النص المفهرس
صفحات 481-500
٤٨١ باب ٣٧/ح ٧٥١٧ كتاب التوحيد يَدِه)) أي: في النَّهر ((فإذا هو)) أي: طينه ((مِسْكٌ أَذْفَرُ، قال: ما هذا يا جِبْريل؟ قال: هذا الكَوْثَر الذي تخَبَأ)) بِفَتح المعجَمة والموخَّدة مَهموز، أي: ادَّخَرَ ((لَك رَبّك)) وهذا ممّا يُستَشكَل من رواية شَرِيك، فإنَّ الكَوثَر في الجنَّة، والجنَّة في السماء السّابعة، وقد أخرج أحمد (١٢٠٠٨) من طريق حُميدِ الطّويل عن أنس رَفَعَه: ((دَخَلت الجنَّة، فإذا أنا بنَهَرِ حافَتَاهُ خيام اللُّؤْلُؤْ، فضَرَبت بيَدَي في مَجَرَى مائِهِ، فإذا مِسكٌ أذفَرُ، فقال جبريل: هذا الكَوثَر الذي أعطاك الله تعالى))، وأصل هذا الحديث عند البخاريّ بنحوِه، وقد مضى في التَّفسير (٤٩٦٤) من طريق قَتَادة عن أنس، لكن ليس فيه ذِكر الجنَّة(١)، وأخرجه أبو داود (٤٧٤٨) والطَّبَريّ (٣٢٣/٣٠) من طريق سليمان التَّيْمِيِّ عن قَتَادة، ولفظه: لمَّا عُرِجَ بنبيِّ اللهَنَّهَ عَرَضَ له في الجنَّة نَهَرَ، الحديث، ويُمكِن أن يكون في هذا الموضع شيء محذوف تقديره: ثمَّ مضى به في السماء الدُّنيا إلى السّابِعة، فإذا هو بنَهَرٍ. قوله: «كلّ سَماء فيها أنبياءُ قد سَمّاهم، فوعَيْت منهم إدريسَ في الثّانية، وهارونَ في الرّابعة، وآخَرَ في الخامسة، ولم أحْفَظ اسمه، وإِبراهيمَ في السّادسة، وموسى في السّابعة)) كذا في رواية شَرِيك، وفي حديث الزّهريِّ عن أنس عن أبي ذرِّ (٣٤٩) قال أنس: فذكر أنَّه وجَدَ فِي السَّماوات آدم وإدريس وموسى وعيسى وإبراهيم، ولم يُثِت كيف منازِلهُم، غير أنَّ ذکر أنَّهِ وَجَدَ آدم في السماء الدُّنيا، وإبراهيم في السماء السّادسة. انتهى، وهذا موافق لروايةٍ شَرِيك في إبراهيم، وهما مُخالِفان لروايةٍ قَتَادة عن أنس عن مالك بن صَعْصَعة (٣٢٠٧)، وقد قَدَّمت في شرحه أنَّ الأكثر وافَقوا قَتَادة، وسياقه يَدُلّ على رُجحان روايته، فإنَّه ضَبَطَ اسم كلّ نبيّ والسماء التي هو فيها، ووافَقَه ثابتٌّ عن أنس(٢) وجماعة ذَكَرتهم هناك، فهو المعتمَد، لكن إن قلنا: إنَّ القصَّة تَعدَّدَت، فلا ترجيحَ ولا إشكالَ. قوله: ((وموسى في السّابِعة بفَضْلٍ كلامه لله)» في رواية أبي ذرِّ عن الكُشمِیھنيّ: «بتفضيلِ (١) لكنه جاء مرة أخرى في آخر كتاب الرقاق في باب الحوض برقم (٦٥٨١) بذكر الجنة، قال: ((بينا أنا أسير في الجنة إذا أنا بنهرٍ ... )) الحديث. (٢) وروايته عند مسلم (١٦٢) (٢٥٩). ٤٨٢ باب ٣٧/ح ٧٥١٧ فتح الباري بشرح البخاري كلام الله)) وهي رواية الأكثر، وهي مُراد التَّرجمة، والمُطابِقِ لقولِه تعالى: ﴿إِنِّ أَصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِسَلَتِ وَبِكَلَِّى﴾ [الأعراف: ١٤٤]، وهذا التعليل(١) يَدُلّ على أنَّ شَرِيكاً ضَبَطَ كَون موسى في السماء السّابِعة، وقد قَدَّمنا أنَّ حديث أبي ذرٍّ يوافقه، لكنَّ المشهور في الرِّوايات أنَّ الذي في السّابِعة هو إبراهيم، وأكَّدَ ذلك في حديث مالك بن صَعصَعة بأنَّه كان مُسنِداً ظَهرَه إلى البيت المعْمُور، فمع التعدُّد لا إشكالَ، ومع الاتّحاد فقد ◌ُعَ بأنَّ موسى كان في حالة العُروج في السّادسة، وإبراهيم في السّابعة على ظاهر حديث مالك بن صَعصَعة، وعند الهُبُوط كان موسى في السّابِعة، لأَنَّه لم يَذْكُر في القصَّة أنَّ إِبراهيم كَلَّمَه في شيء ممّا يَتَعلَّق بما فَرَضَ الله على أمَّته من الصلاة كما كَلَّمَه موسى، والسماء السّابِعة هي أوَّل شيء انتهى إليه حالةَ الهُبُوط، فناسَبَ أن يكون موسى بها، لأنّه هو الذي خاطَبَه في ذلك كما نَبَتَ في جمیع الرِّوايات، ويحتمل أن يكون لَقِيَ موسى في السّادسة، فأُصعِدَ معه إلى السّابعة تفضيلاً له على غيره من أجل كلام الله تعالى، وظَهَرَت فائدة ذلك في كلامه مع المُصطَفَى فيما يَتَعلَّق بأمرِ أمَّته في الصلاة، وقد أشارَ النَّوويّ إلى شيء من ذلك، والعِلم عند الله تعالى. ٤٨٣/١٣ قوله: ((فقال موسى: / رَبّ لم أظُنَّ أنْ تَرْفَع عليَّ أحداً) كذا للأكثرِ بفتحِ المُثنّة في ((تَرفَع)» و((أحداً) بالنَّصب، وفي رواية الكُشمِيهَنيّ: ((أن يُرفَع)) بضمِ التَّحتانيّة أوَّله و ((أحدٌ)) بالرّفع. قال ابن بَطّال: فِهِمَ موسى من اختصاصه بكلام الله تعالى له في الدُّنيا دونَ غيره من البشر لقوله: ﴿إِنِّ أَصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِسَلَتِ وَبِكَلَِى﴾ أنَّ المراد بالناسِ هنا البشرُ كلُّهم، وأنَّه اسْتَحقَّ بذلك أن لا يُرفَع أحدٌ عليه، فلمَّا فضَّلَ الله محمَّداً عليه عليهما الصلاة والسَّلام بما أعطاه من المقام المحمود وغيره، ارتَفَعَ على موسى وغيرهبذلك. ثَّ ذكر الاختلاف في أنَّ الله سبحانه وتعالى في ليلة الإسراء كَلَّمَ محمَّداً فَ لّ بغيرِ واسطة أو بواسطةٍ، والخِلاف في وقوع الرُّؤية للنبيِّ نَّهِ بِحَينِ رَأْسه، أو بعَينِ قَلبه في اليَقَظة، أو في المَنام، وقد مضی بیانُ الاختلاف في ذلك في تفسير سورة النَّجم (٤٨٥٥) بما يُغني عن إعادته. (١) تحرَّف في (س) إلى: التعليق. ٤٨٣ باب ٣٧/ح ٧٥١٧ كتاب التوحيد قوله: ((ثُمَّ عَلا به فوق ذلك بما لا يَعلَمه إلّ الله، حتَّى جاءَ سِدْرةَ المنتَهَى)) كذا وَقَعَ في رواية شَرِيك، وهو ممَّ خالَفَ فيه غيرَه، فإنَّ الْجُمهور على أنَّ سِدرةَ المنتَهَى في السّابِعة، وعند بعضهم في السّادسة(١)، وقد قَدَّمت وجه الجمع بينهما عند شرحه، ولعلَّ في السّياق تقديماً وتأخيراً، وكانَ ذِكر ◌ِدرة المُنتَهَى قبلُ، ثمَّ عَلا به فوق ذلك بما لا يَعلَمه إلّا الله، وقد وَقَعَ في حديث أبي ذَرٍّ: ((ثمَّ عَرَجَ بي حتَّى ظَهَرت بمُستَوّى أسمَعُ فيه صَرِيفَ الأقلام)) وقد تقدَّم تفسير المُستَوى والصَّريف عند شرحه في أوَّل كتاب الصلاة (٣٤٩)، ووَقَعَ في رواية ميمون بن سِياهٍ عن أنس عند الطَّبَرَيِّ(٢) بعد ذِكر إبراهيم في السّابِعة: (فإذا هو بنَهَرٍ)) فذكر أمر الكَوثَر، قال: ((ثمَّ خَرَجَ إلى سِدرة المُنتَهَى)) وهذا موافق للجُمهور، ويحتمل أن يكون المراد بما تَضَمَّتَه هذه الرِّواية من العُلوّ البالِغِ لسِدرةِ المُنْتَهَى صِفَةَ أعلاها، وما تقدَّم صِفَةَ أصلها. قوله: ((ودَنا الجبّارُ رَبُّ العِزّةِ فتَلَلَّ، حتَّى كانَ منه قابَ قَوْسَينٍ أو أدْنَى)» في رواية ميمونٍ المذكورة: ((فَدَنا رَبّك عزَّ وجلّ، فكانَ قاب قَوسَينِ أو أدنَى)) قال الخطَّبيُّ: ليس في هذا الكتاب - يعني ((صحيح البخاريّ)) - حديث أشنَعَ ظاهراً ولا أشنَعَ مَذاقاً من هذا الفَصْلِ، فإنَّه يَقتَضِي تَحديدَ المسافة بين أحد المذكورَينِ وبين الآخَرِ، وتَيِيزَ مكان كلّ واحد منهما، هذا إلى ما في التَّدَلّي من التَّشبيه والتَّمثيل له بالشَّيءِ الذي تَعلَّقَ من فوقُ إلى أسفَلُ، قال: فمَن لم يَبلُغه من هذا الحديث إلّا هذا القَدرُ مَقطوعاً عن غيره، ولم يَعتَبِهِ بأوَّلِ القصّة وآخرها، اشتَبَهَ عليه وجهه ومعناه، وكانَ قُصاراه إما (٣) رَدَّ الحديث من أصله، وإمّا الوقوع في التَّشبيه، وهما خُطَّتَان مَرغوب عنهما، وأمّا مَن اعتَبَرَ أوَّل الحديث بآخِرِهِ، فإنَّه يَزول عنه الإشكال، فإنَّه مُصرَّح فيهما بأنَّه كان رُؤيا، لقولِه في أوَّله: ((وهو نائم)) وفي آخره: (استَقَظَ))، وبعض الرُّؤيا مَثَلٌ يُضرَب ليُتَأوَّل على الوجه الذي يجب أن يُصرَف إليه معنى (١) كذلك جاء في حديث عبد الله بن مسعود عند مسلم (١٧٣). (٢) في ((تهذيب الآثار)) في مسند ابن عباس ٤٢٠/١. (٣) تحرَّف في (س) إلى: ما. ٤٨٤ باب ٣٧/ح ٧٥١٧ فتح الباري بشرح البخاري التَّعبير في مِثله، وبعض الرُّؤيا لا يَحتاج إلى ذلك، بل يَأتي كالمشاهَدة. قلت: وهو كما قال، ولا التِفاتَ إلى مَن تَعقَّبَ كلامَه بقوله: إنَّ في الحديث الصَّحيح: ((إنَّ رُؤيا الأنبياء وَحِيٌ)(١) فلا يَحتاج إلى تعبير، لأنَّه كلام مَن لم يُمعِن النَّظَر في هذا المَحَلّ، فقد تقدَّم في كتاب التَّعبير أنَّ بعض مَرْأى الأنبياء يَقبَل التَّعبير، وتقدَّم من أمثلة ذلك قول الصحابة له و ** في رُؤية القميص: فما أوَّلتَه يا رسول الله؟ قال: ((الدِّين)) (٧٠٠٦)، وفي رُؤية اللَّبَن؟ قال: ((العِلم)) (٧٠٠٨)، إلى غير ذلك، لكن جَزْم الخطّبيِّ بأنَّه كان في المنام مُتَعَقَّب، بما تقدَّم تقريره قبلُ. ثَّ قال الخطّابيُّ مُشيراً إلى دَفْع(٢) الحديث من أصله: بأنَّ القصّة بطولها إنَّما هي حكايةٌ يَحكيها أنسٌ من تِلْقاء نفسه، لم يَعزُها إلى النبيّ وَّةَ، ولا نَقَلَها عنه ولا أضافَها إلى قوله، فحاصل الأمر في النَّقل أنَّها من جهة الرَّاوي، إمّا من أنس وإمّا من شَرِيك، فإنَّه كثير التَّفَرُّد بمَناكير الألفاظ التي لا يُتابعه عليها سائر الزُّواة. انتهى، وما نَفاه من أنَّ أنساً لم يُسنِد هذه القصَّةَ إلى النبيّ ◌َّ لا تأثير له، فأدنَى أمره فيها أن تكون مُرسَلَ ٤٨٤/١٣ صحابيّ، فإمّا أن يكون تَلَقّاها عن النبيّ وََّ، أو/ عن صحابيّ تَلَقّاها عنه، ومِثل ما اشتَمَلَت عليه لا يقال بالرَّأي، فيكون لها حُكم الرَّفع، ولو كان لِمَا ذكره تأثيرٌ لم يُحمّل حديثُ أحدٍ روى مِثل ذلك على الرَّفع أصلاً، وهو خِلاف عمل المحدِّثينَ قاطِبة، فالتَّعليل بذلك مردودٌ. ثُمَّ قال الخطَّبيُّ: إنَّ الذي وَقَعَ في هذه الرّواية من نِسبة التَّدَلّ للجَبّار عزَّ وجلَّ مُخَالِفِ العامّةِ السَّلَف والعلماء وأهل التَّفسير، مَن تقدَّم منهم ومَن تَأْخَّرَ، قال: والذي قيل فيه ثلاثة أقوال: (١) أخرجه ابن أبي عاصم في «السنة)) (٤٦٣)، والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) ١٤/ ٤٦٥، والطبراني في (الكبير)) (١٢٣٠٢)، وصححه الحاكم ٢/ ٤٣١، موقوفاً من قول ابن عباس، وتقدم عند البخاري (١٣٨) من قول عبيد بن عمیر. (٢) تحرَّف في (س) إلى: رفع. ٤٨٥ باب ٣٧/ح ٧٥١٧ كتاب التوحيد أحدها: أنَّه دَنا جِبريلُ من محمَّدٍ وََّ فِتَدَلَّى، أي: تَقرَّبَ منه، وقيل: هو على التَّقديم والتَّأخير، أي: تَدَلَّ فَدَنا (١)، لأنَّ التَّدَلِي يُسَبِّبُ (٢) الدُّنَوَّ. الثّاني: تَلَّ له جِبريل بعد الانتصاب والارتفاع، حتَّى رَآهَ مُتَدَلّياً كما رَآه مُرتَفِعاً، وذلك من آيات الله، حيثُ أقدَرَه على أن يَتَكَلَّ في الهواء من غير اعتمادٍ على شيء، ولا تَسُّكٍ بشيءٍ. الثّالث: دَنا جِبريل، فَتَدَلَّى محمَّدٌ وَِّ ساجداً لرَبِّه تعالى، شُكراً على ما أعطاه. قال: وقد رويَ هذا الحديث عن أنس من غير طريق شَرِيك، فلم يُذكر فيه هذه الألفاظ الشَّنیعة، وذلك ممّا يُقوِّي الظّنّ أنَّها صادِرةٌ من جهة شریك. انتهى. وقد أخرج الأُمَويّ في ((مغازيه)) ومن طريقه البيهقيُّ(٣) عن محمَّد بن عمرو عن أبي سَلَمة عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣] قال: دَنا منه رَبّه، وهذا سند حسن، وهو شاهد قويّ لروايةٍ شَرِيك. ثمّ قال الخطَّبيّ: وفي هذا الحديث لفظة أُخرى تفرَّد بها شَرِيك أيضاً لم يَذكُرها غيره، وهي قوله: ((فعَلا به - يعني جبريل - إلى الجَّار تعالى، فقال، وهو مكانه: يا رَبّ خَفِّف عَنّا))، قال: والمكان لا يُضاف إلى الله تعالى، إنَّما هو مكان النبيّ ◌ََّ في مَقامه الأوَّل الذي قامَ فيه قبل هبوطه. انتهى، وهذا الأخير مُتَعَيِّن، وليس في السّياق تصريح بإضافةِ المكان إلى الله تعالى. وأمّا ما جَزَمَ به من مُخالَفة السَّلَف والخَلَف لروايةٍ شَرِيك عن أنس في التَّدَلِّ ففيه نَظَرٌ، فقد ذَكَرَت مَن وافَقَه، وقد نَقَلَ القُرطُبيّ عن ابن عبّاس أنَّه قال: دَنا الله سبحانه وتعالى، قال والمعنى دَنا أمرُه وحُكمُه، وأصلُ التَّدَلِّ: النُّزول إلى الشَّيء حتَّى يَقرُب منه، قال: وقيل: تَكَلَّى الرَّفَرَف لمحمَّدٍ وَِّ حتَّى جَلَسَ عليه، ثمَّ دَنا محمَّد من رَبّه. انتهى، وقد تقدَّم في تفسير (١) تحرَّف في (س) إلى: فلاناً. (٢) تصحَّف في (س) إلى: بسبب، وبه ينعكس معنى الكلام. (٣) في ((الأسماء والصفات)) (٩٣٣)، وكذلك الطبري في ((تفسيره)) ٥٢/٢٧، والسَّاج في ((حديثه)) بتخريج الشخَّامي (١٣٩٥)، وأبو طاهر الذهبي في ((المخلِّصيات)) (١٧٥٨) وغيرهم. ٤٨٦ باب ٣٧/ح ٧٥١٧ فتح الباري بشرح البخاري سورة النَّجم (٤٨٥٦) ما وَرَدَ من الأحاديث في أنَّ المراد بقوله: ﴿رَءَاهُ﴾ أنَّ النبيّ ◌َِّ رَأى جِبريلَ له سِتّ مئةِ جناح، ومضى بَسْطُ القولِ في ذلك هناك. ونَقَلَ البيهقيُّ نحو ذلك عن أبي هريرة، قال: فاتَّفَقَت رواياتُ هؤُلاءِ على ذلك، ويُعَكِّر عليه قوله بعد ذلك: ﴿فَأَوْحَىّ إِلَى عَبْدِهِ، مَآ أَوَى﴾ [النجم: ١٠] ثمَّ نَقَلَ عن الحسن: أنَّ الضَّمير في عبده لجِبريل، والتَّقدير: فأوحى الله إلى جِبريل، وعن الفَرّاء: التَّقدير: فأوحَى جِبريل إلى عبد الله محمَّد ما أوحَى. وقد أزالَ العلماء إشكاله، فقال القاضي عِيَاض في ((الشِّفاء)): إضافة الدُّنوّ والقُرب إلى الله تعالى أو من الله ليس دُنوّ مكان ولا قُرب زمان، وإنَّما هو بالنِّسبةِ إلى النبيّ ◌َّهِ إبانةٌ لعظيمٍ مَنْزِلَته وشَريف رُتِبَتُه، وبالنِّسبةِ إلى الله عزَّ وجلَّ تَأنيسٌ لنبيِّه وإكرامٌ له، ويُتَأوَّل فيه ما قالوه في حديث: ((يَنزِل رَبُّنا إلى السماء))(١)، وكذا في حديث: ((مَن تَقرَّبَ منِّي شِبراً تَقرَّبت منه ذِراعاً)(٢). وقال غيره: الدُّنوّ مجاز عن القُرب المَعنَويّ، لإظهار عظيم مَنْزِلَته عند رَبّه تعالى، والتَّدَلِّ طَلَب زيادة القُرب، وقابُ قَوسَينِ بالنّسبةِ إلى النبيّ وَ عِبارةٌ عن لُطف المَحَلّ، وإيضاح المعرفة، وبالنّسبةِ إلى الله إجابةُ سؤاله ورفع دَرَجَته. وقال عبد الحقّ في ((الجمع بين الصحيحين): زاد فيه - يعني شَرِيكاً - زيادةً مجهولةً، وأتَى فيه بألفاظٍ غير معروفةٍ، وقد روى الإسراء جماعة من الحُفّاظ، فلم يَأتِ أحد منهم بما أتَى به شَرِيك، وشَرِيك ليس بالحافظِ. وسَبَقَ إلى ذلك أبو محمَّد بن حَزم فيما حكاه الحافظ أبو الفضل بن طاهر في جُزء جَمَعَه سَمّاه: ((الانتِصار لإمَامَي(٣) الأمصار))، فنَقَلَ فيه عن الحُميديّ عن ابن حَزْم قال: لم نَجِدْ للبخاريِّ ومسلم في كتابيهما شيئاً لا يُجتمَل مَخَرَجاً إلّا حديثَينِ، ثمَّ غَلَبَهما(٤) في تخريجه الوهمُ مع (١) تقدَّم برقم (٧٤٩٤). (٢) تقدَّم برقم (٧٤٠٥). (٣) تحرَّف في (س) والطبعات المنقولة عنها دون تمحيص إلى: لأيامى، وهو تحريف طريف. (٤) تحرَّف في (أ) و(س) إلى: غلبه، وتصخَّف في (ع) إلى: علیھما. ٤٨٧ باب ٣٧/ح ٧٥١٧ كتاب التوحيد إتقانهما وصِحّة مَعرِفَتهما، فذكر هذا الحديث، وقال: فيه ألفاظ مُقْحَمةٌ(١)، والآفة من / شَرِيك، ٤٨٥/١٣ من ذلك قوله: قبل أن يُوحَى إليه، وأنَّه حينَئذٍ فُرِضَ عليه الصلاة، قال: وهذا لا خِلاف بين أحد من أهل العِلم أنَّما كان قبل الهِجرة بسنةٍ، وبعد أن أُوحِيَ إليه بنحو اثنتي عشرة سنة، ثمَّ قوله: ((إنَّ الجبّار دَنَا فَتَلَّ، حتَّى كان منه قاب قَوسَينٍ أو أدنَى)) وعائشة تقول: إنَّ الذي دَنا فتَلَّ چِبريلُ. انتهى، وقد تقدَّم الجوابُ عن ذلك. وقال أبو الفَضْل بن طاهر: تعليل الحديث بتَفُرُّدِ شَرِيك، ودَعْوى ابن حَزْم أنَّ الآفة منه شيءٌ لم يُسبَق إليه، فإنَّ شَرِيكاً قَبِلَه أئمّةُ الجَرح والتَّعديل ووثَّقوه، ورَوَوا عنه، وأدخَلُوا حديثَه في تَصانيفهم واحتَجّوا به، وروى عبد الله بن أحمد الدَّورَقيّ وعثمان الدَّارِمِيُّ وعبَّاس الدُّوريّ عن يحيى بن مَعِين: لا بأس به، وقال ابن عَديٌّ: مشهور من أهل المَدينة حَدَّثَ عنه مالك وغيره من الثِّقات، وحدیثُه إذا روی عنه ثقة لا بأس به، إلّا أن يروي عنه ضعيف، قال ابن طاهر: وحديثه هذا رواه عنه ثقة وهو سليمان بن بلال، قال: وعلى تقدیر تَسلیم تَفُرُّده بقوله(٢): ((قبل أن يوحَى إليه)) لا يَقتَضِي طَرَحَ حديثِه، فوهم الثَّقة في موضع من الحدیث لا يُسقِط جمیعَ الحديث، ولا سيّما إذا كان الوهم لا يَستَلزِم ارتكاب محذور، ولو رُدَّ(٣) حديثُ مَن وهمَ في تاريخ، لتُركَ حديثُ جماعة من أئمّة المسلمينَ، ولعلَّه أرادَ أن يقول: بعد أن أو حي إلیه، فقال: قبل أن یو حَی إلیه، انتھی. وقد سَبَقَ إلى التَّنبيه على ما في رواية شَرِيك من المخالَفة مسلم في (صحيحه)) (١٦٢/ ٢٦٢)، فإنَّه قال بعد أن ساقَ سنده وبعضَ المتن، ثمَّ قال: فقَدَّمَ وأخَّرَ، وزاد ونَقَصَ، وسَبَقَ ابنَ حَزم أيضاً إلى الكلام في شَرِيك أبو سليمان الخطَّبيُّ كما قَدَّمتُه، وقال فيه النَّسائيُّ(٤) وأبو محمّد بن الجارود: ليس بالقويّ، وكانَ يحيى بن سعيد القَطّان لا يُحدِّث عنه، نَعَم قال محمَّد بن سعد (١) تحرَّف في (أ) و(س) إلى: معجمة، وجاء على الصواب في (ع). (٢) لفظة ((بقوله)) سقطت من (س). (٣) كذا في (ع)، وفي (أ): ولو ◌ُهِّم. (٤) وفي (تهذيب الكمال)) للمزي أنَّ النسائي قال فيه: ليس به بأس! ٤٨٨ باب ٣٧/ح ٧٥١٧ فتح الباري بشرح البخاري وأبو داود: ثقة، فهو مُتَلَف فيه، فإذا تفرَّد عُدَّ ما يَنفَرِد به شاذّاً، وكذا مُنكَراً على رأي مَن يقول: المنكر والشّاذّ شيء واحد، والأولى التزام وُرود المواضع التي خالَفَ فيها غيرَه، والجواب عنها، إمّا بدَفع تَفرِّده، وإمّا بتأويلِه على وِفاق الجماعة، ومجموع ما خالَفَت فيه روايةُ شَرِيك غيرَه من المشهورينَ عَشَرة أشياء، بل تزيد على ذلك: الأوَّل: أمكِنة الأنبياء عليهم الصلاة والسَّلام في السَّماوات، وقد أفصَحَ بأَنَّه لم يَضِط منازِلَم، وقد وافَقَه الزُّهرِيُّ في بعض ما ذَكَر، كما سَبَقَ في أوَّل كتاب الصلاة. والثّاني: كَون المِعِراج قبل البَعْثة، وقد سَبَقَ الجواب عن ذلك، وأجابَ بعضهم عن قوله: قبل أن يوحَى، بأنَّ القَبْليّة هنا في أمر تَخصوص، وليست مُطلَقة، واحتَمَلَ أن يكون المعنى: قبل أن يوحَى إليه في شَأن الإسراء والمعراج مَثَلاً، أي: أنَّ ذلك وَقَعَ بَغتةً قبل أن يُنذَر به، ويُؤيِّده قوله في حديث الزُّهريّ: قُرِجَ سَقفٌ بَيتي. الثّالث: كَونه مَناماً، وقد سَبَقَ الجواب عنه أيضاً بما فيه غُنيةٌ. الرّابع: مُخَالَفَته في محلّ سِدرة المُنْتَهَى، وأنَّها فوق السماء السّابعة بما لا يَعلَمه إلّا الله، والمشهور أنَّها في السّابِعة أو السّادسة كما تقدَّمَ. الخامس: مُالَفَتَه في النَّهَرَينِ وهما النّيل والفُرات، وأنَّ عُنصُرهما في السماء الدُّنيا، والمشهور في غير روايته أنَّهما في السماء السّابِعة، وأنَّهما من تحت سِدْرة المنْتَهَى. السّادس: شَقّ الصَّدر عند الإسراء، وقد وافَقَتْه روايةُ غيره كما بيَّنْتُ ذلك في شرح رواية قَتَادة عن أنس عن مالك بن صَعصَعة، وقد أشرتُ إليه أيضاً هنا. السّابع: ذكر نَهَر الكَوثَر في السماء الدُّنيا، والمشهور في الحديث أنَّه في الجنَّة كما تقدَّم التَّنبيه علیه. الثّامن: نسبة الدُّنوّ والتَّدَلِّي إلى الله عزَّ وجلَّ، والمشهور في الحديث أنَّه جبريل كما تقدَّم التَّنبيه عليه. ٤٨٩ باب ٣٧/ح ٧٥١٧ كتاب التوحيد التّاسع: تصريحُه بأنَّ امِتِناعَه وَّلَهِ من الرُّجوع إلى سؤال رَبِّه التَّخفيفَ كان عند الخامسة، ومُقْتَضَى رواية ثابت عن أنس أنَّه كان بعد التّاسِعة. العاشر: قوله: ((فعَلا به إلى (١) الجَبّار، فقال وهو مكانَه)) وقد تقدَّم ما فيه. الحادي عَشَر: رُجوعه بعد الخمس، والمشهور في الأحاديث أنَّ موسى عليه الصلاة والسَّلام أمره بالُرجوع بعد أن انتھی التَّخفيف إلى الخمس فامتنعَ، کما سأُبِنُه./ ٤٨٦/١٣ الثّاني عَشَر: زيادة ذِكر التَّوْر في الطَّسْت، وقد تقدَّم ما فيه. فهذه أكثر من عَشَرة مواضع في هذا الحديث، لم أرَها مجموعةً في كلام أحد ممَّن تقدَّمَ، وقد بَّنتُ في كلّ واحد استِشكالَ(٢) مَن استَشكَلَه والجوابَ عنه إن أمكنَ، وبالله التَّوفيق. وقد جَزَمَ ابن القَيِّم في ((الهَدْي)) بأنَّ في رواية شَرِيك عَشَرَةَ أوهام، لكن عَدَّ مُالَفَتَه لمَحالٍّ الأنبياء أربعةً منها، وأنا جَعَلتُها واحدةً، فعلى طريقته تزيد العِدّة ثلاثةً، وبالله التَّوفيق. قوله: ((ماذا عَهِدَ إليْك رَبّك)) أي: أمَرَك أو أوصاك ((قال: عَهِدَ إليَّ خمسينَ صلاةً)) فيه حذفٌ تقديرُه: عَهِدَ إليَّ أن أُصَلّيَ وآمُّرَ أمَّتي أن يُصَلّوا خمسينَ صلاةً، وقد تقدَّم بيانُ اختلاف الألفاظ في هذا الموضع في أوَّل كتاب الصلاة. قوله: ((فالتَفَتَ النبيّ وَّهَ إلى جِبْرِيل كأنَّه يَسْتَشيره في ذلك، فأشارَ إليْهِ جِبْرِيلُ: أي نَعَمْ)) في رواية: ((أن نَعَم)) وأن، بالفتح والتَّخفيف مُفسِّرةٌ، فهي في المعنى هنا مِثل ((أي))، وهي بالتَّخفيف. قوله: ((إنْ شئتَ)) يُقوِّي ما ذَكَرتُه في كتاب الصلاة أنَّهِ وَ هَ فِهِمَ أنَّ الأمر بالخمسينَ لم یگُن علی سبیل الخَتْم. قوله: ((فَعَلا به إلى الجبّارِ)) تقدَّم ما فيه عند شرح قوله: ((فتَدَلَّ)). وقوله: ((فقال وهو مكانه)) تقدَّم أيضاً بَحثُ الخطَّابيّ فيه وجوابُه. (١) لفظة ((إلى)) سقطت من (س). (٢) تحرَّف في (س) إلى: إشكال. ٤٩٠ باب ٣٧/ح ٧٥١٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله: «والله لقد راودْتُ بني إسرائيل قومي على أدْنَى من هذه)) أي: الخمس، وفي رواية الكُشمِيهَنِيِّ: ((من هذا))(١) أي: القَدْر («فضَعُفوا فتَرَكُوه)). أمّا قوله: ((راودتُ)) فهو من الرَّوْدِ من رادَ يَرُودُ: إذا طَلَبَ المرعَى، وهو الرَّائد، ثمَّ اشْتَهَرَ فيما يريد الرِّجال من النِّساء، واستُعمِلَ في كلّ مطلوبٍ، وأمّا قوله: ((أدنَى)) فالمراد به أقلّ، وقد وَقَعَ في رواية يزيد بن أبي مالك عن أنس في ((تفسير ابن مَرْدويه))(٢) تعيين ذلك، ولفظه: «فُرضَ على بني إسرائيل صلاتان، فما قاموا بهما)). قوله: ((فَأُمَّتُك)) في رواية الكُشْمِيهَنيّ: ((وأُمَّنك)) ((أضْعَف أجسادا) أي: من بني إسرائيل. قوله: ((أضْعَف أجساداً وقلوباً وأبدانا)) الأجسام والأجساد سواء، والجسم والجسد جميع الشَّخص، والأجسام أعمّ من الأبدان، لأنَّ البَدَن من الجسد ما سوى الرّأس والأطراف، وقيل: البَدَن أعالي الجسد دونَ أسافله. قوله: ((كلُّ ذلك يَلْتَفِت النبيّ وَ إلى جِبْرِيل)) في رواية الكُشمِيهَنيِّ: يَتلفَّت، بتقديم المثنّة وتشديد الفاء(٣). قوله: ((فَرَفَعَه)) في رواية المُستَملي: يرفعه، والأوَّل أَولَى. قوله: ((عند الخامسة)) هذا التَّنصيص على الخامسة على أنَّها الأخيرة يُخالِف رواية ثابت عن أنس: أنَّه وضَعَ عنه كلَّ مرَّة خمساً، وأنَّ المراجَعة كانت تسعَ مرَّات، وقد تقدَّم بيان الحِكمة في ذلك. ورجوعُ النبيّ ◌َ ◌ّه بعد تقرير الخمس لطَلَبِ التَّخفيف ممَّا وَقَعَ من تَفُرُّدات شَرِيك في هذه القصَّة، والمحفوظ ما تقدَّم أنَّه ◌ِ﴿ قال لموسى في الأخيرة: ((استَحَيَيتُ من رَبّي))، وهذا صَرَّحَ(٤) بأنَّه راجَعَ في الأخيرة، وأنَّ الجَبّار سبحانه وتعالى قال له: ((يا محمَّد، (١) هذا عكس ما جاء في اليونينية وبيّنَه القسطلانيُّ أنَّ رواية الكُشْمِيهَنيّ: من هذه، ورواية غيره: من هذا. (٢) وهو أيضاً عند الطبراني في ((الشاميين)) (٣٤١). (٣) هذا عكس ما جاء في اليونينية وبيّنه القسطلّاني أنَّ هذه الرواية للأصيليّ وأبي ذرِّ الهرويّ عن الحَقُّوِيّ والمستمليّ، ولغيرهم: يلتفت، من الالتفات وليس من التلفّت. (٤) تحرَّف في (س) إلى: أصرح. ٤٩١ باب ٣٧/ح ٧٥١٧ كتاب التوحيد قال: لَبِّكَ وسعدَيك، قال: إنَّه لا يُبدَّلُ القولُ لدَيَّ)). وقد أنكَرَ ذلك الدَّاوُوديّ فيما نَقَلَه ابنُ التِّين، فقال: الرُّجوع الأخير ليس بثابتٍ، والذي في الرِّوايات أنَّه قال: ((استَحيَيت من رَبّي، فنوديَ: أمضَيتُ فريضَتي، وخَفَّفتُ عن عبادي)). وقوله هنا: ((فقال موسى: ارجع إلى رَبّك)) قال الدَّاوُوديّ: كذا وَقَعَ في هذه الرِّواية أنَّ موسى قال له: ((ارجع إلى رَبّك)) بعد أن قال: ((لا يُبدَّل القولُ لديَّ))، ولا يَثْبُتُّ لتَواطؤ الرِّوايات على خِلافه، وما كان موسى ليَأمُرَه بالرُّجوع بعد أن يقول الله تعالى له ذلك. انتهى، وأغفَلَ الكِرمانيُّ رواية ثابت، فقال: إذا خَفَّفَ(١) في كلّ مرَّة عَشْراً(٢) كانت الأخيرة سادسةً، فيُمكِن أن يقال: ليس فيه حَصرٌ، لجوازِ أن يُحُفِّف بمَرَّةٍ واحدةٍ خمسَ عشرةَ، أو أقلَّ أو أكثرَ. قوله في الأخير (٣): ((قد والله راودْتُ ... )) إلى آخره، راودتُ يَتَعلَّق بقد، والقَسَم مُقْحَم بينهما لإرادةِ التَّأكيد، فقد تقدَّمَ(٤) بلفظ: ((والله لقد راودتُ بني إسرائيل)) .. قوله: ((لا يُبدَّل القولُ لديَّ) تَمسَّكَ به مَن أنكَرَ النَّسْخَ، ورُدَّ بأنَّ النَّسخ بيانُ انتهاء الحُكم، فلا يلزم منه تبدیل القول. قوله: ((قال: فاهْبِطْ باسم الله)) ظاهر السّياق أنَّ موسى هو / الذي قال له ذلك، لأنَّه ذكره ٤٨٧/١٣ عقب قوله ◌َله: «قد والله استحیت من رَبّ مما أختلِفُ إلیه، قال: فاهبط)) ولیس کذلك، بل الذي قال له: ((فاهبِط باسم الله)) هو جبريل، وبذلك جَزَمَ الدَّاوُوديّ. قوله: ((فاستَيقَظَ وهو في المسجد الحرام)) قال القُرطُبيّ: يُحتمل أن يكون استيقاظاً من نَومةِ نامَها بعد الإسراء، لأنَّ إسراءَه لم يَكُن طولَ لَيلَته، وإنَّما كان في بعضها، ويُحتمل أن يكون (١) في (س): خففت. (٢) في (س): عشرة. (٣) تحرَّف في (س) إلى: الأخيرة. (٤) قبل أسطر في الحدیث نفسه. ٤٩٢ باب ٣٨/ح ٧٥١٨ فتح الباري بشرح البخاري المعنى: أَفَقتُ(١) مِمَّا كنتُ فيه ممَّا خامَرَ باطِنه من مُشاهَدة المَلَأ الأعلَى، لقولِه تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨]، فلم يَرجِع إلى حال بَشَرِّيَّتِهِ وَّهَ إلّا وهو بالمسجدِ الحرام. وأمّا قوله في أوَّله: ((بَيْنا أنا نائم)) فمُراده في أوَّل القصَّة، وذلك أنَّه كان قد ابتَدَأ نَومَهُ فأتاه الملَك فأيقَظَه، وفي قوله في الرّواية الأُخرى: ((بَيْنا أنا بين النائم واليقظان أتاني الملَك)) إشارةٌ إلى أنَّه لم يَكُن استَحكَمَ في نومه. انتهى، وهذا كلّه يَنبَني على تَوخُّد القصَّة، وإلّا فمَتَى حُلَت على التعدُّد بأن كان المِعِراج مرَّةً في المنام وأُخرى في اليَقَظة، فلا يُحتاج لذلك. تنبيه: قيل: اختَصَّ موسى عليه السلام بهذا دونَ غيره ثمَّن لَفيَه النبيّ ◌َّ ليلة الإسراء من الأنبياء عليهم الصلاة والسَّلام، لأَنَّه أوَّلُ مَن تَلَقّاه عند الهُبُوط، ولأنَّ أمّته أكثر من أمّة غيره، ولأنَّ كتابه أكبر الكتب المنزلة قبل القرآن تشريعاً وأحكاماً، أو لأنَّ أمّة موسى كانوا كُلِّفوا من الصلاة ما تَقُلَ عليهم، فخافَ موسى على أمّة محمَّد مِثلَ ذلك، وإليه الإشارة بقوله: «فإنّ بَلَوتُ بني إسرائيل)) قاله القرطبيُّ. قال: وأمّا قول مَن قال: إنَّه أوَّلُ مَن لاقاهُ بعد الهُبُوط، فليس بصحيح، لأنَّ حديث مالك بن صَعصَعة أقوى من هذا، وفيه: أنَّه لَقيَه في السماء السّادسة. انتهى، وإذا جَمعنا بينهما بأنَّه لَقيَه في الصُّعود في السّادسة، وصَعِدَ موسى إلى السّابعة، فلَفيَه فيها بعد الهُبُوط ارتَفَعَ الإشكال، وبَطَلَ الردُّ المذكور، والله أعلم. ٣٨- باب كلامِ الَّبِّ معَ أهلِ الجنَّةِ ٧٥١٨ - حدّثنا يحيى بنُ سليمانَ، حدَّثني ابنُ وَهْب، قال: حدَّثني مالكٌ، عن زَيْدِ بنِ أسْلَمَ، عن عطاءِ بنِ يَسارٍ، عن أبي سعيدِ الخُدْريِّ ◌ُه، قال: قال النبيُّ نَّهِ: ((إنَّ الله يقولُ لأهلِ الجنَّةِ: يا أهلَ الجنَّةِ، فيقولون: لَبَّيَكَ رَبَّنا وسَعْدَيْكَ، والخيرُ في يَدَيكَ، فيقولُ: هل رَضِيتُم؟ فيقولون: وما (١) هذا على وَفْق روايةٍ ذكرها القرطبي في ((المفهم)) ومِنْ قَبْله عياضٌ في ((الشفا) بصيغة المتكلم: ((فاستيقظتُ وأنا بالمسجد الحرام)»، ولم نقف عليها بهذا اللفظ، وكل من خرَّج الحديث ذكر هذا الحرف بصيغة الغائب، والله أعلم. ٤٩٣ باب ٣٨/ح ٧٥١٩ كتاب التوحيد لنا لا نَرْضَى يا رَبِّ، وقد أعطَيَتَنا ما لم تُعْطِ أحداً مِن خَلِقِكَ؟ فيقولُ: ألا أُعْطِيكم أفضَلَ مِن ذلك؟ فيقولون: يا رَبِّ، وأيُّ شيءٍ أفضَلُ مِن ذلك؟ فيقولُ: أُحِلُّ عليكم رِضْواني، فلا أسْخَطُ عليكم بَعْدَه أبداً)). ٧٥١٩ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ سِناٍ، حَدَّثنا فُلَيْحٌ، حدَّنا هلالٌ، عن عطاءِ بنِ يَسارٍ، عن أبي هُرَيرةَ: أنَّ رَسُولَ الله ◌ََّ كانَ يوماً يُحدِّثُ، وعندَه رجلٌ مِن أهلِ البادِيةِ: ((أنَّ رجلاً مِن أهلِ الجنَّةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّه في الزَّرْعِ، فقال: أوَلستَ فيما شئتَ؟ قال: بَلَى، ولكنْ أُحِبُّ أنْ أَزْرَعَ، فَأَسْرَعَ وبَذَرَ، فَتَبَادَرِ الطَّرْفَ نَبَاتُه واستِواؤُه، واستِخْصادُه وتَكْوِيرُه أمثالَ الجبال، فيقولُ الله تعالى: دونَكَ يا ابنَ آدمَ، فإِنَّه لا يُشْبِعُكَ شيءٌ) فقال الأعرابُّ: يا رسولَ الله، لا تَجِدُ هذا إلا قُرَشيّاً أو أنصارّاً، فإنَّهم أصحابُ زَرْعٍ، فأما نحنُ فَلَسْنا بأصحاب زَرْعٍ، فَضَحِكَ رسولُ الله ◌ِل .. قوله: ((باب كلام الرَّبّ مع أهل الجنَّة)) أي: بعد دخولهم الجنَّة، ذكر فيه حديثَينٍ ظاهرَينٍ فيما ٤٨٨/١٣ تَرجَمَ له. أحدهما: حديث أبي سعيد: ((إنَّ الله يقول لأهلِ الجنَّة: يا أهل الجنَّة)) الحديث، وفيه فيقول: ((أُحِلُّ عليكم رِضواني))، وقد تقدَّم شرحه في أواخر كتاب الرِّقاق (٦٥٤٩) في باب صِفَة الجنَّة والنار. قال ابن بَطّال: اسْتَشكَلَ بعضُهم هذا، لأنَّه يُوهِم أنَّ له أن يَسخَط على أهل الجنَّة، وهو خِلاف ظَواهر القرآن، كقوله: ﴿خَلِينَ فِهَا أَبَدًا رَضِىَ اَللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩] ﴿أُوْلَكَ لَمُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]، وأجابَ بأنَّ إخراج العباد من العَدَم إلى الوجود من تَفَضُّله وإحسانه، وكذلك تنجيز ما وعَدَهم به من الجنَّة والنَّعيم من تَفَضُّله وإحسانه، وأمّا دَوَامُ ذلك فزيادةٌ من فضله على المجازاة لو كانت لازِمةً، ومَعاذَ الله أن يجبَ عليه شيءٌ، فلمَّا كانت المجازاة لا تزيد في العادة على المدّة، ومُدّةُ الدُّنيا مُتناهيةً، جازَ أن تَتَنَاهَى مُدّةُ المجازاة، فتَفَضَّلَ عليهم بالدَّوام فارتَفَعَ الإشكالُ جُملةً، انتهى مُلخَّصاً. وقال غيرُه: ظاهر الحديث أنَّ الرِّضا أفضَل من اللِّقاء، وهو مُشكِلٌ، وأُجيبَ بأنَّه ليس في ٤٩٤ باب ٣٨/ح ٧٥١٩ فتح الباري بشرح البخاري الخبر أنَّ الرِّضا أفضَل من كلّ شيء، وإنَّما فيه أنَّ الرّضا أفضَل من العطاء، وعلى تقدير التَّسليم فاللِّقاء مُستَلزم للرِّضا، فهو من إطلاق اللّازِم وإرادة الملزوم، كذا نَقَلَ الكِرمانيُّ. ويُحتمل أن يقال: المراد حصول أنواع الرِّضوان، ومن جُملَتها اللِّقاء، فلا إشكالَ. قال الشَّيخ أبو محمَّد بن أبي جَمْرةَ: في هذا الحديث جواز إضافة المَنزِل لساكنِهِ، وإن لم يَكُن في الأصل له، فإنَّ الجنَّة مِلك الله عزَّ وجلَّ، وقد أضافَها لساكنِها بقوله: ((يا أهل الجنَّة)). قال: والحِكمة في ذِكر دَوام رِضاه بعد الاستقرار أنَّه لو أخبَرَ به قبل الاستقرار، لكانَ خَبَراً من باب عِلم اليقين، فأخبَرَ به بعد الاستقرار ليكونَ من باب عَين اليقين، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مِّنِ قُرَّةٍ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]، قال: ويُستَفاد من هذا أنَّه لا يَنْبَغي أن يُخاطَب أحدٌ بشيءٍ حتَّى یکون عنده ما يَستَدِلّ به علیه، ولو على بعضه، وكذا يَنْبَغِي للمَرءِ أن لا يَأْخُذ من الأُمور إلّا قَدر ما يَحمِلُه. وفيه الأدب في السُّؤال، لقولهم: ((وأيّ شيء أفضَلُ من ذلك؟)) لأنَهم لم يَعلَموا شيئاً أفضَل ثمّا هم فيه، فاستَفْهَموا عمَّا لا علم لهم به. وفيه أنَّ الخير كلَّه والفَضلَ والاغتباطَ إنَّما هو في رِضا الله سبحانه وتعالى، و کلّ شيء ما عداه وإن اختلفت أنواعه فهو من أثَره. وفيه دليل على رِضا كلٍّ من أهل الجنَّة بحالِه، مع اختلاف منازلهم وتَنويع دَرَجاتهم، لأنَّ الكلّ أجابوا بلفظٍ واحدٍ، وهو: ((أعطَيتَنَا ما لم تُعْطِ أحداً من خلقك))، وبالله التَّوفيق. ثانيهما: حديث أبي هريرة: ((أنَّ رجلاً من أهل الجنَّة استَأَذَنَ رَبّه)) في رواية السَّرَخْسيّ: (يَستَأذِن رَبَّه في الَّرْعِ». قوله: «أُحِبُّ(١) أَنْ أَزْرَعَ، فأسرَعَ)) فيه حذْفٌ تقديرُه: فأذِنَ له فَرَعَ فأسرَعَ. قوله: ((فإنَّه لا يُشبِعك شيءٌ) كذا للأكثرِ بالمعجَمةِ والموخَّدة، من الشِّبَع، وللمُستَملي(٢): ((لا يَسَعُك شيء)) بالمهمَلةِ بغيرِ موحّدة، من الوُسْع. (١) وقع في الأصلين و(س): فأحبّ، بزيادة الفاء أوله، ولا نظنُّها إلّا وهماً من بعض النُّاخ، لأنَّ سياق الحديث یأباها، ولذلك حذفناها، وبالله التوفيق. (٢) ونسبها في اليونينية للسَّرَخْسِيّ أيضاً. ٤٩٥ باب ٣٩ كتاب التوحيد قوله: «فقال الأعرابيّ: يا رسول الله، لا تَجِدُ هذا إلّا قُرَشيّاً أو أنصارّاً، فإنَّهم أصحابُ زَرْعٍ)) قال الدَّاوُوديّ: قوله: قُرَشِيّاً وَهْم، لأَنَّه لم يَكُن لأكثرِهم زَرِعٌ. قلت: وتعليله يَرُدّ على نَفيه المطلَق، فإذا ثَبَتَ أنَّ لبَعضِهم زَرعاً صَدَقَ قوله: أنَّ الزّارع المذكور منهم. واستُشكِلَ قوله: ((لا يُشبِعك شيءٌ) بقوله تعالى في صِفَة الجنَّة: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾ [طه: ١١٨]، وأُجِيبَ بأنَّ نَفي الشِّبَع لا يُوجِب الجوع، لأنَّ بينهما واسطةً وهي الكِفاية، وأكل أهل الجنَّة للتَّنَعُّمِ والاستلذاذ لا عن الجوع. واختُلِفَ في الشِّبَع فيها، والصَّواب أن لا شِبَعَ فيها، إذ لو كان لمَنَعَ دوامَ أكل المستَلذّ. والمراد بقوله: ((لا يُشْبِعُك شيءٌ)) جِنْس الآدميّ، وما طُبعَ عليه فهو في طَلَب الازدياد، إلّا مَن شاءَ اللهُ تعالى، وقد تقدَّم شرح الحديث في أواخر كتاب المزارعة (٢٣٤٨) بعَونِ الله تعالی. ٣٩- بابُ ذِكْرِ الله بالأمرِ، وذِكْرِ العبادِ بالدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ والرِّسالةِ والبَلَاغْ ٤٨٩/١٣ لقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِيِّ أَذْ كُرَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] ﴿وَأَثَلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوجِ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى بِشَايَتِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [يونس: ٧١ - ٧٢]. غُمّةٌ: هَمُّ وضِيقٌ. قال مجاهدٌ: ﴿أَقْضُواْ إِلَىَّ﴾ ما في أنفُسِكم. افرُقْ [المائدة: ٢٥]: اقضِ. وقال مجاهدٌ: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ أُسْتَجَارَكَ فَأَجِرُهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَمَ الَّهِ﴾ [التوبة: ٦]: إنسانٌ يَأْتيه فيَستَمِعُ ما يقولُ، وما أُنزِلَ عليه فهو آمِنٌ، حتَّى يَأْنَهَ فيَسْمَعَ كلامَ الله، حتَّى يَبْلُغَ مَأْمَنَه حَيْثُ جاءَ. و﴿النَّبَاِالْعَظِيمِ﴾ [النبأ: ٢]: القرآنُ، ﴿صَوَابًا﴾: حَقّاً في الدُّنْيا وعَمَلٌ به. ٤٩٦ باب ٣٩ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((بابُ ذِكْر الله بالأمرِ، وذِكْر العباد بالدُّعاءِ والتَّضَرُّع والرِّسالة والبلاغ)» في رواية الكُشمِيهَنيّ: ((والإبلاغ))(١) وعليها اقتَصَرَ ابن التِّين. قوله: ((لقولِه تعالى: ﴿فَأَذْكُرُونِيّ أَذْكُرَّكُمْ﴾)) قال البخاريّ في كتاب ((خلق أفعال العباد)): بَيَّن بهذه الآية أنَّ ذِكرَ العبد غيرُ ذِكر الله عبدَه، لأنَّ ذِكرَ العبد الدُّعاءُ والتَّضَرُّعُ والثَّنَّاء وذِكرُ الله الإجابةُ. ثمَّ ذكر حديث عمر (٥٤٤) رَفَعَه: ((يقول الله تعالى: مَن شَغَلَه ذِكري عن مَسألَتي، أعطَيته أفضل ما أُعطي السّائلينَ)). قال ابن بَطّال: معنى قوله: ((باب ذِكر الله بالأمرِ)): ذِكر الله عبادَه بأن أمَرَهم بطاعتِهِ، ويكون من رحمته لهم وإنعامه عليهم إذا أطاعوه، أو بعذابِه إذا عَصَوه، وذِكر العباد لرَبِّهم أن يَدْعُوه ويَتَضَرَّعُوا إليه ويُبلِّغوا رسالاته إلى الخَلْق، قال ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿ قَاذْكُونيّ أَذْكُرَكُمْ﴾: إذا ذكر العبدُ رَبّه وهو على طاعته ذكره برحمته، وإذا ذكره وهو على مَعصيته ذكره بَعنَتِّهِ، قال: ومعنى قوله: ﴿فَأَذْكُرُونِيِّ أَذْكُرَّكُمْ﴾: اذكُروني بالطّاعةِ أذكُرْكم بالمَعُونة. وعن سعيد بن جُبِير: اذكُروني بالطّاعةِ أذكُرْكم بالمغفرةِ. وذكر الثَّعَلَبيّ في تفسير هذه الآية نحو أربعينَ عِبارةً، أكثرها عن أهل الزّهد، ومَرجِعها إلى معنى التَّوحيد والثَّواب أو المحبّة والوصل أو الدُّعاء والإجابة. وأمّا قوله: ((وذِكر العباد بالدُّعاءِ ... )) إلى آخره، فجميع ما ذكره واضحٌ في حَقّ الأنبياء، ويَشرَكهم في الدُّعاء والتََّرُّع سائرُ العباد. وحكى ابن التِّين: أنَّ ذِكر العبد بالِّسان، وعندَما يَهُمّ بِالسَّيَِّةِ فِيَذْكُرُ مَقامَ رَبّه فِيَكُفّ. وَقَلَ عن الدَّاوُوديّ: قال قوم: إنَّ هذا الذِّكرَ أفضَل، قال: وليس كذلك، بل قوله بلسانه: لا إله إلّا الله مُخُلِصاً من قَلبه أعظَم من ذِكره بقَلبِهِ ووقوفِه عن عمل السَّيِّئَة. قلت: إنَّما كان أعظَم لأنَّ جَمَعَ بين ذِكر القلب والِّسان، وإنَّما يَظهَرِ التَّفاضُل بصِحّةِ التَّقَابُل بذِكر الله باللِّسان دونَ القلب، فإنَّه لا يكون أفضل من ذِكره بالقلبِ في تلكَ الصّورة، وأمّا (١) هذا عكس ما جاء في اليونينية وبيَّه القسطلّاني أنَّ هذه الرواية إنما هي لغير الكُشْمِيهَنيّ، والثانية له. ٤٨٩/١٣ ٤٩٧ باب ٣٩ كتاب التوحيد وقوفه بسببِ الذِّكر عن عمل السَّيِّئَة فقَدرٌ زائدٌ، يَزداد بسببه فضل الذِّكر، فَظَهَرَ صِحّة ما نَقَلَه عن القوم دونَ ما تَخِيَّلَه. قوله: ((﴿وَأَتَلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ .. ﴾)) إلى آخره، قال ابن بَطّال: أشارَ إلى أنَّ الله ذكر نوحاً بما بَلَّغَ به مِن أمْرِهِ، وذَكَّرَ بآيات رَبّه، وكذلك فرَضَ على كلّ نبيّ تبليغَ كتابه وشريعته. وقال الكِرمانيُّ: المقصود من ذِكر هذه الآية أنَّ النبيّ وَِّ مذكور بأنَّهُ أُمِرَ بالتِّلاوةِ على الأُمّة والتَّبليغ إليهم أنَّ نوحاً كان يُذكِّرهم بآيات الله وأحكامه. قوله: ((غُمّة: هَمٌّ وضيقٌ)) هو تفسير قوله تعالى حكايةً عن نوح: ﴿ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾، وهو بقيّة الآية المذكورة أوَّلاً، وهي قوله تعالى: ﴿وَآَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ/ نُوحٍ﴾، وحكى ابن ٤٩٠/١٣ التِّين أنَّ معنى ﴿غُمَّةُ﴾ شيءٌ ليس ظاهراً، يقال: القوم في غُمّةٍ: إذا غُطِّي عليهم أمرهم والتَبَسَ، ومنه غُمَّ الهلال: إذا غَشيَه شيءٌ فَغَطّاهُ، والغَمّ: ما يُغشي القلبَ من الكَرْب. قوله: ((قال مجاهد: ﴿أَقْضُوْاْ إِلَىَ﴾ ما في أنْفُسكُمْ. افْرُقْ: اقضٍ)) وَصَلَه الفِريابيّ في (تفسيره) عن ورقاء بن عمر عن ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَقْضُوَاْ إِلَىَ وَلَا نُظِرُونِ﴾ [يونس: ٧١] قال: اقضوا إليَّ ما في أنفُسكم، وحكى ابن النِّين ﴿اقْضُواْ إِلَّ﴾: افعلوا ما بَدا لَكم، وقال غيره: أظهروا الأمر ومَيِّزُوه بحيثُ لا تَبقَى شُبهٌ، ثمَّ اقضوا بما شئتُم من قَتْلِ أو غيره من غير إمهالٍ، وأمّا قوله: ((افُرُق: اقضٍ))، فمعناه: أظهِرِ الأمرَ وافصِلْه بحيثُ لا تَبقَى شُبهةٌ، وفي بعض النَّسَخِ: ((يقال: افُرُق: اقضٍ)) فلا يكون من كلام مجاهدٍ، ويُؤيِّده إعادة قوله بعده: وقال مجاهد. قوله: ((وقال مجاهد: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ أَسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ اللَّهِ﴾: إنسان يَأْتِيه)) أي: يَأْتِي النبيّ ◌َِّ(«فيسمَعُ ما يقُولُ، وما أُنزِلَ علیه، فهو آمِنٌ حتَّى يَأْتیه» في رواية الكُشمِيهَنيّ: ((حين يَأتيه)) ((فِيَسْمَعَ كلامَ الله، حتَّى يَبْلُغْ مَأْمَنه حيثُ جاءَ)) وَصَلَه الفِريابيّ بالسَّنَدِ المذكور إلى مجاهد في هذه الآية: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ آَسْتَجَارَكَ ﴾: إنسان يأتيه فيَسمَع ما يقول وما يُنزَلُ عليه، فهو آمِنٌ حَتَّى يَأْتِيَه فيَسمَعَ كلامَ الله وحتَّى يُبلِغَه مَامَنَه، قال ٤٩٨ باب ٣٩ فتح الباري بشرح البخاري ابن بَطّال: ذكر هذه الآية من أجل أمر الله تعالى نبيَّه بإجارةِ الذي يَسمَع الذِّكر حتَّى يَسمَعه، فإن آمَنَ فذاكَ، وإلّا فِيُبلَغْ مَأمَنَه حتَّى يَقضىَ اللهُ فيه ما شاءَ. قوله: ((و﴿النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾: القرآن)) هو تفسير مجاهد، وَصَلَه الفِرِيابيّ بالسَّنَدِ المذكور إليه، قال ابن بَطّل: سُمّيَ نَبَأَ لأَنَّه يُنبّ به، والمعنى: إذا سألوا عن النَّبأ العظيم فأجِبهم وبَلِّغ القرآن إليهم، قال الرّاغِب: النَّبأ: الخبر ذو الفائدة الجليلة، يَحَصُل به عِلمٌ أو ظنّ غالبٌ، وحَقّ الخبر الذي يُسمَّى نَبأَ أن يَتعرَّى عن الكذب. قوله: ((صواباً: حَقًّ في الدُّنْيا وعَمَلٌ به)) قال ابن بَطّال: يريد قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨] أي: قال حَقّاً في الدُّنيا وعَمِلَ به، هو الذي يُؤْذَنُ له في الكلام بين يَدَي الله بالشَّفاعةِ لمن أذِنَ له. قلت: وهذا وَصَلَه الفِريابيّ أيضاً عن مجاهد بالسَّنَدِ المذكور. قال الكِرمانيُّ: عادة البخاريّ أنَّه إذا ذكر آيةً مُناسِبةً للتَّرجمةِ يَذكُر معها بعضَ ما يَتَعلَّق بتلكَ السّورة التي فيها تلكَ الآية، ممّاً ثَبَتَ عنده من تفسير ونحوه على سبيل التَّبعيّة. انتهى، وكأنَّه لم يَظْهَر له وجهُ مُناسَبة هذه الآية الأخيرة بالتَرجمة، والذي يَظهَر في مُناسَبتها أنَّ تفسير قوله: ﴿صَوَابًا﴾ بقولِ الحقّ، والعمل به في الدُّنيا، يَشمَلِ ذِكرَ الله باللِّسان والقلب مُتَمِعَينٍ ومُنْفَرِدَينٍ، فيناسِبُ قوله: ذِكر العباد بالدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ. تنبيه: لم يَذْكُر في هذا الباب حديثاً مرفوعاً، ولعلَّه بيَّضَ له فأدمجه النُّسّاخُ كغيرِه، واللائق به الحديثُ القُدسيّ: «مَن ذکرني في نفسه ذكرته في نفسي)، وقد تقدَّم قريباً (٧٤٠٥)، فإنَّه يَصِحّ في قوله: (مَن ذكرني في مَلَاٍ - أي: من الناس بالدُّعاءِ والتَّضَرُّع - ذَكَرته في مَلَأٍ)) أي: من الملائكة، بالرّحمةِ والمغفرة. ثمَّ وَجَدته في كتاب ((خلق أفعال العباد)) (٥١١) قد أورَدَ حديث أبي هريرة الذي فيه: ((اقرَؤُوا إن شئتُمْ: يقول العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِ الْعَلَمِينَ﴾، فيقول الله: حَدَني عبدي)) إلى أن قال: ((يقول العبد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُهُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيرٌ﴾ يقول الله: هذه الآية بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سَألَ)) الحديث. ٤٩٩ باب ٤٠/ح ٧٥٢٠ كتاب التوحيد قال البخاريّ: فيه بيان أنَّ سؤالَ العبد غيرُ ما يُعطيه اللهُ، وأنَّ قولَ العبد غيرُ كلام الله، وهذا من العبد الدُّعاءُ والتَّضَرُّعُ، ومن الله الأمرُ والإجابةُ. انتهى، وحديث أبي هريرة أخرجه مالك (٨٤/١-٨٥) ومسلم (٣٩٥) وأصحاب السُّنَن(١)، وليس هو على شرط البخاريّ في ((صحیحه)، فاكتَفَی فیه بالإشارة إليه، وفي کتابه من ذلك نظائر. ٤٠ - بابُ قولِهِ تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ٢٢] وقوله: ﴿وَّحْعَلُونَ لَهُ: أَنَدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَلَمِينَ ﴾ [فصلت: ٩] ﴿وَلَقَدْ أُوحِىَ إِلَيَّكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَبِنْ/ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ إلى قوله: ﴿ بَلِ اَللَّهَ فَأَعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّكِرِينَ﴾ ٤٩١/١٣ [الزمر: ٦٥-٦٦]، ﴿ وَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اَللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨]. وقال عِكْرمةُ: ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]، قال: لَئن سألتَهم مَن خَلَقَهم ومن خَلَقَ السماوات والأرض فيقولون: اللهُ، فذلك إِيمانُهم وهم يَعْبُدُونَ غيره. وما ذُكِرَ في خلقِ أفعال العبادِ وأكسابهم، لقوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ فَقَدَّرَهُ نَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]. وقال مجاهدٌ: ((ما تَنَزَّلُ الملائكةُ إلّا بالحقِّ)) [الحجر: ٨] يعني: بالرِّسالةِ والعذابِ ﴿لَيَسْئَلَ الصَّدِقِينَ﴾ [الأحزاب: ٨] المُبلِّغِينَ المُؤَدِّينَ منَ الرُّسُلِ ﴿وَإِنَّا لَهُ، لَحَفِظُونَ﴾ [يوسف: ٦٣، الحجر:٩] عندنا. ﴿ وَالَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ﴾ [الزمر: ٣٣]: القرآنُ ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾﴾ [الزمر: ٣٣]: المؤمِنُ يقولُ يومَ القيامةِ: هذا الذي أعطَيْتَنِي عَمِلْتُ بما فيه. ٧٥٢٠ - حدَّثنا قُتَيِيةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن أبي وائلٍ، عن عَمْرِو بنِ شُرَحْبِيلَ، عن عبدِ الله، قال: سَأَلْتُ النبيَّ ◌َّهِ: أَيُّ الذَّنْبِ أعظَمُ عندَ الله؟ قال: ((أَنْ تَجْعَلَ لله نِدّاً وهو خَلَقَكَ)) قلتُ: إنَّ ذلك لَعظيمٌ! قلتُ: ثمَّ أيُّ؟ قال: (ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ ولَكَ تَخافُ أنْ يَطْعَمَ (١) أبو داود (٨٢١)، وابن ماجه (٣٧٨٤)، والترمذي (٢٩٥٣)، والنسائي (٩٠٩). ٥٠٠ باب ٤٠/ح ٧٥٢٠ فتح الباري بشرح البخاري مَعَكَ)) قلتُ: ثمَّ أيُّ؟ قال: ((ثُمَّ أَنْ تُزانيَ بحَلِيلةِ جاركَ)). قوله: ((باب قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُواْ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ وقوله: ﴿وَتَّجْعَلُونَ لَهُ: أَنَدَادَأْ ذَلِكَ رَبُّ اَلْعَلَمِينَ﴾)) ثمَّ ذكر آياتٍ وآثاراً إلى أن ذكر حديث ابن مسعود: سَألْتُ النبيّ وَّهِ: أيّ الذَّنب أعظَمُ؟ قال: ((أن تَجعَل لله نِدّاً وهو خَلَقَك))، النِّدّ بكسر النُّون وتشديد الدّال، يقال له: النَّديد أيضاً، وهو نَظِير الشَّيء الذي يُعارضه في أُموره، وقيل: نِدُّالشَّيء: مَن يُشاركه في جَوهَره، وهو ضربٌ من المثل، لكنَّ المِلَ يقال في أيّ مُشارَكٍ كانت، فكلُّ نِدٍّ مِثلٌ من غير عكس. قاله الرَّاغِب، قال: والضِّدّ أحد المتقابِلَينِ، وهما الشَّيئان المختَلِفان اللَّذان لا يَجِتَمِعان في شيء واحد، ففارَقَ النِّدَّ في المشارَكة، ووافَقَه في المعارضة. قال ابن بَطّال: غَرَضُ البخاريّ في هذا الباب إثبات نِسبة الأفعال كلّها لله تعالى، سواء كانت من المخلوقينَ خيراً أو شَرًّا، فهي لله تعالى خَلْقٌ وللعبادِ كَسْبٌ، ولا يُنسَبُ شيءٌ من الخلْق لغيرِ الله تعالى فيكونَ شَرِيكاً ونِدّاً ومُساوياً له في نسبة الفِعل إليه، وقد نبَّه اللهُ تعالى عبادَه على ذلك بالآيات المذكورة وغيرها المُصرِّحة بنَفي الأنداد والآلهِةِ المَدعوّة معه، فتَضَمَّنَتِ الردّ على مَن يَزِعُم أنَّه يَخَلُق أفعاله، ومنها ما حَذَّرَ به المؤمنين أو أثْنَى عليهم، ومنها ما وبَّخَ به الکافرینَ، وحدیثُ الباب ظاهرٌ في ذلك. وقال الكِرمانيُّ: التَّرجمة مُشعِرة بأنَّ المقصود إثبات نَفي الشَّريك عن الله سبحانه وتعالى، فكانَ المناسِبُ ذِكرَه في أوائل كتاب التَّوحيد، لكن ليس المقصود هنا ذلك، بل المراد بيان كَون أفعالِ العباد بخَلْقِ الله تعالى، إذ لو كانت أفعالهم بخلْقِهم لكانوا أنداداً لله وشُرَكاءَ له في الخلق، ولهذا عَطَفَ ما ذَكَر عليه، وتَضَمَّنَ الردَّ على الجَهْميّة في قولهم: لا قُدرة للعبدِ أصلاً، وعلى المعتَزِلة حيثُ قالوا: لا دَخْل لقُدرةِ الله تعالى فيها. والمَذهَب الحقّ: أن لا جَبْ ولا قَدَر، بل أمرٌ بين أمرَينٍ، فإن قيل: لا يَخْلو أن يكونَ فِعِلُ العبد بقُدرةٍ منه أَوْ لا، إذ لا واسطةَ بين النَّفي والإثبات، فعلى الأوَّل يَثْبُت القَدَر الذي ٤٩٢/١٣ تَدَّعيه المعتَزِلة، وإلّا / ثَبَتَ الجَبْر الذي هو قول الجَهميّة، فالجواب أن يقال: بل للعبدِ قُدرةٌ