النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ باب ١٧ / ح ٣١٨ كتاب الحيض تصریح بأنّه كان يُوجِبه. وقال النَّووي: حكاه أصحابنا عن النَّخَعَيّ، واستدلَّ الجمهور على عَدَم الوجوب بحديث أُمّ سَلَمَةَ قالت: يا رسول الله، إنّي امرأة أشدّ ضَفْر رأسي، أفأنقُصُه لغُسْل الجنابة؟ قال: ((لا)) رواه مسلم (٣٣٠)، وفي رواية له: (للحيضة والجنابة))(١)، وحَمَلوا الأمر في حديث الباب على الاستحباب جمعاً بين الروايتين، أو يُجمَع بالتفصيل بين مَن لا يَصِل الماءُ إليها إلَّا بالنَّقْض فيَلزَم، وإلا فلا. قوله: ((فلْيُهلِل)) في رواية الأَصِيليّ: ((فَلْيُهِلّ)) بلام واحدة مُشدَّدة. قوله: (لَأحلَلْت)) في رواية كَرِيمة والحَمُّوِيّ: ((لَأهلَلْت)) بالهاء، وسيأتي الكلام على بقيَّة فوائد هذا الحديث والذي قبله في كتاب الحج (١٥٥٦) إن شاء الله تعالى. ١٧ - بابُ مُحَلَّقةٍ وغيرٍ مُخُلَّقةٍ ٣١٨- حدَّثْنا مُسدّدٌ، قال: حدَّثنا حَمَّادٌ، عن عُبيد الله بنِ أبي بَكْر، عن أنسِ بنِ مالك، عن النبيِّ ◌َّه قال: ((إنَّ الله عَزَّ وجَلَّ وَكَلَ بِالرَّحِمِ مَلَكاً، يقولُ: يا رَبِّ نُطْفٌ، يا رَبِّ عَلَقٌ، يا رَبِّ مُضْغَةٌ، فإذا أرادَ أنْ يَقْضِيَ خَلْقَه، قال: أَذَكَرٌ أم أُنثى؟ شَقِيٌّ أم سعيدٌ؟ فما الرِّزْقُ والأجَلُ؟ فيُكتبُ في بَطْنِ أُمّه)). [طرفاه في: ٣٣٣٣، ٦٥٩٥] قوله: ((بابُ مُلَّقةٍ وغيرٍ مُخلَّقةٍ)) رُوِّيناه بالإضافة، أي: باب تفسير قوله تعالى: ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُغَلَّقَتٍ ﴾ [الحج: ٥]، وبالتنوین وتوجيهُه ظاهرٌ. قوله: ((حدَّثنا حَمَّاد)) هو ابن زيد، وعبيد الله بالتصغير: ابن أبي بكر بن أنس بن مالك. قوله: ((إنَّ الله وَكَلَ)) وقع في روايتنا بالتخفيف، يقال: وَكَلَه بكذا: إذا استكْفاه إِيَّاه (١) لفظة الحيضة فيه شاذَّة غير محفوظة، وقد بيَّن شذوذَها العلامةُ ابن القيِّم رحمه الله في «تهذيب سنن أبي داود)) ١/ ١٦٧ - ١٦٨ بياناً وافياً لا مزيدَ عليه، فراجعه. ١٢٢ باب ١٧ / ح ٣١٨ فتح الباري بشرح البخاري وصَرَفَ أمَرَه إليه، وللأكثر بالتشديد وهو موافق لقوله تعالى: ﴿مَّلَكُ اُلْمَوْتِ الَّذِى ◌ُّكِلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١]. قوله: (يقول: يا رَبِّ نُطْفٌ)) بالرفع والتنوين، أي: وَقَعَت في الرَّحِمِ نُطْفة، وفي رواية القابِيّ بالنصب، أي: خَلَقْتَ يا رَبّ نُطْفةً، ونداء الملَك بالأُمور الثلاثة ليس في دُفْعة واحدة، بل بين كلّ حالة وحالة مُدَّة تبيَّن من حديث ابن مسعود الآتي (٦٥٩٤) في كتاب القَدَر أنَّها أربعون يوماً، وسيأتي الكلام هناك (٦٥٩٥) على بقيّة فوائد حديث أنس هذا، والجمع بينه وبين ما ظاهره التعارضُ من حديث ابن مسعود المذكور. ومناسبة الحديث للترجمة من جهة أنَّ الحديث المذكور مُفسِّر للآية، وأوضَحُ منه سياقاً ٤١٩/١ ما رواه/ الطبريُّ (١١٧/١٧) من طريق داود بن أبي هِنْد، عن الشَّعْبِيِّ، عن عَلْقَمة، عن ابن مسعود قال: إذا وقعت النُّطْفة في الرَّحِم بَعَثَ الله مَلَكاً فقال: يا رَبّ مُخُلَّقة أو غير ◌ُخَلَّقة؟ فإنْ قال: غير مُخَلَّقة عَجَّهَا الرَّحِم دماً، وإنْ قال مُخُلَّقة قال: يا رَبّ فما صفة هذه النُّطْفَةِ؟ فذَكَر الحديث، وإسنادُه صحيح، وهو موقوفٌ لفظاً مرفوعٌ حُكْماً، وحكى الطبريُّ لأهل التفسير في ذلك أقوالاً وقال: الصواب قول مَن قال: المخَلَّقة: المصوّرة خَلْقاً تامّاً، وغير المخَلَّقة: السِّقْط قبل تمام خَلْقه، وهو قول مجاهد والشَّعْبي وغيرهما. وقال ابن بَطَّل: غَرَضُ البخاري بإدخال هذا الحديث في أبواب الحيض، تقويةُ مذهب مَن يقول: إنَّ الحامل لا تحيض، وهو قول الكوفيِين وأحمد وأبي ثَوْر وابن المنذر وطائفة، وإليه ذهب الشافعيّ في القديم، وقال في الجدید: إنَّها تحيض، وبه قال إسحاق، وعن مالك روایتان. قلت: وفي الاستدلال بالحديث المذكور على أنَّها لا تحيض نظرٌ، لأنَّه لا يلزم من کَوْن ما يَخْرُج من الحامل هو السِّقْط الذي لم يُصوَّر، أنْ لا يكون الدَّمُ الذي تراه المرأة التي يَستمِرّ حملُها ليس بحيض، وما اذَّعاه المخالف من أنَّه رَشْح من الولد أو من فَضلة غذائه أو دم فسادٍ لعِلّة، فمُحتاجُ إلى دليل، وما وَرَدَ في ذلك من خبر أو أثر لا يَثبُت، لأنَّ هذا دم ١٢٣ باب ١٨ / ح ٣١٩ كتاب الحيض بصفات دم الحيض وفي زمن إمكانه، فله حُكْم دم الحيض، فمَن ادَّعَی خلافه فعليه البيان. وأقوى حُجَجِهم: أنَّ استِبْراء الأَمَة اعتُبِرَ بالمحيض لتَحقَّقِ بَراءة الرَّحِم من الحمل، فلو كانت الحامل تحيض لم تَتِمَّ البراءة بالحيض. واستدلَّ ابن المنيِرِ على أنَّه ليس بدم حيض بأنَّ الملَك موكَّل بَرَحِم الحامل، والملائكة لا تَدخُل بيتاً فيه قَذَرٌّ ولا يُلائمها ذلك. وأُجيب بأنَّه لا يَلزَم من كَوْن الملَك موَكَّلاً به أنْ يكون حالًّا فيه، ثمَّ هو مُشترَك الإلزام، لأنَّ الدَّم كلَّ قَذِر، والله أعلم. ١٨ - بابٌ كيف تُهِلُّ الحائضُ بالحجّ والعُمْرة : ٣١٩- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، عن عُقَيل، عن ابنِ شِهَاب، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ قالت: خَرَجْنا معَ النبيِّ وَّهَ فِي حَجّة الوَدَاعِ، فمِنّا مَن أهَلَّ بِعُمْرةٍ ومِنّا مَن أهَلَّ بحَجِّ، فَقَدِمْنا مكَّةَ فقال رسولُ الله ◌َِّ: ((مَن أحرَمَ بِعُمْرةٍ ولم يُهْدِ فَلْيُحلِلْ، ومَن أحرَمَ بعُمْرةٍ وأهدى فلا يُحِلُّ حتَّى يُحلَّ بنَحْرِ هَذْبِه،، ومَن أهَلَّ بحَجِّ فَلْيُتِمَّ حَجَّه)) قالت: فحِضْتُ فلم أزَلْ حائضاً حتَّى كان يومُ عَرَفَةَ، ولم أُهلِلْ إِلَّا بِعُمْرة، فأمَرَني النبيُّ ◌َِّ أَنْ أَنْقُضَ رَأْسِي وأمْتَشِطَ وأُهِلَّ بحَجِّ وأتْرُكَ العُمْرةَ، ففَعَلتُ ذلكَ، حتَّى قَضَيتُ حَجَّتِي، فَبَعَثَ معي عبد الرحمن بنَ أبي بَكْرٍ ، وأمَرَني أنْ أعْتَمِرَ مكانَ عُمْرَتي مِن التَّعِيم. قوله: ((باب كيف تُبِلّ الحائض بالحجِّ والعُمْرة)) مراده بيان صِحّة إهلال الحائض، ومعنى ((كيف)) في الترجمة: الإعلامُ بالحال بصورة الاستفهام، لا الكيفيّة التي يُراد بها الصِّفة، وبهذا التقرير يَندَفِعِ اعتراض مَن زَعَمَ أنَّ الحديث غير مناسب للترجمة، إذْ لیس فيها ذِكْر صفة الإهلال. قوله: ((مَن أهَلَّ بحَجِّ)) في رواية المُستَمْلي: ((بحَجّة)) في الموضعين، وكذا للحَمُّوِيِّ في الموضع الثاني. قوله: ((قالت: فحِضْت)) أي: بسَرِفَ قبل دخول مكَّة. قوله: ((حتَّى قَضَیت حَجَّتي)) في رواية كريمة وأبي الوَقْت: ((حَجّي)»، والكلام على فوائد ١٢٤ باب ١٩ / ح ٣٢٠ فتح الباري بشرح البخاري الحديث يأتي في كتاب الحج (١٥٥٦) إن شاء الله تعالى. ١٩ - باب إقبال المحیض وإدباره ٤٢٠/١ وكُنَّ نساءٌ يَبْعَثْنَ إلى عائشةَ بالدِّرَجة فيها الكُرْسُفُ فيه الصُّفْرةُ، فتقولُ: لا تَعْجَلْنَ حتَّى تَرَينَ القَصّةَ البيضاءَ، تريدُ بذلك الطُّهْرَ مِن الحيضةِ. وبَلَغَ ابنةَ زيدِ بنِ ثابتٍ: أنَّ نساءً يَدْعُونَ بالمَصابيح من جَوْفِ اللَّيْلِ يَنظُرُنَ إلى الطُّهْر، فقالت: ما كان النِّساءُ يَصْنَعْنَ هذا. وعابَتْ عليهنَّ. ٣٢٠- حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّد، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةَ: أنَّ فاطمةَ بنتَ أبي حُبَيْشٍ كانت تُستَحاضُ، فسألَتِ النبيَّ وَّهِ، فقال: ((ذلكِ عِرْقٌ وليسَتْ بالحيضةِ، فإذا أقبَلَتِ الحيضةُ فَدَعِي الصلاةَ، وإذا أدبَرَتْ فاغتَسِلي وصَلِّي». قوله: ((باب إقبال المَحِيض وإدباره)) اتَّفْقَ العلماء على أنَّ إقبال المحيض يُعرَفُ بالدُّفْعة(١) من الدَّم في وقت إمكان الحيض، واختلفوا في إدباره فقيل: يُعرَف بالجُفوف، وهو أنْ يَخْرُج ما يُحْتَشَى به جافّاً، وقيل: بالقَصّة البيضاء، وإليه مَيلُ المصنّف كما سنوضحه. قوله: ((وكُنَّ)) هو بصيغة جمع المؤَنَّث، و((نساءٌ)) بالرفع وهو بَدَل من الضمير نحو: أكَلوني البراغيث، والتنكير في ((نساء)» للتنويع، أي: كان ذلك من نوعٍ من النساء لا من كلِّهنّ. وهذا الأثر قد رواه مالك في ((الموطَّأ)) (٥٩/١) عن عَلْقَمة بن أبي عَلْقمة المدنيّ، عن أُمّه - واسمها مَرْجانة مَولاة عائشة - قالت: كان النساء. قوله: ((بالدِّرَجة)) بكسر أوَّله وفتح الراء والجيم جمع: دُرْج، بالضمّ ثمَّ السُّكون. قال ابن بَطَّل: كذا يرويه أصحاب الحديث، وضبطه ابن عبد البَرِّ في ((الموطَّ)) بالضمِّ ثمَّ (١) في (أ): بالدَّفقة. ١٢٥ باب ١٩ / ح ٣٢٠ كتاب الحيض السُّكون وقال: إنَّه تأنيث دُرْج، والمراد به ما تحتشي به المرأة من قُطْنة وغيرها لتعرف هل بقيَ من أثر الحيض شيء أم لا. قوله: ((الكُرْسُف)) بضم الكاف والسّين المهمَلة بينهما راءٌ ساكنة: هو القُطْن. قوله: ((فيه الصُّفْرة)) زاد مالكٌ: من دم الحيضة. قوله: ((فتقول)) أي: عائشة. والقَصَّة، بفتح القاف وتشديد المهمَلة: هي النُّورة، أي: حتَّى تخرج القُطْنة بيضاء نقيَّة لا يخالطها صُفْرة، وفيه دلالة على أنَّ الصُّفْرة والكُدْرة في أيام الحيض حيضٌ، وأمَّا في غيرها فسيأتي الكلام على ذلك (٣٢٦) في بابٍ مُفرَدٍ إن شاء الله تعالى. وفيه أنَّ القَصّة البيضاء علامةٌ لانتهاء الحيض ويتبيَّن بها ابتداء الطُّهْر، واعتُّرِضَ على مَن ذهب إلى أنَّه يُعرَف بالجُفوف بأنَّ القُطْنة قد تخرج جافّة في أثناء الأمر، فلا يدلَّ ذلك على انقطاع الحيض، بخلاف القَصّة: وهي ماء أبيض يدفعه الرَّحِم عند انقطاع الحيض. قال مالك: سألت النساء عنه فإذا هو أمرٌ معلومٌ عندهنَّ يعرفنَه عند الُّهْر. قوله: ((وبَلَغَ ابنَ زيد بن ثابت)) كذا وقعت مُبهَمة هنا، وكذا في ((الموطَّأ)) (١/ ٥٩) حيثُ رُوِيَ هذا الأثر عن عبد الله بن أبي بكر - أي: ابن محمد بن عَمْرو بن حَزْم - عن عَمَّته عنها، وقد ذكروا لزيد بن ثابت من البنات حَسَنة وعَمْرة وأُمّ كُلْثوم وغيرهنّ، ولم أرَ لواحدةٍ منهُنَّ رواية إلَّا لأُمِّ كُلْثوم - وكانت زوجَ سالم بن عبد الله بن عمر - فكأنَّها هي المبهمة هنا. وزَعَمَ بعض الشُّراح أنَّهَا أُمّ سعد قال: لأنَّ ابن عبد البَرِّ ذكرها في الصحابة. انتھی، وليس في ذِكْره لها دليل على المدَّعَى، لأنَّه لم يقل: إنَّها صاحبة هذه القِصَّة، بل لم يأتِ لها ذِكْرٌ عنده ولا عند غيره إلاّ من طريق عَنبَسةَ بن عبد الرحمن / وقد كذَّبوه، وكان مع ذلك ٤٢١/١ يضطرب فيها فتارة يقول: بنت زيد بن ثابت، وتارة يقول: امرأة زيد، ولم يَذكُر أحدٌ من أهل المعرفة بالنَّسَب في أولاد زيد مَن يقال لها: أُمّ سعد، وأمَّا عَمّة عبد الله بن أبي بكر فقال ١٢٦ باب ٢٠ / ح ٣٢١ فتح الباري بشرح البخاري ابن الحَذّاء: هي عَمْرة بنت خَزْم عمَّة جَدِّ عبد الله بن أبي بكر، وقيل لها: عَمَّته، مَجازاً. قلت: لكنَّها صحابيَّة قديمة روى عنها جابر بن عبد الله الصحابي، ففي روايتها عن بنت زيد بن ثابت بُعْد، فإنْ كانت ثابتةً فرواية عبد الله عنها مُنقطِعة، لأنَّه لم يُدرِكها، ويحتمل أنْ تكون المرادة عَمَّته الحقيقيّة وهي أُمّ عَمْرو أو أُمّ كُلّثوم، والله أعلم. قوله: ((يَدْعُونَ) أي: يَطلُبْن، وفي رواية الگُشْمِیھنيّ: ((يَذْعین)) وقد تقدَّم مثلها في ((باب تقضي الحائض المناسك كلَّها))(١)، وقال صاحب ((القاموس)): دَعَيتُ لغةٌ في دَعَوْت. ولم يُنبّة على ذلك صاحب ((المشارق)) ولا ((المطالع)). قوله: ((إلى الطُّهْر)) أي: إلى ما يدلُّ على الطُّهْر، واللام في قولها: «ما كان النساء)) للعَهْد، أي: نساء الصحابة، وإنَّما عابَت عليهنَّ، لأنَّ ذلك يقتضى الحرجَ والتنطَّع وهو مذموم، قاله ابن بَطَّال وغيره. وقيل: لكَوْن ذلك كان في غير وقت الصلاة وهو جَوْف الليل، وفيه نظرٌ، لأنَّه وقت العِشاء، ويحتمل أنْ يكون العَيبُ لكَوْن الليل لا يتبيَّن به البياض الخالص من غيره، فيَحسَبْنَ أنهنَّ طَهُرْنَ وليس كذلك، فيُصلِّين قبل الُّهْر. وحديث فاطمة بنت أبي حُبَيشٍ تقدَّم (٣٠٦) في ((باب الاستحاضة))، وسفيان في هذا الإسناد: هو ابن عُيَينَةَ، لأنَّ عبد الله بن محمد - وهو المُسنَدِيُّ - لم يسمع من الثَّوْريّ. ٢٠ - بابٌ لا تقضي الحائضُ الصلاةَ وقال جابرٌ وأبو سعيدٍ عن النبيِّ وَّ: ((تَدَعُ الصلاةَ)). ٣٢١- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا همَّامٌّ، قال: حدَّثْنَا قَتَادةُ قال: حَدَّثَتَني مُعاذةُ: أنَّ امرأةً قالت لعائشةَ: أَجْزي إحدانا صلاتَها إذا طَهُرَتْ؟ فقالت: أحَرُورِيّةٌ أنتِ؟ كنَّا نَحِيضُ مِعَ النبيِّ ◌َِّ فِلا يَأْمُرُنا به، أو قالت: فلا نَفْعَلُه. (١) الباب رقم (٧). ١٢٧ باب ٢٠ / ح ٣٢١ كتاب الحيض قوله: ((باب لا تقضي الحائضُ الصلاة)) نقل ابن المنذر وغيره إجماع أهل العِلْم على ذلك، وروى عبد الرزاق عن مَعمَر أنَّه سأل الزُّهْريّ عنه فقال: اجتمع الناس عليه، وحكى ابن عبد البَرِّ عن طائفة من الخوارج: أنَّهم كانوا يُوجِبونَه، وعن سَمُّرة بن جُنْدُب: أنَّه كان يأمُر به، فأنكَرَت عليه أُمّ سَلَمة. لكن استَقَرَّ الإجماعُ على عَدَم الوجوب کما قاله الزُّهْريّ وغيره. قوله: ((وقال جابر بن عبد الله وأبو سعيد)) هذا التعليق عن هذين الصحابيَّينِ ذكره المؤلِّف بالمعنى، فأمَّا حديث جابر فأشار به إلى ما أخرجه في كتاب الأحكام (٧٢٣٠) من طريق حَبيب، عن عطاء، عن جابر في قِصّة حيض عائشة في الحج وفيه: ((غير أنَّها لا تطوف ولا تُصلّي))، ولمسلم (١٣٦/١٢١٣) نحوه من طريق أبي الزُّبَير عن جابر. وأمَّا حديث أبي سعيد فأشار به إلى حديثه المتقدِّم (٣٠٤) في ((باب ترك الحائض الصوم) وفيه: ((أليس إذا حاضت لم تُصلِّ ولم تَصُمْ؟)). فإنْ قيل: الترجمة لعَدَم القضاء، وهذان الحديثان لعَدَم الإيقاع، فما وجه المطابقة؟ أجابَ الكِرْمانيُّ بأنَّ الترك في قوله: (تَدَعُ الصلاة)) مُطلَق أداء أو قَضاء. انتهى، وهو غیر مُتَّجِه، لأنَّ منعها إنَّما هو في زمن الحيض فقط، وقد وَضَحَ ذلك من سياق الحديثَين، والذي يظهر لي أنَّ المصنّف أراد أنْ يستدلَّ على الترك أوَّلاً بالتعليقِ المذكور، وعلى عَدَم القضاء بحديث عائشة، فجعل المعلَّق كالمقدّمة للحديث الموصول الذي هو مطابق للترجمة، والله أعلم. قوله: ((حَدَّثَتْني مُعاذَة)) هي بنت عبد الله العَدَويَّة، وهي معدودةٌ في فقهاء التابعين، ورجال الإسناد المذكور إليها بصريُّون. قوله: ((أنَّ امرأة قالت لعائشة)) كذا أبهَمَها همَّام، وبيَّن شُعْبة في روايته عن قتادةَ أنَّها هي معاذة الراوية، أخرجه / الإسماعيلي من طريقه، وكذا لمسلم (٣٣٥) من طريق عاصم وغيره ٤٢٢/١ عن معاذة. ١٢٨ باب ٢٠ / ح ٣٢١ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((أَتَّخْزي)) بفتح أوَّله، أي: أتقضي، و((صلاتَها)) بالنصب على المفعوليَّة، ويُروَى ((أَتُجْزِئُ)) بضمٍّ أوَّله والهمز، أي: أَتَكْفي المرأةَ الصلاةُ الحاضرة وهي طاهرة ولا تحتاج إلى قَضاء الفائتة في زمن الحيض؟ فصلاتها على هذا بالرفع على الفاعليَّة، والأولى أشهر. قوله: ((أحَرُوريَّة)) الحَرُوريّ منسوب إلى حَرُوراء، بفتح الحاء وضمّ الراء المهمَلتينِ وبعد الواو الساكنة راءٌ أيضاً، بلدة على مِيلَين من الكوفة، والأشهر أنَّها بالمدّ. قال المبرِّد: النِّسبة إليها حَرُوراويّ، وكذا كلّ ما كان في آخره ألف تأنيث ممدودة، ولكن قيل: الحَرُوريّ بحذف الَّوائد، ويقال لمن يعتقد مذهب الخوارج: حَرُوريّ، لأنَّ أوَّل فِرْقة منهم خَرَجوا على عليٍّ بالبلدة المذكورة فاشتهروا بالنِّسبة إليها، وهم فِرَقٌ كثيرة، لكن من أُصولهم المتَّفَق عليها بينهم: الأخذُ بما دَلَّ عليه القرآن ورَدُّ ما زاد عليه من الحديث مُطلَقاً، ولهذا استَفْهَمَت عائشةُ معاذةً استفهامَ إنكار، وزاد مسلم في رواية عاصم عن معاذة: فقلت: لا، ولكنّي أسأل، أي: سؤالاً مجرَّداً لطلب العِلْم لا للتَّعَنُّت، وفَهِمَت عائشة عنها طلبَ الدليل فاقتَصَرَت في الجواب عليه دون التعليل، والذي ذكره العلماء في الفَرْق بين الصلاة والصيام: أنَّ الصلاة تتكرَّر فلم يجبْ قضاؤها للحرج بخلاف الصيام، ولمن يقول بأنَّ الحائض مُخاطَبة بالصيام أنْ يُفرِّقَ بأنَّها لم تُخاطَب بالصلاة أصلاً. وقال ابن دَقِيق العيد: اكتفاءُ عائشة في الاستدلال على إسقاط القضاء بكَوْنها لم تُؤْمَر به، تحتمِل وجھین: أحدهما: أنَّها أخَذَت إسقاط القضاء من إسقاط الأداء، فيُتمسَّك به حتَّى يُوجَد المعارِض وهو الأمر بالقضاء كما في الصوم. ثانيهما - قال: وهو أقرب ـ: أنَّ الحاجة داعيةٌ إلى بيان هذا الحُكْم لتكُّرِ الحيض منهُنَّ عنده وَّةِ، وحيثُ لم يُبيِّن دَلَّ على عَدَم الوجوب، لا سيَّما وقد اقتَرَنَ بذلك الأمرُ بقَضاء الصوم كما في رواية عاصم عن معاذة عند مسلم (٦٩/٣٣٥). قوله: ((فلا يَأْمُرُنا به، أو قالت: فلا نفعلُه)) كذا في هذه الرواية بالشَّكّ، وعند الإسماعيلي ١٢٩ باب ٢١-٢٢ / ح ٣٢٢ -٣٢٣ كتاب الحيض من وجه آخَر: ((فلم نَكُنْ نَقْضِي ولم نُؤْمَر به))، والاستدلال بقولها: ((فلم نكنْ نقضي)) أوضَحُ من الاستدلال بقولها: «فلم نُؤْمَر به))، لأنَّ عَدَم الأمر بالقضاء هنا قد يُنازَع في الاستدلال به على عَدَم الوجوب، لاحتمال الاكتفاء بالدليل العام على وجوب القضاء، والله أعلم. ٢١ - باب النوم مع الحائض ٣٢٢- حدَّثنا سَعْدُ بنُ حَفْص، قال: حدَّثنا شَيْبانُ، عن يحيى، عن أبي سَلَمَةَ، عن زينبَ ابنة أبي سَلَمَةَ، حَدَّثَتْه أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قالت: حِضْتُ وأنا معَ النبيِّ وَ في الخَمِيلة، فانسَلَلتُ فخَرَجتُ منها، فأخَذْتُ ثِيابَ حِيضَتي فَلَبِسْتُها، فقال لي رسولُ الله ◌َِّ: ((أَنَفِسْتِ؟)) قلتُ: نَعَم، فدَعَاني فأدخلَني معه في الخَمِيلة. قالت: وحَدَّثَتْني: أنَّ النبيَّ وَّهِ كان يُقْبَّلُها وهو صائمٌ، وكنتُ أغتسِلُ أنا والنبيُّ ◌ٍَّ من إناءٍ واحدٍ مِن الجَنّابة. قوله: ((باب النوم مع الحائض)) زاد في نسخة الصَّغَاني: ((وهي في ثيابها)» تقدَّم الكلام على ذلك في (٢٩٨) ((باب مَن سَمَّى النِّفاس حيضاً). ويحيى المذكور: هو ابن أبي كثير. قوله: ((قالت: وحَدَّثَنْني)) هو مَقُول زينب بنت أُمَّ سَلَمة. وفاعل ((حدَّثتني)) أُمُّها أُمّ سَلَمَةَ زوج النبيّ ◌َّ، وسيأتي الكلام على ذلك في كتاب الصيام (١٩٢٩). قوله: ((وكنتُ)) معطوف على جملة الحديث الذي قبله، وهي أنَّ النبيَّ وَِّ كان يُقْبِّلُها، وقد تقدَّم الكلام على فوائده في كتاب الغُسل (٢٥٠ و٢٦١). ٢٢ - باب من اتخذ ثيابَ الحيض سوى ثياب الطُّهْر ٤٢٣/١ ٣٢٣- حدَّثنا معاذُ بنُ فَضَالةَ، قال: حدَّثنا هشامٌ، عن يحيى، عن أبي سَلَمَةَ، عن زينبَ ابنة أبي سَلَمَةَ، عن أُمّ سَلَمَةَ قالت: بَيْنا أنا معَ النبيِّ وََّ مُضطَجِعٌ فِي خَمِيلةٍ حِضْتُ فانسَلَلتُ، فَأَخَذْتُ ثيابَ حِيضَتي، فقال: ((أَنَفِسْتِ؟)) فقلتُ: نَعَم، فدَعَاني فاضْطَجَعْتُ معه في الخَمِيلةِ. ١٣٠ باب ٢٣ / ح ٣٢٤ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((باب مَن الَّخَذَ ثياب الحيض)) وفي رواية الكُشْمِيهَنيّ: ((مَن أعَدّ) بالعين والدَّال المهملتين. وهشام المذكور: هو الدَّستُوائيّ، ويحيى: هو ابن أبي كثير، والكلام على الحديث قد تقدَّم في (٢٩٨) «باب مَن سَمَّى النِّفاس حيضاً». ٢٣ - باب شهود الحائض العيدين ودعوةَ المسلمين ويَعتزِلْنَ المصلَّى ٣٢٤- حدَّثنا محمَّدٌ، قال: أخبرنا عبدُ الوهَّاب، عن أيوبَ، عن حَفْصةَ قالت: كنَّا نَمنَعُ عَواتِقَنا أنْ يَخْرُجْنَ في العِيدَين، فقَدِمَتِ امرأةٌ فنَزِلَتْ قَصْرَ بني خَلَفٍ فحَدَّثَتْ عن أُخِتِها، وكان زوجُ أُخِها غَزَا معَ النبيِّ وَّهِ ثِنْتَي عَشْرَةَ وكانت أُختي معه في ◌ِتُّ، قالت: كنَّا نُداوي الكَلْمَى، ونَقُومُ على المَرضَى، فسألَتْ أُختي النبيَّ ◌َّ: أُعَلَى إحدانا بأْسِّ إذا لم يَكُنْ ها چِلْبابٌ أنْ لا تَخْرُجَ؟ قال: ((لتُلْبِسْها صاحِبتُها من جِلْبابها، ولتَشْهَدِ الخيرَ ودَعْوةَ المسلمينَ)) فلمَّا قَدِمَتْ أُمُّ عَطِيَةَ سألتُها: أسمعتِ النبيَّ وَّهِ؟ قالت: بَأَبي، نَعَم - وكانت لا تَذْكُرُه إلَّا قالت: بأَبي - سمعتُهُ يقولُ: ((يَخْرُجُ العَواتِقُ وذَواتُ الخُدُورِ والخُيَّضُ، ولْيَشْهَدْنَ الخيرَ ودَعْوةَ المؤمنينَ، ويَعْتَزِلُ الخُيَّضُ المصَلَّى)). قالت حَفْصةُ: فقلتُ: الْحُيَّضُ؟! فقالت: أليسَ تَشْهَدُ عَرَفَةَ، وكذا وكذا؟ [أطرافه في: ٣٥١، ٩٧١، ٩٧٤، ٩٨٠، ٩٨١، ١٦٥٢] قوله: ((باب شُهُود الحائض العيدَينِ ودعوة المسلمينَ ويَعتَزِلْنَ)) وفي رواية ابن عساكر: ((واعتزالهنَّ المصلَّ)) والجمع بالنَّظرِ إلى أنَّ الحائض اسم جِنْس، أو فيه حذفٌ، والتقدير: ويَعتَزِلْنَ الحُبَّضُ كما سیذکر بعد. قوله: ((حدَّثْنا محمَّد)) كذا للأكثر غير منسوب، ولأبي ذرّ: محمد بن سَلَام، ولكَرِيمة: محمد هو ابن سَلَام. قوله: ((حدَّثنا عبد الوهّاب)» هو الثَّقَفيّ. ١٣١ باب ٢٣ / ح ٣٢٤ كتاب الحيض قوله: ((عَواتِقنا)) العَواتق جمع عاتِق: وهي مَن بَلَغتِ الحُلُم أو قارَبَت، أو استَحقَّت التزويج، أو هي الكَرِيمة على أهلها، أو التي عَتَقَت عن الامتهان في الخروج للخِدْمة، وكأنَّهم كانوا يمنعون العَواتق من الخروج لما حَدَثَ بعد العصر الأوَّل من الفساد، ولم تُلاحظ الصحابة ذلك، بل رأت استمرار الحُكْم على ما كان عليه في زمن النبيّ ◌َلّ. قوله: ((فقَدِمَت امرأة)» لم أقِف على اسمها. وقَصْر بني خَلَف كان بالبصرة، وهو منسوب إلى طَلْحة بن عبد الله بن خَلَف الخُزاعيّ المعروف بطَلْحة الطَّلَحات، وقد وليَ إمرة سِچِسْتان. قوله: ((فحَدَّثَتْ عن أُختها)) قيل: هي أُمّ عَطيَّة، وقيل غيرها، وعليه مَشَى الکِرْمانُّ، وعلى تقدير أنْ تكون أُمّ عَطيَّة فلم نَقِفْ على تسمية زوجها أيضاً. قوله: ((ثِنْتَي عَشْرة)) زاد الأَصِيلي: غزوةً. قوله: ((وكانت أُختي)) فيه حذفٌ تقديره: قالت المرأة: وكانت أُختي. قوله:/ ((قالت)) أي: الأُخت، والكَلْمَى بفتح الكاف وسكون اللام: جمع كَلِيم، أي: ٤٢٤/١ جريح. قوله: ((من جِلْبابها)) قيل: المراد به الجِنْس، أي: تُعِيرها من ثيابها ما لا تحتاج إليه. وقيل: المراد تُشْرِكها معها في لُبْس الثوب الذي عليها، وهذا يَنْبني على تفسير الجِلْباب - وهو بكسر الجيم وسكون اللام وبموحَّدَتَينِ بينهما ألفٌ - قيل: هو المِقْنعةُ أو الخِمار أو أعرَضُ منه، وقيل: الثوب الواسع يكون دون الرِّداء، وقيل: الإزار، وقيل: المِلْحَفة، وقيل: المُلَاءة، وقيل: القميص. قوله: ((ودَعْوة المسلمينَ)) في رواية الكُتْمِيهَنيّ: ((المؤمنين)) وهي موافقة لرواية أُمّ عَطيَّة. قوله: ((وكانت)) أي: أُمّ عَطِيَّة ((لا تَذْكُرُه)) أي: النبيَّ ◌َِّ((إلّا قالت: بَبي)) أي: هو مُفَدَّى بأَبي، وفي رواية عَبْدوس: ((بيبي)) بباءٍ تحتانيَّة بدل الهمزة في الموضعين، وللأَصِيلِيّ بفتح الموحّدة الثانية مع قَلْب الهمزة ياءً - كعَبْدوس - لكن فتح ما بعدها كأنَّه جعله لكَثْرة ١٣٢ باب ٢٣ / ح ٣٢٤ فتح الباري بشرح البخاري الاستعمال واحداً، ونُقِلَ عن الأَصِيليّ أيضاً كالأصل لكنَّه فتح الثانية أيضاً، وقد ذكر ابن مالك هذه الأربعة في ((شواهد التوضیح)). وقال ابن الأثير: قوله: بَأْباً، أصله: بأبي هو، يقال: بَأْبَأْتُ الصبيَّ: إذا قلت له: أفديك بأَبِي، فقَلَبوا الياء ألفاً كما في ((وَيْلَنا». قوله: ((وذَوات الخُدُور)) بضم الخاء المعجمة والدَّال المهمَلة جمع: خِدْر بكسرها وسكون الدَّال، وهو سِتْر يكون في ناحية البيت تَقعُد البِكْر وراءَه، وللأَصِيليّ وكَرِيمة: ((العَواتق وذوات الخُدور، أو العَواتق ذوات الخُدور)) على الشَّكّ، وبين العاتق والبِكْر عموم وخصوصُ وجهيٌّ. قوله: ((وَيَعتزِلُ الخُيَّضُ المصلَّى)) بضم اللام هو خبر بمعنى الأمر، وفي رواية: ((ويَعتِزِلْنَ الخُيَّضُ المصلَّى)) وهو نحو: أكَلوني البراغيث. وحمل الجمهور الأمر المذكور على النَّذْب، لأنَّ المصلَّى ليس بمسجدٍ فيمتنع الخُيَّص من دخوله، وأغرَبَ الكِرْمانيُّ فقال: الاعتزال واجب، والخروج والشَّهود مندوب، مع كَوْنه نقل عن النَّوويّ تصویب عَدَم وجوبه. وقال ابن المنيِّر: الحِكْمة في اعتزالهنَّ أنَّ في وقوفهنَّ وهُنَّ لا يُصلّين مع المصلِّيات إظهارَ استهانة بالحال، فاستُحِبَّ هنَّ اجتناب ذلك. قوله: ((فقلت: الْخُيَّض؟!)) بهمزةٍ ممدودة، كأنَّها تتعجَّب من ذلك ((فقالت)) أي: أُمّ عَطيّة: ((أليس تَشْهَد)) أي: الخُيَّض، وللكُشْمِيهَنيّ: ((أليست)) أي: الحائض، وللأَصِيلي: ((أليس يشهدْن)). قوله: ((وكذا وكذا)» أي: ومُزدَلِفة ومنّى وغيرهما. وفيه أنَّ الحائض لا تَهجُرُ ذِكرَ الله ولا مواطنَ الخير كمجالس العِلْم والذِّكر سوى المساجد. وفيه امتناعُ خروج المرأة بغير جِلْباب، وغير ذلك ممّاً سيأتي استيفاؤُه في كتاب العيدين (٩٧١) إن شاء الله تعالی. ١٣٣ باب ٢٤ كتاب الحيض ٢٤ - باب إذا حاضت في شهرٍ ثلاثَ حِيَض وما يُصدَّقُ النِّساءُ في الحيضِ والحَمْلِ فيما يُمكِنُ مِن الحيضِ، لقول الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اَللّهُ فِى أَزْحَامِهِنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. ويُذكَرُ عن عليٍّ وشُرَيح: إنْ جاءتْ ببيَّةٍ من بِطَانة أهلِها ممَّن يُرِضَى دِينُهُ أنَّها حاضَتْ ثلاثاً في شهرٍ، صُدِّقَت. وقال عطاءٌ: أقراؤُها ما كانت، وبه قال إبراهيم. وقال عطاءٌ: الحيضُ يومٌ إلى خمسَ عَشْرةَ. وقال مُعتمِرٌ عن أبيه: سألتُ ابنَ سِيرِينَ عن المرأة تَرى الدَّمَ بعدَ قُرْئِها بخمسة أيَّامِ؟ قال: النِّساءُ أعلَمُ بذلك. قوله: ((باب إذا حاضَتْ في شهر ثلاث حِيَضٍ)) بفتح الياء: جمع حيضة. قوله: ((وما يُصدَّقُ)) بضم أوَّله وتشديد الدَّال المفتوحة. قوله: ((فيما يُمكِنُ من الحيض)) أي: فإذا لم يُمكِنْ لم تُصدَّق. قوله: ((لقول الله تعالى)) يشير إلى تفسير الآية المذكورة، وقد روى الطبريُّ (٤٤٦/٢) بإسنادٍ صحيح(١) عن الزُّهْرِيِّ قال: بَلَغَنا أنَّ المراد بما خَلَقَ في أرحامهنّ: / الحمل أو الحيض، ٤٢٥/١ فلا يَحِلُّ لهنَّ أنْ يَكتُمنَ ذلك لتنقضي العِدّة، ولا يملك الزوج الرَّجْعة إذا كانت له. وروى أيضاً بإسنادٍ حسن عن ابن عمر قال: لا يَحِلّ لها إنْ كانت حائضاً أنْ تَكتُم حيضها، ولا إن كانت حاملاً أنْ تَكتُم حملها. وعن مجاهد: لا تقول: إنّ حائض وليست بحائض، ولا لستُ بحائضٍ وهي حائضٌ، وكذا في الخَبَل. ومطابقة الترجمة للآية من جهة أنَّ الآية دالَّةٌ على أنَّها يجبُ عليها الإظهار، فلو لم تُصدّقْ فیه لم یکن له فائدة. (١) إطلاق الصحة عليه تساهلٌ من الحافظ رحمه الله، ففي إسناده أبو صالح كاتب الليث ولا يصل إلى هذه الرتبة. ١٣٤ باب ٢٤ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((ويُذكَرُ عن عليّ)) وَصَلَه الدَّارميُّ كما سيأتي، ورجاله ثقات، وإنَّما لم يَجِزِم به للتردُّد في سماع الشَّعْبي من عليّ، ولم يقل: إنَّه سمعه من شُرَيح فيكون موصولاً. قوله: ((إنْ جاءت)) في رواية كَرِيمة: «إنِ امرأةٌ جاءت» بكسر النون. قوله: ((بيَّةٍ من بِطَانة أهلها)) أي: خَواصِّها. قال إسماعيل القاضي: ليس المراد أنْ تشهدَ النساء أنَّ ذلك وَقَع، وإنَّما هو فيما نُرى أنْ يشهدْنَ أنَّ هذا يكون وقد كان في نسائهِنّ. قلت: وسیاق القِصّة يدفع هذا التأويل. قال الدَّارميُّ (٨٥٥): أخبرنا يَعْلى بن عُبيد، حدَّثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن عامٍ - هو الشَّعْبي - قال: جاءت امرأةٌ إلى عليٍّ تُخاصم زوجها طَلَّقَها فقالت: حِضْت في شهر ثلاثَ حِيَض، فقال عليٌّ لشُرَيح: اقضٍ بينهما، قال: يا أمير المؤمنين وأنت هاهنا؟ قال: اقضِ بينهما، قال: إنْ جاءت من بطانة أهلها ممَّن يُرضَى دينُه وأمانتُه يَزعُم أنَّها حاضت ثلاث حِيَض تَطهُر عند كلّ قُرْء وتُصلِّي، جازَ لها وإلّا فلا، قال علي: قالون. قال: وقالون بلسان الرُّوم: أحسنت. فهذا ظاهرٌ في أنَّ المراد أنْ يشهدْنَ بأنَّ ذلك وقع منها، وإنَّما أراد إسماعيل رَدَّ هذه القصَّة إلى موافقة مذهبه، وكذا قال عطاء: إنَّه يُعْتَبَر في ذلك عادتها قبل الطلاق، وإليه الإشارة بقوله: ((أقراؤُها)) وهو بالمدِّ جمعٍ: قُرْء، أي: في زمان العِدّة ((ما كانت)) أي: قبل الطلاق، فلو اذَّعَت في العِدّة ما يخالف ما قبلها لم يُقبَل. وهذا الأثر وَصَلَه عبد الرزاق (١٠٩٧٠) عن ابن جُرَيجٍ عن عطاء. قوله: ((وبه قال إبراهيم)) يعني النَّخَعيّ، أي: قال بما قال عطاء، ووَصَلَه عبد الرزاق أيضاً (١٠٩٧٤) عن أبي مَعشَر عن إبراهيم نحوه. وروى الدَّارميُّ أيضاً (٨٥٤) بإسنادٍ صحيح إلى إبراهيم قال: إذا حاضت المرأة في شهر أو أربعين ليلة ثلاث حِيَض ... فذَكَر نحو أثر شُرَيح، وعلى هذا فيحتمل أنْ يكون ١٣٥ باب ٢٤ / ح ٣٢٥ كتاب الحيض الضمير في قول البخاري: ((وبه)) يعود على أثر شُرَيح، أو في النُّسْخة تقديم وتأخير، أو لإبراهيم في المسألة قولان. قوله: ((وقال عطاء ... )) إلى آخره، وَصَلَه الدَّارميُّ أیضاً (٨٤٢ و ٨٤٥) بإسنادٍ صحيح قال: أقصَى الحيض خمس عشرة، وأدنى الحيض يوم. ورواه الدَّارَقُطنيُّ (٧٩٧-٨٠١) بلفظ: أدنى وقت الحيض يومٌ، وأكثرُ الحيض خمس عشرة. قوله: ((وقال مُعتمِر)) يعني: ابن سليمان التَّيميّ. وهذا الأثر وَصَلَه الدَّارميُّ أيضاً (٧٩٥) عن محمد بن عيسى عن مُعتمِر. ٣٢٥- حدَّثنا أحمدُ بنُ أبي رَجاءٍ، قال: حدّثنا أبو أسامةَ، قال: سمعتُ هشامَ بنَ عُرْوةَ، قال: أخبرني أبي، عن عائشةَ: أنَّ فاطمةَ بنتَ أبي حُبَيْشٍ سألَتِ النبيَّ ◌َّ، قالت: إنّ أُستَحاضُ فلا أطهُرُ، أفْدَعُ الصلاةَ؟ فقال: ((لا، إنَّ ذلكِ عِرْقٌ، ولكنْ دَعي الصلاةَ قَدْرَ الأيّام الَّتي كنتِ تَحِيضِینَ فیھا، ثمّ اغتسلي وصَلِّ)). قوله: ((حدَّثنا أحمد بن أبي رَجاء)» هو أحمد بن عبد الله بن أيوب الهَرَويُّ، يُكنَی أبا الوليد، وهو حَنَفيُّ النَّسَب لا المذهب، وقِصّة فاطمة بنت أبي حُبَيشٍ تقدَّمت في (٣٠٦) ((باب الاستحاضة)). ومناسبة الحديث للترجمة من قوله: ((قَدْر الأيام التي كنت تحيضين فيها))، فوَكَلَ ذلك إلى أمانتها ورَدَّه إلى عادتها، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص. واختلف العلماء في أقلّ الحيض وأقلّ الطُّهْر، ونقل الدَّاووديّ: أنَّهم اتفقوا على أنَّ أكثره خمسة عشر يوماً، وقال أبو حنيفة: لا يَجَتمِع أقلُّ الُّهْر وأقلّ الحيض معاً، فأقلّ ما تنقضي به العِدّة عنده سِتّون يوماً، وقال صاحباه: تنقضي في تِسْعة/ وثلاثين يوماً، بناءً على ٤٢٦/١ أنَّ أقلّ الحيض ثلاثة أيام، وأنَّ أقلّ الطُّهْر خمسة عشر يوماً، وأنَّ المراد بالقُرْءِ الحيض، وهو قول الثَّوْريّ. وقال الشافعي: القُرْء: الطُّهْر، وأقلّه خمسة عشر يوماً، وأقلّ الحيض يوم وليلة، فتنقضي ١٣٦ باب ٢٥ / ح ٣٢٦ فتح الباري بشرح البخاري عنده في اثنين وثلاثين يوماً ولَحْظتين، وهو موافق لقِصَّة عليّ وشُرَيح المتقدِّمة إذا حُمِلَ ذِكْر الشهر فيها على إلغاء الكسر، ويدلّ عليه رواية هُشَيم عن إسماعيل فيها بلفظ: حاضت في شهر أو خمسة وثلاثين يوماً(١). ٢٥ - باب الصُّفْرة والكُذرة في غير أيام الحيض ٣٢٦- حدَّثْنَا قُتَيِيةُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ، عن أيوبَ، عن محمَّد، عن أُمِّ عَطِيَّةَ، قالت: كَّا لا نَعُدُّ الكُدْرَةَ والصُّفْرةَ شيئاً. قوله: ((باب الصُّفْرة والكُذرة في غير أيام الحيض)) يشير بذلك إلى الجمع بين حديث عائشة المتقدِّم في قولها: ((حتَّى تَرَينَ القَصَّة البيضاء)»(٢) وبين حديث أُمّ عَطيَّة المذكور في هذا الباب، بأنَّ ذلك محمول على ما إذا رأت الصُّفْرة أو الكُذْرة في أيام الحيض، وأمَّا في غيرها فعلى ما قالته أُمّ عطيّة. قوله: ((أيوب عن محمَّد)) هو ابن سِيرِين، وكذا رواه إسماعيل - وهو ابن عُليَّة - عن أيوب، ورواه وُهَيب بن خالد، عن أيوب، عن حفصة بنت سيرين، عن أُمّ عَطَّة، أخرجه ابن ماجه (٦٤٧). ونُقِلَ عن الذُّهْلِيِّ أنَّه رَجَّحَ رواية وُهَيب، وما ذهب إليه البخاري من تصحيح رواية إسماعيل أرجح لموافقة مَعمَر له (٣)، ولأنَّ إسماعيل أحفظ لحديث أيوب من غيره، ويُمكِن أن یکون أیوب سمعه منهما. قوله: ((كنّا لا نَعُدُّ) أي: في زمن النبيّ ◌َّهِ مع عِلْمه بذلك، وبهذا يُعطَى الحديث ◌ُكْم الرفع، وهو مَصِير من البخاري إلى أنَّ مثل هذه الصِّيغة تُعَدُّ في المرفوع ولو لم يُصرِّح الصحابي بذِكْر زمن النبيِّ وَّةِ، وبهذا جَزَمَ الحاكم وغيره خلافاً للخطيب. (١) وهذه الرواية عند سعيد بن منصور في ((سننه)) (١٣٠٩). (٢) تقدم معلقاً في الباب (١٩): باب إقبال المحيض وإدباره، وأخرجه مالك في ((الموطأ)) ١/ ٥٩. (٣) رواية معمر أخرجها ابن ماجه (٦٤٧). ١٣٧ باب ٢٦ / ح ٣٢٧ كتاب الحيض قوله: ((الكُدْرة والصُّفْرة)) أي: الماء الذي تراه المرأة كالصَّديد يَعْلوه اصِفِرارٌ. قوله: ((شيئاً) أي: من الحيض، ولأبي داود (٣٠٧) من طريق قَتَادة، عن حفصة، عن أُمّ عَطيَّة: كنّا لا نَعُدُّ الكُدْرة والصُّفْرة بعد الطُّهْر شيئاً. وهو موافق لما تَرجَمَ به البخاريُّ، والله أعلم. ٢٦ - باب عِرْق الاستحاضة ٣٢٧- حدّثنا إبراهيمُ بنُ المنذِر، قال: حدَّثْنا مَعْنٌ، قال: حدَّثني ابنُ أبي ذِئْب، عن ابنِ شِهَاب، عن عُرْوةَ وعن عَمْرةَ، عن عائشةَ زوجِ النبيِّ وَّهِ: أنَّ أُمَّ حَبِيبةَ اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سنينَ، فسألَتْ رسولَ اللهِوَِّ عن ذلك، فأمَرَها أنْ تَغتسِلَ فقال: «هذا عِرْقٌ))، فكانت تَغْتسِلُ لكُلِّ صلاةٍ. قوله: ((باب عِرْق الاستحاضة)) بكسر العين وإسكان الراء، وقد تقدَّم بيانُه في (٣٠٦) ((باب الاستحاضة)). قوله: ((وعن عَمْرة)) يعني: كلاهما عن عائشة، كذا للأكثر، وفي رواية أبي الوَقْت وابن عساكر بحذف الواو، فصارَ من رواية عُرْوة عن عَمْرة، وكذا ذكر الإسماعيلي أنَّ أحمد بن الحسن الصُّوفيّ حدَّثهم به عن خَلَف بن سالم عن معن، والمحفوظ إثبات الواو، وأنَّ الزُّهْريَّ رواه عن شيخين: عُرْوة وعَمْرة، كلاهما عن عائشة، وكذا أخرجه الإسماعيلي وغيره من طرق عن ابن أبي ذِئْب، وكذا أخرجه مسلم (٣٣٤/ ٦٤) من طريق عَمْرو بن الحارث، وأبو داود (١) من طريق الأوزاعيّ، كلاهما / عن الزُّهْريِّ عنهما، وأخرجه مسلم ٤٢٧/١ (٦٣/٣٣٤) أيضاً من طريق الليث، عن الزُّهْريّ، عن عُرْوة وَحْده، ومسلم أيضاً من طريق إبراهيم بن سعد، وأبو داود (٢٨٩) من طريق يونس، كلاهما عن الزُّهْريّ، عن عَمْرة وَحْدها، قال الدَّارَ قُطنيُّ: هو صحيح من رواية الزُّهْرِيِّ عن عُرْوة وعَمْرة جميعاً. (١) رواية أبي داود أخرجها تعليقاً بإثر الحديث (٢٨٥)، وأخرجه من طريق الأوزاعي موصولاً ابنُ ماجه (٦٢٦)، والنسائي (٢٠٣). ١٣٨ باب ٢٦ / ح ٣٢٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((أنَّ أُمّ حَبيبة)) هي بنت جَحْش أُخت زينب أُمّ المؤمنين، وهي مشهورة بگنیتِها، وقد قيل: اسمها حَبيبة وكُنْيتها أُمّ حَبيب بغير هاء، قاله الواقديُّ وتبعه الحَرْبِيّ ورَجَّحَه الدَّارَ قُطنيُّ، والمشهور في الروايات الصحيحة أُمّ حبيبة بإثبات الهاء، وكانت زوج عبد الرحمن بن عَوْف كما ثبت عند مسلم (٣٣٤/ ٦٤) من رواية عَمْرو بن الحارث. ووقع في ((الموطَّأ)) (٦٢/١) عن هشام بن عُرْوة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سَلَمة: أنَّ زينب بنت جَحْش التي كانت تحت عبد الرحمن بن عَوْف كانت تُستَحاض، الحديث، فقيل: هو وَهْم، وقيل: بل صواب، وأنَّ اسمها زينبَ وُنْيتها أُمّ حبيبة، وأمَّا كَوْنُ اسم أُختها أُمّ المؤمنين زينبَ، فإنَّه لم يكن اسمها الأصليّ، وإنَّما كان اسمها بَرَّة فغيَّرَه النبيُّ ◌َّه وفي ((أسباب التُّول)) للواحديّ: أنَّ تغييرَ اسمها كان بعد أنْ تزوَّجها النبيُّ وَِّ، فلعلَّه ◌َمّ سَمَّاها باسم أُختها لكَوْن أُختها غَلَبَت عليها الكُنْبة فأُمنَ اللَّبْس، ولهما أُخت أُخرى اسمها ◌َمْنة - بفتح المهمَلة وسكون الميم بعدها نونٌ - وهي إحدى المستحاضات كما تقدَّم (١). وتَعسَّفَ بعض المالكيَّةِ فَزَعَمَ أنَّ اسم كلٌّ من بنات جَحْش زينب، قال: فأمَّا أُمّ المؤمنين، فاشتَهَرت باسمِها، وأمَّا أُمُّ حبيبة فاشتَهَرت بكُنْيتها، وأمَّا حَمْنة فاشتَهرت بلَقَبها، ولم يأتِ بدليلٍ على دَعْواه بأنَّ حَمْنة لقبٌ. ولم ينفرد ((الموطَّأ)) بتسمية أُمّ حبيبة زينب، فقد روى أبو داود الطَّيالسيّ في ((مسنده)) (١٥٨٣) عن ابن أبي ذِئْب حديث الباب فقال: ((أنَّ زينب بنت جَحْش)) وقد تقدَّم توجیهُه. قوله: ((استُحيضَتْ سبع ◌ِنِينَ)) قيل: فيه حُجَّة لابن القاسم في إسقاطه عن المستحاضة قضاءَ الصلاة إذا تركتها ظانّة أنَّ ذلك حيض، لأنَّه وَلّه لم يأمُرها بالإعادة مع طول المدّة، ويحتمل أنْ يكون المراد بقولها: ((سبع سنين)) بيان مُدَّة استحاضتها مع قَطْع النَّظر هل كانت المدّة كلُّها قبل السؤال، أو لا فلا يكون فيه حُجَّة لما ذُكِرٍ. (١) عند شرح الحديث (٣١١). ١٣٩ باب ٢٦ / ح ٣٢٧ كتاب الحيض قوله: ((فأمَرَها أنْ تَغتسِل)) زاد الإسماعيلي: ((وتُصلِّ))، ولمسلم (٣٣٤) نحوُه، وهذا الأمر بالاغتسال مُطلَق فلا يدلُّ على التكرار، فلعلَّها فهمت طلبَ ذلك منها بقَرينة، فلهذا كانت تغتسل لكلِّ صلاة. وقال الشافعي: إنَّما أمَرَها وَّرِ أنْ تغتسل وتُصلّى، وإنَّما كانت تغتسل لكلِّ صلاة تطوُّعاً، وكذا قال الليث بن سعد في روايته عند مسلم (٦٣/٣٣٤): لم يَذكُر ابن شهاب أنَّه وَ أَمَرَها أنْ تغتسل لكلِّ صلاة، ولكنَّه شيء فَعلَتْه هي. وإلى هذا ذهب الجمهور قالوا: لا يجب على المستحاضة الغُسل لكلِّ صلاة، إلَّا المتحيِرة، لكن يجب عليها الوضوء، ويؤيِّده ما رواه أبو داود (٣٠٥) من طريق عِكْرمةَ: أنَّ أُمّ حبيبة استُحِيضَت فأمَرَها ◌َّهِ أنْ تنتظر أيامَ أَقْرائها، ثمَّ تغتسل وتُصلِّي، فإذا رأت شيئاً من ذلك توضَّأت وصَلَّت. واستدلَّ المهلَّبيّ بقوله لها: «هذا عِرْق)) على أنَّه لم يُوجِب عليها الغُسلَ لكلِّ صلاة، لأنَّ دم العِرْق لا يُوجِبِ غُسْلاً. وأمَّا ما وقع عند أبي داود (٢٩٢) من رواية سليمان بن كثير وابن إسحاق عن الزُّهْرِيِّ في هذا الحديث: ((فأمَرَها بالغُسلِ لكلِّ صلاة)) فقد طَعَنَ الحُفَّاظ في هذه الزيادة، لأنَّ الأثبات من أصحاب الزُّهْريِّ لم يَذكُروها، وقد صَرَّحَ الليث كما تقدَّم عند مسلم بأنَّ الزُّهْريَّ لم يذكرها، لكن روى أبو داود (٢٩٣) من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سَلَمة، عن زينب بنت أبي سَلَمةَ في هذه القِصَّة: ((فأمَرَها أنْ تغتسل عند كلّ صلاة)) فيُحمَل الأمر على النَّدْب جمعاً بين الروايتين: هذه ورواية عِكْرمة، وقد حمله الخطَّبيُّ على أنَّها كانت مُتحيِّة، وفيه نظرٌ لما تقدَّم من رواية ◌ِكْرمة: أنَّه أمَرَها أنْ تنتظر أيام أقرائها. ولمسلم (٣٣٤/ ٦٥) من طريق عِراك بن مالك عن عُرْوة في هذه القِصَّة: فقال لها: ((امكُثي قَدْرَ ما كانت تَحْبِسُك حيضتُك)) ولأبي داود وغيره من طريق / الأوزاعيّ وابن عُيَينة، عن الزّهْريِّ في حديث الباب ٤٢٨/١ نحوه (١)، لكن استَنْكَرَ أبو داود هذه الزيادة في حديث الزُّهْريّ. (١) ذكرهما أبو داود تعليقاً بإثر الحديث (٢٨٥). ١٤٠ باب ٢٧ / ح ٣٢٨ - ٣٣٠ فتح الباري بشرح البخاري وأجابَ بعض مَن زَعَمَ أنَّها كانت غير مُميِّزة بأنَّ قوله: ((فأمَرَها أنْ تغتسلَ لكلِّ صلاة)) أي: من الدَّم الذي أصابها، لأنَّه من إزالة النجاسة وهي شرط في صِحّة الصلاة. وقال الطَّحاويُّ: حديث أُمّ حبيبة منسوخ بحديث فاطمة بنت أبي حُبَيش، أي: لأنَّ فيه الأمر بالوضوء لكلِّ صلاة لا الغُسل، والجمع بين الحديثين بحمل الأمر في حديث أُمّ حبيبة على النَّذْب أَولى، والله أعلم. ٢٧ - باب المرأة تحيض بعد الإفاضة ٣٢٨- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن عبدِ الله بنِ أبي بَكْر بنِ محمَّدٍ بنِ عَمْرِو بنِ حَزْم، عن أبيه، عن عَمْرةَ بنتِ عبدِ الرحمن، عن عائشةَ زوج النبيِّ وَِّ، أَنَّهَا قالت لرسولِ الله ◌َّهُ: يا رسولَ الله، إنَّ صَفِيَةَ بنتَ حُبَيٍّ قد حاضَتْ، قال رسولُ اللهِوَّةِ: ((لَعَلَّها تَحِسُنا؟ ألم تَكُنْ طاقَتْ معَكُنَّ؟)) فقالوا: بلى، قال: ((فاخرُچِي)). ٣٢٩- حدثنا مُعلَی بنُ أسد، قال: حدّثنا وُھیبٌ، عن عبدِ الله بنِ طاووس، عن أبيه، عن ابنِ عبَّاس قال: رُخِّصَ للحائضِ أنْ تَنِفِرَ إذا حاضَتْ. [طرفاه في: ١٧٥٥، ١٧٦٠] ٣٣٠- وكان ابنُ عمَ يقولُ في أوَّلِ أمرِهِ: إنَّها لا تَنِفِرُ، ثمَّ سمعتُه يقولُ: تَنْفِرُ، إنَّ رسولَ الله وَلِّ رَخَّصَ لهنَّ. [طرفه في: ١٧٦١] قوله: ((باب المرأة تحيض بعد الإفاضة)) أي: هل تُمنَع من طواف الوَدَاع أم لا. قوله: ((عن عَمْرة بنت عبد الرحمن)) هي المذكورة في الإسناد الذي قبله، وهذا الإسناد - سوى شيخ البخاري - مدنيُّون، وفيه ثلاثة من التابعين في نَسَق، وهم مَن بین مالك وعائشة. قوله: ((إنَّ صَفيَّةٌ)) أي: زوج النبيّ ◌َّ.