النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ باب ٤ / ح ٢٥٤ كتاب الغسل ٤ - باب من أفاضَ على رأسه ثلاثاً ٢٥٤- حدَّثنا أبو نُعَيم، قال: حدَّتنا زُهَيرُ، عن أبي إسحاقَ، قال: حدَّثني سليمانُ بنُ صُرَد، قال: حدَّثْنِي جُبيرُ بنُ مُطْعِم، قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((أما أنا فأَفِيضُ على رَأْسي ثلاثاً) وأشار بيديه كِلْتيهما. قوله: ((باب من أفاضَ على رَأْسِه ثلاثاً» تقدَّم حديث ميمونة (٢٥٣) وعائشة (٢٥١) في ذلك. قوله: ((حدَّثْنا زُهَیر)) هو ابن معاوية الُعْفيّ، وقد عَلَا عنه في هذا الإسناد، ونزل في الباب الذي قبلَه (٢٥٢)، وأبو إسحاق: هو السَّبيعيُّ أيضاً، وسليمان بن صُرَدِ خُزاعيٍّ وهو من أفاضل الصحابة، وأبوه بضمِّ المهمَلة وفتح الراء، وشيخُه من مشاهيرِ الصحابة، ففيه روايةُ الأقران. قوله: ((أما أنا فأُفيضُ)) بضم الهمزة وقَسِيم ((أمَّا)) محذوف، وقد ذكر أبو نُعيم في ((المستخرَج)) سببَه من هذا الوجه وأوَّلُه عنده: ((ذكروا عند النبيِّ وَِّ الغُسلَ من الجنابة)) فذكره، ولمسلم (٣٢٧/ ٥٤) من طريق أبي الأحوَص عن أبي إسحاق: ((تَمَارَوْا في الغُسل عند النبيِّ ◌َّهِ فقال بعض القوم: أمَّا أنا فأغِلُ رأسي بكذا وكذا)) فذكر الحديث، وهذا هو القَسيمُ المحذوفُ، ودَلَّ قوله: ((ثلاثاً) على أنَّ المرادَ بـ(كذا وكذا)) أكثر من ذلك، ولمسلم (٣٢٨) من وجهٍ آخر: أنَّ الذين سألوا عن ذلك هم وَفْد ثَقيف، والسِّياق مُشعِر بأنَّه ◌ِ﴿ ﴿ كان لا يُفيضُ إلَّا ثلاثاً، وهي مُتمِلةٌ لأنْ تكون للتَّكْرار، ومُحتمِلةٌ لأنْ تكون للتوزيع على جميع البدن، لكنَّ حديثَ جابر في آخر الباب (٢٥٦) يقوِّي الاحتمال الأوَّل، وسنذكر ما فيه. قوله: ((كِلْتَيهما)) كذا للأكثر، وللكُشْمِيهَنيّ: ((كلاهما))، وحكى ابن التِّين: أنَّ في بعض الروايات («كِلْتاهما)»، وهي تُرَّجةٌ على مَن يراها تَثْنية ويرى أنَّ التثنيةَ لا تتغيَّر كقوله: قد بَلَغا في المَجْد غايتَاها ٢٢ باب ٤ / ح ٢٥٥ -٢٥٦ فتح الباري بشرح البخاري وهكذا القولُ في رواية الكُشْمِيهَنيّ، وهو مذهب الفَرَّاء في ((كِلا)» خلافاً للبصريّين، ويمكن أنْ يُخرَّجَ الرفع فيهما على القَطْع. ٢٥٥- حدَّثني محمَّدُ بنُ بَشّار، قال: حدّثنا غُندَرٌّ، قال: حدَّثْنَا شُعْبَةُ، عن مِخْوَلِ بنِ راشِد، عن محمَّدٍ بنِ عليّ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله، قال: كان النبيُّ وَلاَ يُفْرِغُ على رَأْسِه ثلاثاً. قوله: ((حدَّثني)) وللأَصِيليّ: حدَّثنا محمَّد بن بَشّار: هو بُنْدَارٌ كما صَرَّحَ به الإسماعيلي في روايته حيثُ أخرجه عن الحسن بن سفيان وغيره عنه، وأبوه بالموحّدة وتثقيل المعجمة بلا خلاف، وليس في ((الصحيحين)) بهذه الصورة غيره، قاله أبو عليّ الجَيَّانيّ وجماعة بعده، وغَفَلَ بعضُ المتأخِّرين فضبطه بمُثَنَّة وسين مُهمَلة، وإِنَّمَا نَبَّهتُ عليه لئلا يُغْتَرَّ به، فإنَّه لا يخفى على مَن له أدنى تُمارَسةٍ في هذا الشَّأْن. قوله: ((مِخْوَل)) بكسر أوَّله وإسكان المعجَمة وبوَزْنِ محمد أيضاً، وهذان الوجهان في رواية أبي ذرٍّ والأوَّلُ للأكثر، والثاني لابن عساكر، وليس له في البخاريِّ سوى هذا الحديث، ومحمد بن عليّ شيخه: هو أبو جعفر المعروف بالباقِر. قوله: (یُفْرِغُ)) بضمِّ أوَّله. ٣٦٨/١ قوله: ((ثلاثاً)) أي/: غَرَفات. زاد الإسماعيلي: ((قال شُعْبة: أظنُّه من غُسْل الجنابة)) وفيه: وقال رجل من بني هاشم: إنَّ شَعري كثير، فقال جابر: شَعرُ رسول الله وَّهِ كان أكثرَ من شعرك وأطيب(١). ٢٥٦- حدَّثنا أبو نُعَيم، قال: حدَّثنا مَعْمَرُ بنُ يحيى بنِ سامٍ، حدَّثني أبو جعفر، قال: قال لي جابرٌ: وأتاني ابنُ عَمِّكَ - يُعرِّضُ بالحسنِ بنِ محمَّدٍ ابنِ الحَنِفِيَّة - قال: كيفَ الغُسْلُ مِن الجَنَابة؟ فقلتُ: كان النبيُّ وَّهِ يَأْخُذُ ثلاثَ أكُفٍّ ويُفِيضُها على رَأْسِه، ثمَّ يُفِيضُ على سائرِ جَسَدِه، فقال ليَ الحسنُ: إنّي رجلٌ كثيرُ الشَّعَر، فقلتُ: كان النبيُّ ◌َِّ أكثرَ منكَ شَعراً. قوله: ((حدَّثْنَا مَعْمَر)) بإسكان العين في أكثر الروايات وبه جَزَمَ المِزِّيُّ، وفي رواية (١) وهاتان الزيادتان عند أحمد أيضاً (١٤١٨٨) عن محمد بن جعفر - الملقَّب غُندَر - بإسناد البخاري. ٢٣ باب ٤ / ح ٢٥٦ كتاب الغسل القابِسيّ بوَزْن محمَّد وبه جَزَمَ الحاكمُ، وليس له أيضاً في البخاريِّ غيرُ هذا الحديث، وقد يُنسَبُ إلى جدِّه سام فيقال: مَعمَر بن سام، وهو بالمهمَلة وتخفيف الميم. قوله: ((ابن عَمِّك)) فيه تجوُّز، فإنَّه ابن عَمِّ والدِه عليٍّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب، والحنفيَّةُ كانت زوجَ عليّ بن أبي طالب تزوَّجها بعد فاطمة رضي الله عنها، فولدت له محمداً فاشتَهَر بالنِّسبة إليها. وقولُ جابر: ((أتاني)) يُشعِرُ بأنَّ سؤالَ الحسن بن محمد كان في غَيبة أبي جعفر، فهو غيرُ سؤال أبي جعفر الذي تقدَّم في الباب الذي قبلَه (٢٥٢)، لأنَّ ذلك كان عن الكَمِّيَّة كما أشعَرَ بذلك قولُه في الجواب: ((يَكْفيك صاعٌ)) وهذا عن الكيفيَّة، وهو ظاهرٌ من قوله: ((كيف الغُسلُ)) ولكنَّ الحسن بن محمد في المسألتينِ جميعاً هو المنازعُ لجابر في ذلك فقال في جواب الكَمّيَّة: ((ما يَكْفيني)) أي: الصاع ولم يُعلِّل، وقال في جواب الكيفيَّة: ((إنّي كثيرٌ الشَّعر)) أي: فأحتاجُ إلى أكثرَ من ثلاثٍ غَرَفات، فقال له جابر في جواب الكيفيَّة: ((كان رسولُ الله ◌ٍَّ أكثرَ شعراً منك وأطيب)) أي: واكتَفَى بالثلاث، فاقتَضَى أنَّ الإنقاءَ يَحصُلُ بها، وقال في جواب الكَمّيَّة ما تقدَّم، وناسَب ذِكرُ الخيريَّة، لأنَّ طَلَبَ الازديادِ من الماء يُلْحَظُ فيه التحَرّي في إيصال الماء إلى جميع الجسد، وكان ◌َّ سيِّدِ الوَرِعين وأتقَى الناس لله وأعلمَهم به، وقد اكتَفَى بالصَّاعِ، فأشار جابر إلى أنَّ الزيادةَ على ما اكتَفَى به تَنَطُّعُ قد يكونُ مَثارُه الوَسْوَسة، فلا يُلتَفَتُ إلیه. قوله: (ثلاث أكُفِّ)) وفي رواية كَرِيمة: ((ثلاثة أكُفّ)) وهي جمعُ كفّ، والكَفُّ تُذكَّرُ وتُؤنَّثُ، والمراد: أنَّه يأخذُ في كلِّ مرَّة كفَّين، ويدلُّ على ذلك رواية إسحاق بن راهويه من طريق الحسن بن صالح، عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال في آخر الحديث: ((وبَسَطَ يديه)) ويؤيِّدُه حديثُ جُبَير بن مُطعِم الذي في أوَّل الباب، والكَفُّ اسم جِنْسٍ فَيُحمَّلُ على الاثنين، ويحتمل أنْ تكون هذه الغُرُفات الثلاث للتَّكْرار، ويحتمل أنْ يكون لكلِّ جهةٍ من الرأس غُرْفَةٌ كما سيأتي في حديث القاسم بن محمد عن عائشة قريباً (٢٥٨). ٢٤ باب ٥-٦ / ح ٢٥٧ -٢٥٨ فتح الباري بشرح البخاري ٥- باب الغُسْل مرّةً واحدةً ٢٥٧- حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا عبدُ الواحد، عن الأعمش، عن سالم بنِ أبي الجَعْد، عن كُرَيب، عن ابنِ عبَّاس قال: قالت ميمونةُ: وَضَعتُ للنبيِّ وَِّ ماءً للغُسْل، فَغَسَلَ يَدَه مَرَّتَينِ أو ثلاثاً، ثمَّ أفرَغَ على شِماله ففَسَلَ مَذاكِيرَه، ثمَّ مَسَحَ يدَه بالأرض، ثمَّمَضمَضَ واستَنشَقَ وغَسَلَ وجهَه ويَدَيه، ثمَّ أفاضَ على جَسَدِه، ثمَّ تَحوَّلَ من مكانِه فغَسَلَ قَدَمَيهِ. ٣٦٩/١ قوله: ((باب الغُسْلِ مَرَّة واحدة)) قال ابن بَطَّال: يُستَفادُ ذلك من قوله: ((ثمَّ أفاضَ على جسده)، لأنَّه لم يُقَيِّدْ بعَدَدٍ فيُحمَلُ على أقلّ ما يُسمَّى وهو المرّةُ الواحدةُ، لأنَّ الأصلَ عَدَم الزيادة عليها. قوله: ((حدَّثنا عبد الواحد)» هو ابن زياد، وباقي الإسناد والمتن تقدَّم (٢٤٩) في ((باب الوضوء قبل الغُسل)). قوله في هذه الرواية: ((فَغَسَلَ يدَه)» وللكُشْمِيهَنيّ: يديه ((مَرَّتَينٍ أو ثلاثاً)) الشَّكّ من الأعمش كما سيأتي من رواية أبي عَوَانة عنه (٢٦٦)، وغَفَلَ الكِرْمانيّ فقال: الشَّكُّ من ميمونة. قوله: ((مَذاكيره)) هو جمعُ ذَكَرٍ على غير قياس، وقيل: واحدُه مِذْكار، وكأنَهم فرَّقوا بين العُضْوِ وبين خلاف الأنثى. قال الأخفش: هو من الجمع الذي لا واحدَ له، وقيل: واحده مِذكار. وقال ابن خَرُوف: إنَّما جمعَه مع أنَّه ليس في الجسد إلَّا واحد، بالنَّظرِ إلى ما يَتَّصِلُ به وأطلَقَ على الكلِّ اسمَه، فكأنَّه جعل كلَّ جزءٍ من المجموع كالذَّكَرِ في حُكْم الغسل. ٦ - باب من بدأ بالحِلاب أو الطِّيب عند الغُسل ٢٥٨- حدَّثنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو عاصم، عن حَنْظَلَةَ، عن القاسم، عن عائشةَ قالت: كان النبيُّ ◌َّهِ إِذا اغتَسَلَ مِن الجَنَابةِ دَعَا بشيءٍ نَحْوِ الحِلَاب، فأخَذَ بَكَفَّه فِبَدَأ بِشِقٌّ رَأْسِهِ الأيمَنِ ثمَّ الأيسَرِ، فقال بهما على وَسَطِ رَأْسِه. ٢٥ باب ٦ / ح ٢٥٨ كتاب الغسل قوله: ((باب مَن بدأ بالخِلاب أو الطِّيب عند الغُسْل)) مطابقة هذه الترجمة لحديث الباب أشكَلَ أمرُها قديماً وحديثاً على جماعةٍ من الائمَّة، فمنهم مَن نَسَبَ البخاري فيها إلى الوَهْم، ومنهم مَن ضَبَطَ لفظ الحِلاب على غير المعروف في الرواية لتَتَّجِه المطابقة، ومنهم مَن تَكَلَّفَ لها توجيهاً من غير تغيير. فأمَّا الطائفةُ الأولى فأوَّلهم الإسماعيلي فإنَّه قال في ((مُستخرَجه)): رَحِمَ الله أبا عبد الله - يعني البخاري - مَن ذا الذي يَسْلَمُ من الغلطِ، سبق إلى قلبه أنَّ الحِلابَ طِيب، وأُّ معنّى للطّيب عند الاغتسال قبل الغُسل، وإنَّما الحِلابُ إناء، وهو ما يُحْلَبُ فيه يُسمَّى حِلاباً ومِحلّباً. قال: وفي تأمُّل طرق هذا الحديث بيان ذلك حيثُ جاء فيه: ((كان يغتسلُ من حِلاب)) انتهى. وهي روايةٌ ابن خُزيمة (٢٤٥) وابن حِبَّان (١١٩٧) أيضاً. وقال الخَطَّابي في ((شرح أبي داود)): الحِلابُ إناء يَسَعُ قَدْر حَلْب ناقة، قال: وقد ذكره البخاري وتأوَّلَه على استعمال الطِّيب في الطَّهور، وأحسَبُهُ تَوَهَّمَ أنَّهِ أُرِيدَ به المِحلَب الذي يُستعمَلُ في غسل الأيدي، وليس الحِلاب من الطّيب في شيء، وإنَّما هو ما فسَّرَتُ لك. قال: وقال الشاعر(١): رَدَّ في الضَّرْعِ ما قَرَى في الحِلَابِ صاح هل رَيْتَ أو سمعتَ براعٍ وتبع الخَطَّابِيَّ ابنُ قُرْقول في ((المطالع)) وابنُ الجَوْزيِّ وجماعة. وأمَّا الطائفةُ الثانيةُ، فأوَّلهم الأزهريّ، قال في ((التهذيب)): الخِلابُ في هذا الحديث ضبطه جماعة بالمهمَلة واللام الخفيفة، أي: ما يُحلَبُ فيه كالمِحِلَّب، فصَخَّفوه، وإنَّما هو الْجُلّابُ بضمِّ الجيم وتشديد اللام: وهو ماءُ الوَرْد، فارسيٌّ مُعرَّب. وقد أنكَرَ جماعة على الأزهريِّ هذا من جهة أنَّ المعروفَ في الرواية بالمهمَلة والتخفيف، ومن جهة المعنى أيضاً، قال ابن الأثير: لأنَّ الطِّيبَ يُستعمَلُ بعد الغُسلِ أَلْيَقُ منه قبلَه (١) هو إسماعيل بن يسار النَّسائي، وانظر ((خزانة الأدب)) ٩/ ١٧٢ بتحقيق عبد السلام هارون، ٢٦ باب ٦ / ح ٢٥٨ فتح الباري بشرح البخاري وأَولِى، لأنَّه إذا بدأَ به ثمَّ اغتسل أذهَبَه الماء. وقال الحميديّ في ((الجمع بين الصحيحين))(١): ضمَّ مسلم هذا الحديثَ مع حديث الفَرَقِ وحديث قَدْرِ الصاع في موضعٍ واحد، فكأنَّه تأوَّلها على الإناء، وأمَّا البخاري فُرُبَّما ٣٧٠/١/ ظنَّ ظانّ أنَّه تأوَّلَه على أنَّه نوعٌ من الطِّيب يكونُ قبل الغُسل، لأنَّه لم يذكر في الترجمة غير هذا الحديث. انتهى، فجعل الحميديّ كَوْن البخاري أراد ذلك احتمالاً، أي: ويحتمل أنَّه أراد غیر ذلك، لكن لم یُفصح به. وقال القاضي عِيَاض: الحِلابُ والِحلَبُ بكسر الميم: إناء يَملؤُه قَدْرُ حَلْب الناقة، وقيل: المراد - أي: في هذا الحديث - تَحَلَب الطِّيب، وهو بفتح الميم، قال: وترجمة البخاري تَدُلُّ على أنَّه الْتَفَتَ إلى التأويلَين، قال: وقد رواه بعضهم في غير ((الصحيحين)): الجُلّاب بضمِّ الجيم وتشديد اللام. يشير إلى ما قاله الأزهريّ، وقال النَّووي: قد أنكَرَ أبو عُبيد الهرويُّ على الأزهريِّ ما قاله. وقال القُرْطبي: الخِلابُ بكسر المهمَلة لا يَصِحُّ غيرُها، وقد وهمَ مَن ظنّه من الطّيب، و کذا مَن قاله بضمِّ الجیم، انتھی. وأمَّا الطائفةُ الثالثةُ، فقال المُحِبّ الطَّبَري: لم يُرِد البخاري بقوله: ((الطِّيب)) ما له عَرْفٌ طيِّب، وإنَّما أراد تطييب البدنِ بإزالة ما فيه من وَسَخ ودَرَن ونجاسة إنْ كانت، وإنَّما أراد بالخِلاب: الإناءَ الذي يُغْتَسلُ منه، يُبدَأُ به فيوضَعُ فيه ماءُ الغُسل، قال: و((أو)) في قوله: ((أو الطّيب)) بمعنى الواو، وكذا ثبت في بعض الروايات كما ذكره الحميديّ. ومُحصَّلُ ما ذكره أنَّه يحملُه على إعدادٍ ماء الغُسل ثمَّ الشُّروع في التنظيف قبل الشُّروع في الغُسل. وفي الحديث البِداءة بشِقِّ الرأس، لكَوْنه أكثرَ شَعَئاً من بقيَّة البدنِ من أجل الشَّعر، وقيل: يحتمل أنْ يكون البخاري أراد الإشارةَ إلى ما رُوِيَ عن ابن مسعود: أنَّه كان يَغِلُ رأسَه بخِطْميٍّ ويَكْتفي بذلك في غُسْل الجنابة كما أخرجه ابن أبي شَيْبة (١/ ٧١) وغيرُه (١) في (س): في الكلام على غريب الصحيحين! ٢٧ باب ٦ / ح ٢٥٨ كتاب الغسل عنه، ورواه أبو داود (٢٥٦) مرفوعاً عن عائشة بإسنادٍ ضعيف، فكأنَّه يقولُ: دَلَّ هذا الحديث على أنَّ النبيَّ ◌َّهِ كان يستعمل الماءَ في غُسْل الجنابة ولم يَتْبُت أنَّه كان يُقدِّمُ على ذلك شيئاً مَّا يُنقّي البدن كالسِّدْرِ وغيره. ويقوِّي ذلك ما في مُعظَم الروايات: ((بالخِلاب أو الطِّيب)) فقوله: ((أو)) يدلُّ على أنَّ الطِّيبَ قَسِيم الحِلاب، فيُحمَلُ على أنَّه من غير جِنْسِه، وجميع مَن اعترضَ عليه حمله على أنَّه أراد من جِنْسِه، فلذلك أشكَلَ عليهم، والمراد بالخِلاب على هذا: الماءُ الذي في الحِلاب، فأطلَقَ على الحالِّ اسمَ المحلِّ مجازاً. وقال الكِرْماني: يحتمل أنْ يكون أراد بالخِلاب: الإناءَ الذي فيه الطّيب، فالمعنى: بدأَ تارةً بطلب ظَرْف الطّب، وتارةً بطلب نفس الطّيب، فدَلَّ حديث الباب على الأوَّل دون الثاني. انتهى، وهو مُستمَدٌّ من كلام ابن بَطَّل فإنَّه قال بعد حكايتِه لكلام الخَطَّابي: وأظنُّ البخاري جعل الحِلاب في هذه الترجمة ضَرْباً من الطِّيب، قال: فإنْ كان ظنَّ ذلك فقد وهم، وإنَّما الحِلابُ الإناء الذي كان فيه طيبُ رسول الله وَّر الذي كان يستعمله عند الغُسل، قال: وفي الحديث: الحَضّ على استعمال الطّيب عند الغُسل تأسّياً بالنبيِّ وَّ. انتهى كلامُه. فكأنَّه جعل قوله في الحديث: ((فأخَذَ بَكَفِّه)) أي: من الطّيب الذي في الإناء ((فبدأَ بشِقٌّ رأسه الأيمَن))، أي: فطَيَِّه ... إلى آخره. ومُحصَّلُه: أنَّ الصِّفةَ المذكورةَ في الحديث صفة التطبيب لا الاغتسال، وهو توجيهٌ حسنٌ بالنّسبة لظاهر لفظ الرواية التي ساقها البخاري، لكن مَن تأمَّل طرق الحديث - كما قال الإسماعيلي - عَرَفَ أنَّ الصِّفةَ المذكورةَ للغُسْل لا للتَّطَيُّب، فروى الإسماعيلي من طريق مَكِّيٍّ بن إبراهيم، عن حَنْظَلةَ في هذا الحديث: ((كان يغتسلُ بقَدَح)) بدلَ قوله: ((بحِلاب)) وزاد فيه: كان يَغْسِلُ يديه ثمَّ يَغسِلُ وجهَه، ثمَّ يقولُ بيده ثلاث غُرَف ... الحديث. وللجَوْزَفيِّ من طريق حَمْدان السُّلَمَيّ عن أبي عاصم: اغتسل فأُتيَ بحِلاب، فغَسَلَ شِقّ رأسه الأيمَن ... الحديث، فقوله: ((اغتسل)) و((يَغِلُ)) يدلُّ على أنَّه إناءُ الماء لا إناءُ الطِّيب. وأمَّا رواية الإسماعيلي من طريق بُنْدار عن أبي عاصم بلفظ: ((كان إذا أراد أنْ يغتسلَ ٢٨ = باب ٦ / ح ٢٥٨ فتح الباري بشرح البخاري من الجنابة، دَعا بشيءٍ دون الحِلاب، فأخَذَ بكَفِّه فبدأَ بالشِّقِّ الأيمَنِ ثُمَّ الأيسر، ثمَّ أخَذَ بكَفَّيه ماء فأفرَغَ على رأسه)» فلولا قوله: ((ماء)» لأمكَنَ حمله على التطيُّب قبل الغُسل، لكن ٣٧١/١ رواه أبو عَوَانة في «صحيحه)) (٨٥٣) عن يزيد بن سِنان عن أبي عاصم بلفظ:/ كان يغتسلُ من حِلاب، فيأخذُ غَرْفَةً بِكَفَّيه فيجعلُها على شِقِّه الأيمَنِ ثمَّ الأيسر كذلك ... الحديث، فقوله: ((يغتسلُ)) وقوله: ((غَرْفة)) أيضاً مَّاً يدلُّ على أنَّه إناءُ الماء. وفي رواية لابن حِبَّان (١١٩٧) والبيهقي (١ / ١٨٤): ثمَّ يَصُبُّ على شِقِّ رأسه الأيمَن. والتطيُّب لا يُعبَّرُ عنه بالصَّبّ، فهذا كلّه يُبعِدُ تأويلَ مَن حمله على التطيُّب. ورأيت عن بعضهم - ولا أحفظُه الآنَ - أنَّ المرادَ بالطِّيب في الترجمة الإشارةُ إلى حديث عائشة: أنَّها كانت تُطِيِّبُ النبيَّ وَ﴿ عند الإحرام(١) قال: والغُسْلُ من سننٍ الإحرام، وكأنَّ الطّيبَ حصل عند الغُسل، فأشار البخاري هنا إلى أنَّ ذلك لم يكن مستمرّاً من عادته، انتھی. ويقوِّيه تبويب البخاري بعد ذلك بسبعة أبواب: ((باب مَن تَطَيَّبَ ثمَّ اغتسل وبقي أثرُ الطّيب)) ثمَّ ساقَ حديثَ عائشة (٢٧٠): ((أنا طَيِّتُ رسول اللهِوَّ﴿ ثمَّ طافَ في نسائه ثمَّ أصبَحَ مُحرِماً) وفي رواية بعدَها (٢٧١): ((كأني أنظرُ إلى وَبِيص الطِّيب - أي: لَمَعانه - في مَفِرِهِ وَّهِ وهو مُحُرِمٌ)) وفي رواية أُخرى (٢٦٧) عنده قُبيل هذا الباب: ((ثمَّ يصبحُ مُرِماً يَنْضَخُ طِيباً)، فاستُبِطَ الاغتسال بعد التطيِّب من قولها: ((ثمَّ طافَ على نسائه))، لأنَّه كنايةٌ عن الجماع ومن لازمِه الاغتسالُ، فعُرِفَ أَنَّه اغتسل بعد أنْ تَطَيَّبَ وبقي أثرُ الطّب بعد الغُسل لكثرتِهِ، لأنَّه كان ◌َ يُحِبُّ الطّيبَ ويُكثِرُ منه، فعلى هذا فقوله هنا: ((مَن بدأَ بالحِلاب)) أي: بإناء الماء الذي الغُسْل فاستَدْعَى به لأجل الغُسل، أو مَن بدأَ بالطّيب عند إرادة الغُسل، فالترجمة متردِّدة بين الأمرين، فدَلَّ حديث الباب على مُداوَمتِه على البِداءة بالغُسل، وأمَّا التطيُّبُ بعدَه فمعروف من شأنِه، وأمَّ الِداءةُ بالطِّيب قبل الغُسل فبالإشارة (١) انظر ما سيأتي عند البخاري برقم (١٥٣٩). ٢٩ باب ٦ / ح ٢٥٨ كتاب الغسل إلى الحديث الذي ذكرناه. وهذا أحسن الأجوبة عندي وألْيقها بتصرُّفات البخاري، والله أعلم. وعُرِفَ من هذا أنَّ قول الإسماعيلي: وأيّ معنَى للطّيب عند الغُسل؛ مُعترَض، وكذا قول ابن الأثيرِ الذي تقدَّم، وفي كلام غيرهما ممّاً تقدَّم مُؤاخَذات لم نَتعرَّض لها، لظُهورِها. والله الهادي للصواب. تكميل: ((أبو عاصم)) المذكور في الإسناد: هو النبيلُ، وهو من كِبار شيوخ البخاري، وقد أكثرَ عنه في هذا الكتاب، لكنَّه نزل في هذا الإسناد فأدخلَ بينَه وبينَه واسطة. و(«حنظلة)) هو ابن أبي سفيان الجُمَحيّ. و ((القاسم)) هو ابن محمد بن أبي بَكْر. وقوله: ((كان إذا اغتسل)) أي: إذا أراد أنْ يغتسلَ كما تبيَّن من رواية الإسماعيليّ. وقوله: ((دعا)) أي: طَلَب. وقوله: ((نحوَ الحِلاب)) أي: إناءٍ قريبٍ من الإناء الذي يُسمَّى الحِلاب، وقد وَصَفَه أبو عاصم بأنّه أقلُّ من شِرٍ في شبر، أخرجه أبو عوانة في «صحيحه)) (٨٥٣) عنه، وفي رواية لابن حِبَّان (١١٩٧): ((وأشار أبو عاصم بكَفَّه)) فكأنَّه حَلَّقَ بِشِبْرَيِه يَصِفُ به دَوْرَه الأعلى، وفي رواية للبيهقيُّ (١٨٤/١) ((كَقَدْر ◌ُوز يَسَعُ ثمانية أرطال))، وزاد مسلم (٣١٨) في روايته لهذا الحديث عن محمد بن المثنَّى أيضاً بهذا الإسناد بعد قوله: الأيسر: ((ثمَّ بِكَفَيه فقال بهما على رأسه»، فأشار بقوله: ((أخَذَ بَكَفَّيه)) إلى الغَرْفة الثالثة كما صَرَّحَت به رواية أبي عَوَانة (٨٥٣). وقوله: «بكفِّه)) وقع في رواية الكُشْمِيهَنيّ: «بِكَفَّه)) بالتثنية. وقوله: «على وَسَطِ رأسه)» هو بفتح السِّين، قال الْجَوْهَري، كلّ موضعٍ صَلَحَ فيه (بين)» فهو وَسْطٌّ بِالسُّكون، وإنْ لم يَصلُحْ فهو بالتحريك. وفي الحديث استحباب البداءة بالميامنِّ في التطهُّر، وبذلك تَرجَمَ عليه ابن خُزَيمة (٢٤٥) والبيهقي (١/ ١٨٤). ٣٠ باب ٧ / ح ٢٥٩ فتح الباري بشرح البخاري وفيه الاجتزاءُ بالغُسل بثلاثِ غَرَفات، وتَرجَمَ على ذلك ابن حِبَّان (١١٩٧). وسنذكر الكلامَ على قوله: ((فقال بهما)) في الباب الذي بعده إن شاء الله تعالى. ٧- باب المضمضة والاستنشاق في الجنابة ٢٥٩- حدَّثنا عمرُ بنُ حَفْص، قال: حدَّثنا أَبي، حدَّثنا الأعمشُ، قال: حدَّثني سالمٌ، عن ٣٧٢/١ كُرَيب، عن ابنِ عبَّاس، قال: حَدَّثَتْنا ميمونةُ قالت: صَبَيْتُ للنبيِّوَ غُسْلاً فَأَفَرَغَ بِيَمِينِهِ على يَسارِهِ، فَغَسَلَهُمَا ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَه، ثمَّ قال بيدِه الأرضَ فمَسَحَها بالتُّراب، ثمَّ غَسَلها ثمَّ تَضمَضَ واستنشَقَ، ثمَّ غَسَلَ وجهَه وأفاضَ على رَأْسِه، ثمَّ تَتَعَّى فَغَسَلَ قَدَمَبه، ثمَّ أُنِيَ بمِنْدِیلٍ فلم يَنقُضْ بها. قوله: ((باب المضمضة والاستنشاق في الجنابة)) أي: في غُسْل الجنابة، والمراد: هل هما واجبان فيه أم لا؟ وأشار ابن بَطَّل وغيره إلى أنَّ البخاريَّ اسْتَنْبَطَ عَدَمَ وجوبهما من هذا الحديث، لأنَّ في رواية الباب الذي بعده في هذا الحديث: ((ثمَّ توضَّأ وضوءه للصلاة)) فدَلَّ على أنَّهما للوضوء، وقامَ الإجماعُ على أنَّ الوضوءَ في غُسْل الجنابة غير واجب، والمضمضمة والاستنشاقُ من توابع الوضوء، فإذا سَقَطَ الوضوء سَقَطَت توابعُه، ويُحمَلُ ما رُوِيَ من صفة غُسْله ◌َّ على الكمال والفضل. قوله: ((حدَّثْنا عمر بن حَفْص)) أي: ابن غياثٍ كما ثبت في رواية الأَصِیليّ. قوله: ((غُسْلاً) بضمِّ أوَّله، أي: ماءُ الاغتسال كما سبق في (٥) («باب الغُسل مرَّةً)). قوله: ((ثمَّ قال بيده الأرضَ)) كذا في روايتنا، وللأكثر: ((بيده على الأرض))، وهو من إطلاق القول على الفعل، وقد وقع إطلاق الفعل على القول في حديث: ((لا حَسَدَ إلَّا في اثنتَين)) قال فيه في الذي يتلو القرآن: ((لو أُوتِيتُ مثل ما أوتيَ هذا لفعلتُ مثل ما يفعلُ))(١) وسيأتي (٢٧٦) ((في باب نَفْض اليدين)) قريباً من رواية أبي حمزة عن الأعمش في هذا الموضع: ((فضرب بيده الأرض))، فيُفْسَّرُ ((قال)» هنا بضَرَب. (١) سيأتي عند المصنف برقم (٥٠٢٦). ٣١ باب ٨-٩ / ح ٢٦٠ كتاب الغسل قوله: (ثُمَّ تَنَخَّى)) أي: تحوَّلَ إلى ناحية. قوله: ((فلم يَنفُضْ بها)) زاد في رواية كَرِيمة: «قال أبو عبد الله: يعني: لم يَتمَسَّح)) وأنَّثَ الضميرَ على إرادة الخِرْقة، لأنَّ الِنْديلَ خِرْقة مخصوصة، وسيأتي (٢٦٦) في ((باب مَن أفرَغَ على يمينِهِ)): قالت ميمونة: فناوَلْته خِرْقة. وبقيَّة مباحث الحديث تقدَّمت (٢٤٩) في ((باب الوضوء قبل الغُسل)). ٨- باب مَسْح اليد بالتُّراب لتكون أنقَی ٢٦٠ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ الزُّبَيرِ الحُمَيدي، قال: حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن سالم بنِ أبي الجَعْد، عن كُرَيب، عن ابنِ عبَّاس، عن ميمونةَ: أنَّ النبيَّ ◌َّ اغتَسَلَ مِن الجَنَابة فَغَسَلَ فرجَه بيدِه، ثمَّ دَلَكَ بها الحائطَ، ثمَّ غَسَلها ثمَّ توضَّأ وُضُوءَه للصلاة، فلمَّا فَرَغَ من غُسْلِهِ غَسَلَ رِجْلیه. قوله: ((باب مَسْح اليد بالتُّراب لتكونَ أنقَى)) أي: لتصيرَ اليدُ أنقَى منها قبل المسح. قوله: ((حدَّثنا عبد الله بن الزُّبَيرِ الحُمَيديّ)) كذا في روايتنا، واقتَصَرَ الأكثر على: «حدَّثنا الحميديّ)). وسفيان: هو ابن عُيَينة. قوله: ((فَغَسَلَ فرجَه)) هذه الفاء تفسيريَّة وليست تعقيبيَّةً، لأنَّ غسلَ الفَرْج لم يكن بعد الفراغ من الاغتسال. وقد تقدَّمت مباحثُ هذا الحديث أيضاً (٢٤٩). ومن فوائد هذا السِّياق: الإتيان فيه بُثُمَّ الدَّالّة على ترتيب ما ذُكِرَ فيه من صفة الغُسل. ٩ - باب هل يُدخِلِ الجُنُبُ يدَه في الإناءِ قبل أن يغسلها إذا لم يكن على يده قذرٌ غيرُ الجنابة وأدخلَ ابنُ عمَرَ والبَرَاءُ بنُ عازِبٍ يَدَه في الطَّهُورِ ولم يَغْسِلْها ثمَّ توضَّأ. ولم يَرَ ابنُ عمَرَ وابنُ عبَّاس بأساً بما يَتَضِحُ من غُسْلِ الجَنَابة. ٣٢ باب ٩ فتح الباري بشرح البخاري ٣٧٣/١ / قوله: ((باب هل يُدخِل الجنبُ يدَه في الإناء)) أي: الذي فيه ماء الغُسل «قبل أنْ يَغِلَها)) أي: خارجَ الإناء «إذا لم يكن على بده قَذَرٌ)) أي: من نجاسة وغيرها ((غيرُ الجنابة)) أي: حُكْمِها، لأنَّ أثرَها مُخْتُلَفٌ فيه فدخل في قوله: ((قَذَر)). وأمَّا حُكْمُها، فقال المهلَّب: أشار البخاري إلى أنَّ يد الجُنُب إذا كانت نظيفة جازَ له إدخالها الإناءً قبل أنْ يَغِلَها، لأنَّه ليس شيء من أعضائه نَجِساً بسبب كَوْنه جُنُباً. قوله: ((وأدخلَ ابن عمر والبَراء بن عازب يدَه)) أي: أدخلَ كلَّ واحد منهما يده، وفي ءِ رواية لأبي الوَقْت: ((یدیهما)) بالتثنية. قوله: ((في الطَّهُور)) بفتح أوَّله، أي: الماء المعَدِّ للاغتسال. وأثر ابن عمر وَصَلَّه سعيد بن منصور بمعناه، وروى عبد الرزاق (٩٩٠) عنه: أنَّه كان يَغْسِلُ يدَه قبل التطهُّر. ويُجمَعُ بينهما بأنْ يُنَزَّلا على حالَين: فحيثُ لم يَغِلْ كان مُتيقّناً أنْ لا قَذَرَ في يده، وحيثُ غَسَلَ كان ظاناً أو مُتيقّناً أنَّ فيها شيئاً، أو غَسَلَ لِلنَّدْب وتركَ للجواز. وأثر البراء وَصَلَه ابن أبي شَيْئية (٩٩/١) بلفظ: أنَّه أدخلَ يده في المِطهَرة قبل أنْ يَغسِلَها، وأخرج أيضاً (٨٢/١) عن الشّعْبيِّ قال: كان أصحاب رسول الله ێ يُدخِلون أيديهم الماء قبل أنْ يَغسِلوها وهم جُنُبٌ. قوله: ((ولم يَرَ ابنُ عمر وابن عبَّاس)) أمَّا أثر ابن عمر فوَصَلَه عبد الرزاق (٣١٥) بمعناه، وأمَّا أثرُ ابن عبَّاس فَوَصَلَه ابن أبي شَيْبة (١/ ٧٢) عنه، وعبد الرزاق (٣٠٩) من وجهٍ آخرَ أيضاً عنه. وتوجيه الاستدلال به للترجمة: أنَّ الجنابةَ الحَكْميَّة لو كانت تؤثِّر في الماء، لامتَنعَ الاغتسال من الإناء الذي تَقاطَرَ فيه ما لاقَى بدنَ الجُنُب من ماء اغتساله، ويمكن أنْ يقال: إنَّما لم يَرَ الصحابيُ بذلك بأساً، لأَنَّه ثمّا يَشُقّ الاحترازُ منه، فكان في مقام العَفْو كما روى ابن أبي شَيْبة عن الحسن البصريِّ قال: ومَن يَملِكُ انتشار الماء؟ إنَّا لَنَرجُو من رحمة ٣٣ باب ٩ / ح ٢٦١ كتاب الغسل الله ما هو أوسَعُ من هذا(١). ٢٦١- حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلمَةَ، حدَّثنا أفلَحُ، عن القاسم، عن عائشةَ، قالت: كنتُ أغتسِلُ أنا والنبيُّ ◌َِّ من إناءٍ واحدٍ تَخْتلِفُ أیدِینا فيه. قوله: ((حدَّثنا عبد الله بن مَسلَمة)) زاد مسلم (٤٥/٣٢١): ابن قَعْنَب. قوله: ((حدَّثنا)) ولكَرِيمة: ((أخبرنا أفلَحُ)) وهو ابن حُميد كما رواه مسلم (٤٥/٣٢١)، ولم يُرِّج البخاري عن أفلَحَ بن سعيد شيئاً. والقاسم: هو ابن محمد. وقد تقدَّم هذا المتن (٢٥٠) في ((باب غُسْل الرجل مع امرأته)) من طريقٍ أُخرى مع مُغايرةٍ في آخره، وزاد مسلم (٣٢١/ ٤٥) في آخره: ((من الجنابة)) أي: لأجل الجنابة، ولأبي عَوَانة (٨١٢) وابن حِبَّان (١١١١) من طريق ابن وَهْب عن أفلَح: أنَّه سمع القاسم يقولُ: سمعت عائشة ... فذكره، وزاد فيه: ((وتَلْتَقي)) بعد قوله: (تَخْتِلِفُ أيدينا فيه))، وللإسماعيليِّ من طريق إسحاق بن سليمان عن أفلَح: ((تَخْتِلِفُ فيه أيدينا)) يعني: حتَّى تَلْتَقي، وللبيهقيِّ (١٨٧/١٨٦) من طريقه: (تَخْتلِفُ أيدينا فيه، يعني: وتَلْتَقي)) وهذا يُشعِرُ بأنَّ قوله: (وتَلتَقي)) مُدرَج، وسيأتي في باب تخليل الشَّعر (٢٧٣) من وجهٍ آخرَ عنها: ((كنَّا نغتسلُ من إناءٍ واحدٍ نَغتِرِفُ منه جميعاً، فلعلَّ الراويَ قال: ((وتَلَقي)) بالمعنى، ومعنى (تَخْتِلِفُ)): أنَّه كان يَغْتِرِفُ تارةً قبلَها، وتَغترِفُ هي تارةً قبلَه. ولمسلم (٤٦/٣٢١) من طريق معاذةً عن عائشة: فيبادِرُني حتَّى أقول: دَعْ لي. زاد النَّسائي (٢٣٩): وأُبادِرُه حتَّى يقول: ((دَعِي لي)). وفي هذا الحديث: جواز اغتراف الجُنُب من الماء القليل، وأنَّ ذلك لا يمنعُ من التطُّرِ بذلك الماء ولا بما يَفْضُلُ منه، ويدلُّ على أنَّ النهي عن انغماس الجُنُب في الماء الدَّائم إنَّما هو للتنزيه كراهيةَ أنْ يُستقذَرَ، لا لكَوْنه يصيرُ نَجِساً بانغِماس الجُنُب فيه، لأنَّه لا فرقَ بین (١) هذا في ((مصنف ابن أبي شيبة)) ١/ ٧٢-٧٣ عن الحسن وابن سيرين، الشطر الأول من قول الحسن، والثاني من قول ابن سیرین. ٣٤ باب ٩ / ح ٢٦٢ - ٢٦٣ فتح الباري بشرح البخاري جميع بدن الجُنُب وبين عُضْوٍ من أعضائه. وأمَّا توجيه الاستدلال به للترجمة، فلأنَّ الجُنبَ لمَّا جازَ له أنْ يُدخِلَ يدَه في الإناء، ليَغتِرِف بها قبل ارتفاع حَدَثِه لتمام الغُسل كما في حديث الباب، دَلَّ على أنَّ الأمرَ بغسل ٣٧٤/١ يده/ قبل إدخالها ليس لأمرٍ يَرجِعُ إلى الجنابة، بل إلى ما لعلَّه يكونُ بيده من نجاسةٍ مُتَيقَّةٍ أو مظنونة. ٢٦٢- حدَّثْنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا حَمَّادٌ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةَ قالت: كان رسولُ اللهِ وََّ إذا اغتَسَلَ مِن الجَنَابة، غَسَلَ يدَه. قوله: ((حدّثنا مُسدّد، قال: حدَّثنا حَمّاد)) هو ابن زيد، ولم يسمع من حمَّد بن سَلَمة، وهشام: هو ابن عُرْوة. قوله: ((غسل يدَه)) هكذا أورَدَه مختصراً، وقد أخرجه أبو داود (٢٤٢) تامّاً عن مُسدَّدٍ بهذا السَّنَّدِ لكن قال: ((يديه)) بالتثنية، وزاد: ((يَصُبُّ على يده اليُمنَى)) أي: من الإناء ((فَيَغْسِلُ فرجَه يُفرِغُ على شِماله ثمَّ يتوضَّأُ وضوءه للصلاة)) الحديث. وهكذا أخرجه الإسماعيلي من طرقٍ عن حمَّد بن زيد، وسيأتي نحوُه من وجوهٍ أُخَرَ عن هشام في (٢٧٢) ((باب تخليل الشَّعر)). قال المهلَّب: حمل البخاري أحاديث الباب التي لم يذكر فيها غسلَ اليدين قبل إدخالهما على حال تَيقُّنِ نظافة اليد، وحديث هشام - يعني هذا - على ما إذا خشيَ أنْ يكون عَلِقَ بها شيءٌ، فاستعمل من اختلاف الحديثين ما جمع بينهما ونَفَى التعارُض عنهما، انتهى. ويمكن أنْ يُحِمَّلَ الفعلُ على النَّذْب والتركُ على الجواز، أو يقال: حديثُ التركِ مُطلَق، وحديث الفعل مُقيَّد، فيُحمَلُ المطلَق على المقيَّد، لأنَّ في رواية الفعل زيادة لم تُذكَّرْ في الأُخرى. ٢٦٣- حدّثنا أبو الوليد، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، عن أبي بَكْر بنِ حَفْص، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ قالت: كنتُ أغتِلُ أنا والنبيُّ ◌َّ من إناءٍ واحدٍ من جَنابةٍ. ٣٥ باب ٩ / ح ٢٦٤ كتاب الغسل وعن عبد الرحمن بنِ القاسم، عن أبيه، عن عائشةً ... مِثلَه. قوله: ((حدّثنا أبو الوليد)) هو الطَّيالسيّ. قوله: ((من جَنابةٍ)) للكُشْمِيهَنيّ: ((من الجنابة)) أي: لأجل الجنابة. قوله: ((وعن عبد الرحمن بن القاسم)) هو معطوفٌ على قوله: ((شُعْبة، عن أبي بكر بن حفص)) فلشُعْبةَ فيه إسنادان إلى عائشة، حدَّثه أحد شيخيه به عن عُرْوة، والآخر عن القاسم، وقد وَهِمَ مَن زَعَمَ أنَّ رواية عبد الرحمن مُعلَّقة، وقد أخرجها أبو نُعيم والبيهقي (١/ ١٨٧ -١٨٨) من طريق أبي الوليد بالإسنادينِ وقالا: أخرجه البخاري عن أبي الوليد بالإسنادينِ جميعاً، وكذا قال أبو مسعود وغيره في ((الأطراف)). قوله: ((مِثْلِه)) أي: مثل المتن المذكور، وللأَصِيلِيّ: ((بمثلِه)) بزيادة موخَّدةٍ في أوَّله. ٢٦٤- حدّثنا أبو الوليد، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، عن عبدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ جَبْ، قال: سمعتُ أنسَ بنَ مالكٍ يقولُ: كان النبيُّ نَّهِ والمرأةُ من نسائه یَغتَسِلان من إناءٍ واحدٍ. زاد مُسْلمٌ ووَهْبٌ عن شُعْبةَ: مِن الجَنَابة. قوله: ((حدَّثْنا أبو الوليد)) هو الطَّيالسيّ أيضاً، وهذا إسناد ثالث له عن شُعْبةَ أيضاً في هذا المتن لكن من طريق صحابي آخَر. وهذا الإسنادُ بعينِهِ تقدَّم لمتنٍ آخرَ (١٧) في ((باب علامة الإيمان)). قوله: ((والمرأة)) يجوزُ فيه الرفع على العطف، والنصبُ على المعيَّة، واللامُ فيها للچِنْس. قوله: ((زاد مسلم)) هو ابن إبراهيم، وهو من شيوخ البخاريّ. قوله: ((ووَهْبٌ)) زاد الأَصِيلِيّ وأبو الوَقْت: ((بن جَرِير)) أي: ابن حازم، وبذلك جَزَمَ أبو نُعيم وغيرُه. ووقع في رواية أبي ذرٍّ: ((ووُهَيب)) بالتصغير وأظنُّهُ وَهْماً، فإنَّ الحديثَ وُجِدَ بعد تتُّع كثيرٍ من رواية وَهْب بن جَرِير، ولم نَجِدْه من رواية وُهَيب بن خالد، ووَهْبُ بن جَرِير من الرُّواة عن شُعْبة، وأمَّا وُهَيب فهو من أقرانه، ومراد/ البخاري أنّ مسلم بن ٣٧٥١ ٣٦ باب ١٠ / ح ٢٦٥ فتح الباري بشرح البخاري إبراهيم ووَهْبَ بن جَرِیر رَوَیا هذا الحديثَ عن شُعْبةَ بهذا الإسناد الذي رواه عنه أبو الوليد فزادا في آخره: ((من الجنابة)»، وقد أخرجه الإسماعيلي من رواية وهب بن جَرِیر بدون هذه الزیادة، والله أعلم. ١٠ - باب تفريق الغُسْل والوضوءِ ويُذكرُ عن ابنِ عمرَ: أَنَّه فَسَلَ قَدَمَيه بعدَما جَفَّ وَضُوُه. ٢٦٥- حدَّثنا محمَّدُ بنُ محبوب، قال: حدَّثنا عبدُ الواحد، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن سالم ابن أبي الجَعْد، عن كُرَيبٍ مولى ابنِ عبَّاس، عن ابنِ عبَّاس، قال: قالت ميمونةُ: وَضَعْتُ الرسولِ الله وَلِّ ماءً يَغْتِلُ به، فَأَفَرَغَ على يَدَيهِ فَغَسَلَهُمَا مَرَّتَيْنِ مَرَّتَين أو ثلاثاً، ثمَّ أَفَرَغَ بَيَمِينِهِ على شِماله ففَسَلَ مَذاكِيرَه، ثمَّ دَلَكَ يدَه بالأرض، ثمَّ مَضمَضَ واستَشَقَ، ثمَّ غَسَلَ وجهَه ويَدَيه وفَسَلَ رَأْسَه ثلاثاً، ثمَّ أَفَرَغَ على جَسَدِه ثمَّ تَتَخَّى من مَقامِهِ فَفَسَلَ قَدَمَيه. قوله: ((باب تفريق الغُسْل والوضوء)) أي: جوازُه، وهو قولُ الشافعيِّ في الجديد واحتَجَّ له بأنَّ الله تعالى أوجَبَ غسل أعضائه، فمَن غَسَلها فقد أتى بما وَجَبَ عليه فرَّقَها أو نَسَقَها. ثمَّ أيَّدَ ذلك بفعل ابن عمر، وبذلك قال ابن المسيِّب وعطاء وجماعة، وقال رَبِيعة ومالك: مَن تَعَمَّدَ ذلك فعليه الإعادةُ، ومَن نَسِيَ فلا. وعن مالكٍ: إنْ قَرُبَ التفريقُ بَنَى، وإنْ طالَ أعاد. وقال قتادة والأوزاعي: لا يعيدُ إلَّ إنْ جَفّ. وأجازَه النَّخَعيّ مُطلَقاً في الغُسل دون الوضوء، ذكر جميعَ ذلك ابن المنذر وقال: ليس مع مَن جعل الجفافَ حَدّاً لذلك حُجَّةٌ. وقال الطَّحاوي: الجفافُ ليس بحَدَثٍ فِيَنقُضُ، كما لو جَفَّ جميعُ أعضاء الوضوء لم تَبطُل الطهارةُ. قوله: ((ويُذكّر عن ابن عمر)) هذا الأثر رُويناه في ((الأُمّ)) (٤٦/١) عن مالك عن نافع عنه، لكن فيه: أنَّه توضّأ في السّوقِ دون رِجْليه، ثمَّ رَجَعَ إلى المسجد فمَسَحَ علی خُفِیہ ثمَّ صلَّى. والإسنادُ صحيحٌ، فيحتمل أنَّه إنَّما لم يَجِزِم به، لكَوْنه ذكره بالمعنى. قال الشافعي: لعلَّه قد جَفَّ وضوؤه، لأنَّ الجفافَ قد يَحصُلُ بأقلَّ مَمَّا بين السّوقِ والمسجد. ٣٧ باب ١١ / ح ٢٦٦ كتاب الغسل قوله: ((حدَّثنا محمَّد بن محبوب)) هو البصريُّ، وعبد الواحد: هو ابن زياد البصريُّ، وقد تقدَّم هذا المتن (٢٥٧) من رواية موسى بن إسماعيل عنه في ((باب الغُسل مرَّةً)) وسياقهما واحد غالباً، إلَّا أنَّ في ذلك: ((ثمَّ تحوَّلَ من مكانه)) وفي هذا: ((تَنَخَّى من مقامه)) وهما بمعنَى، وأبدى الكِرْمانيّ من هذا احتمال أنْ يكون اغتسل قائماً. ١١ - باب من أفرغَ بيمينِه على شماله في الغُسْل ٢٦٦- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا أبو عَوَانة، حدَّثنا الأعمشُ، عن سالم بنِ أبي الجَعْد، عن كُرَيبٍ مولى ابنِ عبَّاس، عن ابنِ عبَّاس، عن ميمونةَ بنتِ الحارثِ قالت: وَضَعْتُ لرسولِ الله ◌ِِّ غُسْلاً وسَترتُه، فصَبَّ على يده فغَسَلها مَرّةً أو مَرَّتَینِ - قال سليمانُ: لا أدري أذكر الثالثةَ أم لا - ثمَّ أفرَغَ بَيَمِينِهِ على شِماله ففَسَلَ فرجَه، ثمَّ دَلَكَ بَدَه بالأرضِ أو بالحائطِ، ثمَّ تَضمَضَ واستَنشَقَ وغَسَلَ وجهَه ويَدَيه وغَسَلَ رَأْسَه، ثمَّ صَبَّ على جَسَدِه ثمَّ تَنَخَّی وغَسَلَ قَدَمَیه، فناوَلتُه خِزْقً، فقال بیدِههگذا ولم يُرِدْها. قوله: ((باب مَن أفرَغَ)) هذا الباب مُقدَّم عند الأَصِيلِيّ وابن عساكر على الذي قبلَه. واعتُرِضَ على المصنّف/ بأنَّ الدَّعْوَى أعمُّ من الدليل. والجوابُ: أنَّ ذلك في غسل الفَرْج ٣٧٦/١ بالنَّصِّ وفي غيره بما عُرِفَ من شأنِهِ أنَّه كان يُحِبُّ التيامُن كما تقدَّم (١٦٨)، ومحلُّه هنا فيما إذا كان يَغتِفُ من الإناء، قاله الخَطَّابِي. قال: فأمَّا إذا كان ضَيِّقَاً كالقُمْقُم، فإنَّه يضعُه عن يساره ويَصُبُّ الماءَ منه علی یمینِه. قوله: «حدَّثنا موسى بن إسماعيل)) تقدَّم هذا الحديث من روايته أيضاً (٢٥٧) في ((باب الغُسل مرَّة)) لكنَّ شيخَه هناك عبد الواحد وهنا أبو عَوَانة: وهو الوَضّاحُ البصريّ. قوله: ((وسَترتُّه)) زاد ابن فُضَيل(١) عن الأعمش: ((بثوب)) والواو فيه حاليَّة. قوله: ((فصَبَّ)) قيل: هو معطوف على محذوف، أي: فأراد الغُسلَ فكَشَفَ رأسَه فأخَذَ الماء فصَبَّ على يده، قاله الكِرْمانيّ. ولا يَتعَّنُ ما قاله، بل يحتمل أنْ يكون الوضع مُعقَّباً (١) رواية ابن فضل - واسمه محمد - أخرجها أبو عوانة برقم (٨٦٤). ٣٨ باب ١٢ / ح ٢٦٧ فتح الباري بشرح البخاري بالصَّبِّ على ظاهرِهِ، والإرادةُ والكَشْفُ يمكن كَوْنُهما وَقَعا قبل الوضع، والأخذُ هو عينُ الصَّبّ هنا، والمعنى: وَضَعَت له ماءً فشَرَعَ في الغُسل ثمَّ شرحت الصِّفة. قوله: ((قال سليمان)) أي: الأعمش، وقائل ذلك أبو عَوَانة، وفاعل ((أذكر)) سالم بن أبي الجَعْد، وقد تقدَّم (٢٥٧) من رواية عبد الواحد وغيره عن الأعمش: ((فغَسَلَ يديه مَرَّتَيْنِ أو ثلاثاً)، ولابن فُضَيلِ عن الأعمش: ((فصَبَّ على يديه ثلاثاً) ولم يَشُكّ، أخرجه أبو عَوَانة في ((مُستخرَجه)) (٨٦٤) فكأنَّ الأعمشَ كان يَشُقُّ فيه ثمَّ تذكَّر فجَزَمَ، لأنَّ سماعَ ابن فُضَيلِ منه متأخِّر. قوله: ((ثُمَّ تَضمَضَ)) وللأَصِيلِيّ: ((مضمض)) بغير تاء. قوله: ((وغَسَلَ قَدَمَيه)) كذا لأبي ذرٍّ، وللأكثر: ((فغَسَل)) بالفاء. قوله: ((فقال بيده)) أي: أشار، وهو من إطلاق القول على الفعل كما تقدَّم مثله. قوله: ((ولم يُرِدْها)) بضم أوَّله وإسكان الدَّال من الإرادة، والأصل: ((يريدها)) لكن جُزِمَ بلَمْ، ومَن قالها بفتح أوَّله وتشديد الدَّال فقد صَخَّفَ وأفسَدَ المعنى، وقد حكى في (المطالع)): أنَّها روايةُ ابن السَّكَن قال: وهي وَهْمٌ. وقد رواه الإمام أحمد (٢٦٨٥٦) عن عَفَّان عن أبي عَوَانة بهذا الإسناد وقال في آخره: ((فقال هكذا، وأشار بيده أنْ لا أُريدها)) وسيأتي في رواية أبي حمزة عن الأعمش (٢٧٦): «فناولتُه ثوباً فلم يأخذْه))، والله أعلم. ١٢ - باب إذا جامَعَ ثم عادَ ومن دارَ على نسائه في غُسْل واحد ٢٦٧ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ بَشَّار، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ ويحيى بنُ سعيد، عن شُعْبةَ، عن إبراهيمَ بنِ محمَّدٍ بنِ المُنتَشِرِ، عن أبيه قال: ذَكَرتُه لعائشةَ فقالت: يَرْحَمُ الله أبا عبد الرحمن، كنتُ أُطَيِّبُ رسولَ الله ◌َّهِ فَيَطُوفُ على نسائِه، ثمَّ يُصبِحُ مُحرِماً يَنضَخُ طِيباً. [طرفه في: ٢٧٠] ٣٩ باب ١٢ / ح ٢٦٧ كتاب الغسل قوله: ((باب إذا جامعَ ثمّ عادَ)) أي: ما حُكْمُه، وللكُشْمِيهَنيّ: ((عاوَد)) أي: الجماع، وهو أعمُّ من أنْ يكون لتلك المجامعة أو غيرها، وقد أجمعوا على أنَّ الغُسلَ بينهما لا يجبُ، ويدلُّ على استحبابه حديث أخرجه أبو داود (٢١٩) والنَّسائي (ك ٨٩٨٦) عن أبي رافع: أنَّه ◌َّهِ طافَ ذات يوم على نسائه، يغتسلُ عند هذه وعند هذه قال: فقلت: يا رسول الله، ألا تَجْعَلُهُ غُسْلاً واحداً؟ قال: ((هذا أزكَى وأطيب وأطهَر)(١). واختلفوا في الوضوء بينهما فقال أبو يوسف: لا يُستَحبُّ، وقال الجمهور: يُستَحبّ، وقال ابن حَبيب المالكيّ وأهلُ الظاهر: يجبُ، واحتجُّوا بحديث أبي سعيد قال: قال رسول الله وَله: ((إذا أتى أحدُكم أهلَه ثمَّ أراد أنْ يعودَ فليتوضّأُ بينهما وضوءاً)) أخرجه مسلم (٣٠٨) من طريق أبي حفص، عن عاصم، عن أبي المتوكّل، عنه. وأشار ابن خُزيمة إلى أنَّ بعضَ أهل العِلْم حمله على الوضوء اللُّغَويِّ / فقال: المرادُ به ٣٧٧/١ غسل الفَرْج، ثمَّ رَدَّه ابن خُزيمة بما رواه (٢٢٠) من طريق ابن عُيَينةَ عن عاصم في هذا الحديث فقال: ((فليتوضَّأْ وضوءه للصلاة))، وأظنُّ المشار إليه هو إسحاق بن راهويه، فقد نقل ابن المنذر عنه أنَّه قال: لا بدَّ من غسل الفَرْج إذا أراد العَوْد. ثمَّ استدلَّ ابن خُزَيمة على أنَّ الأمرَ بالوضوء للنَّذْب لا للوجوب بما رواه (٢٢١) من طريق شُعْبة عن عاصم في حديث أبي سعيد المذكورِ كرواية ابن عُيَينةَ وزاد: ((فإنَّه أنشَطُ للعَوْد)» فدَلَّ على أنَّ الأمرَ للإرشاد أو للنَّدْب. ويدلُّ أيضاً على أنَّه لغير الوجوب ما رواه الطَّحاويّ (١/ ١٢٧) من طريق موسى بن عُقْبةَ، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة قالت: كان النبيُّ ◌َ لّهِ يُجامعُ ثمَّ يعودُ ولا يتوضَّأُ. قوله: ((ويحيى بن سعيد)) هو القَطَّان، وينبغي أنْ يَثبُتَ في القراءة قبل قوله: ((عن شُعْبةٍ)) لفظ «كلاهما))، لأنَّ كُلَّ من ابن أبي عَدي ويحيى رواه لمحمد بن بَشّار عن شُعْبة، وحذفُ ((كلاهما)) من الخطِّ اصطلاحٌ. (١) وهو عند ابن ماجه أيضاً برقم (٥٩٠)، وأحمد في ((المسند)) (٢٣٨٦٢) وانظر الكلام على إسناده فيه. ٤٠ باب ١٢ / ح ٢٦٨ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((ذكرتُه)) أي: قولَ ابن عمر المذكورَ بعد بابٍ (٢٧٠) وهو قوله: «ما أُحِبُّ أنْ أُصبِحَ مُحُرِماً أنضَخُ طيباً)) وقد بيَّنه مسلم (١١٩٢ / ٤٧) في روايته عن محمد بن المنتَشِر قال: سألتُ عبدَ الله بن عمر عن الرجل يتطيَّبُ ثمَّ يصبحُ مُحرِماً ... فذكره، وزاد: قال ابن عمر: لَأَنْ أُطلِى بِقَطِرانٍ، أحَبُّ إليَّ من أنْ أَفعَلَ ذلك. وكذا ساقه الإسماعيليُّ بتمامه عن الحسن بن سفيان عن محمد بن بَشّار، فكأنَّ المصنِّ اختصره لكَوْن المحذوف معلوماً عند أهل الحديث في هذه القِصَّة، أو حدَّثه به محمد بن بَشّار مختصراً. قوله: ((أبا عبد الرحمن)) يعني: ابن عمر، استَرحَمَت له عائشة إشعاراً بأنَّه قد سَهَا فيما قاله، إذْ لو استحضرَ فعلَ النبيِّ وَل ﴿ لم يقل ذلك. قوله: ((فَيَطُوفُ)) كناية عن الجِماع، وبذلك تظهرُ مناسبة الحديث للترجمة. وقال الإسماعيلي: يحتمل أنْ يُرادَ به الجماع، وأنْ يُراد به تجدید العَهْدِ بهنّ. قلت: والاحتمالُ الأوَّلُ يُرجِّحُه الحديث الثاني، لقوله فيه: ((أُعطيَ قَوَّة ثلاثين))، و((يطوفُ)) في الأوَّل مثلُ ((يدورُ)) في الثاني. قوله: ((يَنْضَخُ)) بفتح أوَّله وبفتح الضّادِ المعجَمة، وبالخاء المعجمة، قال الأصمعي: النَّضْخُ بالمعجَمة أكثر من النَّضْحِ بالمهمَلة. وسَوَّى بينهما أبو زيد، وقال ابن كَيْسان: إنَّه بالمعجَمة لما ثَخُن، وبالمهمَلة لما رَقَّ. وظاهرُه: أنَّ عينَ الطِّيب بَقِيَت بعد الإحرام، قال الإسماعيلي: بحيثُ إِنَّه صارَ كأنَّه يَتَساقَطُ منه الشيءُ بعد الشيء. وسنذكر حُكْمَ هذه المسألة في كتاب الحج (١٥٣٩) إن شاء الله تعالى. ٢٦٨ - حذَّثنا محمَّدُ بنُ بَشَّار، قال: حدَّثنا معاذُ بنُ هشام، قال: حدَّثني أَبي، عن قَتَادةَ، قال: حدَّثنا أنسُ بنُ مالكِ قال: كان النبيُّ ◌َل﴿ يَدُورُ على نسائه في الساعة الواحدةِ مِن اللَّيلِ والنَّهار، وهُنَّ إحدَى عَشْرةَ، قال: قلتُ لأنسِ: أوَ كانَ يُطِيقُه؟ قال: كنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّه أُعْطِيَ قُوَّةَ ثلاثينَ. وقال سعيدٌ، عن قَتَادةَ: إِنَّ أنساً حَدَّثَهم: تِسعُ نِسْوةٍ. [أطرافه في: ٢٨٤، ٥٠٦٨، ٥٢١٥]