النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
باب ١/ح ٧٣٧٢
كتاب التوحيد
التي أصَّلوها فهو مُبتَدِع، ولو لم يَفْهَمها ولم يَعرِف مَأْخَذها، وهذا هو مَحَضُ التَّقليد، فَآلَ
أمرهم إلى تكفير مَن قَلَّدَ الرَّسول عليه الصلاة والسلام في معرفة الله تعالى، والقولِ بإيمان
مَن قَلَّدَهم، وكَفَى بهذا ضلالاً، وما مَثَلُهم إلّا كما قال بعض السَّلَف: إنَّهم كمَثَلِ قوم كانوا
سَفراً، فَوَقَعوا في فَلَاةٍ ليس فيها ما يقوم به البَدَن من المأكول والمشروب، ورَأوا فيها طرقاً
شَتَّى، فانقَسَموا قِسمَينِ: فِقِسمُ وجَدوا مَن قال لهم: أنا عارفٌ بهذه الطّرق، وطريق النَّجاة
منها واحدة، فاتَّبِعوني فيها تَنجُوا، فَتَبِعوه فنَجَوْا، وتَخَلَّفَت عنه طائفة فأقاموا إلى أن وَقَفوا
على أمارةٍ ظَهَرَ لهم أنَّ في العمل بها النَّجاة، فعَمِلوا بها فَنَجَوا، وقسم هَجَموا بغيرِ مُرشِد
ولا أمارةٍ فَهَلَكوا، فليست نَجاةُ مَن اتَّبَعَ المُرشِد بدون نجاة مَن أخَذَ بالأمارةِ، إن لم تكن
أُولی منها.
ونَقَلتُ من جُزء الحافظ صلاح الدّين العَلائيّ يُمكِن أن يُفَصَّل، فيُقال: مَن لا أهليَّة
له لفَهمِ شيءٍ من الأدلّة أصلاً وحَصَلَ له اليقين التّامّ بالمطلوبِ، إمّا بنَشأتِه على ذلك أو
النورٍ يَقْذِفه الله في قلبه، فإنَّه يُكتَفَى منه بذلك، ومَن فيه أهليَّةٌ لفَهْم الأدلَّة لم يُكتَفَ منه إلّا
بالإيمان عن دليل، ومع ذلك فدليل كلِّ أحدٍ بحَسَبِهِ، وتكفي الأدلَّة المجمَلة التي تَحصُل
بأدنَى نَظَر، ومَن حَصَلَت عنده شُبهَةٌ وَجَبَ عليه التَّعَلُّم إلى أن تَزول عنه، قال: فبِهذا
يَحَصُل الجمع بين كلام الطّائفة المتوسّطة. وأمّا مَن غَلَا فقال: لا يَكفي إيمان المقلِّد، فلا
يُلتَفَت إليه، لما يَلزَم منه من القول بعَدَمِ إيمان أكثرِ المسلمين، وكذا مَن غَلا أيضاً فقال: لا
يجوز النَّظَر في الأدلَّة، لما يَلزَم منه من أنَّ أكابر السَّلَف لم يكونوا من أهل النَّظَرِ، انتهى
مُلخَّصاً.
واستُدِلَّ بقوله: ((فإذا عَرَفوا الله)) بأنَّ معرفة الله بحقيقةِ كُنِهِه مُمكِنة للبَشَر، فإن كان
ذلك مُقيَّداً بما عَرَّفَ به نفسه من وجودِه وصفاته اللّائقة من العِلْم والقُدرة والإرادة مَثَلاً،
وتنزيهِه عن كلِّ نَقِيصةٍ كالْحَدَث(١) فلا بأس به، فأمّا ما عَدَا ذلك فإنَّه غير معلوم للبَشَرِ،
(١) في (س): كالحدوث، والمثبت من الأصلين.

٢٢٢
باب ١/ح ٧٣٧٢
فتح الباري بشرح البخاري
وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ، عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]، فإذا حُمِلَ قوله: ((فإذا عَرَفوا
الله) على ذلك كان واضحاً، مع أنَّ الاحتجاج به يَتَوقَّف على الجزم بأنَّه وَ لَهَ نَطَقَ بهذه
اللَّفِظَة، وفيه نَظَر، لأنَّ القصّة واحدة ورواة هذا الحديث اختَلَفوا: هل وَرَدَ الحديث بهذا
اللَّفظ أو بغيرِه؟ فلم يَقُل ◌َهَ إلّا بلفظٍ منها، ومع احتمال أن يكون هذا اللَّفظ من تَصَرُّف
الرُّواة لا يَتِمّ الاستدلال، وقد بيَّنْتُ في أواخر كتاب الزَّكاة (١٤٩٦) أنَّ الأكثر رَوَوه بلفظ:
((فادعُهم إلى شهادة أن لا إله إلّا الله وأنَّ محمَّداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك)»،
ومنهم مَن رواه بلفظ: ((فادعُهم إلى أن يوَحِّدوا الله، فإذا عَرَفوا ذلك))، ومنهم مَن رواه
بلفظ: ((فادعُهم إلى عبادة الله، فإذا عَرَفوا الله)) ووجه الجمع بينها أنَّ المراد بالعبادة:
التَّوحيد، والمراد بالتَّوحيد: الإقرار بالشَّهادتين، والإشارة بقوله: ((ذلك)) إلى التَّوحيد،
وقولِه: ((فإذا عَرَفوا الله)) أي: عَرَفوا توحيد الله، والمراد بالمعرِفَةِ: الإقرار والطّواعية، فِذلك
يُجمَع بين هذه الألفاظ المُختَلِفَة في القصّة الواحدة، وبالله الثَّوفيق.
٣٥٥/١٣
وفي حديث ابنِ عبَّاس من الفوائد غير ما تقدَّم: الاقتصارُ في الحكم بإسلام/ الكافر
إذا أقَرَّ بالشَّهادتَين، فإنَّ من لازِمِ الإيمان بالله ورسولهِ التَّصديقَ بكلِّ ما ثَبَتَ عنهما
والتِزامَ ذلك، فيَحصُل ذلك لمن صَدَّقَ بالشَّهادَتَين. وأمّا ما وَقَعَ من بعض المبتَدِعَة من
إنكار شيءٍ من ذلك فلا يَقدَح في صِحَّة الحُكم الظّاهر، لأنَّه إن كان مع تأويلٍ فظاهر،
وإن كان عِناداً قَدَحَ في صِحَّة الإسلام، فيُعامَل بما يَثْبُتُ(١) عليه من ذلك كَإجراءِ أحكام
المرتَدّ وغير ذلك.
وفيه قَبُولُ خبرِ الواحد ووجوبُ العمل به، وتُعقّبَ بأنَّ مِثل خبرِ معاذ حَفَّته قَرِينة أنَّه
في زمن نزول الوحي فلا يَستَوي مع سائر أخبار الآحاد، وقد مضى في («بابٍ إجازة خَيَرٍ
الواحد))(٢) ما يُغْني عن إعادته.
(١) تحرَّفت في (س) إلى: يترتب.
(٢) أول باب من كتاب أخبار الآحاد، ج٤٥٥/٢٣.

٢٢٣
باب ١/ح ٧٣٧٢
كتاب التوحيد
وفيه أنَّ الكافر إذا صَدَّقَ بشيءٍ من أركان الإسلام كالصلاةِ مَثَلاً يصير بذلك مسلماً، وبالَغَ
مَن قال: كلّ شيءٍ يُكَفَّر به المسلم إذا جَحَدَه، يصير الكافر به مسلماً إذا اعتَقَّدَه، والأوَّل أرجَحُ كما
جَزَمَ به الجمهور، وهذا في الاعتقاد، أمّا الفعل كما لو صَلَّى فلا يُحكَم بإسلامه، وهو أولى بالمنع،
لأنَّ الفعل لا عُمومَ له، فيَدخُله احتمال العَبَث والاستهزاء.
وفيه وجوب أخذِ الزَّكاة مَّن وجَبَت عليه، ويُقْهَر المُمتَنِعِ على بَذلها ولو لم يكن
جاحداً، فإن كان مع امتناعه ذا شَوكَة قوِلَ، وإلّا فإن أمكنَ تَعزيرُه على الامتناعِ عُزِّرَ بما
يَلِيق به، وقد وَرَدَ في تَعزيره بالمالِ حديثُ بهز بن حَكِيم عن أبيه عن جَدِّه مرفوعاً، ولفظه:
((ومَن مَنَعَها - يعني الزّكاة - فإنّا آخِذوها، وشَطَرَ مالِهِ عَزْمَةً من عَزَمات رَبِّنا)) الحديث،
أخرجه أبو داود (١٥٧٥) والنَّسائيُّ (٢٤٤٤ و٢٤٤٩)، وصَخَّحَه ابنُ خُزَيمةَ (٢٢٦٦)
والحاكم (٣٩٧/١-٣٩٨). وأمّا ابنُ حِبّان فقال في ترجمة بهز بن حَكيم: لولا هذا الحديث
لَأَدْخَلته في كتاب ((الثِّقات))، وأجابَ مَن صَخَّحَه ولم يَعمَل به بأنَّ الحُكم الذي دَلَّ عليه
منسوخ، وأنَّ الأمر كان أوَّلاً كذلك ثمَّ نُسِخَ، وضَعَّفَ النَّوَويُّ هذا الجواب من جِهَة أنَّ
العُقوبة بالمالِ لا تُعرَف أوَّلاً حتَّى يَتِمّ دَعوَى النَّسخ، ولأنَّ النَّسخ لا يَتْبُت إلّ بشرطِه
كَمعرفة التّاريخ ولا يُعرَف ذلك. واعتَمَدَ النَّوَويُّ ما أشارَ إليه ابنُ حِبّان من تضعيف بَهَزِ،
وليس بجَيِّدٍ، لأنَّه مَثَّق عند الجمهور، حتَّى قال إسحاق بن منصور عن يحيى بن مَعِين:
بهز بن حَكيم عن أبيه عن جَدِّه صحيح إذا كان دونَ بَهْزِ ثقةً. وقال التِّرمِذيّ: تَكلَّمَ فيه
شُعْبةٍ وهو ثقة عند أهل الحديث. وقد حَسَّنَ له الثِّرمِذيّ عِدَّة أحاديث، واحتَجَّ به أحمدُ
وإسحاق والبخاريّ خارجَ ((الصَّحيح))، وعَلَّقَ له في ((الصَّحيح))(١)، وقال أبو عُبيد الآجُرّيّ
عن أبي داود: وهو عندي حُجَّةٌ لا عند الشافعيّ، فإن اعتَمَدَ مَن قَلَّدَ الشافعيّ على هذا
كَفاه. ويُؤيِّده إطباق فُقَهاء الأمصار على ترك العمل به، فدَلَّ على أنَّ له مُعارضاً راجحاً، وقول
مَن قال بمُقتَضاه يُعَدّ في نُدرة المخالِف.
(١) بین یدي الحدیث (٢٧٨).

٢٢٤
باب ١/ح ٧٣٧٣ - ٧٣٧٤
فتح الباري بشرح البخاري
وقد دَلَّ خبر الباب أيضاً على أنَّ الذي يَقبِض الزّكاة الإمام أو مَن أقامَه لذلك، وقد
أطبَقَ الفُقَهاء بعد ذلك على أنَّ لأربابِ الأموال الباطنَة مُباشَرةَ الإخراج، وشَذَّ مَن قال
بوجوبِ الدَّفع إلى الإمام، وهو روايةٌ عن مالك، وفي القديم للشّافعيِّ نحوَه على تفصيلٍ
عنهما فيه.
٧٣٧٣ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ بِشَّارٍ، حدَّثنا غُندَرٌ، حدَّثنا شُعْبَةُ، عن أبي حَصِينٍ والأشْعَثِ بنِ
سُلَيمِ، سَمِعا الأسوَدَ بنَ هلالٍ، عن مُعاذٍ بنِ جبلٍ، قال: قال النبيُّ ◌َّ: ((يا مُعاذُ، أَتَدْري ما
حَقُّ الله على العبادِ؟)) قال: الله ورسولُه أعلَمُ، قال: ((أنْ يَعْبُدُوه، ولا يُشْرِكوا به شيئاً، أتدري ما
حَقُّهم عليه؟)) قال: الله ورسولُه أعلَمُ، قال: ((أنْ لا يُعذِّبَهُم)).
٧٣٧٤- حدَّثنا إسماعيلُ، حدَّثني مالكٌ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ عبدِ الله بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي
صَعْصَعَةَ، عن أبيه، عن أبي سعيدِ الخُذريِّ: أنَّ رجلاً سَمِعَ رجلاً يَقْرأُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾
[الإخلاص: ١] يُردِّدُها، فلمَّا أصبَحَ جاءَ إلى النبيِّ وَّهَ فذكر له ذلك، وكأنَّ الرجلَ يَتَقَالُما، فقال
رسولُ اللهِّ: ((والذي نفسي بَيَدِه! إنَّا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ القرآن)).
زادَ إسماعيلُ بنُ جعفرٍ، عن مالكٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيه، عن أبي سعيدٍ: أخبرني أخي
فَتَادَةُ بنُ النُّعْمَان، عن النبيِّ ◌ََِّ.
الحديث الثاني: حديث معاذ أيضاً.
قوله: ((عن أبي حَصين)) بفتح أوَّله، واسمه: عثمان بن عاصم الأسَديُّ، والأشعَث بن سُلَيم:
هو أشعث بن أبي الشّعثاء المحاربيّ، وأبوه مشهور بگنيته أكثر من اسمه.
قوله: ((أتَذْري ما حَقُّ الله على العباد؟)) تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في كتاب الرِّقاق (٦٥٠٠)،
ودخوله في هذا الباب من قوله: ((لا يُشرِكوا به شيئاً)، فإنَّه المراد بالتَّوحيد.
قال ابن الِّين: يريد بقوله: ((حَقّ العباد على الله)) حَقّاً عُلِمَ من جِهَة الشَّرع لا بایجاب
العقل، فهو كالواجبٍ في تَحقّق وقوعه، أو هو على جِهَة المُقابَلة والمشاكلة، كقوله تعالى:
﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمُ سَخِرَ اَللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩].

٢٢٥
باب ١/ح ٧٣٧٥
كتاب التوحيد
الحديث الثالث:
قوله: ((حدَّثنا إسماعيل)» هو ابن أبي أُوَيس، وتقدَّم المتن في فضل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾
في كتاب فضائل القرآن (٥٠١٣) من وجهٍ آخَر عن مالكٍ مشروحاً، وأورَدَه هنا لما صرّح
به من وصف الله تعالی بالأحدیَّة کما في الذي بعده.
وقوله هنا: ((زاد إسماعيل بن جعفر)) تقدَّم هناك (٥٠١٤) بزيادةِ راوٍ في أوَّله، فقال:/ وزاد ٣٥٦/١٣
أبو مَعمَر: حدَّثنا إسماعيل بن جعفر، وكذا وَقَعَ هنا في بعض النُّسَخ، وفي بعضها: وقال
أبو مَعمَر. وتقدَّم هناك الاختلاف في المراد بأبي مَعمَر هذا وتسمية مَن وَصَلَه.
٧٣٧٥-، حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، حدَّثنا ابنُ وَهْب، حدَّنا عَمْرٌو، عن ابنِ أبي هلالٍ، أَنَّ
أبا الرِّجال محمَّدَ بنَ عبدِ الرَّحمنِ حَدَّثَه، عن أمِّ عَمْرةَ بنتِ عبدِ الرَّحمنِ . وكانت في حَجْرِ
عائشةَ زَوْجِ النبِّ وَّهِ. عن عائشةَ: أَنَّ النبيَّ نَّهِ بَعَثَ رجلاً على سَرِيّةٍ، وكان يَقْرأُ لأصحابه
في صلاته فيَخْتِمُ بـ ﴿قُلُّ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾، فلمَّا رجعوا ذَكَروا ذلك للنبيِّ ◌َِّ، فقال: ((سَلُوه:
لأيِّ شيءٍ يَصْنَعُ ذلك؟)) فسألوه، فقال: لأنَّهَا صِفَةُ الرَّحمنِ، وأنا أُحِبُّ أنْ أقرَأ بها، فقال النبيُّ
وَلّ: ((أخْبِرِوه أنَّ الله ◌ُحِبُّه)».
الحديث الرابع: حديث عَمرةً عن عائشة فيما يتعلَّق بسورةِ الإخلاص أيضاً، وقد تقدَّم
مُعلَّقاً في فضائلِ القرآن(١).
قوله: ((حدَّثنا أحمد بن صالح)) كذا للأكثرِ، وبه جَزَمَ أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) وأبو
مسعود في ((الأطراف))، ووَقَعَ في ((الأطراف)) للمِزّيِّ أنَّ في بعض النُّسَخ: حدَّثنا محمَّد
حدَّثنا أحمد بن صالح. قلت: وبذلك جَزَمَ البيهقيُّ تَبَعاً لخَلَفٍ في ((الأطراف))، قال خَلَف:
ومحمَّد هذا أحسَبه محمّد بنَ يحيى الذُّهليَّ. ووَقَعَ عند الإسماعيليّ بعد أن ساقَ الحديث من
رواية حَرمَلة عن ابن وَهْب: ذكره البخاريّ عن محمَّد بلا خبرٍ عن أحمد بن صالح، فكأنَّه
وَقَعَ عند الإسماعيليّ بلفظ: ((قال محمَّد))، وعلى رواية الأكثر فمحمَّد هو البخاريّ المصنّف،
(١) بين يدي الحديث (٥٠١٣).

٢٢٦
باب ١/ح ٧٣٧٥
فتح الباري بشرح البخاري
والقائل: ((قال محمَّد)) هو محمَّد الفِرَبريّ، وذكر الكِرْمانيُّ هذا احتمالاً. قلت: ويحتاج حينئذٍ
إلى إبداء النُّكتَة في إفصاح الفِرَبريّ به في هذا الحديث دون غيره من الأحاديث الماضية
والآتية.
قوله: ((حدَّثْنا عَمْرو)) هو ابن الحارث المصريّ، وابن أبي هلال: هو سعيد، وسماه مسلم
في روايته (٨١٣).
قوله: (بَعَثَ رجلاً على سَرِيَّة)) تقدَّم في ((باب الجمع بين السُّورَتَينِ فِي رَكعَةٍ)) من کتاب
الصلاة(١) بيانُ الاختلاف في تسميته: وهَل بينه وبين الذي كان يَؤُمُّ قومَه في مسجد قُباء
مُغايرة أو هما واحد؟ وبيان ما يَتَرجَّح من ذلك.
قوله: ((فيَخْتِم بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾)) قال ابن دقيق العيد: هذا يَدُلّ على أنَّه كان يقرأ
بغيرِها ثمَّ يَقرَؤُها في كلّ رَكعَة، وهذا هو الظّاهر، ويحتمل أن يكون المراد أنَّه يَخْتِم بها آخرَ
قراءَته فيَخْتَصّ بالرَّكعَةِ الأخيرة، وعلى الأوَّل فَيُؤْخَذ منه جوازُ الجمع بين سورَتَينِ في
رَكعَة. انتهى، وقد تقدَّم البحث في ذلك في الباب المذكور من كتاب الصلاة بما يُغني عن
إعادته.
قوله: (لأنَّهَا صِفَةُ الرَّحمن)) قال ابن التِّين: إنَّما قال: إنَّهَا صِفَة الرَّحمن، لأنَّ فيها أسماءَه
وصفاتِهِ، وأسماؤُه مُشتَقَّة من صفاته. وقال غيره: يحتمل أن يكون الصَّحابيُّ المذكور قال ذلك
مُستَئِدَاً لشيءٍ سَمِعَه من النبيّ ◌َّهَ إِمّا بطريق النُّصوصيَّةِ، وإمّا بطريق الاستنباط.
وقد أخرج البَيْهَقيُّ في كتاب ((الأسماء والصِّفات)) (٦٠٦) بسندٍ حسن عن ابن عبّاس: أنَّ
اليهود أتَوا النبيَّ ◌َّه فقالوا: صِف لنا رَبّك الذي تَعبُد، فأنزلَ الله عزَّ وجلّ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ
أَحَدُّ﴾ إلى آخرها، فقال: ((هذه صِفَة رَبِّ عزَّ وجلَّ))، و (٦٠٧) عن أبيّ بن كعب قال:
قال المشركونَ للنبِّ ◌َّهِ: انسُب لنا رَبّك، فَنَزَلَت سورة الإخلاص، الحديث، وهو عند ابن
خُزيمةَ في كتاب ((التَّوحيد)) (٩٥/١-٩٦) وصَخَّحَه الحاكم (٥٤٠/٢) وفيه: ((أنَّه ليس
(١) عند الحديث رقم (٧٧٤م).

٢٢٧
باب ١/ح ٧٣٧٥
كتاب التوحيد
شيءٌ يولد إلّ يموت، وليس شيءٌ يموت إلّا يُورَث، والله لا يموت ولا يورَث، ولم يكن
له شِبهٌ ولا عِدل، وليس كمِثلِه شيء)). قال البَيهَقيُّ: معنى قوله: «لَيْسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ» لیس
كَهو شيء، قاله أهل اللَّغة، قال: ونَظِيره قوله تعالى: ﴿فَإِنْ ءَامَنُواْ بِمِثْلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِ،﴾
[البقرة: ١٣٧] يريد بالذي آمَنتُم به، وهي قراءة ابن عبَّاس، قال: والكاف في قوله: ((کمِثلِهِ)»
للتَّأكيد، فَنَفَى الله عنه المثليَّة بآكَد ما يكون من النَّفي. وأنشَدَ لوَرَقة بن نَوفَل في زيد بن
عمرو بن نُفیل من أبيات:
ودينُك دينٌ ليس دينٌ كمِثلِهِ
ثُمَّ أسنَدَ عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿وَلَهُ اٌلْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [الروم: ٢٧] يقول: ليس
كمِثلِه شيء، وفي قوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]: هل تعلم له شَبَهاً أو مِثلاً.
وفي حديث الباب حُجَّة لمن أثبَتَ أنَّ لله صِفَة، وهو قول الجمهور، وشَذَّ ابن حَزم
فقال (١): هذه لفظَةٌ اصطَلَحَ عليها أهل الكلام من المعتَزِلة ومَن تَبِعَهم، ولم تَنْبُت عن النبيّ وَّ
ولا عن أحدٍ من أصحابه، فإن اعتَرَضوا بحديثِ الباب فهو من أفراد سعيد بن أبي هلال
وفيه ضَعف. قال: وعلى تقدير صِخَّته فـ ((قل هو الله أحد)) صِفَة الرَّحمن، كما جاءَ في هذا
الحديث، ولا يُزاد عليه، بخِلَاف الصِّفة التي يُطلِقوَها، فإنَّما في لُغة العرب لا تُطلَق إلّا
على جَوهَرٍ / أو عَرَض. كذا قال، وسعيد مُتَّفَق على الاحتجاج به فلا يُلتَفَت إليه في تضعيفه، ٣٥٧/١٣
وكلامُه الأخير مَردودٌ باتِّفاق الجميع على إثبات الأسماء الحُسنَى، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ
اُلْأَسْمَاءُ الْحُسْنَ فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وقال بعد أن ذكر منها عِدَّة أسماء في آخر سورة
الحَشر: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الحشر: ٢٤]، والأسماء المذكورة فيها بلُغةِ العرب صفاتٌ،
ففي إثبات أسمائه إثباتُ صفاته، لأنَّه إذا ثَبَتَ أنَّه حَيٌّ مَثَلاً فقد وُصِفَ بصِفَةٍ زائدة على
الذّات وهي صِفَة الحياة، ولولا ذلك لَوَجَبَ الاقتصار على ما يُنِئُ عن وجود الذّات فقط، وقد
قال سبحانه وتعالى: ﴿ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] فَنَزَّهَ نفسه
(١) في ((الفصل في الملل والأهواء والنحل)) ٩٥/٢.

٢٢٨
باب ١/ح ٧٣٧٥
فتح الباري بشرح البخاري
عمَّا يَصِفُونَه به من صِفَة النَّقص، ومفهومُه أنَّ وصفه بصِفَةِ الكمال مشروع.
وقد قَسَّمَ البَيهَقيُّ وجماعة من أئمّة السُّنَّة جميع الأسماء المذكورة في القرآن وفي الأحاديث
الصَّحيحة على قِسمَين، أحدهما: صفات ذاته: وهي ما استَحقّه فيما لم يزل ولا يزال،
والثّاني: صفات فعله: وهي ما استَحقّه فيما لا يزال دون الأزَل. قال: ولا يجوز وصفه إلّا
بها دَلَّ عليه الكتاب والسُّنَّة الصَّحيحة الثّابِتَة أو أُجمعَ عليه، ثمَّ منه ما اقتَرَنَت به دلالة العقل
كالحياةِ والقُدْرة والعِلم والإرادة والسَّمْع والبَصَر والكلام من صفات ذاته، وكالخَلْق
والرِّزق والإحياء والإماتَة والعَفو والعُقوبة من صفات فعله، ومنه ما ثَبَتَ بنَصِّ الكتاب
والسُّنَّة كالوجه واليد والعَين من صفات ذاته، وكالاستواءِ والنَّزول والمجيء من صفات
فعله، فيجوزُ إثبات هذه الصِّفات له لتُبُوتِ الخبر بها على وجهٍ يَنفي عنه التَّشبيه، فصِفَة ذاته لم
تَزَل موجودةً بذاته ولا تزال، وصِفَة فعله ثابتَة عنه، ولا يَحتاجُ في الفعل إلى مُباشَرة ﴿إِنَّمَآ
أَمْرُهُ: إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ,كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [يس: ٨٢].
وقال القُرطُبيّ في (المُفهِم)): اشتَمَلَت ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ على اسمَيْنِ يَتَضَمَّنان
جميع أوصاف الكمال، وهما: الأحد والصَّمَد، فإنَّهما يَدُلّان على أحديَّة الذّات المقدَّسَة
الموصوفة بجميع أوصاف الكمال، فإنَّ الواحد والأحد وإن رَجَعا إلى أصلٍ واحد فقد
افتَرَقا استعمالاً وعُرفاً، فالوَحدَة راجِعَة إلى نَفي التعدُّد والكَثْرة، والواحد أصل العَدَد من
غير تَعرِّضٍ لنَفي ما عَداه، والأحد يَثْبُت مَدُلُوله ويَتعرَّض لنَفي ما سِواه، ولهذا يستعملونَه
في النَّفي ويستعملونَ الواحد في الإثبات، يقال: ما رأيت أحداً ورأيت واحداً، فالأحد في
أسماء الله تعالى مُشعِرٌ بوجودِه الخاصّ به الذي لا يُشاركه فيه غيره. وأمّا الصَّمَد فإنَّه يَتَضَمَّن
جميع أوصاف الكمال، لأنَّ معناه: الذي انتهى سُؤدُده بحيثُ يُصمَد إليه في الحوائج كلِّها، وهو
لا يَتِمّ حقيقةً إلّا لله.
قال ابن دقيق العيد: قوله: ((لأنَّهَا صِفَة الرَّحمن)) يحتمل أن يكون مُرادُه: أنَّ فيها ذِكرَ
صِفَة الرَّحمن كما لو ذُكِرَ وصفٌ فعُبِّرَ عن الذِّكر بأنَّه الوصف، وإن لم يكن نفسَ الوصف،

٢٢٩
باب ١/ح ٧٣٧٥
كتاب التوحيد
ويحتمل غير ذلك، إلّا أنَّه لا يَخْتَصّ ذلك بهذه السّورة، لكن لعلَّ تخصيصها بذلك لأنَّه ليس
فيها إلّا صفات الله سبحانه وتعالى، فاختَصَّت بذلك دون غيرها.
قوله: ((أخْبِروه أنَّ الله يُحِبُّه)) قال ابن دقيق العيد: يحتمل أن يكون سببُ مَحَبَّة الله له محبَّتَه
لهذه السّورة، ويحتمل أن يكون لما دَلَّ عليه كلامه، لأنَّ مَحَبَّتَه لِذِكر صفات الرَّبّ دالَّةٌ على
صِحَّة اعتقاده.
قال المازَرِيّ ومَن تَبِعَه: مَحَبَّة الله لعبادِهِ: إرادَتُه ثوابَهم وتَنعيمَهم، وقيل: هي نفس
الإثابة والتَّنعيم، ومَحَبَّتهم له لا يَبعُد فيها الميل منهم إليه، وهو مُقدَّس عن الميل، وقيل:
تَحَبَّتهم له استقامتهم على طاعته، والتَّحقيق أنَّ الاستقامة ثَمَرةُ المحبَّة، وحقيقة المحبَّة له
مَيلُهم إليه؛ لاستحقاقه سبحانه المحبَّة من جميع وجوهها. انتهى، وفيه نَظَر لما فيه من الإطلاق
في موضع التَّقیید.
وقال ابن التِّين: معنى مَحبَّة المخلوقينَ لله: إرادَتُهم أن يَنفَعهم.
وقال القُرطُبيّ في ((المُفهِم)): محبّة الله لعبدِه: تقريبه له وإكرامه، وليست بمَیلٍ ولا
غَرَض كما هي من العبد، وليست محبّة العبد لرَبِّه نفسَ الإرادة، بل هي شيءٌ زائد عليها،
فإنَّ المرء يَجِد من نفسه أنَّه يُحِبّ ما لا يَقدِرُ على اكتسابه ولا على تحصيله، والإرادة هي
التي تُخْصِّصُ الفعل ببعضِ وجوهه الجائزة، ويُحِسّ من نفسه/ أنَّه يُحِبّ الموصوفينَ ٢٥٨/١٣
بالصِّفات الجميلة والأفعال الحسنة، كالعلماءِ والفُضَلاء والكُرَماء، وإن لم يتعلَّق له بهم
إرادة مُخصّصَة، وإذا صَحَّ الفَرق فالله سبحانه وتعالى محبوبٌ لمُحِبّيه على حقيقة المحبَّة،
كما هو معروف عند مَن رَزَقَه الله شيئاً من ذلك، فنسأل الله تعالى أن يجعلنا من مُحِبّيه
المخلِصينَ.
وقال البَيْهَيُّ: المحبَّة والبُغض عند بعض أصحابنا من صفات الفعل، فمعنى محبّتَه: إكرامُ
مَن أحَبَّه، ومعنى بُغْضِه: إهانَتُه، وأمّا ما كان من المدح والذَّمّ فهو من قوله، وقولُه من كلامه،
وكلامُه من صفات ذاته، فَيَرجِع إلى الإرادة، فمَحبَّتَه الخِصالَ المحمودةَ وفاعِلَها يَرجِع إلى

٢٣٠
باب ٢/ح ٧٣٧٦ - ٧٣٧٧
فتح الباري بشرح البخاري
إرادَته إكرامَه، وبُغضُه الخِصالَ المذمومة وفاعلَها يَرجِع إلى إرادَته إهانته.
٢- باب قولِ الله تبارك وتعالى:
﴿ قُلِ أَدْعُواْ اللّهُ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنِّ أَيَّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ اْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]
٧٣٧٦- حدَّثنا محمَّدُ، أخبرنا أبو معاويةَ، عن الأعمَشِ، عن زيدِ بنِ وَهْب وأبي ظَبْيانَ،
عن جَرِيرِ بنِ عبدِ الله، قال: قال رسولُ الله وََّ: ((لا يَرَحَمُ اللهُ مَن لا يَرْحَمُ الناسَ)).
٧٣٧٧- حدَّثنا أبو النُّعْمان، حدَّثنا خَّاهُ بنُ زيدٍ، عن عاصمِ الأحوَلِ، عن أبي عُثْمانَ
النَّهْدِيِّ، عن أُسامةَ بنِ زيدٍ، قال: كنّا عندَ النبيِّ ◌َّهِ إِذْ جاءَه رسولُ إحدَى بناته يَدْعوه إلى
ابنِها في الموتِ، فقال النبيُّ ◌َطِّ: ((ارجِعْ فأخْبِرْها أنَّ لله ما أخَذَ، وله ما أعطَى، وكلُّ شيءٍ عندَه
بِأَجَلٍ مُسَمَّى، فمُرْها فَلْتَصْبِرْ ولْتحتَسِب)) فأعادتِ الرَّسُولَ: أَّهَا أَقْسَمَتْ لَأْتَنَّها، فقامَ النبيُّ ◌َه
وقامَ معه سَعْدُ بنُ عُبادةَ ومُعاذُ بنُ جبلٍ، فدُفِعَ الصَّبِيُّ إليه ونفسُه تَقَعْقَعُ كأنَّهَا فِي شٌَّ، ففاضَتْ
عَيْناه، فقال له سَعْدٌ: يا رسولَ الله! قال: ((هذه رحمةٌ جعلها الله في قلوبٍ عبادِهِ، وإنَّما يَرحمُ الله مِن
عباده الرُّحَماءَ)).
قوله: ((بابُ قولِ الله تبارك وتعالى: ﴿قُلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَّ أَيَّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ
اٌلْمُسْنَى﴾» ذَكرَ فيه حديثَ جَریر: «لا يَرحمُ الله مَن لا يَرحمُ الناس» وقد تقدَّم شرحه
مُستَوفَّى في كتاب الأدب (٦٠١٣)، وحديثَ أُسامة بن زيد في قصَّة ولد بنت رسول الله
وَّه وَرَضِيَ عنها، وفيه: ففاضَت عيناه، وفيه: «هذه رحمةٌ جعلها الله تعالى في قلوب عباده،
وإنَّما يرحم الله من عباده الرُّحَمَاء)) وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في كتاب الجنائز (١٢٨٤).
قال ابن بَطّال: غَرَضه في هذا الباب إثبات الرَّحمَة وهي من صفات الذّات، فالرَّحمن
وصفٌ وصَفَ الله تعالى به نفسَه، وهو مُتَضَمِّن لمعنى الرَّحْمَة، كما تَضَمَّنَ وصْفُه بأنَّه عالمٌ
معنى العِلم، إلى غير ذلك، قال: والمراد برحمته: إرادَتُه نَفعَ مَن سَبَقَ في عِلمِه أنَّه يَنفَعه.
قال: وأسماؤُه كلّها ترجع إلى ذات واحدة، وإن دَلَّ كلُّ واحدٍ منها على صِفَةٍ من صفاته
يَخْتَصّ الاسم بالدّلالةِ عليها، وأمّا الرَّحمَة التي جعلها في قلوب عباده فهي من صفات الفعل،

٢٣١
باب ٢/ح ٧٣٧٧
كتاب التوحيد
وصَفَها بأنَّه خَلَقَها في قلوب عباده، وهي رِقَّةٌ على المرحوم، وهو سبحانه وتعالى مُنَزَّهٌ عن
الوصف بذلك، فتُأوَّلُ بما يليق به.
وقال ابن الِّين: الرَّحمن والرحيم مُشْتَقّان من الرَّحَمَة، وقيل: هما اسمان من غير اشتقاق،
وقيل: يَرجِعان إلى معنى الإرادة، فرحمته: إرادتُه تَنعیم مَن یرحمه، وقيل: راچِعان إلى تركه عِقاب
مَن يَسْتَحِقّ العُقوبة.
وقال الحَلِيميّ: معنى الرَّحمن: أنَّه مُزيح العِلَل، لأنَّه لمَّا أمَرَ بعبادَتِه بيَّن حدودها
وشُروطها، فبَشَّرَ وأنذَرَ وكَلَّفَ ما تَحِمِله بِنْتُهم، فصارت العِلَل عنهم مُزاحةً، والحُجَج منهم
مُنقَطِعَة. قال: ومعنى الرحيم: أنَّه / المُثِيب على العمل فلا يُضَيِّع لعاملٍ أحسَنَ عملاً، بل ٣٥٩/١٣
يُٹیبُ العامل بفَضْلٍ رحمته أضعاف عمله.
وقال الخطَّبيُّ: ذهب الجمهور إلى أنَّ ((الرَّحمن)) مأخوذٌ من الرّحمة، مَبنيٌّ على المبالَغة،
ومعناه: ذو الرَّحْمَة لا نَظِير له فيها، ولذلك لا يُثَنَّى ولا يُجمَع، واحتَجَّ له البَيْهَقيُّ(١) بحديثٍ
عبد الرَّحمن بن عَوف، وفيه: ((خَلَقتُ الرَّحِم وشَقَقتُ لها اسماً من اسمي)) (٢). قلت: وكذا
حديث الرّحمَة الذي اشْتَهَرَ بالمُسَلسَلِ بالأوَّلَيَّة، أخرجه البخاريّ في ((التّاريخ)) (٧/ ١٩٤) وأبو
داود(٤٩٤١) والقُّرمِذيّ (١٩٢٤) والحاكم (١٥٩/٤) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص
بلفظ: ((الرَّاحمونَ يرحمهم الرَّحمن)) الحديث.
ثمّ قال الخطَّبيُّ: فالرَّحمن: ذو الرَّحمة الشّاملة للخلقِ. والرحيم: فعيل بمعنى فاعل
وهو خاصّ بالمؤمنين، قال تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]، وأورِدَ عن
ابن عبّاس رضي الله عنهما أنَّه قال: الرَّحمن والرحيم اسمان رَقيقان أحدُهما أرَقّ من الآخَر.
وعن مُقاتل أنَّه نَقَلَ عن جماعة من التّابعينَ مِثله، وزاد: فالرَّحمن: بمعنى المترحِّم، والرحيم:
بمعنى المتعطّف.
(١) في ((الأسماء والصفات)) (٨١).
(٢) أخرجه أحمد (١٦٨٠) وانظر تمام تخريجه فيه.

٢٣٢
باب ٢/ح ٧٣٧٧
فتح الباري بشرح البخاري
ثمّ قال الخطّابُّ: لا معنى لدخولِ الرِّقَّة في شيء من صفات الله تعالى، وكأنَّ المراد بها
اللُّطف، ومعناه: الغُمُوض لا الصِّغَر الذي هو من صفات الأجسام. قلت: والحديث المذكور
عن ابن عبّاس لا يَثْبُت، لأنَّه من رواية الكَلبيّ عن أبي صالح عنه، والكلبيّ متروك الحديث
وكذلك مُقاتِل، ونَقَلَ البَيهَقيُّ عن الحُسَين بن الفضل(١) البَجلِيِّ أَنَّه نَسَبَ راوي حديث ابن
عبَّاس إلى التَّصحيف، وقال: إنَّما هو الرَّفيق بالفاءِ، وقَوّاه البَيهَقيُّ بالحديث الذي أخرجه
مسلم (٢٥٩٣) عن عائشة مرفوعاً: ((إنَّ الله رَفيق ◌ُحِبّ الرِّفق، ويُعطي عليه ما لا يُعطي
على العُنف))(٢) وأورَدَ له شاهداً (٨٤) من حديث عبد الله بن مُغفَّل، ومن طريق عبد الرّحمن بن
يحيى (٨٥) ثم قال: والرَّحمن خاصّ في التَّسمية عامّ في الفعل، والرحيم عامّ في الَّسمية
خاصّ في الفعل.
واستُدِلَّ بهذه الآية على أنَّ مَن حَلَفَ باسم من أسماء الله تعالى كالرَّحمنِ والرحيم
انعَقَدَت يمينه، وقد تقدَّم في موضعه(٣)، وعلى أنَّ الكافر إذا أقَرَّ بالوَحدانيَّةِ للرَّحمنِ مَثَلاً
حُكِمَ بإسلامه، وقد خَصَّ الحَلِيمَيّ من ذلك ما يَقَع به الاشتراك، كما لو قال الطَّبائعيّ: لا
إله إلّ المحبي المميت، فإنَّه لا يكون مُؤْمِناً حتَّى يُصرِّح باسمٍ لا تأويل فيه، ولو قال مَن
يُنسَب إلى التَّجسيم من اليهود: لا إله إلّا الذي في السماء لم يكن مُؤمِناً كذلك، إلّا إن كان
عامّاً لا يَفقَه معنى التَّجسيم، فيُكتَفَى منه بذلك، كما في قصَّة الجارية التي سألها النبيّ وَله:
((أنتِ مُؤْمِنَة؟)) قالت: نَعَم، قال: ((فأينَ الله؟)) قالت: في السماء، فقال: ((أعتِقها فإنَّهَا مُؤمِنَة))
وهو حديث صحيح أخرجه مسلم (٥٣٧). وأنَّ مَن قال: لا إله إلّا الرَّحمن حُكِمَ بإسلامهِ،
إلّا إن عُرِفَ أنَّه قال ذلك عِناداً وسَمَّى غيرَ الله رحماناً، كما وَقَعَ لأصحابِ مُسَيلِمَة
الكذّاب.
(١) تحرفت في (س) إلى: المفضل.
(٢) وأصله في البخاري، سلف برقم (٦٩٢٧).
(٣) في باب (١٢) الحلف بعزة الله وصفاته من كتاب الأيمان والنذور، (٦٦٦١).

٢٣٣
باب ٢/ح ٧٣٧٧
كتاب التوحيد
قال الحَلِيميّ: ولو قال اليهوديّ: لا إله إلّ الله لم يكن مسلماً حتَّى يُقِرّ بأنَّه ليس كمِثلِه
شيء، ولو قال الوَثَنِيّ: لا إله إلّا الله، وكان يَزْعُمْ أنَّ الصَّنَم يُقَرِّبه إلى الله لم يكن مُؤْمِناً
حتَّى يَتَبَرَّأْ من عبادة الصَّنَم.
تنبيهان: أحدهما: الذي يَظهَر من تَصَرُّف البخاريّ في كتاب التَّوحيد أنَّه يَسوق الأحاديث
التي وَرَدَت في الصِّفات المقدَّسَة فيُدخِلِ كلّ حديث منها في باب، ويُؤيِّده بآيةٍ من القرآن،
للإشارة إلى خروجها عن أخبار الآحاد على طريق التنزّل في ترك الاحتجاج بها في الاعتقاديّات،
وأنَّ مَن أنكَرَها خالَفَ الكتاب والسُّنَّة جميعاً.
وقد أخرج ابن أبي حاتم في كتاب ((الردّ على الجَهميَّةِ)) بسندٍ صحيح عن سَلّام بن أبي
مُطيع - وهو شيخ شيوخ البخاريّ - أنَّه ذكر المُبتَدِعَة فقال: ويلهم ماذا يُنكِرونَ من هذه
الأحاديث، والله ما في الحديث شيءٌ إلّا وفي القرآن مِثله، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ
سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٧٥] ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا
قَبْضَتُهُ, يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ،﴾ [الزمر: ٦٧] ﴿ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا
خَلَقْتُ بِيَدَىَ﴾ [ص: ٧٥] ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ
أَسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ونحو ذلك، فلم يزل - أي: سَلّام بن أبي مُطيع - يَذكُر الآيات من العصر
إلى غروب الشمس، وكأنَّه لَمَّحَ في / هذه التَّرجمة بهذه الآية إلى ما وَرَدَ في سبب نزولها، وهو ٣٦٠/١٣
ما أخرجه ابن مَرْدويه بسندٍ ضعيف عن ابن عبّاس(١) أنَّ المشركينَ سَمِعوا رسول الله وَل
يَدعُو: يا الله يا رحَمَن، فقالوا: كان محمَّدٌ يَأْمُرنا بدعاءِ إلهٍ واحد وهو يَدعو إلهَينٍ، فَنَزَلَت.
وأخرج عن عائشة بسندٍ آخَر نحوه.
الثّاني: قوله في السَّنَد الأوَّل: حدَّثنا محمَّد، كذا للأكثرِ، قال الكِرْمانيُّ تَبَعاً لأبي عليّ
الجَيَّانيّ: هو إمّا ابن سَلَام وإمّا ابن المثنَّى. انتهى، وقد وَقَعَ التَّصريح بأنَّه ابن سَلَامٍ في
رواية أبي ذرِّ عن شيوخه، فتَعيَّنَ الْجَزم به كما صَنَعَ الِزّيُّ في ((الأطراف))، فإنَّه قال: (خ) عن
(١) وأخرجه الطبري أيضاً ١٥/ ١٨٢.

٢٣٤
باب ٣/ح ٧٣٧٨
فتح الباري بشرح البخاري
محمَّد وهو ابن سَلَام. قلت: ويُؤيِّده أنَّه عَبَّرَ بقوله: أخبرنا أبو معاوية، ولو كان ابنَ المثنَّى
لقال: حدَّثنا، لما عُرِفَ من عادة كلٍّ منهما، والله أعلم.
٣- باب قول الله تعالی:
﴿ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الَّزَّقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨]
٧٣٧٨- حدَّثْنَا عَبْدَانُ، عن أبي حمزةَ، عن الأعمَشِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيٍ، عن أبي عبدِ الرَّحمنِ
السُّلَميِّ، عن أبي موسى الأشعَريِّ، قال: قال النبيُّ ◌َّ: ((ما أحدٌ أصبَرُ على أذّى سَمِعَه منَ الله،
يَدْعونَ له الولدَ، ثمَّ يُعافیھم ویَرْزُقُهُم».
قوله: ((بابُ قولِ الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾)) كذا لأبي ذرِّ والأَصِيلِيّ
والحفصَويّ، على وَفْق القراءَة المشهورة، وكذا هو عند النَّسَفيّ، وعليه جَرَى الإسماعيليّ،
ووَقَعَ في رواية القابِسيّ: ((إنّي أنا الرَّزّاق ... )) إلى آخره، وعليه جَرَى ابن بَطّال وتَبِعَه ابن
المُنيِرِ والكِرْمانيّ، وجَزَمَ به الصَّغَانيّ، وزَعَمَ أنَّ الذي وَقَعَ عند أبي ذرِّ وغيره من
تغييرهم؛ لظنِّهم أنَّه خِلَاف القراءَة، قال: وقد ثَبَتَ ذلك قراءَةً عن ابن مسعود. قلت:
وذَكَر أنَّ النبيّ وَِّ أقرَأه كذلك، كما أخرجه أحمد (٣٧٤١) وأصحاب السُّنَن(١)، وصَحَّحَه
الحاكم (٢/ ٢٣٤) من طريق عبد الرَّحمن بن يزيد النَّخَعيّ، عن ابن مسعود قال: أقرَأني
رسول الله وَّرَ ... فذكره، قال أهل التَّفسير: المعنى في وصفه بالقوَّةِ: أنَّه القادر البليغُ
الاقتدارِ على كلُّ شيء.
قوله: ((عن أبي حمزة)) بالمهمَلةِ والزّاي: هو السُّكَّريّ، وفي السَّنَد ثلاثة من التّابعينَ في نَسَقِ
كلُّهم کوفیّونَ.
قوله: ((ما أحدٌ أصبَرُ على أذَّى سَمِعَه من الله ... )) الحديث، تقدَّم شرحه في كتاب الأدب
(٦٠٩٩)، والغرض منه قوله هنا: ((ويَرزُقهم)).
(١) أبو داود (٣٩٩٣)، والترمذي (٢٩٤٠)، والنسائي في ((الكبرى)) (٧٦٦٠) و(١١٤٦٣).

٢٣٥
باب ٣/ح ٧٣٧٨
كتاب التوحيد
وقوله: ((يَدْعونَ)) بسكونِ الدّال، وجاءَ بتشديدها، قال ابن بَطّال: تَضَمَّنَ هذا الباب
صِفَتَيْنِ لله تعالى: صِفَة ذات، وصِفَة فعل، فالرِّزق فعلٌ من أفعاله تعالى فهو من صفات
فعله، لأنَّ رازِقًا يقتضي مرزوقاً، والله سبحانه وتعالى کان ولا مرزوق، وكلَّ ما لم یکن ثمَّ
كان فهو مُحدَثٌ، والله سبحانه موصوفٌ بأنَّه الرَّزّاق، ووَصَفَ نفسه بذلك قبل خَلْق
الخلق، بمعنى أنَّه سَيَرَزُقُ إذا خَلَقَ المرزوقِين، والقوَّةُ من صفات الذّات وهي بمعنى
القُدرة، ولم يزل سبحانه وتعالى ذا قوَّة وقُدرة، ولم تَزَل قُدرَته موجودةً قائمة به موجِبةً له
حُكْم القادرينَ.
والمتين بمعنى القويّ، وهو في اللُّغة الثّابِت الصَّحيح، وقال البَيهَقيُّ: القويُّ: التّامّ
القُدرة لا يُنسَب إليه عَجزٌ في حالة من الأحوال، ويَرجِع معناه إلى القُدرة، والقادر: هو
الذي له القُدرة الشّاملة، والقُدرةُ صِفَةٌ له قائمةٌ بذاته، والمقتَدِر: هو الّامّ القُدرة الذي لا
يَمتَنِع عليه شيء.
وفي الحديث رَدٌّ على مَن قال: إنَّه قادرٌ بنفسِه لا بقُدرةٍ، لأنَّ القوّة بمعنى القُدرة، وقد قال
تعالى: ﴿ذُو الْقُوَّةِ﴾ وزَعَمَ المعتَزِلِيّ أنَّ المراد بقوله: ذو القوَّة: الشَّديد القوّة، والمعنى في وصفه
بالقوّةِ والمتانة: أنَّه القادر البليغ الاقتدار، فجَرَى على طريقتهم في أنَّ القُدرة صفة نفسيّة، خِلَافاً
لقولِ أهل السُّنَّةُ أنَّهَا صِفَة قائمة به مُتعلِّقة بكلِّ مقدُور.
وقال غيره: كَون القُدرة قديمةً وإفاضَة/ الرِّزق حادثةً لا يتنافَيان، لأنَّ الحادث هو ٣٦١/١٣
التَّعَلُّق، وكَونه رَزَقَ المخلوق بعد وجوده لا يَستَلزِم التغيُّر فيه، لأنَّ التغيُّر في التَّعَلُّق، فإنَّ
قُدرَته لم تكن مُتعلِّقة بإعطاءِ الرِّزق بل بكَونِهِ سَيَقَعُ، ثمَّ لمَّا وَقَعَ تَعلَّقَت به من غير أن تَتَغيَّر
الصِّفة في نفس الأمر.
ومن ثَمَّ نَشَأ الاختلاف: هل القُدرةُ من صفات الذّات أو من صفات الأفعال؟ فمَن
نَظَرَ في القُدرة إلى الاقتدار على إيجاد الرِّزق قال: هي صِفَة ذاتٍ قديمة، ومَن نَظَرَ إلى تَعلُّق
القُدرة قال: هي صِفَة فعلٍ حادثة، ولا استحالةَ في ذلك في الصِّفات الفعليّة والإضافيَّة
بِخِلَاف الذّاتيَّة.

٢٣٦
باب ٤/ح ٧٣٧٩
فتح الباري بشرح البخاري
وقوله في الحديث: ((أصبَرَ)) أفعَلُ تفضيل من الصَّبر، ومن أسمائه الحُسنَى سبحانه وتعالى:
الصَّبور، ومعناه: الذي لا يُعاجِلِ العُصاةَ بالعُقوبة، وهو قريبٌ من معنى الحليم، والحليم
أبلَغ في السَّلامة من العُقوبة، والمراد بالأذَى: أذَى رُسُله وصالحي عباده، لاستحالةِ تَعلَّق
أَذَى المخلوقينَ به، لكَونِهِ صِفَةَ نَقصٍ وهو مُنزَّهٌ عن كلّ نَقص، ولا يُؤَخِّر النّقْمَة قَهراً بل
تَفَضُّلاً، وتكذيبُ الرُّسُل في نَفي الصّاحبة والولد عن الله أذّى لهم، فأُضيفَ الأذَى لله تعالى
للمُبالَغةِ في الإنكار عليهم والاستعظام لمَقالتهم، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّالَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِ الدُّنْيَا وَاُلْأَخِرَةِ﴾ [الأحزاب: ٥٧] فإنَّ معناه يُؤذونَ أولياء الله وأولياء رسوله،
فأُقيم المضاف مَقام المضاف إليه.
قال ابن المنيِّرِ: وجه مُطابقة الآية للحديث اشتمالُه على صِفَتَي الرِّزق والقوّة الدّالَّة على
القُدرة، أمّا الرِّزق فواضح من قوله: ((ويَرْزُقهم)) وأمّا القوَّة فمن قوله: ((أصبَرَ)) فإنَّ فيه
إشارةً إلى القُدرة على الإحسان إليهم مع إساءَتهم، بخِلَاف طَبْع البشر، فإنَّه لا يَقدِر على
الإحسان إلى المُسيء إلّا من جِهَة تَكلُّفْه ذلك شَرعاً، وسبب ذلك أنَّ خَوف الفَوت ◌َحِمِله على
المُسارَعَة إلى المُكافأة بالعُقوبة، والله سبحانه وتعالى قادرٌ على ذلك حالاً ومَآلاً لا يُعچِزُه
شيءٌ ولا يفوتُه.
٤ - باب قول الله تعالى:
﴿عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ، أَحَدًا﴾ [الجن: ٢٦]
و﴿ إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] و﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ،﴾ [النساء: ١٦٦]
﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْتَى وَلَا تَضَعُ إِلَّ بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر: ١١] ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [فصلت: ٤٧].
قال يحيى: الظّاهرُ على كلِّ شيءٍ عِلْماً، والباطنُ على كلِّ شيءٍ عِلْماً.
٧٣٧٩ - حدَّثنا خالدُ بنُ مَخْلَدٍ، حذَّثنا سليمانُ بنُ بلالٍ، حدَّثني عبدُ الله بنُ دِینارٍ، عن ابنِ
عمرَ رضي الله عنهما، عن النبيِّ وَّةِ، قال: ((مفاتيحُ الغَيْبِ خمسٌ لا يَعلَمُها إلا الله: لا يَعلَمُ ما
تَغِيضُ الأرحامُ إلّا الله، ولا يَعلَمُ ما في غَدٍ إلّا الله، ولا يَعلَمُ متى يَأْتِي المطرُ أحدٌ إلّا الله، ولا

٢٣٧
باب ٤/ح ٧٣٧٩
كتاب التوحيد
تَدْري نفسٌ بأيِّ أرضٍ تموتُ إلا الله، ولا يَعلَمُ متى تقوم السّاعةُ إلّ الله)).
قوله: ((بابُ قولِ الله تعالى: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْمِهِ: أَحَدًا﴾ [الجن: ٢٦] و﴿ إِنَّ اللَّهَ
عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] و﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ، ﴾ [النساء: ١٦٦] ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ
إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر: ١١] ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [فصلت: ٤٧]) أمّا الآية الأولى فسيأتي شيءٌ من
الكلام عليها في آخر / شرحه.
٣٦٢/١٣
وأمّا الآية الثّانية فمضى الكلام عليها في تفسير سورة لقمان عند شرح حديث ابن عمر
(٤٧٧٨) المذکور هنا.
وأمّا الآية الثّالثة فمن الحُجَج البيِّنة في إثبات العلم لله، وحَرَّفَه المعتَزِلِيّ نُصرةً لمَذْهَبِهِ،
فقال: أنزَلَه مُلْتَبِساً بعِلمِه الخاصّ، وهو تَأليفه على نَظمِ وأُسلوبٍ يَعجِز عنه كلّ بليغ.
وتُعقّبَ بأنَّ نَظم العِبارات ليس هو نفس العلم القديم، بل دالّ عليه، ولا ضَرورةَ تُحوِجُ
إلى الحمل على غير الحقيقة التي هي الإخبار عن عِلم الله الحقيقيّ، وهو من صفات ذاته.
وقال المعتَزِلِيّ أيضاً: أنْزَلَه بعِلمِه وهو عالمٌ. فأوَّلَ عِلمه بعالمٍ فِراراً من إثبات العلم له مع
تصريح الآية به، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ، إِلَّا بِمَا شَآءَ ﴾[البقرة: ٢٥٥] وتقدَّم
في قصَّة موسى والخَضِر (٤٧٢٧): ((ما عِلمي وعِلمُك في عِلم الله)) ووَقَعَ حديث الاستخارة
الماضي في الدَّعَوات (٦٣٨٢): «اللهُمَّ إنّي أسْتَخيرُك بعِلمِك)).
وأمّا الآية الرَّابعة فهي كالأَولى في إثبات العِلم وأصرَح، وقال المعتَزِلِيّ: قوله: ((بعِلمِهِ))
في موضع الحال، أي: إلّا(١) معلومة بعِلمِهِ. فَتَعَسَّفَ فيما أوَّلَ، وعَدَلَ عن الظّاهر بغيرِ
موچب.
وأمّا الآية الخامسة فقال الطَّبَريُّ: معناها: لا يَعلَم متى وقتُ قيامها غيرُه، فعلى هذا
فالتَّقدير: إليه يُردُّ عِلمُ وقتِ السّاعة.
قال ابن بَطّال: في هذه الآيات إثبات عِلم الله تعالى وهو من صفات ذاته، خِلَافاً لمن قال:
(١) في (ع) و (س): لا، والمثبت من (أ).

٢٣٨
باب ٤/ح ٧٣٧٩
فتح الباري بشرح البخاري
إنَّه عالمٌ بلا عِلم، ثمَّ إذا ثَبَتَ أنَّ عِلمه قديمٌ وَجَبَ تَعلُّقه بكلِّ معلوم على حقيقته بدلالةِ
هذه الآيات، وبهذا التَّقدير(١) يُردّ عليهم في القُدرة والقوّة والحياة وغيرها.
وقال غيره: ثَبَتَ أنَّ الله مُرِيدٌ بدليلٍ تخصيص المُمكِنات بوجودِ ما وُجِدَ منها بَدَلاً من
عَدمه، وعَدَمِ المعدوم منها بَدَلاً من وجوده، ثمَّ إمّا أن یکون فعله لها بصفةٍ يَصِحّ منه بها
التَّخصيص والتَّقديم والتَّأخير أوْ لا، والثّاني: لو كان فاعلاً لها لا بالصِّفةِ المذكورة، لَزِمَ
صُدور المُمكِّنات عنه صُدوراً واحداً بغيرِ تقديم وتَأخير ولا تَطوير، ولَكانَ يَلزَم قِدَمُها
ضَرورةَ استحالةٍ تَخْلُّف المقتَضى على مُقْتَضاه الذّاتيّ، فيَلزَم كَون المُمكِن واجباً،
والحادث(٢) قديماً وهو محال، فَثَبَتَ أَنَّه فاعلٌ بصِفَةٍ يَصِحّ منه بها التَّقديم والتَّأخير، فهذا
بُرهان المعقول.
وأمّا بُرهان المنقول فآيٌ من القرآن كثيرة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾
[هود:١٠٧]، ثمَّ الفاعل للمَصنوعات بخلقِه بالاختيار يكون مُتَّصِفاً بالعلم والقُدرة، لأنَّ
الإرادة وهي الاختيار مشروطَةٌ بالعلمِ بالمراد، ووجود المشروط بدون شرطه محال، ولأنَّ
المختار للشيءٍ إن كان غيره قادراً عليه تَعَذَّرَ عليه صُدورُ مُختَارِهِ ومُراده، ولمَّا شوهِدَت
المصنوعات صَدَرَت عن فاعلها المختار من غير تَعَذُّرٍ، عُلِم قطعاً (٣) أنَّه قادر على إيجادها،
وسيأتي مزيد الكلام في الإرادة في باب ((المشيئة والإرادة)) بعد نَيِّفٍ وعشرينَ باباً(٤).
وقال البَيهَقيُّ بعد أن ذكر الآيات المذكورةَ في الباب وغيرها مما هو في معناها: كان أبو
إسحاق الإسفرايينيّ يقول: معنى العليم: تعميم (٥) المعلومات، ومعنى الخبير: يَعلَم ما كان قبل
أن يكون، ومعنى الشَّهيد: يَعلَم الغائب كما يَعلَم الحاضر، ومعنى المحصي: لا تَشْغَله الكَثْرَةَ
(١) في (س): التقرير.
(٢) في (أ): والحادثات.
(٣) تحرَّفت في (س) إلى: علمنا.
(٤) باب رقم (٣١).
(٥) تحرَّفت في (س) إلى: یعلم.

٢٣٩
باب ٤/ ح ٧٣٧٩
كتاب التوحيد
عن العلم، وساقَ (٧٣) عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧] قال:
يعلم ما أسرَّ العبد في نفسه وما أُخفِي عنه ما سیفعلُه قبل أن يفعله، و(٢٣٨) من وجه آخر
عن ابن عبّاس قال: يَعلَم السِّ الذي في نفسك ويَعلَم ما سَتَعمَلُ غَداً.
قوله: ((قال يحيى: الظّاهرُ على كلِّ شيءٍ عِلماً، والباطنُ على كلِّ شيء عِلمً)) يحيى هذا: هو
ابن زياد الفَرّاء النَّحْويّ المشهور، ذكر ذلك في كتاب ((معاني القرآن)) له. وقال غيره: معنى
الظّاهر بالأدلة(١) الباطن العالم بظَواهر الأشياء وبَواطِنِها، وقيل: الظّاهر بالأدلَّةِ الباطن بذاته،
وقيل: الظّاهر بالعقلِ الباطن بالحِسّ، وقيل: معنى الظّاهر العالي على كلِّ شيء، لأنَّ مَن غَلَبَ
على شيءٍ ظَهَرَ عليه وعَلاه، والباطن الذي بَطَنَ كلّ شيء، أي: عَلِم باطنه.
وشَمِلَ قولُه - أي : ((كلّ شيء)) عِلْمَ ما كان وما سيكونُ على سبيل الإجمال
والتَّفصيل، لأنَّ خالق المخلوقات كلِّها بالاختيار مُتَّصِفٌ بالعلمِ بهم والاقتدارِ عليهم.
أمّا أوَّلاً: فلأنَّ الاختيار مشروط بالعلم، ولا يُوجَد المشروط/ دون شرطه. وأمّا ثانياً: فلأنَّ ٣٦٣/١٣
المختار للشيءٍ لو كان غيرَ قادرٍ عليه لَتعَذَّرَ مُرادُه، وقد وُجِدَت بغيرِ تَعَذُّر فدَلَّ على أنَّه
قادرٌ على إيجادها، وإذا تَقرَّرَ ذلك لم يَتَخَصَّص عِلمُه في تَعلَّقه بمعلومٍ دون معلوم؛
لوجوبٍ قِدَمه المنافي لقَبُولِ التَّخصيص، فَثَبَتَ أَنَّه يَعلَم الكلّيّات لأنَّها معلومات،
والْجُزْئيّات لأنَّها معلوماتٌ أيضاً، ولأنَّه مُريد لإيجادِ الجُزئيّات، والإرادة للشيءِ المُعيَّن
إثباتاً ونَفياً مشروطَةٌ بالعلمِ بذلك المراد الجُزُئيّ، فَيَعلَم المرئيّات للرَّائينَ وَرُؤيَتهم لها على
الوجه الخاصّ، وكذا المسموعات وسائر المُدرَكات؛ لما عُلمَ ضَرورةً من وجوب الكمال
له، وأضدادُ هذه الصِّفات نَقصِّ، والنَّقْص ◌ُمْتَنِعِ عليه سبحانه وتعالى، وهذا القَدْر کافٍ
من الأدلَّة العقليّة.
وضَلَّ مَن زَعَمَ من الفلاسفة أنَّه سبحانه وتعالى يَعلَم الجزئيّات على الوجه الكلّيّ لا الجُزْئيّ،
واحتَجّوا بأُمورِ فاسِدَة، منها: أنَّ ذلك يُؤَدّي إلى مُحالٍ وهو تَغيُّر العلم، فإنَّ الْجُزْئيّات زمانيّة
(١) لفظة ((بالأدلة)) سقطت من (س).

٢٤٠
باب ٤/ح ٧٣٨٠
فتح الباري بشرح البخاري
٠٠
تَتَغْيَّر بتَغْيُرِ الزّمان والأحوال، والعلمُ تابع للمعلومات في الثَّبات والتغيُّر، فيَلزَم تَغْيُر عِلمِه،
والعلم قائم بذاته فيكون محلًّا للحوادثِ وهو محال. والجواب: أنَّ التغيُّر إنَّما وَقَعَ في الأحوال
الإضافيَّة، وهذا مِثلُ رجلٍ قامَ عن يمين الإسطوانة ثمَّ عن يَسارها، ثمَّ أمامها ثمَّ خَلفها،
فالرجل هو الذي يَتغيَّر، والأُسطُوانة بحالها، فالله سبحانه وتعالى عالم بما كنّا علیه أمس وبما نحنُ
عليه الآن وبما نكون عليه غَداً، وليس هذا خَبَرَاً عن تَغُّر عِلمه، بل التغيُّر جارٍ على أحوالنا، وهو
عالمٌ في جميع الأحوال على حَدِّواحد.
وأمّا السَّمعيَّة فالقرآن العظيم طافحٌ بما ذَكَرناه، مِثل قوله تعالى: ﴿قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ
عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢ ]، وقال: ﴿لَا يَغْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَتِ وَلَا فِ اَلْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ
مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ ﴾ [سبأ: ٣]، وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يُّرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَتٍ مِّنْ
أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّ بِعِلْمِهِ، ﴾[فصلت: ٤٧]، وقوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ
اُلْغَيْبٍ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَّ وَيَعْلَمُ مَا فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِّ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَ حَبَّةٍ فِى
ظُلُمَتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّ فِ كِتَابٍ مُِّينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]، ولهذه النُّكتَة أورَدَ المصنّف
حديث ابن عمر في مفاتيح الغيب، وقد تقدَّم شرحه في كتاب التَّفسير (٤٧٧٨).
ثُمَّ ذكر حديث عائشة مُختصَراً.
٧٣٨٠- حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسُفَ، حدَّثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ، عن الشَّعْبِيِّ، عن مسروقٍ،
عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: مَن حَدَّثَكَ أنَّ محمَّدَاً وَهِ رَأى رَبَّه فقد كَذَبَ، وهو يقولُ:
﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، ومَن حَدَّثَكَ أَنَّه يَعلَم الغَيْبَ، فقد كَذَبَ، وهو
يقولُ: ((لا يَعلَم الغَيْبَ إلّا الله)).
وقوله فيه: ((ومَن حَدَّثَك أَنَّه يَعلَم الغَيب فقد كذَبَ، وهو يقول: لا يَعلَم الغَيْب إلّا الله))
كذا وَقَعَ في هذه الرِّواية عن محمَّد بن يوسف وهو الفِريابيّ، عن سفيان وهو الثَّوْريّ، عن
إسماعيل وهو ابن أبي خالد. وقد تقدَّم في تفسير سورة النَّجم (٤٨٥٥) من طريق وكيع عن
إسماعيل بلفظ: ومَن حَدَّثَك أنَّه يَعلَم ما في غَد فقد كذَبَ، ثمَّ قرأت: ﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا