النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
باب ٢٤/ح ٧٤٤٤
كتاب التوحيد
الذّات اللّازِمة المنَّهة عمَّا يُشبِهِ المخلوقات، ثمَّ استَشكَلَ ظاهرَه بأنَّه يقتضي أنَّ رُؤية الله
غيرُ واقعة، وأجابَ بأنَّ مفهومه بيان قُرب النَّظَر، إذ رِداء الكِبرياء لا يكون مانعاً من الرُّؤية،
فعَبَّرَ عن زَوال المانع عن الإبصار بإزالةِ الرِّداء(١)، انتهى.
وحاصله: أنَّ رِداء الكِبرياء مانع عن الرُّؤية، فكأنَّ في الكلام حذفاً تقديره بعد قوله:
((إلّا رِداء الكِبرياء)): فإنَّه يَمُنّ عليهم برفْعِه، فيَحصُل لهم الفَوزُ بالنَّظَرِ إليه، فكأنَّ المراد أنَّ
المؤمنينَ إذا تَبَوَّءوا مَقاعِدهم من الجنَّة لولا ما عندهم من هَيبة ذي الجَلال، لمَا حالَ بينهم
وبين الرُّؤية حائلٌ، فإذا أرادَ إكرامهم حَفَّهم برَأْفَتِهِ، وتَفَضَّلَ عليهم بتَقويَتِهِم على النَّظَر إليه
سبحانه وتعالى.
ثمَّ وَجَدت في حديث صُهَيبٍ في تفسير قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْمُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾
[يونس: ٢٦] ما يَدُلّ على أنَّ المراد برِداءِ الكبرياء في حديث أبي موسى: الحجاب المذكور في
حديث صُهَيبٍ، وأنَّه سبحانه يَكشِفُه لأهلِ الجنَّة إكراماً لهم. والحديث عند مسلم (١٨١)
والتِّرمِذيّ (٢٥٥٢ و ٣١٠٥) والنَّسائيِّ (ك٧٧١٨) وابن خُزَيمةَ(٢) وابن حِبّان (٧٤٤١) ولفظ
مسلم: أنَّ النبيّ وَّهِ قال: ((إذا دَخَلَ أهلُ الجنَّة الجنَّةَ، يقول الله عزَّ وجلّ: تريدونَ شيئاً
أزيدُكُم؟ فيقولون: ألم تُبَيِّضْ وجوهَنا وتُدخِلْنا الجنَّة؟ قال: فيَكشِف لهم الحجاب فما
أُعطُوا شيئاً أحَبَّ إليهم منه، ثمَّ تلا هذه الآية: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾)) أخرجه
مسلم عَقِب حديث أبي موسى، ولعلَّه أشار إلى تأويله به.
وقال القُرطُبيّ في (المُفهِم): الرِّداء استعارة كَنَى بها عن العَظَمة، كما في الحديث
الآخَر: ((الكِبرياء رِدائي، والعَظَمة إزاري))(٣) وليس المراد الثّياب المحسوسة، لكنَّ المناسَبة
أنَّ الرِّداء والإزار / لمَّا كانا مُتَلازِمَينِ للمخاطَبِ من العرب، عَبَّرَ عن العَظَمة والكبرياء بهما، ٤٣٣/١٣
(١) تحرَّف في (س) إلى: المراد.
(٢) في ((التوحيد)) ٢/ ٤٤٣ و ٤٤٤.
(٣) أخرجه بهذا اللفظ أبو داود (٤٠٩٠)، وابن ماجه (٤١٧٤) من حديث أبي هريرة، وابن ماجه (٤١٧٥)
من حديث ابن عباس، وهو عند مسلم (٢٦٢٠) بنحوه عن أبي سعيد وأبي هريرة معاً.

٣٨٢
باب ٢٤/ ح ٧٤٤٥
فتح الباري بشرح البخاري
ومعنى حديث الباب أنَّ مُقتَضَى عِزّة الله واستِغنائه أن لا يراه أحد، لكنَّ رحمته للمُؤمِنينَ
اقتَضَت أن يُريَهم وجهه كمالاً للنِّعمة، فإذا زالَ المانع فعَلَ معهم خِلَاف مُقْتَضَى الكِبرياء،
فكأنَّه رَفَعَ عنهم حِجاباً كان يَمنَعهم. ونَقَلَ الطَّبَرِيُّ عن عليّ وغيره في قوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا
مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] قال: هو النَّظَر إلى وجه الله.
قوله: ((في جَنّة عَذْن)) قال ابن بَطّال: لا تَعلُّق للمُجَسِّمةِ في إثبات المكان، لما ثَبَتَ من
استحالة أن يكون سبحانه جسماً أو حالًّا في مكان، فيكون تأويل الرِّداء: الآفة الموجودة
لأبصارهم المانعة لهم من رُؤيَتِهِ، وإزالتُها فِعْلٌ من أفعاله يَفعَله في محلّ رُؤیتهم له، فلا
يَرَونَه ما دامَ ذلك المانع موجوداً، فإذا فعل الرُّؤية زالَ ذلك المانع، وسَمّه رِداءً ليُنزِلَهُ في
المنعِ مَنِزِلَةَ الرِّداء الذي يَحَجُب الوجه عن رُؤيَتِهِ، فأطلَقَ عليه الرِّداءَ مَجازاً، وقوله: ((في جَّة
عَدن)) راجع إلى القوم.
وقال عِيَاض: معناه راجع إلى الناظرينَ، أي: وهم في جَنّة عَدن لا إلى الله، فإنَّه لا تَحويه
الأمکِنة سبحانه.
وقال القُرطُبيّ: يَتعلَّق بمحذوفٍ في موضع الحال من («القوم))، مِثل كائنينَ في جَنّة عَدن.
وقال الطِّييُّ: قوله: ((في جَنّة عَدن)) مُتَعلِّق بمعنى الاستقرار في الظَّرف، فُيُفِيدُ بالمفهومِ
انتفاء هذا الحصر في غير الجنَّة، وإليه أشارَ التّورِبِشتيُّ بقوله: يشير إلى أنَّ المؤمن إذا تَبَوَّأْ مَفعَده
[تَبَوَّأ](١) والحُجُب مُرتَفِعة، والموانع التي تَحجُب عن النَّظَر إلى ربّه مُضمَحِلّة، إلّا ما يَصُدّهم من
الھیبة، کما قيلَ:
أشتاقُه فإذا بَدَا أطرَقْتُ من إجلالهِ
فإذا حَفَّهم برَأْفَتِهِ ورحمته رَفَعَ ذلك عنهم، تَفَضُّلاً منه عليهم.
٧٤٤٥ - حدَّثنا الحُميديُّ، حذَّثنا سفيانُ، حدَّثنا عبدُ الملِك بنُ أعيَنَ وجامِعُ بنُ أبي راشدٍ،
عن أبي وائلٍ، عن عبدِ الله ◌ُ، قال: قال رسولُ الله ◌ََّ: (مَنِ اقْتَطَعَ مالَ امِرِئٍ مُسلِمٍ بيمينٍ كاذبةٍ
(١) قوله: تبوَّأ، سقطت من الأصلين و(س)، ولا بُدَّ منه لتمام الكلام.

٣٨٣
باب ٢٤/ ح ٧٤٤٦ -٧٤٤٧
كتاب التوحيد
لَقِيَ الله وهو عليه غَضْبانُ)). قال عبدُ الله: ثمَّ قرأ رسولُ الله ◌َّهِ مِصْداقَه مِن كتاب الله جلَّ
ذِكرُهُ: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ تَمَلِيلًا أُوْلَكَ لَا خَلَقَ لَهُمْ فِ الْآَخِرَةِ وَلَ
يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾)) الآيةَ [آل عمران: ٧٧].
٧٤٤٦- حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدّثنا سفيانُ، عن عَمٍو، عن أبي صالح، عن أبي هُرَيرةَ، عن
النبيِّوَّ، قال: ((ثلاثةٌ لا يُكلِّمُهُم الله يومَ القيامةِ، ولا يَنْظُرُّ إليهم: رجلٌ حَلَفَ على سِلْعَتِهِ لقد أعطَى
بها أكثرَ مما أعطَى وهو كاذبٌ، ورجلٌ خَلَفَ على يمينٍ كاذبةٍ بعدَ العصرِ ليَقْتَطِعَ بها مالَ امِرِئٍ
مُسلِمٍ، ورجلٌ مَنَعَ فضْلَ ماءٍ، فيقولُ الله يومَ القيامةِ: اليومَ أمْنَعُكَ فضْلِي كما مَنَعْتَ فضْلَ ما لم تَعمَلْ
يداكَ)).
٧٤٤٧- حدَّثْنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا عبدُ الوهّاب، حدَّثنا أيوبُ، عن محمَّدٍ، عْنِ ابنِ أبي
بَكْرةَ، عن أبي بَكْرةَ، عن النبيِّ ◌َِِّ، قال: ((الزَّمانُ قد استَدَارَ كَهَيْتِهِ يومَ خَلَقَ الله السَّماوات
والأرضَ، السَّنةُ اثنا عَشَرَ شَهْراً، منها أربعةٌ حُرُمٌ، ثَلاثَةٌ مُتَوالياتٌ: ذو القَعْدِةِ، وذو الحَجّةِ،
والمحرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الذي بينَ بُمادَى وَشَعْبانَ، أيُّ شهرٍ هذا؟)) قلنا: الله ورسولُه أعلَمُ،
فسَكَتَ حتَّى ظَنَّا أَنَّه يُسمِّيه بغيرِ اسمِه، قال: ((أليسَ ذا الحَجّةِ؟)) قلنا: بَلَى، قال: («أيُّ بلدٍ
هذا؟)) قلنا: الله ورسولُه أعلَمُ، فسَكَتَ حتَّى ظَنَّا أنَّه سيُسمِّيه بغيرِ اسمِه، قال: ((أليسَ
البَلْدةَ؟)) قلنا: بلى، قال: ((فأيُّ يوم هذا؟)) قلنا: الله ورسولُه أعلَمُ، فسَكَتَ حتَّى ظَنًا أنَّه سيُسمِّيه
بغيرِ اسمِه، قال: ((أليسَ يومَ النَّحْرِ؟)) قلنا: بَلَى، قال: ((فإنَّ دِماءَكم وأمْوالَكم - قال محمَّدٌ:
وأحسِبُه قال: وأعراضَكم - عليكم حرامٌ كَحُرْمةِ يومِكم هذا، في بلدِكم هذا، في شَهْرِ كم هذا،
وسَتَلْقَوْنَ رَبَّكم فيَسْألُكُم عن أعمالِكم، ألا فلا تَرجِعوا بَعْدي ضُلّالاً يُضْرِبُ بعضُكم رِقَابَ
بعضٍ، ألا ليُبْلِغِ الشّاهدُ الغائبَ، فلعلَّ بعضَ مَن يَبْلُغُه أنْ يكونَ أوْعَى لَهُ مِن بعضٍ مَن
سَمِعَهُ)).
فكان محمَّدٌ إذا ذكره قال: صَدَقَ النبيُّ وَّهِ. ثُمَّ قال: ((ألا هل بَلَّغْتُ، ألا هل بَلَّغتُ؟)).
الحديث التاسع: عن عبد الله، وهو ابنُ مسعود.

٣٨٤
باب ٢٤/ ح ٧٤٤٦ -٧٤٤٧
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((قال عبد الله)) هو ابن مسعود راويه، وهو موصولٌ بالسَّنَدِ المذكور.
قوله: ((مِصْداقه)) أي: الحديث، ومِصداق بكسر أوَّله: مِفعال من الصِّدق بمعنى
الموافقة.
قوله: ((﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾ إلى أنْ قال: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ الآيةَ)) كذا لأبي ذرٍّ وغيره،
والمراد هنا من هذه الآية قوله بعده: ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾، ويُؤْخَذ منه تفسير قوله: ((لَقِيَ اللهَ
وهو عليه غَضبانُ)) ومُقتَضاه أنَّ الغضب سبب لمَنْع الكلام، والرُّؤية والرِّضا سبب
لوجودِهما، وقد تقدَّم شَرح هذا الحديث في ((كتاب الأيمان والنُّذور)) (٦٦٧٦).
الحديث العاشر: حديثُ أبي هريرة.
قوله: ((عن عَمْرو)) هو ابن دينار المكِّيّ، وقد تقدَّم هذا الحديث سنداً ومَتناً في كتاب الشِّرب
(٢٣٦٩)، وتقدَّم شَرحُهُ مُستَوفَى في أواخر الأحكام (٧٢١٢).
الحديث الحادي عشر: حديث أبي بَكْرة. وعبد الوهّاب في سنده: هو ابن عبد المجيد
الثَّقفيّ، وأيوب: هو السَّختِيَانيّ، ومحمَّد: هو ابن سِيرِين، وابن أبي بَكْرة: هو عبد الرَّحمن
كما وَقَعَ التَّصريح به في كتاب الحجّ (١٧٤١)، والسَّنَد كلّه بصريّونَ، وقد تقدَّم بعَينِهِ في بَدْء
الخلق (٣١٩٧) وفي المغازي (٤٤٠٦).
وأغفَلَ المِزُّّ ذِكر هذا السَّنَد في التَّوحيد وفي المغازي، وهو ثابت فيهما، وزَعَمَ أنَّه
أخرجه في التَّفسير عن أبي موسى، ولم أرَه في التَّفسير مع أنَّه لم يَذكُر منه في بَدْء الخلق إلّا
قِطعةً يسيرةً إلى قوله: ((وشَعبان))، وساقَه بتمامه في المغازي وهنا، إلّا أنَّه سَقَطَ من وسَطه
هنا عند أبي ذرِّ عن السَّرَخسيّ، قوله: قال: ((فأيّ يوم هذا؟)) - إلى قوله: ــ ((قال: فإنَّ
دماءكم)).
وقد تقدَّم شَرحه مُفرَّقاً: أمّا ما يَتعلَّق بأوَّلِه وهو: ((أنَّ الزّمان قد استَدارَ كَهَتِهِ)) ففي تفسير
سورة براءة (٤٦٦٢)، وأمّا ما يتعلَّق بالشَّهرِ الحرام والبلد الحرام، ففي باب الخُطبة أيام مِنَّى من
كتاب الحجّ (١٧٤١)، وأمّا ما يَتعلَّق بالنَّهي عن ضَرب بعضهم رِقاب بعض، ففي ((كتاب

٣٨٥
باب ٢٥/ح ٧٤٤٨ -٧٤٤٩
كتاب التوحيد
الفتن)) (٧٠٧٨)، وأمّا ما يتعلَّق بالحثِّ على التَّبليغ، ففي ((كتاب العلم)) (٦٧).
والمراد منه هنا قوله: ((وسَتَلقَونَ رَبّكم، فيَسألُكم عن / أعمالكم)) وقد ذَكَرتُ ما فُشِّرَ به اللِّقاء ٤٣٤/١٣
في الحديث الخامس، وبالله التَّوفيق.
تَكْمِلةٌ: جَعَ الدّارَ قُطنيُّ طرق الأحاديث الواردة في رُؤية الله تعالى في الآخرة، فزادَت على
العِشرينَ، وتتبَّعها ابن القَيِّم في ((حادي الأرواح)) فبَلَغَتِ الثَّلاثينَ، وأكثرها جياد، وأسنَدَ
الدّارَ قُطنيُّ عن يحيى بن مَعِين، قال: عندي سبعة عشر حديثاً في الرُّؤية صِحاحٌ.
٢٥ - باب ما جاءَ في قول الله عزَّ وجلَّ:
﴿ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]
٧٤٤٨- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا عبدُ الواحدِ، حدَّثنا عاصمٌ، عن أبي عُثْمَانَ،
عن أُسامةَ، قال: كانَ ابنٌ لبعضٍ بنات النبيِّ ◌َِّ يَقْضِي، فأرسَلَتْ إليه أنْ يَأْتِيَها، فأرسَلَ:
((إنَّالله ما أخَذَ، وله ما أعطى، وكلٌّ إلى أجَلٍ مُسَمَّ، فَلْتَصْبِرْ ولْتحتَسِب))، فأرسَلَتْ إليه
فأقْسَمَتْ عليه، فقامَ رسولُ الله ◌َِّ، وقُمتُ معه، ومُعاذُ بنُ جبلٍ، وأُبِيُّ بنُ كَعْبٍ، وعُبادةُ
ابنُ الصّامِتِ، فلمَّا دَخَلْنا ناوَلُوا رسولَ الله وَهِ الصَّبِيَّ ونفسُه تَقَلْقَلُ في صَدْرِه - حَسِبتُه
قال: كأنَّهَا شَنّةٌ - فبَكَى رسولُ اللهَوَّةِ، فقال سَعْدُ بنُ عُبادةَ: أتبكي؟ فقال: ((إنَّما يرحمُ اللهُ
مِن عبادِهِ الرُّحَماءَ)).
٧٤٤٩- حدَّثْنَا عُبَيْدُ الله بنُ سَعْدِ بنِ إبراهيمَ، حدَّثنا يعقوبُ، حدَّثنا أبي، عن صالحِ بنِ
كَيْسانَ، عن الأعرج، عن أبي هُرَيرةَ، عن النبيِّ ◌ََّ، قال: «اختَصَمَتِ الجنَّةُ والنارُ إلى ربّهما،
فقالت الجنَّةُ: يا رَبِّ، ما لها لا يَدخُلُها إلا ضُعَفاءُ الناسِ وسَقَطُهم، وقالت النارُ ... فقال الله
تعالى للجَنّةِ: أنتِ رحمتي، وقال للنّار: أنتِ عذابي، أُصِيبُ بكِ مَن أشاءُ، ولكلِّ واحدةٍ منكُما
مِلْؤُها، قال: فأمّا الجنَّةُ فإنَّ الله لا يَظْلِمُ مِن خلقِه أحداً، وإنَّه يُنْشِئُ للنّار مَن يشاءُ، فيُلْقَوْنَ
فيها، فَتَقولُ: هل مِن مَزِيدٍ؟ ثلاثاً، حتَّى يَضَعَ فيها قَدَمَه فَتَمتَلِىُ، وَيُرَّدُّ بعضُها إلى بعضٍ،
وتقولُ: قَطْ قَطْ قَطْ)).

٣٨٦
باب ٢٥/ح ٧٤٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
٧٤٥٠ - حدّثنا حَفْصُ بنُ عمرَ، حدَّثنا هشامٌ، عن قَتَادةَ، عن أنسٍ عُه، أنّ النبيَّ ◌َّ قال:
(لَيَصِيبَنَّ أقواماً سَفْعٌ منَ النار بذُنوبِ أصابوها عُقوبةً، ثمَّ يُدْخِلُهُم الله الجنَّةَ بِفَضْلٍ رحمته،
يُقالُ لهمُّ: الجَهَنَّمِيّونَ)).
وقال هَمَّامٌ: حدَّثْنَا قَتَادةُ، حدَّثنا أنسُّ.
٤٣٥/١٣
قوله: ((باب ما جاءَ في قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾
قال ابن بَطّال: الرَّحمة تَنْقَسِم إلى صِفَة ذات وإلى صِفَة فِعْل، وهنا يحتمل أن تكون صِفَةً
ذات، فيكون معناها: إرادة إثابة الطّائعينَ، ويحتمل أن تكون صِفَةً فعْل، فيكون
معناها: أنَّ فضل الله بسَوْقِ السَّحاب وإنزال المطر قريبٌ من المحسنين، فكان ذلك
رحمةً لهم لكَونِهِ بِقُدرَته وإرادته، ونحوه (١) تسمية الجنَّة رحمةً، لكونها فعْلاً من أفعاله
حادثةً بقُدرَته.
وقال البيهقيُّ في كتاب ((الأسماء والصِّفات)): باب الأسماء التي تَتَبَعُ إثبات التَّدبير لله دونَ
مَن ◌ِواه: فمن ذلك ((الرَّحمن الرحيم))، قال الخطَّبيُّ: معنى الرّحمن: ذو الرَّحمة الشّاملة التي
وسِعَتِ الخلقَ في أرزاقهم، وأسباب مَعايشهم ومصالحهم، قال: والرحيم خاصّ بالمؤمنينَ، كما
قال سبحانه: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣].
وقال غيره: الرّحمن خاصٌّ في التَّسمية، عامٌّ في الفعل، والرحيم عامّ في التَّسمية، خاصّ في
الفعل. انتهى، وقد تقدَّم شيء من هذا في أوائل التَّوحيد في باب ﴿قُلِ ادْ عُواْ اللَّهُ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَّ أَيّاً
مَّاتَدْ عُواْ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾(٢) [الإسراء: ١١٠].
وتَكلَّمَ أهل العربيّة على الحِكمة في تَذكير ﴿قَرِيبٌ﴾، مع أنَّه وصف الرَّحمة، فقال
الفَرّاء: قريبة وبعيدة إن أُريدَ بها النَّسَب تُبوتاً ونَفياً، فتؤنَّث جَزماً فتقول، فلانة قريبة لي أو
ليست قريبةً لي، فإن أُريدَ المكان جازَ الوجهان، لأَنَّه صِفَة المكان، فتقول: فلانة قريبة وقريب،
(١) تحرَّف في (س) إلى: ونحو.
(٢) باب رقم (٢).

٣٨٧
باب ٢٥/ح ٧٤٥٠
كتاب التوحيد
إذا کانت في مکان غیرِ بعيدٍ، ومنه قوله(١).
عَشيّةَ لا عَفراءُ مِنكَ قريبةٌ فَتَدُنُو ولا عَفراءُ مِنك بعيدُ
ومنه قول امرئ القيس:
له الويلُ إن أمسَى ولا أمّ سالمٍ قريبٌ.
البيتَ
وأمّا قول بعضهم: سبيل المذكَّر والمؤنَّث أن يُجرَيا على أفعالهما، فمَردود، لأَنَّه رَدّ الجائز
بالمشهور، وقال تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: ٦٣].
وقال أبو عُبَيدة: قريب في قوله تعالى: ﴿قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [الأعراف: ٥٦] لیس
وصفاً للرَّحمةِ، إنَّما هو ظَرف لها فجازَ فيه التَّأنيث والتَّذكير، ويَصلُح للجمع والمثنَّى
والمفرَد، ولو أُريدَ بها الصِّفة لَوجَبَتِ المطابقة. وتَعقَّبَه الأخفَش بأنَّها لو كانت ظَرفاً لَنُصِبَت،
وأُجيبَ بأنَّه يُتَسِعُ في الظَّرِف.
ووراء ذلك أجوبة أُخرى مُتَقَاربة، ويُقال: إنَّ أقواها قول أبي عُبَيدة، فقيل: هي صِفَة
الموصوفٍ محذوف، أي: شيء قريب، وقيل: لمَّا كانت بمعنى الغُفران أو العَفو أو المطر أو
الإحسان ◌ُِلَت عليه. وقيل: الرُّحْم بالضَّمّةِ والرَّحمة بمعنَى واحد، فذُكِّرَ باعتبار الرُّحم. وقيل:
المعنى أنَّها ذات قُرب، كقولهم: حائض، لأنَّها ذات حَيض. وقيل: هو مصدر جاءَ على ((فعيل))،
كَنَقِيقِ لصوتِ الصِّفْدَع. وقيل: لمَّا كان وزنه وزنَ المصدر نحو: زَفير وشَهيق، أُعطيَ حُكمَه في
استواء التَّذكير والتَّأنيث. وقيل: إنَّ الرَّحمة(٢) بمعنى: مُفَعَّلَة، فتكون بمعنى مفعول، وفَعيل
بمعنى مفعول كثير. وقيل: أُعطي فعيل بمعنى فاعل حُكمَ فَعيل بمعنى مفعول.
(١) نَسَبَه الفراء في ((معاني القرآن)) ١/ ٣٨١ إلى عُروة، وهو ابنُ حِزامِ العُذْريّ، ولكن أكثر من روى هذا
البيت من أهل الأدب ذكره بلفظ:
عشيةَ لا عَفْراءُ منك بعيدةٌ فَتَسْلُو ولا عفراءُ منك قَرِيبُ
وهو الصحيح، لأن البيت مذكور ضمن قصيدة لعروة برَويّ الباء.
(٢) كذا وقع في الأصلين و (س) بذكر الرحمة، وهو سبق قلم، لأن الكلام هنا عن كلمة «قريب)) وأنها بمعنى مُقَرَّبة،
مفعول لقَرَّب، فيتسق الكلامُ بأن يقال: إن قريب بمعنى مُفَعَّلة.

٣٨٨
باب ٢٥/ح ٧٤٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
وقيل: هو من الثَّانيث المجازيّ كَطَلَعَ الشمس، وبهذا جَزَمَ ابن التِّين. وتَعقَّبوه بأنَّ شرطه
تَقَدُّم الفعل وهنا جاءَ الفعل مُتَأْخِّراً، فلا يجوز إلّا في ضَرُورة الشِّعر. وأُجيبَ بأنَّ بعضهم حكى
الجواز مُطلَقاً، والله أعلم.
ثمَّ ذکر في الباب ثلاثة أحاديث:
أحدها: حديث أُسامة بن زيد، وقد تقدَّم التّنبيه عليه في أوائل ((كتاب التَّوحيد)) (٧٣٧٧).
وقوله: ((إنَّما يرحم الله)) فيه إثبات صِفَة الرَّحمة له، وهو مقصود التَّرجمة.
ثانيها: حديث أبي هريرة: ((اختَصَمَتِ الجنَّة والنار)).
ويعقوب في سنده: هو ابن إبراهيم بن سعد الذي تقدَّم في الحديث الخامس (٧٤٤١) من
الباب قبله، والأعرَج: هو عبد الرَّحمن بن هُرمُز، وليس لصالح بن کَیْسانَ عنه في ((الصحيحين))
إلّا هذا الحديث.
قوله: ((اختَصَمَتْ)) في رواية همَّام عن أبي هريرة المتقدِّمة في سورة ﴿قَ﴾ (٤٨٥٠):
(تَحَاجَّت))، ولمسلم (٢٨٤٦/ ٣٤) من طريق أبي الزّناد عن الأعرَج: ((احتَجَّت))، وكذا
٤٣٦/١٣ له (٣٥/٢٨٤٦) من طريق ابن سِيرِين عن أبي / هريرة، وكذا في حديث أبي سعيد عنده
(٢٨٤٧).
قال الطِّييُّ: تَحاجَّت أصله تَحَاجَجَت، وهو مُفاعلة من الحِجاج، وهو الخِصام وزنه
ومعناه، يقال: حاجَجَته مُحَاجَجة ومحاجّة وحِجاجاً، أي: غالَبتُهُ بالْحُجّةِ، ومِنه: ((فحَجَّ آدمُ
موسى))(١)، لكنَّ حديث الباب لم يَظهَر فيه غَلَبة واحد مِنهُما.
قلت: إنَّما وِزان ((فحَجَّ آدمُ موسى)) لو جاءَ تَحَاجَّتِ الجنَّةُ والنارُ فحاجَّتِ الجنَّةُ النارَ،
وإلّا فلا يَلْزَم من وقوع الخِصام الغَلَبة.
قال ابن بَطّال عن المهلَّب: يجوز أن يكون هذا الخِصام حقيقة بأن يَخلُق الله فيهما حياةً وفَهماً
(١) تقدَّم برقم (٤٧٣٦).

٣٨٩
باب ٢٥/ح ٧٤٥٠
كتاب التوحيد
وكلاماً، والله قادر على كلّ شيء، ويجوز أن يكون هذا مجازاً، كقولهم: امتلأ الحوض وقال:
قَطْني، والحوض لا يتكلّم وإنَّما ذلك عبارة عن امتلائه، وأنَّه لو كان ممَّن يَنطِقِ لَقال ذلك،
وكذا في قول النار: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠]. قال: وحاصل اختصامِهِما (١) افتخار إحداهما (٢)
على الأُخرى بمَن يَسكُنها، فتَظُنّ النار أنَّها بمَن أُلقيَ فيها من عُظَماء الدُّنيا أبَرّ عند الله من
الجنَّة، وتَظُنّ الجنَّة أنّها بمَن أسكَنَها من أولياء الله تعالى أبَرّ عند الله، فأُجيبتًا بأنَّه لا فضل
لإحداهما على الأُخرى من طريق مَن يَسكُنُهُما، وفي كِلاهُما شائبة شِكاية إلى ربّهما، إذ لم
تَذْكُر كلّ واحدة مِنْهُما إلّا ما اختُصَّت به، وقد رَدَّ الله الأمرَ في ذلك إلى مَشيئته، وقد تقدَّم
كلام النَّوويّ في هذا في تفسير ﴿قَ﴾.
وقال صاحب ((المُفهِم)): يجوز أن يَخلُق الله ذلك القولَ فيما شاءَ من أجزاء الجنَّة
والنار، لأَنَّه لا يُشتَرَط عَقلاً في الأصوات أن يكون محلّها حَيّاً على الرَّاجح، ولو سَلَّمنا
الشَّرط لَجازَ أن يَخُلُق الله في بعض أجزائهما الجَماديّة حياةً، لا سيَّما وقد قال بعض المُفسِّرِينَ في
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِىَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤]: إنَّ كلّ ما في الجنَّة حَيّ،
ويحتمل أن يكون ذلك بلسان الحال، والأوَّل أولَى.
قوله: ((فقالت الجنَّة: يا رَبّ ما لها؟)) فيه التِفات، لأنَّ نَسَق الكلام أن تقول: ما لي؟
وقد وَقَعَ كذلك في رواية هَمَّام (٤٨٥٠): ((ما لي؟))، وكذا لمسلم (٣٥/٢٧٤٦) عن أبي
الزِّناد.
قوله: ((إلّا ضُعَفاء الناس وسَقَطُهم)) زاد مسلم: ((وعَجَزُهم))، وفي رواية له (٢٨٤٦/ ٣٦):
(وغَرَثُهم))، وقد تقدَّم بيان المراد بالضُّعَفاءِ في تفسير ﴿قّ﴾، و ((سَقَطهم)) بفتحَتَينِ جمع
ساقط، وهو النازِلُ القَدْرِ الذي لا يُؤْبَه له، وسَقَطُ المتاع: رَديتُهُ، و((عَجَزهم)) بفتحَتَينِ أيضاً
جمع عاجِزِ ضَبَطَه عِيَاض. وتَعقَّبَه القُرطُبيّ بأنَّه يَلزَم أن يكون بتاءِ التَّنیث کكاتبٍ وكَتَبَة،
(١) تحرَّف في (س) إلى: اختصاصھما.
(٢) تحرَّف في (س) إلى: أحدهما.

٣٩٠
باب ٢٥/ح ٧٤٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
وسُقوط التّاء في هذا الجمع نادر، قال: والصَّواب بضمٍّ أوَّله وتشديد الجيم مِثل: شاهد
وشُهَد.
وأمّا (غَرَثهم)) فهو بمُعجَمةٍ ومُثَلَّة جمعٍ غَرثان(١)، أي: جَيعان، ووَقَعَ في رواية الطََّرِيِّ
بكسر أوَّله وتشديد الرَّاء ثمَّ مُثّة، أي: غَفَلَتِهِم، والمراد به أهل الإيمان الذينَ لم يَتَفَطَّنوا
للشُّبَه، ولم توسوس لهم الشَّياطين بشيءٍ من ذلك، فهم أهل عقائدَ صحيحةٍ وإيمانٍ ثابتٍ،
وهم الجمهور، وأمّا أهل العلم والمعرفة فهم بالنِّسبةِ إليهم قليل.
قوله: ((وقالت النار، فقال للجنّةِ) كذا وَقَعَ هنا مُخُتصَراً، قال ابن بَطّال: سَقَطَ قول النار هنا من
جميع النُّسَخ(٢)، وهو محفوظ في الحديث، رواه ابن وَهْب عن مالك عن أبي الزِّناد(٣)، بلفظٍ:
((أوثرتُ بالمُتَكَبِّرِينَ والمُتَجَبِّينَ)).
قلت: هو في ((غرائب مالك)) للدّارَقُطنيّ، وكذا هو عند مسلم (٣٥/٢٨٤٦) من رواية
ورقاء عن أبي الزناد، وله (٣٤/٢٨٤٦) من رواية سفيان عن أبي الزّناد: ((يَدخُلني الجَبّارونَ
والمُتَكَبِّونَ))، وفي رواية محمَّد بن سِيرِين عن أبي هريرة: ((ما لي لا يَدخُلني إلّا)) أخرجه
النَّسائيُّ (ك ١١٤٥٨)، وفي حديث أبي سعيد: ((فقالت النار: فيَّ) أخرجه أبو يَعلَى (١١٧٢)
وساقَ مسلم (٢٨٤٨) سنده (٤).
قوله: ((فقال الله تعالى للجنّةِ: أنتِ رحمتي)) زاد أبو الزّناد في روايته: «أرحَمُ بكِ مَن أشاء
من عبادي)) وكذا ھَّامٍ.
(١) لم نقف على هذا الجمع عند أحدٍ من أهل اللغة، إذ لم يذكروا في جمع غرثان إلا ثلاثة أوزان، وهي: غَرْثى وغَرَاثى
وغِراث، وفي غراثى وجهان: كسر المثلثة ويعدها ياء، أو فتحها وبعدها ألف مقصورة.
(٢) إنما سقط من النسخ التي وقعت للحافظ رحمه الله، وإلا فهو ثابت في اليونينية، وقال العيني ٢٥/ ١٣٧: أُبُرِزَ في
بعض النسخ، ولم يقع في كثير فيها. قلنا: على أنه ثبت في الرواية المتقدمة برقم (٤٨٥٠) من طريق همام عن أبي
هريرة، وذهل الحافظ عنه هنا، فأثبت المقول من رواية غير البخاري.
(٣) قوله: (عن أبي الزناد)) سقط من (س).
(٤) وساق مسلم أيضاً سند رواية محمد بن سيرين عن أبي هريرة (٢٨٤٦) (٣٥).

٣٩١
باب ٢٥/ح ٧٤٥٠
كتاب التوحيد
قوله: ((وقال للنّار: أنتِ عذابي أُصيبُ بكِ مَن أشاء)) زاد أبو الزِّناد(١): ((من عبادي)).
قوله: ((مِلْؤُها)) بكسر أوَّله وسكون اللّام بعدها همزةٌ.
قوله: ((فأما الجنَّة، فإنَّ الله لا يَظْلِمُ مِن خلْقه أحداً، وإِنَّه يُنْشِئ للنّار مَن يشاء)) قال أبو الحسن
القابسيّ: المعروف في هذا الموضع أنَّ الله يُنشِئ للجنّةِ خلْقاً، وأمّا النار فيَضَع فيها قَدمَه. قال:
ولا أعلَم في شيء من الأحاديث أنَّه يُنشِئ للنّار خلقاً إلّا هذا. انتَهَى.
٤٣٧/١٣
وقد مضى في تفسير سورة ﴿قَ﴾ (٤٨٤٩) من طريق محمّد بن سِيرِين عن أبي هريرة:
((يُقال لجَهَنَّم: هل امتَلَأت؟ وتقول: هل من مَزيد؟ فَيَضَع الرَّبّ عليها قَدمه، فتقول: قَطْ
قَطْ))، و(٤٨٥٠) من طريق همَّام بلفظ: ((فأمّا النار فلا تَتَلِئ حتَّى يَضَعِ رِجلَه، فتقول: قَطْ
قَطْ، فهناك تَمَتَلِئِ، ويَزوي بعضُها إلى بعض، ولا يَظلم الله من خلقه أحداً)، وتقدَّم هناك
بيان اختلافهم في المراد بالقَدَمِ مُستَوقَى.
وأجابَ عِيَاض بأنَّ أحدَ ما قيل في تأويل القَدَم: أنَّهم قوم تقدَّم في عِلم الله أنَّه يَخْلُقُهم، قال:
فهذا مُطابِقٍ للإنشاء. وذِكر القَدَم بعد الإنشاء يُرجِّح أن يكونا مُتَغَايِرَين، وعن المهلَّب
قال: في هذه الزّيادة حُجّة لأهلِ السُّنّة في قولهم: إنَّ لله أن يُعذِّب مَن لم يُكلِّفه لعبادَتِه في
الدُّنيا، لأنَّ كلّ شيء مِلكَه، فلو عَذَّبَهم لكانَ غيرَ ظالم لهم. انتهى، وأهل السُّنّة إنَّما تَمَسَّكوا
في ذلك بقوله تعالى: ﴿لَا يُسْشَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣] و﴿يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ ﴾ [آل عمران: ٤٠]
وغير ذلك، وهو عندهم من جهة الجواز، وأمّا الوقوع ففيه نَظَر، وليس في الحديث حُجٌّ،
للاختلاف في لفظه ولقَبُولِه التَّويل.
وقد قال جماعة من الأئمّة: إنَّ هذا الموضع مقلوب، وجَزَمَ ابن القَيِّم بأنَّه غَلَط(٢)،
واحتَجَّ بأنَّ الله تعالى أخبَرَ بأنَّ جَهَنَّمْ تَمْتَلِئ من إبليس وأتباعه، وكذا أنكَرَ الرِّوايةَ شيخُنا
(١) وكذا لهمام فيما تقدم برقم (٤٨٥٠).
(٢) وقد سبق ابنَ القيّم إلى تغليط هذه الرواية شيخُه ابن تيمية في ((منهاج السنة)) ١٠١/٥ مبيّناً أن البخاري
قد روى هذا الحديث في سائر المواضع على الصواب ليُبيِّ غلطَ هذا الراوي، كما جرت عادتُه بمثل
ذلك.

٣٩٢
باب ٢٥/ح ٧٤٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
البُلقينيُّ، واحتَجَّ بقوله: ﴿وَلَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]، ثمَّ قال: وحَمله على أحجار
تُلقَى في النار أقرب من حَمله على ذي روح يُعذَّب بغيرِ ذَنب. انتهى، ويُمكِن التزام أن يكونوا
من ذَوي الأرواح، ولكن لا يُعذَّبونَ كما في الخَزَنة.
ويحتمل أن يُراد بالإنشاءِ ابتداءُ إدخال الكفَّار النارَ، وعَبَّرَ عن ابتداء الإدخال
بالإنشاءِ، فهو إنشاء الإدخال لا الإنشاء بمعنى ابتداء الخلق، بدليل قوله: «فيُلِقَونَ فيها
وتقول: هل من مزيد؟)) وأعادَها ثلاث مرَّات، ثمَّ قال: ((حتَّى يَضَع فيها قَدمَه فحينئذٍ
تَتَلِئِ)) فالذي يَملَؤُها حتَّى تقول: حَسبي، هو القَدَم، كما هو صريحُ الخبر، وتأويل القَدَم
قد تقدَّم، والله أعلم.
وقد أيَّدَ ابنُ أبي ◌َمْرة ◌َمْلَه على غير ظاهره بقوله تعالى: ﴿كَلَّ إِنَّهُمْ عَنْ زَِّهِمْ يَوْمَيِذٍ لََّحْبُونَ﴾
[المطففين: ١٥]، إذ لو كان على ظاهره لكانَ أهلُ النار في نَعيم المشاهَدة، كما يَتَنَعَّم أهل الجنَّة بُرُؤيةِ
ربّهم، لأنَّ مُشاهَدة الحقّ لا يكون معها عذابٌ.
وقال عِيَاض: يحتمل أن يكون معنى قوله عند ذِكر الجنَّة: ((فإنَّ الله لا يَظلم من خَلْقه
أحداً): أنَّه يُعذِّب مَن يشاء غيرَ ظالم له، كما قال: ((أُعَذِّب بك مَن أشاء)) ويحتمل أن يكون
راجِعاً إلى تَخاصُم أهل الجنَّة والنار، فإنَّ الذي جَعَلَ لكلٍّ مِنهُمَا عَدلٌ وحِكمَةٌ، وباستحقاق
كلٌّ منهم من غير أن يظلم أحداً.
وقال غيره: يحتمل أن يكون ذلك على سبيل التَّلميح بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣]. فعَبَّرَ عن ترك تضييع
الأجر بتركِ الظُّلم، والمراد أنَّه يُدخِلِ مَن أحسَنَ الجنَّة التي وعَدَ المَّقِينَ برحمته، وقد قال
للجنّةِ: ((أنتِ رحمتي))، وقال: ﴿إِنَّ رَحْمَكَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]،
وبهذا تَظْهَر مُناسَبة الحديث للتَّرجمةِ، والعلم عند الله تعالى.
وفي الحديث دلالة على اتِّساع الجنَّة والنار، بحيثُ تَسَعُ كلَّ مَن كان ومَن يكون إلى
يوم القيامة، وتحتاج إلى زيادة، وقد تقدَّم في آخر الرِّقاق(١) (٦٥٧٤) أنَّ آخر مَن يَدخُل
(١) وتقدم أيضاً في كتاب التوحيد برقم (٧٤٣٧) من حديث أبي سعيد الخدري.

٣٩٣
باب ٢٦/ح ٧٤٥١
كتاب التوحيد
الجنَّة يُعطَى مِثْلَ الدُّنيا وعَشَرةِ أمثالها. وقال الدَّاوُوديّ: يُؤخَذ من الحديث أنَّ الأشياء
تُوصَف بغالبها، لأَنَّ الجنَّة قد يَدخُلُها غير الضُّعَفاء، والنار قد يَدخُلُها غير المُتَكَبِّرِينَ، وفيه
رَدُّ على مَن حَمَلَ قول النار: ((هَلْ من مزيد؟)) على أنَّه استفهام إنكار، وأنَّا لا تحتاج إلى
زيادة.
الحدیث الثالث: حديث أنس.
قوله: ((سَفْع)) بِفتح المهمَلة وسكون الفاء ثمَّ مُهمَلة: هو أثَر تَغيُّرُ البَشَرة فيَبقَى فيها
بعضُ سوادٍ.
قوله: ((وقال همَّام: حدَّثنا قَتَادةُ، حدَّثنا أنس)) تقدَّم موصولاً في ((كتاب الرِّقاق)) (٦٥٥٩)
مع شَرحه، وأرادَ به هنا أنَّ العَنعَنة التي في طريق هشام محمولة على السَّماع (١)، بدليلِ رواية
همَّام، والله أعلم.
٢٦ - باب في قول الله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾
٧٤٥١ - حدَّثنا موسى، حدَّثنا أبو عَوَانَةَ، عن الأعمَشِ، عن إبراهيمَ، عن عَلْقمةَ، عن
عبدِ الله، قال: جاءَ حَبْرٌ إلى رسولِ اللهِ وَّةِ، فقال: يا محمَّدُ، إنَّ الله يَضَعُ السماءَ على إصْبَعٍ،
والأرضَ على إصْبَعٍ، والجبالَ على إصْبَعٍ، والشَّجَرَ والأنْهارَ على إصْبَعِ، وسائرَ الخلقِ على
إِصْبَعِ، ثمَّ يقولُ بَيَدِه: أنا الملِك، فضَحِكَ رسولُ اللهِوَّةٍ وقال: ((﴿ وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَّ قَدْرِهِ،﴾))
[الزمر: ٦٧].
قوله: ((باب في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾ [فاطر: ٤١])) ٤٣٨/١٣
وَقَعَ لبعضهم: «يُمسِك السَّماوات على إصبع)» وهو خطأ. ذكر فيه حديث ابن مسعود.
قال المهلَّب: الآية تَقْتَضي أنَّهُما تُمُسَكَتان بغيرِ آلة، والحديث يقتضي أنَّهُما ممسَكَتان بالإصبَعِ،
(١) يعني عنعنةَ قتادة، وأما صيغة التحديث بين همام وقتادة فلم تقع في الرقاق، بل جاءت الرواية بالعنعنة دون
خلاف بين رواة البخاري كما في اليونينية، وقد جاءت الرواية بينهما بصيغة السماع عند أحمد (١٢٣٧٥)، على أن
هماماً لا يُعرف بالتدليس.

٣٩٤
باب ٢٧
فتح الباري بشرح البخاري
والجواب أنَّ الإمساك بالإصبَعِ مُحالٌ، لأنَّه يَفْتَقِرِ إلى نُمسِك، وأجابَ غيره بأنَّ الإمساك في الآية
يَتَعلَّق بالدُّنيا، وفي الحديث بيوم القيامة، وقد مضى توجيه الإصبَع من كلام أهل السُّنّة مع
شرحه في باب قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَ﴾[ص: ٧٥]))(١)، قال الرَّاغِب: إمساك الشَّيء: التَّعَلُّق به،
وحِفظه، ومن الثّاني: قوله تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ الشَّمَآءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ﴾ الآية [الحج: ٦٥]، ويُقال:
أمسَكت عن كذا: امتَنَعتُ عنه، ومِنه: ﴿هَلْ هُرَ مُمْسِكَتُ رَحْمَتِهِ،﴾[الزمر: ٣٨].
قوله: ((إنَّ الله يَضَعِ السَّماوات(٢) على إصْبَع)) الحديث، ومضى هناك (٧٤١٤) بلفظ: ((إنَّ الله
يُمسِك)) وهو المطابِقِ للتَّرجمة، لكن جَرَى على عادته في الإشارة، وذَكَرَهُ فیه (٧٤١٥) من وجه
آخَر عن الأعمَش، وفيه تصريحه بسماعِه له من إبراهيم: وهو النَّخَعُيُّ. وموسى شيخ البخاريّ
فيه: هو ابن إسماعيل، كما جَزَمَ به أبو نُعيم في ((المستخرَج)).
وقوله: ((جاءَ حَبْر)) بفتح المهملة، ويجوز کسرها، بعدها موحّدة ساکنه ثمَّ راء: واحد
الأحبار، وذكر صاحب ((المشارق)) أنَّه وَقَعَ في بعض الرِّوايات: جاءَ جِبريل، قال: وهو
تصحيف فاحش، وهو كما قال، فقد مضى في الباب المشار إليه: جاءَ رجل، وفي الرِّواية
التي قبلها: أنَّ يهوديّاً جاءَ، ولمسلم (٢٧٨٦/ ٢٠): جاءَ حَبْر من اليهود، فعُرِفَ أنَّ مَن قال:
جِبريل، فقد صَخَّفَ.
٢٧ - بابُ ما جاءَ في تَخْلِيقِ السَّماوات والأرضِ
وغيرِها منَ الخَلَائِقِ
وهو فِعْلُ الرَّبِّ تبارك وتعالى وأمرُه، فالرَّبُّ بصفاته وفِعْلِهِ وأمرِهِ، وهو الخالقُ المُكوِّنُ
غيرُ مَخْلوقٍ، وما كانَ بفِعْلِه وأمرِهِ وتَخْلِيقِه وَتَكْوِينِهِ، فهو مَفْعولٌ مَخْلوقٌ مُكوَّنٌ.
(١) باب رقم (١٩).
(٢) كذا جاء في الأصلين و (س) بصيغة الجمع، وقد جاء كذلك عند البخاري في رواية حفص بن غياث عن
الأعمش برقم (٧٤١٥)، وكذلك جاء في رواية عَبِيدة السَّلْماني عن ابن مسعود فيما تقدم برقم (٤٨١١)،
وجاء أيضاً في الطريقين المذكورين: الأرضين، جمع الأرض، وأما لفظ الحديث هنا في كلتا الكلمتين فهو
بالإفراد، دون حكاية خلاف بين رواه البخاري حسب ما في الیونینیة.

٣٩٥
باب ٢٧/ ح ٧٤٥٢
كتاب التوحيد
٧٤٥٢ - حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ، أخبرنا محمَّدُ بنُ جعفرٍ، أخبرني شَرِيكُ بنُ عبدِ الله بنِ
أبي نَمٍِ، عن كُرَيبٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: بِتُّ في بَيْتِ ميمونةَ ليلةً والنبيُّ وَّهِ عندَها، لأنظُرَ
كيفَ صلاةُ رسولِ الله وَّهَ بِاللَّيلِ، فَتَحدَّثَ رسولُ الله ◌َِّ معَ أهلِه ساعةً، ثمَّ رَقَدَ، فَلَما كانَ
ثُلُثُ اللَّيلِ الأخير أو بعضُه، فَعَدَ، فَنَظَرَ إلى السماءِ فقرأ: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى
قوله: ﴿لِأُوْلِىِ الْأَلْبَبِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]، ثمَّ قامَ، فتَوَضَّأ واستَنَّ، ثمَّ صَلَّى إحدَى عَشْرَةَ
رَكْعَةً، ثُمَّ أَّنَ بلالٌ بالصلاةِ، فصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ خَرَجَ فصَلَّى للنّاسِ الصُّبْحَ.
قوله: ((باب ما جاءَ في تَخْليق السَّماوات والأرض وغيرها من الخَلائق)) كذا للأكثرِ: ٤٣٩/١٣
(تَخليق)) وفي رواية الكُشمِيهَنيّ: خلق السَّماوات، وعليها شَرح ابن بَطّال، وهو المطابِق
للآية، وأمّا التَّخليق فإنَّه من خَلَّقَ بالتَّشديد، وقد استُعمِلَ في مِثل قوله تعالى: ﴿مُحَلَّفَةِ
وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: ٥]، وتقدَّمَتِ الإشارة إلى تفسيره في ((كتاب الحيض)) (٤١٨).
قوله: ((وهو فِعْل الرَّبّ وأمره)) المراد بالأمرِ هنا: قوله: ﴿كُنَ﴾، والأمر يُطلَق بإزاءِ مَعانٍ، منها:
صيغة ((افعْل))، ومنها: الصِّفة والشَّأن، والأوَّل المرادهنا.
قوله: ((فالرَّبّ بصفاتِهِ وفِعْلِهِ وأمْرِهِ)) كذا ثَبَتَ للجميع، وزاد أبو ذَرِّ في روايته: ((وكلامه)).
قوله: ((وهو الخالق المُكوِّن غيرُ مَخْلوق)» المُكوِّن بتشديدِ الواو المكسورة، لم يَرِد
في الأسماء الحُسنَى، ولكن وَرَدَ معناه، وهو ((المُصوِّر)). وقوله: ((وكلامه)) بعد قوله:
((وأمره)) من عَطف الخاصّ على العامّ(١)، لأنَّ المراد بالأمرِ هنا: قوله: ﴿كُنْ﴾، وهو من
جملة كلامه.
وسَقَطَ قوله من هذا الموضع و((فِعْلِهِ)) في بعض النُّسَخ.
قال الكِرْمانيُّ: وهو أولى، لَيَصِحّ لفظ: ((غير مخلوق)). كذا قال، وسياق المصنِّف يقتضي
التَّفْرِقة بين الفعل وما يَنشَأ عن الفعل، فالأوَّل من صِفَة الفاعل، والباري غير مخلوق فصفاته
(١) هذا سبق قلم من الحافظ رحمه الله، لأنَّ قوله الذي يلي هذا يقتضي أن يكون قوله: ((وأمره)) هو الخاصَّ، وقوله:
((وكلامه)) هو العامَّ، فحقُّ العبارة أن يقول: من عطف العامِّ على الخاصِّ.

٣٩٦
باب ٢٧/ح ٧٤٥٢
فتح الباري بشرح البخاري
غير مخلوقة، وأمّا مفعوله وهو ما يَنشَأ عن فعله فهو مخلوق، ومن ثَمَّ عَقَّبَه بقوله: وما كان
بفعلِه وأمرِهِ وتَخليقِه وتكوينِه فهو مفعولٌ مخلوقٌ مُكوَّن، بفتح الواو، والمراد بالأمرِ هنا
المأمور به، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [النساء: ٤٧] وبقوله تعالى:
﴿َغَالِبُ عَلَى أَمْرِهِ﴾ [يوسف: ٢١] إن قلنا: الضَّمير لله، وبقوله تعالى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ
ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] وبقوله تعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبٍِ﴾ [الإسراء: ٨٥].
وفي الحديث الصَّحيح: ((إنَّ الله يُحِدِث من أمره ما يشاء))(١)، وفيه: ((سُبّوح قُدّوس رَبّ
الملائكة والرّوح))(٢).
وأمّا قوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] فسيأتي في آخِر: كتاب التَّوحيد(٣)
احتجاج ابن عُبَينَةَ وغيره به على أنَّ القرآن غير مخلوق، لأنَّ المراد بالأمرِ قوله تعالى: ﴿كُنَ﴾
وقد عُطِفَ على الخلق، والعَطف يقتضي المغايرة، ومؤكُنْ﴾ من كلامه فصَحَّ الاستدلالُ،
ووهمَ مَن ظنَّ أنَّ المراد بالأمرِ هنا هو المراد بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ﴾ لأنَّ المراد به في
هذه الآية المأمور، فهو الذي يُوجَد بـ ﴿كُنْ﴾، و﴿كُنْ﴾ صيغة الأمر، وهي من كلام الله وهو غير
مخلوق، والذي يُوجَد بها هو المخلوق وأطلَقَ عليه الأمرَ، لأنَّه نَشَأ عنه.
ثُمَّ وَجَدتُ بيان مُراده في كتابه الذي أفرَدَه في ((خلق أفعال العباد)) فقال: اختَلَفَ الناس في
الفاعل والفعل والمفعول: فقالت القَدَريّة: الأفاعيل كلّها من البشر، وقالت الجَبْريّة: الأفاعيل
كلّها من الله، وقالت الجَهميّةُ: الفعل والمفعول واحد، ولذلك قالوا: ﴿كُنْ﴾ مخلوق، وقال
السَّلَف: التَّخليقُ فعْلُ الله وأفاعيلُنا مخلوقة، ففعْلُ الله صِفَة الله والمفعول مَن سِواه من
المخلوقات. انتهى.
ومَسألة التَّكوين مشهورة بين المتكلِّمينَ.
(١) علَّقه البخاري بين يدي الحديث (٧٥٢٢).
(٢) أخرجه مسلم (٤٨٧) من حديث عائشة.
(٣) في باب رقم (٥٦).

٣٩٧
باب ٢٧/ح ٧٤٥٢
كتاب التوحيد
وأصلها: أنَّهم اختَلَفوا هل صِفَة الفعل قديمةٌ أو حادثةٌ؟ فقال جمع من السَّلَف منهم
أبو حَنيفة: هي قديمة، وقال آخرونَ منهم ابن كُلَّاب والأشعَريّ: هي حادثة لئلّا يَلزَم أن
يكون المخلوق قديماً، وأجابَ الأوَّل بأنَّه يُوجَد في الأَزَل صِفَةُ الخلق ولا مخلوقٌ، وأجابَ
الأشعَريّ بأنَّه لا يكون خلقٌ ولا مخلوقٌ، كما لا يكون ضاربٌ ولا مَضروبٌ، فألزَموه
بحُدوثِ صفات، فيَلزَم حُلولُ الحوادث بالله، فأجابَ بأنَّ هذه الصِّفات لا تُحدِث في
الذّات شيئاً جديداً، فَتَعقَّبوه بأنَّه يَلزَم أن لا يُسَمَّى في الأزَل خالقاً ولا رازِقاً، وكلام الله
قديمٌ، وقد ثَبَتَ فيه أنَّه الخالقُ الرَّزّاقُ.
فانفَصَلَ بعض الأشعَريّة بأنَّ إطلاق ذلك إنَّما هو بطريق المجاز، وليس المراد بعَدَمِ
التَّسمية عَدمها بطريق الحقيقة، ولم يَرتَضِ هذا بعضُهم، بل قال، وهو المنقول عن
الأشعَريّ نفسه: إنَّ الأسامي جارية ◌َجَرَى الأعلام، والعَلَم ليس بحقيقةٍ ولا مجاز في اللُّغة،
وأمّا في الشَّرع فلفظ الخالق الرَّازِق صادِقٍ عليه تعالى بالحقيقةِ الشَّرعيّة، والبحث إنَّما هو
فيها لا في الحقيقة اللَّغَويّة، فألزَموه بتَجويزِ إطلاق اسم الفاعل على مَن لم يَقُم به الفعلُ،
فأجابَ أنَّ الإطلاق/ هنا شَرعيٌّ لا لُغَوِيٌّ. انتهى، وتَصَرُّف البخاريّ في هذا الموضع يقتضي ٤٤٠/١٣
مُوافَقة القول الأوَّل، والصّائر إليه يَسلَم من الوقوع في مَسألة حوادثَ لا أوَّلَ لها، وبالله
التَّوفيق.
وأمّا ابن بَطّال فقال: غَرَضه بيان أنَّ جميع السَّماوات والأرض وما بينهما مخلوق،
لقيام دلائل الحدوث عليها، ولقيام البُرهان على أنَّه لا خالق غير الله، وبُطلان قول مَن
يقول: إنَّ الطَّبائع خالقة، أو الأفلاك أو النّور أو الظُّلمة أو العَرش، فلمَّا فسَدَت جميع
هذه المقالات لقيام الدَّليل على حُدوث ذلك كلّه، وافتقاره إلى مُحدِث لاستحالةِ وجود
مُحدَث لا مُحدِثَ له، وكتابُ الله شاهدٌ بذلك كَآيةِ الباب، استُدِلَّ بآيات السَّماوات
والأرض على وحدانيّته وقُدرَته، وأنَّه الخَلاق العظيم، وأنَّه خَلّاق سائر المخلوقات،
لانتفاءِ الحوادث عنه الدّالَّة على حُدوث مَن يقوم به، وأنَّ ذاته وصفاته غير مخلوقة،

٣٩٨
باب ٢٨/ح ٧٤٥٣ -٧٤٥٥
فتح الباري بشرح البخاري
والقرآن صِفَة له فهو غير مخلوق، ولَزِمَ من ذلك أنَّ كلّ ما سِواه كان عن أمره وفعله
وتكوينه، وكلّ ذلك مخلوق له. انتهى، ولم يُعرِّج على ما أشارَ إليه البخاريّ، فلله الحمدُ
على ما أنعَمَ.
قوله في الحديث: ((فلمَّا كانَ ثُلُث اللَّيل الأخير، أو بعضه)) في رواية الكُشمِيهَنيّ: أو
نصفه، بنونٍ ومُهمَلة وفاء، وقد تقدَّم في تفسير آل عمران (٤٥٦٩) بهذا السَّنَد والمتن، لكن
لم يَذكُّر فيه هذه اللَّفظة.
٢٨ - باب قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَنْنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١]
٧٤٥٣ - حذَّثنا إسماعيلُ، حدَّثني مالكٌ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هُرَيرةَ عَ﴾،
أنَّ رسولَ اللهِ وَِّ قال: ((لمَّا قَضَى الله الخلقَ كَتَبَ عندَه فوْقَ عَرْشِه: إنَّ رحمتي سَبَقَتْ
غَضَبِي)».
٧٤٥٤- حدَّثنا آدمُ، حذَّثنا شُعْبةُ، حدَّثنا الأعمَشُ، سمعتُ زيدَ بنَ وَهْبٍ، سمعتُ
عبد الله بنَ مسعودٍ ﴾ يقول: حدَّثنا رسولُ الله ◌ِّهِ وهو الصّادقُ المصدوقُ: ((إنَّ خلقَ أحدِكم
يُجِمَعُ في بَطْنِ أُمِّه أربعِينَ يوماً أو أربعِينَ ليلةً، ثمَّ يكونُ عَلَقَةً مِثْلَه، ثمَّ يكونُ مُضْغَةً مِثْلَه، ثمَّ
يُبعَثُ إليه الملَكُ، فَيُؤْذَنُ بأربع كلماتٍ: فَيَكتُبُ رِزْقَه، وأجَلَه، وعَمَلَه، وشَقِيٌّ أمْ سعيدٌ، ثمَّ
يَنفُخُ فيه الرّوحَ، فإنَّ أحدَكمْ لَيَعمَلُ بعَمَلِ أهلِ الجنَّةِ، حتَّى ما يكونُ بينَها وبينَهَ إلا ذِراعٌ،
فيَسِقُ عليه الكتابُ، فَيَعمَلُ بعَمَلِ أهلِ النار، فَيَدخُلُ النارَ، وإنَّ أحدَكمْ لَيَعمَلُ بعَمَلِ أهلٍ
النار، حتَّى ما يكونُ بينَها وبينَه إلا ذِراعٌ، فَيَسِقُ عليه الكتابُ، فَيَعمَلُ عملَ أهلِ الجنَّةِ
فيَدخُلُها».
٧٤٥٥- حدَّثنا خلَّادُ بنُ يحيى، حذَّثنا عمرُ بنُ ذَرِّ، سمعتُ أبي يُحدِّثُ، عن سعيدِ بنِ
جُبَيرٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، أنَّ النبيَّ نَّهِ قال: ((يا جِبْرِيلُ ما يَمْنَعُكَ أنْ تَزورَنا أكثرَ ممّاً
تَزورُنا؟» فَنَزَلَت: ﴿ وَمَا نَشَتَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِرَبِّكَ لَهُ مَابَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ إلى آخِرِ الآيةِ [مريم: ٢٤]
قال: كانَ هذا الجوابَ لمحمَّدٍ وَلـ

٣٩٩
باب ٢٨/ح ٧٤٥٦ -٧٤٥٨
كتاب التوحيد
٧٤٥٦- حدّثنا يحيى، حدَّثنا وكيعٌ، عن الأعمَشِ، عن إبراهيمَ، عن عَلْقمةَ، عن عبدِ الله،
قال: كنتُ أمْشِي مَعَ رسولِ اللهِ وَلَ فِي حَرْثٍ بالمدينةِ، وهو مُتَّكِئٌّ على عَسِيبٍ، فمَرَّ بقومٍ منَ
اليهودِ، فقال بعضُهم لبعضٍ: سَلُوه عن الزُّوحِ؟ وقال بعضُهم: لا تَسْألُوه عن الرُّوحِ، فسأَلُوه،
فقامَ مُتَوَكِّناً على العَسِيبِ وأنا خَلْفَه، فظَنَنتُ أنَّه يُوحَى إليه، فقال: ﴿ وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ
قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِ وَمَا أُوتِيتُمِ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] فقال بعضُهم لبعضٍ: قد
قلنا لكُمْ: لا تَسْألُوه.
٧٤٥٧- حدَّثنا إسماعيلُ، حدَّثني مالكٌ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هُرَيرةَ،
أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ قال: «تَكَفَّلَ الله لمن جاهَدَ في سبيلِه لا يُخْرِجُه إلّ الجهادُ في سبیلِه،
وتصديقُ كلماتِهِ، بأنْ يُدْخِلَه الجنَّةَ، أو يَرْجِعَه إلى مَسْكَتِهِ الذي خَرَجَ منه، معَ ما نالَ مِن
أجْرٍ أو غَنِيمٍ)).
٧٤٥٨- حدَّثنا محمَّدُ بنُ كثير، حذَّنا سفيانُ، عن الأعمَشِ، عن أبي وائلٍ، عن أبي موسى،
قال: جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ ◌َّه فقال: الرجلُ يقاتِلُ حَميّةً، ويقاتلُ شَجاعةً، ويقاتلُ رِياءً، فأيُّ ذلك في
سبيلِ الله؟ قال: ((مَنْ قاتَلَ لتكونَ كلمةُ الله هي العُلْيا فهو في سبيلِ الله)).
: ٤٤١/١٣
قوله: ((باب قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمِنْنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ))) ذکر فیه سِتّة أحاديث:
أولها: حديث أبي هريرة: ((إنَّ رحمتي سَبَقَت غَضَبي))، وقد تقدَّم شَرحه (٧٤٠٤) في
باب قوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٣٠]، وأشارَ به إلى ترجيح القول بأنَّ
الرَّحمة من صفات الذّات، لكَونِ الكلمة من صفات الذّات، فمهما استُشكِلَ في إطلاق
السَّبق في صِفَة الرَّحمة، جاءَ مِثله في صِفَة الكلمة، ومهما أُجيبَ به عن قوله: ﴿سَبَقَتْ كَلِمِنْنَا ﴾
حَصَلَ به الجوابُ عن قوله: ((سَبَقَت رحمتي)).
وقد غَفَلَ عن مُراده مَن قال: دَلَّ وصف الرَّحمة بالسَّبِقِ على أنَّها من صفات الفعل، وقد
سَبَقَ في شَرح الحديث قول مَن قال: المراد بالرّحمةِ إرادة إيصال الثَّواب، وبالغضبِ إرادة إيصال
العُقوبة، فالسَّبق حينئذٍ بين مُتعلِّقَي الإرادة فلا إشكال.

٤٠٠
باب ٢٨/ح ٧٤٥٨
فتح الباري بشرح البخاري
وقوله في أوَّل الحديث: ((لمَّا قَضَى الله الخلق)) أي: خَلَقَهم، وكلّ صَنعة مُحكَمة مُتَقَنة فهي
قضاء، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذَا قَضَىَ أَمْرًا﴾ [آل عمران: ٤٧].
الحديث الثاني: حديث ابن مسعود: حدَّثنا رسول الله وَ لَه وهو الصّادق المصدوق، وقد
تقدَّم شَرحه مُستَوفَّى في ((كتاب القَدَر)) (٦٥٩٤)، والمراد منه هنا قوله: ((فيَسِقُ عليه الكتابُ))،
وفيه من البحث ما تقدَّم في الذي قبله، ونَقَلَ ابن التِّين عن الدَّاوُوديّ أنَّه قال: في هذا الحديث رَدِّ
على مَن قال: إنَّ الله لم يَزَل مُتَكلِّماً بجميع كلامه، لقولِه: ((فَيُؤْمَر بأربع كلمات))، لأنَّ الأمر
بالكلمات إنَّما يَقَع عند التَّخليق، وكذا قوله: ((ثُمَّ يَنفُخُ فيه الرّوحَ))، وهو إِنَّا يَقَع بقوله: ﴿كُنَ﴾
وهو من كلامه سبحانه، قال: ويَرُدّ قولَ مَن قال: إنَّه لو شاءَ لَعَذَّبَ أهلَ الطّاعة، ووجه الردّ أنَّه
ليس من صِفَة الحكيم أن يَتَبَدَّل عِلْمُه، وقد علم في الأزَلِ مَن يَرحَم ومَن يُعذِّب.
وتَعقَّبَه ابن التِّين بأنَّهُما كلامُ أهل السُّنّة، ولم يَحَتَجَّ لهم، ووجه الردّ على ما ادَّعاه الدَّاوُوديّ،
أمّا الأوَّل: فالآمِر إنَّما هو الملَك، ويُحمَل على أنَّه يَتَلَقّاه من اللَّوح المحفوظ، وأمّا الثّاني: فالمراد لو
قُدِّرَ ذلك في الأزَل لَوَفَعَ، فلا يَلَمُ ما قال.
الحديث الثالث: حديث ابن عبّاس في نزول قوله تعالى: ﴿ وَمَا نَثَغَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾
[مريم: ٦٤]، وقد تقدَّم شَرحه في تفسير سورة مريم (٤٧٣١). وزاد هنا: قال: كان هذا
الجوابَ لمحمَّدٍ، وللكُشمِيهَنيّ: هذا كانَ الجواب لمحمَّدٍ، والأمر في قوله هُنا: ﴿بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾
بمعنى الإذن، أي: ما نَتَزَّل إلى الأرض إلّا بإذنِه، ويحتمل أن يكون المراد: بالأمرِ الوَحْيَ،
والباء للمُصاحَبة، ويَجيء في قول جِبريل عليه السلام: ﴿بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ البحث الذي تقدَّم
قبله عن الدَّاۇُوديّ وجوابه.
٤٤٢/١٣
الحديث الرابع: حديث ابن مسعود في نزول قوله/ تعالى: ﴿ وَيَسَْلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾
[الإسراء: ٨٥].
ويحيى شيخه فيه: هو ابن جعفر. وقد تقدَّم شَرحه في التَّفسير (٤٧٢١)، ويأتي شيء منه
في الباب الذي بعده.