النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ باب ٢٢ / ح ٢٨٢ كتاب الغسل ٢٢ - باب إذا احتَلَمَت المرأةُ ٢٨٢- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن هشام بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، عن زينبَ بنتٍ أبي سَلَمَةَ، عن أُمِّ سَلَمَةَ أُمّ المؤمنينَ أنَّهَا قالت: جاءتْ أُمُّ سُلَيم امرأةُ أبي طَلْحةَ إلى رسولِ الله وَلِ﴾، فقالت: يا رسولَ الله، إنَّ الله لا يَسْتَحْبِي مِن الحقِّ، هل على المرأة من غُسْلٍ إذا هي احتَلَمَتْ؟ فقال رسولُ اللهِ وَِّ: (نَعَم، إذا رَأْتِ الماءَ)). قوله: ((باب إذا احتَلَمَت المرأةُ)) إِنَّمَا قَيَّدَه بالمرأة مع أنَّ حُكْمَ الرجل كذلك، لموافقة صورة السؤال، وللإشارة إلى الرَّدِّ على مَن مَنَعَ منه في حقِّ المرأة دون الرجل كما حكاه ابن المنذر وغيرُه عن إبراهيمَ النَّخَعَيّ، واستَبَعَدَ النَّوويّ في ((شرح المهذَّب)) صِخَّته عنه، لكن رواه ابن أبي شيبة (١/ ٨١) عنه بإسنادٍ جيّد. قوله: ((عن زينب بنت أبي سَلَمَةَ)) تقدَّم هذا الحديث (١٣٠) في ((باب الحياء في العِلْم)) من وجهٍ آخَر، وفيه ((زينب بنت أُمّ سَلَمة)) فنُسِبَت هناك إلى أُمُّها وهنا إلى أبيها. وقد اتَّفَقَ الشيخان على إخراج هذا الحديث من طرقٍ عن هشام بن عُرْوة عن أبيه عنها(١). ورواه مسلم أيضاً (٣١٤) من رواية الزُّهْريّ عن عُزوةً لكن قال: ((عن عائشة))، وفيه أنَّ المراجَعَةَ وَقعت بين أُمُّ سُلَيم وعائشة. ونقل القاضي عِيَاض عن أهل الحديث: أنَّ الصحيح أنَّ القِصَّةَ وَقعت لأُمّ سَلَمةَ لا لعائشة، وهذا يقتضي ترجيح رواية هشام، وهو ظاهرُ صنيع البخاري، لكن نقل ابن عبد البَرِّ عن الذُّهْلي: أنَّه صحَّح الروايتين، وأشار أبو داود إلى تقوية رواية الزُّهْريّ، لأنَّ مُسافِع بن عبد الله تابَعَه عن عُرْوة عن عائشة. وأخرج مسلم أيضاً (٣٣/٣١٤) روايةً مسافع(٢)، وأخرج أيضاً (٣١٠) من حديث أنس قال: جاءت أُمّ سُلَيم إلى رسول الله* فقالت له وعائشة عنده ... فذكر نحوه. (١) البخاري (١٣٠) و(٢٨٢) و(٣٢٢٨) و(٦٠٩١) و(٦١٢١)، ومسلم (٣١٣). (٢) تحرف في (س) في الموضعين إلى: نافع. ٦٢ باب ٢٢ / ح ٢٨٢ فتح الباري بشرح البخاري وروى أحمد (٢٧١١٨) من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طَلْحة، عن جَدّتِهِ أُمّ سُلَيم وكانت ◌ُجَاوِرة لأُمّ سَلَمَةَ: فقالت أُمّ سُلَيم: يا رسول الله ... فذكر الحديث، وفيه: أنَّ أُمّ سَلَمَةَ هي التي راجَعَتْها، وهذا يقوِّي رواية هشام. قال النَّوويّ في ((شرح مسلم)): يحتمل أنْ تكون عائشة وأُمّ سَلَمة جميعاً أنكَرَتا على أُمِّ سُلَيم، وهو جمعٌ حسن، لأَنَّه لا يمتنعُ حضورُ أُمّ سَلَمَةَ وعائشة عند النبيِّ ◌َّ في تَجلِسٍ واحد. وقال في ((شرح المهذَّب)): يُجِمَعُ بين الروايات بأنَّ أنساً وعائشة وأُمّ سَلَمَةَ حَضَروا القِصّة، انتھی. والذي يظهرُ أنَّ أنساً لم يَحِضُرِ القِصَّةَ وإنَّما تلقَّى ذلك من أُمِّه أُمّ سُلَيم. وفي ((صحيح مسلم)) (٣١١) من حديث أنس ما يشير إلى ذلك، وروى أحمد (٥٦٣٦) من حديث ابن عمر نحوَ هذه القِصَّة، وإنَّما تلقَّى ذلك ابنُ عمر من أُمّ سُلَيم أو غيرها. وقد سألت عن هذه المسألة أيضاً خَوْلة بنت حكيم عند أحمد (٢٧٣١٢) والنَّسائي (١٩٨) وابن ماجَهْ (٦٠٢) وفي آخره: ((كما ليس على الرجل غُسْل إذا رأى ذلك فلم يُنزِل))، وسَهْلة بنت سُهَيل عند الطبراني (٢٤ / ٧٤٣)، وبُسْرةَ بنت صَفْوان عند ابن أبي شَيْبة (١/ ٨١). قوله: ((إنَّ الله لا يَسْتَحْبِي من الحقِّ)) قَدَّمَت هذا القول تمهيداً لعُذْرِها في ذِكْرِ ما يُستَحَى ٣٨٩/١ منه، والمراد بالحياء هنا معناه اللُّغَويّ، / إذ الحَيَاءُ الشَّرْعيُّ خير كلّه. وقد تقدَّم في كتاب الإيمان (٢٤) أنَّ الحَيَاءَ لغةً: تغيُر وانكسار، وهو مستحيلٌ في حقِّ الله تعالى، فيُحمَّلُ هنا على أنَّ المرادَ: أَنَّ الله لا يأمُرُ بالحياء في الحقِّ، أو لا يمنعُ من ذِكْر الحقّ. وقد يقال: إنَّما يحتاجُ إلى التأويل في الإثبات(١)، ولا يُشترَطُ في النَّفْي أنْ يكون ممكناً، لكن لمَّا كان المفهومُ يقتضي أنَّه يستحيي من غير الحقِّ عادَ إلى جانب الإثبات، (١) الصواب أنه لا حاجة إلى التأويل مطلقاً، فإن الله يوصف بالحياء الذي يليق به ولا يشابه فيه خلقه كسائر صفاته، وقد ورد وصفُه بذلك في نصوص كثيرة فوجب إثباته له على الوجه الذي يليق به. وهذا قول أهل السُّنة في جميع الصفات الواردة في الكتاب والسنة الصحيحة، وهو طريق النجاة، فتنبَّه واحذر، والله أعلم. (س). ٦٣ باب ٢٢ / ح ٢٨٢ كتاب الغسل فاحتیجَ إلی تأويله، قاله ابن دقيق العيد. قوله: ((هل على المرأة من غُسْل)) ((من)) زائدة، وقد سَقَطَت في رواية المصنِّف في الأدب (٦٠٩١). قوله: ((احتَلَمَت)) الاحتلام افتعال من الحُلْم، بضمِّ المهمَلة وسكون اللام: وهو ما يراه النائم في نومه، يقال منه: حَلَمَ بالفتح واحتَلَم، والمراد به هنا أمر خاصٍّ منه: وهو الجماع. وفي رواية أحمد (٢٧١١٨) من حديث أُمّ سُلَيم أنَّها قالت: يا رسول الله، إذا رأت المرأة أنَّ زوجَها يُجامعُها في المنام أتغتسلُ؟ قوله: ((إذا رأت الماءَ)) أي: المنيَّ بعد الاستيقاظ، وفي رواية الحميديّ (٢٩٨) عن سفيان عن هشام من هذا الحديث: ((إذا رأت إحداكُنَّ الماءَ فلْتغتسل)) وزاد: ((فقالت أُمّ سَلَمة: وهل تحتلمُ المرأةُ؟))، وكذلك روى هذه الزيادة أصحاب هشام عنه غير مالكٍ (١/ ٥١-٥٢) فلم يذكرها، وقد تقدَّمت (١٣٠) من رواية أبي معاوية عن هشام في ((باب الحياء في العِلْم)) وفيه: ((أوَتحتلمُ المرأةُ؟)) وهو معطوفٌ على مُقدَّرٍ يظهرُ من السِّياق، أي: أتَرى المرأةُ الماء وتحتلمٌ؟ وفيه: ((فَغَطَّت أُمّ سَلَمَةَ وجهها))، ويأتي في الأدب (٦٠٩١) من رواية يحيى القَطَّن عن هشام: ((فضَحِكَت أُمّ سَلَمة)، ويُجمَعُ بينهما بأنَّهَا تَبَسَّمَت تَعَجُّباً وغَطَّت وجهَها حياء. ولمسلم (٣١٣) من رواية وكيع عن هشام: ((فقالت لها: يا أُمّ سُلَيم، فَضَحْتِ النساء))، وكذا لأحمد من حديث أُمّ سُلَيم، وهذا يدلُّ على أنَّ كِتْمان مثل ذلك من عادتِنَّ، لأنَّه يدلُّ على شِدّة شَهْوتهِنَّ للرجال. وقال ابن بَطَّل: فيه دليل على أنَّ كلَّ النساء يَحْتَلَمْنَ، وعَكَسَه غيرُه فقال: فيه دليل على أنَّ بعضَ النساء لا يَحْتَلمْن، والظاهرُ أنَّ مرادَ ابن بَطَّل الجواز لا الوقوعُ، أي: فيهنَّ قابليّة ذلك. وفيه دليلٌ على وجوب الغُسل على المرأة بالإنزال، ونَفَى ابن بَطَّل الخلافَ فيه، وقد قدَّمناه عن النَّخَعَيّ. وكأنَّ أُمَّ سُلَيم لم تسمع حديث: ((الماءُ من الماء))(١)، أو سمعتْه وقامَ (١) أخرجه مسلم (٣٤٣) من حديث أبي سعيد الخدري. ٦٤ باب ٢٣ / ح ٢٨٣ فتح الباري بشرح البخاري عندها ما يوهمُ خروج المرأة عن ذلك وهو نُدورُ بُروز الماء منها. وقد روى أحمد (٢٧١١٨) مَّن حديث أُمّ سُلَيم في هذه القِصَّة أنَّ أُمّ سَلَمةَ قالت: يا رسول الله، وهل للمرأة ماء؟ فقال: ((هُنَّ شقائق الرجال))، وروى عبد الرزاق (١٠٩٣) في هذه القِصَّة: ((إذا رأت إحداكُنَّ الماءَ كما يراه الرجلُ))، وروى أحمد (٢٧٣١٢) من حديث خَوْلة بنت حكيم في نحو هذه القِصَّة: ((ليس عليها غُسْل حتَّى تُنزِلَ كما يُنزِلُ الرجلُ))، وفيه رَدِّ على مَن زَعَمَ أنَّ ماء المرأة لا يَبرُزُ، وإنَّما يُعرَفُ إنزالها بشَهْوتها، وُل قوله: ((إذا رأت الماء)) أي: علمت به، لأنَّ وجودَ العِلْم هنا مُتعذِّر، لأنَّه إذا أراد به عِلْمَها بذلك وهي نائمةٌ، فلا يَثْبُتُ به حُكْم، لأنَّ الرجلَ لو رأى أنَّه جامع وعلم أنَّه أَنزَلَ في النوم ثمَّ اسْتَيقَظَ فلم يَرَ بَلَلاً، لم يجبْ عليه الغُسلُ اتّفاقاً، فكذلك المرأة وإنْ أراد به عِلْمَها بذلك بعد أن استَقَظَت فلا يَصِحُّ، لأنَّه لا يَستمِرُّ في اليَقَظة ما كان في النوم إلَّا إنْ كان مُشاهَداً، فحملُ الرُّؤْية على ظاهرِها هو الصواب. وفيه استفتاءُ المرأة بنفسِها، وسياق صوَرِ الأحوال في الوقائع الشَّرْعيَّة لما يُستَفادُ من ذلك. وفيه جواز التبسُّم في التعجُّب، وسيأتي الكلامُ على قوله: ((فِبِمَ يُشْبهُها ولدُها» في بَدْء الخلق(١) إن شاء الله تعالى. ٢٣ - باب عَرَق الجُنُب وأنَّ المسلم لا یَنْجُس ٣٩٠/١ ٢٨٣ - حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا يحيى، قال: حدَّثْنا مُميدٌ، قال: حدَّثنا بَكْرٌ، عن أبي رافع، عن أبي هُرَيرةَ: أنَّ النبيَّ لَ﴿ لَقِيَه في بعضِ طريقِ المدينةِ وهو جُنُبٌ، فانخَنَستُ منه، فذهبَ فاغتَسَلَ ثمَّ جاءَ، فقال: ((أينَ كنتَ يا أبا هُرَيرةَ؟)) قال: كنتُ جُنُباً، فَكَرِهْتُ أنْ أُجالسَكَ وأنا على غيرِ طهارةٍ، فقال: ((سُبْحانَ الله! إنَّ المسلمَ لا يَنْجُسُ)). [طرفه في: ٢٨٥] (١) بل هو في كتاب أحاديث الأنبياء (٣٣٢٨) بإثر كتاب بدء الخلق. ٦٥ باب ٢٣ / ح ٢٨٣ كتاب الغسل قوله: ((باب عَرَق الجُنُب وأنَّ المسلمَ لا يَنجُسُ)) كأن المصنّف يشير بذلك إلى الخلاف في عَرَقِ الكافر، وقال قوم: إنَّه نَجِسِ بناءً على القول بنجاسة عينه كما سيأتي، فتقدير الكلام: بيان حُكْم عَرَق الْجُنُب وبيان أنَّ المسلمَ لا يَنجُسُ، وإذا كان لا يَنجُسُ فعرقه ليس بنَجِس، ومفهومه أنَّ الكافر يَنجُسُ فيكون عرقُهُ نَجِساً. قوله: ((حدَّثنا يحيى)) هو ابن سعيد القَطَّان، وحُميد: هو الطَّويلُ، وبَكْر: هو ابن عبد الله المُزَنيُّ، وأبو رافع: هو الصائغ، وهو مدنيٌّ سَكَنَ البصرة، ومَن دونَه في الإسناد بصریُّون أيضاً، وحُميد وبكر وأبو رافع ثلاثة من التابعين في نَسَق. قوله: «في بعضٍ طریق)) کذا للأكثر، وفي رواية كريمة والأَصِیليّ: ((طرق))، ولأبي داود (٢٣١) والنَّسائي (٢٦٩): «لقيَه في طريقٍ من طرق المدينة)) وهي توافقُ رواية الأَصِيلِيّ. قوله: ((وهو جُنُبٌ)) يعني نفسه، وفي رواية أبي داود: ((وأنا جُنُب)). قوله: ((فانخَنَستُ) كذا للكُشْمِیھَنيّ والحَمُّوِيّ وكَرِیمة بنونٍ ثمَّ خاء مُعجَمة ثمَّ نون ثمَّ سين مُهمَلة، وقال القَزّاز: وقع في رواية: ((فانبَخَسْتُ)) يعني بنونٍ ثمَّ موخَّدة ثمَّ خاء مُعجَمة ثمَّ سين مُهمَلة، قال: ولا وجهَ له والصواب أنْ يقال: ((فانخَنَسْت)) يعني كما تقدَّم، قال: والمعنى: مضيت عنه مُسْتخفياً، ولذلك وُصِفَ الشيطان بالخَنَّاس، ويقوِّيه الرواية الأُخرى (٢٨٥): (فانسَلَلْت))، انتهى. وقال ابن بَطَّل: وَقعت هذه اللفظةُ: «فانبَخَسْت)) يعني كما تقدَّم، قال: ولابن السَّكَن بالجيم، قال: ويحتمل أنْ يكون من قوله تعالى: ﴿فَنْبَجَسَتْ مِنْهُ أَثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [الأعراف: ١٦٠] أي: جَرَت واندَفَعَت، وهذه أيضاً رواية الأَصِيليّ وأبي الوَقْت وابن عساكر. ووقع في رواية المُستَمْلي: ((فانتَجَسْت)) بنونٍ ثمَّ مُثنَّاة فوقانيَّة ثمَّ جيم، أي: اعتَقَدْت نفسي نَجِساً. ووُجِّهَت الرواية التي أنكَرَها القَزّاز بأنَّها مأخوذة من البَخْس: وهو النَّقْصُ، أي: ٦٦ باب ٢٣ / ح ٢٨٣ فتح الباري بشرح البخاري اعتَقَدَ نُقْصان نفسِه بجنابتِه عن مُجالَسة رسول الله وَّةِ، وثبت في رواية التِّرمِذيّ (١٢١) مثلُ رواية ابن السَّكَن وقال: معنى ((انبَخَسْت منه)): تَنَخَّيت عنه، ولم يَئْبُت لي من طريق الرواية غير ما تقدَّم، وأشبَهُها بالصواب الأولى ثمَّ هذه. وقد نقل الشُّراحُ فيها ألفاظاً مختلفةً ممَّا صَحَّفَه بعض الرُّواة لا معنى للتَّشاغُل بذِكْره: كانتَجَشْت بشين مُعجَمةٍ من النَّجْش، وبنونٍ وحاء مُهمَلة ثمَّ موخَّدة ثمَّ سين مُهمَلة من الانحباس. قوله: ((إنَّ المؤمِن لا يَنجُسُ)) تَسَّكَ بمفهومِه بعض أهل الظاهر فقال: إنَّ الكافرَ نَجِس العين، وقَوّاه بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌِّ﴾ [التوبة: ٢٨]. وأجابَ الجمهورُ عن الحديث: بأنَّ المرادَ أنَّ المؤمنَ طاهرُ الأعضاء لاعتياده مُجانَبة النجاسة بخلاف المشرك، لعَدَم تَحَفُّظِه عن النجاسة، وعن الآية: بأنَّ المرادَ أنَهم نَجَسٌ في الاعتقاد والاستقذار، وحُجَّتهم: أنَّ الله تعالى أباحَ نكاح نساء أهل الكتاب، ومعلوم أنَّ عَرَقَهُنَّ لا يَسلَمُ منه مَن يُضاجعُهُنّ، ومع ذلك فلم يجبْ عليه من غُسْل الكتابيّة إلَّ مثل ما يجبُ عليه من غُسْل المسلمة، فدَلَّ على أنَّ الآدميّ الخَيّ ليس بنَجِس العين، إذْ لا فرقَ بين النساء والرجال. ٣٩١/١ وأغرَبَ القُرْطبيّ في/ الجنائز من ((شرح مسلم)) فنَسَبَ القول بنجاسة الكافر إلى الشافعيِّ، وسيأتي الكلامُ على مسألة الميِّت في كتاب الجنائز (١) إن شاء الله تعالى. وفي هذا الحديث استحباب الطهارة عند مُلابسة الأُمور المعظّمة. واستحباب احترام أهل الفضل وتوقيرهم ومُصاحَبَتِهم على أكمَل الهيئات. وكان سببُ ذهاب أبي هريرة أنَّه ◌َ ل﴿ كان إذا لَقِيَ أحداً من أصحابه ماسَحَه ودَعا له، هكذا رواه النَّسائي (٢٦٧) وابن حِبَّان (١٢٥٨) من حديث حُذَيفة، فلمَّا ظنَّ أبو هريرة أنَّ الجُنُبَ يَنجُسُ بالحَدَثِ، خشيَ أنْ يُماسحَه وَلَّه كعادته، فبادَرَ إلى الاغتسال، وإنَّما أنكَرَ عليه النبيُّ ◌َل قوله: ((وأنا على غير طهارة)). (١) في الباب الثامن منه: باب غسل الميت ووضوئه بالماء والسِّدر. ٦٧ باب ٢٤ / ح ٢٨٤ كتاب الغسل وقوله: ((سبحان الله)) تَعَجَّبَ من اعتقاد أبي هريرة التنجُّس بالجنابة، أي: كيف يخفى عليه هذا الظاهرُ؟ وفيه استحباب استئذان التابع للمتبوع إذا أراد أنْ يفارقَه، لقوله: ((أين كنت؟)) فأشار إلى أنَّه كان ينبغي له أنْ لا يفارقَه حتَّى يُعْلمَه. وفيه استحباب تنبيه المتبوع لتابعِه على الصواب وإنْ لم يسأله. وفيه جواز تأخير الاغتسال عن أوَّل وقتٍ وجوبه، وبَوَّبَ عليه ابن حِبَّان (١٢٥٩): الَّدّ على مَن زَعَمَ أنَّ الْجُنُبَ إذا وقع في البئر فنوى الاغتسال أنَّ ماءَ البئر ینجُس. واستدلَّ به البخاري على طهارة عَرَق الْجُنُّب، لأنَّ بدنَه لا يَنجُسُ بالجنابة، فكذلك ما تَحَلَّبَ منه. وعلى جواز تصرُّف الجُنُب في حوائجه قبل أنْ يغتسلَ فقال: ٢٤ - باب الجُنُب يخرج ويمشي في السُّوق وغيره وقال عطاءٌ: يَحتجِمُ الجُنُبُ، ويُقلِّمُ أظفارَه، ويَحِلِقُ رَأْسَه وإنْ لم يتوضَّأ. ٢٨٤- حدَّثنا عبدُ الأعلى بنُ حَمَّاد، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتَادَةَ، أنَّ أَنْسَ بنَ مالكٍ حَدَّثَّهُم: أنَّ النبيَّ وَِّ كان يَطُوفُ على نسائِهِ في اللَّيلةِ الواحدةِ، ولَه يومَئذٍ تِسعُ نِسْوةٍ. قوله: ((وغيرِه)) بالجرّ، أي: وغير السُّوق، ويحتمل الرفعُ عطفاً على ((يَخْرُجُ)) من جهة المعنى. قوله: ((وقال عطاءٌ)) هذا التعليق وَصَلَه عبد الرزاق (١٠٩١) عن ابن جُرَيج عنه، وزاد: ((ويَطْلِي بالنُّورة))، ولعلَّ هذه الأفعالَ هي المرادةُ بقوله: ((وغيرُه)) بالرفع في الترجمة. قوله: ((حدَّثنا سعيد)) هو ابن أبي عَرُوبة، كذا لهم إلَّ الأَصِيليّ فقال: شُعْبة. قوله: ((أنَّ النبيَّ)) وفي رواية الأَصِيلِيّ وكَرِيمة: ((أَنَّ نبيَّ الله ◌َّ) وقد تقدَّم الكلام على هذا الحديث (٢٦٨) في ((باب إذا جامع ثمَّ عاد)) وإيراده له في هذا الباب يقوِّي رواية ٦٨ باب ٢٤ -٢٥ / ح ٢٨٥ -٢٨٦ فتح الباري بشرح البخاري ((وغيرِه) بالجّ، لأنَّ حُجَرَ أزواج النبيِّ وَّ كانت متقاربة فهو محتاجُ في الدُّخول من هذه إلى هذه إلى المشي، وعلى هذا فمناسبة إيراد أثرٍ عطاء من جهة الاشتراك في جواز تَشاغُل الْجُنُب بغير الغُسْل، وقد خالفَ عطاءً غيره كما رواه ابن أبي شَيْبةَ عن الحسن البصريِّ وغيره فقالوا: يُستَحبُّ له الوضوء، وحديث أنس يقوِّي اختيارَ عطاء، لأنَّه لم يذكر فيه: أنَّه توضّأ، فكأنَّ المصنِّف أورَدَه ليستدلَّ له لا ليستدلَّ به. ٢٨٥- حدَّثنا عَّاشٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الأعلى، قال حدَّثنا مُميدٌ، عن بَكْر، عن أبي رافع، عن أبي هُرَيرةَ قال: لَقِيَتِي رسولُ اللهِ وَّهِ وأنا جُنُبٌ، فَأَخَذَ بيَدي فمَشَيتُ معه حتَّى قَعَدَ، فانسَلَلتُ، فَأَتَيْتُ الرَّحْلَ فاغتَسَلتُ، ثمَّ جِئْتُ وهو قاعدٌ، فقال: ((أينَ كنتَ يا أبا هريرةَ؟» فقلتُ له، فقال: ((سُبْحانَ الله! يا أبا هريرةَ، إنَّ المؤمِنَ لا يَنْجُسُ)). ٣٩٢/١ / قوله: ((حدَّثنا عيَّاش)) بياءٍ تحتانيَّةٍ وشينٍ مُعجَمة: هو ابن الوليد الرَّقّام، وعبد الأعلى: هو ابن عبد الأعلى، والإسناد أيضاً إلى أبي رافع بصريُّون، وقد سبق الكلام على هذا الحديث (٢٨٣) في الباب الذي قبله. قوله: ((فانسَلَلتُ)) أي: ذهبتُ في خُفْية. والرَّحْل بحاءٍ مُهمَلٍ ساكنة، أي: المكان الذي يأوي فيه. وقوله: ((يا أبا هريرة)) وقع في رواية المُستَمْلِي والكُشْمِيهَنيّ: ((يا أبا هِرّ)) بالترخيم. ٢٥- باب كينونة الجُنُب في البيت إذا توضّأ ٢٨٦ - حذَّثنا أبو نُعَيم، قال: حدَّثنا هشامٌ وشَيْبانُ، عن يحيى، عن أبي سَلَمةَ، قال: سألتُ عائشةَ: أكان النبيُّ نَّهِ يَرِ قُدُ وهو جُنُبٌّ؟ قالت: نَعَم ويتوضَّأ. [طرفه في: ٢٨٨] قوله: «باب گینُونة الجُنُب في البيت» أي: استقراره فيه، وگینونة: مصدر کان يكونُ كَوْناً وكَينونةً، ولم يجئ على هذا إلَّا أحرُف معدودة مثلُ: ديمومةٍ من دامَ. ٦٩ باب ٢٥ / ح ٢٨٦ كتاب الغسل قوله: ((إذا توضَّأ)) زاد أبو الوَقْت وكَرِيمة: ((قبل أنْ يغتسل)) وسَقَطَ الجميعُ من رواية المُستَمْلِي والحَقُّوِيّ. قيل: أشار المصنّف بهذه الترجمة إلى تضعيف ما وَرَدَ عن عليٍّ مرفوعاً: ((إنَّ الملائكةَ لا تَدخُلُ بيتاً فيه كلبٌ ولا صورةٌ ولا جُنُبٌ)) رواه أبو داود (٢٢٧) وغیرُه، وفيه نُجی ۔ بضمِ النون وفتح الجیم ـ الحضرميّ ما روى عنه غیر ابنه عبد الله فهو مجهول، لكن وثَّقْه العِجْلِيُّ، وصحَّح حديثَه ابن حِبَّان (١٢٠٥) والحاكمُ (١/ ١٧١)، فيحتمل كما قال الخطّابي أنَّ المرادَ بالجُنُب: مَن يتهاونُ بالاغتسال ويتَّخذُ تركه عادةً، لا مَن يُؤخِّرُه ليفعله، قال: ويقوِّيه أنَّ المرادَ بالكلب: غيرُ ما أُذِنَ في اتّخاذه، وبالصورة: ما فيه روح وما لا يُمتهن. قال النووي: وفي الكلب نظرٌ، انتھی. ويحتمل أنْ يكون المراد بالجُنُب في حديث عليّ: مَن لم يرتفعْ حَدَثُه كلَّه ولا بعضه، وعلى هذا، فلا يكونُ بينَه وبين حديث الباب منافاة، لأنَّه إذا توضَّأ ارتفع بعض حَدَثِه على الصحیح کما سيأتي تصويره. قوله: ((حدَّثنا هشام)) هو الدَّستُوائيّ، وشَيْبان: هو ابن عبد الرحمن، ويحيى: هو ابن أبي كثير، وصَرَّحَ بتحديث أبي سَلَمَةَ له في رواية ابن أبي شَيْبة (٦١/١). ورواه الأوزاعيّ عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سَلَمة، عن ابن عمر، أخرجه النَّسائي (ك ٩٠١٨). قوله: ((قال: نَعَم ويتوضَّأُ) هو معطوفٌ على ما سَدَّ لفظ ((نعم)) مَسَدَّه، أي: يَرِقُّدُ ويتوضَّأُ، والواو لا تقتضي الترتيب، فالمعنى: يتوضَّأُ ثمَّ يَرقُّدُ، ولمسلم (٢١/٣٠٥) من طريق الزُّهْريّ عن أبي سَلَمَةَ بلفظ: ((كان إذا أراد أنْ ينامَ وهو جُنُبٌ توضّأ وضوءَه للصلاة))، وهذا السِّياق أوضَح في المراد. وللمصنَّ مثلُه في الباب الذي بعد هذا (٢٨٨) من رواية عُرْوة عن عائشة بزيادة: ((غَسَلَ فرجَه))، وزاد أبو نُعيم في ((المستخرَج)) من طريق أبي نُعيم شيخ البخاري في آخر حديث الباب: ((ويتوضَّأُ وضوءَه للصلاة))، وللإسماعيليِّ من وجهٍ آخَر عن هشام نحوُه، وفيه رَدٌّ على مَن حمل الوضوء هنا على التنظيف. ٧٠ باب ٢٦ -٢٧ / ح ٢٨٧ - ٢٨٨ فتح الباري بشرح البخاري ٢٦ - [باب نوم الجُنُب] ٢٨٧- حدَّثْنَا قُتَيبةُ، قال: حدَّثنا اللَّيْثُ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ: أنَّ عمرَ بنَ الخَطَّاب سألَ رسولَ اللهِ وَّهِ: أَيُرِقُدُ أحدُنا وهو جُنُبٌّ؟ قال: ((نَعَم، إذا توضَّأ أحدُكُمْ فَلْيَرَقُدْ وهو جُنُبٌ)). [طرفاه في: ٢٨٩، ٢٩٠] ٣٩٣/١ قوله: ((أنَّ عمر بن الخَطَّاب سألَ)) ظاهره أنَّ ابن عمر حَضَرَ هذا السؤال، فيكونُ الحديث من مسنده وهو المشهورُ من رواية نافع، ورُوِيَ عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمرَ أنَّه قال: يا رسول الله، أخرجه النَّسائي(١)، وعلى هذا فهو من مسند عمر، وكذا رواه مسلم (٢٣/٣٠٦) من طريق يحيى القَطَّان، عن عُبيدِ الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، لكن ليس في هذا الاختلاف ما يَقدَحُ في صِحّة الحدیث. ومطابقةُ الحديث للترجمة من جهة أنَّ جوازَ رُقاد الجُنُب في البيت يقتضي جوازَ استقراره فيه يقظانَ لعَدَم الفَرْق، أو لأنَّ نومَه يستلزم الجواز لحصول اليَقَظة بين وُضوئِه ونومه، ولا فرق في ذلك بین القليل والكثير. ووقع في رواية كَرِيمة قبل حديث ابن عمر: ((باب نوم الجُنُب))، وهذه الترجمة زائدة للاستغناء عنها بـ((باب الجُنُب يتوضَّأُ ثمَّ ينامُ))، ويحتمل أنْ يكون تَرجَمَ على الإطلاق وعلى التقييد فلا تكونُ زائدة. ٢٧ - باب الجُنُب يتوضَّأ ثم ينام ٢٨٨ - حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، قال: حدَّثنا اللَّيْثُ، عن عُبيد الله بنِ أبي جعفر، عن محمَّدِ بنِ عبدِ الرحمن، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ قالت: كان النبيُّ ◌َّهِ إذا أرادَ أنْ ينامَ وهو جُنُبُّ، غَسَلَ فرجَه وتوضَّأ للصلاةِ. (١) في ((الكبرى)) (٩٠١٤)، لكن لفظ رواية أيوب عنده: أنه سأل رسول الله وَلير، وأما اللفظ المذكور فهو في رواية عبيد الله بن عمر عن نافع عنده برقم (٩٠١٠). ٧١ باب ٢٧ / ح ٢٨٩ - ٢٩٠ كتاب الغسل قوله: ((عن محمَّد بن عبد الرحمن)) هو أبو الأسودِ الذي يقال له: يَتِيمِ عُرْوة. ونصفُ هذا الإسناد المبتدَأ به بصريُّون، ونصفُه الأعلى مدنُّون. قوله: ((وتوضَّأ للصلاة)) أي: توضَّأ وضوءاً كما للصلاة، وليس المعنى: أنَّه توضَّأ لأداء الصلاة، وإنَّما المرادُ توضَّأ وضوءاً شَرْعيّاً لا لُغَويّاً. ٢٨٩- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا جُوَيرِيةُ، عن نافع، عن عبدِ الله قال: اسْتَفْتَى عمرُ النبيَّ ◌َّهِ: أينامُ أحدُنا وهو جُنُبٌّ؟ قال: ((نَعَم إذا توضَّأَ». قوله: ((حدَّثنا جُوَيرية)) بالجيم والراء مُصغَّراً: وهو اسمُ رجل، واسمُ أبيه أسماء بن عُبيد، وقد سمع جُوَيرية هذا من نافع مولى ابن عمر ومن مالكٍ عن نافع. قوله: «عن عبد الله)) في رواية ابن عساكر: عن ابن عمر. قوله: ((فقال: نَعَم إذا توضَّأ)) ولمسلم (٢٤/٣٠٦) من طريق ابن جُرَيجٍ عن نافع: ((ليتوضَّأُ ثمَّ لْيَنَم)). ٢٩٠- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن عبدِ الله بنِ دِينار، عن عبدِ الله ابنِ عمرَ، أنَّه قال: ذكر عمرُ بنُ الخَطَّابِ لرسولِ اللهِّهِ بأَنَّهِ تُصِيبُهُ الجَنَابةُ مِن اللَّيل، فقال له رسولُ اله ◌َّةَ: ((توضّأُ واغسِلْ ذَكَرَكَ ثمَّ نَمْ)). قوله: ((عن عبد الله بن دينار)) هكذا رواه مالك في ((الموطَّأ)) (٧٦/١) باتِّفاقٍ من رواة ((الموطً))، ورواه خارج ((الموطأ)) عن نافع بدل: عبد الله بن دينار. وذكر أبو عليّ الجيَّانيّ أنَّه وقع في رواية ابن السَّگن ((عن نافع) بدل: عبد الله بن دینار، وكان كذلك عند الأَصِيلِيّ إلَّا أنَّه ضرب على نافع وكتب فوقَه: ((عبد الله بن دينار))، قال أبو علي: والحديثُ محفوظ لمالكِ عنهما جمیعاً. انتهى كلامُه. قال ابن عبد البَرّ: الحديثُ لمالكِ عنهما جميعاً، لكنَّ المحفوظَ عن عبد الله بن دينار وحدیث نافع غریب، انتھی. ٧٢ باب ٢٧ / ح ٢٩٠ فتح الباري بشرح البخاري ٣٩٤/١ وقد رواه عنه كذلك عن نافع خمسة أو ستّة، فلا غرابةَ وإنْ ساقه الدَّارَ قُطنيّ في/ ((غرائب مالك))، فمراده ما رواه خارج ((الموطَّ))، فهي غَرابة خاصّةٌ بالنِّسبة للموَطَّأ، نعم رواية ((الموطَّأ)) أشهر. قوله: ((ذكر عمرُ بن الخَطَّاب)» مُقتَضاه أيضاً أنَّه من مسند ابن عمر كما هو عند أكثر الرّواة، ورواه أبو نوح(١) عن مالك فزاد فيه ((عن عمر))، وقد بيَّن النَّسائي (ك ٩٠١٣) سبب ذلك في روايته من طريق ابن عَوْنٍ عن نافع قال: أصاب ابنَ عمر جنابة، فأتى عمر فذكر ذلك له، فأتى عمر النبيَّ ◌َّهِ فاستأمَرَه فقال: ((ليتوضَّأُ ويَرقُد)) وعلى هذا فالضمير في قوله في حديث الباب ((أنَّه تُصيبُه)) يعودُ على ابن عمر لا على عمر، وقوله في الجواب: ((توضّأ)) يحتمل أنْ يكون ابن عمر كان حاضراً فوَجَّهَ الخِطابَ إليه. قوله: ((بأنَّه)) كذا للمُستَمْلي والحَقُّوِيّ، وللباقين: أنَّه. قوله: ((فقال له)) سَقَطَ لفظ ((له)) من رواية الأَصِيليّ. قوله: ((توضَّأْ واغسِلْ ذكرَك)) في رواية أبي نوح: ((اغسِلْ ذكرك ثمَّ توضّأْ ثمَّ نَم)) وهو يردُّ على مَن حمله على ظاهرِه فقال: يجوز تقديم الوضوء على غسل الذَّكَر، لأنَّه ليس بوضوءٍ يرفعُ الحَدَث وإنَّما هو للتعبُّد، إذ الجنابةُ أشدّ من مَسِّ الذَّكَر، فتبيَّن من رواية أبي نوح: أنَّ غسلَه مُقدَّم على الوضوء، ويمكن أنْ يُؤخَّرَ عنه بشرط أنْ لا يَمَسَّه على القول بأنَّ مَسَّه يَنقُض. وقال ابن دَقِيق العيد: جاء الحديثُ بصيغة الأمر وجاء بصيغة الشَّرْط، وهو مُتمسّكٌ لمن قال بوجوبه. وقال ابن عبد البَرّ: ذهب الجمهورُ إلى أنَّه للاستحباب، وذهب أهل الظاهر إلى إيجابه، وهو شُذوذ. وقال ابن العربيّ: قال مالك والشافعي: لا يجوز للجُنُبِ أنْ ينامَ قبل أنْ يتوضَّأ، واستَنكَرَ بعضُ المتأخِّرين هذا النَّقل وقال: لم يقل الشافعيّ بوجوبه ولا يعرفُ ذلك (١) رواية أبي نوح - وهو عبد الرحمن بن غزوان - أخرجها النسائي في ((الكبرى)) (٩٠٠٦). ٧٣ باب ٢٧ / ح ٢٩٠ كتاب الغسل أصحابُه. وهو كما قال، لكنَّ كلامَ ابن العربيِّ محمولٌ على أنَّه أراد نفيَ الإباحة المستوية الطَّرَفَيْنِ لا إثباتَ الوجوب، أو أراد بأنَّه واجب وجوبَ سُنَّة، أي: مُتَأكَّدُ الاستحباب، ويدلُّ عليه أنَّه قابَلَه بقول ابن حَبيب: هو واجبٌ وجوبَ الفرائض، وهذا موجود في عبارة المالكيَّة كثيراً، وأشار ابن العربيِّ إلى تقوية قول ابن حَبيب. وبَوَّبَ عليه أبو عَوَانة في ((صحيحه)) (٧٨٤ - ٧٨٧): إيجاب الوضوء على الجُنُب إذا أراد النوم، ثمَّ استدلَّ بعد ذلك هو (٧٩٩) وابن خُزَيمة (٣٥) على عَدَم الوجوب بحديث ابن عبّاس مرفوعاً: ((إِنَّمَا أُمِرْتُ بالوضوء إذا قُمْتُ إلى الصلاة))، وقد تقدَّم ذِكرُه في ((باب إذا جامع ثمَّ عاد))(١). وقد قَدَحَ في هذا الاستدلال ابن رُشْد المالكيّ، وهو واضح. ونقل الطَّحاويّ عن أبي يوسف أنَّه ذهب إلى عَدَم الاستحباب، وتَسَّكَ بما رواه أبو إسحاق عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها: أنَّه ◌َ له كان يَجِنُبُ ثمَّ ينامُ ولا يَمَسُّ ماءً. رواه أبو داود (٢٢٨) وغیرُه. وتُعُقِّبَ بأنَّ الْحُفَّاظَ قالوا: إنَّ أبا إسحاق غَلِطَ فيه، وبأنَّه لو صَحَّ ◌ُلَ على أنَّه ترك الوضوءَ لبيان الجواز، لئلا يُعتَقدَ وجوبه، أو أنَّ معنى قوله: ((لا يَمَسُّ ماءً)) أي: للغُسْل. وأورَدَ الطَّحاويّ (١٢٤/١) من الطريق المذكورة عن أبي إسحاق ما يدلُّ على ذلك، ثمّ جَنَحَ الطَّحاويّ إلى أنَّ المرادَ بالوضوء: التنظيف، واحتَجَّ بأنَّ ابن عمر راوي الحديث - وهو صاحبُ القِصَّة - كان يتوضَّأُ وهو جُنُبٌ ولا يَغِلُ رِجْليه، كما رواه مالك في ((الموطَّا)) (٤٨/١) عن نافع. وأُجيب بأنَّه ثبت تقييد الوضوء بالصلاة من روايته (٢٨٩) ومن رواية عائشة (٢٨٨) كما تقدَّم، فيُعتمَدُ، ويُحمَلُ ترك ابن عمر لغسل رِجْليه على أنَّ ذلك كان لعُذْر. وقال جمهور العلماء: المرادُ بالوضوء هنا الشَّرْعَيّ، والحِكْمة فيه: أنَّه يُحُفِّفُ الْحَدَثَ (١) هذا ذهولٌ من الحافظ رحمه الله، إذ لم یذکره في الباب المشار إلیه، وإنما ذكره في أول شرحه علی کتاب الوضوء. ٧٤ باب ٢٨ / ح ٢٩١ فتح الباري بشرح البخاري ولا سيَّما على القول بجواز تفريق الغُسل فيَنوِيه فيرتفعُ الحَدَث عن تلك الأعضاء المخصوصة على الصحيح. ويؤيِّدُه ما رواه ابن أبي شَيْبة (١/ ٦٠) بسندٍ رجاله ثقات عن شدَّاد بن أَوْس الصحابي قال: إذا أجنَب أحدُكم من الليل ثمَّ أراد أنْ ينامَ فليتوضَّأُ، فإنَّه نصفُ غُسْل الجنابة. ٣٩٥/١ وقيل:/ الحِكْمةُ فيه أنَّه إحدى الطهارتين، فعلى هذا يقومُ التيمُّم مقامه، وقد روى البيهقي (١/ ٢٠٠) بإسنادٍ حسنٍ عن عائشة: أنَّه ◌ِوَّ﴿ كان إذا أجنَبَ فأراد أنْ ينامَ توضَّأ أو تَيمَّم ويحتمل أنْ يكون التيقُّم هنا عند عُسْر وجود الماء. وقيل: الحِكْمة فيه أنَّه يَنشَطُ إلى العَوْدِ أو إلى الغُسل. وقال ابن دَقِيق العيد: نَصَّ الشافعيُّ رحمه الله على أنَّ ذلك ليس على الحائض، لأنَّها لو اغتسلت لم يرتفعْ حَدَثُها بخلاف الْجُنُب، لكن إذا انقَطَعَ دَمُها استُحِبَّ لها ذلك. وفي الحديث: أنَّ غُسْلَ الجنابة ليس على الفَوْر، وإنَّما يتضيَّقُ عند القيام إلى الصلاة. واستحبابُ التنظيف عند النوم، قال ابن الجَوْزيّ: والحِكْمةُ فيه: أنَّ الملائكةَ تَبْعُدُ عن الوَسَخ والرِّيح الكريهة بخلاف الشَّياطين، فإنَّهَا تَقْرُبُ من ذلك، والله أعلم. ٢٨ - باب إذا التَّقَى الخِتانان ٢٩١- حدَّثنا معاذُ بنُ فَضَالةَ، قال: حدَّثنا هشامٌ (ح) وحدَّثنا أبو نُعَيم، عن هشام، عن قَتَادَةَ، عن الحسن، عن أبي رافعٍ، عن أبي هُرَيرةَ، عن النبيِّ ◌َّ قال: ((إذا جَلَسَ بينَ شُعَبها الأربعِ، ثمَّ جَهَدَها فقد وَجَبَ الغُسْلُ)). تابَعَه عَمُرُو بنُ مرزوقٍ عن شُعْبةَ، مِثْلَه. وقال موسى: حدَّثنا أبانُ، قال: حدَّثْنَا قَتَادةُ، أخبرنا الحسنُ، مِثلَه. قوله: ((باب إذا الْتَّقَى الخِتانان)) المراد بهذه التثنية خِتَان الرجل والمرأة، والخَتْن: قَطْع جِلْدة كَمَرَتِه وخِفاض المرأة، والخَفْض: قَطْع ◌ُلَيدة في أعلى فَرْجِها تُشْبه عُرْفَ الدِّيك ٧٥ باب ٢٨ / ح ٢٩١ كتاب الغسل بينها وبين مَدْخَل الذَّكَرِ جِلْدة رقيقة، وإنَّما ثُنِّيًا بلفظٍ واحدٍ تغليباً، وله نظائرُ، وقاعدته رَدّ الأثقل إلى الأخفّ، والأدنى إلى الأعلى. قوله: ((هشام) هو الدَّستُوائيّ في الموضعين، وإِنَّمَا فَرَّقَهما لأنَّ معاذاً قال: حدّثنا، وأبا نُعيم قال: عن. وطريق معاذ إلى الصحابي كلّهم بصريُّون. قوله: ((إذا جَلَسَ)) الضميرُ المستتِرِ فيه وفي قوله: ((جَهِد)) للرجل، والضميران البارزان في قوله: ((شُعَبها)) و((جَهَدَها)) للمرأة، وترك إظهار ذلك للمعرفة به، وقد وقع مُصَّحاً به في رواية لابن المنذر (٨١/٢) من وجهٍ آخرَ عن أبي هريرة قال: «إذا غَشِيَ الرجل امرأته فَقَعَدَ بين شُعَبها)) الحديث، والشُّعَبُ: جمع شُعْبة: وهي القِطْعةُ من الشيء، قيل: المراد هنا يداها ورِجْلاها، وقيل: رِجْلاها وفَخِذاها، وقيل: ساقاها وفَخِذاها، وقيل: فَخِذاها وإِسكَتَاها، وقيل: فَخِذاها وشُفْراها، وقيل: نواحي فَرْجِها الأربع، قال الأزهري: الإِسكَتَان: ناحيّتًا الفَرْج، والشُّفْران: طرف الناحيتين. ورَجَّحَ القاضي عِيَاض الأخير، واختار ابن دقيق العيد الأوَّل، قال: لأنَّه أقرب إلى الحقيقة، أو هو حقيقةٌ في الجلوس وهو كنايةٌ عن الجماع، فاكتَفَى به عن التصريح. قوله: (ثُمَّ جَهَدَها)) بفتح الجيم والهاء يقال: جَهَدَ وأجهَد، أي: بَلَغَ المشَقّة. قيل: معناه: كَذَّها بحركته، أو بَلَغَ جَهْدَه في العمل بها، ولمسلم (٣٤٨) من طريق شُعْبةَ عن قتادة: ((ثمَّ اجتَهَد)»، ورواه أبو داود (٢١٦) من طريق شُعْبةٍ وهشام معاً عن قتادة بلفظ: ((وألْزَقَ الخِتان بالخِتان)» بدلَ قوله: ((ثمَّ جَهَدَها)» وهذا يدلُّ على أنَّ الْجَهْدَ هنا كنايةٌ عن مُعالجة الإيلاج. ورواه البيهقي (١/ ١٦٣) من طريق ابن أبي عَرُوبة عن قتادة مختصراً ولفظه: ((إذا الْتَّقَى الخِتانان فقد وجَبَ الغُسلُ)) وهذا مطابق للفظ الترجمة، فكأنَّ المصنّف أشار إلى هذه الرواية كعادته في التبويب بلفظ إحدى روايات حديث الباب، ورُويَ أيضاً بهذا اللفظ من حديث عائشة أخرجه الشافعيّ (٥٢/١) من طريق سعيد بن المسيِّب عنها، وفي إسناده عليُّ بن زيد وهو ضعيف، وابن ماجَهْ (٦٠٨) من طريق القاسم بن محمد عنها، ورجاله ٧٦ باب ٢٨ / ح ٢٩١ فتح الباري بشرح البخاري ثقات. ورواه مسلم (٣٤٩) من طريق أبي موسى الأشعَريِّ عنها بلفظ: ((ومَسَّ الِخِتَانُ الخِتان))، والمراد بالمسِّ والالتقاء: المحاذاة، ويدلُّ عليه رواية التِّرمِذيِّ (١٠٩) بلفظ: ((إذا ٣٩٦/١ جاوَز))، وليس المراد بالمسِّ حقيقته، لأنَّه لا يُتَصَوَّرُ عند غَيبة الحَشَفة، ولو حصل المسُّ/ قبل الإيلاج لم يجب الغُسل بالإجماع. قال النَّووي: معنى الحديث أنَّ إيجابَ الغُسل لا يتوقَّفُ على الإنزال. وتُعُقِّبَ بأنَّه يحتمل أنْ يُرادَ بالجَهْد: الإنزالُ، لأنَّه هو الغاية في الأمر، فلا يكونُ فيه دليل. والجوابُ أنَّ التصريحَ بعَدَم التوقّف على الإنزال قد وَرَدَ في بعض طرق الحديث المذكور، فانتَفَى الاحتمال، ففي رواية مسلم (٣٤٨) من طريق مَطَر الوَرَّاق عن الحسن في آخر هذا الحديث: ((وإنْ لم يُنزِل))، ووقع ذلك في رواية قَتَادة أيضاً، رواه ابن أبي خيثمةَ في ((تاريخه» عن عَفَّان قال: حدَّثنا همَّام وأبان قالا: حدَّثْنا قتادة به وزاد في آخره: ((أَنزَلَ أو لم يُنزِل))، وكذا رواه الدَّارَقُطني (٣٩٧) وصحَّحه(١) من طريق عليّ بن سَهْل عن عَفَّان، وكذا ذكرها أبو داود الطَّيالسيّ (٣٤٤٩) عن حمَّد بن سَلَمة عن قتادة. قوله: ((تابعَه عَمْرو» أي: ابن مرزوق، وصَرَّحَ به في روایة کَرِيمة، وقد رُوِّینا حديثَه موصولاً في ((فوائد)) عثمان بن أحمد السَّمَّاك: حدَّثنا عثمان بن عمر الضَّبِّي، حدَّثنا عَمْرو بن مرزوق، حدَّثنا شُعْبة، عن قتادة، فذَكَر مثل سياق حديث الباب، لكن قال: ((وأجهَدَها)) وعُرِفَ بهذا أنَّ شُعْبةَ رواه عن قتادة عن الحسن، لا عن الحسن نفسه، والضمير في ((تابَعَه)) يعودُ على هشام لا على قتادة. وقرأت بخَطِّ الشيخ مُغَلْطاي: أنَّ روايةَ عَمْرو بن مرزوق هذه عند مسلم عن محمد بن عمرو بن جبلة عن وهب بن جَرِیر وابن أبي عَديّ، كلاهما عن عَمْرو بن مرزوق، عن شُعْبة، وتبعه بعضُ الشُّراح على ذلك، وهو غلط، فإنَّ ذِكْر عَمْرو بن مرزوق في إسناد مسلم زيادة، بل لم يُرِّجْ مسلم لعَمْرو بن مرزوقٍ شيئاً. (١) ليس في نسخه التي بين أيدينا تصريح بتصحيحه، والحديث عن عفان عند أحمد في ((المسند)) (٨٥٧٤)، وسنده صحيح. ٧٧ باب ٢٩ / ح ٢٩٢ كتاب الغسل قوله: ((وقال موسى)) أي: ابن إسماعيل، قال: ((حدَّثنا)) وللأَصِيلي: أخبرنا «أبانُ» وهو ابن يزيد العَطَّار، وأفادت روايته التصريح بتحديث الحسن لقتادة. وقرأت بخَطّ مُغَلْطاي أيضاً: أنَّ روايةَ موسى هذه عند البيهقي أخرجها من طريق عَفَّان وهمَّام، كلاهما عن موسى، عن أبان، وهو تخليطٌ تبعه عليه أيضاً بعضُ الشُّراح، وإنَّما أخرجها البيهقي (١٦٣/١) من طريق عَفَّان، عن همَّام وأبان جميعاً، عن قتادة، فهنَّام شيخٌ عَفَّان لا رفيقُه، وأبانُ رفيق همَّام لا شيخُ شيخه، ولا ذِكرَ لموسى فيه أصلاً، بل عَفَّانُ رواه عن أبان كما رواه عنه موسى، فهو رفيقُه لا شيخُه، والله الهادي إلى الصواب. تنبيه: زاد هنا في نسخة الصَّغَانيّ: هذا أجود وأوكَد وإنَّما بيَّنّا .. إلى آخر الكلام الآتي في آخر الباب الذي یلیه، والله أعلم. ٢٩ - باب غسل ما يصيبُ من فَرْج المرأة ٢٩٢- حدَّثنا أبو مَعمَر، حدَّثنا عبدُ الوارث، عن الحسين، قال يحيى: وأخبرني أبو سَلَمةَ، أنَّ عطاءَ بنَ يَسارٍ أخبره، أنَّ زيدَ بنَ خالدِ الجُهَنيَّ أخبره: أنَّه سألَ عثمانَ بنَ عَفَّنَ، فقال: أرأيتَ إذا جامعَ الرجلُ امرأتَه فلم يُمْنٍ؟ قال عثمانُ: يتوضَّأُ كما يتوضَّأُ للصلاة ويَغسِلُ ذكرَه، قال عثمانُ: سمعتُهُ من رسولِ الله وَّةٍ. فسألتُ عن ذلك عليّ بن أبي طالبٍ والزُّبَيرَ بنَ العَوَّام وطَلْحَةَ بنَ عُبيد الله وأُبَّ بنَ كَعْبٍ رضي الله عنهم، فأمُرُوه بذلكَ. قال يحيى: أخبرني أبو سَلَمةَ: أنَّ عُرْوةَ بنَ الزُّبَيرِ أخبره، أنَّ أبا أيوب أخبره: أنَّه سَمِعَ ذلك من رسولِ الله ێ. قوله: ((باب غسل ما يصيبُ)) أي: الرجلَ ((من فَرْج المرأة)) أي: من رُطُوبة وغيرها. قوله: ((عن الحسين)) زاد أبو ذرٍّ: المعلِّم. قوله: ((قال يحيى)) هو ابن أبي كثير، أي: قال الحسين: قال يحيى، ولفظُ ((قال)) الأولى تُحذَفُ في الخطِّ عُرْفاً. ٧٨ باب ٢٩ / ح ٢٩٢ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وأخبَرني)) هو عطفٌ على مُقدَّر، أي: أخبرني بكذا، وأخبرني بكذا. ووقع في رواية مسلم (٣٤٧) بحذف الواو. قال ابن العربيّ: لم يسمعه الحسين من يحيى فلهذا قال: «قال یحیی)»، کذا ذكره ولم يأتِ بدلیل. ٣٩٧/١ وقد/ وقع في رواية مسلم في هذا الموضع عن الحسين عن يحيى، وليس الحسين بمُدلِّس، وعَنعَنَةُ غير المدلِّس محمولة على السَّماع إذا لَقِيَه على الصحيح، على أنَّه وقع التصريحُ في رواية ابن خُزيمة (٢٢٤) في رواية الحسين عن يحيى بالتحديث ولفظُه: ((حدَّثني يحيى بن أبي كثير)) ولم ينفرد الحسين مع ذلك به، فقد رواه عن يحيى أيضاً معاوية بن سَلّام، أخرجه ابن شاهين، وشَيْبانُ بن عبد الرحمن، أخرجه المصنّف كما تقدَّم (١٧٩) في («باب الوضوء من المخرَجَين))، وسبق الكلامُ هناك على فوائد هذا الإسناد وألفاظ المتن. قوله: ((فأمَرُوه بذلك)) فيه الْتِفات، لأنَّ الأصلَ أنْ يقول: فأمَروني، أو هو مَقولُ عطاء ابن يسارٍ فيكونُ مُرسَلاً. وقال الكِرْماني: الضميرُ يعودُ على الجامع الذي في ضِمْن: ((إذا جامع))، وجَزَمَ أيضاً بأنَّه عن عثمان إفتاءٌ وروايةٌ مرفوعة، وعن الباقين إفتاءٌ فقط. قلت: وظاهرُه أنَّهم أمَروه بما أمَرَه به عثمان، فليس صريحاً في عَدَم الرفع، لكن في رواية الإسماعيلي: فقالوا مثل ذلك، وهذا ظاهره الرفع، لأنَّ عثمان أفتاه بذلك وحدَّثه به عن النبيِّ وَّهِ، فالمثليَّة تقتضي أنَّهم أيضاً أفتَوْه وحَدَّثوه، وقد صَرَّحَ الإسماعيلي بالرفع في رواية أُخرى له ولفظه: ((فقالوا مثل ذلك عن النبيِّ وَّةِ)) وقال الإسماعيلي: لم يقل ذلك غير يحيى الحَِّانيُّ، وليس هو من شرط هذا الكتاب. قوله: ((أخبرني أبو سَلَمةَ)) كذا لأبي ذرٍّ، وللباقين: ((قال يحيى: وأخبرني أبو سَلَمة)) وهو المرادُ، وهو معطوفٌ بالإسناد الأوَّل، وليس مُعلَّقاً، وقد رواه مسلم (٣٤٧) من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبيه بالإسنادينِ معاً. قوله: ((أَنَّ سَمِعَ ذلك من رسولِ الله ◌ِّ) قال الدَّارَ قُطني: هو وهمٌّ، لأنَّ أبا أيوب إنَّما ٧٩ باب ٢٩ / ح ٢٩٢ كتاب الغسل سمعه من أُبيِّ بن كعب كما قال هشام بن عُرْوة عن أبيه. قلت: الظاهرُ أنَّ أبا أيوب سمعه منهما لاختلاف السِّياق، لأنَّ في روايته عن أُبيِّ بن كعب قِصّة ليست في روايته عن النبيِّ وَّهِ، مع أنَّ أبا سَلَمة - وهو ابن عبد الرحمن بن عَوْف - أكبر قَدْراً وسِنّاً وعِلْماً من هشام بن عُرْوة، وروايته عن عُرْوةَ من باب رواية الأقران، لأنَّهما تابعيّان فقيهان من طبقةٍ واحدة، وكذلك رواية أبي أيوب عن أُبيِّ بن كعب، لأنَّهما فقيهان صحابيَّان كبيران. وقد جاء هذا الحديث من وجهٍ آخرَ عن أبي أيوب عن النبيِّ وََّ، أخرجه الدَّارميُّ (٧٥٨) وابن ماجَهْ (٦٠٧)(١). وقد حكى الأثرَم عن أحمد أنَّ حديثَ زيد بن خالد المذكور في هذا الباب معلول، لأنَّه ثبت عن هؤلاء الخمسة الفَتْوَى بخلاف ما في هذا الحديث، وقد حكى يعقوب بن شَيْبة عن عليّ ابن المَدِينيّ أنَّه شاذٌ . والجوابُ عن ذلك: أنَّ الحدیثَ ثابتٌ من جهة اتِّصال إسناده وحِفْظ رواته، وقد روى ابن عُيَينةَ أيضاً عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسارٍ نحوَ رواية أبي سَلَمةَ عن عطاء، أخرجه ابن أبي شَيْبة (٨٩/١) وغيرُه فليس هو فَرْداً، وأمَّا كَوْنُهم أفتَوْا بخلافه فلا يَقدَحُ ذلك في صحّتِه لاحتمال أنَّه ثبت عندهم ناسخه، فذهبوا إليه، و کم من حديثٍ منسوخ وهو صحيحٌ من حيثُ الصِّناعة الحديثيَّة. وقد ذهب الجمهورُ إلى أنَّ ما دَلَّ عليه حديث الباب من الاكتفاء بالوضوء إذا لم يُنزِل المجامع، منسوخ بما دَلَّ عليه حديث أبي هريرة وعائشة المذكورين في الباب قبلَه، والدليلُ على النَّسْخ ما رواه أحمد (٢١١٠١) وغيرُه من طريق الزُّهْريّ عن سَهْل بن سعد قال: حدَّثني أُبُّ بن كعب: أنَّ الفُتْيا التي كانوا يقولون: ((الماء من الماء)) رُخْصة كان رسولُ الله ◌َّ (١) وهو بلفظ: ((الماء من الماء))، وسنده عندهما ضعيف، والحديث أيضاً عند النسائي (١٩٩)، وأحمد (٢٣٥٣١). ٨٠ باب ٢٩ / ح ٢٩٣ فتح الباري بشرح البخاري رَخَّصَ بها في أوَّل الإسلام ثمَّ أمَرَ بالاغتسال بعدُ. صحَّحه ابن خُزيمة (٢٢٥) وابن حِبَّان (١١٧٣). وقال الإسماعيلي: هو صحيحٌ على شرط البخاري، كذا قال وكأنَّه لم يَطَّلِعْ على عِلَّتِه، فقد اختلفوا في گوْن الزُّهْريّ سمعه من سَهْل. نعم أخرجه أبو داود (٢١٥) وابن خُزيمة أيضاً من طريق أبي حازم عن سَهْل (١)، ولهذا الإسناد أيضاً عِلّة أُخرى ذكرها ابن أبي حاتم، وفي الجملة هو إسنادٌ صالحٌ لأَنْ يُحْتَجَّ به، وهو صريحٌ في النَّسْخ. على أنَّ حديثَ الغُسل وإنْ لم يُنزِلْ أرجَحُ من حديث ((الماء من (٢٩٨ الماء)»، لأنَّه بالمنطوق، وتركُ الغُسل من حديث الماء/ بالمفهوم، أو بالمنطوقِ أيضاً، لكنَّ ذاكَ أصرُ منه. وروى ابن أبي شَيْبة وغيره عن ابن عبّاس أنَّه حمل حديثَ ((الماء من الماء)) على صورةٍ مخصوصةٍ: وهي ما يقعُ في المنام من رُؤْية الجماع، وهو تأويلٌ يجمعُ بين الحديثين من غير تعارض. تنبيه: في قوله: ((الماء من الماء)) جِناس تامّ، والمراد بالماء الأوَّل ماء الغُسل، وبالثاني المنيُّ، وذكر الشافعيُّ أنَّ كلامَ العرب يقتضى أنَّ الجنابةَ تُطلَقُ بالحقيقة على الجماع وإنْ لم يكن معه إنزال، قال: فإنَّ كلّ مَن خُوطِبَ بأنَّ فلاناً أجنَبَ من فلانة، عَقَلَ أنَّه أصابها وإنْ لم يُنزِل، قال: ولم يُخْتَلَفْ أنَّ الزِّنى الذي يجبُ به الحَدُّ هو الجماعُ ولو لم يكن معه إنزال. وقال ابن العربيّ: إيجابُ الغُسل بالإيلاج بالنّسبة إلى الإنزال، نظيرُ إيجاب الوضوء بمَسِّ الذَّكَرِ بالنّسبة إلى خروج البول، فهما مُتَّفِقان دليلاً وتعليلاً، والله أعلم. ٢٩٣ - حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن هشام بنِ عُرْوةً، قال: أخبرني أَبي، قال: أخبرني أبو أيوبَ، قال: أخبرني أُبُّ بنُ كعبٍ أَنَّه قال: يا رسولَ الله، إذا جامعَ الرجلُ المرأةَ فلم يُنزِلْ؟ قال: ((يَغْسِلُ ما مَسَّ المرأةَ منه، ثمَّ يتوضَّأُ ويُصلِّ)). (١) طريق أبي حازم أخرجها ابن خزيمة بإثر الحديث (٢٢٦)، وقال عقبه: حدثني بذلك مسلم بن الحجاج، حدثنا أبو جعفر الحمال، حدثنا مبشر. كما في (إتحاف المهرة)) لابن حجر ٢٠٦/١ -٢٠٧، ووقع في المطبوع من (صحيح ابن خزيمة)) سقط، يصحح من هنا.