النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ باب ٢٤/ ح ٧٤٣٤-٧٤٣٦ كتاب التوحيد بحقيقَتِهِ، وعن الثّاني: المراد لن تَراني في الدُّنيا جمعاً أيضاً، ولأنَّ نَفي الشَّيء لا يقتضي إحالَته مع ما جاءَ من الأحاديث الثّابِتَة على وَفْق الآية، وقد تَلَقّاها المسلمونَ بالقَبُولِ من لَدُن الصحابة والتّابعينَ حتَّى حَدَثَ مَن أنكَرَ الرُّؤية وخالَفَ السَّلَف. وقال القُرطُبيّ: اشتَرَطَ النُّفَاةُ في الرُّؤية شُروطاً عَقليّة: كالبنيةِ المخصوصة، والمُقابلة، واتِّصال الأشِعّة، وزَوال الموانع كالبُعدِ والحَجب، في خَبطٍ لهم وتَحَكُّم، وأهل السُّنّة لا يَشتَرِطونَ شيئاً من ذلك سوى وجود المرئيّ، وأنَّ الرُّؤية إدراك يَخْلُقه الله تعالى للرَّائي، فَيَرَى المرئيّ، وتَقتَرِن بها أحوال يجوز تبدُّلها، والعلم عند الله تعالى. ثَّ ذكر المؤلِّفُ في الباب أحد عشر حديثاً: ٧٤٣٤- حدَّثْنا عَمْرو بنُ عَوْنٍ، حدَّثنا خالدٌ أو هُشَيمٌّ، عن إسماعيلَ، عن قيسٍ، عن جَرِير، قال: كثَّ جُلوساً عندَ النبيِّ ◌َّهَ إِذْ نَظَرَ إلى القمرِ ليلةَ البَدْرِ، قال: ((إِنَّكم سَتَرَوْنَ رَبَّكم كما تَرَوْنَ هذا القمرَ، لا تُضامُونَ في رُؤْيتِه، فإنِ استطعتُم أنْ لا تُغْلَبوا عن صلاةٍ قبلَ طُلوع الشمس، وصلاةٍ قبلَ غُروبٍ الشمس، فافْعَلوا)). ٧٤٣٥- حدَّثنا يوسُفُ بنُ موسى، حدَّثنا عاصمُ بنُ يوسُفَ اليَرْبُوعِيُّ، حدَّثنا أبو شِهابٍ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن قيسِ بنِ أبي حازمٍ، عن جَرِيرٍ، قال: قال النبيُّ وَّ: ((إنَّكم سَتَرَوْنَ رَبَّكمْ عِياناً)). ٧٤٣٦- حدَّثْنَا عَبْدةُ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا حُسَينٌ الجُعْفيُّ، عن زائدةَ، حذَّثنا بيانُ بنُ بِشْرِ، عن قيسٍ بنِ أبي حازمٍ، حدَّثنا جَرِيرٌ، قال: خَرَجَ علينا رسولُ اللهِوَ ﴿ ليلةَ البَدْرِ، فقال: ((إنّكم سَتَرَوْنَ رَبَّكم يومَ القيامةِ كما تَرَوْنَ هذا، لا تُضامُونَ في رُؤْتِهِ». الحديث الأول: حديث جَرير ذكره مُطوَّلاً ومُختصَراً من ثلاثة أوجُهِ: قوله: ((خالد أو هُشَيم)) كذا في نُسخة من رواية أبي ذرِّ عن المُستَملي بالشكِّ(١)، وفي أُخرى بالواو، وكذا للباقينَ. (١) ونسبه في هامش اليونينية للحَمُّويّ أيضاً. ٣٦٢ باب ٢٤/ ح ٧٤٣٦ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((عن إسماعيل)) هو ابن أبي خالدٍ. قوله: ((عن قيس)) هو ابن أبي حازم، ونُسِبَ في رواية مروان بن معاوية عن إسماعيل المشار إليها(١). ٤٢٧/١٣ قوله: ((عن جَریر)» في رواية مروان المذكورة: سمعت جَریر / بن عبد الله، وفي رواية بيان في الباب عن قيس: حدّثنا جرير. قوله: ((كنّا جُلوساً عند النبيّ وَّ) في رواية جَرير عن إسماعيل في تفسير سورة قَّ (٤٨٥١): كنَّا جُلوساً ليلةً مع رسول الله وَلّ. قوله: ((ليلة البَدْر)) في رواية إسحاق(٢): ليلة أربع عشرة، ووَقَعَ في رواية بيان المذكورة: خَرَجَ علينا رسول الله وَ ◌َّ ليلة البدر فقال، ويُجمَع بينهما بأنَّ القول لهم صَدَرَ منه بعد أن جَلَسوا عنده. قوله: ((إِنَّكم سَتَرَوْنَ رَبّكُمْ)) في رواية عبد الله بن نُمَیر وأبي أسامة ووكيع عن إسماعيل عند مسلم (٦٣٣ /٢١٢): ((إنَّكم سَتُعرَضونَ على رَبّكم فتَرَونَه)». وفي رواية أبي شِهاب (٧٤٣٥): ((إِنَّكم سَتَرَونَ رَبّكم عِيانا))، هكذا اقتَصَرَ أبو شِهاب على هذا القَدر من الحديث للأكثرِ. ووَقَعَ في رواية المُستَملي في أوَّله: خَرَجَ علينا رسول الله ﴾ ﴾ ليلة البدر فقال. وأخرجه الإسماعيليّ من طريق خَلَف بن هشام(٣) عن أبي شِهاب كالأكثر، ومن طريق محمَّد بن زياد البَلَديّ (٤) عن أبي شِهاب مُطوَّلاً، واسم أبي شِهاب هذا: عبد ربّه بن نافع الحَّاط، بالحاءِ المهمَلة والنّون، واسم الرَّاوي عنه: عاصم بن يوسف كان خَيّاطاً بالخاءِ (١) لم يتقدَّم من الحافظ إشارة إليها، وهي عند مسلم (٦٣٣) (٢١١). (٢) هي رواية جرير عن إسماعيل ذاتها التي تقدمت في تفسير سورة قَ (٤٨٥١). (٣) وأخرجه من طريقه أيضاً الطبراني في ((الكبير)) (٢٢٣٣)، وأبو إسماعيل الهروي في («الأربعون في دلائل التوحيد)» (٣٣). (٤) وأخرجه من طريقه أيضاً الدار قطني في ((رؤية الله)) (١٣١)، واللالكائي (٨٢٥). ٣٦٣ باب ٢٤/ح ٧٤٣٧ كتاب التوحيد المعجَمة والتَّحتانيّة، قال الطَّبَريُّ: تفرَّد أبو شِهاب عن إسماعيل بن أبي خالد بقوله: ((عياناً))، وهو حافظ مُثِقِن من ثقات المسلمينَ. انتهى، وذكر شيخ الإسلام الهَرَويُّ في كتابه ((الفاروق)) أنَّ زيد بن أبي أُنَيسة رواه أيضاً عن إسماعيل بهذا اللَّفظ (١)، وساقَه من رواية أكثر من سِتّينَ نفساً عن إسماعيل بلفظٍ واحد كالأوَّل. قوله: «لا تُضامون» بضمٌّ أوّله وتخفيف المیم للأکثر، وفیه روایات أُخری تقدَّم بیانها في (باب الصِّراط جِسر جَهَنَّم)) من كتاب الرِّقاق (٦٥٧٣). وقال البيهقيُّ: سمعت الشَّيخ الإمام أبا الطَّيِّب سهل بن محمَّد الصُّعْلوكيّ يقول في إملائه في قوله: ((لا تُضامّونَ في رُؤيَته» بالضَّمِّ والتَّشديد: معناه لا تجتمعونَ لِرُؤْيَتِه في جهة ولا يُضَمّ بعضكم إلى بعض، ومعناه بفتح الّاء كذلك، والأصل لا تَتَضامّونَ في رُؤْيَته باجتماع في جهة، وبالتَّخفيفِ من الضَّيم، ومعناه لا تُظلَمونَ فيه برُؤيةِ بعضكم دونَ بعض، فإنَّكم تَرَونَه في جِهاتكم كلّها، وهو مُتَعالٍ عن الجهة، والتَّشبيه بُرُؤيةِ القمر للزُّؤيةِ دونَ تشبيه المرئيّ، تعالى الله عن ذلك. ٧٤٣٧- حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عطاءِ بنِ يزيدَ اللَّيْثِيِّ، عن أبي هُرَيرةَ: أَنَّ الناسَ قالوا: يا رسولَ الله، هل نَرَى رَبَّنا يومَ القيامةِ؟ فقال رسولُ اللهِ وَلَه: ((هَلْ تُضارُّونَ في القمرِ ليلةَ البَدْرِ؟)) قالوا: لا يا رسولَ الله، قال: ((فَهَلْ تُضارُّونَ في الشمس ليسَ دونَها سحابٌ؟)) قالوا: لا یا رسولَ الله، قال: «فإِنَّكم تَرَوْنَه كذلك، يَجمَعُ الله الناسَ يومَ القيامةِ، فيقولُ: مَن كانَ يَعْبُدُ شيئاً فَلْيَتَبَعْه، فيَتَبَعُ مَن كَانَ يَعْبُدُ الشمسَ الشمسَ، ويَتَبَعُ مَن كَانَ يَعْبُدُ القمرَ القمرَ، ويَتْبَعُ مَن كانَ يَعْبُدُ الطَّواغِيتَ الطَّواغِيتَ، وتَبقَى هذه الأُمَّةُ فيها شافعوها - أو مُنافقوها شَكَّ إبراهيمٌ - فِيَأْتِيهِمُ اللهُ، فيقولُ: أنا رَبُّكم، فيقولون: هذا مكانُنا حتَّى يَأْتِيَنا (١) أخرجه من طريقه الدار قطني في ((رؤية الله)) (١٣٠) بلفظ: ((أما إنكم ستُعاينُون ربَّكم ... ))، وأخرجه الدار قطني كلفظ أبي شهاب (٨٧) من طريق حسن بن صالح وورقاء وهشيم عن إسماعيل بن أبي خالد. ٣٦٤ باب ٢٤/ح ٧٤٣٧ فتح الباري بشرح البخاري رَبُّنا، فإذا جاء رَبُّنَا عَرَفْناه، فَيَأْتِيهِمُ اللهُ في صورتِهِ التي يَعرِفونَ، فيقولُ: أنا رَبُّكم، فيقولون: أنتَ رَبُّنا، فيَتبِعُونَه، ويُضرَبُ الصِّراطُ بينَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ، فأكونُ أنا وأُمَّتي أوَّلَ مَن يُجِيزُها، ولا يتكلَّمُ يومَئذٍ إلّ الرُّسُلُ، ودَعْوَى الرُّسُلِ يومَئذٍ: اللهُمَّ سَلَّمْ سَلِّم، وفي جَهَنَّمَ كَلاليبُ مِثلُ شَوْكِ السَّعْدان، هل رأيتُم السَّعْدانَ؟)) قالوا: نَعَمْ يا رسولَ الله، قال: «فإنَّهَا مِثلُ شَوْكِ السَّعْدان، غيرَ أنَّه لا يَعلَمُ قَدْرَ عِظَمِها إلا الله، تَخْطَفُ الناسَ بأعمالهم، فمنهم الموبَقُ يَقِيَ بعَمَلِهِ - أو الموثَقُ بعَمَلِه - ومنهم المُخَرْدَلُ - أو المجازَى، أو نحوُه - ثمَّ يَتَجِلَّى، حتَّى إذا فَرَغَ الله منَ القضاءِ بينَ العبادِ، وأرادَ أنْ يُخْرِجَ برحمتِهِ مَن أرادَ مِن أهلِ النار، أمَرَ الملائكةَ أنْ يُخْرِجوا منَ النار مَن كانَ لا يُشْرِكُ بالله شيئاً، مَّن أرادَ اللهُ أنْ يرحمَه، ممَّنْ يَشهَدُ أنْ لا إلهَ إلّا الله، فيَعرِفونَهم في النار بأَثَرِ السُّجودِ، تَأْكُلُ النارُ ابنَ آدمَ إلّا أَثَرَ السُّجودِ، حَرَّمَ الله على النار أنْ تَأْكُلَ أثَرَ السُّجودِ، فيَخرُ جونَ منَ النار قد امتُحِشوا، فيُصَبُّ عليهم ماءُ الحياةِ فَيَنْبُتُونَ تحتَه كما تَنْبُتُ الحِبَّةُ في ◌َمِيلِ السَّيْلِ. ثُمَّ يَفْرُغُ الله منَ القضاءِ بينَ العبادِ، ويَبْقَى رجلٌ منهم مُقبِلٌ بوَجْهِه على النار، هو آخِرُ أهلِ النار دخولاً الجنَّةَ، فيقولُ: أي رَبِّ، اصْرِفْ وجهي عن النار، فإنَّه قد قَشَبَني رِيحُها، وأحرَقَني ذَكَاها، فَيَدْعُو اللهَ بما شاءَ أنْ يَدْعُوَه، ثمَّ يقولُ الله: هل عَسَيْتَ إنْ أعطَيتُك ذلك أنْ تَسْألَني غيرَه؟ فيقولُ: لا وعِزَّتِكَ، لا أسألُكَ غيرَه، ويُعْطِي رَبَّه مِن عُهودٍ ومَواثِيقَ ما شاءَ، فَيَصْرِفُ الله وجهَه عن النار، فإذا أقْبَلَ على الجنَّةِ ورَآها سَكَتَ ما شاءَ الله أنْ يَسْكُتَ، ثمَّ يقولُ: أي رَبِّ، قَدِّمْني إلى باب الجنَّةِ، فيقولُ الله له: ألستَ قد أعطَيْتَ عُهودَكَ ومَواثِيقَكَ أنْ لا تَسْألَنِ غيرَ الذي أُعْطِيتَ أبداً؟ ويْلَكَ يا ابنَ آدمَ ما أغْدَرَكَ! فيقولُ: أيْ رَبِّ، ويَدْعو اللّهَ حتَّى يقولَ: هل عَسَيْتَ إِنْ أُعْطِيتَ ذلك أنْ تَسْأَلَ غيرَه؟ فيقولُ: لا وعِزَّتِكَ لا أسألُكَ غيرَه، ويُعْطي ما شاءَ مِن عُهودٍ ومَوائِيقَ، فيُقدِّمُه إلى باب الجنَّة. فإذا قامَ إلى باب الجنَّةِ انفَهَقَتْ له الجنَّةُ، فَرَأى ما فيها منَ الحَبْرةِ والسُّرورِ، فيَسْكُتُ ٣٦٥ باب ٢٤/ح ٧٤٣٨ -٧٤٣٩ كتاب التوحيد ما شاءَ الله أنْ يَسْكُتَ، ثمَّ يقولُ: أي رَبِّ، أدْخِلْني الجنَّةَ، فيقولُ اللهُ: ألستَ قد أعطَيْتَ عُهودَكَ ومَواثِيقَكَ أنْ لا تَسْألَ غيرَ ما أُعْطِيتَ؟ فيقولُ: ويْلَكَ يا ابنَ آدمَ ما أغْدَرَكَ! فيقولُ: أي رَبِّ، لا أكُونُ أشْقَى خلقِكَ، فلا يزالُ يَدْعو حتَّى يَضْحَكَ اللهُ منه، فإذا ضَحِكَ منه، قال له: ادْخُلِ الجنَّةَ، فإذا دَخَلَها قال الله له: ثَمَنَّهُ، فسألَ رَبَّه وَمَتَّى، حَتَّى إِنَّ الله لَيُذكِّرُهُ يَقُولُ: كذا وكذا، حتَّى انقَطَعَتْ به الأمانيُّ، قال الله: ذلك لكَ ومثلُه معهُ)). ٧٤٣٨- قال عطاءُ بنُ يزيدَ: وأبو سعيدِ الخُدْرِيُّ معَ أبي هُرَيرةَ لا يَرُدُّ علیه مِن حديثِه شيئاً، حتَّى إذا حَدَّثَ أبو هريرةَ: أنَّ الله تبارك وتعالى قال: ((ذلك لكَ ومثلُه معه)) قال أبو سعيدِ الخُدْرِيُّ: (وعَشَرةُ أمثاله معه)) يا أبا هُرَيرةَ، قال أبو هُرَيرةَ: ما حَفِظتُ إلا قولَه: ((ذلك لكَ ومثلُه معهُ)). قال أبو سعيدِ الخُدْرِيُّ: أَشْهَدُ أنّي حَفِظتُ مِن رسولِ الله ◌َِّ قولَه: ((ذلك لكَ وعَشَرةُ أمثالِهِ)). قال أبو هُرَيرةَ: فذلك الرجلُ آخِرُ أهلِ الجنَّةِ دخولاً الجنَّةَ. ٧٤٣٩- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثْنَا اللَّيث بن سَعْدٍ، عن خالدِ بنِ يزيدَ، عن سعيدِ بنِ أبي هلالٍ، عن زيدٍ، عن عطاءِ بنِ يَسارٍ، عن أبي سعيدِ الخُدْريِّ، قال: قلنا: يا رسولَ الله، هل نَرَى رَبَّنا يومَ القيامةِ؟ قال: ((هَلْ تُضارُّونَ في رُؤْيةِ الشمس إذا كانت صَحْواً؟)) قلنا: لا، قال: ((فإِنَّكم لا تُضارُّونَ في رُؤْيَةِ رَبّكم يومَئذٍ، إلا كما تُضارُّونَ في رؤيتها)) ثمّ قال: ((ينادي مُنادٍ: ليَذْهَبْ كلَّ قوم إلى ما كانوا يَعْبُدُونَ، فَيَذْهَبُ أصحابُ الصَّلِيبِ معَ صَلِهِم، وأصحابُ الأَوْثان معَ أوْثانهم، وأصحابُ كلِّ آلهِةٍ معَ آلهِتِهِم، حتَّى يَبْقَى مَن كَانَ يَعْبُدُ الله مِن بَرِّ أو فاجِرٍ، وغُبَّرَاتٌ مِن أهلِ الكتاب، ثُمَّ يُؤْتَى بجَهَنَّمَ تُعرَضُ كأنَّهَا سَرابٌ، فيُقالُ لليهودِ: ما كنتم تَعْبُدُونَ؟ قالوا: كنَّا نَعْبُ عُزَيْرَ ابنَ الله، فيُقالُ: كَذَبْتُم، لم يَكُنْ لله صاحبةٌ ولا ولدٌ، فما تريدونَ؟ قالوا: نُرِيدُ أنْ تَسْقِيَنَا، فيُقالُ: اشرَبوا، فَيَتَساقَطونَ في جهنم، ثمَّ يُقالُ للنَّصارى: ما كنتم تَعْبُدُونَ؟ فيقولون: كنَّا نَعْبُدُ المَسِيحَ ابنَ الله، فيُقالُ: كَذَبْتُم، لم يَكُنْ لله صاحبةٌ ولا ولدٌ، فما تريدونَ؟ فيقولون: نُرِيدُ أنْ تَسْقِيَنا، فيُقالُ: اشرَبوا، فَيَتَساقطونَ في جَهَنَّمَ، حتَّى يَبْقَى مَن كانَ يَعْبُدُ الله مِن بَرِّ أو فاجٍِ، فيُقالُ لهم: ما يُخْلِسُكُم وقد ذهب الناسُ؟ فيقولون: فارَقْناهم ونحنُ أحوَجُ مِنّا إليه اليومَ، وإنّا سَمِعْنا مُنادِياً ينادي: لِيَلْحَقْ كلُّ قومٍ ما كانوا يَعْبُدونَ، وَإِنّ نَنْتَظِرُ رَبَّنَا. ٣٦٦ باب ٢٤/ ح ٧٤٣٩ فتح الباري بشرح البخاري قال: فيَأْتيهِم الجبّارُ في صُورةٍ غير صُورَتِه التي رَأْوُهُ فيها أوّل مَرّةٍ، فيقولُ: أنا رَبُّكم، فيقولون: أنتَ رَبُنا، فلا يُكلِّمُه إلا الأنبياءُ، فيقال: هل بينكم وبينَه آيةٌ تعرِفُونها؟ فيقولون: السّاقُ، فَيَكْشِفُ عن ساقه، فَيَسجُدُ له كلُّ مُؤْمِنٍ، ويَبْقَى مَن كانَ يَسجُدُ لله رِياءً وسُمْعَةً، فِيَذْهَبُ كَيْما يَسجُدَ، فيعودُ ظَهْرُه طَبَقاً واحداً، ثمَّ يُؤْتَى بالجَسْرِ فِيُجْعَلُ بِينَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ)) قلنا: يا رسولَ الله، وما الجَسْرُ؟ قال: ((مَدْحَضٌ مَزِلَةٌ، عليه خَطاطِفُ وكَلاليبُ وحَسَكةٌ مُفَلْطَحةٌ، لها شَوْكَةٌ عَقِيفَةٌ تكونُ بنَجْدٍ، يُقالُ لها: السَّعْدَانُ، المؤمنُ عليها كالطَّرْفِ، وكالبَرْقِ، وكالرِّيحِ، وكأجاوِيدِ الخيلِ، والرِّكاب، فناجٍ مُسَلَّمٌ، وناجٍ تَخْدوشٌ، ومَكْدوسٌ في نار جَهَنَّمَ، حَتَّى يَمُرَّ آخِرُهم يُسْحَبُ سَحْباً، فما أنتم بأشَدَّ مُناشَدةً في الحقِّ، قد تَبيَّن لكم مِنَ المؤمنِين يومَئذٍ للجَبّار، إذا رَأْوْا أنَّهم قد نَجَوْا في إخْوانهم يقولون: رَبَّنا إخْوانُنا كانوا يُصَلّونَ مَعَنا، ويصومونَ مَعَنا، ويعملونَ مَعَنا؟ فيقولُ الله تعالى: اذهبوا، فمَنْ وَجَدتُم في قَلْبِهِ مِثْقال دِینارٍ مِن إيمانٍ فأخْرِ جوه، ويُحرِّم الله صُوَرَهم على النار، وبعضُهم قد غابَ في النار إلى قَدَمِه، وإلى أنصاف ساقَيْهِ، فيُخرِ جُونَ مَن عَرَفوا، ثمَّ يَعودُونَ، فيقولُ: اذهبوا، فمَنْ وَجَدتُم في قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينارٍ فأخْرِ جوه، فيُخرِجونَ مَن عَرَفوا ثمَّ يعودونَ، فيقولُ: اذهبوا، فمَنْ وَجَدتُم في قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرّةٍ مِن إیمانٍ فأخْرِ جوه، فیُخرِجونَ مَن عَرَفوا». قال أبو سعيدٍ: فإذا لم تُصدِّقوني فاقرَؤوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَعِفْهَا﴾ [النساء: ٤٠]: ((فَيَشْفَعُ النبيّونَ والملائكةُ والمؤمنونَ، فيقولُ الجبّارُ: بَقِيَتْ شَفَاعَتي، فَيَقْبِضُ قَبْضةً منَ النار، فيُخرِجُ أقواماً قد امتُحِشوا، فيُلْقَوْنَ في نَهَرِ بأفواه الجنَّةِ، يُقالُ له: ماءُ الحياةِ، فَيَنْبُتُونَ في حافَتَيْه كما تَنْبُتُ الحِبَةُ في حَمِيلِ السَّيْلِ، قد رأيتُموها إلى جانبِ الصَّخْرةِ وإلى جانبِ الشَّجَرةِ، فما كانَ إلى الشمس منها كانَ أخْضَرَ، وما كانَ منها إلى الظِّلِّ كَانَ أَبْيَضَ، فَيَخرُجونَ كأَنَّهِم اللُّؤْلُ، فيُجْعَلُ في رِقابِهِمِ الخواتيمُ، فَيَدخُلونَ الجنَّةَ، فيقولُ أهلُ الجنَّةِ: هَؤُلاءِ عُتَقَاءُ الرَّحمنِ، أدْخَلَهُم الجنََّ بغيرِ عملٍ عَمِلوه، ولا خيرٍ قَدَّموه، فيُقالُ لهم: لكم ما رأيتُم ومثلُه معهُ». ٣٦٧ باب ٢٤/ح ٧٤٣٩ كتاب التوحيد الحديث الثاني: حديث أبي هريرة: أنَّ الناس قالوا: يا رسول الله هل نَرَى رَبّنا يوم القيامة؟ فقال: ((هل تُضارّونَ في الشمس ليس دونها سحاب؟)) الحديث بطولِه، وقد مضى شَرحه مُستَوَفَى في كتاب الرِّقاق (٦٥٧٣). ووَقَعَ هنا في قوله: «فإذا جاءَ رَبُّنَا عَرَفناه)) في رواية أبي ذرّ عن الكُشمِيهَنيّ: ((فإذا جاءَنا))(١) ويحتاج إلى تَأمُّل. وفي قوله: ((أوَّل مَن يُجيز)) في رواية المُستَملي: ((يَجِيء)) من المجيء. وفي قوله: ((ويُعطي ربّه)) في رواية الكُشمِيهَنيّ: ((ويُعطي الله)). وفي قوله: ((أي رَبّ لا أكون)) في رواية المُستَملي: ((لا أكونَنَّ)، وقد تقدَّمَتِ الإشارة لذلك وغيره في شرح الحديث. الحديث الثالث: حديث أبي سعيد في معنى حديث أبي هريرة بطولِهِ، وتقدَّم شَرحه أيضاً هناك (٦٥٧٣). وقوله في سنده: ((عن زيد)) هو ابن أسلَمَ، وعطاء: هو ابن يَسَار. وقوله فيه: ((وأصحاب كلِّ آلهة مع آلهتهم)) في رواية الكُشمِيهَنيّ: ((إلههم)) بالإفرادِ. وقوله: ((ما يُجلِسكم)) بالجيم واللّام من الجلوس، أي: يُقعِدكم عن الذَّهاب، وفي رواية الكُشمِيهَنيّ: ((ما يَحِسُكم)) بالحاءِ والموخَّدة من الحَبس، أي: يَمنَعكم، وهو بمعناه. وقوله فيه: «فيأتيهم الله(٣) في صورة)) استَدَلَّ ابن قُتَيبة بذِكر الصّورة على أنَّ لله صورةً لا كالصّوَرِ، كما ثَبَتَ أنَّه شيء لا كالأشياءِ، وتَعقَّبوه، وقال ابن بَطّال: تَمَسَّكَ به المجَسِّمة فأثبتُوا لله صورةً، ولا حُجّة لهم فيه لاحتمالٍ أن يكون بمعنى العلامة، وضَعَها الله لهم دليلاً على معرفته، كما يُسَمَّى الدَّليلُ والعلامةُ صورةً، وكما تقول: صورة حديثك كذا، وصورة الأمر كذا، والحديث والأمر لا صورةً لهما حقيقةً. (١) تحرَّف في الأصلين إلى: نجانا، وجاء على الصواب في (س). (٢) كذا وقع في الأصلين و (س)، والذي في اليونينية دون حكاية خلاف بين رواه البخاري: فيأتيهم الجبّار. ٣٦٨ باب ٢٤/ح ٧٤٣٩ فتح الباري بشرح البخاري وأجازَ غيره أنَّ المراد بالصّورةِ الصِّفة، وإليه مَيل البيهقيّ. ونَقَلَ ابن التِّين أنَّ معناه صورة الاعتقاد. ٤٢٨/١٣ وأجازَ الخطَّبيّ أن يكون الكلام خَرَجَ على وجه المشاكلة، لما تقدَّم من ذِكر / الشمس والقمر والطّواغيت، وقد تقدَّم بسط هذا هناك، وكذا قوله: ((نعوذ بك))، وقال غيره في قوله: ((في الصّورة التي يَعِرِفونَها)»: يحتمل أن يشير بذلك إلى ما عَرَفوه حين أخرج ذُرّيّة آدم من صُلبه، ثُمَّ أَنساهم ذلك في الدُّنيا، ثمَّ يُذكِّرُهم بها في الآخرة. وقوله: ((فإذا رأينا رَبّنا عَرَفناه))(١) قال ابن بَطّال عن المهلَّب: إنَّ الله يَبعَث لهم مَلَكاً ليَختَبِرهم في اعتقاد صفات ربّهم الذي ليس كمثله شيء، فإذا قال لهم: أنا رَبّكم رَدّوا عليه لما رَأوا عليه من صِفَة المخلوق، فقوله: «فإذا جاءَ رَبُّنَا عَرَفناه)) أي: إذا ظَهَرَ لنا في مُلك لا ينبغي لغيرِهِ، وعَظَمة لا تُشبِه شيئاً من مخلوقاته، فحينئذٍ يقولون: أنتَ رَبّنا، قال: وأمّا قوله: ((هل بينكم وبينه علامة تَعرِفونَها: فيقولون: السّاق)) فهذا يحتمل أنَّ الله عَرَّفَهم على ألسِنة الرُّسُل من الملائكة أو الأنبياء أنَّ الله جَعَلَ لهم علامةَ تَجَلّيه السّاقَ، وذلك أنَّه يَمْتَحِنهم بإرسالِ مَن يقول لهم: أنا رَبّكم، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿ يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، وهي وإن وَرَدَ أنَّها في عذاب القبر، فلا يَبعُد أن تَتَناول يوم الموقِف أيضاً. قال: وأمّا السّاق فجاءَ عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُّكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] قال: عن شِدّة من الأمر، والعرب تقول: قامتِ الحرب على ساق: إذا اشتَدَّت، ومِنه: قد سنَّ أصحابُك ضَرْبَ الأعناقْ وقامتِ الحربُ بنا على ساقْ (١) ليس هذا في حديث أبي سعيد، وإنما هو في حديث أبي هريرة الذي قبله، لكن لفظه عند البخاري دون خلاف بين رواة الصحيح: ((فإذا جاء ربنا عرفناه)»، كما قدم الحافظ لفظه قريباً على الصواب، وقد جاء باللفظ الذي ذكره هنا في رواية ابن المبارك في ((الزهد)» رواية نعيم بن حماد عنه (٢٨٤) عن يونس عن الزهري، قال: كان أبو هريرة يحدث، .. فذكره. ٣٦٩ باب ٢٤/ح ٧٤٣٩ كتاب التوحيد وجاءَ عن أبي موسى الأشعَريّ (١) في تفسيرها: عن نور عظيم. قال ابن فُورَك: معناه ما يَتَجَدَّد للمُؤمِنينَ من الفَوائد والألطاف. وقال المهلَّب: كَشف السّاق للمُؤمِنينَ رحمة ولغيرهم نِقمة. وقال الخطَّبيُّ: تَهيَّبَ كثير من الشُّيوخ الخَوض في معنى السّاق، ومعنى قول ابن عبّاس: أنَّ الله يَكشِف عن قُدرَته التي تَظهَر بها الشِّدّة. وأسنَدَ البيهقيُّ(٢) الأثَرِ المذكور عن ابن عبّاس بسندَينِ كلّ مِنْهُما حسن، وزادَ: إذا خَفِيَ عليكم شيء من القرآن فابتَغُوه (٣) من الشِّعر، وذكر الرَّجَز المشار إليه. وأنشَدَ الخطَّبيُّ(٤) في إطلاق السّاق على الأمر الشَّديد: فِي سَنةٍ قد كَشَفَتْ عن ساقها وأسنَدَ البيهقيُّ (ص٣٤٦) من وجه آخَر صحيح عن ابن عبّاس قال: يريد يوم القيامة. قال الخطَّبيُّ: وقد يُطلَق ويُراد النَّفْس. وقوله فيه: ((ويَبقَى مَن كانَ يَسجُد لله رياءً وسُمْعَةً، فيَذْهَب كَيما يَسجُد فيعود ظَهره طَبَقاً واحداً)) ذكر العَلّامة جَمال الدّين بن هشام في ((المغني)): أنَّه وَقَعَ في البخاريّ في هذا الموضع: ((كَيما)» مُجرَّدة وليس بعدها لفظ ((يَسجُد))، فقال بعد أن حكى عن الكوفيّينَ أنَّ (كَي)) ناصبة دائماً، قال: ويَرُدّه قولهم: كَيمَهْ، كما يقولون: لِمَهْ، وأجابوا بأنَّ التَّقدير: كَي تَفْعَل ماذا، ويَلزَمهم كَثْرةُ الحذف، وإخراجُ ((ما)) الاستفهاميّة عن الصَّدر، وحذفُ ألِفِها في غير الجرّ، وحذف الفعل المنصوب مع بقاء عامل النَّصب، وكلّ ذلك لم يَتْبُت، نَعَم وَقَعَ في ((صحيح البخاريّ)) في تفسير ﴿وُجُوهٌ يَؤْمَيِذٍ نَّاضِرَةُ﴾ [القيامة: ٢٢]: فيَذْهَب كَيما فيعود ظَهره طَبَقاً واحداً، أي: كَيما يَسجُد، وهو غريب جدّاً لا يُحتمل القياسُ عليه. انتهى كلامه، وكأنَّه وَقَعَت له نُسخةٌ سَقَطَت منها هذه اللَّفظة، لكنَّها ثابتة في جميع النُّسَخ التي وقَفتُ عليها، حتَّى إنَّ (١) عند الطبري ٢٩/ ٤٢، وإسناده ضعيف كما قال الحافظ في شرح ترجمة الحديث (٤٩١٩). (٢) في ((الأسماء والصفات)) (٧٤٦) و (٧٤٧)، وأسنده الفرّاء في ((معاني القرآن)) ١٧٧/٣ بسند صحيح. (٣) تصحف في (س) إلى: فاتبعوه. (٤) نسبه الراغب الأصفهاني في ((محاضرات الأدباء)) ١/ ٢١٢ لرؤية بن العجَّاج. ٣٧٠ باب ٢٤/ح ٧٤٣٩ فتح الباري بشرح البخاري ابن بَطّل ذكرها بلفظ: (كَي يَسجُد)» بحذفٍ ما، وكلام ابن هشام يُوهِمُ أنَّ البخاريّ أورَدَه في التَّفسير، وليس كذلك بل ذكرها هنا فقط. وقوله فيه: ((فيعودُ ظَهرُه طَبَقاً واحداً) قال ابن بَطّال: تَمَسَّكَ به مَن أجازَ تكليف ما لا يُطاقُ من الأشاعرة، واحتَجّوا أيضاً بقصَّةٍ أبي لهب، وأنَّ الله كَلَّفَه الإيمانَ به مع إعلامه بأنَّه يموت على الكفر، ويَصلَى ناراً ذات لهب، قال: ومَنَعَ الفُقَهاء من ذلك، وتَسَّكوا بقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وأجابوا عن السُّجود بأنَّهم يُدعَونَ إليه تَبكيتاً، إذ أدخلوا أنفُسهم في المؤمنينَ السّاجِدينَ في الدُّنيا، فدُعوا مع المؤمنينَ إلى السُّجود، فَتَعَذَّرَ عليهم، فأظهَرَ الله بذلك نِفاقَهم وأخزاهم. ٤٢٩/١٣ قال: ومثله/ من التَّبكيت ما يُقال لهم بعد ذلك: ﴿أَرْجِعُواْ وَرَآءَ كُمْ فَالْتَمِسُوا نُورٌ﴾ [الحديد: ١٣]، وليس في هذا تكليفُ ما لا يُطاقُّ، بل إظهارُ خِزيهم، ومِثله مَن كُلِّفَ أن يَعقِد شَعيرةً(١)، فإنَّهَا للزّيادةِ في التَّوبيخ والعُقوبة. انتهى، ولم يُحِب عن قصَّة أبي لهب، وقد اذَّعَى بعضهم أنَّ مَسألة تكليف ما لا يُطاق لم تقع إلّا بالإيمان فقط، وهي مسألة طويلةُ الذَّيل ليس هذا موضعُ ذِکرها. وقوله: ((قال: مَدحَضة مَزِلّة)» بفتح الميم وكسر الزّاي ويجوز فتحها وتشديد اللّام، قال: أي: موضع الزَّلَل، ويُقال: بالكسر في المكان، وبالفتح في المقال، ووَقَعَ في رواية أبي ذرِّ عن الكُشمِيهَنِيِّ هنا: الدَّحض: الزَّلَق، ﴿لِيُدْحِضُواْ﴾: لِيُزِلِقوا ﴿زَلَقًا﴾: لا تثبت فيه قَدَم، وهذا قد تقدَّم لهم في تفسير سورة الكهف، وتقدَّم هناك الكلام عليه (٢). وقوله: ((عليه خَطاطيف وكَلاليب)) تقدَّم بيانه (٦٥٧٣). وقوله: ((وحَسَكة)) بفتح الحاء والسّين المهمَلتَينِ، قال صاحب ((التَّهذيب)) وغيره: (١) يشير إلى الحديث ابن عباس المتقدم برقم (٧٠٤٢) مرفوعاً: ((من تحلَّم بحُلْم لم يَرَهُ كُلِّفَ أن يعقد بين شعیرتین ولن يفعل». (٢) بإثر الحديث (٤٧٢٤). ٣٧١ باب ٢٤/ح ٧٤٣٩ كتاب التوحيد الحَسَك: نَبات له ثَمَر خَشِن يَتعلَّق بأصواف الغنم، ورُبّما اتّخِذَ مِثله من حدید، وهو من آلات الحرب. وقوله: ((مُفَلْطَحة)) بضمِّ الميم وفتح الفاء وسكون اللّام، بعدها طاء ثمَّ حاء مُهمَلَتان، كذا وَقَعَ عند الأكثر، وفي رواية الكُشمِيهَنِيِّ: ((مُطَلَفَحة)) بتقديمِ الطّاء وتَأخير الفاء واللّام قبلها (١)، ولبعضِهم كالأوَّلِ لكن بتقديمِ الحاء على الطّاء، والأوَّل هو المعروف في اللُّغة، وهو الذي فيه اتِّساع وهو عريض، يقال: فلطَحَ القُرصَ: بَسَطَه وعَرَّضَه. وقوله: (شَوكة عَقيفة)) بالقاف ثمَّ الفاء، وزن عظيمة، ولبعضِهم: ((عُقَيفاء)) بصيغةِ التَّصغیر محدود. تنبيه: قرأت في ((تنقيح الَّركَشِيّ)): وَقَعَ هنا في حديث أبي سعيد بعد شفاعة الأنبياء: ((فيقول الله: بَقِيَت شَفاعَتي فيُخرِجُ من النار مَن لم يَعمَل خيراً»، وتَمسَّكَ به بعضهم في تَجويز إخراج غير المؤمنينَ من النار. ورُدَّ بوجهَينِ: أحدهما: أنَّ هذه الزّيادة ضعيفة، لأنَّها غير مُتَّصِلة، كما قال عبد الحقّ في ((الجمع))، والثّاني: أنَّ المراد بالخيرِ المنفيّ ما زاد على أصل الإقرار بالشَّهادتين، كما تَدُلّ عليه بقيّة الأحاديث. هكذا قال، والوجه الأوَّل غَلَط منه فإنَّ الرّواية مُتَّصِلة هنا، وأمّا نِسبة ذلك لعبدِ الحقّ فَغَلَط على غَلَط، لأنَّه لم يَقُله إلّا في طريق أُخرى وَقَعَ فيها: ((أخِرِجوا مَن كان في قلبه مثقال حَبّ خَردَل من خير))(٢) قال: هذه الرِّواية غير مُتَّصِلة(٣)، ولمَّا ساقَ حديث أبي سعيد الذي (١) كذا ضبط الحافظُ روايةَ الكُشمِيهنيّ، وكذلك العينيُّ، وزاد: مِن طَلْفَحَهُ: إذا أرقَّهُ، والطلافح: العِراض، وهو بخلاف ما في اليونينية و ((إرشاد الساري)) حيث ضُبِطت فيهما روايةُ الكُشْمِيهنيّ: مطحلفةُ، بتقديم الطاء والحاء على اللام وتأخير الفاء بعد اللام. ولم نجده في كتب اللغة على وفق ما في اليونينية و ((الإرشاد)). (٢) أخرجه بهذا اللفظ أبو نعيم في ((مستخرجه على مسلم)) (٤٦٢)، والبيهقي في ((الشعب)) (٣١٦) ونسبه الحافظُ عند شرح الحديث (٢٢) لابن أبي شيبة في «مسنده))، ولم نقف عليه في المطبوع منه. (٣) يعني عند البخاري حيث أوردها بإثر الحديث (٢٢) معلقةً، لكن وصلها من ذكرناه. ٣٧٢ باب ٢٤/ ح ٧٤٤٠ فتح الباري بشرح البخاري في هذا الباب ساقَه بلفظِ البخاريّ، ولم يَتَعقَّبه بأنَّه غير مُتَّصِل، ولو قال ذلك لَتَعقَّبناه عليه، فإنَّه لا انقطاع في السَّنَد أصلاً، ثمّ إنَّ لفظ حديث أبي سعيد هنا ليس كما ساقَه الَّركَشِيّ، وإنَّما فيه: ((فيقول الجَبّار: بَقِيَت شَفاعَتي، فيُخرِجُ أقواماً قد امتُحِشوا))، ثمَّ قال في آخره: «فيقول أهل الجنَّة: هؤلاءِ عُتَقاء الرَّحمن أدخَلهم الجنَّة بغيرِ عمل عَمِلوه ولا خير قَدَّموه))، فيجوز أن يكون الَّركشيّ ذكره بالمعنى. ٧٤٤٠- وقال حَجّاجُ بنُ مِنْهالٍ: حدَّثنا هَمَّامُ بنُ يحيى، حدَّثْنَا قَتَادةُ، عن أنسٍ عَظِ، أنَّ النبيَّ ◌َّه قال: ((يُخْبَسُ المؤمنونَ يومَ القيامةِ حتَّى ◌َهُمُّوا بذلك، فيقولون: لو استَشْفَعْنا إلى رَبِّنا فيرِ يحَنا مِن مكاننا، فيَأْتُونَ آدَمَ فيقولون: أنتَ آدمُ أبو الناسِ، خَلَقَكَ الله بيَدِه، وأسكَنَكَ جَنَّتَه، وأسجَدَ لكَ ملائكته، وعَلَّمَكَ أسماءَ كلِّ شيءٍ، اشْفَعْ لنا عندَ رَبِّكَ حتَّى يُرِيحَنا مِن مكاننا هذا؟ قال: فيقولُ: لَستُ هُناكُم، قال: ويَذكُرُ خَطِيئَتَه التي أصابَ أكلَه منَ الشَّجَرةِ وقد نُمِيَ عنها، ولَكِنِ اثْنُوا نوحاً أوَّلَ نبِيّ بَعَثَه الله إلى أهلِ الأرضِ، فَيَأْتُونَ نوحاً فيقولُ: لَستُ هُناكم، ويَذْكُرُ خَطِئْتَه التي أصابَ سؤالَه رَبَّه بغيرِ عِلْمِ، ولَكِنِ اثْنُوا إِبراهيمَ خليلَ الرَّحمنِ، قال: فِيَأْتُونَ إبراهيمَ، فيقولُ: إنّي لَستُ هُناكم، ويَذْكُرُ ثَلاَثَ كَذَّبَاتٍ كَذَبَهُنَّ، ولَكِنِ اثْتوا موسى عبداً آتاه الله النَّوراةَ، وكَلَّمَه وقَرَّبَه نَجِيّاً، قال: فيَأْتُونَ موسى، فيقولُ: إنّ ◌َستُ هُناكم، ويَذْكُرُ خَطِئْتَه التي أصاب قَتْلَه النَّفْسَ، ولَكِنِ اثْتوا عيسى عبدَ الله ورسولَه، وروحَ الله وكلمتَه، قال: فَيَأْتُونَ عيسى، فيقولُ: لَستُ هُناكم، ولَكِنِ اثْتوا محمَّداً وَ عبداً غَفَرَ الله له ما تقدَّم مِن ذَنْبِهِ وما تَأخََّ، فَيَأْتُونَنِي، فأستَأْذِنُ على رَبِّ في داره، فيُؤْذَنُ لي عليه، فإذا رأيتُهُ وقَعتُ ساجداً، فَيَدَعُني ما شاءَ الله أنْ يَدَعَني، فيقولُ: ارفَعْ محمَّدُ، وقُلْ يُسْمَع، واشفَعْ تُشَفَّع، وسَلْ تُعْطَ، قال: فأرفَعُ رَأْسِي فَأَثْني على رَبّي بِثَنَاءٍ وَحمِيدٍ يُعلِّمُنِيهِ، ثُمّ أشْفَعُ فِيَحُدُّ لِي حَدّاً، فأخْرُجُ فَأُدْخِلُهُم الجنَّةَ». قال قَنَادةُ: وسمعتُه أيضاً يقولُ: ((فَأُخْرِجُهم منَ النار وأُدْخِلُهُم الجنَّةَ، ثمَّ أعودُ الثّانيةَ، فأستَأْذِنُ على رَبِّ في داره، فيُؤْذَنُ لي عليه، فإذا رأيتُه وقَعتُ ساجداً، فيَدَعُني ما شاءَ الله أنْ ٣٧٣ باب ٢٤/ح ٧٤٤١ كتاب التوحيد يَدَعَني، ثمَّ يقولُ: ارفَعْ محمَّدُ، وقُلْ يُسْمَعْ، واشفَعْ تُشَفَّعْ، وسَلْ تُعْطَ، قال: فأرفَعُ رَأْسي فأَثْنِي على رَبِّ بثَناءٍ وتَحمِيدٍ يُعلِّمُنِيه، قال: ثمَّ أشْفَعُ فَيَحُدُّ لي حَدّاً، فأخْرُجُ فَأُدْخِلُهُم الجنَّةَ)). قال قَتَادةُ: وسمعته يقولُ: ((فأُخْرِجُهم منَ النار وأُدْخِلُهُم الجنَّةَ، ثمَّ أعودُ الثّالثة، فأستَأْذِنُ على رَبِّ في داره، فيُؤْذَنُ لي عليه، فإذا رأيتُهُ وقَعتُ ساجداً، فيَدَعُني ما شاءَ الله أنْ يَدَعَني، ثمَّ يقولُ: ارفَعْ محمَّدُ، وقُلْ يُسْمَعْ، واشفَعْ تُشَفَّعْ، وسَلْ تُعْطَهُ، قال: فأرفَعُ رَأْسِي، فأَثْني على رَبِّ بِثَناءٍ وتَحمِيدٍ يُعلِّمُنِيه، قال: ثمَّ أشْفَعُ، فَيَحُدُّ لِي حَدّاً، فأخْرُجُ فَأُدْخِلُهُم الجنَّةَ». قال قَتَادةُ: وقد سمعتُه يقولُ: ((فأخْرُجُ فأُخْرِجُهم منَ النار، وأُدْخِلُهُم الجنَّةَ، حتَّى ما يَبْقَى في النار إلّا مَن حَبَسَه القرآنُ» أي: وَجَبَ عليه الخُلودُ، قال: ثمَّ تلا هذه الآيةَ: (﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا فَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩])) قال: وهذا المَقام المحمودُ الذي وُعِدَە نبُّكم صَلى الله ٧٤٤١- حدَّثْنَا عُبَيَدُ الله بنُ سَعْدِ بنِ إبراهيمَ، حدَّثني عَمّي، حدَّثنا أبي، عن صالحٍ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: حدَّثني أنسُ بنُ مالكِ: أنَّ رسولَ الله وََّ أرسَلَ إلى الأنصار فجَمَعَهم في قُبَّةٍ، وقال لهمُّ: (اصْبِروا حتَّى تَلْقَوُا الله ورسوله، فإنّ على الحَوْضِ». الحديث الرابع: حديث أنس في الشَّفاعة، وقد مضى شَرحُه مُستَوفَّى في ((باب صِفَة الجنَّة والنار)) من كتاب الرِّقاق (٦٥٦٥). وقوله هنا: (وقال حجّاج بن مِنهال: حدّثنا همَّام)) کذا عند الجميع، إلّا في رواية أبي زيد المروَزيِّ عن الفِرَبْريّ، فقال فيها: حدَّثنا حَجّاج، وقد وَصَلَه الإسماعيليّ من طريق إسحاق ابن إبراهيم، وأبو نُعَيم من طريق محمَّد بن أسلَمَ الطَّوسيِّ قالا: حدَّثنا حَجّاج بن مِنهال، فذكره بطوله. وساقوا الحديثَ كلَّه إلّا النَّسَفيّ، فساقَ منه إلى قوله: ((خَلَقَك الله بيَدِه)) ثمَّ قال: فذكر ٣٧٤ باب ٢٤/ ح ٧٤٤١ فتح الباري بشرح البخاري الحديث. ووَقَعَ لأبي ذرِّ عن الحَقُّوِيِّ نحوه، لكن قال: وذكر الحديث بطولِهِ، بعد قوله: ((حتَّى پهُوا بذلك))، ونحوه للگُشميھنيّ. وقوله فيه: ((ثلاث كَذَبات)) في رواية المُستَمْلي: ((ثلاث كلمات)). وقوله: ((فأستَأذِنُ على رَبّي في داره، فيُؤْذَنُ لي عليه)) قال الخطَّبيُّ: هذا يُوهِم المكان، والله مُتَزَّةٌ عن ذلك، وإنَّما معناه: في داره التي اتَّخَذَها لأوليائه، وهي الجنَّة وهي دار السَّلام، وأُضيفَت إليه إضافةَ تشريف مِثل: بيت الله وحَرَم الله. وقوله فيه: ((قال قَتَادةُ: وسَمِعْتُهُ يقول: فأُخرِجُهم)) هو موصول بالسَّنَدِ المذكور، ووَقَعَ ٤٣٠/١٣ للكُشمِيهَنيّ: وسمعته أيضاً يقول، وللمُستَمْلي: وسمعته يقول: / (فأخرُجُ فأُخرِجُهم)) الأوَّل بفتحِ الهمزة وضمّ الرَّاء، والثّاني بضمِّ الهمزة وكسر الرَّاء. الحديث الخامس: حديث أنس: ((اصبِروا حتَّى تَلقَوا اللهَ ورسولَه، فإنّ على الحوض)». قوله في السَّنَد: ((حدَّثني عَمّي)) هو يعقوب بن إبراهيم بن سعد، وأبوه: هو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عَوف، وليعقوب فيه شيخ آخَر، أخرجه مسلم (١٠٥٩) من طريقه أيضاً عن ابن أخي ابن شهاب عن عَمّه، وهي أعلى من روايته إيّاه عن أبيه عن صالح، - وهو ابن كَيْسانَ - عن ابن شِهاب الزُّهْريّ. قوله: ((أرْسَلَ إلى الأنصار، فجَمَعَهم في قُبِه)) كذا أورَدَه مُختصَراً، وقد أخرجه مسلم (١٠٥٩) من هذا الوجه، وقال في أوَّله: لمَّا أفاءَ الله على رسوله ما أفاءَ من أموال هَوازِن، ثمَّ أحالَ بَبَقِيَّتِه على الرِّواية التي قبلها من طريق يونس عن الزُّهْرِيِّ: فطَفِقَ رسول الله عَليه يُعطي رجالاً من قُرَيش، فذكر الحديث في مُعاتَبَتهم، وفي آخره: فقالوا: بلى يا رسول الله رَضِينا، قال: ((فإنَّكم سَتَجِدونَ بعدي أثَرَةً شديدةً، فاصبِروا حتَّى تَلقَوا اللهَ ورسولَه، فإنّي على الحوض)»، وقد تقدَّم من وجه آخَر في غزوة حُنَينِ (٤٣٣١)، وساقَه من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم (٤٣٣٠) أتمَّ منه، وتقدَّم شَرحُه مُستَوَى هناك بحمدِ الله تعالی. ٣٧٥ باب ٢٤/ح ٧٤٤٢ - ٧٤٤٤ كتاب التوحيد والغرض منه هنا قوله: ((حتَّى تَلقَوا اللهَ ورسولَه)) فإنَّها زيادة لم تقع في بَقيّة الطّرق، وقد تقدَّم في أوائل الفتن (٧٠٥٧) من رواية أنس عن أَسَيد بن الحُضَيرِ في قصَّة فيها: (سَتَرَونَ بعدي أثَرَةً، فاصبِروا حتَّى تَلقَوني))، وترجَمَ له في مناقب الأنصار (٣٧٩٢): باب قول النبيّ وَّ يعني للأنصار: ((اصبِروا حتَّى تَلقَوني على الحوض)). قال الرَّاغِب: اللِّقاء: مُقَابَلة الشَّيء ومُصادَفَته، لَفيَه يَلقاه، ويُقال أيضاً في الإدراك بالحِسِّ وبالبصيرة، ومِنه: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ اُلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ﴾ [آل عمران: ١٤٣]، ومُلاقاة الله يُعبَّر بها عن الموت وعن يوم القيامة، وقيل ليومِ القيامة: يوم التّلاقِ، لالِتِقاءِ الأوَّلينَ والآخِرِينَ فيه. ٧٤٤٢ - حَدَّثنا ثابتُ بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا سفيانُ، عن ابنِ جُرَيج، عن سليمانَ الأحوَلِ، عن طاووسٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: كانَ النبيُّ وََّ إذا تَهَجَّدَ منَ اللَّيلِ قال: «اللهُمَّ رَبَّنَا لكَ الحمدُ، أنتَ قَيِّمِ السَّماوات والأرضِ، ولَكَ الحمدُ أنتَ رَبُّ السَّماوات والأرضِ ومَن فيهنَّ، ولَكَ الحمدُ أنتَ نورُ السَّماوات والأرضِ ومَن فيهنَّ، أنتَ الحقُّ، وقولُكَ الحقُّ، ووَعْدُكَ الحقُّ، ولقاؤُكَ الحقُّ، والجنَّةُ حَقٍّ، والنارُ حَقٍّ، والسّاعَةُ حَقٍّ، اللهُمَّ لكَ أسلَمتُ، وبِكَ آمَنتُ، وعليكَ تَوَكَّلتُ، وإليكَ خاصَمتُ، وبكَ حاكَمتُ، فاغفِرْ لي ما قَدَّمتُ وما أخَّرتُ، وأسرَرتُ وأعلَنتُ، وما أنتَ أعلَمُ به منّي، لا إلهَ إلا أنتَ)). وقال قيسُ بنُ سعدٍ وأبو الزُّبَير: عن طاووسٍ: (قَيّامُ)). وقال مجاهدٌ: ﴿ الْقَيُّوُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]: القائمُ على كلِّ شيءٍ. وقرأ عمرُ: ((القَيّامُ))، وكِلاهُما مَدْعٌ. ٧٤٤٣ - حدَّثنا يوسُفُ بنُ مُوسى، حدَّثنا أبو أسامةَ، حدَّثني الأعمَشُ، عن خَيْئَمَةَ، عن عَدِيٍّ بنِ حاتم، قال: قال رسولُ الله ◌ِّهِ: ((ما منكم مِن أحدٍ إلّا سيُكلِّمُه رَبُّه، ليسَ بينَه وبينَه تَرْجُمانٌ، ولا حِجابٌ يَحْجُبُهُ)). ٧٤٤٤- حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الصَّمَد، عن أبي عِمْرانَ، عن ٣٧٦ باب ٢٤/ ح ٧٤٤٤ فتح الباري بشرح البخاري أبي بَكْرِ بنِ عبدِ الله بنِ قيسٍ، عن أبيه، عن النبيِّ ◌َّهِ، قال: ((جَنَتَانِ مِن فِضّةٍ آنِیَتُهما وما فيهما، وجَتَّتَانِ مِن ذهبٍ آنِيَتُهما وما فيهما، وما بينَ القومِ وبينَ أنْ يَنْظُرُوا إلى رَبِّهم إلّ رِداءُ الكِبْریاءِ على وجهِه في جَنّةِ عَدْنٍ)). الحديث السادس: عن ابن عبّاس في الدُّعاء عند قيام اللّيل، وقد تقدَّم شَرحه في أوائل ((كتاب التَّهَجُّد)) مُستَوفَّى (١١٢٠). والغرض منه قوله: ((ولقاؤك حَقٌّ)) وقد ذَكَرتُ ما يَتَعلَّق باللِّقاءِ في الذي قبله. وسفيان في سنده: هو الثَّوْريّ، وسليمان: هو ابن أبي مسلم. وقوله فيه: ((وقال قيس بن سعد وأبو الزُّبَير: عن طاووسٍ: قَيَّام)) يريد أنَّ قيس بن سعد روى هذا الحديث عن طاووسٍ عن ابن عبَّاس، فوَقَعَ عنده بَدَل قوله: ((أنتَ قَيِّم السَّماوات والأرض)): ((أنتَ قَّامِ السَّماوات والأرض))، وكذلك أبو الزُّبَير عن طاووسٍ، وطريق قيس وَصَلَها مسلم (٧٦٩) وأبو داود (٧٧٢) من طريق عمران بن مسلم عن قيس، ولم يَسوقا لفظه، وساقَها النَّسائيُّ (ك١١٣٠٠) كذلك وأبو نُعَيم في ((المستخرَج))، ورواية أبي الزُّبَيرِ وَصَلَها مالك في ((الموطَّ)) (٢١٥/١-٢١٦) عنه، وأخرجها مسلم (٧٦٩) من طريقه، ولفظه: ((قَّامِ السَّماوات والأرض)). قوله: ((وقال مجاهد: ﴿اَلْقَيُّومُ﴾: القائم على كُلِّ شيءٍ)) وَصَلَه الفِريابيّ في ((تفسيره))(١) عن ورقاء عن ابن أبي نَجِيح عن مجاهد بهذا. قال الحَلِيمَيّ: ﴿الْقَيُّومُ﴾: القائم على كلّ شيء من خلقه يُدَبِّره بما يريد. وقال أبو عُبَيدة بن المثنَّى: ﴿الْقَيُّومُ﴾ فَيَعُول وهو القائم الذي لا يَزول. وقال الخطَّبيُّ: ﴿اَلْقَيُ﴾ نَعت للمُبالَغةِ في القيام على كلّ شيء، فهو القَيِّم على كلّ شيء بالرِّعایة له. قوله: ((وقرأ عمر: القَيّام)) قلت: تقدَّم ذِكر مَن وَصَلَه عن عمر في تفسير سورة نوح(٢). (١) وهو أيضاً في ((تفسير آدم بن أبي إياس)) المطبوع باسم ((تفسير مجاهد)) ١/ ١٢١. (٢) سورة رقم (٧١) قبل الحديث (٤٩٢٠). ٣٧٧ باب ٢٤/ ح ٧٤٤٤ كتاب التوحيد قوله: ((وكِلاهُما مَدْح)) أي: القَيّوم والقَيّام، لأنَّهُما من صيغ المبالَغة. الحديث السابع: حديث عَديّ بن حاتم: «ما مِنكم من أحد إلّا سيُكلِّمُه ربّه، ليس بينه وبينه ترجمان». وقوله في سنده: ((عن خَيْثَمَةَ)) في رواية حفص بن غياث عن الأعمش: حدَّثني خَيْثَمة ابن عبد الرَّحمن، كما تقدَّم في كتاب الرِّقاق (٦٥٣٩)، وسياقه هناك أتمّ، وسيأتي أيضاً من وجه آخَر عن الأعمَش (٧٥١٢). و قوله: ((ولا حجابٌ تحجُبه» في رواية الگُشمِیھنيّ: ((ولا حاجِب)). قال ابن بَطّل: معنى رفع الحِجاب: إزالة الآفة من أبصار المؤمنينَ المانعة لهم من الرُّؤية، فيَرَونَه لارتفاعِها عنهم بخلقِ ضِدّها فيهم، ويشير إليه/ قوله تعالى في حَقّ الكفّار: ﴿كَلَّ ٤٣١/١٣ إِنَّهُمْ عَن رَّبِهِمْ يَوْمَيِذٍ لََّحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]. وقال الحافظ صلاح الدّين العَلائيّ في شَرح قوله في قصَّة معاذ: ((واتَّقِ دَعوة المظلوم، فإنَّه ليس بينها وبين الله حجاب))(١): والمرادُ بالحاجبِ والحِجاب: نَفي المانع من الرُّؤية، كما نَفَى عَدَمَ الإجابةِ دعاءُ المظلوم، ثمَّ استَعارَ الحِجاب للَّدِّ، فكان نَفيه دليلاً على ثُبُوت الإجابة، والتَّعبير بنَفي الحجاب أبلغ من التَّعبير بالقَبُول، لأنَّ الحجاب من شَأنه المنع من الوصول إلى المقصود، فاستُغيرَ نَفيُه لعَدَمِ المنع. ويَتَخَرَّج كثير من أحاديث الصِّفات على الاستعارة التَّخييليّة، وهي أن يَشتَرِك شيئان في وصف، ثمَّ تُعتَمَد لوازمُ أحدهما، بحيثُ تكون جهة الاشتراك وصفاً، فيئبُت کماله في المستعار بواسطةِ شيء آخر، فَيَئْبُت ذلك للمُستَعار مُبالَغة في إثبات المشتَرَك، قال: وبالحمْلِ على هذه الاستعارة التَّخييليّة يَحصُل التَّخَلُّص من مَهاوي النَّجَسُّم. قال: ويحتمل أن يُرادَ بالحِجابِ استعارة محسوس لمعقولٍ، لأنَّ الحِجاب حِسٌّّ، والمنع عَقليّ. (١) تقدم برقم (١٤٩٦) من حديث عبد الله بن عباس. ٣٧٨ باب ٢٤/ح ٧٤٤٤ فتح الباري بشرح البخاري قال: وقد وَرَدَ ذِكر الحجاب في عِدّة أحاديث صحيحة، والله سبحانه وتعالى مُنَزَّهُ عَمَّا يَحِجُبه، إذ الحِجاب إنَّما يُحيط بمُقدَّرٍ محسوس، ولكنَّ المراد بحِجابِهِ مَنعُه أبصارَ خلقه وبَصائرهم بما شاءَ متى شاءَ كيف شاءَ، وإذا شاءَ كَشَفَ ذلك عنهم، ويُؤيِّده قوله في الحديث الذي بعده: ((وما بين القوم وبين أن يَنظُرُوا إلى ربّهم إلّا رِداء الكِبرياء على وجهه)»، فإنَّ ظاهره ليس مراداً قطعاً فهي استعارة جَزماً، وقد يكون المراد بالحجابِ في بعض الأحاديث الحجاب الِحِسّ، لكنَّه بالنّسبةِ للمخلوقينَ، والعلم عند الله تعالى. ونَقَلَ الطِّييُّ في شرح حديث أبي موسى عند مسلم (١٧٩): ((حِجابه النّور، لو کَشَفَه لَأَحَرَقَت سُبُحاتُ وجهه ما أدرَكَه بَصَرُّه)) أنَّ فيه إشارةً إلى أنَّ حِجابه خِلَاف الحُجُب المعهودة، فهو مُحْتَجِبٌ عن الخلق بأنوار عِزّه وجَلاله، وأشِعّة عَظَمته و کبریائه، وذلك هو الحِجاب الذي تَدهَش دونه العقولُ وتَبَهَت الأبصارُ وتَتَحيََّ البَصائر، فلو كَشَفَه فَتَجلَّى لما وراءَه بحَقائق الصفات وعَظَمة الذّات لم يَبَقَ مخلوقٌ إلَّا احْتَرَقَ، ولا مَنظورٌ إلّا اضمَحَلَّ، وأصل الحِجاب السِّتر الحائل بين الرَّائي والمرئيّ، والمراد به هنا مَنع الأبصار من الرُّؤية له بما ذُكِرَ، فقامَ ذلك المنعُ مَقامَ السِّتر الحائل فعَبَّرَ به عنه، وقد ظَهَرَ من نُصوص الكتاب والسُّنّة أنَّ الحالةَ المشار إليها في هذا الحديث هي في دار الدُّنيا المُعَدّة للفَناءِ، دونَ دارٍ الأُخرى المُعَدّة للبقاء، والحِجاب في هذا الحديث وغيره يَرجِع إلى الخلق، لأنَّهم هم المحجوبونَ عنه. وقال النَّويّ: أصل الحِجاب المنع من الرُّؤية، والحِجاب في حقيقة اللُّغة: السِّتر، وإنَّما يكون في الأجسام، والله سبحانه مُنَّهُ عن ذلك، فعُرِفَ أنَّ المراد المنع من رُؤيَته، وذكر النّور لأنَّه يَمنَع من الإدراك في العادة لشُعاعِه، والمراد بـ ((الوجه)): الذّات، وابما انتهى إليه بَصَره)): جميع المخلوقات، لأنّه سبحانه مُحيط بجميع الكائنات. الحديث الثامن: حديث أبي موسى، وعبد العزيز بن عبد الصَّمَد: هو أبو(١) عبد الصَّمَد (١) تحرَّف في (س) إلى: ابن. ٣٧٩ باب ٢٤/ح ٧٤٤٤ كتاب التوحيد العَمّيّ، بفتحِ المهملة وتشديد الميم، وأبو عمران: هو عبد الملك بن حبيب الجوْنيّ، وأبو بكر: هو ابن أبي موسى الأشعَريّ، وقد تقدَّم ذلك في تفسير سورة الرَّحمن (٤٨٧٨). قوله: (جنتان من ذهب آنیتھما وما فيهما، وجنّتان من فِضّة آنیتھما وما فيهما)» في رواية حمّاد ابن سَلَمة عن ثابت البنانيِّ عن أبي بكر بن أبي موسى عن أبيه قال حَمَّاد: لا أعلَمه إلّا قد رَفَعَه قال: ((جَنَّتَان مِن ذهب للمُقرَّبينَ، ومن دونهما جَنَّتَان من وَرِق لأصحابِ اليمين)) أخرجه الطَّبَريُّ (١٤٦/٢٧) وابن أبي حاتم، ورجاله ثقات(١). وفيه رَدّ على ما حَكَيته على التِّرمِذيّ الحكيم أنَّ المراد بقوله تعالى: ﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّثَانِ﴾ [الرحمن: ٦٢]: الدُّنوّ بمعنى الْقُرب لا أَُّمَا دونَ الجنَّتَينِ المذكورَتَينِ قبلهما، وصَرَّحَ جماعة بأنَّ الأُولَيَينِ أفضَل من الأُخرَيَين، وعَكَسَ بعض المُفسِّرِينَ، والحديث حُجّة للأَوَّلينَ. قال الطَّبَريُّ: اختُلِفَ في قوله: ﴿وَمِن دُونِمَا جَنَّثَانِ﴾ فقال بعضهم: معناه في الدَّرَجة، وقال آخرونَ: معناه/ في الفضل. ٤٣٢/١٣ وقوله: ((جَنَّتَان)) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّثَانِ ﴾ وتفسیر له، وهو خبر مُبْتَدَأ محذوف، أي: هُما جَنَّتَان، و((آنْيَتهما)) مُبْتَدَأ، و((من فِضّة)) خَبَرَه. قاله الكِرْمانيُّ. قال: ويحتمل أن يكون فاعل فِضّة، كما قال ابن مالك: مَرَرت بوادٍ أَثْلِ (٢) كلَّه: إنَّ كلّه فاعل، أي: جَنَّان مُفَضَّض آنيَتهما. انتهى، ويحتمل أن يكون بَدَلَ اشتمالٍ. وظاهر الأوَّل أنَّ الجنَّتَينِ من ذهب لا فِضّةَ فيهما وبالعكس، ويعارضه حديث أبي هريرة: قلنا: يا رسول الله حَدِّثنا عن الجنَّة ما بناؤُها؟ قال: ((لَبِنَةٌ من ذهب ولَبِنَةٌ من فِضّة)»، الحديث، أخرجه أحمد (٨٠٤٣ و٨٧٤٧) والتِّرمِذيّ (٢٥٢٦) وصَخَّحَه ابن حِبّان (٧٣٨٧)، وله شاهد (١) في إسناده مؤمل بن إسماعيل، ستئ الحفظ، وقد خالفه من هو أوثق منه، فقد رواهُ آدم بن أبي إیاس عند البيهقي في ((البعث)) (٢١٩) عن حماد بن سلمة، عن ثابت وأبي عمران الجوني عن أبي بكر بن أبي موسى عن أبيه موقوفاً، وكذلك رواه حماد بن زيد عن أبي عمران وثابت، به موقوفاً عند البيهقي في ((البعث)) (٢١٨) أيضاً، فالصحيح أنه باللفظ المذكور موقوف، والله أعلم. (٢) تصحف في الأصلين و(س) إلى: إبل، وضبطه الكرماني فقال: الأثل، بالمثلثة. ٣٨٠ باب ٢٤/ ح ٧٤٤٤ فتح الباري بشرح البخاري عن ابن عمر أخرجه الطَّبَرانيُّ (١٣٩٩٢) وسنده حسن، وآخَر عن أبي سعيد أخرجه البزَّار(١)، ولفظه: ((خَلَقَ الله الجنَّة لَبِنة من ذهب، ولَبِنة من فِضّة)) الحديث، ويُجمَع بأنَّ الأوَّل صِفَة ما في كلّ جَنّة من آنية وغيرها، والثّاني صِفَة حوائط الجِنان كلّها. ويُؤيِّده أنَّه وَقَعَ عند البَيهقيِّ في ((الْبَعث)) (٢٨٨) في حديث أبي سعيد: ((إنَّ الله أحاطَ حائط الجنَّة لَبِنة من ذهب، ولَبِنة من فِضّة)) وعلى هذا فقوله: ((آنيَتهما وما فيهما)) بَدَل من قوله: ((من ذهب)) ويَتَرجَّح الاحتمالُ الثّاني. قوله: ((وما بين القوم وبين أنْ يَنْظُرُوا إلى ربّهم إلّا رِداء الكِبْرياء على وجهه)) قال المازَرِيّ: كان النبيّ وَّه يُخاطِب العرب بما تَفْهَم، ويُخْرِج لهم الأشياء المعنَويّة إلى الِحِسّ ليُقَرِّبَ تَناوُلهم لها، فعَبَّرَ عن زَوال الموانع ورفْعه عن الأبصار بذلك. وقال عِيَاض: كانت العرب تَستَعمِل الاستعارة كثيراً، وهو أرفَع أدوات بديع فصاحَتها وإيجازها، ومنه قوله تعالى: ﴿جَنَاحَ الذُّلِ﴾ [الإسراء: ٢٤] فمُخاطَبة النبيّ وَّ لهم بِرِداءٍ الكِبرياء على وجهه ونحو ذلك من هذا المعنى، ومَن لم يَفهَم ذلك تاهَ، فمَن أجرَی الكلام على ظاهره أفضَى به الأمر إلى التَّجسيم، ومَن لم يَتَّضِح له وعلمَ أنَّ الله مُنَّهُ عن الذي يَقْتَضيه ظاهرها، إمّا أن يُكذِّب نَقَلَتها، وإمّا أن يُؤَوِّلها، كأن يقول: استَعارَ لعظيمٍ سُلطان الله وكبريائه وعَظَمَته وهَيبَته وجلاله المانعِ إدراكَ أبصار البشر مع ضَعفها لذلك، رِداءَ الکبریاء، فإذا شاءَ تَقوية أبصارهم وقلوبهم كَشَفَ عنهم حِجاب هَيبَتَه ومَوانع عَظَمَته. انتهى مُلخَّصاً. وقال الطِّييُّ: قوله: ((على وجهه)): حالٌّ من رِداء الكِبرياء. وقال الكِرْ مانيُّ: هذا الحديث من المُتَشابهات، فإمّا مُفَوِّض، وإمّا مُتَأوَّل بأنَّ المراد بالوجه الذّات، والرِّداء صِفَة من صفاتٍ(٢) (١) رواه البزار من وجهين عن الجُريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري، أحدهما مرفوع كما في ((كشف الأستار)) (٣٥٠٨)، والآخر موقوف كما في ((الكشف)) (٣٥٠٧)، وإسناد الموقوف صحيح، وفي إسناد المرفوع عدي بن الفضل متفق على ضعفه. (٢) تحرَّف في (س) إلى: صفه.