النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
باب ٣٣/ح ٧٤٨٧
كتاب التوحيد
وحاصله أنَّها تأتي بالمعاني الثَّلاثة، وأنَّها هنا صالحة لكلٍّ منها، وأصله اللِّقاء: وهو استقبال
الشَّيء ومُصادَفَته.
الحديث الأول:
قوله: ((حدّثنا إسحاق)) هو ابن منصور، وتَرَدَّدَ أبو عليّ الجَيَّانيّ بینه وبین إسحاق بن راهويه،
وإنَّما جَزَمتُ به لقوله: حدَّثنا عبد الصَّمَد، فإنَّ إسحاق لا يقول إلّا أخبرنا، وقد تقدَّم في
الحديث الثّاني (٧٢٩٠) من باب ما يُكرَه من كَثْرة السُّؤال في كتاب الاعتصام نحو هذا،
وعبد الصَّمَد: هو ابن عبد الوارث، وقد/ تقدَّم بهذا السَّنَد في كتاب الطَّهارة حديثٌ آخَرُ ٤٦٢/١٣
(١٧٣)، وقد جَزَمَ أبو نُعَيم في (المستخرَج)) بأنَّ إسحاق المذكور فيه: هو ابن منصور، وتَكلَّمتُ
على سنده هناك، وهو في باب ((الماء الذي يُغسَل به شَعر الإنسان)).
قوله: ((إنَّ الله قد أحَبَّ فلاناً)) كذا هنا بصيغةِ الفعل الماضي، وفي رواية نافع عن أبي
هريرة الماضية في الأدب (٦٠٤٠): ((إنَّ الله يُحِبّ فلاناً)) بصيغةِ المضارَعة، وفي الأوَّل إشارة
إلى سَبْق المحبّة على النِّداء، وفي الثّاني إشارة إلى استمرار ذلك، وقد تقدَّمَت مباحثُه في
((كتاب الأدب».
قال الشَّيخ أبو محمَّد بن أبي جَمْرة: في تَعبيره عن كَثْرة الإحسان بالحُبِّ تَأنيس العباد
وإدخال المسَرّة عليهم، لأنَّ العبد إذا سَمِعَ عن مَولاه أنَّه يُحِبّه حَصَلَ على أعلَى السُّرور
عنده، وتَحقَّقَ بكلِّ خير، ثمَّ قال: وهذا إِنَّا يَتَأَتَّى لمن في طَبعه فُتوّة ومُروءة وحُسن إنابة، كما
قال تعالى: ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّ مَن يُنِبُ﴾ [غافر: ١٣]، وأمّا مَن في نفسه رُعونة وله شَهوة
غالبة، فلا يَرُدُّه إلّا الزَّجر بالتَّعنيفِ والضَّرب.
قال: وفي تقديم الأمر بذلك لجِبريل قبل غيره من الملائكة إظهار لرَفيع مَنزِلَته عند الله
تعالی علی غیره منهم.
قال: ويُؤخَذ من هذا الحديث الحثّ على توفية أعمال البِرّ على اختلاف أنواعها، فرضها
وسُنَّتها.

٤٤٢
باب ٣٤
فتح الباري بشرح البخاري
ويُؤخَذ منه أيضاً كَثْرة التَّحذير عن المعاصي والبِدَع، لأنَّهَا مَظِنّة السُّخْط، وبالله التَّوفيق.
الحديث الثاني: حديث أبي هريرة: ((يَتَعاقَبونَ فيكم ملائكة باللّيلِ)) الحديث، وقد تقدَّم
شَرحه في أوائل ((كتاب الصلاة)) (٥٥٥)، والمراد منه قوله فيه: ((فَيَسألهم وهو أعلم بهم)) أي:
من الملائكة، وليس في رواية مالك المذكورة هنا التَّصريح بتسميةِ الذي يَسأل، ووَقَعَ التَّصريح
به في بعض طرقه في الصلاة بلفظ: ((فيَسألهم رَبّهم)) وهي من رواية مالك أيضاً(١)، والمشهور
عند ◌ُمهور رواة مالك حذفها، ووَقَعَ عند ابن خُزَيمةَ (٣٢١ و ٣٢٢) من طريق أبي صالح عن
أبي هريرة: ((فيَسألهم رَبُّهم))، وقد ذَكَرت لفظَه هناك(٢)، وتقدَّم القول في العُروج في باب
﴿تَعْرُجُ الْمَلَبِعَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ ﴾ قريباً(٣).
الحديث الثالث: حديث أبي ذرٍّ.
قوله: ((عن واصِلٍ)) هو المعروف بالأحدَبِ، والمعرور بمُهمَلاتٍ.
قوله: ((أتاني جِبْريل فبَشَّرَني)) هو طَرَفٌ من حديثٍ تقدَّم بتمامه مشروحاً في كتاب الرِّقاق
(٦٤٤٣).
قوله: ((وإنْ سَرَقَ وإنْ زَنَى؟)) في رواية الكُشمِيهَنيّ: ((وإِن سَرَقَ وزَنَى)) في الموضعين،
وفي مُناسَبته للتَّرجمةِ غُموضٌ، وكأنَّه من جهة أنَّ جِبريل إنَّمَا يُبِشِّرِ النبيّ ◌َه بأمرٍ يَتَلَقّاه عن
رَبّه عزَّ وجلَّ، فكأنَّ الله سبحانه قال له: بَشِّر محمَّداً بأنَّ مَن ماتَ من أمَّته لا يُشِرِك بالله شيئاً
دَخَلَ الجنَّة، فَشَّرَه بذلك.
٣٤- باب قول الله تعالى: ﴿أَنزَلَهُ, بِعِلْمِهِ، وَالْمَلَئِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ [النساء: ١٦٦]
قال مجاهدٌ: ﴿يَغَزَّلُ اَلْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]: بينَ السماءِ السّابعةِ والأرضِ السّابعة.
(١) كذلك أخرجه مسلم (٦٣٢) عن يحيى بن يحيى النَّيسابُوري عن مالك، وابن قدامة في ((إثبات صفة العُلوّ)) (٣٧)
من طريق عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك.
(٢) ووقع التصريحُ بسؤال الله للملائكة أيضاً في حديث آخر عن أبي هريرة، تقدم برقم (٦٤٠٨)، وقد فات الحافظ
رحمه الله التنبيهُ علیه، إذ هو مناسبٌ في هذا الباب.
(٣) باب رقم (٢٣).

٤٤٣
باب ٣٤/ح ٧٤٨٨ - ٧٤٩٠
كتاب التوحيد
٧٤٨٨- حدَّثْنا مُسلَّدٌ، حدَّثنا أبو الأحوَصِ، حدَّثنا أبو إسحاقَ الهَمْدانيُّ، عن البراءِ بنِ
عازِبٍ، قال: قال رسولُ الله ◌َّ: ((يا فلانُ، إذا أوَيْتَ إلى فِراشِكَ فَقُلِ: اللهُمَّ أسلَمتُ نفسي إليكَ،
ووَجَّهتُ وجهي إليكَ، وفَوَّضتُ أمري إليكَ، وألْجَأْتُ ظَهْري إليكَ، رَغْبَةً وَرَهْبةً إليكَ، لا مَلْجَأ
ولا مَنْجا منكَ إلا إليكَ، آمَنتُ بكتابكَ الذي أنزَلْتَ، وبنبيِّكَ الذي أرسَلْتَ، فإِنَّكَ إنْ مُتَّ مِنْ
لَيْلَئِكَ مُتَّ على الفِطْرةِ، وإنْ أصبَحْتَ أصَبْتَ خيراً)).
٧٤٨٩ - حدَّثْنَا قُتَيَبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن عبدِ الله بنِ
أبي أوْفَى، قال: قال رسولُ الله ◌َ يَومَ الأحزاب: («اللهُمَّ مُنْزِلَ الكتاب، سَرِيعَ الحِساب، اهْزِمِ
الأحزابَ وزَلْزِلْهُم)).
زادَ الحُميديُّ: حذَّثنا سفيانُ، حدَّثنا ابنُ أبي خالدٍ، سمعتُ عبد الله، سمعتُ النبيَّ وَل.
٧٤٩٠- حدَّثْنا مُسدَّدٌ، عن هُشَيْمِ، عن أبي بِشْر، عن سعيدِ بنِ حُبَيرٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله
عنهما: ﴿وَلَا تَّجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] قال: أَنْزِلَتْ ورسولُ اللهِوَالْ مُتَوَارِ
بِمَكّةَ، فكان إذا رَفَعَ صوتَه سَمِعَ المُشْرِكونَ، فسَبّوا القرآنَ ومَن أنزَلَه ومَن جاءَ به.
فقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ﴾ حتَّى يَسْمَعَ المُشْرِكونَ ﴿وَلَا تُخَفِتْ بِهَا﴾ عن
أصحابكَ فلا تُسْمِعُهُم ﴿ وَأَبْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ﴾ أسمِعْهم ولا تَجْهَرْ حَتَّى يَأْخُذُوا عنكَ القرآنَ.
قوله: ((باب قوله: ﴿أَنَزَلَهُ بِعِلْمِهِ، وَالْمَلَئِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾)) كذا للجميع، ونَقَلَ في ٤٦٣/١٣
((تفسير الطَّبَريّ)): ((أَنزَلَه إليك بعِلم منه أنَّك خِيرَتُه من خلقه))، قال ابن بَطّل: المراد
بالإنزالِ إفهام العباد معانيَ الفُروض التي في القرآن، وليس إنزاله له كَإِنزالِ الأجسام المخلوقة،
لأنَّ القرآن ليس بجسمٍ ولا مخلوق. انتهى، والكلام الثّاني مُتَّفَق عليه بين أهل السُّنّة سَلَفاً
وخَلَفاً، وأمّا الأوَّل فهو على طريقة أهل التَّأويل، والمنقول عن السَّلَف اتِّفاقهم على أنَّ القرآن
كلام الله غير مخلوق، تَلَقّاه جِبريل عن الله، وبَلَّغَه جِبريل إلى محمَّد عليه الصلاة والسَّلام،
وبَلَّغَهِ وَّهِ إلى أمَّتِهِ.
قوله: ((قال مجاهد: ﴿يَنَغَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]: بين السماء السّابعة والأرْض السّابِعة)»

٤٤٤
باب ٣٤/ح ٧٤٩٠
فتح الباري بشرح البخاري
في رواية أبي ذرِّ عن السَّرَخسيّ: مِن، بَدَل: بين(١). وقد وَصَلَه الفريابيّ والطَّبَريّ (١٥٤/٢٨) من
طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد بلفظ: من السماء السّابعة إلى الأرض السّابعة، وأخرج
الطَّبَرِيُّ من وجه آخَر عن مجاهد قال: الكعبة بين أربعة عشر بيتاً من السَّماوات السَّبع
والأرَضينَ السَّبع، وعن قَتَادة نحو ذلك.
ثمَّ ذکر فیه ثلاثة أحادیث:
الحديث الأول: حديث البراء في القول عند النَّومِ، وقد تقدَّم شَرحه مُستَوَى في كتاب
الأدعية (٦٣١٥)، والمراد منه قوله فيه: ((آمَنت بكتابِك الذي أنزلت)).
الحديث الثاني: حديث عبد الله بن أبي أوفَى، وقد تقدَّم شَرحه في كتاب الجهاد (٢٩٣٣)،
والغرض منه هنا: «اللهُمَّ مُنزِل الكتاب)).
وقوله في آخره: ((وزَلْزِلهم)) في رواية السَّرَخسيّ: ((وزَلِزِل بهم)).
قوله: ((زادَ الحُميديّ: حدّثنا سُفْيان)) إلى آخر السَّنَد، مُراده بالزّيادةِ التَّصريح الواقع في
رواية الحُميديّ لسفيان وإسماعيل وعبد الله، بخِلَاف رواية قُتَيبة فإنَّها بالعَنعَنةِ في الثَّلاثة،
وقد أخرجه الحميديّ في «مُسنَده)) (٧١٩) هكذا، وأبو نُعَيم في ((المستخرَج)) من طريقه،
وقال: أخرجه البخاريّ عن قُتَيبة والحُميديّ، وظاهره أنَّ البخاريّ جَمَعَ بينهما في سياقه،
وليس كذلك.
الحديث الثالث: حديث ابن عبَّاس في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَّجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا ﴾
[الإسراء: ١١٠]، أَنْزِلَت ورسول الله وَلَّ مُتَوارٍ بِمَكّة، الحديث، وقد تقدَّم شَرحه في آخر
تفسير سورة سبحان (٤٧٢٢)، والمراد منه هنا قوله: أَنْزِلَت. والآيات المُصرِّحة بلفظٍ
الإنزال والتّنزيل في القرآن كثيرة.
قال الرَّاغِب: الفَرْق بين الإنزال والتَّزيل في وصف القرآن والملائكة: أنَّ التَّنزيل يَخْتَصّ
(١) هذا عكس ما جاء في اليونينية ووضحه القسطَلّاني أن رواية ((من)) للمستمْلي والكُشْمِيهني، والأخرى
للسرخسي.

٤٤٥
باب ٣٥/ح ٧٤٩١ -٧٤٩٢
كتاب التوحيد
بالموضع الذي يشير إلى إنزاله مُتَفرِّقاً ومرَّة بعد أُخرى، والإنزال أعمّ من ذلك، ومنه قوله
تعالى: ﴿إِنَّا أَنَزَلْنَهُ فِىِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]، قال الرَّاغِب: عَبَّرَ بالإنزالِ دونَ التَّنزيل، لأنَّ
القرآن نَزَلَ دفعةً واحدةً إلى سَماء الدُّنيا، ثمَّ نَزَلَ بعد ذلك شيئاً فشيئاً، ومنه قوله تعالى:
﴿حَمّ ) وَالْكِتَبِ الْمُبِينِ / ٥) إِنَّآ أَنزَلْنَهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَرَكَةٍ﴾ [الدخان: ١ - ٣]، ومن ٤٦٤/١٣
الثّاني قوله تعالى: ﴿وَقُرْءَانًا فَرَقْنَهُ لِنَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَزَّلْنَهُ نَزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦]،
ويُؤيِّد التَّفصيل قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا ◌ُلَّذِينَ ءَامَنُوْ ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالْكِنَبِ الَّذِى نَزَّلَ عَلَى
رَسُولِهِ، وَالْكِتَبِ الَّذِىّ أَنْزَلَ مِن قَبْلُ﴾ [النساء: ١٣٦]، فإنَّ المراد بالكتابِ الأوَّل القرآن،
وبالثّاني ما عَداه، والقرآن نُزِّلَ نُجوماً إلى الأرض بحَسَب الوقائع، بخِلَاف غيره من
الكتب.
ويَرِدُ على التَّفصيل المذكور قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلَا نُزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ جُمْلَةً
وَحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢]، وأُجِيبَ بأنَّه أطلَقَ ﴿نُزِّلَ﴾ موضعٍ: أَنزَلَ، قال: ولولا هذا التَّأويل
لكانَ مُتَدافعاً لقولِه: ﴿جُمْلَةٌ وَحِدَةً﴾، وهذا بناه هذا القائل على أنَّ(نُزِّلَ)) بالتَّشديد يقتضي
التَّفريق، فاحتاجَ إلى ادِّعاء ما ذَكَر، وإلّا فقد قال غيره: إنَّ التضعيفَ لا يَستَلِزِم حقيقةً
التَّكثيرَ، بل يَرِدُ للَّعظيم، وهو في حُكم التَّكثير معنًى، فبهذا يُدفَع الإشكال.
٣٥ - باب قول الله تعالى:
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَُدِّلُواْكَلَمَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥]، ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَضْلٌ﴾ [الطارق: ١٣]: حَقّ
﴿وَمَاهُوَ بِالْحَزَّلِ﴾ [الطارق: ١٤]: باللَّعِبِ
٧٤٩١ - حدَّثنا الْحُميديُّ، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا الزُّهْريُّ، عن سعيدِ بنِ المسيّبِ، عن أبي
هُرَيرةَ، قال: قال النبيُّ وََّ: ((قال الله تعالى: يُؤْذِيني ابنُ آدَمَ، يَسُبُّ الدَّهْرَ وأنا الذَّهْرُ، بَيَدي
الأمرُ، أُقْلِّبُ اللَّيلَ والنَّهَارَ)).
٧٤٩٢- حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا الأعمَشُ، عن أبي صالح، عن أبي هُرَيرةَ، عن النبيِّ وَّ،
قال: ((يقولُ الله تعالى: الصومُ لي، وأنا أجْزي به، يَدَعُ شَهْوَتَه وأكله وشُرْبَه مِن أْلي، والصومُ

٤٤٦
باب ٣٥/ح ٧٤٩٣ -٧٤٩٩
فتح الباري بشرح البخاري
جُنّةٌ، وللصّائم فرْحَتان: فَرْحةٌ حينَ يُفطِرُ، وفَرْحةٌ حينَ يَلْقَى رَبَّه، ولَخُلوف فمِ الصّائِمِ أطيَبُ
عندَ الله مِن رِبِحِ المِسْكِ)).
٧٤٩٣- حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، أخبرنا مَعمَرٌ، عن هَّامِ، عن أبي
هُرَيرةَ، عن النبيِّ ◌َّةِ، قال: ((بينما أيوبُ يَغتَسِلُ عُرْياناً خَرَّ عليه رِجْلُ جَرادٍ مِن ذهبٍ، فَجَعَلَ
يَخْئِي فِي ثَوْبِهِ، فنادَى رَبُّه: يا أيوبُ، أَمْ أَكُنْ أغْنَيْتُكَ عَّا تَرَى؟ قال: بلى يا رَبِّ، ولكنْ لا غِنَى
بي عن بَرَ كَتِكَ)).
٧٤٩٤- حدَّثنا إسماعيلُ، حدَّثني مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن أبي عبدِ الله الأغَرِّ، عن أبي.
هُرَيرةَ، أنَّ رسولَ الله وَ قال: ((يتنزَّلُ رَبُّنا تبارك وتعالى كلَّ ليلةٍ إلى السماءِ الذُّنْيا، حِينَ يَبْقَى
ثُلُثُ اللَّيلِ الآخِرُ، فيقولُ: مَن يَدْعوني فأستَجِيبَ له؟ مَن يَسْألُنِي فَأُعْطِبَه؟ مَن يَسْتَغْفِرُني
فأغْفِرَ لَه؟».
٧٤٩٥- حذَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، حدَّثنا أبو الزِّنادِ، أنَّ الأعرَجَ حَدَّثَه، أنَّه سَمِعَ
أبا هُرَيرةَ، أَنَّه سَمِعَ رسولَ الله ◌َّهِ يقولُ: «نحنُ الآخِرِونَ السّابِقونَ يومَ القيامةِ».
٧٤٩٦ - وبهذا الإسنادِ: ((قال الله: أَنِفِقْ أُنفِقْ عليكَ)).
٧٤٩٧- حدَّثْنَا زُهَيرُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا ابنُ فُضَيلٍ، عن عُمارةَ، عن أبي زُرْعةَ، عن أبي هُرَيرةَ،
فقال: «هذه خَدِيجَةُ أَتَنْكَ بإناءٍ فيه طعامٌ - أو إناءٌ، أو شرابٌ - فأقْرِتْها مِن رَبِّها السَّلامَ، وبَشِّرْها
بَيْتٍ مِن قَصَبٍ، لا صَخَبَ فيه ولا نَصَبَ)».
٧٤٩٨- حدَّثنا مُعاذُ بنُ أسَدٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا مَعمَرٌ، عن همَّامِ بنِ مُنيِّهِ، عن أبي
هُرَيرَةَ ◌َُه، عن النبيِّ وَّةِ، قال: ((قال الله: أعدَدْتُ لعبادي الصالحِينَ ما لا عَيْنُّ رَأْت، ولا أُذُنُ
سَمِعَت، ولا خَطَرَ على قَلْبٍ بَشَرٍ )).
٧٤٩٩- حدّثنا محمودٌ، حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، أخبرنا ابنُ جُرَيج، أخبرني سليمانُ الأحوَلُ،
أنَّ طاووساً أخبَرَه، أنَّه سَمِعَ ابنَ عبَّاسٍ يقولُ: كانَ النبيُّ نَّهِ إذا تَهَجَّدَ منَ اللَّيلِ قال: («اللهُمَّ
لكَ الحمدُ، أنتَ نورُ السَّماوات والأرضِ، ولَكَ الحمدُ أنتَ قَيِّم السَّماوات والأرضِ، ولَكَ الحمدُ

٤٤٧
باب ٣٥/ح ٧٥٠٠-٧٥٠٣
كتاب التوحيد
أنتَ رَبُّ السَّماوات والأرضِ ومَن فيهنَّ، أنتَ الحقُّ، ووَعْدُكَ الحقُّ، وقولُكَ الحقُّ، ولقاؤُكَ
حَقٍّ، والجنَّةُ حَقٌّ، والنارُ حَقٌّ، والنبيّونَ حَقٌّ، والسّاعةُ حَقٍّ، اللهُمَّ لكَ أسلَمتُ، وبِكَ آمَنتُ،
وعليكَ تَوَكَّلْتُ، وإليكَ أنْبْتُ، وبكَ خاصَمْتُ، وإليكَ حاكَمْتُ، فاغفِرْ لي ما قَدَّمْتُ وما
أَخَّرْتُ، وما أسرَرْتُ وما أعلَنْتُ، أنتَ إلهي لا إلهَ إلا أنتَ)).
٧٥٠٠ - حدَّثْنَا حَجّاجُ بنُ مِنْهالٍ، حَدَّثنا عبدُ الله بنُ عِمرَ النُّمَيِيُّ، حذَّثنا يونسُ بنُ یزیدَ
الأبِليُّ، قال: سمعتُ الزُّهْريَّ قال: سمعتُ عُرْوةَ بنَ الزُّبَير وسعيدَ بنَ المسيّبٍ وعَلْقمةَ بنَ
وَقّاصٍ وعُبيد الله بنَ عبدِ الله، عن حديثٍ عائشةَ زَوْجِ النبيِّ وَِّ حِينَ قال لها أهلُ الإِفْكِ ما
قالوا، فبَرَّأها الله ممّاً قالوا، وكلّ حدَّثني طائفةً منَ الحديثِ الذي حدَّثْني، عن عائشةَ قالت:
وَلكنْ والله ما كنتُ أظنُّ أنَّ الله عَزَّ وجلَّ كانَ يُنْزِلُ في براءَتي وَحْياً يُثْلَى، ولَشَأْني في نفسي كانَ
أحقَرَ مِن أنْ يتكلَّمَ الله فيَّ بأمرٍ يُثْلَى، ولكنّي كنتُ أرجو أنْ يَرَى رسولُ اللهِ وَّهِ فِي النَّوْمِ رُؤْيا
يُبَرُِّني اللهُ بها، فَأَنزَلَ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُو بِآلْإِفْكِ﴾ [النور: ١١] العَشْرَ الآيات.
٧٥٠١ - حذَّثنا قُتَبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا المغيرةُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن
أبي هُرَيرةَ، أنَّ رسولَ الله وَّه قال: ((يقولُ الله: إذا أرادَ عبدي أنْ يَعمَلَ سَيِّةً فلا تَكتُبوها علیه، حتَّى
يَعمَلَها، فَإذا عَمِلَها فاكتُبوها بِمِثْلِها، وإنْ تَرَكَها مِن أجْلي فاكتبوها له حسنةً، وإذا أرادَ أنْ يَعمَلَ
حسنةً فَلَمْ يَعمَلْها فاكتُبوها له حسنةً، فإنْ عَمِلَها فاكتبوها له بعَشْرِ أمثالها، إلى سبعٍ مئّةٍ)).
٧٥٠٢- حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الله، حدَّثني سليمانُ، عن معاويةَ بنِ أبي مُزَرِّد، عن سعيدِ
ابنِ يَسارٍ، عن أبي هُرَيرَةَ ﴾، أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ قال: «خَلَقَ اللهُ الخلقَ، فلمَّا فَرَغَ منه قامتٍ
الرَّحِمُ، فقال: مَه؟ قالت: هذا مَقام العائذِ بكَ منَ القَطِيعة، فقال: ألا تَرْضَيْنَ أنْ أَصِلَ مَن
وصَلَكِ، وأَقْطَعَ مَن قَطَعَكِ؟ قالت: بلى يا رَبِّ، قال: فذلكِ لكِ)) ثمَّ قال أبو هُرَيرةَ: ﴿فَهَلْ
عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُواْ فِ الْأَرْضِ وَتُقَطِّمُوْ أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢].
٧٥٠٣ - حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا سفيانُ، عن صالح، عن عُبَيدِ الله، عن زيدِ بنِ خالدٍ، قال:
مُطِرَ النبيُّ وَِّ، فقال: ((قال الله: أصبَحَ مِن عبادي كافرٌ بي، ومُؤْمِنٌ بي)).

٤٤٨
باب ٣٥/ح ٧٥٠٤ - ٧٥٠٦
فتح الباري بشرح البخاري
٧٥٠٤- حدَّثنا إسماعيلُ، حدَّثني مالكٌ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هُرَيرةَ، أنَّ
رسولَ الله ◌َ ◌ّه قال: «قال الله: إذا أحَبَّ عَبْدي لقائي أحببتُ لقاءَه، وإذا كَرِهَ لقائي كَرِهتُ لقاءَهُ)).
٧٥٠٥- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، حدّثنا أبو الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هُرَيرةَ،
أنَّ رسولَ اللهِ وَِّ قال: «قال الله: أنا عند ظنِّ عبدي بي)).
٧٥٠٦- حدَّثنا إسماعيلُ، حدَّثني مالكٌ، عن أبي الزّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هُرَيرةَ، أنَّ
رسولَ اللهِ وَلَه قال: «قال رجلٌ لم يَعمَلْ خيراً قَطُّ: إذا ماتَ فحَرِّقُوه، واذْرُوا نِصْفَه في البَرِّ،
ونِصْفَه في البحرِ، فوالله لَئِنْ قَدَرَ اللهُ عليه لَيعذِّبَنَّه عذاباً لا يُعذِّبُه أحداً منَ العالَمِينَ، فأمَرَ الله
البحرَ ليَجْمَعَ ما فيه، وأمَرَ البَرَّ فجَمَعَ ما فيه، ثمَّ قال: لمَ فعلتَ؟ قال: مِن خَشْبَتِكَ، وأنتَ
أعلَمُ، فَغَفَرَ لَهُ)).
٤٦٧/١٣
قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُواْ كَمَ اْللَّهِ﴾)) كذا للجميع، زاد أبو ذَرٍّ:
الآيةَ. قال ابن بَطّال: أرادَ بهذه التَّرجمة وأحاديثها ما أرادَ في الأبواب قبلها أنَّ كلام الله
تعالى صِفَة قائمة به، وأنَّه لم يزل مُتَكلِّماً ولا يزال، ثمَّ أخَذَ في ذِكر سبب نزول الآية.
والذي يَظهَر أنَّ غَرَضه أنَّ كلام الله لا يَخْتَصّ بالقرآن، فإنَّه ليس نوعاً واحداً كما تقدَّم
نَقله عمَّن قاله، وأنّه وإن کان غیرَ مخلوقٍ وهو صفة قائمةٌ به، فإنّه يُلقیه علی من یشاء من
عباده بحَسَب حاجَتهم في الأحكام الشَّرعيّة وغيرها من مصالحهم، وأحاديث الباب
کالمُصرِّحةِ بهذا المراد.
قوله: ((﴿إِنَُّ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾: الحقُّ، ﴿وَمَا هُوَبِالْمَزَّلِ﴾: بِاللَّعِبِ)) كذا لأبي ذرٍّ، وسَقَطَ من أوَّله لفظ:
((إِنَّه)) من رواية غيره، وثَبَتَ لكلِّ مَن عَدا أبا ذَرِّ ((حَقّ)) بغيرِ ألِف ولام، وسَقَطَت من رواية أبي
زيد المروزيِّ.
والتَّفسير المذكور مأخوذ من كلام أبي عُبَيدة، فإنَّه قال في كتاب ((المجاز)): قوله: ﴿وَمَا هُوَ
بِالْزَلِ﴾ أي: ما هو باللَّعِبِ، والمراد بالحقِّ: الشَّيء الثّابِت الذي لا يَزول. وبهذا تَظْهَر مُناسَبة
هذه الآية للآيةِ التي في التَّرجمة.

٤٤٩
باب ٣٥/ح ٧٥٠٦
كتاب التوحيد
ثُمَّ ذكر فيه سبعة عشر حديثاً، مُعظَمها من حديث أبي هريرة، وأكثرها قد تَكَرَّرَ.
أولها: حديث أبي هريرة.
قوله: ((قال الله: يُؤْذيني ابنُ آدم، يَسُبُّ الدَّهْر)) الحديث، والغرض منه هنا إثبات إسناد
القول إليه سبحانه وتعالى.
وقوله: ((يُؤذيني)) أي: يَنسُبُ إليَّ ما لا يَلِيق بي، وتقدَّم له توجيهٌ آخَرُ في تفسير سورة
الجاثية (٤٨٢٦) مع سائر مباحثه، وهو من الأحاديث القُدسيّة، وكذا ما بعدَه إلى آخر
الخامس.
الثاني: حديث أبي هريرة أيضاً.
قوله: ((يقول الله تعالى: الصوم لي وأنا أجْزي به)) وفيه: ((والصوم جُنّة، وللصّائمِ فرحَتان)»
وفيه: ((ولَخُلوفُ فم الصّائم)) وقد تقدَّم شَرحه مُستَوفَّى في كتاب الصيام (١٨٩٤).
وقوله في السَّنَد: ((حدَّثنا أبو نُعَيم)) يريد الفضلَ بن دُكَينِ الكوفيَّ الحافظ المشهور القديم،
وليس هو الحافظَ المتأخِّرَ صاحب ((الحِلية)) و((المستخرَج)).
وقوله: ((حدَّثنا الأعمَش)) كذا للجميع إلّ لأبي عليّ بن السَّكَن، فوَقَعَ عنده: حدَّثنا
أبو نُعَيم حدَّثنا سفيان - وهو الثَّوْريّ - حدَّثنا الأعمَش، زاد فيه الثَّوْريَّ. قال أبو عليّ
الجَيَّانيّ: والصَّواب قول مَن خالَفَه من سائر الرُّواة، ورأيت في رواية القابسيّ عن أبي زيدٍ
المروزيّ: حدَّثنا أبو نُعَيم أُراه حدَّثنا سفيان الثَّوْريّ حدَّثنا(١)، فحَذَفَ لفظ ((قال)) بين قوله:
أُراه، وحدَّثنا. وأُراه، بضمِّ الهمزة، أي: أظنّه، وأبو نُعَيم سَمِعَ من الأعمَش ومن السُّفيانَينِ
عن الأعمش، لكنَّ سفيان المذكور/ هنا: هو الثَّوْريّ جَزماً، وعلى تقدير ثُبُوت ذلك فقائل: ٤٦٨/١٣
أُراه، يحتمل أن يكون البخاريَّ، ويحتمل أن يكون مَن دونه، وهو الرَّاجح، وقد أخرجه أبو
نُعَيم في ((المستخرَج)) من رواية الحارث بن أبي أسامة عن أبي نُعَيم عن الأعمَش بدون
(١) يعني: حدثنا الأعمش، وأُقحم في (س) في موضع الأعمش: محمد، وليس في الأصلين شيء بعد قوله:
حدثنا.

٤٥٠
باب ٣٥/ ح ٧٥٠٦
فتح الباري بشرح البخاري
الواسطة(١)، وهذا من أعلَى ما وَقَعَ لأبي نُعَيم من العَوالي في هذا ((الجامع الصَّحيح)).
الحديث الثالث: حديث أبي هريرة أيضاً في اغتسال أيوب عليه السلام عُرياناً، وقد تقدَّم في
كتاب الطَّهارة (٢٧٩). والغرض منه هنا قوله: ((فناداه(٢) رَبُّه ... )) إلى آخره.
الحديث الرابع: حديث أبي هريرة أيضاً.
قوله: ((يتنزَّل رَيُّنا)) كذا للأكثرِ بِمُئنّةٍ وتشديد، ولأبي ذرِّ عن المُستَملي والسَّرَخسيّ(٣):
(يَنْزِل)) بحذفِ التّاء والتَّخفيف، وقد تقدَّم شَرحه في كتاب التَّهَجُّد (١١٤٥) في باب
((الدُّعاء في الصلاة في آخر اللَّيل))، وترجَمَ له في الدَّعَوات (٦٣٢١): ((الدُّعاء نصفَ
اللَّيل))، وتقدَّم هناك مُناسَبة التَّرجمة لحديثِ الباب مع أنَّ لفظه: ((حين يَبقَى ثُلُث اللَّيل))،
ومضى بيانُ الاختلاف فيما يتعلَّق بأحاديث الصِّفات في أوائل كتاب التَّوحيد في باب
﴿وَكَانَ عَرْشُهُ, عَلَى الْمَآءِ﴾(٤).
والغرض منه هنا قوله: ((فيقول: مَن يَدعوني؟ ... )) إلى آخره، وهو ظاهرٌ في المراد،
سواءٌ كان المنادي به مَلَكاً بأمرِه أو لا، لأنَّ المراد إثبات نسبة القول إليه، وهي حاصلة على
كلّ من الحالتين، وقد نبَّهتُ على مَن أخرج الزّيادة المُصرِّحة بأنَّ الله يَأمُر مَلَكاً فينادي في
كتاب التَّهَجُّد.
وتأوّل ابن حَزم التُّزول بأنَّه فِعِلٌ يَفعَله اللهُ في سَماء الدُّنيا كالفتح لقَبُولِ الدُّعاء، وأنَّ
تلكَ السّاعة من مَظانّ الإجابة، وهو معهود في اللُّغة، تقول: فلان نَزَلَ لي عن حَقّه،
بمعنى: وَهَبَه، قال: والدَّليل على أَّهَا صِفَةُ فِعلِ تعليقُه بوقتٍ مَحدود، ومَن لم يَزَلْ لا يَتعلَّق
بالَّمان، فصَحَّ أَنَّه فعلٌ حادثٌ.
(١) وكذلك هو في ((مسند أحمد)) (٩١١٢) عن أبي نعيم، عن الأعمش.
(٢) كذلك وقع في الرواية المتقدمة في الطهارة، وأما هنا فلفظه: ((فنادى)) بحذف المفعول، كذلك جاء في
اليونينية دون حكاية خلاف بين رواة البخاري في الموضعين.
(٣) هذا خلاف ما في اليونينية ونصَّ عليه القسطلّاني أن هذه رواية الكُشميهني، وأن غيره قال: يَتَنَزَّل.
(٤) باب رقم (٢٢).

٤٥١
باب ٣٥/ح ٧٥٠٦
كتاب التوحيد
وقد عَقَدَ شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهَرَويُّ - وهو من المبالِغِينَ في الإثبات، حتَّى
طَعَنَ فيه بعضهم بسببٍ ذلك(١) - في كتابه ((الفاروق)) باباً لهذا الحديث، وأورَدَه من طرق
كثيرة، ثمَّ ذكره من طرق زَعَمَ أنَّهَا لا تَقبَل التَّأويل، مِثل حديث عطاء مولى أمّ صُبَيّةً عن
أبي هريرة بلفظ: ((إذا ذهب ثُلُث اللَّيل))، وذكر الحديث وزاد: «فلا يزال بها حتَّى يَطلُع الفَجر،
فيقول: هل من داع يُستَجابُ؟)) أخرجه النَّسائيّ (ك ١٠٢٤٦) وابن خُزَيمةَ في ((صحيحه)(٢)،
وهو من رواية محمّد بن إسحاق وفيه اختلاف(٣).
وحديث ابن مسعود وفيه: ((فإذا طَلَعَ الفَجرِ صَعِدَ إلى العَرش)) أخرجه ابن خُزَيمةَ (٤)،
وهو من رواية إبراهيم الهجريّ، وفيه مقال.
وأخرجه أبو إسماعيل(٥) من طريق أُخرى عن ابن مسعود قال: جاءَ رجل من بني سُلَيم إلى
رسول الله وَّ﴿ فقال: عَلِّمني، فذكر الحديث، وفيه: ((فإذا انْفَجَرَ الفَجر صَعِدَ))، وهو من رواية
عَون بن عبد الله بن عُتْبَةَ بن مسعود عن عَمّ أبيه ولم يَسمَع منه.
ومن حديث عبادة بن الصّامت(٦)، وفي آخره: «ثمَّ یَعلُو رَبُّنا على گُرسِّه))، وهو من رواية
إسحاق بن يحيى عن عُبادة، ولم يَسمع منه.
ومن حديث جابر وفيه: ((ثُمَّ يَعلُو رَبُّنا إلى السماء العُليا إلى كُرسيِّه))، وهو من رواية
(١) انظر كلام صاحب ((سير أعلام النبلاء)) فيه ٥٠٩/١٨.
(٢) في كتاب ((التوحيد)) ٣٠٧/١، وهو من جملة الكتب التي عدَّها الحافظُ في ((معجمه المفهرس)) من
«صحیح ابن خزيمة)).
(٣) ولأن أحداً لم يقل في رواية هذا الحديث: ((فلا يزال بها)) غير محمد بن إسحاق، ولأن عُبيد الله بن عمر
العمري قد خالفه في روايته على سعيد المقبري، فقال العمري: عن سعيد المقبري عن أبي هريرة، وقال
ابن إسحاق: عن سعيد المقبري عن عطاء مولى أم صُبَيَّةً عن أبي هريرة. والعمري ثقة حافظ من رجال
الشيخين. ورواه عن أبي هريرة جمع من التابعين لم يذكر أحد منهم هذا الذي ذكره ابن إسحاق.
(٤) رواه ابن خزيمة في ((التوحيد)) ١٣٦/١ و٣١٩، وليس فيه هذا اللفظ المذكور.
(٥) وهو عند الدارقطني أيضاً في ((النزول)) (١٢).
(٦) وهو عند الطبراني أيضاً في ((الأوسط)) (٦٠٧٩).

٤٥٢
باب ٣٥/ح ٧٥٠٦
فتح الباري بشرح البخاري
محمَّد بن إسماعيل الجعفريّ عن عبد الله بن سَلَمة بن أسلَمَ، وفيهما مَقالٌ.
ومن حديث أبي الخطّاب(١): أنَّ سألَ النبيّ وَ له عن الوتر، فذكر الوِتر وفي آخره: ((حتَّى
إذا طَلَعَ الفجر ارتَفَعَ)) وهو من رواية تُوَير بن أبي فاختة، وهو ضعيف.
فهذه الطُّرق كلّها ضعيفة، وعلى تقدير ثُبُوتها لا يُقبَل قوله: إنَّها لا تَقبَل التَّأويل، فإنَّ
مُحصَّلَهَا ذِكرُ الصُّعود بعد النُّزول، فكما قَبِلَ النُّزولُ التَّأويلَ، لا يَمتِنِعُ قَبُولُ الصُّعود
التَّأويلَ، والتَّسليم أسلَمُ كما تقدَّم، والله أعلم.
وقد أجادَ هو في قوله في آخر كتابه، فأشارَ إلى ما وَرَدَ من الصِّفات: وكلّها من التَّقريب
لا من التَّمثيل، وفي مذاهب العرب سَعَةٌ، يقولون: أمرٌ بيِّنٌّ كالشمس، وجَوادٌ كالرّيحِ،
وحَقٌّ كالنَّهار، ولا تريد تَّحقيق الإشْباهِ، وإنَّما تريد تَحقيق الإثبات والتَّقريب على الأفهام،
٤٦٩/١٣ فقد علم مَن عَقَلَ أنَّ الماء أبعَد الأشياء شَبَهاً بالصَّخر،/ والله يقول: ﴿فِى مَوْجِ كَالْجِبَالِ؟
[هود: ٤٢]، فأرادَ العِظَم والعُلوّ، لا الشَّبَه في الحقيقة، والعرب تُشَبِّه الصّورة بالشمس
والقمر، واللَّفظ بالسِّحر، والمواعيد الكاذبة بالرّياح، ولا تَعُدُّ شيئاً من ذلك كَذِباً ولا
تُوجِب حقيقةً، وبالله النَّوفیقُ.
الحديث الخامس: حديث أبي هريرة أيضاً.
قوله: ((أَنَّه سَمِعَ أبا هريرة: أنَّه سَمِعَ رسول الله وَل يقول: نحنُ الآخِرِونَ السّابقونَ يوم
القيامة، وبهذا الإسناد؛ قال الله: أَنْفِقْ أُنفِقْ عليك)) تقدَّم القول في الحِكمة في تصديره هذا
الحديث بقوله: (نحنُ الآخِرِونَ السّابقونَ)) في كتاب الدّيات (٦٨٨٨) في باب ((مَن أَخَذَ حَقّه
أو اقتَصَّ)). وحاصله أنَّه أوَّل حديث في النُّسخة، فكان البخاريّ أحياناً إذا ساقَ منها حديثاً
ذكر طَرَفاً من أوَّل حديثٍ فيها، ثمَّ ذكر الحديث الذي يريد إيرادَه، وأحياناً لا يَصنَع ذلك.
وقد وَقَعَ له في هذا الحديث بعَينِهِ كلٌّ من الأمرَين، فإنَّ هذا القَدرَ وهو قوله: ((أَنْفِقْ
(١) وهو أيضاً عند ابن سعد في ((الطبقات)) ٦/ ٥٧، وعبد الله بن أحمد في ((السنة)) (١٠٨٩)، والطبراني في ((الكبير))
٢٢/ (٩٢٧)، وابن بطة في ((الإبانة)) (١٨٠).

٤٥٣
باب ٣٥/ح ٧٥٠٦
كتاب التوحيد
أُنفِقْ عليك)) طَرَف من حديث طويل، أورَدَه بتمامه في تفسير سورة هود (٤٦٨٤)، وفيه:
وقال: ((يد الله مَلْأى لا تَغيضُها نَفَقة)) الحديث بتمامه، واقتَطَعَ هذا القَدر فساقَه في باب قوله
تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَ﴾ (٧٤١١) فذكر أوَّله: ((يَد الله مَلْأى)) ولم يَذْكُر أوَّله: «نحنُ الآخِرِونَ
السّابقونَ)) ولا ((أَنِفِقْ أُنْفِقْ عليك))، واقتَصَرَ منه هنا على هذا القَدر.
ووَقَعَ في (الأطراف)) للمِزّيِّ في ترجَمة شُعَيب بن أبي حمزة عن أبي الزِّناد عن الأعرج عن أبي
هريرة للبخاريٍّ في التَّفْسير وفي التَّوحيد بجميعِه عن أبي اليَمَان عن شُعَيب. انتهى، والمفهوم من
إطلاقه أنَّه في التَّوحيد نَظِير ما في النَّفسير، وليس كذلك.
والغرض من هذا الحديث نسبةُ هذا القولِ إلى الله سبحانه، وهو قوله: (أَنفِقْ أُنِفِقْ عليك))،
وهو من الأحاديث القُدسيّة.
الحديث السادس: حديث أبي هريرة.
قوله: ((ابن فُضَيلٍ)) هو محمَّد.
قوله: ((عُمارة)) هو ابن القَعْقاع بن شُبْرُمةَ.
قوله: ((عن أبي هريرة، فقال: هذه خديجة)) كذا أورَدَه هنا مُخُتصَراً، والقائلُ جِبريلُ كما
تقدَّم في باب ((تَزويج خديجة)) في أواخر المناقب (٣٨٢٠)، عن قُتَيبة بن سعيد عن محمَّد
ابن فُضَيلِ، بهذا السَّنَد، عن أبي هريرة قال: أتى جِبريلُ النبيّ وَّ فقال: يا رسول الله،
هذه خديجة ... إلى آخره. وبهذا يَظهَر أنَّ جَزْم الكِرْمانيِّ بأنَّ هذا الحديث موقوفٌ غيرُ
مرفوع مردودٌ.
قوله: ((أتتْك)) في رواية المُستَملي هنا: ((تأتيك)) بصيغةِ الفعل المضارع، وتقدَّم هناك بلفظ:
(أتت)) بغیرِ ضميرٍ.
قوله: ((بإناءٍ فيه طعام، أو إناء، أو شراب)) كذا للأصيليّ وأبي ذَرِّ، وفي رواية لأبي ذرٍّ: ((أو
إناء فيه شراب)) وكذا للباقينَ، وتقدَّم هناك بلفظ: ((إدام أو طعام أو شراب))، وقال
الكِرْمانيُّ: قوله: ((بإناءٍ فيه طعام أو إناء)) شَكٍّ من الرَّاوي: هل قال: ((فيه طعام)) أو قال:

٤٥٤
باب ٣٥/ح ٧٥٠٦
فتح الباري بشرح البخاري
(إناء)) فقط لم يَذْكُر ما فيه. ويجوز في قوله: ((أو شراب)» الرَّفعُ والجُرُّ.
قوله: ((فأقْرِثُها)) زاد في رواية قُتَيبة: ((فإذا هي أَتَتَك فاقرأ عليها)»، وقد تقدَّمَت مباحثُه في
الباب المذكور، والغرض منه قوله: ((فأقرِئها من رَبّهَا السَّلامَ))، وتقدَّم هناك (٣٨١٧) حديثُ
عائشة، وفيه: ((وأمَرَه اللهُ أن يُشِّرَها ببيتٍ من قَصَبٍ))، وتقدَّم شَرح المراد بالقَصَبِ. ومُطابَقَتُه
للتَّرجمةِ من جهة إقرَاءٍ (١) السَّلام، فإنَّه بمعنى التَّسليم عليها.
الحديث السابع: حديث أبي هريرة: ((قال الله: أعدَدتُ لعبادي)) وهو من الأحاديث
القُدسيّة، والإضافة في قوله تعالى: ((لعبادي)) للتَّشريف، وتقدَّم شَرحه في تفسير سورة
السَّجدة (٤٧٧٩ و٤٧٨٠)، وسياقُه هناك أتمُّ.
الحديث الثامن: حديث ابن عبّاس في الدُّعاء في التَّهَجُّد في الليل، وقد تقدَّم قريباً (٧٣٨٥) في
باب قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ٣]، أو رَدَه من وجه آخَر عن ابن
جُرَيجٍ. والغرض منه هنا قوله: ((وقولك الحقّ))، وقد تقدَّم أنَّ المراد بالحقِّ اللّازِمُ الثّابِتُ.
الحديث التاسع: حديث عائشة في قصَّة الإفك، ذكر منه طَرَفاً، وقد ذكر منه بهذا الإسناد
قِطَعاً يسيرة في سِتّة مواضع، منها: في الجهاد (٢٨٧٩)، والشَّهادات (٢٦٣٧)، والتَّفسير
(٤٦٩٠)، وساقَه بتمامه في الشَّهادات (٢٦٦١)، وفي تفسير سورة النّور (٤٧٥٠)، وتقدَّم شَرحه
٤٧٠/١٣ فيها. والغرض منه هنا قولها: والله / ما كنت أظنّ أنَّ الله عزَّ وجلَّ كان يُنزِلُ في براءَتِي وَحياً يُتْلَى.
ومُناسَبته للتَّرجمةِ ظاهرة من قولها: يتكلّم الله.
الحديث العاشر: حديث أبي هريرة أيضاً.
قوله: ((يقول الله تعالى: إذا أرادَ عبدي أنْ يَعمَل سَيِّئة، فلا تَكتُبوها عليه حتَّى يَعمَلها)) تقدَّم
شَرحه في الرِّقاق(٢) في باب ((مَن هَمَّ بحسنةٍ أو بسيِّئَةٍ))، وهو من الأحاديث القُدْسيّة أيضاً،
وكذا الأربعة بعده، ومُناسَبته للبابِ ظاهرة أيضاً.
(١) تحرَّف في (س) إلى: اقرأ.
(٢) عند شرح حديث ابن عباس (٦٤٩١).

٤٥٥
باب ٣٥/ح ٧٥٠٦
كتاب التوحيد
و قوله: «فإذا عمِلَها» في رواية الگُشمِیھنيّ: ((فإن)).
وقوله في آخره: ((إلى سبع مئة)) زاد في رواية أبي ذرِّ عن السَّرَخسيّ(١): ((ضِعف))، وهي
ثابتة للجميع في آخر حديث ابن عبّاس في الرِّقاق (٦٤٩١).
واستَدَلَّ بمفهوم الغاية في قوله: ((فلا تَكتُبُوها حتَّى يَعمَلَها)) وبمفهومِ الشَّرط في قوله:
((فإذا عَمِلَها فاكتبوها له بمِثلِها)) مَن قال: إنَّ العَزم على فعل المعصية لا يُكتَب سَيِّئَة حتَّى يَقَعَ
العملُ، ولو بالشُّروع، وقد تقدَّم بسطُ البحث فيه هناك.
الحديث الحادي عشر: حديث أبي هريرة أيضاً فيما يتعلَّق بالرَّحِمِ، وفيه: «قال: ألا تَرضَينَ
أن أصِلَ مَن وصَلَك؟))، وفيه: ((قالت: بلى يا رَبّ))، وقد تقدَّم شَرحُه في أوائل كتاب
الأدب (٥٩٨٧).
وإسماعيل بن عبد الله شيخه: هو ابن أبي أويس، وسليمان: هو ابن بلال، وصَرَّحَ إسماعيل
بتحديثِهِ له، وقد تقدَّم له حديث (٧٤٦٥) في باب ((المشيئة والإرادة)) أدخَلَ فيه أخاه بينه
وبین سلیمان المذکور.
قال النَّوويّ: الرَِّم التي تُوصَل وتُقطَع إنَّما هي معنًى من المعاني لا يَتَأَتَّى منها الكلام، إذ
هِي قَرَابٌ تَجِمَعها رَحِمٌ واحدةٌ فيَتَّصِل بعضها ببعضٍ، فالمراد تعظيم شَأنها، وبيان فضيلة مَن
وَصَلَها، وإثم مَن قَطَعَها، فورَدَ الكلام على عادة العرب في استعمال الاستعارات، وقال غيره:
يجوز حَمله على ظاهره، وتَجَسُّد المعاني غير مُمتَنِعٍ في القُدرة.
الحديث الثاني عشر: حديث زيد بن خالد، وهو الُهَنيّ، ذکر فیه طَرفاً من حديثٍ مضى
بتمامه في آخر الاستسقاء (١٠٣٨) مع شرحه.
وسفيان فيه: هو ابن عُبَينَةَ، وصالح: هو ابن كَيْسانَ، وعُبيد الله: هو ابن عبد الله بن عُتبةَ،
وقد أخرجه النَّسائيُّ (ك١٨٤٦) عن قُتَية، والإسماعيليّ من رواية محمَّد بن عبَّاد، وأبو نُعَيم
من رواية إسحاق بن إبراهيم، ثلاثتهم عن سفيان. وذَكَرتُ ما في سياقه من فائدة هناك.
(١) ونُسبت أيضاً في هامش اليونينية للمُستَمْلِي.

٤٥٦
باب ٣٥/ ح ٧٥٠٦
فتح الباري بشرح البخاري
وقوله هنا: ((مُطِرَ النبيّ ◌َّ) بضمِّ الميم، أي: وَقَعَ المطر بدعائه، أو نُسِبَ ذلك إليه، لأنَّ
مَن عَدَاه كان تَبَعاً له، يقال: مَطَرَتِ السماءُ وأمطَرَت بمعنَّى واحدٍ، وقيل: مَطَرَت في
الرَّحمة، وأمطَرَت في العذاب، وقيل: مَطَرَت في اللّازِم، وأمطَرَت في المتعدّي.
الحديث الثالث عشر: حديث أبي هريرة أيضاً.
قوله: ((إذا أحَبَّ عبدي لقائي)) تقدَّم الكلام عليه مُستَوفَّى في باب ((مَن أحَبَّ لقاء الله))
(٦٥٠٧)، من كتاب الرِّقاق بعَونِ الله تعالى. قال ابن عبد البَرّ بعد أن أورَدَ الأحاديثَ الواردةَ في
تخصيص ذلك بوقتِ الوفاة النبويّة: دَلَّت هذه الآثار أنَّ ذلك عند حضور الموت ومُعاينة ما
هُنالِكَ، وذلك حين لا تُقبَل توبة التّائب إن لم يَتُب قبل ذلك.
الحديث الرابع عشر: حديث أبي هريرة أيضاً.
قوله: ((قال الله: أنا عند ظنّ عبدي بي)) تقدَّم في أوائل التَّوحيد (٧٤٠٥) في باب:
﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ,﴾ من رواية أبي صالح عن أبي هريرة، وأوَّله: ((يقول الله))، وزاد:
((وأنا معه إذا ذكرني)) الحديث، وتقدَّم شَرحُه هناك مُستَوفَّى.
الحديث الخامس عشر: حديث أبي هريرة أيضاً في قصَّة الذي أمَرَ بأن يُحرِّقوه إذا ماتَ،
وقد تقدَّم شَرحه في الرِّقاق(١)، ومِن قبل ذلك في ((ذِكر بني إسرائيل)) (٣٤٨١)، ويأتي شيء
منه في آخر هذا الباب.
وقوله في هذه الطَّريق: ((قال رجل لم يَعمَل خيراً قَطُّ: إذا ماتَ فحَرِّقُوه)) فيه الْتِفاتُ،
ونَسَقُ الكلام أن يقول: إذا مُتّ فحَرِّ قوني.
وقوله: ((فأمَرَ اللهُ البحر لِيَجمَعَ)) في رواية المُستَمْلي والكُشْمِيهَنِيّ: ((فَجَمَعَ)).
٧٥٠٧- حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، حدَّثنا عَمْرو بنُ عاصمِ، حدَّثنا همَّامٌ، حدَّثنا إسحاقُ بنُ
عبدِ الله، سمعتُ عبد الرَّحمنِ بنَ أبي عَمْرةَ، قال: سمعتُ أبا هُرَيرةَ، قال: سمعتُ النبيَّ ◌َِّ،
قال: ((إنَّ عبداً أصابَ ذَنْباً - ورُبَّما قال: أَذْنَبَ ذَنْباً - فقال: رَبِّ أَذْنَبتُ - ورُبَّما قال: أَصَبْت -
(١) عند شرح حديث حذيفة بن اليمان (٦٤٨٠).

٤٥٧
باب ٣٥/ح ٧٥٠٧-٧٥٠٨
كتاب التوحيد
فاغْفِرِهُ لي، فقال رَبُّه: أَعلِمَ عبدي أنَّ له رَبّاً يَغْفِرُ الذَّنْبَ ويَأْخُذُ به؟ غَفَرتُ لعبدي، ثمَّ مَكَثَ
ما شاءَ الله، ثمَّ أصابَ ذَنْباً أو أذْنَبَ ذَنْباً، فقال: رَبِّ أَذْنَبتُ أو أصَبتُ آخَرَ، فاغفِرْه، فقال:
أَعْلِمَ عبدي أنَّ له رَبّاً يَغْفِرُ الذَّنْبَ، ويَأْخُذُ به؟ غَفَرتُ لعبدي، ثمَّ مَكَثَ ما شاءَ الله، ثمَّ أَذْنَبَ
ذَنْباً - ورُبَّما قال: أصابَ ذَنْباً - قال: قال: رَبِّ أصَبتُ أو قال: أذْنَبتُ آخَرَ، فاغفِرْه لي، فقال:
أَعْلِمَ عبدي أنَّ له رَبّاً يَغْفِرُ الذَّنْبَ، ويَأْخُذُ به؟ غَفَرتُ لعبدي)).
٧٥٠٨ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ أبي الأسوَدِ، حدَّثْنا مُعتَمِرٌ، سمعتُ أبي، حدَّثنا قَتَادةُ، عن عُقْبَةً
ابنِ عبدِ الغافرِ، عن أبي سعيدٍ، عن النبيِّ ◌َّ: ((أَنَّهَ ذَكَرِ رجلاً فيمَنْ سَلَفَ - أو فيمَنْ كانَ قبلَكم -
قال كلمةً، يعني: أعطاه الله مالاً ووَلَداً، فلمَّا حَضَرهُ الموتُ قال لِبَنِه: أيَّ أبٍ كنتُ لكُم؟
قالوا: خيرَ أبٍ، قال: فإنَّه لم يَبْتَثِرْ - أو لم يَبْثَئِزْ - عندَ الله خيراً، وإنْ يَقْدِرِ اللهُ يُعلِّبْه، فانظُرُوا إذا
مُتُّ فأحرِقوني، حتَّى إذا صِرتُ فخْماً فاسحَقوني - أو قال: فاسحَكُوني- فإذا كانَ يومُ رِيحِ عاصفٍ،
فأذْرُوني فيها)) فقال نبيُّ الله ◌َّ: ((فَأَخَذَ مَوائِقَهم على ذلك ورَبّي، ففَعَلوا، ثمَّ أَذْرَوْه في يومِ عاصفٍ،
فقال الله عزَّ وجلَّ: كُن، فإذا هو رجلٌ قائمٌ، قال الله: أيْ عبدي، ما حَلَكَ على أنْ فعلتَ ما فعلتَ؟
قال: مَافَتُكَ - أو فرَقٌ منكَ - قال: فما تَلافاهُ أَنْ رحِمَه عندَها)).
وقال مرّةً أُخرى: ((ف) تَلافاهُ غیرُها)).
فحَدَّثتُ به أبا عُثْمَانَ، فقال: سمعتُ هذا مِن سَلْمَانَ، غيرَ أنَّه زادَ فيه: ((أذْرُوني في البحرِ)) أو
كما حَدَّثَ.
حدَّثنا موسى، حدَّثْنا مُعتَمِرٌّ، وقال: ((لم يَبْتَثِرِ)).
وقال لي خليفةُ: حدَّثنا مُعتَمِرٌ: ((لم يَبْتَئِز)).
فَسَّرَه قَتَادةُ: لم يَدَّخِرْ.
الحديث السادس عشر:
قوله: ((حدَّثنا أحمد بن إسحاق)) هو السَّرْماريّ، بفتح المهمَلة وبكسرها وبسكونِ الرَّاء،
تقدَّم بيانه في ((ذِكر بني إسرائيل)) (٣٤٦٤).

٤٥٨
باب ٣٥/ح ٧٥٠٨
فتح الباري بشرح البخاري
وعمرو بن عاصم: هو الكِلابِيُّ البصريّ يُكنى أبا عثمان، وقد حَدَّثَ عنه البخاريّ بلا
٤٧١/١٣ واسطة في / كتاب الصلاة (٥٧٥) وغيرها، فنَزَلَ البخاريّ في هذا السَّنَد بالنِّسبةِ لهَّامِ درجة،
وقد وَقَعَ هذا الحديث لمسلمٍ (٢٩/٢٧٥٨) عالياً، فإنَّه أخرجه من طريق حمّاد بن سَلَمة عن
إسحاق، نَعَم وأخرجه (٢٧٥٨/ ٣٠) من طريق همَّام نازِ لاً كالبخاريّ.
وإسحاق بن عبد الله: هو ابن أبي طلحة الأنصاريّ التّابِعِيّ المشهور. وعبد الرَّحمن بن
أبي عَمْرة تابعيّ جليل من أهل المدينة، له في البخاريّ عن أبي هريرة عَشَرة أحاديث غير
هذا الحديث، واسم أبيه كُنِيَتَه، وهو أنصاريّ صحابيّ، ويُقال: إنَّ لعبدِ الرَّحمن رُؤية، وقال
ابن أبي حاتم: ليست له صُحبة. ولهم عبد الرَّحمن بن أبي عَمْرة آخَر أدرَكَه مالكٌ، وقال
ابن عبد البَرّ: هو عبد الرّحمن بن عبد الله بن أبي عَمْرة نُسِبَ لجَدِّه. قلت: فعلى هذا هو
ابن أخي الرَّاوي هنا(١).
قوله: ((إنَّ عبداً أصابَ ذَنْباً، ورُبَّما قال: أذْنَبَ ذَنْباً)) كذا تَكَرَّرَ هذا الشكُّ في هذا الحديث
من هذا الوجه، ولم يَقَع في رواية حمّاد بن سَلَمة، ولفظه عن النبيّ وَّه فيما يحكي عن رَبّه عَّ
وجلَّ قال: ((أذنَبَ عبدٌ ذَنباً))، وكذا في بقيّة المواضع.
قوله: ((فقال رَبُّه: أَعلِمَ)) بهمزة استفهام والفعل الماضي.
قوله: ((ويَأْخُذ به)) أي: يُعاقب فاعلَه، وفي رواية حمّاد: ((ويَأْخُذ بالذَّنبِ)).
قوله: ((ثمَّ مَكَثَ ما شاءَ اللهُ)(٢) أي: من الزّمان، وسَقَطَ هذا من رواية حَمَّادٍ.
قوله: (ثُمَّ أصابَ ذَنْباً)) في رواية حَمَّدٍ: ((ثمّ عادَ فأذنَبَ)).
قوله في آخره: ((غَفَرْت لعبدي)) في رواية حَمَّد: ((اعمَل ما شئتَ، فقد غَفَرتُ لك))(٣).
قال ابن بَطّال: في هذا الحديث أنَّ المُصِرّ على المعصية في مشيئة الله تعالى، إن شاءَ عَذَّبَه وإن
(١) في (س): عنه، بدل: هنا، وهو خطأ.
(٢) لفظ الجلالة سقط من (س).
(٣) وثبت نحوه لغير أبي ذرِّ الهروي هنا كما في اليونينية، بلفظ: ((غفرت لعبدي ثلاثاً فليعمل ما شاء)).

٤٥٩
باب ٣٥/ح ٧٥٠٨
كتاب التوحيد
شاءَ غَفَرَ له، مُغَلِّباً لحَسَنَتِه التي جاءَ بها، وهي اعتقادُه أنَّ له رَبّاً خالقاً يُعذِّبُه ويَغْفِرُ له،
واستغفارُه إيّاه على ذلك، يَدُلّ عليه قوله: ﴿مَنْ جَآءَ بِاَ لَنَةٍ فَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]،
ولا حسنةَ أعظمُ من التَّوحيد، فإن قيلَ: إنَّ استغفاره رَبَّه توبةٌ منه، قلنا: ليس الاستغفارُ
أكثرَ من طَلَب المغفرة، وقد يَطلُبها المُصِرّ والتّائب، ولا دليل في الحديث على أنَّه تائب ممّاً
سألَ الغُفرانَ عنه، لأنَّ حَدّ التَّوبة الرُّجوعُ عن الذَّنب، والعَزْمُ أن لا يُعُودَ إليه، والإقلاعُ
عنه، والاستغفارُ بمُجرَّدِه لا يُفهم منه ذلك. انتھی.
وقال غيره: شُروط التَّوبة ثلاثة: الإقلاع، والنَّدَم، والعَزْم على أن لا يُعودَ، والتَّعبير بالرُّجوع
عن الذَّنب لا يُفيد معنى النَّدَم، بل هو إلى معنى الإقلاع أقرَب. وقال بعضهم: يَكفي في الثَّوبة
تَحَقُّقِ النَّدَم على وقوعه منه، فإنَّه يَستَلِم الإقلاعَ عنه، والعَزمَ على عَدَم العَود، فهُما ناشِتان عن
النَّدَم لا أصلان معه، ومن ثَمَّ جاءَ الحديثُ: ((النَّدَم توبة))، وهو حديث حسن من حديث ابن
مسعود، أخرجه ابن ماجَهْ (٤٢٥٢)، وصَحَّحَه الحاكم (٢٤٣/٤)، وأخرجه ابن حِبّان (٦١٣)
من حديث أنس وصَخَّحَه، وقد تقدَّم البحث في ذلك في باب ((التَّوبة)) (١) من أوائل كتاب
الدَّعَوات مُستَوفَّى.
وقال القُرطُبيّ في ((المُفهِم)): يَدُلّ هذا الحديث على عظيمٍ فائدةِ الاستغفارِ، وعلى عظيمِ
فضلِ الله وسَعة رحمتِه وحِلْمه وكَرَمِه، لكنَّ هذا الاستغفار هو الذي يَثْبُتُ معناه في القلب
مُقارِناً للِّسان، ليَنحَلّ به عَقْدُ الإصرار ويَحَصُلَ معه النَّدَم، فهو ترجَمة للتَّوبة، ويَشهَد له
حديث: ((خياركم كلّ مُفْتَّن تَوّاب))، ومعناه الذي يَتَكَرَّر منه الذَّنبُ والتَّوبةُ، فكلَّما وَقَعَ في
الذَّنب عادَ إلى الثَّوبة، لا مَن قال: أستَغْفِرُ اللهَ بلسانه، وقلبُهُ مُصِرٌّ على تلكَ المعصية، فهذا
الذي استغفارُه يحتاج إلى الاستغفارِ.
قلت: ويَشهَد له ما أخرجه ابن أبي الدُّنيا (٢) من حديث ابن عبّاس مرفوعاً: ((التّائبُ من
الذَّنب كمن لا ذَنبَ له، والمُستَغْفِر من الذَّنب وهو مُقيمٌ عليه كالمُستَهْزِئِ بَرَبِّه)) والرَّاجح أنَّ
(١) باب رقم (٤).
(٢) في ((التوبة)) (٨٥)، وقال الذهبي في ((تنقيح التحقيق)) ٢٥٩/٢: إسناده مُظلم.

٤٦٠
باب ٣٥/ح ٧٥٠٨
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((والمُستَغفِر ... )) إلى آخره موقوف، وأوَّله عند ابن ماجَهْ (٤٢٥٠) والطََّرانيّ (١٠٢٨١)
من حديث ابن مسعود وسنده حسن(١).
وحديث: ((خياركم كلّ مُفتَّن تَوّاب)» ذكره في ((مُسنَد الفِردَوس)) عن عليّ(٢).
قال القُرطُبيّ: وفائدة هذا الحديث أنَّ العَود إلى الذَّنب وإن كان أقبَحَ من ابتدائه، لأنَّه
انضافَ إلى مُلاَبَسة الذَّنب نَقضُ التَّوبة، لكنَّ العَودَ إلى الثَّوبة أحسَن من ابتدائها، لأنَّه
٤٧٢/١٣ انضافَ إليها مُلازمة الطَّلَب من الكريم، والإلحاح في سؤاله، والاعتراف/ بأنَّه لا غافرَ
للذَّنبِ سِواهُ.
وقال النَّوويّ: في الحديث أنَّ الذُّنوب ولو تَكَرَّرَت مئةَ مرَّةٍ، بل ألفاً وأكثرَ، وتابَ في
كلّ مرَّة، قُبِلَت توبَته، أو تابَ عن الجميع توبةً واحدةً صَحَّتْ توبَته، وقوله: ((اعمَل ما
شئتَ) معناه: ما دُمتَ تُذنِبُ فتَتوبُ غَفَرتُ لك.
وذكر في كتاب ((الأذكار)) عن الرَّبيع بن خُثَيِم(٣) أنَّه قال: لا تَقُل: أستَغْفِرُ اللهَ وأتوبُ إليه،
فيكون ذنباً وكذِباً إن لم تَفعَل، بل قُل: اللهُمَّ اغفِر لي وتُب عليَّ. قال النَّوويّ: هذا حسن.
وأمّا كراهية أستَغْفِر الله وتسميته كذِباً فلا يُوافَق عليه، لأنَّ معنى أستَغْفِرُ الله: أطلُب مَغْفِرَتَه،
وليس هذا كذباً، قال: ويَكفي في رَدّه حديث ابن مسعود(٤) بلفظ: ((مَن قال: أستَغْفِر الله الذي
لا إله إلّا هو الحَيّ القَيّوم وأتوب إليه، غُفِرَت ذُنوبُه وإن كان قد فَرَّ من الزَّحْف))، أخرجه
أبو داود (١٥١٧) والتِّرمِذيّ (٣٥٧٧) وصَحَّحَه الحاكم (١/ ٥١١).
(١) وهو من رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه. قال السخاوي في ((المقاصد)) (٣١٣): حسنه شيخُنا يعني
لشواهده، وإلّا فأبو عُبيدة جزم غيرُ واحدٍ بأنه لم يسمع من أبيه.
(٢) وأخرجه بهذا اللفظ أيضاً الترمذي في ((علله الكبير)) ٢/ ٩٢١، والبزار (٧٠٠)، والبيهقي في (الشعب))
(٧١٢١)، والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (١٢٧١)، وهو في ((زوائد المسند)) (٦٠٥) بلفظ: ((إن الله يحب
المؤمن المفتَّن التواب)» وإسناده ضعيف بمرة.
(٣) تحرَّف في (س) إلى: خيثم. بتقديم الياء على المثلثة.
(٤) روايتا أبي داود والترمذي من حديث زيد أبي يسار مولى النبي ◌َّ، ورواية الحاكم من حديث ابن مسعود،
وانظر ((الترغيب والترهيب)) ٣١٠/٢.