النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
باب ١٢ / ح ٢٦٨
كتاب الغسل
قوله: ((معاذ بن هشام)) هو الدَّستُوائيّ، والإسناد كلُّه بصريُّون.
قوله: ((في الساعة الواحدة)) المراد بها قَدْرٌ من الزَّمان، لا ما اصطَلَحَ عليه أصحابُ
الهَيْئة.
قوله: ((من اللَّيلِ والنَّهار)) الواو بمعنى ((أو))، جَزَمَ به الكِرْمانيّ، ويحتمل أنْ تكون على
بابها بأنْ تكون تلك الساعة جزءاً من آخر أحدهما، وجزءاً من أوَّل الآخَر.
قوله: ((وهُنَّ إحدَى عَشْرَةَ)) قال ابن خُزيمة: تفرَّد بذلك معاذ بن هشام عن أبيه، ورواه
سعيد بن أبي عروبة وغیرُه عن قتادة فقالوا: ((تِسْع نِسْوة))، انتهى.
وقد أشار البخاري إلى رواية سعيد بن أبي عَرُوبة فعَلَّقَها هنا، ووَصَلها/ بعد اثني عشر ٣٧٨/١
باباً (٢٨٤) بلفظ: كان يطوفُ على نسائه في الليلة الواحدة وله يومَئذٍ تِسْع نِسْوة.
وقد جمع ابن حِبَّان في («صحيحه)) (١٢٠٩) بين الروايتين بأنْ حمل ذلك على حالتينِ،
لكنَّه وَهِمَ في قوله: ((أنَّ الأولى كانت في أوَّل قُدومِه المدينة حيثُ كان تحته تِسْعِ نِسْوة، والحالةَ
الثانيةَ في آخر الأمر حيثُ اجتَمَع عنده إحدى عشرةَ امرأة))، وموضع الوَهْم منه أنَّه ◌ِوَلِ لمَّا
قَدِمَ المدينةَ لم يكن تحته امرأةٌ سوى سَوْدة ثمَّ دخل على عائشة بالمدينة، ثمَّ تزوَّج أُمّ سَلَمةَ
وحفصةَ وزينبَ بنت خُزيمة في السَّنة الثالثة والرابعة، ثمَّ تزوَّج زينب بنت جَحْش في
الخامسة، ثمَّ جُوَيرية في السادسة، ثمَّ صَفيَّةٌ وأُمّ حبيبة وميمونة في السابعة، وهؤلاء جميع مَن
دخل بهنَّ من الزوجات بعد الهِجْرة على المشهور.
واختُلِفَ في رَنْجانةَ وكانت من سَبْي بني قُرَيظة، فجَزَمَ ابن إسحاق بأنَّه عَرَضَ
عليها أنْ يَتزوَّجها ويضربَ عليها الحجاب، فاختارت البقاءَ في مِلْكِهِ، والأكثر على أنّها
ماتت قبلَه في سنة عَشْر، وكذا ماتت زينب بنت خُزيمة بعد دخولها عليه بقليل، قال
ابن عبد البَرّ: مَکَثَت عنده شهرين أو ثلاثة.
فعلى هذا لم يَجتمِعْ عنده من الزوجات أكثر من تِسْع مع أنَّ سَوْدة كانت وَهَبَت
يومَها لعائشة كما سيأتي في مكانه (٥٢١٢)، فَرَجَحَت روايةُ سعيد. لكن تُحمَلُ روايةٌ

٤٢
باب ١٢ / ح ٢٦٨
فتح الباري بشرح البخاري
هشام على أنَّه ضمَّ ماريةَ ورَنجانة إليهنَّ، وأطلَقَ عليهنَّ لفظ ((نسائه)) تغليباً.
وقد سَرَدَ الدِّمْياطيّ - في السِّيرة التي جمعها - مَن الطَّلَعَ عليه من أزواجه ممّن دخل بها
أو عَقَدَ عليها فقط أو طَلَّقَها قبل الدُّخول أو خَطَبَها ولم يَعِقِدْ عليها، فَبَلَغَت ثلاثين.
وفي ((المختارة)) (٢٥٢٤) من وجهٍ آخرَ عن أنس: ((تزوَّج خمس عشرة، دخل منهُنَّ
بإحدى عشرةَ، ومات عن تِسْع))، وسَرَدَ أسماءَهُنَّ أيضاً أبو الفتح اليَعْمَريّ ثمَّ مُغَلْطاي،
فِزِدْنَ على العددِ الذي ذكره الدِّمْياطيُّ، وأنكَرَ ابن القَيِّم ذلك، والحقُّ أنَّ الكَثْرةَ المذكورةَ
محمولة على اختلافٍ في بعض الأسماء، وبمُقتَضى ذلك تنقصُ العِدَّة، والله أعلم.
قوله: ((أُوَكان)) بفتح الواو هو مَقُول قتادة، والهمزةُ للاستفهام، وتُميَّز ((ثلاثين))
محذوف، أي: ثلاثين رجلاً، ووقع في رواية الإسماعيلي من طريق أبي موسى عن معاذ بن
هشام: ((أربعين)) بدل ((ثلاثین))، وهي شاذّةٌ من هذا الوجه، لكن في مراسیل طاووس مثل
ذلك وزاد: ((في الجماع))، وفي ((صفة الجنَّة)) لأبي نعيم من طريق مجاهد مثله وزاد: ((من
رجال أهل الجنَّة))، ومن حديث عبد الله بن عمرو رفعه: ((أُعطيتُ قوَّة أربعين في البَطْشِ
والجماع))(١)، وعند أحمد (١٩٢٦٩) والنَّسائي (ك١١٤١٤) وصحَّحه الحاكمُ(٢) من حديث
زيد بن أرقَم رفعه: ((إنَّ الرجلَ من أهل الجنَّة ليُعطَى قوَّة مئة في الأكل والشُّرْب والجماع
والشَّهْوة)) فعلى هذا يكونُ حِساب قوَّة نبيِّنا أربعة آلاف.
قوله: ((وقال سعيد)) هو ابن أبي عَرُوبة، كذا للجميع إلَّا أنَّ الأَصِيليّ قال: إنَّه وقع في
نسخة: ((شُعْبة)) بدلَ ((سعيد))، قال: وفي عَرْضِنا على أبي زيد بمكّة: ((سعيد)). قال أبو عليّ
الجَيَّانيُّ: وهو الصواب.
قلت: وقد ذكرنا قبلُ أنَّ المصنِّ وَصَلَ روايةَ سعيد (٢٨٤)، وأمَّا روايةُ شُعْبةَ لهذا
(١) أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (٥٦٧)، وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٢٩٣/٤: وفيه المغيرة بن قيس، وهو
ضعيف.
(٢) لم نقف عليه في ((مستدركه))، والحافظ نفسه لم يخرجه منه في كتابه («إتحاف المهرة)) (٤٦٧١).

٤٣
باب ١٢ / ح ٢٦٨
كتاب الغسل
الحديث عن قتادة فقد وَصَلها الإمامُ أحمد(١).
قال ابن المنيِّر: ليس في حديث دَوَرانه على نسائه دليل على الترجمة، فيحتمل أنَّه طافَ
عليهنَّ واغتسل في خِلال ذلك عن كلِّ فَعْلة غُسْلاً. قال: والاحتمال في رواية الليلة أظهرُ منه
في الساعة. قلت: التقييدُ بالليلة ليس صريحاً في حديث عائشة، وأمَّا حديثُ أنس فحيثُ جاء
فيه التصريحُ بالليلة قَيَّدَ الاغتسال بالمرّة الواحدة، كذا وقع في رواياتٍ للنَّسائيِّ (ك ٨٩٨٤)
وابن خُزيمة (٢٣١) وابن حِبَّان (١٢٠٨)، ووقع التقييدُ بالغُسل الواحدِ من غيرِ ذِكْر الليلة في
رواياتٍ أُخرى لهم ولمسلم(٢)، وحيثُ جاء في حديث أنس التقيد بالساعة لم يَحْتَجْ إلى تقييد
الغُسل بالمرّة، لأنَّه يَتعذَّرُ أو يَتعسَّرُ (٣) فيها تكرير المباشرة والغُسل معاً، وعُرِفَ من هذا أنَّ قوله
في الترجمة: ((في غُسْلِ واحد)) أشار به إلى ما وَرَدَ في بعض طرق الحديث وإنْ لم يكن منصوصاً
فيما أخرجه كما جَرَت به / عادتُه، ويُحمَلُ المطلَق في حديث عائشة على المقيَّد في حديث أنس ٣٧٩/١
ليَتوافَقا، ومن لازم جماعهنَّ في الساعة أو الليلة الواحدة عَوْدُ الجماع كما تَرجَمَ به، والله أعلم.
واستدلَّ به المصنّف في كتاب النكاح (٥٠٦٧) على استحباب الاستكثار من النساء،
وأشار فيه إلى أنَّ القَسْمَ لم يكن واجباً عليه، وهو قولُ طوائفَ من أهل العِلْم، وبه جَزَمَ
الإصطَخْريّ من الشافعيَّة، والمشهور عندهم وعند الأكثرين الوجوب، ويحتاجُ مَن قال به
إلى الجواب عن هذا الحديث، فقيل: كان ذلك برِضا صاحبة النَّوْبة، كما استأذَنهُنَّ أنْ
يُمرَّضَ في بيت عائشة (٤٤٥٠).
ويحتمل أنْ يكون ذلك كان يَحَصُلُ عند استيفاء القِسْمة ثمَّ يَسْتَأْنِفُ القِسْمة، وقيل: كان
(١) كذا قال الحافظ، وهو يشير إلى الحديث رقم (١٢٧٠١) من ((المسند))، فإنه أورده في كتابه («أطراف
المسند» (٨١١) فوقع عنده: عبد العزيز العمِّي عن شعبة، ولعله تحرَّف في نسخته من ((المسند))، والذي
في نسخنا الخطية منه: عبد العزيز العمي عن سعيد، كما وقع عند الجمهور، وعليه فإن شعبة لم يرو هذا
الحديث عن قتادة، والله تعالى أعلم.
(٢) النسائي في ((الكبرى)) (٨٩٨٧) و(٨٩٨٨)، وابن خزيمة (٢٢٩) و(٢٣٠)، وابن حبان (١٢٠٦)
و(١٢٠٧)، ومسلم (٣٠٩).
(٣) زاد هنا في (س): ((وحيث جاء)) وهو تكرار يخلُّ بالعبارة ويفسدها.

٤٤
باب ١٣ / ح ٢٦٩
فتح الباري بشرح البخاري
ذلك عند إقباله من سفر، لأنَّه كان إذا سافر أقرعَ بينَهنَّ فيسافرُ بمَن يَخْرُجُ سَهْمُها فإذا
انصَرَفَ استأنفَ، وهو أخصُّ من الاحتمال الثاني، والأوَّلُ الْيَق بحديث عائشة، وكذا الثاني.
ويحتمل أنْ يكون ذلك كان يقعُ قبل وجوب القِسْمة ثمَّ ترك بعدَها.
وأغرَبَ ابن العربيّ فقال: إنَّ الله خَصَّ نبيّه بأشياء، منها: أنَّه أعطاه ساعة في كلّ يوم لا
يكونُ لأزواجه فيها حقٌّ يدخل فيها على جميعهِنَّ فيفعلُ ما يريد ثمَّ يَستقِرُّ عند مَن لها
النَّوْبةُ، وكانت تلك الساعة بعد العصر، فإن اشتَغَلَ عنها كانت بعد المغرب. ويحتاجُ إلى
ثبوتِ ما ذكره مفضَّلاً(١).
وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدَّم: ما أُعطيَ النبيُّ وَّرِ من القوَّة على الجماع،
وهو دليلٌ على كمال البِنْية وصِحّة الذُّكوريَّة، والحِكْمة في كثرة أزواجه أنَّ الأحكام التي
ليست ظاهرةً يَطَّلِعْنَ عليها فيَنَقُلْنها، وقد جاء عن عائشة من ذلك الكثير الطيِّب، ومن ثَمَّ
فضَّلها بعضهم على الباقيات.
واستدلَّ به ابن التِّينِ لقول مالكٍ بلُزوم الظِّهار من الإماء، بناءً على أنَّ المرادَ بالزائدَتَينِ
على التِّسْع مارية ورَنجانة، وقد أطلَقَ على الجميع لفظ نسائه. وتُعُقِّبَ بأنَّ الإطلاقَ المذكورَ
للتَّغْلیب كما تقدَّم فليس فيه حُجَّة لما ادَّعَى.
واستدلَّ به ابن المنيِّر على جواز وَطْءِ الحُرَّة بعد الأَمة من غير غسلِ بينهما ولا غيره،
والمنقول عن مالكٍ: أنَّه لا يتأكَّدُ الاستحباب في هذه الصورة، ویمکن أن يكون ذلك وقع
لبيان الجواز، فلا يدلُّ على عَدَم الاستحباب.
١٣ - باب غسل المَذْي والوضوء منه
٢٦٩ - حدَّثنا أبو الوليد، قال: حدَّثنا زائدةُ، عن أبي حَصِین، عن أبي عبد الرحمن، عن
عليٍّ قال: كنتُ رجلاً مَذّاءً، فأمرتُ رجلاً أنْ يَسألَ النبيَّ ◌َّهِ - لمكانِ ابنِتِه - فسألَ، فقال:
(تَوضَّأْ واغسِلْ ذَكَرَكَ)).
(١) انظر لزاماً كلام الحافظ عند الحديث (٥٢١٥) الآتي في النكاح، فقد عاد واستدرك على نفسه هنا.

٤٥
باب ١٣ / ح ٢٦٩
كتاب الغسل
قوله: ((باب غسل المَذْي والوضوء منه)) أي: بسببه، وفي المَذْي لُغات أفصحُها بفتح
الميم وسكون الذّال المعجَمة وتخفيف الياء، ثمَّ بكسر الذّال وتشديد الياء: وهو ماءٌ أبيضُ
رقيقٌ لَزِجٌ يَخْرُجُ عند الملاعَبة أو تَذَكُّرِ الجماع أو إرادته وقد لا يُحُسُ بخروجه.
قوله: ((حدّثنا أبو الوليد)» هو الطَّيالسيّ.
قوله: ((عن أبي عبد الرحمن)) هو السُّلَميّ.
قوله: ((مَذّاء)) صيغة مُبالَغة من المَذْي يقال: مَذَى يَمْذي، مثلُ: مَضَى يَمْضي، ثُلاثيّاً،
ويقال أيضاً: أمذَى يُمْذي، بوَزْنِ: أَعطى يُعْطي، رُباعيّاً.
قوله: ((فأمرتُ رجلاً) هو المِقْداد بن الأسود كما تقدَّم (١٧٨) في «باب الوضوء من
المخرَجَين)) من وجهٍ آخرَ وزاد فيه: فاستَحْيَيت أنْ أسأل.
قوله: (لمكان ابنتِهِ)) في رواية مسلم (١٨/٣٠٣) من طريق ابن الحنفيّة عن علي: من أجل
فاطمة رضي الله عنهما.
قوله: ((توضَّأ) هذا الأمر بلفظ الإفراد يُشعِرُ بأنَّ الِقْدادَ سأل لنفسِه، ويحتمل أنْ يكون
سأل لمُبهَم أو لعليٍّ فَوَجَّةَ النبيُّ ◌َّهِ الخِطاب إليه. والظاهر أنَّ عليّاً كان حاضر السؤال،
فقد أطبَقَ أصحاب المسانيد والأطراف على إيراد هذا الحديث في مسند عليّ، ولو خَلوه
على أنَّه لم يَحَضُرْ لَأورَدوه في مسند المِقْداد. ويؤيِّدُه ما / في رواية النَّسائي (١٥٢) من طريق ٣٨٠/١
أبي بكر بن عيَّاش عن أبي حصينٍ في هذا الحديث عن عليّ قال: ((فقلت لرجل جالسٍ إلى
جَنْبِي: سَلْه، فسأله))، ووقع في رواية مسلم (١٧/٣٠٣): ((فقال: يَغْسِلُ ذكرَه ويتوضَّأُ))
بلفظ الغائب، فيحتمل أنْ يكون سؤال المِقْداد وقع على الإبهام وهو الأظهرُ، ففي مسلم
أيضاً (١٩/٣٠٣) من طريق ابن عباس عن علي: ((فسأله عن المَذْي يَخْرُجُ من الإنسان))،
وفي ((الموطَّا)) (١/ ٤٠) نحوه، ووقع في رواية لأبي داود (٢٠٦) والنَّسائي (١٩٣) وابن
خُزيمة (٢٠) ذِكرُ سبب ذلك من طريق خُصَينٍ بن قَبِيصة عن عليّ قال: ((كنت رجلاً مَذّاءً
فجعلت أغتسِلُ منه في الشِّتاء حتَّى تَشَقَّقَ ظَهْري، فقال النبيُّ ێ (لا تَفْعَل))، ولأبي داود

٤٦
باب ١٣ / ح ٢٦٩
فتح الباري بشرح البخاري
(٢١٠) وابن خُزَيمة (٢٩١) من حديث سَهْل بن حُنَيفٍ: أنَّه وقع له نحوُ ذلك، وأنَّه سأل
عن ذلك بنفسِه، ووقع في رواية للنَّسائيِّ (١٥٤): أنَّ عليّاً قال: ((أمرتُ عمَّاراً أنْ يسأل))،
وفي رواية لابن حِبَّان (١١٠٤) والإسماعيليِّ: أنَّ عليّاً قال: ((سألتُ)).
وجمع ابن حِيَّان بين هذا الاختلاف بأنَّ عليّاً أمَرَ عمَّاراً أنْ يسأل، ثمَّ أمَرَ المِقْداد بذلك
ثُمَّ سأل بنفسِه، وهو جمعٌ جِيِّدٌ إلَّا بالنّسبة إلى آخره، لكَوْنه مُغايِراً لقوله: إنَّه استَحْيا من
السؤال بنفسِه لأجل فاطمة، فيَتعيَّنُ حملُه على المجاز بأنَّ بعضَ الرُّواة أطلَقَ أنَّه سأل لكَوْنه
الآمرَ بذلك، وبهذا جَزَمَ الإسماعيلي ثمَّ النَّوويُّ، ويؤيِّدُ أنَّه أمرَ كُلَّ من المِقْداد وعمَّار
بالسؤال عن ذلك ما رواه عبد الرزاق (٥٩٧) من طريق عائش بن أنس قال: تَذاكَرَ عليّ
والمِقْداد وعمّار المَذْي فقال علي: إنَّني رجل مَذّاء فاسألا عن ذلك النبيَّ وَّ، فسأله أحد
الرجلين.
وصحَّح ابن بَشْكُوال أنَّ الذي تَولَّى السؤالَ عن ذلك هو المِقْدادُ، وعلى هذا فنسبة عمَّر
إلى أنَّه سأل عن ذلك محمولة على المجاز أيضاً، لكَوْنه قَصَدَه لكن تَوَّ الِقْداد الخِطاب
دونَه، والله أعلم.
واستدلَّ بقوله ◌َّهِ: ((توضَّأْ)) على أنَّ الغُسلَ لا يجبُ بخروج المَذْي، وصرَّحَ بذلك في
رواية لأبي داود (٢٠٦) وغيره، وهو إجماع، وعلى أنَّ الأمرَ بالوضوء منه كالأمر بالوضوء
من البول كما تقدَّم استدلال المصنِّف به (١٧٨) في ((باب مَن لم يَرَ الوضوء إلَّا من
المخرَجَين))، وحكى الطَّحاويّ عن قوم أنَّهم قالوا بوجوب الوضوء بمجرَّدٍ خروجه، ثمَّ
رَدَّ عليهم بما رواه (٤٦/١) من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عليّ قال: سُئِلَ النبيّ وَّ
عن المَذْي فقال: ((فيه الوضوء، وفي المنيِّ الغُسل))، فعُرِفَ بهذا أنَّ حُكْمَ المَذْي ◌ُكْمُ
البول وغيره من نواقض الوضوء، لا أنَّه يُوجِبُ الوضوءَ بمجرَّدِه.
قوله: «واغِلْ ذکرك» هکذا وقع في البخاريِّ تقدیم الأمر بالوضوء على غسله، ووقع
في ((العُمْدة)) نسبة ذلك إلى البخاريِّ بالعكس، لكنَّ الواو لا تُرتِّبُ، فالمعنى واحد، وهي

٤٧
باب ١٣ / ح ٢٦٩
٠٠
كتاب الغسل
رواية الإسماعيلي، فيجوز تقديم غسله على الوضوء وهو أولى، ويجوز تقديمُ الوضوء على
غسله لكن مَن يقولُ بنَقْض الوضوء بمَسِّه يشترطُ أنْ يكون ذلك بحائل.
واستدلَّ به ابن دَقِيق العيد على تَعُّن الماء فيه دون الأحجار ونحوِها، لأنَّ ظاهرَه يُعيِّنُ
الغسل، والمعيَّنُ لا يقعُ الامتثال إلَّا به، وهذا ما صحَّحه النَّوويّ في ((شرح مسلم)) وصحَّح
في باقي كُتُبُه جواز الاقتصار إلحاقاً له بالبول، وحملاً للأمر بغسله على الاستحباب أو على
أنَّه خرج تَخَرَج الغالب، وهذا المعروف في المذهب.
واستدلَّ به بعض المالكيَّة والحنابلة على إيجاب استيعابه بالغسل عملاً بالحقيقة، لكنَّ
الجمهورَ نظروا إلى المعنى، فإنَّ الموجِبَ لغسله إنَّما هو خروجُ الخارج فلا تجبُ المجاوَزة إلى
غير محلِّه، ويؤيِّدُه ما عند الإسماعيليِّ في رواية: ((فقال: توضَّأْ واغسِلْه)) فأعادَ الضمير على
المَذْي، ونظيرُ هذا قوله: ((مَن مَسَّ ذكره فليتوضَّأ))(١) فإنَّ النَّفْضَ لا يتوقَّفُ على مَسّ
جميعه، واختلف القائلون بوجوب غسل جميعه: هل هو معقولُ المعنى أو للتعبُّد؟ فعلى
الثاني تجبُ/ النيّة فیه.
٣٨١/١
قال الطَّحاوي: لم يكن الأمر بغسله لوجوب غسله كلّه، بل ليتقلَّص فيَبطُل خروجه،
كما في الضَّرْع إذا غُسِلَ بالماء الباردِ يتفرَّقُ لَبَنه إلى داخل الضَّرْعِ فِيَنقطِعُ بخروجه.
واستدلَّ به أيضاً على نجاسة المذي، وهو ظاهرٌ.
وخَرَّجَ ابن عَقيل الحَبَيُّ من قول بعضهم: إنَّ المَذْيَ من أجزاء المنيِّ روايةً بطهارتِهِ،
وتُعُقِّبَ بأنَّه لو كان مَنّاً لوَجَبَ الغُسلُ منه. واستُدلَّ به على وجوب الوضوء على مَن به
سَلَس المَذْي، للأمر بالوضوء مع الوَصْف بصيغة المبالَغة الدَّالّة على الكَثْرة، وتعقّبه ابن
دَقِيق العيد بأنَّ الكَثْرَةَ هنا ناشئةٌ عن غَلَبَةِ الشَّهْوة مع صِحّة الجسد بخلاف صاحب السَّلَس،
فإِنَّه يَنشَأُ عن عِلّةٍ في الجسد، ويمكن أن يقال: أمَرَ الشارع بالوضوء منه ولم يَستفصِل، فدَلَّ
(١) أخرجه أحمد (٢٧٢٩٣)، وأبو داود (١٨١)، وابن ماجه (٤٧٩)، والترمذي (٨٢)، والنسائي
٢١٦/١.

٤٨
باب ١٤ / ح ٢٧٠ -٢٧١
فتح الباري بشرح البخاري
على عموم الحُكْم.
واستدلَّ به على قَبُول خبر الواحد، وعلى جواز الاعتماد على الخبر المظنون مع القُدْرة
على المقطوع، وفيهما نظرٌ لما قدَّمناه من أنَّ السؤالَ كان بحَضْرة عليّ، ثمَّ لو صَحَّ أنَّ
السؤالَ كان في غَيِيتِه لم يكن دليلاً على المدَّعَى، لاحتمال وجودِ القرائنِ التي تَحْفُّ الخبر
فتُرقِّيه عن الظنِّ إلى القَطْع، قاله القاضي عِیَاض.
وقال ابن دقيق العيد: المرادُ بالاستدلال به على قَبُول خبر الواحدِ مع گوْنه خبر واحد:
أنَّه صورةٌ من الصور التي تَدُلُّ [على قَبُول خبر الواحد] (١) وهي كثيرةٌ تقوم الحُجَّةُ
بجُملتِها لا بفَرْدٍ مُعيَّنِ منها.
وفيه جواز الاستنابة في الاستفتاء، وقد يُؤخَذُ منه جواز دَعْوَى الو کیل بحضرة موگِّله.
وفيه ما كان الصحابة عليه من حفظٍ (٢) حُرْمة النبيِّ وَل﴿ وتوقيره.
وفيه استعمالُ الأدب في تركِ المواجَهة بما يُستَحَى منه عُرْفاً، وحُسْن المعاشرة مع
الأصهار، وترك ذِكْر ما يتعلَّقُ بجماع المرأة ونحوه بحَضْرة أقاربها. وقد تقدَّم استدلال
المصنِّف به في العِلْم (١٣٢) لمن استَحْيَى فأمَرَ غيرَه بالسؤال، لأنَّ فيه جمعاً بين المصلحتين:
استعمال الحَياء، وعَدَم التفريط في معرفة الحُكْم.
١٤ - باب مَن تَطيَّبَ ثمَّ اغتسل وبقي أثرُ الطِّيب
٢٧٠ - حدّثنا أبو التُّعْمان، قال: حدَّثنا أبو عَوَانة، عن إبراهيمَ بنِ محمَّدٍ بنِ المنَشِر، عن أبيه
قال: سألتُ عائشةَ، فَذَكَرتُ لها قولَ ابنِ عمرَ: ما أُحِبُّ أنْ أُصبِحَ مُحرِماً أنضَخُ طِيباً، فقالت
عائشةُ: أنا طَيِّيتُ رسولَ اللهِ وَّةِ، ثمَّ طافَ في نسائه ثمَّ أصبَحَ مُحرِماً. [انظر: ٢٦٧]
٢٧١ - حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، قال: حدَّثنا الحَكَمُ، عن إبراهيمَ، عن الأسوَد، عن
(١) ما بين المعقوفين لم يرد في الأصلين و(س)، واستدركناه من ((إحكام الأحكام)) لابن دقيق العيد، ولا بدَّ
منه.
(٢) لفظ ((حفظ)) سقط من (س).

٤٩
باب ١٥ / ح ٢٧٢
كتاب الغسل
عائشةَ قالت: كأنّي أَنْظُرُ إلى وَبِيصِ الطِّيبِ في مَفْرِقِ النبيِّ ◌َّ وهو مُحِمٌ.
[أطرافه في: ١٥٣٨، ٥٩٢٣،٥٩١٨]
قوله: ((باب مَن تطيَّب ثم اغتسل)) تقدَّم الكلام على الحديث قبل بابٍ (٢٦٧)، وموضع
الاستدلال به أنَّ قولها: ((طافَ في نسائه)) كناية عن الجماع ومن لازمِه الاغتسال، وقد
ذكرت أنَّهَا طَيَّبَتْه قبل ذلك وأنَّه أصبَحَ مُرِماً.
ومن فوائده أيضاً وقوعُ رَدِّ بعض الصحابة على بعضٍ بالدليل، واطّلاع أزواج النبيِّ وَل
على ما لا يَطَّلِعُ عليه غيرُهُنَّ من أفاضل الصحابة، وخِدْمةُ الزوجات لأزواجهنَّ، والتطُّب
عند الإحرام، وسيأتي في الحجّ (١٥٣٩).
وقال ابن بَطَّال: فيه أنَّ السُّنةَ اتّخاذ الطّيب للرجال والنساء عند الجماع.
قوله: ((حدَّثنا الحكمُ)) هو ابن عُتَيبة، وهو وشيخه إبراهيم النَّخَعيّ وشيخه الأسود بن
یزید فقهاءُ کوفیُّون تابعیُّون.
قوله: (وَبِيص)) بفتح الواو وكسر الموخَّدة بعدَها / ياء تحتانيَّة ثمَّ صاد مُهمَلة: هو ٣٨٢/١
البَريق. وقال الإسماعيلي: وبيص الطِّيب تلألؤُه، وذلك لعينٍ قائمةٍ لا للرِّيح فقط.
قوله: ((مَفْرِق)) بفتح الميم وكسر الراء ويجوز فتحُها. ودلالةُ هذا المتن على الترجمة إمّا
لكَوْنها قِصّةً واحدةً، وإمَّا لأنَّ من سننِ الإحرام الغُسلَ عنده ولم يكن النبيُّ ◌َّهِ يَدَعُه.
وفيه أنَّ بقاءَ الطِّيب على بدن المحرِم لا يَضُرُّ بخلاف ابتدائه بعد الإحرام.
١٥ - باب تخليل الشَّعر حتى إذا ظَنَّ أنه قد
أرْوَى بَشَرتَه أفاض علیه
٢٧٢ - حدَّثنا عَبْدانُ، قال: أخبرنا عبدُ الله، قال: أخبرنا هشامُ بنُ عُرْوةَ، عن أبيه، عن
عائشةَ قالت: كان رسولُ الله ◌ََّ إذا اغتَسَلَ مِن الجَنَابة غَسَلَ يَدَيه وتوضَّأْ وُضُوءَه للصلاةِ،
ثَّ اغتَسَلَ ثمَّ يُخُلِّلُ بيده شعرَه حتَّى إذا ظَنَّ أَنَّه قد أَرْوَى بَشَرَتَه أفاضَ عليه الماءَ ثلاثَ مَرّات،
ثمَّ غَسَلَ سائرَ جَسَدِهِ.

٥٠
باب ١٥ - ١٦ / ح ٢٧٣ - ٢٧٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب تخليل الشَّعر)) أي: في غُسْل الجنابة.
قوله: ((عبد الله)) هو ابن المبارك.
قوله: ((إذا اغتَسَلَ)) أي: أراد أن يغتسل.
قوله: ((إذا ظَنَّ)) يحتمل أنْ يكون على بابه ويُكتفَى فيه بالغَلَبة، ويحتمل أنْ يكون بمعنى:
عَلِم.
قوله: ((أروَى)) هو فعلٌ ماضٍ من الإرواء، يقال: أرواه: إذا جعله رَيّاناً، والمرادُ بالبَشَرة
هنا: ما تحت الشّعر.
قوله: ((أفاضَ عليه)) أي: على شعره.
قوله: ((ثمَّ غَسَلَ سائر جَسَده)) أي: بقيّة جسده، وقد تقدَّم (٢٤٨) من رواية مالك عن
هشام في أوَّل كتاب الغُسل هنا: ((على جِلْدِه كلّه)) فيحتمل أنْ يقال: إنَّ ((سائر)) هنا بمعنى:
الجميع، جمعاً بين الروايتين. وبقيَّة مباحث الحديث تقدَّمت هناك.
٢٧٣ - وقالت: كنتُ أغتسِلُ أنا ورسولُ الله ◌َِّ من إناءٍ واحدٍ، نَغْرِفُ منه جميعاً.
قوله: ((وقالت)) أي: عائشة، وهو معطوفٌ على الأوَّل، فهو مُتَّصِلٌ بالإسناد المذكور.
قوله: «تَغْرِفُ)) بإسكان المعجَمة بعدَها راء مكسورة، وله في الاعتصام (٧٣٣٩):
(نَشْرَعُ فيه جميعاً))، وقد تقدَّمت مباحثه (٢٦١) في ((باب هل يُدخِلُ الْجُنُب يده في
الطّهور)).
١٦ - باب من توضَّأ في الجنابة ثم غسل سائر جسده
ولم يُعِدْ غسلَ مواضع الوضوء مرةً أخرى
٢٧٤ - حدَّثنا يوسفُ بنُ عيسى، قال: أخبرنا الفَضْلُ بنُ موسى، قال: أخبرنا الأعمشُ، عن
سالم، عن كُرَيْبٍ مولى ابنِ عبَّاس، عن ابنِ عبَّاس، عن ميمونةَ قالت: وَضَع رسولُ الله ◌ِاله
وَضُوءَ الجَنَابةِ فَكَفَأَ بِيَمِينِهِ على يَسَارِهِ مَرَّتَيْنِ أو ثلاثاً، ثمَّ غَسَلَ فَرْجَه ثمَّ ضَرَبَ يدَه بالأرضِ

٥١
باب ١٦ / ح ٢٧٤
كتاب الغسل
أو الحائطِ مَرَّتَينٍ أو ثلاثاً، ثمَّ مَضمَضَ واستَنشَقَ وغَسَلَ وَجْهَه وذِراعَيه، ثمَّ أفاضَ على رَأْسِه
الماءَ، ثمَّ غَسَلَ جَسَدَه، ثمَّ تَنَخَّى فَغَسَلَ رِجْليِهِ، قالت: فأتَيْتُه بخِرْقةٍ فلم يُرِدْها، فجعلَ يَنفُضُ
الماءَ بيَدِه.
قوله: ((باب مَن توضَّأ في الجنابة)) سَقَطَ من أواخر الترجمة لفظُ ((منه)) من روایة غیر أبي ذرّ.
قوله: ((أخبرنا)» ولأبي ذرٍّ: حدَّثنا الفضل.
قوله: ((وَضَعَ رسولُ اللهِنَ ◌ّهَ وَضُوء الجَنَابة)) كذا للأكثر بالإضافة، ولكَرِيمة:/ ((وضوءاً)) ٣٨٣/١
بالتنوين ((الجنابة) بلام واحدة، وللكُشْمِيهَنيّ: ((للجنابة))، ولرفيقَيه: (وُضِع)) على البناء
للمفعول ((لرسول الله وَل﴾)) بزيادة اللام، أي: لأجلِه ((وَضوءٌ)) بالرفع والتنوين.
قوله: (فَكَفَأ)» ولغير أبي ذرٍّ: ((فأكفَأ)) أي: قَلَب.
قوله: (علی یسارِہ)) کذا للأكثر، وللمُستَمْلي و گریمة: علی شِماله.
قوله: ((ضَرَبَ يدَه بالأرض)) كذا للأكثر، وللكُشْمِيهَنيّ: ضَرَب بيده الأرضَ.
قوله: ((ثُمَّ غَسَلَ جَسَدَه)) قال ابن بَطَّل: حديثُ عائشة الذي في الباب قبلَه (٢٧٢) أَلْيَق
بالترجمة، لأنَّ فيه: ((ثمَّ غَسَلَ سائر جسده))، وأمَّا حديثُ الباب ففيه: «ثمَّ غَسَلَ جسدَه))
فدخل في عمومِه مواضع الوضوء فلا يُطابقُ قوله: ((ولم يُعِدْ غسلَ مواضع الوضوء)).
وأجابَ ابن المنيِّر بأنَّ قَرينةَ الحال والعُرْف من سياق الكلام يَخُصُّ أعضاء الوضوء، فإنَّ
تقديم غسل أعضاء الوضوء وعُرْف الناس من مفهوم الجسد إذا أُطلِقَ بعدَه يعطي ذلك.
انتھی، ولا يخفى تكلُّقه.
وأجابَ ابن التِّين بأنَّ مراد البخاري أنْ يُبيِّنَ أنَّ المرادَ بقوله في هذه الرواية: ((ثمَّ غَسَلَ
جسدَه)) أي: ما بقي من جسده بدليل الرواية الأُخرى. وهذا فيه نظر، لأنَّ هذه القِصَّةَ غير
تلك القصَّة كما قدَّمنا في أوائل الغُسل (٢٤٩).
وقال الكِرْماني: لفظ ((جسده)) شامل لجميع أعضاء البدنِ فيُحمَلُ عليه الحديث
السابق، أو المراد هناك بسائر جسده، أي: باقيه بعد الرأس لا أعضاء الوضوء.

٥٢
باب ١٧ / ح ٢٧٥
فتح الباري بشرح البخاري
قلت: ومن لازم هذا التقدير أنَّ الحديثَ غير مطابقٍ للترجمة، والذي يظهرُ لي أنَّ
البخاريَّ حمل قوله: ((ثمَّ غَسَلَ جسدَه)) على المجاز، أي: ما بقي بعدما تقدَّم ذِكرُه، ودليل
ذلك قوله بعدُ: ((فَغَسَلَ رِجْليه)) إذْ لو كان قوله: ((غَسَلَ جسدَه)) محمولاً على عمومِهِ، لم
يَحَتَجْ لغسل رِجْليه ثانياً، لأنَّ غسلَهما كان يدخل في العموم، وهذا أشبه بتصرُّفات
البخاري، إذْ من شأنه الاعتناء بالأخفَى أكثر من الأَجْلى.
واستَنبَطَ ابن بَطَّل من كَوْنه لم يُعِدْ غسلَ مواضع الوضوء: إجزاءً غُسْل الجمعة عن
غُسْل الجنابة، وإجزاء الصلاة بالوضوء المجَدَّدِ لمن تبيَّن أنَّه كان قبل التجديد مُحدِثاً.
والاستنباط المذكور مبنيّ عنده على أنَّ الوضوءَ الواقعَ في غُسْل الجنابة سُنَّةٌ، وأجزا مع
ذلك عن غسل تلك الأعضاء بعدَه. وهي دَعْوَى مردودة، لأنَّ ذلك يختلفُ باختلاف
النّيَّة، فمَن نوى غسل الجنابة وقَدَّمَ أعضاء الوضوء لفضيلتِه تمَّ غُسْلُه، وإلا فلا يَصِحُ
البناءُ المذكورُ، والله أعلم.
قوله: ((يَنْفُضُ الماء بيده)) سَقَطَ ((الماء)) من غير رواية أبي ذرٍّ، وللأَصِيلِيّ: فجعل يَنْفُضُ
بيده. وباقي مباحث المتن تقدَّم في أوائل الغُسل (٢٤٩)، والله المستعان.
١٧ - باب إذا ذكر في المسجد أنه ◌ُنُب
خرج کما هو ولا یتیمَّم
٢٧٥- حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّد، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ عمرَ، قال: أخبرنا يونسُ، عن
الزُّهْريّ، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هُرَيرةَ قال: أُقِيمَتِ الصلاةُ وعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ قِياماً، فخَرَجَ
إلينا رسولُ اللهِ وَّةِ، فلمَّا قامَ في مُصلَّاه ذَكَرَ أنَّه جُنُبٌّ، فقال لنا: مكانَكُم، ثمَّ رَجَعَ فاغتَسَلَ،
ثمَّ خَرَجَ إلينا ورأْسُه يَقْطُرُ، فكَبَّرَ فصَلَّينا معه.
تابَعَه عبدُ الأعلى، عن مَعمَر، عن الزُّهْريّ. ورَواهُ الأوزاعيُّ عن الزُّهْريّ.
[طرفاه في: ٦٣٩، ٦٤٠]

٥٣
باب ١٧ / ح ٢٧٥
كتاب الغسل
قوله: ((باب إذا ذَكَر)) أي: تذكَّر الرجلُ وهو ((في المسجد أنَّه جُنُبٌ خَرَجَ)) ولأبي ذرِّ
وگریمة: يخرُجُ ((كما هو)) أي: على حاله.
قوله: ((ولا يتيمَّمُ)) إشارة إلى رَدّ مَن يُوجِبُه في هذه الصورة، وهو منقولٌ عن الثَّوْرِيِّ
وإسحاق،/ كذا قال بعض المالكيَّة فيمن نامَ في المسجد فاحتَلَمَ: يَتَيَمَّمُ قبل أنْ يَخْرُج. ووَرَدَ ٣٨٤/١
(ذَكَرِ)) بمعنى تذكَّر من الذُّكْرِ بضمِّ الذّال كثيراً، وإنْ كان المتبادَر أنَّه من الذِّكر بكسرها.
وقوله: ((خرج كما هو)) قال الكِرْماني: هذه الكاف كافُ المقارنة لا كافُ التشبيه، كذا
قال، وعلى التنزّل فالتشبيه هنا ليس مُمتِعاً لأنْ يتعلَّقَ بحالته، أي: خرج في حالةٍ شبيهةٍ
بحالتِه التي قبل خروجه فيما يتعلَّقُّ بالمحدِث، لم يفعلْ ما يرفعُه من غُسلِ أو ما يَنوبُ عنه
من التيمُّم.
قوله: «حدّثنا عبد الله بن محمَّد) هو الجُعْفيّ، ویونس: هو ابن یزید.
قوله: ((وعُدِّلَت)) أي: سُوّيَت، وكان من شأنِ النبيِّ وَّهِ أَنْ لا يُكْبِرُ حتَّى تستويَ
الصُّفوف.
قوله: ((فلمَّا قامَ في مُصلَّاه ذَكَر)) أي: تذكَّر، لا أنَّه قال ذلك لفظاً، وعَلِمَ الراوي بذلك
من قرائنِ الحال أو بإعلامه له بعد ذلك. وبيَّن المصنّف في الصلاة (٦٣٩) من رواية صالح
ابن كَيْسان عن الزُّهْريّ، أنَّ ذلك كان قبل أنْ يُكبِّرَ النبيُّ ◌َّ للصلاة.
قوله: ((فقال لنا: مكانَكُم)) بالنصب، أي: الْزَموا مكانكم. وفيه إطلاق القول على
الفعل، فإنَّ في رواية الإسماعيلي: ((فأشار بيده أنْ مكانكم))، ويحتمل أنْ يكون جمع بين
الكلام والإشارة.
قوله: ((ورأْسه يَقْطُرُ)) أي: من ماء الغُسل، وظاهرُ قوله: ((فَكَبَّر)) الاكتفاء بالإقامة
السابقة فيُؤْخَذُ منه جواز التخلُّل الكثير بين الإقامة والدُّخول في الصلاة، وسيأتي مع بقيّة
مباحث هذا الحديث في كتاب الصلاة قُبَيل أبواب صلاة الجماعة بعد أبواب الأذان
(٦٣٩ -٦٤٠) إن شاء الله تعالى.

٥٤
باب ١٨ / ح ٢٧٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((تابَعَه عبد الأعلى)) هو ابن عبد الأعلى البصريُّ، وروايته موصولة عند الإمام
أحمد (٧٥١٥) عنه، وقد تابَعَ عثمانَ بنَ عمر راويَه عن يونس عبدُ الله بن وَهْب عند مسلم
(١٥٧/٦٠٥)، وهذه مُتابعة تامّة.
قوله: ((ورواه الأوزاعيّ)) روايته موصولة عند المؤلّف في أوائل أبواب الإمامة كما سيأتي
(٦٤٠)، وظنَّ بعضُهم أنَّ السببَ في التَّفرقة بين قوله: ((تابَعَه)) وبین قوله: ((رواه)) گَوْن
المتابعة وَقعت بلفظه والرواية بمعناه، وليس كما ظنَّ، بل هو من التفنُّنِ في العبارة.
١٨ - باب نَفْض اليدين من الغُسْل عن الجنابة
٢٧٦- حدَّثْنَا عَبْدَانُ، قال: أخبرنا أبو حمزةَ، قال: سمعتُ الأعمشَ، عن سالم، عن
كُرَيب، عن ابنِ عبَّاس، قال: قالت ميمونةُ: وَضَعْتُ للنبيِّوَ غُسْلاً فسَترتُه بثوبٍ، وصَبَّ
على يَدَيهِ فَغَسَلَهُما، ثمَّ صَبَّ بَيَمِينِهِ على شِمالِهِ فَفَسَلَ فَرْجَه، فضَرَبَ بيدِه الأرضَ فمَسَحَها، ثمَّ
غَسَلها فمَضمَضَ واستَنشَقَ وغَسَلَ وجهَه وذِراعَيه، ثمَّ صَبَّ على رَأْسِه وأفاضَ على جَسَدِهِ،
ثُمَّ تَنَخَّى فَفَسَلَ قَدَمَيه، فناوَلتُهُ ثوباً فلم يأْخُذْه، فانطَلَقَ وهو يَنْفُضُ يَدَيه.
قوله: ((باب نَفْض اليَدَينِ من الغُسْل عن الجَنَابة)) كذا لأبي ذرِّ وكَرِيمة، وللباقين: من
غُسْل الجنابة.
قوله: ((أخبرنا أبو حمزة) هو السُّگّريّ.
قوله: ((فانطلقَ وهو يَنفُضُ يَدَيه)) استُدلَّ به على جواز نَفْض ماء الغسل والوضوء، وقد
تقدَّم ذلك في أوائل الغُسل (٢٤٩) وهو ظاهر.
وفي هذا الإسناد مَروَزيّان: عَبْدانٌ وشيخُه، وكوفيّان: الأعمش وشيخُه، ومدنّان:
كُرَيب وشيخُه، وفيما قبلَه ببابٍ (٢٧٤) كذلك، لأنَّ يوسف بن عيسى وشيخه مَروزیّان،
وفيما قبل ذلك بصريّان: موسى وأبو عَوَانة، وكذا موسى وعبد الواحد، وكذا محمد بن
محبوب وعبد الواحد، وفيما قبل أيضاً مَكِّان: الحُميديُّ وسفيانُ، وكلُّهم رَوَوْه عن
الأعمش بالإسناد المذكور.

٥٥
باب ١٩ / ح ٢٧٧
كتاب الغسل
١٩ - باب مَن بَدَأ بشِقٌّ رأسه الأيمن في الغُسْل
٢٧٧ - حدَّثْنَا خَلَّادُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُّ نافع، عن الحسنِ بنِ مُسْلم، عن
صَفِيّةً بنتٍ شَيْبةَ، عن / عائشةَ قالت: كنَّا إذا أصابَ إِحدَانا جَنابةٌ، أخَذَتْ بَيَدَيها ثلاثاً فوقَ ٣٨٥/١
رَأْسِها، ثمَّ تَأْخُذُ بيدِها على شِقِّها الأيمَن، وبيدِها الأخرى على شِقٌّها الأيسر.
قوله: ((باب مَن بَدَأ بشِقِّ رَأْسِه الأيمَنِ في الغُسْلِ)) تقدَّم مثلُ ذلك (٢٥٨) في ((باب مَن
بدأ بالحِلاب)».
قوله: ((حدَّثنا خَلّادُ بنُ یحیی)) هذا من كِبار شيوخ البخاري، وهو کونُّ سَكَنَ مگَّة،
ومَن فوقه إلى عائشة مکیُّون.
قوله: ((عن صَفيَّةٌ)) وللإسماعيليّ: أنَّه سمع صَفيَّة، وهي من صغار الصحابة، وأبوها
شيبة هو ابن عثمان الحجبيّ العبدريّ صحابي مشهور.
قوله: ((أصابَ)) ولكَرِيمة: ((أصابت إحدانا)) أي: أزواج النبيِّ ◌َّ، وللحديث حُكْمُ
الرفع، لأنَّ الظاهرَ اطّلاع النبيِّ وَّ على ذلك، وهو مَصِيرٌ من البخاريِّ إلى القول بأنَّ
لقول الصحابي: ((كنَّ نفعلُ كذا» حُكْم الرفع سواء صَرَّحَ بإضافته إلى زمنِهِ وَِّ أم لا، وبه
جَزَمَ الحاكم.
قوله: ((أَخَذَتْ بِيَدَيها)) ولكَرِيمة: ((بيدها)) أي: الماء، وصَرَّحَ به الإسماعيلي في روايته.
قوله: ((فوقَ رَأْسِها)) أي: فصَبَّتْه فوقَ رأسها، وللإسماعيليِّ: أخَذَت بيديها الماء ثمَّ صَبَّت
على رأسها.
قوله: ((وبيدها الأخرى)) في رواية الإسماعيلي: ((ثُمَّ أَخَذَت بيدها)) وهي أدَلَّ على الترتيب
من رواية المصنّف وإنْ كان لفظ ((الأُخرى)) يدلُّ على أنَّ لها أُولى وهي متأخِّرةٌ عنها.
فإِنْ قيل: الحديثُ دالٌّ على تقديم أيمَنِ الشخصِ لا أيمَنِ رأسه، فكيف يُطابقُ
الترجمةَ؟

٥٦
باب ٢٠ / ح ٢٧٨
فتح الباري بشرح البخاري
أجابَ الكِرْمانيّ بأنَّ المرادَ من أيمَنِ الشخص: أيمنه من رأسه إلى قَدَمِه فيُطابقُ، والذي
يظهرُ أنَّه حمل الثلاث في الرأس على التوزيع كما سبق (٢٥٨) في ((باب مَن بدأَ بالخِلاب)»
وفيه التصريحُ بأنَّه بدأَ بشِقِّ رأسه الأيمن، والله أعلم.
٢٠ - بابُ منِ اغتسل عُزْياناً وحدَه في خَلْوة
ومن تسئَّ فالتسُّ أفضل
وقال بَهزٌ، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيِّ ◌َّهِ: ((الله أحَقُّ أنْ يُستَحْيا منه مِن الناس)).
٢٧٨ - حدَّثنا إسحاقُ بنُ نَصْرِ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، عن مَعمَر، عن هَّام بنِ مُنبِّه،
عن أبي هُرَيرةَ، عن النبيِّ وَّرِ قال: ((كانت بنو إسرائيلَ يَغتسِلُونَ عُراةً، يَنظُرُ بعضُهم إلى
بعضٍ، وكان موسى يَغتسِلُ وَحْدَه، فقالوا: والله ما يمنعُ موسى أنْ يَغتسِلَ معَنا إلَّا أنَّه آدَرُ،
فذهب مَرّةً يَغتسِلُ، فَوَضَعَ ثوبَه على حَجَرِ، ففَرَّ الحَجَرُ بثوبِهِ، فَجَمَحَ موسی في إثرِه، يقولُ:
ثوبي يا حَجَرُ! حتَّى نَظرَتْ بنو إسرائيلَ إلى موسى، فقالوا: والله ما بموسى من بأس، وأخَذَ
ثوبَه فطَفِقَ بالحجَرِ ضَرْباً). فقال أبو هُرَيرةَ: والله إنَّه لَنَدَبِّ بالحجرِ سِنَةٌ أو سَبْعةٌ ضَرْباً
بالحجَرِ.
[طرفاه في: ٣٤٠٤، ٤٧٩٩]
قوله: ((باب مَن اغتَسَلَ عُزْياناً وَحْدَه في خَلْوةٍ» أي: من الناس، وهو تأكيدٌ لقوله:
((وحدَه)) ودَلَّ قوله: ((أفضلُ)) على الجواز وعليه أكثر العلماء، وخالفَ فيه ابن أبي ليلى وكأنَّه
تَسَّكَ بحديث يَعْلى بن أُميَّة مرفوعاً: ((إذا اغتسل أحدُكم فلْيَسْتِرِ)) قاله لرجل رآه يغتسلُ
عُرْياناً وحدَه، رواه أبو داود (٤٠١٢)، وللبَزّار (٤٧٩٩) نحوُه من حديث ابن عبّاس
مُطوَّلاً.
قوله: (وقال بهْزٌ) زاد الأَصِیلی: ابن حَکیم.
قوله: ((عن جدِّه)) هو معاوية بن حَيْدة، بحاءٍ مُهمَلةٍ / وياءٍ تحتانيَّةِ ساكنةٍ، صحابي
معروف.
٣٨٦/١

٥٧
باب ٢٠ / ح ٢٧٨
كتاب الغسل
قوله: ((أنْ يُستَحْيا منه من الناس)) كذا لأكثر الرُّواة، وللسَّرَخْسيِّ: «أحقّ أنْ يَسْتِرَ منه»،
وهذا بالمعنى، وقد أخرجه أصحابُ السُّنن وغيرهم من طرقٍ عن بَهْز، وحَسَّنه التِّرمِذيّ
وصحَّحه الحاكمُ(١)، وقال ابن أبي شَيْبة: حدّثنا يزيد بن هارون، حدَّثنا بَهْزُ بن حَكيم، عن
أبيه، عن جدِّه قال: قلت: يا نبيَّ الله، عَوْراتنا ما نأتي منها وما نَذَرُ؟ قال: احفَظْ عَوْرَتك إلَّا
من زوجتِك أو ما مَلَكَت يمينُك. قلت: يا رسول الله، أحدُنا إذا كان خالياً؟ قال: الله أحقُّ
أنْ يُستَحْيا منه من الناس. فالإسناد إلى بَهْزٍ صحيح، ولهذا جَزَمَ به البخاري، وأمَّا بَهْز وأبوه
فليسا من شرطِهِ، ولهذا لمَّا عَلَّقَ في النكاح شيئاً من حديث جَدّ بَهْزٍ لم يجزِم به بل قال:
((ويُذكَرُ عن معاوية بن حَيدة)) فعُرِفَ من هذا أنَّ مجرَّدَ جَزْمِه بالتعليق لا يدلُّ على صِحّة
الإسناد إلَّا إِلى مَن عَلَّقَ عنه، وأمَّا ما فوقَه فلا يدلُّ، وقد حقَّقْت ذلك فيما كتبتُه على ابن
الصلاح وذكرتُ له أمثلةً وشواهدَ ليس هذا موضع بَسْطِها.
وعُرِفَ من سياق الحديث أنَّه واردٌ في كشف العَوْرة بخلاف ما قال أبو عبد الملك
البَوْني: إنَّ المرادَ بقوله: ((أحقّ أنْ يُستَحْيا منه)) أي: فلا يُعصَى. ومفهومُ قوله: ((إلَّا من
زوجتك)) يدلُّ على أنَّه يجوز لها النَّظرُ إلى ذلك منه، وقياسه: أنَّه يجوز له النَّظرُ، ويدلُّ أيضاً
على أنَّه لا يجوز النَّظرُ لغير مَن استثنى، ومنه الرجلُ للرجل والمرأةُ للمرأة، وفيه حديثٌ في
((صحيح مسلم)) (٣٣٨).
ثمّ إنَّ ظاهر حديث يَهْزٍ يدلُّ على أنَّ التعرِّيَ في الخَلْوة غير جائزٍ مُطلَقاً، لكن استدلَّ
المصنّف على جوازه في الغُسل بقِصَّة موسى وأيوب عليهما السلام، ووجه الدّلالة منه
- على ما قال ابن بَطَّل ـ أنَّهما ممَّن أُمِرْنا بالاقتداء به، وهذا إنَّما يأتي على رأي مَن يقولُ:
شَرْعُ مَن قبلَنا شَرْعٌ لنا.
والذي يظهرُ أنَّ وجهَ الدّلالة منه: أنَّ النبيَّ ◌َِّ قَصَّ القِصَّتَيْنِ ولم يَتعقَّبْ شيئاً منهما،
(١) أبو داود (٤٠١٧)، وابن ماجه (١٩٢٠)، والترمذي (٢٧٦٩) و(٢٧٩٤)، والنسائي في ((الكبرى))
(٨٩٢٣)، والحاكم ١٧٩/٤ - ١٨٠.

٥٨
باب ٢٠ / ح ٢٧٨
فتح الباري بشرح البخاري
فدَلَّ على موافقتِهِما لشَرْعِنا، وإلّا فلو كان فيهما شيء غير موافقٍ لَبِيَّنْه، فعلى هذا فيُجمَعُ بين
الحديثين بحمل حديث بَهْز بن حكيم على الأفضل، وإليه أشار في الترجمة، ورَجَّحَ بعض
الشافعيَّة تحريمه، والمشهورُ عند مُتقدِّميهم كغيرهم الكراهةُ فقط.
قوله: ((كانت بنو إسرائيلَ)) أي: جماعَتُهم، وهو كقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّا ﴾
[الحجرات: ١٤].
قوله: ((يَغتِلُونَ عُراةٍ)) ظاهره أنَّ ذلك كان جائزاً في شَرْعِهم، وإلّا لمَا أقرَّهم موسى
على ذلك، وكان هو عليه السلام يغتسلُ وحدَه أخذاً بالأفضل. وأغرَبَ ابن بَطَّال فقال:
هذا يدلُّ على أنَّهم كانوا عُصاة له، وتبعه على ذلك القُرْطبيُّ فأطالَ في ذلك.
قوله: ((آدَر)) بالمدِّ وفتح الدَّال المهمَلة وتخفيف الراء، قال الجَوْهَري: الأُدْرةُ: نَفْخَة في
الخُصْية، وهي بفَتَحات، وحُكيَ بضمٍّ أوَّله وإسكان الدَّال.
قوله: ((فجَمَحَ موسى)) أي: جرى مُسرِعاً، وفي رواية: فخرج.
قوله: ((ثوبي يا حَجَر)) أي: أعطِنِي، وإنَّما خاطَبَه، لأنَّه أجراه مجرى مَن يَعِقِلُ لكَوْنه فرَّ
بثوبه فانتقل عنده من حُكْم الجماد إلى حُكْم الحيوان فناداه، فلمَّا لم يُعْطِه ضربه. وقيل: يحتمل
أنْ يكون موسى أراد بضَرْبه إظهارَ المعجزة بتأثير ضَرْبه فيه، ويحتمل أن يكون عن وَحْي.
قوله: ((حتَّى نَظرَت)) ظاهره أَّهم رَأوا جسدَه، وبه يَتِمُّ الاستدلال على جواز النظر عند
الضَّرورة لمداواةٍ وشبهِها، وأبدى ابن الجَوْزيِّ احتمال أنْ يكون كان عليه مِثْزَر، لأنَّه يُظهِرُ
ما تحته بعد البلل، واستحسَنَ ذلك ناقلاً له عن بعض مشائخه، وفيه نظر.
قوله: ((فطَفِقَ بالحجَرِ ضَرْباً)) كذا لأكثر الزُّواة، وللكُشْمِيهَني والحَمُّوِيِّ: ((فِطَفِقَ الحجرَ
ضَرْبًا))، والحجرُ على هذا منصوبٌ بفعلٍ مُقدَّر، أي: طَفِقَ يضربُ الحجرَ ضَرْباً.
قوله: ((قال أبو هريرةَ)) هو من تتمّة مَقُول همَّام وليس بمُعلَّق.
قوله: (لَنَدَبُّ)) بالنون والدَّال المهمَلة المفتوحتين: وهو الأثرُ، وسيأتي بقيَّة الكلام على
هذا الحديث في أحاديث الأنبياء (٣٤٠٤) إن شاء الله تعالى.

٥٩
باب ٢٠ - ٢١ / ح ٢٧٩ - ٢٨٠
كتاب الغسل
٢٧٩ - وعن أبي هُرَيرةَ، عن النبيِّ وَّل قال: «بَيْنا أيوبُ یَغتسِلُ عُزْیاناً، فخَرَّ علیه جَرادٌ من/٣٨٧/١
ذَهَب، فجعل أيوبُ تَحَي في ثوبه، فناداه رَبُّه: يا أيوبُ، ألم أكُنْ أغْنَيتُكَ عمَّا تَرى؟ قال: بَلَى
وعِزَّتِكَ، ولكنْ لا غِنَى بي عن بَرَكَتِكَ)).
ورواه إبراهيمُ، عن موسى بنِ عُقْبةَ، عن صَفْوانَ بن سُلَيم، عن عطاءِ بنِ يَسار، عن أبي
هريرةَ، عن النبيِّ يَِّ قال: ((بَيْنا أيوبُ يَغتسِلُ عُرْياناً ... )).
[طرفاه في: ٣٣٩١، ٧٤٩٣]
قوله: ((وعن أبي هريرةَ)) هو معطوفٌ على الإسناد الأوَّل، وجَزَمَ الكِرْمانيّ بأنَّه تعليقٌ
بصيغة التمريض فأخطأ، فإنَّ الحديثين ثابتان في نسخة همَّام بالإسناد المذكور. وقد أخرج
البخاري هذا الثاني من رواية عبد الرزاق بهذا الإسناد في أحاديث الأنبياء (٣٣٩١).
قوله: ((يَحَي)) بإسكان المهمَلة وفتح المثنَّة بعدَها مُثَلَّثة، والحَفْيةُ: هي الأخذ باليد.
ووقع في رواية القاسيّ عن أبي زيد: ((يَتئن)) بنونٍ في آخره بدل الياء.
قوله: ((لا غِنَى)) بالقَصْر بلا تنوينٍ، ورُوِّيناه بالتنوين أيضاً على أنَّ((لا)) بمعنى: ليس.
قوله: ((ورواه إبراهيمُ)) هو ابن طَهْمان، وروايتُه موصولة بهذا الإسناد عند النَّسائيِّ
(٤٠٩) والإسماعيليّ.
قال ابن بَطَّال: وجه الدّلالة من حديث أيوبَ أنَّ الله تعالى عاتَبَه على جمع الجَراد ولم
يُعاتبْه على الاغتسال عُرْياناً، فدَلَّ على جوازه. وسيأتي بقيّة الكلام عليه في أحاديث الأنبياء
(٣٣٩١) أيضاً.
٢١ - باب التستُّ في الغُسْل عند الناس
٢٨٠- حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلمَةَ، عن مالكِ، عن أبي النَّضْر مولى عمرَ بنِ عُبيد الله: أنَّ أبا
مُرّةَ مولى أُمّ هانئ بنتِ أبي طالبٍ أخبره: أنَّه سَمِعَ أُمَّ هانئ بنت أبي طالبٍ تقولُ: ذهبتُ إلى
رسولِ الله وَّهِ عامَ الفَتْحِ، فوَجَدتُّه يَغتسِلُ وفاطمةُ تَسْتُرُه، فقال: ((مَن هذه؟)) فقلتُ: أنا أَمُّ هاني.
[أطرافه في: ٣٥٧، ٣١٧١، ٦١٥٨]

٦٠
باب ٢١ / ح ٢٨٠ -٢٨١
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب التستُُّ)) لمَّا فَرَغَ من الاستدلال لأحدِ الشِّقَّين: وهو التعرِّي في الخَلْوة،
أورَدَ الشِّقَّ الآخَر.
قوله: ((مَوْلى عمر بن عُبيد الله)) بالتصغير: وهو التَّيميُّ، وأُمّ هانيٍ بهمزةٍ مُنَوَّنة.
قوله: ((فقال: مَن هذه؟)) يدلُّ على أنَّ السّتْر كان كثيفاً، وعَرَفَ أنَّها امرأةٌ لكَوْن ذلك
الموضع لا يدخل عليه فيه الرجالُ، وسيأتي الكلامُ عليه في أواخر الجهاد (٣١٧١) حيثُ
أو رَدَه المصنّف تامّاً.
٢٨١- حدَّثْنَا عَبْدانُ، قال: أخبرنا عبدُ الله، قال: أخبرنا سفيانُ، عن الأعمش، عن سالم
ابنِ أبي الجَعْد، عن كُرَيب، عن ابنِ عبَّاس، عن ميمونةَ قالت: سَترتُ النبيَّ لَ﴿ وهو يَغتسِلُ
مِن الجَنَابة، فغَسَلَ يَدَيه، ثمَّ صَبَّ بِيَمِينِهِ على شِماله ففَسَلَ فرجَه وما أصابَه، ثمَّ مَسَحَ بيدِه على
الحائطِ أو الأرض، ثمَّ توضَّأ وُضُوءَه للصلاة غيرَ رِجْليه، ثمَّ أفاضَ على جَسَدِه الماءَ، ثمَّ تَنَخَّى
فَغَسَلَ قَدَمَيه.
تابَعَه أبو عَوَانة وابنُ فُضَيلٍ في السَّتْر.
قوله: ((أخبرنا عبد الله)) هو ابن المبارك، وسفيان: هو الثَّوْرُّ، وقد تقدَّم الحديث في
٣٨٨/١° وَّل الغُسل (٢٤٩) للمصنِّف / عالياً إلى الثَّوْريّ، ونزل فيه هنا درجة، وكذلك نزل فيه
شيخُه عبدان درجة، لأنَّه سبق (٢٧٦) من روايته عن أبي حمزة عن الأعمش، والسببُ في
ذلك اعتناؤُه بِمُغايرة الطُّرُقِ عند تَغايُرِ الأحكام.
قوله: («تابَعَه أبو عَوانَةَ)) أي: عن الأعمش بإسناده هذا، وقد تقدَّمت هذه المتابعةُ
موصولة عنده (٢٦٦) في ((باب مَن أَفَرَغَ بيمينه)).
قوله: ((وابن فُضَيل)) أي: عن الأعمش أيضاً بهذا الإسناد، وروايته موصولة في
((صحيح)) أبي عَوَانة الإسفرايينيّ (٨٦٤) نحو رواية أبي عَوَانة البصريّ، وقد وقع ذِكرُ
السَّتْر أيضاً في هذا الحديث من رواية أبي حمزة عند المصنِّف (٢٧٦)، ومن رواية زائدةً عند
الإسماعيليّ، وسبقت مباحث الحديث في أوَّل الغُسل (٢٤٩)، والله المستعان.