى كافّة الناس، وأمَّا الأربع فلم يُعطَ أحدٌ واحدةً منهُنّ. وكأنَّه
نظرَ في أوَّل الحديث وغَفَلَ عن آخره، لأنَّه نَصَّ وَّر على خصوصيَّته بهذه أيضاً لقوله:
((وكان النبيُّ يُبعَث إلى قومه خاصّة))، وفي رواية مسلم (٥٢١): ((وكان كلَّ نبيّ ... )) إلى
آخره.
قوله: ((نُصِرْت بالرُّعْب)) زاد أبو أمامة: ((يُقذَفُ في قلوبِ أعدائي)) أخرجه أحمدُ
(٢٢١٣٧).
قوله: ((مَسِيرة شهر)) مفهومه أنَّه لم يُوجَد لغيره النصر بالرُّعْب في هذه المدّة ولا في أكثر
منها، أمَّا ما دونها فلا، لكنَّ لفظ رواية عَمْرو بن شعيب(١): ((ونُصِرْت على العَدوّ بالرُّعْب
ولو كان بيني وبينهم مَسِيرة شهر)) فالظاهر اختصاصه به مُطلَقاً، وإنَّما جعل الغاية شهراً،
لأَنَّه لم يكن بين بَلَده وبين أحدٍ من أعدائه أكثر منه، وهذه الخصوصيَّة حاصلةٌ له على
الإطلاق حتَّى لو كان وحدَه بغير عَسْكَر، وهل هي حاصلة لأُمَّتِه من بعده؟ فيه احتمالٌ.
قوله: ((وجُعِلَتْ لي الأرض مسجداً) أي: موضع سجود، لا يَخْتَصّ السجود منها
بموضعٍ دون غيره، ويمكن أنْ يكون مجازاً عن المكان المبنيّ للصلاة، وهو من تَجَاز
(١) عند أحمد (٧٠٦٨).

١٦٠
باب ١ / ح ٣٣٥
فتح الباري بشرح البخاري
التشبيه، لأنَّه لمَّا جازتِ الصلاة في جميعها كانت كالمسجد في ذلك.
قال ابن القَّيمي(١): قيل: المراد: جُعِلَت لي الأرض مسجداً وطَهوراً، وجُعِلَت لغيري
مسجداً ولم تُجعَل له طَهوراً، لأنَّ عيسى كان يَسِيح في الأرض ويصلِّ حيثُ أدرَكَتْه
الصلاةُ. كذا قال، وسبقه إلى ذلك الدَّاووديّ.
وقيل: إنَّما أُبيحَت لهم في موضع يَتَيقَّنون طهارته، بخلاف هذه الأُمّة، فأُبیحَ لها في جميع
الأرض إلَّا فیما تَيقَّنوا نجاسته.
والأظهر ما قاله الخطَّبيُّ: وهو أنَّ مَن قبله إنَّما أُبِيحَت لهم الصَّلَوات في أماكن
مخصوصة كالبِيَع والصوامع، ويؤيِّده رواية عَمْرو بن شعيب(٢) بلفظ: ((وكان مَن قبلي إنَّما
كانوا يُصلّون في كنائسهم))، وهذا نصٌّ في موضع النِّراعِ فثَبَتتِ الخصوصيّة، ويؤيِّده ما
٤٣٨/١ أخرجه البَزَّار (٤٧٧٦) من حديث / ابن عبّاس نحو حديث الباب وفيه: ((ولم يكن من
الأنبياء أحدٌ یصلِّی حتَّى يَبلُغ مِخرابه».
قوله: ((وطَّهُوراً)) استُدلَّ به على أنَّ الطَّهور هو المطهّر لغيره، لأنَّ الطَّهور لو كان المراد
به الطاهر لم تَثْبُت الخصوصيَّة، والحديث إنَّما سِيقَ لإثباتها. وقد روى ابن المنذر (١٢/٢)
وابن الجارود (١٢٤) بإسنادٍ صحيح عن أنس مرفوعاً: ((جُعِلَت لي كلُّ أرض طيِّة مسجداً
وطَهوراً)، ومعنى طيِّية: طاهرة، فلو كان معنى طَهوراً طاهراً لَلَزِمَ تحصيلُ الحاصل،
واستُدلَّ به على أنَّ التيمُّم يرفع الحَدَث كالماء لاشتراكهما في هذا الوَصْف، وفيه نظرٌ (٣)،
وعلى أنَّ التيمُّم جائز بجميع أجزاء الأرض، وقد أُكِّدَ في رواية أبي أمامةَ بقوله: ((وجُعِلَت
(١) هكذا في (أ)، وهكذا وقع عند المباركفوري عندما نقل هذا النص عن ابن حجر في كتابه ((تحفة الأحوذي
بشرح الترمذي)» عندح (١٥٥٣)، وفي (ع) و(س): ((ابن التين))، وفي هامش طبعة بولاق: وجد بهامش
بعض النسخ: ((في الأصل المقابل على المؤلف أخيراً لفظ (التين) مصلَّح بـ (التيمي) .. )).
(٢) عند أحمد (٧٠٦٨).
(٣) ليس للنظر المذكور وجه، والصواب أن التيمم رافع للحدث كالماء، عملاً بظاهر الحديث المذكور وما
جاء في معناه، وهو قول جمّ غفير من أهل العلم، والله أعلم. (س).