النص المفهرس

صفحات 1-20

◌َعُ النَّى
فتح
بشرح صحيح البخاريّ
تأليفٌ
الإِكَّامِ الْحَافِظِ شَكَابِ الِّينِ أحَ بَّنْ عَلَيِّ بْنِ حَجَِ السَّقَلَافِيّ
٧٧٣ - ٨٥٢ هـ
أُشْرفَ على تحقيق الكتَابُ وَرَاجَعه
عَادٌ مُشْد
شعيب الأرناؤوط
شارك في تخريج نصوصه
حقّقٍ هَذَا الجزء رخّصَهُ وعَلّ عَلَيْهٌ
عكادل فة
الجُزْءُ الثّاني
الرسالة العالمية

-3

فَعُ النَّظَرِي
بشرح صحيح البخاري
٢

◌ِلَّ الرَّحْدِالرَّحِيمِ
نِـ
جَمْعَ الحَقُوقُ محفوظَة لِلنَاشِرْ
الطبعَة الأولىُ
١٤٣٤ هـ -٢٠١٣م
دار الرسالة العالمية
جميع الحقوق محفوظة
يمنع طبع هذا الكتاب أو أي جزء منه بجميع طرق
الطبع والتطوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي
والمسموع والحاسوبي وغيرها إلا بأفن خطي من:
شركة الرسالة العالمية م.م.
Publishers
الإدارة العامة
Head Office
دمشق - الحجاز
شارع مسلم البارودي
بناء خولي وصلاحي
2625
(963)11-2212773
(963)11-2234305
الجمهورية العربية السورية
Syrian Arab Republic
info@resalahonline.com
فرع بيروت
BEIRUT/LEBANON
TELEFAX: 815112- 319039- 818615
P.O. BOX:117460

٥
كتاب الغسل
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كتاب الغُسْل
٣٥٩/١
وقولِ الله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَرُواْ وَإِن كُنتُم مَرْضَ أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ
◌ِّنْكُمْ مِنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَأَمْسَحُواْ
بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ حَرَجَ وَلَكِن يُرِيدُ
لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦].
وقولِه جَلَّ ذِكرُه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى حَقَّ تَعْلَمُواْ
مَا نَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنُم ◌َّرْضَىَ أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ
مِّنكُم مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْؤُمُ النِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءٍ فَتَيَمَّعُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَأَمْسَحُواْ
بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوَّا غَفُورًا ﴾ [النساء: ٤٣].
قوله: ((بسم الله الرحمن الرحيم - كتاب الغُسل)) كذا في روايتنا بتقديم البسملة، وللأكثر
بالعكس، وقد تقدّم توجیه ذلك.
وحُذِفَت البسملة من رواية الأَصِيلِيّ وعنده: ((باب الغُسل)) وهو بضمِّ الغين اسمٌ
للاغتسال، وقيل: إذا أُريدَ به الماء فهو مضموم، وأمَّا المصدرُ(١) فيجوز فيه الضمُّ والفتحُ،
حكاه ابن سِيدَهْ وغيره، وقيل: المصدرُ بالفتح، والاغتسال بالضمّ.
وقيل: الغَسلُ بالفتح: فعل المغتسل، وبالضمّ: الماء الذي يُغْتَسلُ به، وبالكسر: ما يُجعَلُ
مع الماء کالأُشْنان.
وحقيقةُ الغسل: جَرَيان الماء على الأعضاء، واختُلِفَ في وجوب الدَّلْك، فلم يُوجِبْه
الأكثرُ، ونُقِلَ عن مالكِ والمُزَنِيِّ وجوبُه، واحتَجَّ ابن بَطَّال بالإجماع على وجوب إمرار اليد
(١) في (أ): وإذا أُريد به الفعل.

٦
باب ١ / ح ٢٤٨
فتح الباري بشرح البخاري
على أعضاء الوضوء عند غسلها، قال: فيجبُ ذلك في الغُسل قياساً لعَدَم الفَرْق بينهما.
وتُعُقِّبَ بأنَّ جميعَ مَن لم يُوجِب الدَّلْكَ، أجازوا غَمْسَ اليد في الماء للمتوضِّئ من غير
إمرار، فبَطَلَ دَعْوى الإجماع وانتَفَت الملازمة.
قوله: ((وقول الله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَّرُواْ﴾)) قال الكِرْماني: غَرَضُه بيان أنَّ
وجوبَ الغُسل على الجُنُب مستفاد من القرآن.
قلت: وقَدَّمَ الآيةَ التي من سورة المائدة على الآية التي من سورة النساء لدقيقة، وهي
أنَّ لفظ التي في المائدة ﴿فَأَطَّهَّرُواْ﴾ ففيها إجمال، ولفظ التي في النساء: ﴿حَّى تَغْتَسِلُواْ﴾
ففيها تصريحٌ بالاغتسال وبيانٌ للتَّطْهير المذكور، ودَلَّ على أنَّ المرادَ بقوله تعالى:
﴿فَأَطَّهَرُواْ﴾: فاغتَسِلوا، قولُه تعالى في الحائض: ﴿ وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنٌّ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ ﴾
٣٦٠/١ [البقرة: ٢٢٢] أي: اغتَسَلْنَ اتِّفاقاً / ودَلَّت آية النساء على أنَّ استباحة الجُنُب للصلاة - وكذا
الُّبْث في المسجد - يتوقَّفُ على الاغتسال، وحقيقة الاغتسال: غسل جميع الأعضاء مع
تمييز ما للعبادة عمّا للعادة بالنيَّة.
١ - بابُ الوضوء قبل الغُسْل
٢٤٨- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةً
زوجِ النبيِّبَّهِ: أنَّ النبيَّ ◌َّهِ كان إذا اغتَسَلَ مِن الجَنَابَةِ، بَدَأْ فِغَسَلَ يَدَيه ثمَّ يتوضَّأُ كما يتوضَّأُ
للصلاة، ثمَّ يُدخِلُ أصابعَه في الماءِ، فيُخلِّلُ بها أُصُولَ الشَّعَرِ، ثمَّ يَصُبُّ على رَأْسِه ثلاثَ غُرَفٍ
بَيَدَيهِ، ثمَّ يُفِيضُ علی چِلْدِه كُلِّه.
[طرفاه في: ٢٦٢، ٢٧٢]
قوله: ((باب الوضوء قبلَ الغُسْل)) أي: استحبابه. قال الشافعيُّ رحمه الله في ((الأُمّ):
فرض الله تعالى الغُسل مُطلَقاً لم يذكر فيه شيئاً يبدأُ به قبل كلِّ شيء، فكيفما جاء به المغتسل
أجزأَه إذا أتى بغَسْل جميع بدنِهِ، والاختيارُ في الغُسل ما رَوَت عائشة؛ ثمّ روى حديث
الباب عن مالكٍ بسنده، وهو في ((الموطَّأ)) (٤٤/١)، كذلك قال ابن عبد البَرّ: هو من

٧
باب ١ / ح ٢٤٨
كتاب الغسل
أحسن حديث رُوِيَ في ذلك. قلت: وقد رواه عن هشام - وهو ابن عُرْوة - جماعة من
الحُفَّاظ غير مالكِ كما سنشير إليه.
قوله: ((كان إذا اغتَسَلَ)» أي: شَرَعَ في الفعل، و ((مِن)) في قوله: ((من الجنابة)) سببيَّة.
قوله: ((بَدَأْ فَغَسَلَ يَدَيه)) يحتمل أنْ يكون غسلهما للتنظيف ممّا بهما من مُستَقْذَرٍ، وسيأتي
في حديث ميمونة (٢٤٩) تقوية ذلك. ويحتمل أنْ يكون هو الغَسْل المشروع عند القيام من
النوم، ويدلُّ عليه زيادة ابن عُبَينَةَ في هذا الحديث عن هشام: ((قبل أنْ يُدخِلَهما في الإناء)»
رواه الشافعيّ (٥٧/١) والتِّرمِذيّ (١٠٤) وزاد أيضاً: ((ثُمَّ يَغْسِلُ فرجَه))، وكذا لمسلم
(٣١٦/ ٣٥) من رواية أبي معاوية، ولأبي داود (٢٤٢) من رواية حمَّد بن زيد، كلاهما عن
هشام، وهي زيادةٌ جليلة، لأنَّ بتقديم غسله يَحصُلُ الأمنُ من مَسِّه في أثناء الغُسل.
قوله: ((كما يتوضَّأُ للصلاة» فيه احتراز عن الوضوء اللُّغَويّ، ويحتمل أنْ يكون الابتداء
بالوضوء قبل الغُسل سُنَّة مستقلَّة، بحيثُ يجبُ غسل أعضاء الوضوء مع بقيَّة الجسد في
الغُسل، ويحتمل أنْ يَكْتفيَ بغسلها في الوضوء عن إعادته، وعلى هذا فيحتاجُ إلى نيَّة غُسْل
الجنابة في أوَّل عُضْو، وإنَّما قَدَّمَ غسل أعضاء الوضوء تشريفاً لها، ولتَحصُل له صورة
الطَّهارتَينِ الصُّغْرى والكُبْرِى، وإلى هذا جَنَحَ الدَّاووديُّ شارح ((المختصر)) من الشافعيَّة
فقال: يُقدِّمُ غسل أعضاء وُضوئه على ترتيب الوضوء لكن بنيّة غُسْل الجنابة.
ونقل ابن بَطَّال الإجماعَ على أنَّ الوضوءَ لا يجبُ مع الغُسل، وهو مردود، فقد ذهب
جماعة منهم أبو ثَوْر وداودُ وغيرُهما إلى أنَّ الغُسلَ لا يَنُوبُ عن الوضوء للمُحدِث.
قوله: ((فيُخلِّلُ بها)) أي: بأصابعِه التي أدخلها في الماء. ولمسلم (٣٥/٣١٦): ثمَّ يأخذُ
الماء فيُدخِلُ أصابعه في أُصول الشَّعر، وللِّرمِذيِّ (١٠٤) والنَّسائي (٢٤٩) من طريق ابن
عُيَينة: ثمَّ يُشرِّبُ شعرَه الماء.
قوله: ((أُصُول الشَّعر)) وللكُشْمِيهَنيِّ: ((أُصول شعره)) أي: شعر رأسه، ويدلُّ عليه
رواية حمّاد بن سَلَمةَ عن هشام عند البيهقي (١/ ١٧٥): يُحُلِّلُ بها شِقَّ رأسه الأيمَن فیتْبعُ

٨
باب ١ / ح ٢٤٨
فتح الباري بشرح البخاري
بها أُصول الشَّعر ثمَّ يفعلُ بشِقِّ رأسه الأيسرِ كذلك.
وقال القاضي عِيَاض: احتَجَّ به بعضهم على تخليل شعر اللِّحْية(١) في الغُسل، إمَّا لعموم
قوله: ((أُصول الشَّعر))، وإمَّا بالقياس على شعر الرأس. وفائدة التخليل: إيصال الماء إلى
الشَّعر والبَشَرة ومُباشَرة الشّعر باليد ليَحصُل تعميمُه بالماء وتأنيس البَشَرة، لئلا يصيبَها
بالصَّبِّ ما تتأذَّى به. ثمَّ هذا التخليل غير واجب اتِّفاقاً، إلَّا إنْ كان الشَّعرُ مُلبَّداً بشيءٍ
يَحِولُ بين الماء وبين الوصول إلى أُصولِه، والله أعلم.
٣٦١/١ قوله: ((ثمَّ يُدخِلُ)) إنَّما ذكره بلفظ المضارع وما قبلَه مذكور بلفظ الماضي - وهو الأصلُ -
لإرادة استحضار صورة الحال للسامعين.
قوله: ((ثلاث غُرَف)) بضم المعجَمة وفتح الراء جمع غَرْفةٍ: وهي قَدْرُ ما يُغْرَفُ من الماء
بالكَفّ، وللكُشْمِيهَنيّ: ((ثلاث غَرَفات)) وهو المشهورُ في جمع القِلَّة. وفيه استحباب
التثليث في الغُسل، قال النَّووي: ولا نعلمُ فيه خلافاً إلَّا ما تفرَّد به الماوَرْدُّ، فإنَّه قال: لا
يُستَحبُّ التكرار في الغُسل. قلت: وكذا قال الشيخُ أبو عليٍّ السِّنْجيّ في شرح ((الفُروع))،
وكذا قال القُرْطبيُّ وحمل التثليثَ في هذه الرواية على رواية القاسم عن عائشة الآتية قريباً
(٢٥٨)، فإنَّ مُقتَضاها: أنَّ كلَّ غَرْفةٍ كانت في جهةٍ من جهات الرأس، وسيأتي في آخر
الكلام على حديث ميمونة (٢٤٩) زيادة في هذه المسألة.
قوله: ((ثمَّ يُفيضُ)) أي: يُسِيلُ، والإفاضة: الإسالة. واستدلَّ به مَن لم يشترط الذَّلْك،
وهو ظاهر، وقال المازَرِيُّ: لا حُجَّةَ فيه، لأنَّ أفاضَ بمعنى: غَسَّل، والخلافُ في الغسل
قائم. قلت: ولا يخفى ما فيه، والله أعلم.
وقال القاضي عِيّاض: لم يأتِ في شيءٍ من الروايات في وضوء الغُسلِ ذِكرُ التَّكرار.
قلت: بل وَرَدَ ذلك من طريقٍ صحيحةٍ أخرجها النَّسائي (٢٤٦) والبيهقي (١٧٤/١) من
رواية أبي سَلَمَةَ عن عائشة: أنَّهَا وَصَفَت غُسْلَ رسول الله وَلِّ من الجنابة ... الحديث،
(١) تحرَّف في (س) إلى: الجسد.

٩
باب ١ / ح ٢٤٩
كتاب الغسل
وفيه: ((ثُمَّ يَتمضمضُ ثلاثاً، ويَستنشِقُ ثلاثاً، ويَغْسِلُ وجهَه ثلاثاً، ويديه ثلاثاً، ثمَّ يُفِيضُ
على رأسه ثلاثاً)).
قوله: ((على جِلْدِه كُلّه)) هذا التأكيد يدلُّ على أنَّه عَمَّمَ جميع جسده بالغَسل بعدَما تقدَّم،
وهو يؤيِّدُ الاحتمالَ الأوَّل: أنَّ الوضوءَ سُنَّةٌ مستقلَّة قبل الغُسل، وعلى هذا فينوي المغتسلُ
الوضوء إنْ كان مُحدِثاً، وإلَّا فسُنَّةَ الغُسل.
واستدلَّ بهذا الحديث على استحباب إكمال الوضوء قبل الغُسل ولا يُؤخِّرُ غسل
الرِّجَلَينِ إلى فراغه، وهو ظاهرٌ من قولها: ((كما يتوضَّأُ للصلاة))، وهذا هو المحفوظُ في
حديث عائشة من هذا الوجه، لكن رواه مسلم (٣٥/٣١٦) من رواية أبي معاوية عن
هشام فقال في آخره: ((ثمَّ أفاضَ على سائر جسده، ثمَّ غَسَلَ رِجْلیه)) وهذه الزيادة تفرَّد بها
أبو معاوية دون أصحاب هشام، قال البيهقي: هي غريبةٌ صحيحٌ. قلت: لكن في رواية
أبي معاوية عن هشام مَقال، نعم له شاهدٌ من رواية أبي سَلَمة عن عائشة أخرجه أبو داود
الطَّيالسيّ (١٤٧٤) فذكر حديث الغُسل كما تقدَّم عند النَّسائيِّ (٢٤٦) وزاد في آخره: ((فإذا
فَرَغَ غَسَلَ رِجْليه))(١)، فإمَّا أنْ تُحمَّلَ الروايات عن عائشة على أنَّ المرادَ بقولها: ((وضوءَه
للصلاة)) أي: أكثرَه، وهو ما سوى الرّجلَين، أو يُحمَلَ على ظاهرِه.
ويُستَدَلّ برواية أبي معاوية على جواز تفريق الوضوء، ويحتمل أنْ يكون قوله في رواية
أبي معاوية: ((ثمَّ غَسَلَ رِجْليه)) أي: أعادَ غسلهما لاستيعاب الغسل بعد أنْ كان غَسَلَهما في
الوضوء، فيوافٌ قولَه في حديث الباب: ((ثمَّ يُفِيضُ علی جِلْدِە کلّه)).
٢٤٩- حدَّثنا محمَّدُ بنُّ يوسفَ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن الأعمش، عن سالم بنِ أبي
الجَعْد، عن كُرَيب، عن ابنِ عبَّاس، عن ميمونةَ زوجِ النبيِّ وَّ قالت: توضَّأَ رسولُ الله ◌ِه.
وُضُوءَه للصلاة غيرَ رِجْليه، وغَسَلَ فَرْجَه وما أصابَه مِن الأذَى، ثمَّ أفاضَ عليه الماءَ، ثمَّ نَخَّی
(١) وهو عند أحمد أيضاً في «مسنده)) (٢٤٦٤٨)، وسيأتي في حديث ميمونة (٢٤٩) ما يؤيده.

١٠
باب ١ / ح ٢٤٩
فتح الباري بشرح البخاري
رِجْليه فغَسَلَهُما؛ هذه غُسْلُهُ مِن الجَنَابَة.
[أطرافه في: ٢٥٧، ٢٥٩، ٢٦٠، ٢٦٥، ٢٦٦، ٢٧٤، ٢٧٦، ٢٨١]
قوله: ((حدَّثنا محمَّد بن يوسف)) هو الفِرْيابيّ، وسفيان: هو الثَّوْرِيُّ، وجَزَمَ الكِرْمانيّ بأنَّ
محمد بن يوسف هو البیگنديّ، وسفيان هو ابن عُيَينة، ولا أدري من أين له ذلك!
قوله: ((وُضوءَه للصلاة غير رِجْليه)) فيه التصريح بتأخيرِ الرِّجلَينِ في وضوء الغُسل إلى
آخره، وهو مخالفٌ لظاهر رواية عائشة (٢٤٨). ويمكن الجمعُ بينهما إمَّا بحمل رواية
٣٦٢/١ عائشة/ على المجاز كما تقدَّم، وإمَّا بحملِه على حالةٍ أُخرى، وبحَسَب اختلاف هاتَينِ
الحالتينِ اختلف نظرُ العلماء، فذهب الجمهورُ إلى استحباب تأخير غسل الرِّجلَينِ في
الغُسل، وعن مالكِ: إنْ كان المكان غير نظيفٍ، فالمستحَبّ تأخيرهما وإلّا فالتقديم، وعند
الشافعيّة في الأفضل قولان، قال النَّووي: أصحّهما وأشهرهما ومُختارهما: أنَّه يُكْمِلُ
وضوءه. قال: لأنَّ أكثر الروايات عن عائشة ومیمونة كذلك، انتهى.
كذا قال، وليس في شيءٍ من الروايات عنهما التصريحُ بذلك، بل هي إمَّا مُحُتمَلة
كرواية: ((توضّأ وضوءه للصلاة))، أو ظاهرة في تأخيرِهما كرواية أبي معاوية المتقدِّمة(١)،
وشاهدها من طريق أبي سَلَمة، ويوافقُها أكثر الروايات عن ميمونة، أو صريحة في
تأخيرِ هما كحديث الباب، وراويها مُقدَّم في الحِفْظ والفِقْه على جميع مَن رواه عن الأعمش.
وقول مَن قال: إنَّما فعل ذلك مرَّةً لبيان الجواز، مُتعقّبٌ، فإنَّ في رواية أحمد
(٢٦٧٩٨) (٢) عن أبي معاوية عن الأعمش ما يدلُّ على المواظَبة، ولفظه: ((كان إذا اغتسل
من الجنابة، يبدأُ فَيَغِلُ يديه ثمَّ يُفرِغُ بيمينِهِ على شِماله فيَغْسِلُ فَرْجَه)) فذكر الحديث، وفي
آخره: «ثمَّ یَتنخَّی فیَغسِلُ رِجْلیه».
قال القُرْطبي: الحِكْمةُ في تأخيرِ غسل الرِّجلَينِ لَيَحصُل الافتاح والاختتام بأعضاء الوضوء.
(١) في شرح الحديث السابق.
(٢) والنسائي (٤١٧).

١١
باب ١ / ح ٢٤٩
كتاب الغسل
قوله: ((وَغَسَلَ فرجَه)» فيه تقديمٌ وتأخير، لأنَّ غسلَ الفَرْج كان قبل الوضوء، إذ الواوُ
لا تقتضي الترتيب، وقد بيَّن ذلك ابن المبارك عن الثَّوْريِّ عند المصنّف (٢٨١) في ((باب
السَّتْر في الغُسل)) فذكر أوَّلاً غَسْل اليدين، ثمَّ غَسْلَ الفَرْج، ثمَّ مسحَ يده بالحائط، ثمَّ
الوضوء غيرَ رِ جليه، وأتى بِثُمَّ الدَّالّة على الترتيب في جمیع ذلك.
قوله: ((هذه غُسْلُه)) الإشارة إلى الأفعال المذكورة، أو التقديرُ: هذه صفة غُسْله،
وللكُشْمِيهَنيّ: ((هذا غُسْلُه)) وهو ظاهر، وأشار الإسماعيلي إلى أنَّ هذه الجملةَ الأخيرةَ
مُدرَجة من قول سالم بن أبي الجَعْد، وأنَّ زائدة بن قُدامة بيَّن ذلك في روايته عن
الأعمش(١).
واستدلَّ البخاري بحديث ميمونة هذا على جواز تفريق الوضوء (٢٦٥)، وعلى
استحباب الإفراغ باليمينِ على الشِّمال للمُغتَرِف من الماء، لقوله في رواية أبي عَوَانة (٢٦٦)
وحفصٍ (٢٥٩) وغيرهما: ((ثُمَّ أَفَرَغَ بيمينِه على شِماله))، وعلى مشروعيّة المضمضة
والاستنشاق في غُسْل الجنابة (٢٥٩)، لقوله فيها: (ثمَّ تمضمض واستَنشَق))، وتَسَّكَ به
الحنفيّة للقول بوجوبهما.
وتُعُقِّبَ بأنَّ الفعلَ المجرَّدَ لا يدلُّ على الوجوب إلَّا إذا كان بياناً لمُجمَلِ تَعلَّقَ به
الوجوبُ، ولیس الأمر هنا كذلك، قاله ابن دقیق العید.
وعلى استحباب مسح اليد بالتُّراب من الحائطِ أو الأرض، لقوله في الروايات المذكورة
(٢٦٠): ((ثُمَّ دَلَكَ يدَه بالأرض أو بالحائط)).
قال ابن دَقِيق العيد: وقد يُؤخَذُ منه الاكتفاء بغَسلةٍ واحدةٍ لإزالة النجاسة والغُسل
من الجنابة، لأنَّ الأصلَ عَدَم التكرار وفيه خلاف، انتهى.
وصحّح النَّوويّ وغيره: أنَّه يُحِزِئُ، لكن لم يَتعيَّنْ في هذا الحديث أنَّ ذلك كان لإزالة
النجاسة، بل يحتمل أنْ يكون للتنظيف فلا يدلُّ على الاكتفاء، وأمَّا دَلْكُ اليد بالأرض
(١) رواية زائدة عن الأعمش أخرجها الدارمي (٧٤٧)، وهي عند مسلم (٣٣٧) مختصرة.

١٢
باب ١ / ح ٢٤٩
فتح الباري بشرح البخاري
فللمُبالَغة فيه ليكون أنقَى كما قال البخاريّ.
وأبعَدَ مَن استدلَّ به على نجاسة المنيِّ، أو على نجاسة رُطوبة الفَرْج، لأنَّ الغُسلَ ليس
مقصوراً على إزالة النجاسة، وقولُه في حديث الباب: ((وما أصابه من أذّى)) ليس بظاهرٍ في
النجاسة أيضاً.
واستدلَّ به البخاري أيضاً على أنَّ الواجبَ في غُسْل الجنابة مرَّة واحدة (٢٥٧) وعلى
أنَّ مَن توضَّأ بنيَّة الغُسل ثمَّ أكمَلَ باقي أعضاء بدنِه لا يُشرَعُ له تجديد الوضوء من غير
حَدَثٍ (٢٧٤)، وعلى جواز نَفْض اليدين من ماء الغُسل وكذا الوضوء (٢٧٦)، وفيه
حديثٌ ضعيفٌ أورَدَه الرافعيّ وغيرُه ولفظُه: ((لا تَنفُضوا أيديكم في الوضوء، فإنَّهَا مَراوح
٣٦٣/١ الشيطان))، وقال/ ابن الصلاح: لم أجِدْه، وتَبِعَه النَّوويّ. وقد أخرجه ابن حِبَّان في
((الضُّعَفاء)) (٢٠٣/١) وابن أبي حاتم في ((العِلَل)) (٣٦/١) من حديث أبي هريرة، ولو لم
يُعارِضْه هذا الحديث الصحيح لم يكن صالحاً أنْ يُحْتَجَّ به(١).
وعلى استحباب التستُّر في الغُسل ولو كان في البيت (٢٨١)، وقد عَقَدَ المصنِّف لكلِّ
مسألة باباً، وأخرج هذا الحديث فيه لكن بمُغايرة الطُّرُق ومَدارُها على الأعمش بإسناده
هذا (٢)، وعند بعض الرُّواة عنه ما ليس عند الآخَر، وقد جمعت فوائدها في هذا الباب.
وصَرَّحَ في رواية حفص بن غياثٍ عن الأعمش (٢٥٩) بسماع الأعمش من سالم،
فأُمنَ تدليسُه. وفي الإسناد ثلاثة من التابعين على الولاء: الأعمشُ وسالم وكُرَيب،
وصحابيَّان: ابن عبّاس وخالته ميمونة بنت الحارث.
وفي الحديث من الفوائد أيضاً: جواز الاستعانة بإحضار ماء الغُسل والوضوء لقولها في
رواية حفص (٢٥٩) وغيره: ((وَضَعْت(٣) لرسول الله وَلِِّ غُسْلاً))، وفي رواية عبد الواحد
(١) قال أبو حاتم عقبه: هذا حديث منكر، والبختري ضعيف الحديث، وأبوه مجهول.
(٢) قوله: «بإسناده هذا» من (أ)، وليس في (ع) و (س).
(٣) الذي في نسخ ((الصحیح)): صببت، بدل: وضعت.

١٣
باب ١ / ح ٢٤٩
كتاب الغسل
(٢٦٥): ((ماءً يغتسلُ به))، وفيه خِدْمةُ الزوجات لأزواجهِنَّ. وفيه الصَّبُّ باليمينِ على
الشِّمال لغسل الفَرْج بها. وفيه تقديم غسل الكَفَّين على غسل الفَرْج لمن يريد الاغترافَ، لئلا
يُدخِلَهما في الماء وفيهما ما لعلَّه يُستقذَرُ، فأمَّا إذا كان الماء في إبريقِ مَثلاً، فالأولى تقديم غسل
الفَرْج لتَوالي أعضاء الوضوء.
ولم يقعْ في شيءٍ من طرق هذا الحديث التنصيص على مسح الرأس في هذا الوضوء،
وتَسَّكَ به المالكيَّة لقولهم: إنَّ وضوء الغُسل لا يُمسَحُ فيه الرأس، بل يُكتفَى عنه بغسله.
واستدلَّ بعضهم بقولها في رواية أبي حمزة (٢٧٦) وغيره: «فناولتُهُ ثوباً فلم يأخذْه)) على
كراهة التنشيف، بعد الغُسل ولا حُجَّةَ فيه، لأنَّها واقعةُ حالٍ يتطرّقُ إليها الاحتمالُ، فيجوز
أنْ يكون عَدَمُ الأخذِ لأمرٍ آخرَ لا يتعلَّقُ بكراهة التنشيف، بل لأمرٍ يتعلَّقُ بالخِرْقة أو
لگونه كان مستعجلاً أو غير ذلك.
قال المهلَّب: يحتمل تركُه الثوب، لإبقاء بَرَكة بَلَل الماء، أو للتواضع، أو لشيءٍ رآه في
الثوب من حرير أو وَسَخ.
وقد وقع عند أحمد (٢٦٨٥٦) والإسماعيلي من رواية أبي عَوَانة في هذا الحديث عن
الأعمش قال: فذكرتُ ذلك لإبراهيمَ النَّخَعَيّ فقال: لا بأسَ بالمِنْديل، وإنَّما رَدَّه مخافةَ أنْ
يصيرَ عادة(١).
وقال الشَّيميُّ في شرحه: في هذا الحديث دليل على أنَّه كان يَتَنشَّفُ، ولولا ذلك لم تأته
بالِنْديل. وقال ابن دَقِيق العيد: نَفْضُه الماءَ بيده يدلُّ على أنْ لا كراهةَ في التنشيف، لأنَّ كُلَّا
منهما إزالة. وقال النَّووي: اختلف أصحابنا فيه على خمسة أوجُه، أشهرُها: أنَّ المستحَبَّ تركُه،
وقيل: مكروه، وقيل: مُباح، وقيل: مُستحَبّ، وقيل: مكروه في الصيف مُباح في الشِّتاء.
واستُدلَّ به على طهارة الماء المتقاطرِ من أعضاء المتطهِّر، خلافاً لمن غَلَا من الحنفيّة فقال
بنجاستِه.
(١) لفظه عند أحمد: لا بأس بالمنديل إنما هي عادة. ولعلَّ اللفظ المذكور للإسماعيلي.

١٤
باب ٢ / ح ٢٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
٢ - باب غُسْل الرجل مع امرأته
٢٥٠ - حذَّثنا آدمُ بنُ أبي إياس، قال: حذَّثنا ابنُ أبي ذِئْب، عن الزُّهْريّ، عن عُرْوةَ، عن
عائشةَ قالت: كنتُ أغتسِلُ أنا والنبيُّ وَ لَه من إناءٍ واحدٍ من قَدَح يقالُ له: الفَرَق.
[أطرافه في: ٢٦١، ٢٦٣، ٢٧٣، ٢٩٩، ٥٩٥٦، ٧٣٣٩]
قوله: ((باب غُسل الرجل مع امرأته ... عن عُرْوة)) أي: ابن الزُّبَير، كذا رواه أكثرُ أصحاب
الزّهْريّ، وخالفَهم إبراهيم بن سعد فرواه عنه عن القاسم بن محمد، أخرجه النَّسائي
(٤١٠)، ورَجَّحَ أبو زُرْعة الأوَّل. ويحتمل أنْ يكون للزّهْريِّ شيخان، فإنَّ الحديثَ محفوظٌ
عن عُزْوة والقاسم من طرقٍ أُخرى.
قوله: ((أنا والنبيُّ)) يحتمل أنْ يكون مفعولاً معه، ويحتمل أنْ يكون عطفاً على الضمير،
٣٦٤/١ وهو من باب تغليب المتكلُّم على الغائب، لكَوْنها هي السبب في/ الاغتسال فكأنّها أصلٌ في
الباب.
قوله: ((من إناءٍ واحدٍ من قَدَح)) ((من)) الأُولى: ابتدائيَّة، والثانية: بيانيَّة، ويحتمل أنْ يكون
(قَدَح)) بدلاً من ((إناء)) بتكرار حرف الجرّ. وقال ابن التِّين: كان هذا الإناء من شَبَهِ؛ وهو
بفتح المعجَمة والموخَّدة كما تقدَّم توضيحُه في صفة الوضوء (١٩٧) من حديث عبد الله
بن زيد، وكأنَّ مُستنَدَه ما رواه الحاكمُ (١٦٩/١) من طريق حمّاد بن سَلَمة، عن هشام بن
عُرْوة، عن أبيه ولفظُه: ((تَوْر من شَبَه))(١).
قوله: ((يقالُ له: الفَرَقُ)» ولمالكِ (٤٤/١-٤٥) عن الزُّهْريّ: «هو الفَرَقُ)) وزاد في
روايته: ((من الجنابة)) أي: بسبب الجنابة. ولأبي داود الطَّيالسيّ (١٤٣٨) عن ابن أبي ذِئْب:
وذلك القَدَح يومَئذٍ يُدعَى الفَرَق.
قال ابن التِّين: الفَرْقُ بتسكينِ الراء ورُوِّيناه بفتحها، وجَوَّزَ بعضهم الأمرين، وقال
القُتَبِيُّ وغيره: هو بالفتح، وقال النَّووي: الفتح أفصح وأشهرُ، قال: وزَعَمَ أبو الوليد
(١) وهو عند أبي داود برقم (٩٩) لكن أدخل حمادٌ بينه وبين هشام رجلاً مُبهَماً.

١٥
باب ٢ / ح ٢٥٠
كتاب الغسل
الباجيُّ أنَّه الصوابُ، قال: وليس كما قال، بل هما لُغَتان.
قلت: لعلَّ مُستنَد الباجيِّ ما حكاه الأزهريُّ عن ثَعْلَب وغيره: الفَرَقُّ بالفتح،
والمحدِّثون يُسَكِّنونَه، وكلام العرب بالفتح. انتهى، وقد حكى الإسكان أبو زيد وابن
دُرَيد وغيرهما من أهل اللُّغة، والذي في روايتنا هو الفتحُ، والله أعلم.
وحكى ابن الأثير: أنَّ الفَرَقَ بالفتح: ستَّة عشرَ رِطْلاً، وبالإسكان مئة وعشرون
رِطْلاً، وهو غريب.
وأمَّا مِقْداره فعند مسلم (٣١٩/ ٤١) في آخر رواية ابن عُيَينة عن الزّهْريِّ في هذا
الحديث: قال سفيان، يعني ابن عُيَينة: الفَرَقُ: ثلاثة آصُع، قال النَّووي: وكذا قال
الجماهير. وقيل: الفَرَقُ صاعان، لكن نقل أبو عُبيد الاتِّفاق على أنَّ الفرقَ ثلاثة آصُع،
وعلى أنَّ الفرق ستَّة عشرَ رِطْلاً، ولعلَّه يريد اتّفاقَ أهل اللُّغة، وإلَّا فقد قال بعض الفقهاء
من الحنفيّة وغيرهم: إنَّ الصاعَ ثمانية أرطال، وتَسَّكوا بما رُوِيَ عن مجاهدٍ في الحديث الآتي
عن عائشة: أنَّه حَزَرَ(١) الإناءَ ثمانية أرطال(٢).
والصحيح الأوَّل، فإنَّ الخَزْرَ لا يُعارَضُ به التحديد. وأيضاً فلم يُصرِّح مجاهد بأنَّ
الإناءَ المذكورَ صاع، فيُحمَلُ على اختلاف الأَواني مع تَقارُبها، ويؤيِّدُ كَوْن الفرَق ثلاثةَ
آصُعِ ما رواه ابن حِبَّان (٥٥٧٧) من طريق عطاءٍ عن عائشة بلفظ: ((قَدْر ستّة أقساط))،
والقِسْط بكسر القاف، وهو باتِّفاق أهل اللَّغة: نصف صاع، ولا اختلاف بينهم أنَّ الفَرَقَ
ستَّة عشرَ رِطْلاً، فصَحَّ أنَّ الصاع: خمسة أرطال وثُلُث، وتَوَسَّطَ بعضُ الشافعيَّة فقال:
الصاعُ الذي لماء الغُسل ثمانية أرطال، والذي لزكاة الفِطْر وغيرها خمسة أرطال وثُلُث،
وهو ضعيف. ومباحث المتن تقدَّمت في ((باب وضوء الرجل مع امرأته)) (١٩٣).
(١) الحازر: هو موسى الجهني الراوي عن مجاهد لا مجاهد.
(٢) أخرجه أحمد (٢٤٢٤٨)، والنسائي (٢٢٦). والذي في الحديث: فحزرته ثمانية أو تسعة أو عشرة
أرطال.

١٦
باب ٣ / ح ٢٥١
فتح الباري بشرح البخاري
واستدلَّ به الدَّاووديّ على جواز نظرٍ الرجل إلى عَوْرة امرأته وعكسه، ويؤيِّدُه ما رواه
ابن حِبَّان (٥٥٧٧) من طريق سليمان بن موسى: أنَّه سُئِلَ عن الرجل يَنظُر إلى فرج امرأته
فقال: سألتُ عطاء فقال: سألت عائشة، فذكرت هذا الحديث بمعناه، وهو نصٌّ في
المسألة، والله أعلم.
٣- باب الغُسْل بالصَّاع ونحوه
٢٥١- حلَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّد، قال: حدَّثني عبدُ الصَّمَد، قال: حدَّثْنِي شُعْبَةُ، قال:
حذَّثني أبو بَكْر بنُ حَفْص، قال: سمعتُ أبا سَلَمَةَ يقولُ: دَخَلتُ أنا وأخُو عائشةَ على عائشةَ،
فسأَلها أخُوها عن غُسْلِ النِيِّ :﴿، فَدَعَتْ بإناءٍ نَحْواً من صاع، فاغتَسَلَتْ وأفاضَتْ على
رْسِها، وبيننا وبينها حجابٌ.
قال أبو عبدِ الله: قال يزيدُ بنُ هارونَ ويَهْزٌ والجُدِيُّ، عن شُعْبَةَ: قَدْرِ صاعٍ.
قوله: ((باب الغُسْل بالصّاع)) أي: بمِلْءِ الصاع ((ونحوِه) أي: ما يُقدربُه. والصَّاع: تقدَّم
٣٦٥/١ أنَّه خمسة أرطالٍ وثُلُث / برِطْل بغداد، وهو على ما قال الرافعيُّ وغيره: مئة وثلاثون دِرْهماً.
وَرَجَّحَ النَّوويّ أنَّه مئة وثمانية وعشرون دِرْهماً وأربعة أسباع دِرْهم. وقد بيَّن الشيخُ الموفَّقُ
سببَ الخلاف في ذلك فقال: إنَّه في الأصل مئةٌ وثمانية وعشرون وأربعة أسباع، ثمَّ زادوا
فيه مِثْقالاً، لإرادة جَبْرِ الكسر، فصارَ مئة وثلاثين، قال: والعملُ على الأوَّل، لأنَّه هو الذي
کان موجوداً وقت تقدیر العلماء به.
قوله: ((حدَّثنا عبد الله بن محمَّد)» هو الجُعْفيُّ، وعبد الصمد: هو ابن عبد الوارث، وأبو
بكر بن حفص، أي: ابن عمر بن سعد بن أبي وَقَّاص، شارَكَ شيخَه أبا سَلَمةَ - وهو ابن
عبد الرحمن بن عَوْف - في كَوْنه زُهْرِيّاً مدنياً مشهوراً بالكُنْية، وقد قيل: إنَّ اسمَ كُلٌّ منهما
عبد الله.
قوله: ((وأخُو عائشة)) زَعَمَ الدَّاووديّ أنَّه عبد الرحمن بن أبي بكر الصِّدّيق. وقال غیرُه:
هو أخوها لأُمَّها وهو الطُّفَيل بن عبد الله، ولا يَصِحُّ واحد منهما، لما روى مسلم (٣٢٠)

١٧
باب ٣ / ح ٢٥١
كتاب الغسل
من طريق معاذ، والنَّسائي (٢٢٧) من طريق خالد بن الحارث، وأبو عَوَانة (٨٤٩) من
طريق يزيد بن هارون، كلّهم عن شُعْبةَ في هذا الحديث: أنَّه أخوها من الرَّضاعة. وقال
النَّوويّ وجماعة: إنَّه عبد الله بن يزيد، مُعتمِدين على ما وقع في ((صحيح مسلم)) في الجنائز
(٩٤٧) عن أبي قلابة، عن عبد الله بن يزيد رَضِيع عائشة، عنها، فذكر حديثاً غير هذا، ولم
يَتعيَّنْ عندي أنَّه المرادُ هنا، لأنَّ لها أخاً آخرَ من الرَّضاعة: وهو كثير بن عُبيد رضيع عائشة،
روى عنها أيضاً وحديثه في ((الأدب المفرد)» للبخاريٍّ (٤٧١) و((سنن أبي داود)) (٥٢) من
طریق ابنه سعيد بن کثیر عنه(١). وعبد الله بن يزيد بصريّ، و کثیر بن عبيد كوفيّ، فيحتمل
أنْ يكون المبهم هنا أحدهما، ويحتمل أنْ يكون غيرَهما، والله أعلم.
قوله: ((فَدَعَتْ بإناءٍ نَحْوٍ)) بالجرِّ والتنوين صفة ((إناء))، وفي رواية كَرِيمة: ((نحواً))
بالنصب على أنَّه نَعْتُ للمجرور باعتبار المحلِّ، أو بإضمار: أَعني.
قوله: ((وبيننا وبينَها حِجاب)) قال القاضي عِيَاض: ظاهرُه أنَّهما رَأَيًا عملها في رأسها
وأعالي جسدها ممَّا تَحِلُّ نظرُه للمَحْرَم، لأنَّهَا خالةُ أبي سَلَمَةَ من الرَّضاع، أرضَعَتْه أُختها أُمَ
كُلْثوم، وإِنَّا سَتَرَت أسافل بدنها ممّا لا يَحِلّ للمَحْرَمِ النَّظرُ إليه، قال: وإلَّا لم يكن لاغتسالها
بحضرتهما معنى.
وفي فعل عائشة دلالة على استحباب التعليم بالفعل، لأنَّه أوقَعُ في النَّفْس، ولمَّا كان
السؤال مُتِمِلاً للكيفيَّة والكَمّيَّة، ثبت لهما ما يدلُّ على الأمرينِ معاً، أمَّا الكيفيَّةُ فبالاقتصار
على إفاضة الماء، وأمَّا الكَمّيَّةُ فبالاكتفاء بالصاع.
قوله: ((قال أبو عبد الله)) أي: البخاريُّ المصنّف: ((قال يزيد بن هارون)) هذا التعليق
وَصَلَه أبو عَوَانة (٨٤٩) وأبو نُعيم في ((مُستخرَجَيهما)).
قوله: ((وبَهْزٌ)) بالزَّاي المعجَمة: هو ابن أَسَد، وحديثُه موصول عند الإسماعيليّ،
وزاد في روايتها: ((من الجنابة))، وعندهما أيضاً: ((على رأسها ثلاثاً))، وكذا عند مسلم
(١) حديث كثير بن عبيد عن عائشة عند أبي داود من طريق ابن ابنه عَنْبسة بن سعيد عنه.

١٨
باب ٣ / ح ٢٥٢
فتح الباري بشرح البخاري
(٣٢٠) والنَّسائي (٢٢٧).
قوله: ((والجُدِّيّ)) بضم الجيم وتشديد الدَّال: نسبة إلى جُدّة ساحل مكَّة، وكان أصله
منها لكنَّه سَكَنَ البصرة.
قوله: ((قَدْرِ صاع)) بالكسر على الحكاية، ويجوز النصبُ كما تقدَّم.
والمرادُ من الروايتين أنَّ الاغتسالَ وقع بمِلْءٍ الصاع من الماء تقريباً لا تحديداً.
٢٥٢- حدّثنا عبدُ الله بنُ محمَّد، قال: حدّثنا يحيى بنُ آدمَ، قال: حدَّثنا زُهَيرٌ، عن أبي
إسحاقَ، قال: حدّثنا أبو جعفرٍ: أنَّه كان عند جابرِ بنِ عبدِ الله هو وأَبُوه، وعندَه قَوْمٌ فسألُوه
عن الغُسْل، فقال: يَكْفِيكَ صاعٌ، فقال رجلٌ: ما يَكْفِيني، فقال جابرٌ: كان يَكْفِي مَن هو أوَى
منكَ شَعَراً وخيرٌ منكَ، ثمَّ أَمَّنا في ثوبٍ.
[طرفاه في: ٢٥٥، ٢٥٦]
قوله: ((حدَّثنا عبد الله بن محمَّد)» هو الجُعْفيّ.
٣٦٦/١ قوله: ((حدَّثنا يحيى بن آدمَ)) قال أبو عليّ الجَيَّاني: ثبت لجميع الرُّواة/ - إلَّا لأبي ذرِّ عن
الْحَمُّوِيّ، فسَقَطَ من روايته: يحيى بن آدم، وهو وَهْمٌ - فلا يَتَّصِلُ السَّنَد إلَّا به.
قوله: ((زُهَير)) هو ابن معاوية، وأبو إسحاق: هو السَّبيعيُّ، وأبو جعفر: هو محمد بن
عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب المعروفُ بالباقِر.
قوله: ((هو وأبوه)) أي: عليّ بن الحسين ((وعندَه)) أي: عند جابر.
قوله: ((قَوْم)) كذا في النُّسَخ التي وقفتُ عليها من البخاريّ، ووقع في ((العُمْدة))(١):
«وعنده قومه)) بزيادة الهاء، وجعلها شُراحها ضمیراً يعودُ على جابر، وفيه ما فيه، وليست
هذه الرواية في مسلم أصلاً، وذلك وارد أيضاً على قوله: إنَّه يُرِّجُ المتَّفَق عليه.
(١) يريد كتاب ((عمدة الأحكام)) للحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي المتوفى سنة ٦٠٠هـ، وهذا
الحديث هو الحديث الثامن في باب الجنابة فيه.

١٩
باب ٣ / ح ٢٥٣
كتاب الغسل
قوله: ((فسألُوه عن الغُسْل)» أفادَ إسحاق بن راهويه في («مسنده)): أنَّ متولَّ السؤال هو
أبو جعفر الراوي، فأخرج من طريق جعفر بن محمد عن أبيه قال: «سألت جابراً عن غُسْل
الجنابة)). وبيَّن النَّسائيُّ (٢٣٠) في روايته سبب السؤال، فأخرج من طريق أبي الأحوص،
عن أبي إسحاق، عن أبي جعفر قال: ((تَمَارَينا في الغُسل عند جابر))، فكأنَّ أبا جعفر تَولَّ
السؤال)» ونَسَب السؤالَ في هذه الرواية إلى الجميع مجازاً، لقَصْدِهم ذلك، وهذا أفرَدَ جابر
الجواب فقال: ((يَكْفيك)) وهو بفتح أوَّله، وسيأتي مزيد لهذا الموضع في الباب الذي يليه
(٢٥٥).
قوله: ((فقال رجل)) زاد الإسماعيلي: ((منهم)) أي: من القوم، وهذا يؤيِّدُ ما ثبت في
روايتنا، لأنَّ هذا القائلَ هو الحسن بن محمد بن عليّ بن أبي طالب - الذي يُعرَفُ أبوه بابن
الحنفيَّة - كما جَزَمَ به صاحبُ ((العُمْدة))، وليس هو من قوم جابر، لأنَّه هاشميٌّ وجابر
أنصاريّ.
قوله: ((أَوفَى)) يَحَتمِلُ الصِّفةَ والِقْدار، أي: أطول وأكثر.
قوله: ((وخيرٌ منك)) بالرفع عطفاً على ((أوَ)) المخبَرَ به عن ((هو))، وفي رواية الأَصِيلي:
((أو خيراً)) بالنصب عطفاً على الموصول.
قوله: ((ثُمَّ أَمَّنا)) فاعل ((أمَّنا)) هو جابر كما سيأتي ذلك واضحاً من فعلِه في كتاب الصلاة
(٣٥٢)، ولا الْتِفاتَ إلى مَن جعله من مَقُوله، والفاعل رسول الله وَّهِ.
وفي هذا الحديث بيان ما كان عليه السَّلَف من الاحتجاج بأفعال النبيِّ وَّةٍ والانقياد
إلى ذلك.
وفيه جوازُ الرَّدِّ بعُنْفٍ على مَن يُماري بغير عِلْم إذا قَصَدَ الرادُ إيضاح الحقِّ وتحذير
السامعين من مثل ذلك. وفيه كراهيةٌ التنطَّع والإسراف في الماء.
٢٥٣- حدَّثْنا أبو نُعَيم، قال: حدَّثنا ابنُ عُيَينةَ، عن عَمْرٍو، عن جابرِ بنِ زيد، عن ابنِ
عبَّاس: أنَّ النبيَّ ◌َِّ وميمونةَ كانا يَغتَسِلان من إناءٍ واحدٍ.

٢٠
باب ٣ / ح ٢٥٣
فتح الباري بشرح البخاري
قال أبو عبد الله: كان ابنُ عُيَينةَ يقولُ أخيراً: عن ابنِ عبَّاس عن ميمونةَ، والصَّحِيحُ ما
رواه أبو نُعَيمٍ.
قوله: ((عن عَمْرو)) هو ابن دينار، وفي «مسند الحميديّ)) (٣٠٩): ((حدَّثنا سفيان، قال:
أخبرنا عَمْرو، قال: أخبرنا أبو الشَّعْثاء)) وهو جابر بن زيد المذكور.
قوله: ((قال أبو عبد الله)) هو المصنّف.
قوله: ((كان ابن عُبَينَ)) كذا رواه عنه أكثرُ الرُّواة، وإنَّما رواه عنه كما قال أبو نُعيم مَن
سمع منه قديماً، وإنَّما رَجَّحَ البخاري رواية أبي نُعيم جَرْياً على قاعدة المحدِّثينَ، لأنَّ من
جملة المَرَجِّحات عندهم قِدَمَ السَّماع، لأنَّه مَظِنّة قَوَّة حِفْظ الشيخ، ولرواية الآخَرين جهة
أُخرى من وجوه الترجيح، وهي كَوْنُهم أكثرَ عَدَداً ومُلازَمة لسفيان، ورَجَّحَها الإسماعيلي
من جهةٍ أُخرى من حيثُ المعنى، وهو كَوْن ابن عبَّاس لا يَطَّلِعُ على النبيِّ ◌َ﴿ في حالة
اغتساله مع ميمونة، فيدلُّ على أنَّه أخَذَه عنها.
وقد أخرج الروايةَ المذكورةَ الشافعيّ (٣٩/١) والحميديُّ (٣٠٩) وابن أبي عمر وابن
أبي شَيْبة وغيرُهم في مَسانيدِهم عن سفيان، ومسلم (٣٢٢) والنَّسائي (٢٣٦) وغيرهما من
طريقه.
ويُستَفادُ من هذا البحث أنَّ البخاريَّ لا يرى التسوية بين ((عن فلان)) وبين ((إنَّ فلاناً)
وفي ذلك بحث يَطولُ ذِكْره، وقد حقَّقتُه فيما كتبتُه على كتاب ابن الصلاح.
٣٦٧/١ وادَّعَى بعضُ الشارحين أنَّ/ حديث ميمونة هذا لا مناسبةً له بالترجمة، لأنَّه لم يذكر
فيه قَدْرَ الإناء. والجواب: أنَّ ذلك يُستَفادُ من مُقدِّمةٍ أُخرى، وهي أنَّ أوانيَهم كانت
صغاراً كما صَرَّحَ به الشافعيّ في عِدّة مواضع، فيدخل هذا الحديثُ تحت قوله: ((ونحوِه)»
أي: نحو الصاع، أو يُحمَلُ المطلَق فيه على المقيَّد في حديث عائشة (٢٥٠) وهو الفَرَقُ،
لگوْن گُلِّ منهما زوجة له واغتسلت معه، فتكونُ حِصّة گُلُّ منهما أزید من صاع، فيدخل
تحت الترجمة بالتقريب، والله أعلم.