النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
باب ٣٥/ح ٧٥٠٨
كتاب التوحيد
قلت: هذا في لفظ: ((أستَغْفِر الله الذي لا إله إلّا هو الحَيّ القَيّوم))، وأمّا ((أتوب إليه))
فهو الذي عَنَى الرَّبيعُ رحمه اللهُ أنَّه كذِبٌ، وهو كذلك إذا قاله ولم يَفعَلِ التَّوبةَ كما قال، وفي
الاستدلال للرَّدِّ عليه بحديثٍ ابن مسعود نَظَرٌّ، لجوازٍ أن يكون المراد منه ما إذا قالها وفَعَلَ
شُروط الثَّوبة، ويحتمل أن يكون الرَّبيع قَصَدَ مجموع اللَّفْظَينِ لا خُصوص أستَغِفِرِ اللهَ، فيَصِحّ
کلامُه کلّه، والله أعلم.
ورأيت في (الحَلَبّات)) للسُّبكيّ الكبير: الاستغفارُ طَلَب المغفرة إمّا باللِّسان أو بالقلبِ أو
بهما، فالأوَّل فيه نَفعٌ، لأنَّه خيرٌ من السُّكوت، ولأنَّه يَعتاد قول الخير، والثّاني نافع جدّاً،
والثّالث أبلغ مِنهُما لكنَّهما لا يُمَحِّصان الذَّنب حتَّى تُوجَد الثَّوبةُ، فإنَّ العاصيَ المُصِرَّ
يَطْلُب المغِفِرة، ولا يَستَلزِم ذلك وجودَ الثَّوبة منه. إلى أن قال: والذي ذَكَرته من أنَّ معنى
الاستغفار هو غير معنى التَّوبة هو بحَسَب وضْع اللَّفظ، لكنَّه غَلَبَ عند كثير من الناس
أنَّ لفظ ((أَسْتَغْفِرُ الله)) معناه التَّوبة، فمَن كان ذلك مُعتَقَدَه فهو يريد الثَّوبةَ لا محالةَ، ثمَّ قال:
وذكر بعض العلماء أنَّ التَّوبة لا تَتِّمُّ إلّ بالاستغفار لقولِه تعالى: ﴿ وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ﴾
[هود:٣]، والمشهور أنَّه لا يُشتَرَطُ.
الحديث السابع عشر: حديث أبي سعيد في قصَّة الذي أمَرَ أن يُحرِّقوه، وتقدَّم التَّنبيه
عليه في الخامس عشر.
قوله: ((مُعتَمِر: سَمِعْت أبي)) هو سليمان بن طَرْخانَ التَّيْمِيُّ، والسَّنَد كلّه بصريّونَ، وفيه
ثلاثة من التّابعينَ في نَسَقِ.
قوله: ((عن عُقْبة بن عبد الغافر)) في رواية شُعْبة عن قَتَادة: سمعت عُقْبة، وقد تقدَّمَت
في الرِّقاق(١) مع سائر شَرْحه.
وقوله: ((أنَّه ذكر رجلاً فيمَن سَلَفَ - أو - فيمَن كانَ قبلكم)) شَكٍّ من الرَّاوي، ووَقَعَ عند
الأصيلي: ((قبلهم))، وقد مضى في الرِّقاق (٦٤٨١) عن موسى بن إسماعيل عن مُعتَمِر بلفظ:
(١) بإثر الحديث (٦٤٨١) مُعلَّقةً.

٤٦٢
باب ٣٥/ح ٧٥٠٨
فتح الباري بشرح البخاري
((ذكر رجلاً فيمَن كان سَلَف قبلكم)) ولم يَشُكّ(١).
وقوله: ((قال كلمة: يعني أعطاه الله مالاً)) في رواية موسى: ((آتاه الله مالاً وولداً)).
وقوله: ((أيَّ أبٍ كنتُ لكم)) قال أبو البَقَاءِ: هو بنَصبِ ((أَيّ) على أنَّه خبر (كنت))، وجازَ
تقديمه لكَونِه استفهاماً، ويجوز الرَّفع، وجوابهم بقولهِم: ((خير أب)) الأجودُ النَّصب على تقدير:
كنتَ خيرَ أب، فيوافق ما هو جواب عنه، ويجوز الرَّفع بتقدير: أنتَ خير أب.
وقوله: ((فإنَّه لم يَبتَيِّرِ، أو لم يَبِتَئِّز)) تقدَّم عَزو هذا الشكّ أنَّها بالرَّاءِ أو بالزّاي لروايةٍ
أبي زيد المروزيِّ تَبَعاً للقاضي عِيَاض، وقد وَجَدتها هنا فيما عندنا من رواية أبي ذرٍّ عن
شيوخه.
وقوله: ((فاسحقوني - أو قال : - فاسحَكوني)) في رواية موسى مثله، لكن قال: ((أو قال:
فاسهَكوني)) بالهاءِ بَدَل الحاء المهمَلة، والشكّ هل قالها بالقاف أو الكاف، قال الخطَّبيُّ: في
رواية أُخرى: ((فاسحَلوني)) يعني باللّام، ثمَّ قال: معناه ابرُدُونِي بالمِسْحَلِ (٢) وهو المِبَرَد،
ويُقال للبُرادةِ: سُحالة، وأمّا اسحَكوني بالكاف فأصلُهُ السَّحق، فأُبدِلَتِ القاف كافاً، ومِثله
السَّهْك بالهاءِ والكاف.
وقوله في آخره: «قال: فحَدَّثتُ به أبا عثمان)) القائل: هو سليمان التَّيْمِيُّ، وذَهَلَ الكِرْمانِيُّ
فجَزَمَ بأنَّه قَتَادةُ، وأبو عثمان: هو النَّهْديّ.
وقوله: (سمعت هذا من سلمان ... )) إلى آخره، سلمان: هو الفارسيّ، وأبو عثمان معروف
٤٧٣/١٣ بالرِّوايةِ/ عنه، وقد أغفَلَ المِّيُّ ذِكر هذا الحديث من مُسنَد سلمان في ((الأطراف))، وقد تقدَّم
أيضاً في الرِّقاق، ونبّهت على صِفَة تخريج الإسماعيليّ له.
وقوله: ((حدَّثنا موسى، حذَّثنا مُعتَمِر، وقال: لم يَبَثِّرِ)) أي: بالرَّاءِ لم يَشُكّ، وقد ساقه بتمامه في
(١) كذا قال الحافظ رحمه الله هنا، وهو خلاف قوله عند شرح الحديث في الرقاق، حيث ذكر هناك أن الرواية
وقعت بالشكِّ أيضاً، فالله تعالى أعلم.
(٢) تحرَّفت في الأصلين و (س) إلى: بالسحل.

٤٦٣
باب ٣٦/ ح ٧٥٠٩ - ٧٥١٠
كتاب التوحيد
الرِّقاق (٦٤٨١) عن موسى المذكور: وهو ابن إسماعيل التَّبُوذَكِيّ، وساقَ في آخر روايته حدیثَ
سَلمان أيضاً كذلك.
وقوله بعده: ((وقال لي خليفة)) هو ابن خَيّاط، وسَقَطَ للأكثرِ لفظ ((لي)) ((حدَّثْنا مُعتَمِر: لم
یبنیز)) يعني بالحدیث بکمالِه، ولكنَّه قال: ((لم يَبْتَئِز» بالزّاي.
وقوله: ((فَسَّرَه قَتَادةُ: لَم يَدَّخِرِ) وَقَعَت هذه الزّيادة في رواية خليفةَ دونَ رواية موسى ابن
إسماعيل(١) وعبد الله بن أبي الأسود، وقد أخرجه الإسماعيليّ من رواية عُبيد الله بن معاذ
العَنْبَريّ عن مُعتَمِر، وذكر فيه تفسير قَتَادة هذا، وكذا أخرجه أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) من رواية
إسحاق بن إبراهيم الشَّهيديّ عن مُعتَمِر، وقد استَوعَبتُ اختلافَ ألفاظ الناقلينَ لهذا الخبر في
هذه اللَّفظة في كتاب الرِّقاق بما يُغني عن إعادته، وبالله التَّوفيق.
٣٦- باب كلامِ الرَّبِّ تعالى يومَ القيامةِ معَ الأنبياءِ وغيرِهِم
٧٥٠٩- حذَّثنا يوسُفُ بنُ راشدٍ، حذَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا أبو بَكْرِ بنُ عيَّاشِ، عن
مُميدٍ، قال: سمعتُ أنساً ﴾، قال: سمعتُ النبيَّ ◌َِّ يقولُ: ((إذا كانَ يومُ القيامةِ شُفِّعتُ،
فقلتُ: يا رَبِّ، أدْخِلِ الجنَّةَ مَن كانَ في قَلْبِهِ خَرْدَةٌ، فَيَدخُلونَ، ثمَّ أقولُ: أدْخِلِ الجنَّةَ مَن كانَ
فِي قَلْبِهِ أَدْنَى شيٍ)) فقال أنسُ: كأني أَنْظُرُ إلى أصابعِ رسولِ الله ◌ِّ.
٧٥١٠- حدَّثْنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زيدٍ، حدَّثْنا مَعْبَدُ بنُ هلالِ العَنَزِيُّ،
قال: اجْتَمَعْنا ناسٌ مِن أهلِ البَصْرةِ، فذهبنا إلى أنسِ بنِ مالكٍ، وذهبنا مَعَنا بثابتِ البُنانيِّ إليه
يَسْألُه لنا عن حديثِ الشَّفاعةِ، فإذا هو في قَصْرِهِ، فَوافَقْنا يُصَلّى الضُّحَى، فاستَأْذَنا فأذِنَ لنا،
وهو قاعدٌ على فِراشِه، فقلنا لثابتٍ: لا تَسْأله عن شيءٍ أوَّلَ مِن حديثِ الشَّفاعةِ، فقال: يا أبا
حمزةَ، هؤلاءِ إخْوانُكَ مِن أهلِ البَصْرةِ جاؤوا يَسْألُونَكَ عن حديثِ الشَّفاعةِ؟ فقال: حدَّثنا
(١) كذا جزم الحافظ رحمه الله بعدم ورود تفسير قتادة في رواية موسى بن إسماعيل، مع أنه ثابت فيها، لكن وقع
ضمن الحديث وليس في آخره، ولذلك ذهل عنه الحافظ، والله أعلم. ثم هو ثابت أيضاً عند أحمد (١١٧٣٦) في
روايته عن عفان عن معتمر، وكذلك عند مسلم (٢٧٥٧) (٢٨) في روايته عن يحيى بن حبيب الحارثي عن
معتمر.

٤٦٤
باب ٣٦/ح ٧٥١٠
فتح الباري بشرح البخاري
محمَّدٌ بَّه قال: ((إذا كانَ يومُ القيامةِ ماجَ الناسُ بَعْضُهم في بَعْضٍ، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فيقولون: اشفَعْ
إلى رَبِّكَ، فيقولُ: لَستُ لها، ولكنْ عليكُم بإبراهيمَ، فإِنَّه خليلُ الرّحمنِ، فَيَأْتونَ إبراهيمَ،
فيقولُ: لَستُ لها، ولكنْ عليكُم بموسى، فإِنَّ كَلِيمُ الله، فيَأْتُونَ موسى، فيقولُ: لَستُ لها،
ولكنْ عليكُم بعيسى، فإنَّه رُوحُ الله وكلمتُهُ، فيَأْتُونَ عيسى، فيقولُ: لَستُ لها، ولكنْ عليكُم
بمحمَّدٍ وَّةٍ، فَيَأْتُونني، فأقولُ: أنا لها، فأستَأْذِنُ على رَبّ، فَيُؤْذَنُ لي. ويُلْهِمُنِي تَحَامِدَ أحَدُه بها
لا تَحْضُرُني الآنَ، فأحمَدُه بتلكَ المَحامِدِ، وأخِرُّ له ساجداً، فيُقالُ: يا محمَّدُ، ارفَعْ رَأْسَكَ، وقُلْ
يُسْمَعْ لكَ، وسَلْ تُعْطَةْ، واشفَعْ تُشَفَّعْ، فأقولُ: يا رَبِّ، أمَّتي! أمَّتي! فيُقالُ: انطَلِقْ، فأخْرِجْ
منها مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ شَعِيرةٍ مِن إِيمانٍ، فأنطَلِقُ فأفعَلُ، ثمَّ أعودُ فأحَدُه بتلكَ المَحامِدِ،
ثُمَّ أخِرُ له ساجداً، فيُقالُ: يا محمَّدُ، ارفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لكَ، وسَلْ تُعْطَ، واشفَعْ تُشَفَّعْ،
فأقولُ: يا رَبِّ، أمَّتي! أمَّتي! فيُقالُ: انطَلِقْ، فأخْرِجْ منها مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرّةٍ أو خَرْدَلِةٍ
مِن إيمانٍ فأخْرِجْهُ، فأنطَلِقُ فأفعَلُ، ثمَّ أعودُ فأحمدُه بتلكَ المَحامِدِ، ثمَّ أخِرُّ له ساجداً، فيُقالُ:
يا محمّدُ، ارفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لكَ، وسَلْ تُعْطَ، واشفَعْ تُشَفَّع، فأقولُ: يا رَبِّ، أمَّتي!
أمَّتي! فيقولُ: انطَلِقٍ، فأخْرِجْ مَن كانَ في قَلْبِهِ أَذْنَى أَدْنَى مِثْقَالِ حَبّةٍ خَرْدَلٍ مِن إيمانٍ، فأخْرِجْهُ
منَ النّارِ، من النارِ، من النارِ، فأَنْطَلِقُ فأفْعَلُ)).
فَلَا خَرَجْنا مِن عندِ أنسٍ، قلتُ لِبَعْضٍ أصحابنا: لو مَرَرْنا بالحسنِ وهو مُتَوَارٍ في مَنْزِلِ أبي
خليفةَ، فحَدَّثْنَاهُ بما حدّثنا أنسُ بنُ مالكٍ، فأتيناه فسَلَّمْنا عليه، فأذِنَ لنا، فقلنا له: يا أبا سعيدٍ، جِئْناكَ
مِن عندِ أخِيكَ أنسِ بنِ مالكٍ، فَلَمْ نَرَ مِثلَ ما حدَّثنا في الشَّفاعةِ، فقال: هِيْهِ، فحَدَّثْناه بالحديثِ،
فانتَهَى إلى هذا الموضع، فقال: هِيْهِ، فقلنا: لم يَزِدْ لنا على هذا، فقال: لقد حدَّثني وهو جميعٌ منذُ
عِشْرِينَ سَنَةً، فلا أدري أنسِيَ أْ كَرِهَ أنْ تَتَّكِلوا، قلنا: يا أبا سعيدٍ، فحَدِّثْنا فضَحِكَ، وقال: خُلِقَ
الإنسانُ عجولاً، ما ذَكَرتُه إلّا وأنا أُرِيدُ أنْ أُحدِّثَكم، حذَّثني كما حَدَّثَكم به، قال: ((ثُمَّ أعودُ
الرَّابعةَ، فأحَدُه بتلكَ الَحَامِدِ، ثمَّ أخِرُ له ساجداً، فيُقالُ: يا محمَّدُ، ارفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ،
وسَلْ تُعْطَةْ، واشفَعْ تُشَفَّعْ، فأقولُ: يا رَبِّ، اتْذَنْ لي فيمَنْ قال: لا إلهَ إلّا اللهُ، فيقولُ: وعِزَّتي وجلالي
وكِثْرِبائي وعَظَمَتي، لأُخْرِ جَنَّ منها مَن قال: لا إلهَ إلا اللهُ).

٤٦٥
باب ٣٦/ح ٧٥١١ - ٧٥١٤
كتاب التوحيد
٧٥١١- حدَّثْنا محمَّدُ بنُ خالدٍ، حدَّثْنَا عُبَيْدُ الله بنُ موسى، عن إسرائيلَ، عن منصورٍ،
عن إبراهيمَ، عن عَبِيدةَ، عن عبدِ الله، قال: قال رسولُ الله وَّةِ: ((إنَّ آخِرَ أهلِ الجنَّةِ دخولاً
الجنَّةَ، وآخِرَ أهلِ النار خروجاً منَ النار، رجلٌ يَخْرُجُ حَبْواً، فيقولُ له رَبُّه: ادْخُلِ الجنَّةَ، فيقولُ:
رَبِّ، الجنَّةُ مَلْأى! فيقولُ له ذلك ثلاثَ مرَّاتٍ، كُلُّ ذلك يُعِيدُ عليه: الجنَّةُ مَلْأى، فيقولُ: إنَّ
لكَ مِثْلَ الدُّنْيَا عَشْرَ مِرارٍ)».
٧٥١٢ - حدَّثنا عليٌّ بنُ حُجْرٍ، أخبرنا عيسى بنُ يونُسَ، عن الأعمَشِ، عن خَيْئَمَةَ، عن
عَدِيٍّ بنِ حاتم، قال: قال رسولُ الله ◌َّ: ((ما منكم أحدٌ إلا سَيُكلِّمُه رَبُّه، ليسَ بينَه وبينَ
تَرْجُمانٌ، فَيَنْظُرُ أيمَنَ منه فلا يَرَى إلا ما قَدَّمَ مِن عملِهِ، ويَنْظُرُّ أَشْأمَ منه فلا يَرَى إلا ما قَدَّمَ،
ويَنْظُرُّ بِينَ يَدَيْهِ فلا يَرَى إلا النارَ تِلْقَاءَ وجهِهِ، فَأَنَّقوا النارَ ولو بشِقٌّ تَمْةٍ)).
قال الأعمَشُ: وحدَّثني عَمْرو بنُ مُرّةَ، عن خَيْئَمَةَ مِثلَه، وزادَ فيه: ((ولو بكلمةٍ طيِّةٍ)).
٧٥١٣- حدَّثْنَا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبةَ، حدَّثْنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن عَبِيدةَ،
عن عبدِ الله ، قال: جاءَ حَبْرٌ منَ اليهودِ، فقال: إنَّه إذا كانَ يومُ القيامةِ جَعَلَ الله السَّماواتِ
على إصْبَعٍ، والأَرَضِينَ على إصْبَعٍ، والماءَ والثَّرَى على إصْبَعٍ، والخَلائقَ على إصْبَعٍ، ثمَّ يَهُزُّهُنَّ،
ثمَّ يقولُ: أنا الملِكُ، أنا الملِكُ، فلقد رأيتُ النبيَّ ◌َِّ يَضْحَكُ حتَّى بَدَتْ نَواجِذُه، تَعَجُّباً
وتصديقاً لقولِه، ثمّ قال النبيُّ نَّه (﴿ وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَّ قَدْرِهِ،﴾ إلى قوله: ﴿يُشْرِكُنَ
[الزمر: ٦٧])).
٧٥١٤ - حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا أبو عَوَانَةَ، عن قَتَادةَ، عن صَفْوانَ بنِ مُحْرِزِ: أنَّ رجلاً سألَ
ابنَ عمرَ: كيفَ سمعتَ رسولَ الله وَّهِ يقولُ في النَّجْوَى؟ قال: ((يَدْنو أحدُكم مِن رَبِّه، حتَّى
يَضَعَ كَنَفَه عليه، فيقولُ: أعَمِلْتَ كذا وكذا؟ فيقولُ: نَعَم، ويقولُ: عَمِلْتَ كذا وكذا؟ فيقولُ:
نَعَمْ، فَيُقَرِّرُهُ، ثمَّ يقولُ: إنّي سَترْتُ عليكَ في الدُّنْيا، وأنا أَغْفِرُها لكَ اليومَ)).
وقال آدمُ: حدَّثْنَا شَيْبانُ، حدَّثْنَا قَتَادةُ، حَدَّتنا صَفْوانُ، عن ابنِ عمرَ، سمعتُ النبيَّ ◌َِّ.
٤٧٥/١٣
قوله: (باب كلام الَّبّ تعالى يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم)) ذكر فيه خمسةً أحاديث.

٤٦٦
باب ٣٦/ح ٧٥١٤
فتح الباري بشرح البخاري
الحديث الأول: حديث أنس في الشَّفاعة، أورَدَه مُختصَراً جدّاً ثمَّ مُطوَّلاً، وقد مضى شَرحه
مُستوقی في كتاب الرقاق (٦٥٦٥).
قوله: ((حدَّثنا يوسف بن راشد)) هو يوسف بن موسى بن راشد القَطّان الکوفيّ نزیل
بغداد(١)، نَسَبَه لجَدِّه، وهو بالنّسبةِ لأبيه أشھَر، ولهم شيخ آخر يُقال له: یوسف بن موسی
التُستَريّ نزيل الرَّيّ، أصغر من القَطّان. وشيخه أحمد بن عبد الله: هو أحمد بن عبد الله بن
يونس يُنسَب لَدِّه كثيراً، وأبو بكر بن عيَّاش: هو المقرِئ، وقد أخرج البخاريّ عن أحمد
ابن عبد الله بن يونس عن أبي بكر بن عيَّاش حديثاً غيرَ هذا، بغيرِ واسطةٍ بينه وبين أحمد،
وتقدَّم في باب ((الغِنَى غِنَى النَّفْس)) في كتاب الرِّقاق (٦٤٤٦).
قوله: ((إذا كانَ يومُ القيامة شُفِّعْت)) كذا للأكثرِ بضمٍّ أوَّله مُشَدَّداً، وللكُشمِيهَنيّ بفتحِه
◌ُفَّفاً.
قوله: ((فقلت: يا رَبّ أدْخِلِ الجنَّة مَن كانَ في قَلْبه خَرْدَةٌ)) هكذا في هذه الرِّواية، وفي
التي بعدها أنَّ الله سبحانه هو الذي يقول ذلك، وهو المعروف في سائر الأخبار، قال ابن
التِّين: هذا فيه كلام الأنبياء مع الرَّبّ، ليس كلام الرَّبّ مع الأنبياء.
قوله: ((ثُمَّ أقول)) ذكر ابن التِّين أنَّه وَقَعَ عنده بلفظ: ((ثُمَّ نقول)) بالنّون، قال: ولا أعلَم
مَن رواه بالیاءِ، فإن کان رويَ بالياءِ طابَقَ الشَّويب، أي: ثمَّ یقول الله، ویکون جواباً عن
اعتراض الدَّاوُوديّ حيثُ قال: قوله: ((ثمَّ أقول)) خِلَاف سائرِ الرِّوايات، فإنَّ فيها أنَّ الله
أمَرَه أن يُرِج.
قلت: وفيه نَظَر، والموجود عند أكثر الرُّواة: ثمَّ أقول، بالهمزةِ كما لأبي ذرٍّ، والذي أظنّ
أنَّ البخاريّ أشارَ إلى ما وَرَدَ في بعض طرقه كعادتِه، فقد أخرجه أبو نُعَيم في ((المستخرَج))
من طريق أبي عاصم أحمد بن جَوّاس - بفتح الجيم والتَّشديد - عن أبي بكر بن عيَّاش
ولفظه: ((أشفَع يوم القيامة، فيُقال لي: لك مَن في قلبه شَعِيرةٌ، ولَك مَن في قلبه خَرْدَلٌ،
(١) نزل بغداد بعد أن نزل الرَّي، كما في ((التقریب)).

٤٦٧
باب ٣٦/ح ٧٥١٤
كتاب التوحيد
ولَك مَن في قَلْبه شيءٌ)) فهذا من كلام الرَّبّ مع النبيّ وَّهَ، ويُمكِن التَّوفيق بينهما بأنَّه ◌َ
يَسألُ عن ذلك أوَّلاً فيُجابُ إلى ذلك ثانياً، فوَقَعَ في إحدَى الرِّوايتَينِ ذِكرُ السُّؤالِ وفي البَقّة
ذِكرُ الإجابة.
وقوله في الأولى: ((مَن كان في قلبه أدنَى شيء)) قال الدَّاوُوديّ: هذا زائد على سائر
الرِّوايات، وتُعقِّبَ بأنَّه مُفَسَّر في الرّواية الثّانية حيثُ جاءَ فيها: ((أدنَى أدنَى مِثقالٍ حَبّةٍ من
خردل من إیمانٍ».
قال الكِرْمانيُّ: قوله: ((أدنَى أدنَى)) التكرير للتَّكيدِ، ويحتمل أن يُراد التَّوزيع على الحَبّة
والخَردَل، أي: أقلّ حَبّة من أقلّ خَردَلة من الإيمان. ويُستَفادُ منه صِحّةُ القول بِتَجْزِيءِ الإيمان
وزيادته ونُقصانه.
وقوله: ((قال أنس: كأني أنظر إلى أصابع رسول الله وَلّ) يعني قوله: ((أدنَى شيء)، وكأنَّه يَضُمّ
أصابعه ويُشیر بها.
وقوله فيه: ((فذهبنا مَعَنا بثابتٍ البُنانيِّ/ إليه يَسأله)) في رواية الكُشمِيهَنيّ: ((فسألَه)) بفاءٍ وصيغة ٤٧٦/١٣
الفعل الماضي، قال ابن التِّين: فيه تقديم الرجل الذي هو منَ خاصّة العالِمِ ليَسأَلَه.
وفي قوله: «فإذا هو في قَصره)) قال ابن التِّين: فيه اتّخاذ القَصر لمن كَثُرَت ذُرِيَّته.
وقوله: ((فوافَقنا)) كذا لهم بحذفِ المفعول، وللكُشمِيهَنِيّ: ((فوافَقْناه)).
وقوله: ((ماجَ الناسُ)) أي: اختَلَطُوا، يقال: ماجَ البحرُ، أي: اضطَرَبَت أمواجُه.
وقوله: ((فإِنَّ كَلِيمُ الله)) كذا للأكثر، وللكُشِمِيهَنيّ: ((فإِنَّ كَلَّمَ الله) بلفظِ الفعل الماضي.
وقوله: ((فيُقال: يا محمَّد)) في رواية الكُشمِيهَنِيِّ: ((فيقول)) في المواضع الثَّلاثة.
قوله: ((وهو مُتَوارٍ في مَنْزِل أبي خليفة)) هو حَجّاج بن عَتّاب العبديّ البصريّ، والد عمر
ابن أبي خليفة، سَمّاه البخاريّ في ((تاريخه)) وتَبِعَه الحاكم أبو أحمد في ((الكُنَى)).
قوله: ((وهو جميعٌ)) أي: مُجْتَمِعُ العقل، وهو إشارة إلى أنَّه كان حينئذٍ لم يَدخُل في الكِبرَ الذي
هو مَظِنّة تَفُرُّق الذِّهن وحدوث اختلالِ الحِفظ.

٤٦٨
باب ٣٦/ح ٧٥١٤
فتح الباري بشرح البخاري
وقوله: ((فَحَدَّثْنَاهُ)) بسكونِ المثلَّثة ووقع للكُشْمِيهَنيّ بفتح المثلَّثة وحذف الضَّمير(١).
وقوله: ((قلنا: يا أبا سعيد)) في رواية الكُشمِيهَنيِّ: ((فقلنا)).
قال ابن التِّين: قال هنا: ((لست لها)) وفي غيره: ((لَستُ هُناكم)) (٢) قال: وأسقَطَ هنا ذِكرَ
نوحٍ، وزاد: ((فأقول: أنا لها))، وزاد: ((فأقول: أمَّتي أمَّتي)).
قال الدَّاوُوديّ: لا أراه محفوظاً، لأنَّ الخَلائق اجتَمَعوا واستَشفَعوا، ولو كان المراد هذه
الأُمّة خاصّة لم تذهب إلى غير نبيّها، فدلَّ على أنَّ المراد الجميع، وإذا كانت الشَّفاعة لهم في
فصل القضاء، فكيف يَخُصّها بقوله: ((أمَّتي أمَّتي))؟، ثمَّ قال: وأوَّل هذا الحديث ليس مُتَّصِلاً
بآخِرِه، بل بَقِيَ بين طَلَبهم الشَّفاعة وبين قوله: ((فأشفَع)) أُمُورٌ كثيرة من أُمور القيامة.
قلت: وقد بيَّنتُ الجوابَ عن هذا الإشكال عند شَرح الحديث بما يُغني عن إعادته
هنا، وقد أجابَ عنه القاضي عِيَاض بأنَّ مَعنى الكلام: فيُؤْذَن له في الشَّفاعة الموعود بها في
فصل القضاء.
وقوله: ((ويُلِهِمني) ابتداء كلام آخَر وبيان للشَّفاعةِ الأُخرى الخاصّة بأُمَّتِهِ، وفي السّياق
اختصار، وادَّعَى المهلَّب أنَّ قوله: ((فأقول: يا رَبّ أمَّتي)) ممّا زاد سليمان بن حَرب على
سائر الرُّواة، كذا قال، وهو اجتراء على القول بالظَّنِّ الذي لا يَستَنِد إلى دليل، فإنَّ سليمان
ابن حَرب لم يَنفَرِد بهذه الزّيادة، بل رواها معه سعيد بن منصور عند مسلم (٣٢٦/١٩٣)،
وكذا أبو الرَّبيع الزَّهْرانيّ عند مسلم والإسماعيليّ، ولم يَسُق مسلم لفظه، ويحيى بن حبيب
ابن عربيّ عند النَّسائيِّ في التَّفسير (ك١١٠٦٦)، ومحمّد بن عُبَيد بن حِساب ومحمّد بن
سلیمان لُوْن، کِلاهُما عند الإسماعیلیّ، کلّھم عن حمّاد بن زید شیخ سلیمان بن حرب فیہ بهذه
(١) هذا عكس ما جاء في اليونينية وبَيَّنه القسطلّاني أن الرواية بفتح المثلثة وحذف الضمير للأصيلي وأبي ذرِّ
عن السَّرَخْسيّ والمُستمْليْ، والأخرى للكُشْمِيهنيّ، لكن جاء في نسخة إسماعيل البقاعي ذكر الرواية التي
بسكون المثلَّثة مع ذكر الضمير دون بيان خلاف، وهي الرواية التي صدّر بها الحافظُ هنا كلامه، فالله
تعالى أعلم.
(٢) يعني رواية قتادة عن أنس المتقدمة برقم (٤٤٧٦) في كتاب التفسير، وفي غيره.

٤٦٩
باب ٣٦/ح ٧٥١٤
كتاب التوحيد
الزّيادة، وكذا وَقَعَت هذه الزيادة في هذا الموضع من حديث الشَّفاعة في رواية أبي هريرة
الماضية في كتاب الرِّقاق(١)، وبالله التَّوفيقُ.
وقوله(٢): ((فأخرِجْه من النار من النار من النار)) التَّكرارُ للتَّأكيدِ أيضاً للمُبالَغةِ، أو للنَّظَرِ إلى
الأُمور الثَّلاثة من الحَبّة والخَردَلة والإيمان، أو جَعل أيضاً للنّار مراتب. قلت: سَقَطَ تَكرير
قوله: ((من النار)) عند مسلم (٣٢٦/١٩٣) ومَن ذَكَرتُ معه في رواية حمّاد بن زيد هذه، والله
تعالى أعلم، وقد تقدَّم شَرح هذا الحديث مُستَوفَّى في كتاب الرِّقاق (٦٥٦٥).
الحديث الثاني:
قوله: ((حدَّثنا محمّد بن خالد)) في رواية الكُشمِيهَنيّ: محمَّد بن ◌َلَدٍ. والأوَّل هو
الصَّواب، ولم يَذْكُر أحد ممَّنْ صَنَّفَ في رجال البخاريّ ولا في رجال الكتب السِّة أحداً
اسمه محمَّد بن تَخَلَدٍ، والمعروف محمَّد بنُ خالد، وقد اختُلِفَ فيه، فقيلَ: هو الذُّهْلُّ، وهو
محمَّد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس، نُسِبَ لجدِّ أبيه، وبذلك جَزَمَ الحاكم والكلاباذيّ
وأبو مسعود، وقيل: محمَّد بن خالد بن جبلةَ الرافِقي (٣)، وبذلك جَزَمَ أبو أحمد ابن عَديِّ
وخَلَف الواسطيُّ في ((الأطراف)).
وقد روى(٤) هنا عن عُبَيد الله بن موسى عن إسرائيل بالواسطة، وروى عن عُبَيد الله
ابن موسى عن إسرائيل بلا واسطة عِدّة أحاديث، منها في المغازي (٤٠٤٣ و ٤١٥٠) والتَّفسير
(٤٥١٢) والفرائض (٦٧٤٤).
ومنصور في السَّنَد: هو ابن المعتَمِر، وإبراهيم: هو النَّخَعيُّ، وعَبيدة بفتح أوَّله: هو ابن عَمرو
(١) بل في كتاب التفسير (٤٧١٢).
(٢) هذه الفقرة بِرُمَّتها وقعت في أول شرح حديث معبد بن هلال هذا، وموضعها اللائق بها هنا كما يظهر من سياق
كلام الحافظ فيها، والظاهر أن الحافظ رحمه الله ألحقها بالهامش في بعض مراجعاته، وأخطأ بعض النسّاخ
بإدراجها هنا، ويؤيده سقوط هذه الفقرة من (ع)، والله أعلم.
(٣) تحرَّف في (س) إلى: الرافعي، بالعين المهملة، بدل القاف، وإنما هو الرافقي نسبة للرافقة، وهي بلدة على
الفرات يقال لها الآن: الرَّقَّة.
(٤) الضمير هنا يعود على البخاري.

٤٧٠
باب ٣٦/ح ٧٥١٤
فتح الباري بشرح البخاري
السَّلْمانيّ، وعبد الله: هو ابن مسعود، ورجال سَنَدِهِ(١) إلى عُبَيد الله بن موسى كوفيّونَ.
قوله: ((إنَّ آخر أهل الجنَّة دخولاً الجنَّةَ)) الحديث، ذكره مُختصَراً جدّاً، وقد مضى بتمامه
مشروحاً في الرِّقاق (٦٥٧١).
وقوله: ((كلّ ذلك يُعيد عليه: الجنَّة)) في رواية الكُشمِيهَنيِّ: ((فكلّ ذلك)).
٤٧٧/١٣
وقوله في آخره: ((عشر مِرار)) في رواية الكُشمِيهَنيّ: ((عشر / مرَّات)).
الحديث الثالث: حديث عَديّ بن حاتم: ((ما مِنكم من أحد إلّا سيكلِّمُه رَبّه))، وقد تقدَّم
شرحه في كتاب الرِّقاق (٦٥٣٩).
وقوله: ((قال الأعمَش: وحدَّثني عَمرو بن مُرّة)) هو موصول بالسَّنَدِ الذي قبله إليه.
الحديث الرابع: حديث عبد الله - وهو ابن مسعود - قال: جاءَ حَبْر من اليهود، فذكر
الحديث، وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى (٧٤١٤) في باب قول الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَ﴾
وتقدَّم كلام الخطّابيّ في إنكاره تارة وفي تأويله أُخرى، وقال أيضاً: الاستدلال بالتَّبَسُّمِ
والضَّحِك في مِثل هذا الأمر العظيم غير سائغ، مع تَكافُؤْ وجهَي الدّلالة المتعارضَينِ فيه،
ولو صَحَّ الخبر لكانَ ظاهر اللَّفظ منه مُتَأوَّلاً على نوع من المجاز، وضَرْب من التَّمثيل ممّاً
جَرَت عادةُ الكلام بين الناس في عُرف تَّخَاطُبهم، فيكون المعنى أنَّ قُدرَته على طَيِّها،
وسُهولة الأمر في جمعها بمَنزِلةِ مَن جَعَ شيئاً في كَفّه، فاستَخَفَّ حَمْله، فلم يَشتَمِلْ عليه
بجميع كَفّه، لكنَّه أقلَّه ببعضٍ أصابعه، وقد يقول الإنسان في الأمر الشّاقّ إذا أُضيفَ إلى
القويّ: إنَّه يَأتي عليه بإصبَعٍ، أو إنَّه يُقِلّه بخِنصَرِه. ثمّ قال: والظّاهر أنَّ هذا من تَخليط
اليهود وتحريفهم، وأنَّ ضَحِكَه عليه الصلاة والسَّلام إنَّما كان على معنى التَّعَجُّب والنَّكير
له، والعلمُ عند الله تعالی.
الحديث الخامس: حديث ابن عمر في النجوى.
قوله: ((يَدْنو أحدكم من رَبّه)) قال ابن التِّين: يعني يقرُب من رحمته، وهو سائغٌ في اللُّغة،
(١) تحرَّف في (س) إلى: سند هذا.

٤٧١
باب ٣٦/ح ٧٥١٤
كتاب التوحيد
يقال: فلان قريب من فلان، ويُراد الرُّتبة، ومِثلُه: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
[الأعراف: ٥٦].
وقوله: «فيَضَعُ(١) كَنَفَه)) بفتح الكاف والنُّون بعدها فاء، المراد بالكَنَفِ: السِّتر، وقد جاءَ
مُفَسَّراً بذلك في رواية عبد الله بن المبارَك عن محمَّد بن سَوَاءٍ(٢) عن قَتَادة فقال في آخر
الحديث: قال عبد الله بن المبارك: كَنَفُه: سِتره، أخرجه المصنّف في كتاب ((خلق أفعال العباد))
(٣٢٩)، والمعنى أنَّه ◌ُحيط به عِنايتُهُ التّامّة، ومَن رواه بالمثنَّةِ المكسورة فقد صَحَّفَ على ما جَزَمَ
به جمع من العلماء.
قوله: ((وقال آدم: حدَّثنا شَيْبانُ)) هو ابن عبد الرَّحمن، إلى آخره(٣)، ذكر هذه الرِّواية
لتصريح فَتَادة فيها بقوله: حدَّثنا صفوان، وهكذا ذكره عن آدم في كتاب ((خلق أفعال
العباد)) (٣٣٣).
تنبيهان:
أحدهما: ليس في أحاديث الباب كلام الرَّبّ مع الأنبياء إلّا في حديث أنس، وسائر
أحاديث الباب في كلام الرَّبّ مع غير الأنبياء، وإذا ثَبَتَ كلامه مع غير الأنبياء، فوقوعه
للأنبياءِ بطريق الأَولى.
الثّاني: تقدَّم في الحديث الأوَّل ما يَتعلَّق بالتَّرجمة، وأمّا الثّاني فَيَخْتَصّ بالُّكنِ الثّاني من
التَّرجمة، وهو قوله: وغيرهم، وأمّا سائرها فهو شاملٌ للأنبياءِ ولغيرِ الأنبياء على وَفْقَ التَّرجمة.
(١) هذا لفظ الرواية المتقدمة برقم (٢٤٤١)، وأما لفظ الرواية هنا فهو: حتى يَضَعَ، كما في اليونينية دون
حكاية خلاف بين رواه البخاري.
(٢) كذا قال الحافظ، وهو سبق قلم منه رحمه الله، لأنَّ الراوي عن قتادة هذا الحديث محمد بن يسار المروزي،
وليس محمد بن سواء العَنْبري، كذلك قيَّده البخاري في ((خلق أفعال العباد))، وكذلك وقع عند النسائي
في ((الكبرى)) (١١٨٠٢) من طريق ابن المبارك مقيَّداً بابن يسارٍ، على أنَّ محمد بن سواء إنما يروي عن
قتادة بواسطة سعيد بن أبي عروبة.
(٣) يعني إلى آخر الإسناد المعلَّق.

٤٧٢
باب ٣٧/ح ٧٥١٥-٧٥١٧
فتح الباري بشرح البخاري
٣٧- باب ما جاء في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]
٧٥١٥ - حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيْثُ، حدَّثني عُقَيلٌ، عن ابنِ شِهابٍ، حدَّثنا مُميدُ
ابنُ عبدِ الرَّحمنِ، عن أَبي هُرَيرَةَ، أَنَّ رسولَ الله ◌َّه قال: «احتَجَّ آدمُ وموسى، فقال موسى:
أنْتَ آدُ الذي أَخْرَجْتَ ذُرِّيَتَكَ منَ الجنَّةِ؟ قال: أنتَ موسى الذي اصْطَفَاكَ الله بِسَالَتِهِ وكلامِه، ثمَّ
تَلُومُني على أَمْرِ قد قُدِّرَ عليَّ قبلَ أَنْ أُخْلَقَ؟ فحَجَّ آدمُ موسی)).
٧٥١٦- حدَّثنا مُسلِمُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا هشامٌ، حدَّثنا قَتَادةُ، عن أنسٍ ﴾، قال: قال
النبيُّ ◌ََّ: ((يُجْمَعُ المؤمِنونَ يومَ القيامةِ، فيقولون: لو اسْتَشْفَعْنا إلى رَبِّنا فيُرِيحَنا مِن مكانِنا هذا،
فَيَأْتُونَ آدَمَ، فيقولون له: أنتَ آدمُ أبو البشرِ، خَلَقَكَ الله بَيَدِه، وأسْجَدَ لك الملائكةَ، وعَلَّمَكَ
أسْماءَ كلِّ شيءٍ، فاشفَعْ لنا إلى رَبِّنا حتَّى يُرِ يحَنا، فيقولُ لهم: لستُ هُناكم، ويذكُرُ لهم خَطِيئَتَه
التي أصابَ)).
٧٥١٧- حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، حدَّثني سليمانُ، عن شَرِيكِ بنِ عبدِ الله، أنَّه قال:
سمعت أنسَ بنَ مالكٍ يقولُ: ليلةَ أَسْرِيَ برسولِ الله ◌َِّ مِن مسجدِ الكَعْبةِ أنَّه جاءَه ثلاثةُ نَفَرِ
قبلَ أنْ يُوحَى إليه، وهو نائمٌ في المسجدِ الحرامِ، فقال أوَّهُم: أيُّهم هو؟ فقال أوْسَطُهُم: هو
خيرُهم، فقال أحَدُهُم: خُذُوا خيرَهم، فكانَتْ تلكَ اللَّيلةَ، فَلَمْ يَرَهُم حتَّى أَتَوْه ليلةً أُخرى،
فيما يَرَى قلبُهُ، وتَنامُ عَيْنُهُ ولا ينامُ قلبُه، وكذلك الأنبياءُ تَنامُ أعيُنُهم ولا تَنامُ قلوبُهم، فلَمْ
يُكلِّموه حتَّى احْتَمَلُوه، فَوَضَعُوه عندَ بِثْرِ زَمْزَمَ، فَتَوَلَّهُ منهم جِبْرِيلُ، فشَقَّ جِبْرِيلُ ما بينَ
نَحْرِه إلى لَبَِّهِ، حتَّى فَرَغَ مِن صَدْرِهِ وجَوْفِهِ، فَسَلَه مِن ماءِ زَمْزَمَ بِيَدِهِ، حتَّى أَنْقَى جَوْفَه، ثمّ
أَتِيَ بطَسْتٍ مِن ذهبٍ، فيه تَوْرٌّ مِن ذهبٍ، محشوّاً إيماناً وحِكْمةً، فحُشِيَ به صَدْرُه ولَغادِیدُه -
يعني: عُروقَ حَلْقِهِ - ثمَّ أطبَقَه، ثمَّ عَرَجَ به إلى السماءِ الدُّنْيا، فضَرَبَ باباً مِن أبوابها، فناداه أهْلُ
السماءِ: مَن هذا؟ فقال: جِبْرِيلُ، قالوا: ومَن مَعَكَ؟ قال: مَعِي محمَّدٌ، قال: وقد بُعِثَ؟ قال:
نَعَم، قالوا: فمَرْحباً به وأهلاً، فاسْتَبْشَرَ به أهلُ السماءِ، لا يَعلَمُ أهلُ السماءِ بما يريدُ الله به في
الأرضِ حتَّى يُعْلِمَهم، فَوَجَدَ في السماءِ الدُّنْيا آدمَ، فقال له حِبْرِيلُ: هذا أبوكَ فسَلِّمْ عليه، فسَلَّمَ عليه

٤٧٣
باب ٣٧/ح ٧٥١٧
كتاب التوحيد
ورَدَّ عليه آدمُ، وقال: مَرْحباً وأهلاً بابني، نِعْمَ الابنُ أنتَ، فإذا هو في السماءِ الدُّنْيا بنَهَرَيْنِ
يَطَّرِدان، فقال: ((ما هذان النَّهَران يا جِبْرِيلُ؟)) قال: هذا النِّلُ والفُراتُ عُنْصُرُهما، ثمَّ مضى به
في السماءِ الدُّنْيا، فإذا هو بنَهَرِ آخَرَ عليه قَصْرٌ مِن لُؤْلُقٍ وزَبَرْجَدٍ، فضَرَبَ يدَه فإذا هو مِسْكٌ
أذْفَرُ، قال: «ما هذا يا جِبْرِيلُ؟» قال: هذا الكَوثرُ الذي خَبَأْ لك رَبُّكَ.
ثمَّ عَرَجَ بِهِ إلى السماءِ الثّانيةِ، فقالت الملائكةُ له مِثلَ ما قالت له الأولى: مَن هذا؟ قال:
جِبْرِيلُ، قالوا: ومَن مَعَكَ؟ قال: محمَّدٌ، قالوا: وقد بُعِثَ إليه؟ قال: نَعَم، قالوا: مَرْحباً به وأهلاً،
ثُمَّ عَرَجَ به إلى السماءِ الثّالثةِ، وقالوا له مِثلَ ما قالت الأُولى والثّانيةُ، ثمَّ عَرَجَ به إلى الرّابعةِ، فقالوا
له مِثْلَ ذلك، ثمَّ عَرَجَ به إلى السماءِ الخامسةِ، فقالوا مِثلَ ذلك، ثمَّ عَرَجَ به إلى السماءِ السّادسةِ،
فقالوا له مِثْلَ ذلك، ثمَّ عَرَجَ به إلى السماءِ السّابعةِ فقالوا له مِثلَ ذلك، كلُّ سَماءٍ فيها أنبياءُ قد
سَمّاهم، فَوَعَيتُ منهم: إدْرِيسَ في الثّانيةِ، وهارونَ في الرَّابعةِ، وآخَرَ في الخامسةِ ولم أحفَظِ اسمَه،
وإبراهيمَ في السّادسةِ، وموسى في السّابعةِ بفَضْل کلامِه له.
فقال موسى: رَبِّ لم أظُنَّ أنْ تَرفَعَ عليَّ أَحَداً.
ثمَّ عَلَا به فوقَ ذلك بما لا يَعلَمُه إلّا الله، حتَّى جاءَ سِدْرةَ المنتَهى، ودَنَا الجبّار رَبُّ العِزّةِ،
فَتَكَلَّ حتَّى كانَ منه قابَ قَوْسَينٍ أو أدْنَى، فأوحَى إليه الله فيما يُوحى خمسينَ صلاةً على أمَّتِكَ كلَّ
يومٍ وليلة، ثمَّ هَبَطَ حتَّى بَلَغَ موسى، فاحتَبَسَه موسى، فقال: يا محمَّدُ، ماذا عَهِدَ إليكَ رَبُّكَ؟
قال: ((عَهِدَ إليَّ خمسينَ صلاةً كلَّ يوم وليلةٍ))، قال: إنَّ أُمَّتَكَ لا تستطيعُ ذلك، فارجِعْ فَلْيُخفِّفْ
عنكَ رَبُّكَ وعنهم، فالتَفَتَ النبيُّ وَلَه إلى جِبْرِيلَ كأنَّه يَسْتَشِيرُه في ذلك، فأشارَ إليه چِبْرِيلُ:
أَيْ نَعَمْ إنْ شئتَ، فعَلَا به إلى الجبّار، فقال وهو مكانَه: ((يا رَبِّ خَفِّفْ عَنّا، فإنَّ أَمَّتي لا
تستطيعُ هذا))، فَوَضَعَ عنه عَشْرَ صَلَواتٍ، ثمَّ رَجَعَ إلى موسى فاحتَبَسَه، فلَمْ یزلْ يُردِّدُه موسی
إلى رَبِّه حتَّى صارَتْ إلى خمسِ صَلَواتٍ، ثمَّ احتَبَسَه موسى عندَ الخمسِ، فقال: يا محمَّدُ، والله
لقد راوَدْتُ بني إسرائيلَ قومي على أدْنَى مِن هذهِ، فضَعُفُوا فتَرَكُوه، فَأُمَّتُكَ أَضْعَفُ أجساداً وقلوباً
وأبداناً وأبصاراً وأسماعاً، فارجِعْ فَلْيُخفِّفْ عنكَ رَبُّكَ، كلَّ ذلك يَلْتَفِتُ النبيُّ ◌َّهِ إلى جِبْرِيلَ

٤٧٤
باب ٣٧/ح ٧٥١٧
فتح الباري بشرح البخاري
لِيُشِيرَ عليه، ولا يَكْرَه ذلك جِبْرِيلُ، فَرَفَعَه عندَ الخامسةِ، فقال: ((يا رَبِّ، إنَّ أمَّتي ضُعَفاءُ
أجسادُهم وقلوبُهم وأسْماعُهم وأبصارُهم وأبدانُهم، فخَفِّفْ عَنّ)، فقال الجبّارُ: يا محمَّدُ، قال:
(َبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ))، قال: إنَّه لا يُبدَّلُ القولُ لَدَيَّ، كما فَرَضْتُهُ عليكَ في أمّ الكتاب، قال: فكلُّ
حسنةٍ بِعَشْرِ أمثالها، فهي خمسونَ في أمِّ الكتاب، وهي خمسٌ عليكَ، فَرَجَعَ إلى موسى فقال: كيفَ
فعلتَ؟ فقال: ((خَفَّفَ عَنّا، أعطانا بكلِّ حسنةٍ عَشْرَ أمثالها))، قال موسى: قد والله راوَدْتُ بني
إسرائيلَ على أدْنَى مِن ذلك فَتَرَكوه، ارجِعْ إلَى رَبِّكَ فَلْيُخفِّفْ عنكَ أيضاً، قال رسولُ الله ◌ِلَةٍ.
((يا موسى، قد والله استَحْيَيتُ مِن رَبّي ممّا أختَلِفُ إليه)»، قال: فاهْبِطْ باسْم الله. قال: واستَيقَظَ
وهو في المسجدِ الحرامِ.
٤٧٩/١٣
قوله: ((بابُ ما جاءَ في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَكَلَّمَ اَللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ﴾» کذا لأبي زيد
المروزيِّ، ومِثله لأبي ذرِّ لكن بحذفِ لفظ: ((قوله عزَّ وجلَّ))، ولغير هما: باب قوله تعالى:
﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ﴾.
قال الأئمّة: هذه الآية أقوى ما وَرَدَ في الردّ على المعتَزِلة، قال النَّحّاس: أجمَعَ النَّحويّونَ
على أنَّ الفِعل إذا أُكِّدَ بالمصدَرِ لم يَكُن مَجازاً، فإذا قال: ((تكليماً)) وَجَبَ أن يكون كلاماً على
الحقيقة التي تُعقَل. وأجابَ بعضهم بأنَّه كلام على الحقيقة، لكنَّ محلّ الخِلاف: هل سَمِعَه
موسى من الله تعالى حقيقةً أو من الشَّجَرة؟ فالتَّأكيد رَفَعَ المجازَ عن كونه غيرَ كلام، أمّا
المتكلِّم به فمَسكوتٌ عنه، ورُدَّ بأنَّه لا بدَّ من مراعاة المحدَّث عنه فهو لرفع المجاز عن
النِّسبة، لأَنَّه قد نُسِبَ الكلام فيها إلى الله فهو المتكلِّم حقيقةً، ويؤكِّده قوله في سورة الأعراف:
﴿إِنِ أَصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِسَلَتِ وَبِكَلَفِى﴾ [الأعراف: ١٤٤].
وأجَمَعَ السَّلَف والخَلَف من أهل السُّنّة وغيرهم على أنَّ ((كَلَّمَ)) هنا من الكلام، ونَقَلَ
((الكشّاف)) عن بِدَع بعض التَّفاسير: أنَّه من الكَلْم بمعنى الجَرْح، وهو مردودٌ بالإجماع
المذكور.
قال ابن التِّين: اختَلَفَ المتكلِّمونَ في سماع كلام الله: فقال الأشعَريّ: كلام الله القائم بذاته

٤٧٥
باب ٣٧/ح ٧٥١٧
كتاب التوحيد
يُسمَع عند تلاوة كلّ تالٍ وقراءة كلّ قارئ، وقال الباقلانيّ: إنَّما تُسمَع التِّلاوة دونَ المتلوّ
والقراءة دونَ المقروء، وتقدَّم في باب ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُواْ كَلَمَ اَللَّهِ﴾(١) شيء من هذا،
وأورَدَ البخاريّ في كتاب ((خلق أفعال العباد)) (٣) أنَّ خالد بن عبد الله القَسْريّ قال: إنّ
مُضَحِّ بالجَعْدِ بن دِرهَم، فإِنَّه يَزعُم أنَّ الله لم يَتَّخِذ إبراهيم خليلاً، ولم يُكلِّم موسى تكليماً،
وتقدَّم في أوَّل التَّوحيد أنَّ سَلْم بن أحْوَزَ قتل جَهْمَ بن صفوانَ، لأَنَّه أنكَرَ أنَّ الله كَلَّمَ موسى
تكلیماً.
ثمّ ذکر فیه ثلاثة أحادیث:
أحدها: حديث أبي هريرة: ((احتَجَّ آدم وموسى))، وقد مضى شرحه في كتاب القَدَر
(٦٦١٤)، والمراد منه قوله: ((أنتَ موسى الذي اصطَفاكَ اللهُ برسالَتِه وكلامِه)) وللكُشمِیھَنيّ:
(وبکلامه)).
ثانيها: حديث أنس في الشَّفاعة، أورَدَ منه طرفاً من أوَّله إلى قوله في ذِكْر آدم: ((ويذكُر
لهم خطيئته التي أصابَ)) وقد مضى شرحه مُستَوفَّى في كتاب الرِّقاق (٦٥٦٥).
قال الإسماعيليّ: أرادَ ذِكْرَ موسى: ((قالوا له: وكَلَّمَك الله))، فلم يذكره. قلت: جَرَی
على عادته في الإشارة، وقد مضى في تفسير البقرة (٤٤٧٦) عن مسلم بن إبراهيم شيخه هنا
وساقَه فيه بطولِه (٢)، وفيه: ((ائتوا موسى، عبداً كَلَّمَه الله وأعطاه التَّوراة)) الحديث، ومضى
أيضاً في كتاب التَّوحيد هذا في باب قول الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَ﴾ [ص: ٧٥] عن / مُعاذ ٤٨٠/١٣
ابن فَضَالة عن هشام بهذا السَّنَد، وساقَ الحديث (٧٤١٠) بطولِه أيضاً، وفيه: ((ائتوا
موسى، عبداً آتاه الله التَّوراة وكَلَّمَه تكليما))، وكذا وَقَعَ في حديث أبي بكر الصِّدّيق في الشَّفاعة
الذي أخرجه أحمد (١٥) وغيره، وصَحَّحَه أبو عَوَانة (٤٤٣) وغيره: ((فيأتونَ إِبراهيم فيقول:
(١) باب رقم (٣٥).
(٢) وقد قرن مع إسناده إسناداً آخر عن خليفة بن خيّاط عن يزيد بن زريع عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، به،
وساق الحديث على لفظ خليفة، كما يظهر من سياق لفظ مسلم بن إبراهيم عند عبد بن حميد (١١٨٦)،
والبيهقي في «الاعتقاد» ص١٩٢، وغيرهما.

٤٧٦
باب ٣٧/ح ٧٥١٧
فتح الباري بشرح البخاري
انطَلِقوا إلى موسى فإنَّ الله كَلَّمَه تكليماً))، وذكر البخاريّ في كتاب ((خلق أفعال العباد)) (٩٨) منه
هذا القَدر تعليقاً.
ثالثها: حديث أنس في المعراج، أورَدَه من رواية شَرِيك بن عبد الله، أي: ابن أبي نَمِرِ،
بفتحِ النُّون وكَسْر الميم، وهو مَدَنيّ تابعيّ يُكنى أبا عبد الله، وهو أكبرَ من شَرِيك بن
عبد الله النَّخَعيِّ القاضي، وقد أورَدَ بعض هذا الحديث في التَّرجمة النبويّة (٣٥٧٠)، وأورَدَ
حديث الإسراء من رواية الزُّهريِّ عن أنس عن أبي ذرٍّ في أوائل كتاب الصلاة (٣٤٩) وأورَدَه
من رواية قَتَادة عن أنس عن مالك بن صَعْصَعة(١) في بَدْء الخلق (٣٢٠٧)، وفي أوائل
البَعْثة (٣٨٨٧) قبل الهِجرة وشَرَحتُه هناك، وأخّرتُ ما يَتَعلَّق بروايةِ شَرِيك هذه هنا لما
اختَصَّت به من المخالفات.
قوله: ((ليلة أُسْريَ برسولِ اللهِ وَّ﴿ من مسجد الكَعْبة، أنَّه جاءَهُ ثلاثة نَفَر قبل أنْ يُوحَى إليْه»
في رواية الكُشمِيهَنيّ: ((إذ جاءُ)) بَدَل ((أَنَّه جاءَه))، والأوَّل أولَى، والنَّفر الثَّلاثة لم أقِفْ على
تسميتهم صريحاً لكنَّهم من الملائكة، وأَخْلِقْ بهم أن يكونوا مَن ذُكِرَ في حديث جابر الماضي
في أوائل الاعتصام (٧٢٨١) بلفظ: جاءَت ملائكة إلى النبيّ وَّ وهو نائم، فقال بعضهم: إنَّه
نائم، وقال بعضهم: إنَّ العينَ نائمةٌ والقلبَ يَقظانُ. وبيَّنت هناك أنَّ منهم چِبريل وميكائيل،
ثُمَّ وَجَدت التَّصريح بتَسمِيَتَّهما في رواية ميمون بن سياه عن أنس عند الطبري(٢)، ولفظه:
((فأتاه جبريل وميكائيل فقالا: أيّهم - وكانت قُرَيش تَنام حَول الكعبة - فقالا: أُمِرنا بسَيِّدِهم،
ثمَّ ذهبا ثمَّ جاءا وهم ثلاثة، فألقوه فقَلَبوه لظَهرِه)).
قوله: ((قبل أن يُوحَى إليه))، أنكَرَها الخطّابيُّ وابن حَزم وعبد الحقّ والقاضي عِیَاض
والنَّوويّ، وعِبارة النَّويّ: وَقَعَ في رواية شَرِيك - يعني: هذه - أوهام أنكَرَها العلماء:
أحدها: قوله: ((قبل أن يوحَى إليه)) وهو غَلَط لم يُوافَق عليه، وأجمَعَ العلماء أنَّ فرض الصلاة
(١) قال الدارقطني في ((العلل)) (٣١٩١) ٣١٥/١٣: يشبه أن يكون أنس سمع من النبي ◌َّ الحديثَ بطوله،
واستثبتُّه من أبي ذر ومالك بن صعصعة، فرواه مرةً عن النبي ◌َِّ، ومرةً عن أحد هذين.
(٢) تحرَّف في (س) إلى: الطبراني، وهو عند الطبري في (تهذيب الآثار)) في مسند ابن عباس ٤٢٠/١.

٤٧٧
باب ٣٧/ح ٧٥١٧
كتاب التوحيد
كان ليلة الإسراء، فكيف يكون قبلَ الوَحِي؟ انتَهَى، وصَرَّحَ المذكورونَ بأنَّ شَرِيكاً تفرَّد بذلك،
وفي دَعوى التَّفُّد نَظَرِ، فقد وافَقَه كثير بن خُنَيَسٍ - بمُعجَمةٍ ونون مُصغَّر - عن أنس كما أخرجه
سعید بن يحيى بن سعيد الأُمَويّ في كتاب ((المغازي)) من طريقه.
قوله: ((وهو نائم في المسجد الحرام)) قد أكَّدَ هذا بقوله في آخر الحديث: فاستَيَقَظَ وهو في
المسجد الحرام، ونحوه ما وَقَعَ في حديث مالك بن صَعصَعة (٣٢٠٧): ((بين النائم واليقظان))،
وقد قَدَّمتُ وجهَ الجمع بين مُخْتَلِفِ الرِّوايات في شرح الحديث.
قوله: ((فقال أوَّهُم: أيُّهم هو؟)) فيه إشعار بأنَّه كان نائماً بين جماعة أقلّهم اثنان، وقد جاءَ أنَّه
كان نائماً معه حينئذٍ حمزة بن عبد الطَّلِب عَمّه، و جعفر بن أبي طالب ابن عمّه.
قوله: ((فقال أحدهم: خُذوا خيرَهم، فكانت تلكَ اللَّيلةَ)) الضَّمير المُستَتِرِ في كانت
لَمحذوفٍ، وكذا خَبَرَ كانَ، والتَّقدير: فكانت القصَّة الواقعة تلكَ اللَّلةَ ما ذُكِرَ هنا.
قوله: ((فَلَمْ يَرَهُم)) أي: بعد ذلك ((حتَّى أَتَوْه ليلة أُخرى)) ولم يُعيِّ المُدّة التي بين
المَجيئينِ، فيُحمَل على أنَّ المَجِيء الثّاني كان بعد أن أُوحِيَ إليه، وحينئذٍ وَقَعَ الإسراء
والمِعِراج، وقد سَبَقَ بيان الاختلاف في ذلك عند شرحه، وإذا كان بين المَجيئينِ مُدّةٌ فلا
فرْقَ في ذلك بين أن تكون تلكَ المُدّة ليلةً واحدةً، أو لَياليَ كثيرةً، أو عِدّةَ سنين، وبهذا
يَرتَفِع الإشكال عن رواية شَرِيك، ويَحصُل به الوفاق أنَّ الإسراء كان في اليَقَظة بعد البَعْثة
وقبل الهِجرة، ويَسقُطْ تَشنيع الخطّابِيّ وابن حَزم وغيرهما بأنَّ شَرِيكاً خالَفَ الإجماع في
دَعواه أنَّ المِعِراج كان قبل البَعْثة، وبالله التَّوفيق.
وأمّا ما ذكره بعض الشُّاح أنَّه كان بين اللَّيَتَينِ اللَّتَينِ أتاه فيهما الملائكةُ سبعٌ، وقيل:
ثمانٍ، وقيل: تسعٌ، وقيل: عشرٌ، وقيل: ثلاثةَ عَشَر، فيُحمَل على إرادة السِّنينَ لا كما فهِمَه
الشّارح المذكور أنَّهَا لَيالٍ، وبذلك جَزَمَ/ ابن القيِّم في هذا الحديث نفسه.
وأقوى ما يُستَدَلّ به أنَّ المِعِراج بعد البَعْثة قولُه في هذا الحديث نفسه: أنَّ جِبريل قال
البوَّابِ السماء إذ قال له: أبُعِثَ؟ قال: نَعَم. فإنَّه ظاهرٌ في أنَّ المِعِراج كان بعد البَعْثة، فيَتَعِيَّن
٤٨١/١٣

٤٧٨
باب ٣٧/ح ٧٥١٧
فتح الباري بشرح البخاري
ما ذَكَرتُه من التَّأويل، وأمّا قوله: فاستَيقَظَ وهو عند المَسجِد الحرام، فإن حُِلَ على ظاهره
جازَ أن يكون نامَ بعد أن هَبَطَ من السماء، فاستَيقَظَ وهو عند المَسجِد الحرام، وجازَ أن
يُؤَوَّل قوله: استَيَقَظَ، أي: أفاقَ ممَّا كان فيه، فإنَّه كان إذا أُوحِيَ إليه يَستَغرِق، فإذا انتهى
رَجَعَ إلى حالته الأُولى، فكَنَى عنه بالاستيقاظ.
قوله: ((فيما يَرَى قَلبُهُ، وتَنام عَينُهُ ولا ينام قَلبُه، وكذلك الأنبياء)» تقدَّم الكلام عليه في
التَّرجمة النبويّة.
قوله: ((فلَمْ يُكلِّموه حتَّى احتَمَلُوه)» تقدَّم وجهُ الجمع بين هذا وبين قوله في حديث
أبي ذَرٍّ: ((فُرِجَ سَقفُ بَيتي))، وقوله في حديث مالك بن صَعصَعة: بأنَّه كان في الخَطِیم،
عند شرحه، بناءً على اتّحاد قصَّة الإسراء، أمّا إن قلنا: إنَّ الإسراء كان متعدِّداً، فلا
إشكالَ أصلاً.
قوله: ((فشَقَّ جِبْريل ما بين نَحْره إلى لَبَّته)) بِفَتحِ اللّام وتشديد الموخَّدة، وهي موضع
القِلادة من الصَّدر، ومن هناك تُنحَر الإبلُ، وقد تقدَّم عند شرحه الردُّ على مَن أنكَرَ شَقَّ
الصَّدر عند الإسراء، وزَعَمَ أنَّ ذلك إنَّما وَقَعَ وهو صغير، وبيَّنْتُ أَنَّه ثَبَتَ كذلك في غير
رواية شَرِيك في «الصحيحين)) من حديث أبي ذَرٍّ، وأنَّ شَقَّ الصَّدر وَقَعَ أيضاً عند البَعْثة كما
أخرجه أبو داود الطَّالِسُّ في «مُسنَده)) (١٦٤٣) وأبو نُعَيم والبيهقيُّ في ((دلائل النُّة))(١)،
وذكر أبو بِشر الدُّولابيّ(٢) بسندِه: أنَّه وَّهِ رَأَى في المنام أنَّ بطنَه أُخرِجَ ثمَّ أُعيدَ، فذكر ذلك
لخديجة، الحديث. وتقدَّم بيان الحِكمة في تَعدُّد ذلك.
ووَقَعَ شَقُّ الصَّدر الكريم أيضاً في حديث أبي هريرة(٣) حين كان ابنَ عشر سنين، وهو
عند عبد الله بن أحمد في زيادات ((المسنَد)) (٢١٢٦١)، وتقدَّم الإلمام بشيءٍ من ذلك في التَّرجمة
(١) هو عند أبي نعيم في ((الدلائل)) برقم (١٦٣)، ولم نقف عليه عند البيهقي في مطبوع ((الدلائل))، وإسناده
ضعيف.
(٢) في ((الذرية الطاهرة)) (٢١).
(٣) بل هو من حديث أبيّ بن كعب عن قصة سؤال أبي هريرة النبيَّ وَّ عن ذلك، وإسناده ضعيف.

٤٧٩
باب ٣٧/ح ٧٥١٧
كتاب التوحيد
النبويّة، ووَقَعَ في ((الشِّفاء)) أنَّ جِبريل قال لمَّا غَسَلَ قَلبَه: قلبٌ شديد(١)، فيه عَينان تُبصِران
وأُذُنان تَسمَعان.
قوله: ((ثُمَّ أَتَيَ بطَسْتٍ محشوّاً)) كذا وَقَعَ بالنَّصبِ، وأُعرِبَ بأنَّه حالٌ من الضَّمير الجارّ
والمجرور، والتَّقدير بطَستٍ كائنٍ من ذهب، فتُقِلَ الضَّمير من اسم الفاعل إلى الجارّ
والمجرور، وتقدَّم في كتاب الصلاة بلفظ: ((محشوٍ))(٢) بالجرِّ على الصِّفة، ولا إشكال فيه.
وأمّا قوله: ((إيماناً)) فمنصوب على التَّمييز(٣).
وقوله: (و حِکمة)» معطوف عليه.
قوله: ((بطَسْتٍ من ذهب، فيه تَوْرٌ من ذَهَب)) التَّوْر بمُئنّاةٍ تقدَّم بيانه في ((كتاب الوضوء))
(١٨٥)، وهذا يقتضي أنَّه غير الطَّسْت، وأنَّه كان داخلَ الطَّسْت، فقد تقدَّم في أوائل الصلاة
في شرح حديث أبي ذرِّ في الإسراء (٤): أنهم غَسَلوه بماءِ زَمزَم، فإن كانت هذه الزّيادة محفوظةً
احتملَ أن يكون أحدهما فيه ماءُ زَمَزَم، والآخر هو المحشوّ بالإيمان، واحتملَ أن يكون
التَّوْر ظرفَ الماء وغيره، والطَّست لما يُصَبّ فيه عند الغَسْل صيانة له عن التَّبَدُّد في الأرض،
وجَزْياً له على العادة في الطَّست وما يُوضَع فيه الماء.
(١) الذي في النسخ المطبوعة من ((الشفا)) وكذلك في ((شرحه)) لملّ علي القاري: قلبٌ وكيعٌ، أي: شديد، وهو
الصحيح، فقد أخرج هذه الرواية الدارمي في («سننه» (٥٣) بإسناده إلى عبد الرحمن بن غَنْم الأشعريّ.
وقال الدارمي بإثره: وكيع يعني شديداً.
(٢) هذا سبق قلم من الحافظ رحمه الله، أو من بعض النُّسَّاخ، لأنَّ اللفظ الذي تقدم في الصلاة (٣٤٩):
ممتلئ، وهو بالجر كما قال الحافظ، وتقدم في الحج أيضاً (١٦٣٦) وفي أحاديث الأنبياء (٣٣٤٢)، بلفظ:
ممتلئ.
(٣) كذا قال الحافظ رحمه الله، وتعقّبه العينيُّ رحمه الله بقوله: إنما هو مفعول قوله: ((محشوا))، لأنَّ اسم المفعول
يعمل عمل فعله. قلنا: بناه على أنَّ الفعل ((حشا)) ينصب مفعولين، الأول منهما صار نائب فاعل وهو
مستتر تقديره (هو) يعود على الطَّست أو الثَّور، والثاني هو قوله: ((إيماناً))، وهو توجيه صحيح.
(٤) الذي في حديث أبي ذرِّ كالذي في حديث أنس هنا أنَّ الإتيان بالطست والتور جاء متراخياً عن الغسل
بماء زمزم، بلفظ ((ثم)) الذي يفيد التراخي، لكن وقع في حديث مالك بن صعصعة المتقدم برقم
(٣٢٠٧) ما يفيد ما ذكره الحافظ، والله أعلم.

٤٨٠
باب ٣٧/ح ٧٥١٧
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فحُشتِيَ به صَدْرُه)) في رواية الكُشمِيهَنيّ: ((فحَشا)) بفتح الحاء والشّين، ((وصَدره))
بالنَّصبِ، ولغيرِه بضمِّ الحاء وكسر الشّين، و((صَدرُه)) بالرَّفع.
قوله: ((ولَغاديدُ)) بغَينِ مُعجَمة، فَسَّرَه في هذه الرِّواية بأنَّها عُروق حَلْقه، وقال أهل
اللُّغة: هي اللَّحمات التي بين الحَنَك وصَفحة العُنُقُ، واحدها لُغْدود أو لِغْديد، ويقال له
أيضاً: لُغْد، وجمعه ألغاد.
قوله: (ثُمَّ أطبَقَه، ثمَّ عَرَجَ به إلى السماء الدُّنْيا)) إن كانت القصّة متعدِّدةً فلا إشكالَ، وإن
كانت مُتَّحِدةً ففي هذا السّياق حذفٌ، تقديره: ثمَّ أركَبَه البُراقَ إلى بيت المقدس، ثمَّ أتَى
بالمِعِراجِ كما في حديث مالك بن صَعصَعة: ((فغُسِلَ به قلبي، ثمَّ حُشيَ، ثمَّ أُعيد، ثمَّ أتيت
بدايّةٍ فحُمِلتُ عليه، فانطَلَقَ بي جِبريلُ حتَّى أَتَى السماء الدُّنيا))، وفي سياقه أيضاً حذفٌ تقديره:
حتَّى أَتَى بي بيتَ المقدِس ثمَّ أَتَى بالمِعِراجِ، كما في رواية ثابت عن أنس(١) رَفَعَه: «أُتيت بالبُراق
٤٨٢/١٣ فَرَكِيته، حتَّى أُتيَ بِي بيت المقدس فَرَبَطتُه، ثمَّ دَخَلت المسجد، فصَلَّيت فيه رَكعَتَينِ، ثمَّ/
◌ُرِجَ بي إلى السماء)).
قوله: ((فاسْتَشَرَ به أهل السماء)» كأنَّهم كانوا أُعلموا أنَّه سَيُعَرَجُ به، فكانوا مُتَرَقِّبينَ لذلك.
قوله: ((لا یعلم أهل السماء بما یرید - في رواية الگُشمِیھنيّ: «ما یرید - الله به في الأرض
حتَّى يُعلمهم)) أي: على لسان مَن شاءَ کجبريل.
قوله: ((فإذا هو في السماء الُّنْيا بنَھرینِ يَطَّرِدان» أي: یجریان، وظاهر هذا يُالف حديث
مالك بن صَعْصَعة، فإنَّ فيه بعد ذِكر ◌ِدرة المُنتَهَى: ((فإذا في أصلها أربعة أنهار)) ويُجمَع
بأنَّ أصل نَبْعهما من تحت سِدرة المُنتَهَى، ومَقَرّهما في السماء الدُّنيا، ومنها يَنزِلان إلى
الأرض، ووَقَعَ هنا: ((النِّيل والفُرات عُنصُرها)) والعُنصُر بضمِّ العين والصّاد المُهمَلَتَينِ
بینھما نون ساكنة: هو الأصل.
قوله: ((ثمَّ مضى به في السماء الدُّنْيا، فإذا هو بنَهرِ آخَر عليه قَصْر من لُؤْلُؤُ وزَبَرَ جَد، فضَرَبَ
(١) عند مسلم (١٦٢).