النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ باب ٢٥/ ح ٧٣٦١ كتاب الاعتصام وأخرجه سفيان الثَّوْريّ(١) من هذا الوجه بلفظ: لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنَّهم لن يَهُوكم وقد ضَلّوا، أن تُكذِّبوا بحقِّ أو تُصدِّقوا بباطلٍ، وسنده حسن. قال ابن بَطّال عن المهلَّب: هذا النَّهي إنَّما هو في سؤالهم عمَّا لا نَصَّ فيه، لأنَّ شرعَنا مُكتَفٍ بنفسِه، فإذا لم يُوجَد فيه نَصِّ، ففي النَّظَر والاستدلال غِنِّى عن سؤالهم، ولا يَدخُل في النَّهي سؤالهم عن الأخبار المصدِّقة لشَرعِنا والأخبار عن الأَمَم السّالفة، وأمّا قوله تعالى: ﴿فَسْعَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤] فالمراد به مَن آمَنَ منهم، والنَّهيُ إنَّما هو عن سؤال مَن لم يُؤْمِن منهم، ويحتمل أن يكون الأمر يَخْتَصّ بما يَتعلَّق بالتَّوحيد والرِّسالة المحمَّديَّة، وما أشبهَ ذلك، والنَّهي عمَّا سوى ذلك. قوله: ((وقال أبو اليَمَان)) كذا عند الجميع ولم أرَه بصيغةِ: حدَّثنا، وأبو اليَمَان من شيوخه، فإمّا أن يكون أخَذَه عنه مُذاكَرةً، وإمّا أن يكون تَرَكَ التَّصريحَ بقوله: حدَّثنا، لكَونِه أثَراً موقوفاً، ويحتمل أن يكون ممّا فاتَه سماعُه، ثمَّ وَجَدتُ الإسماعيليَّ أخرجه عن عبد الله بن العَبَّاس الطَّالِسيِّ عن البخاريّ قال: حدَّنا أبو اليَمَان، ومن هذا الوجه أخرجه أبو نُعَيم فذكره، فظَهَرَ أَنَّه مسموع له وتَرَجَّحَ الاحتمالُ الثّاني، ثمَّ وَجَدتُه في ((التّاريخ الصَّغير)) للبُخاريِّ قال: حدَّثنا أبو اليَمَان(٢). قوله: ((حُميدُ بن عبد الرَّحمن)) أي: ابن عَوْف. وقوله: ((سَمِعَ معاويةً)) أي: أنَّ سَمِعَ معاوية، وحَذْف ((أنَّه)) يقع كثيراً. قوله: ((رَهْطاً من قُرَيش)) لم أقِفْ على تعيينهم. وقوله: «بالمدينة) يعني: لمَّا حَجّ في خلافته. قوله: ((إنْ كانَ من أصدَقِ)) إِنْ مُفَّفَة من الثَّقيلة، ووَقَعَ في رواية أُخرى: لمن أصدَقِ، بزيادةِ اللّام المؤگِّدة. (١) رواية عبد الرزاق عن سفيان الثوري نفسه. (٢) وهو في ((التاريخ الأوسط)) له أيضاً (٢٠١). ١٨٢ باب ٢٥/ح ٧٣٦١ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((يُدِّثونَ عن الكتاب)) أي: القديم فيَشمَل التَّوراةَ والصُّحُف، وفي رواية الذُّهْلِّ في ((الزُّهْرِيّات)) عن أبي اليَمَان بهذا السَّنَد: ((يَتَحدَّثونَ)) بزيادة مُثنّة. قوله: ((لَنَبُو)» بنونٍ ثمَّ موحّدة، أي: نَختبر. وقوله: ((علیه الكذبَ)) أي: يَقَع بعضُ ما يُبِرنا عنه بخلاف ما ◌ُبِرنا به. قال ابن الِّين: وهذا نحوُ قول ابن عبّاس في حَقّ كَعْب المذكور: بَدَّلَ مَن قبله فوَقَعَ في الكذب، قال: والمراد بالمحدِّثينَ: أنظارُ كَعْب مَمَّن كان من أهل الكتاب وأسلَمَ فكان يُحدِّث عنهم، وكذا مَن نَظَرَ في كُتُبهم فحَدَّثَ عَّ فيها، قال: ولعلَّهم كانوا مِثْلَ كعب إلّا أنَّ كَعباً كان أشَدَّ منهم بصيرةً وأعرَفَ بما يَتَوقّاه. ٣٣٥/١٣ وقال/ ابن حِبّان في كتاب ((الثِّقات)): أرادَ معاوية أنَّه يُخْطِئ أحياناً فيما يُحْبِرِ به، ولم يُرِدْ أنَّه كان كذّاباً، وقال غيره: الضَّمير في قوله: ((لَنَبلُو عليه)» للكتابِ لا لكعبٍ، وإنَّما يقعُ في كتابهم الكذبُ لكَونِهِم بَدَّلوه وحَرَّفوه، وقال عِيَاض: يَصِحّ عَوْدُه على الكتاب ويَصِحّ عَوْدُه على كعب وعلى حديثه، وإن لم يَقصِد الكذبَ ويَتعمَّدْه إذ لا يُشتَرَط في مُسمَّى الكذب التعمُّد، بل هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه، وليس فيه تجريح لکعبٍ بالكذب. وقال ابن الجَوْزيّ: المعنى أنَّ بعض الذي يُخْبِرِ به كعبٌ عن أهل الكتاب يكون كذِباً، لا أنَّه يَتعمَّد الكذب، وإلّا فقد كان کعبٌ من أخيار الأحبار. وهو كعب بن ماتِع - بكسر المثنَّاة بعدها مُهمَلة - بن عمرو بن قيس من آل ذي رُعَين، وقيل: ذي الكَلَاعِ الحِميَريّ، وقيل غير ذلك في اسم جَدّه ونَسَبه، يُكنَى أبا إسحاق، كان في حياة النبيّ ◌َّ﴿ رجلاً، و کان یهودیاً عالماً بكُتُبِهِم حتَّى كان يُقال له: کعب الحَبْرِ وكَعْب الأحبار، وكان إسلامه في عهد عمر، وقيل: في خِلَافة أبي بكر، وقيل: إنَّه أسلَمَ في عَهْد النبيّ وَ ◌َّ وتَّأَخَّرَتِ هِجَرَته، والأوَّل أشھَرُ، والثّاني قاله أبو مُسهِر عن سعيد بن عبد العزيز، وأسنَدَه ابن مَندَهْ من طريق أبي إدريس الخَوْلانيِّ، وسَكَنَ المدينةَ وغَزَا ١٨٣ باب ٢٥/ح ٧٣٦٢ كتاب الاعتصام الرُّومَ في خِلَافة عمر، ثمَّ تَحوَّلَ في خِلَافة عثمان إلى الشّام فسَكَنَها إلى أن ماتَ بحِمصَ في خِلَافة عثمان سنة اثنتَينِ أو ثلاث أو أربع وثلاثينَ، والأوَّل أكثرُ. قال ابن سعد: ذَكَروه لأبي الدَّرداء فقال: إنَّ عند ابن الحِمِيَريَّة لَعِلماً كثيراً، وأخرج ابن سعد (٣٥٨/٢) من طريق عبد الرَّحمن بن جُبير بن نُفَير قال: قال معاوية: ألا إنَّ كعبَ الأحبار أحد العلماء، إن كان عنده لَعِلمٌ كالثمار (١) وإن كنَّا فيه لمفرِّطين، وفي («تاريخ محمَّد بن عثمان بن أبي شَيْبة)) من طريق ابن أبي ذِئب: أنَّ عبد الله بن الزُّبَير قال: ما أصَبتُ في سُلطاني شيئاً إلّا قد أخبَرني به كعب قبل أن يَقَع. ثمَّ ذکر فیه حدیثین: الحديث الأول: حديث أبي هريرة. ٧٣٦٢- حدَّثني محمَّدُ بنُ بِشَارٍ، حدَّثنا عُثْمَانُ بنُ عمرَ، أخبرنا عليٌّ بنُ المبارَكِ، عن يحبى ابنِ أبي كثير، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هُرَيرةَ، قال: كانَ أهلُ الكتاب يَقْرَؤُون الثَّوراةَ بالعِبْرانيّةِ، ويُفسِّرونَها بالعربيّةِ لأهلِ الإسلام، فقال رسولُ الله ◌ِّ: ((لا تُصدِّقوا أهلَ الكتاب ولا تُكذِّبوهُمْ، وقولوا: آمَنّا بالله وما أُنزِلَ إلينا وما أُنزِلَ إليكمْ ... الآيةَ))(٢). قوله: ((كانَ أهل الكتاب يَقرَؤونَ التَّوراة بالعِبْرانيَّةِ ويُفسِّرونَها بالعربيَّةِ» تقدَّم بهذا السَّنَد والمتن في تفسير سورة البقرة (٤٤٨٥)، وعلى هذا فالمراد بأهلِ الكتاب اليهودُ، لكنَّ الحُكم عامٌّ فيتناوَل النَّصارى. قوله: ((لا تُصدِّقوا أهلَ الكتاب ولا تُكذِّبوهم)) هذا لا يعارض حديث التَّرجمة، فإِنَّه نهيٌ عن السُّؤال وهذا نهيٌّ عن التَّصديق والتكذيب، فيُحمَل الثّاني على ما إذا بَدَأَهم أهلُ الكتاب بالخبر، وقد تقدَّم توجيه النَّهي عن التَّصديق والتكذيب في تفسير سورة البقرة. (١) في (س) و(ع): كالبحار، والمثبت من (أ) و((طبقات ابن سعد)). (٢) يشير إلى الآية (١٣٦) من سورة البقرة، والتلاوة فيها: ﴿وَمَآ أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ ... ﴾ إِلى آخرها. ١٨٤ باب ٢٥/ ح ٧٣٦٣ فتح الباري بشرح البخاري الحديث الثاني: ٧٣٦٣ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا إبراهيمُ، أخبرنا ابنُ شِهابٍ، عن عُبَيْدِ الله أنَّ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: كيفَ تَسْألونَ أهلَ الكتاب عن شيءٍ، وكتابُكم الذي أُنزِلَ على رسولِ الله ◌َّ أَحدَثُ، تَقرَؤُونه مَحْضاً لم يُشَبْ! وقد حَدَّثَكم أنَّ أهلَ الكتابِ بَدَّلوا كتابَ الله وغَيَّروه، وكَتَبوا بأيدِيهِم الكتابَ وقالوا: هو مِن عندِ الله، لِيَشتَروا به ثَمَناً قليلاً، ألا يَنْهاكم ما جاءَكم منَ العِلْم عن مَسألَتِهِم؟! لا والله ما رأينا منهم رجلاً يَسألُكم عن الذي أُنزِلَ عليكم. قوله: ((حدَّثنا إبراهيم)) هو ابن سعد بن إبراهيم المذكورُ قريباً. قوله: ((كيف تسألونَ أهلَ الكتاب عن شيء)» تقدَّم شرحه في كتاب الشَّهادات (٢٦٨٥)، ووقَعَ في رواية عكرمة عن ابن عبّاس عند ابن أبي شيبة (٤٨/٩): عن گُبهم. قوله: ((وكتابُكم الذي أُنزِلَ على رسوله أحْدَثُ)) كذا وَقَعَ مُختصَراً هنا، وتقدَّم بلفظ: أحدَثُ الكتب، ووَقَعَ في رواية ◌ِكْرمة: وعندكم كتابُ الله أحدَثُ الكتب عَهداً بالله، وتقدَّم توجيه ((أحدَثُ))، ويأتي (٧٥٢٣). وقوله: ((لا يَنهاكُم)) استفهامٌ محذوف الأَداة، بدليل ما تقدَّم في الشَّهادات: ((أَوَلا ینھاکُم؟!». وقوله: ((عن مَسأَلَتهم)) في رواية الكُشمِيهَنيّ: عن مُساءَلَتهم، بضمٍّ أوَّله بوزنِ المُفاعَلة. ٢٨ - باب قولِ الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] ﴿وَشَاوِرُهُمْ فِ آلْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وأنَّ المُشاوَرَةَ قبلَ العَزْمِ والتَّبَيُّنْ(١) ٥٠%. (١) لقولِه تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، فإذا عَزَمَ الرَّسولُ،وَلَه لم يَكُنْ البَشَرِ التَّقْدُّمُ على الله ورسولِه. (١) هكذا وقع هذا الباب (٢٨) مقدَّم على البابين بعده (٢٦، ٢٧) عند أبي ذر الهروي، ولغيره مؤخّر عنهما. ١٨٥ باب ٢٨ كتاب الاعتصام وشاوَرَ النبيُّ ◌َّل أصحابَه يومَ أَحُدٍ في المُقامِ والخروج، فَأَوْا له الخروجَ، فلمَّا لَبِسَ لَأُمْتَه وعَزَمَ قالوا: أقِمْ، فلم يَمِلْ إليهم بعدَ العَزْمِ، وقال: ((لا يَنبَغِي لنبيِّ يَلْبَسُ لَأْمَتَه فيَضَعُها، حتَّى ◌َحَكُمَ الله)). وشاوَرَ عليّاً وأُسامةَ فيما رَمَى به أهلُ الإفْكِ عائشةَ، فسَمِعَ منهما حتَّى نَزَلَ القرآنُ، فجَلَدَ الَّامِينَ، ولم يَلْتَفِتْ إلى تَنازُعِهم، ولكنْ حَكَمَ بما أمَرَه الله، وكانتِ الأئمّةُ بعدَ النّبِيِّ ◌َِل يَسْتَشِيرونَ الأُمَناءَ مِن أهلِ العِلْم في الأُمورِ المباحةِ، لِيَأْخُذُوا بأسهَلِها، فإذا وَضَحَ الكتابُ أو السُّنَّةُ، لم يَتعدَّوْه إلى غيرِه اقتداءً بالنبيِّ ◌َّ. ورَأَى أبو بكرٍ قتالَ مَن مَنَعَ الزَّكَاةَ، فقال عمرُ: كيفَ تقاتلُ وقد قال رسولُ الله ◌َلَت : ((أُمِرتُ أنْ أُقاتلَ الناسَ حتَّى يقولوا: لا إلهَ إلّا الله، فإذا قالوا: لا إلهَ إلّا الله، عَصَموا منّي دِماءَهم وأموالهم إلّا بحَقِّها»؟ فقال أبو بكرٍ: والله لأُقاتلَنَّ مَن فَرَّقَ بينَ ما ◌َمَعَ رسولُ الله ◌َ، ثمَّ تابَعَه بَعْدُ عمرُ، فلم يَلْتَفِتْ أبو بكرٍ إلى مَشُورةٍ، إذْ كانَ عندَه حُكْمُ رسولِ اللهِ وَّهُ فِي الَّذِينَ فَرَّقوا بينَ الصلاةِ والزَّكاةِ، وأرادوا تَبدِيلَ الدِّينِ وأحكامِهِ، وقال النبيُّ ◌َّ: ((مَنْ بَدَّلَ دِينَهَ فاقتلوهُ)). وكان القُرَّاءُ أصحابَ مَشُورةٍ عمر، كُهولاً كانوا أو شُّاناً، وكان وَقّافاً عندَ كتاب الله عزَّ وجلَّ. ٧٣٦٩ - حدَّثنا الأُوَيْسُّ، حدَّثنا إبراهيمُ، عن صالح، عن ابنِ شِهابٍ، حدَّثني عُرْوةُ وابنُ المسيّبِ وعَلْقمةُ بنُّ وَقّاصٍ وعُبَيْدُ الله، عن عائشةَ رضي الله عنها حينَ قال لها أهلُ الإِفْكِ، قالت: ودَعَا رسولُ اللهَ وَِّ عليَّ بِنَ أبي طالبٍ وأُسامةَ بنَ زيدٍ حينَ اسْتَلْبَثَ الوحيُّ يَسْأَهُما، وهو يَستَشِيرُهما في فِرَاق أهلِهِ، فأمّا أُسامةُ فأشارَ بالذي يَعلَمُ مِن بَراءةِ أهلِه، وأمّا عليٌّ فقال: لم يُضَيِّقِ اللهُ عليكَ، والنِّساءُ سِواها كَثِيرٌ، / وسَلِ الجاريةَ تَصْدُقْكَ، فقال: ((هَلْ رأيتٍ مِن شيءٍ ٣٤٠/١٣ يَرِيبُكِ؟)) قالت: ما رأيتُ أمراً أكثرَ مِن أنَّها جاريةٌ حديثةُ السِّنِّ، تنامُ عن عَجِينِ أهلِها، فتَأْتي الدّاجِنُ فَتَأْكُلُه، فقامَ على المِنْبرِ، فقال: ((يا مَعشَرَ المسلمينَ، مَن يَعْذِرُني مِن رجلٍ بَلَغَتي أَذاهُ في ١٨٦ باب ٢٨/ ح ٧٣٦٩ - ٧٣٧٠ فتح الباري بشرح البخاري أهلي؟ والله ما عَلِمتُ على أهلي إلّا خيراً)، فذكر براءةَ عائشةً. وقال أبو أُسامةَ: عن هشامٍ. ٧٣٧٠ - حدَّثني محمَّدُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا يحيى بنُ أبي زكريًّا الغَسّانيُّ، عن هشام، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ: أنَّ رسولَ الله ◌َِّ خَطَبَ الناسَ، فحَمِدَ اللهَ وأثنَى عليه، وقال: ((ما تُشِيرونَ عليَّ في قومٍ يَسُبُّونَ أهلي، ما عَلِمتُ عليهم مِن سُوءٍ قَطُّ). وعن عُرْوةَ قال: لمَّا أُخبِرَتْ عائشةُ بالأمرِ قالت: يا رسولَ الله، أَتَأَذَنُ لي أنْ أَنطَلِقَ إلى أهلي؟ فَأَذِنَ لها، وأرسَلَ معها الغلامَ، وقال رجلٌ منَ الأنصار: سُبْحانَكَ ﴿مَّا يَكُونُ لَنْآَ أَنْ تَتَكَلَّمَ ◌ِهَذَا سُبْحَتَكَ هَذَا بُهْتَنُ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]. قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾، ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِ الْأَمْرِ﴾)) هكذا وَقَعَت هذه التَّرجمة مُقدَّمةً على اللَّتَيْنِ بعدها عند أبي ذَرّ، ولغيرِهِ مُؤَخَّرة عنهما، وأخّرَها النَّسَفيّ أيضاً لكن سَقَطَت عنده ترجمة النَّهي على التَّحريم وما معها. فأمّا الآية الأولى، فأخرج البخاريّ في ((الأدب المفرد)) (٢٥٨) وابن أبي حاتم (٨٠١/٣) بسندٍ قويّ عن الحسن قال: ما تَشاوَرَ قوم قَطَّ بينهم إلّا هداهم الله لأفضَلِ ما تَضُرهم، وفي لفظ: إلّا عَزَمَ الله لهم بالرُّشِدِ أو بالذي يَنفَع. وأمّا الآية الثّانية، فأخرج ابن أبي حاتم (٣/ ٨٠١) بسندٍ حسنٍ عن الحسن أيضاً قال: قد علم أنَّه ما به إليهم حاجة، ولكن أرادَ أن يَستَنّ به مَن بعده، وفي حديث أبي هريرةَ: ما رأيت أحداً أكثر مَشُورةً لأصحابِهِ من النّبِّ وَِّ، ورجاله ثقات إلّا أنَّه مُنقَطِعٍ، وقد أشارَ إليه التِّرمِذيّ في الجهاد (١٧١٤) فقال: ويُروَى عن أبي هريرةَ، فذكره، وتقدَّم في الشُّروط (٢٧٣١) من حديث المِسِوَرَ بن ◌َحَرَمَةَ قوله ◌َّ: (أَشِيروا عليَّ في هؤلاءِ القوم))، وفيه جوابُ أبي بكر(١) وعَمَلُهُ وَّ بما أشار به (٣)، وهو في الحديث الطّويل في صُلْح الحديبية. (١) في (س): أبي بكر وعمر، وهو خطأ. (٢) اللفظ المذكور هو في كتاب المغازي (٤١٧٨). ١٨٧ باب ٢٨/ ح ٧٣٦٩ - ٧٣٧٠ كتاب الاعتصام قوله: ((وأنَّ المُشاوَرة قبل العَزْمِ والتَّبيُّن(١) لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ))) وجه الدّلالة ما وَرَدَ عن قراءَة عِكْرمة وجعفر الصّادق بضمِّ الّاء من عَزَمتُ، أي: إذا أرشَدتُك إليه فلا تَعدِلْ عنه، فكأنَّ المشاورة إِنَّا تُشرَع عند عَدَم العَزْم، وهو واضح. وقد اختُلِفَ في مُتَعلَّق المشاورة، فقيلَ: في كلّ شيء ليس فيه نصّ، وقيل: في الأمر الدُّنيَويّ فقط. وقال الدَّاوُوديّ: إنَّما كان يشاورهم في أمر الحرب ممّا ليس فيه حُكْم، لأنَّ معرفة الحُكم إنَّا تُلتَمَس منه، قال: ومَن زَعَمَ أنَّه كان يشاورهم في الأحكام فقد غَفَلَ غَفْلةً عظيمة، وأمّا في غیر الأحكام فُبَّما رأی غیرُه أو سَمِعَ ما لم يَسمَعه أو یَرَه، کما کان یَستَصحِب الدَّليلَ في الطَّريق. وقال غيره: اللَّفظ وإن كان عاماً، لكنَّ المراد به الخصوص، للاتِّفاق على أنَّه لم يكن يُشاهِرهم في فرائض الأحكام. قلت: وفي هذا الإطلاق نَظَر، فقد أخرج التِّرمِذيّ (٣٣٠٠) وحَسَّنَه وصَخَّحَه ابن حِبّان (٦٩٤١) من حديث عليّ قال: لمَّا نَزَلَت: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْاْ إِذَا فَجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ الآية [المجادلة: ١٢]، قال لي النبيّ ◌َّ: ((ما تَرَى؟ دينار)) قلت: لا يُطيقونَه، قال: ((فنصفُ دينار؟)) قلت: لا يُطيقونَه، قال: ((فَكَمْ؟)) قلت: شَعِيرة، قال: ((إِنَّك لَزَهيد)) فَنَزَلَت: ﴿وَأَشْفَقْتُ﴾ الآية، قال: فِي خَفَّفَ الله عن هذه الأُمَّةُ(٢)، ففي هذا الحديث المشاوَرةُ في بعض الأحكام. ونَقَلَ السُّهَيليّ عن ابن عبّاس: أنَّ المشاوَرة مُخْتَصَّة بأبي بكر وعمر، ولعلَّه من ((تفسير الكَلْبِيّ))، ثمَّ وَجَدتُ له مُستَنَداً في ((فضائل الصَّحابة)) لأسَدِ بن موسى و ((المعرِفَة)) ليعقوب ابن سفيان بسندٍ لا بأس به عن عبد الرَّحمن/بن غَنْم - بفتح المعجمة وسكون النُّون - وهو ٣٤١/١٣ (١) في الأصلين: والتبيين، والمثبت من (س) والطبعة السلطانية، ولم يُذكر فيها اختلاف بين نسخ اليونينية، والله أعلم. (٢) إسناده ضعيف، وانظر الكلام عليه في ((صحيح ابن حبان)). ١٨٨ باب ٢٨/ ح ٧٣٦٩ - ٧٣٧٠ فتح الباري بشرح البخاري مُخْتَلَف في صُحبَتِه: أنَّ النبيّ وَّه قال لأبي بكر وعمر: «لو أنَّكُمَا تَتَّفِقان على أمرٍ واحد، ما عَصَيتُكُما فِي مَشُورة أبداً)(١). وقد وَقَعَ في حديث أبي قَتَادةَ في نَومِهم في الوادي: ((إِن يُطِيعوا أبا بكر وعمر يَرِشُدو))(٢)، لكن لا حُجَّة فيه للتَّخصیص. ووَقَعَ في ((الأدب)) من رواية طاووسٍ عن ابن عبّاس(٣) في قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرُهُمْ فِي اُلْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] قال: في بعض الأمر، قيلَ: وهذا تفسيرٌ لا تِلاوَة، ونَقَلَه بعضهم قراءَةً عن ابن مسعود، وعَدَّ كثيرٌ من الشافعيَّة المشاورةَ في الخصائص، واختَلَفوا في وجوبها، فَتَقَلَ البَيْهَقيُّ في ((المعرِفَة)) الاستحبابَ عن النَّصّ، وبه جَزَمَ أبو نصر القُشَيرِيُّ في ((تفسيره))، وهو المرجّح(٤). قوله: «فإذا عَزَمَ الَّسولُ وَّه لم يكن لَبَشَرِ التَّقْدُّمُ على الله ورسوله)) يريد أنَّه وَّهِ بعد المشورة إذا عَزَمَ على فعل أمر مّا وَقَعَت عليه المشورة، وشَرَعَ فيه، لم يكن لأحدٍ بعد ذلك أن يشير عليه بخِلَافه، لوُرودِ النَّهي عن التَّعَدُّم بين يَدَي الله ورسوله في آية الحُجُرات(٥)، وظَهَرَ من الجمع بين آية المشورة وبينها تخصيصُ عُمومها بالمشورةِ، فيجوز التَّقدُّم لكن بإذنٍ منه حيثُ يستشير، وفي غير صورة المشورة لا يجوز لهم التَّقَدُّم، فأباحَ لهم القولَ جوابَ الاستشارة، وزَجَرَهم عن الابتداء بالمشورةِ وغيرها، ويَدخُل في ذلك الاعتراضُ على ما يراه بطريق الأَولى، ويُستَفاد من ذلك أنَّ أمره وَّهِ إذا ثَبَتَ لم يكن لأحدٍ أن يُخَالِفَه ولا (١) عزوه لأحمد بن حنبل أولى، فهو في ((مسنده)) برقم (١٧٩٩٤)، وإسناد الحديث ضعيف. (٢) أخرجه مسلم (٦٨١). (٣) بل هو فيه (٢٥٧) من طريق عمرو بن دينار، قال: قرأ ابن عباس: ((وشاورهم في بعض الأمر)). (٤) وقال الإمام الفقيه المفسِّر ابن عطيّة في تفسير الآية من سورة آل عمران في ((تفسيره)): الشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، ومن لا يستشير أهلَ العلم والدِّين فعزله واجب، هذا ما لا خلاف فيه ... إلى آخر كلامه النفيس، فارجع إليه. (٥) الآية الأولى من سورة الحجرات، وهي قوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَنَّقُواْ اللَّه إِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾. ١٨٩ باب ٢٨ / ح ٧٣٦٩ - ٧٣٧٠ كتاب الاعتصام يَتَحَيَّل في مُخَالَفَته، بل يجعله الأصلَ الذي يَرُدّ إليه ما خالَفَه، لا بالعكسِ كما يَفعَل بعض المقلِّدين، ويَغفُل عن قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ الآية [النور: ٦٣]. والمَشُورةُ: بفتح الميم وضمّ المعجَمة وسكون الواو، وبسكون المعجَمة وفتح الواو، لُغَتَانٍ، والأُولى أرجَحُ. قوله: ((وشاوَرَ النبيُّ ◌َلام أصحابه يوم أَحُد في المُقَام والخروج ... )) إلى آخره، هذا مثالٌ لما تَرجَمَ به أنَّه شاوَرَ فإذا عَزَمَ لم يَرجِع، والقَدْر الذي ذكره هنا مُتصَر من قصَّة طويلة لم تقع موصولةً في موضع آخر من ((الجامع الصَّحيح))، وقد وَصَلَها الطََّرانيُّ (١٠٧٣٣) وصَحَّحَها الحاكم (١٢٨/٢-١٢٩) من رواية عبد الله بن وَهْب عن عبد الرَّحمن بن أبي الزّناد عن أبيه عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبةَ عن ابن عبَّاس(١) قال: تَنفَّلَ رسول الله وَل سيفَه ذا الفَقَار يوم بدر، وهو الذي رأى فيه الرُّؤيا يوم أُحُد، وذلك أنَّ رسول الله وَّةٍ لِمَّا جاءَه المشركونَ يومٍ أُحُد كان رأيُ رسول الله وَّل أن يُقيم بالمدينةِ فيقاتلَهم فيها، فقال له ناس لم يكونوا شَهِدوا بدراً: اخرُجْ بنا يا رسول الله إليهم نُقاتلَهم بأُحُدٍ، ونَرجُو أن نُصيبَ من الفضيلة ما أصابَ أهل بدر، فما زالوا برسولِ الله وَّهِ حَتَّى لَبِسَ لَأُمَته، فلمَّا لَبِسَها نَدِموا، وقالوا: يا رسول الله، أقِمْ فالرَّأي رأيك، فقال: «ما ينبغي لنبيِّ أن يَضَعَ أداته بعد أن ◌َِسَها حتَّى يَحَكُمَ الله بينه وبين عدوّه))، وكان ذكر لهم قبل أن يَلبَس الأداة: ((إنّ رأيت أنّي في دِرعِ حَصينة فأوَّلتُها المدينة)»، وهذا سَنَد حسن. وأخرج أحمد (١٤٧٨٧) والدَّارِمِيُّ (٢١٥٩)، والنَّسائيُّ (ك٧٦٠٠) من طريق حمَّد بن سَلَمَةَ عن أبي الزُّبَير عن جابر نحوه، وتقدَّمَت الإشارة إليه في كتاب التَّعبير(٢)، وسنده صحيح، ولفظ أحمد: أنَّ النبيّ وَّ قال: ((رأيت كأنّي في دِرْعِ حَصِينة، ورأيت بَقَراً تُنحَر، فأوَّلتُ الدِّرع الحصينَة المدينة)) الحديث، وقد ساقَ محمَّد بن إسحاق هذه القصَّة في ((المغازي)) مُطوَّلة، (١) وانظر ((مسند أحمد)) (٢٤٤٥). (٢) عند شرح الحديث (٧٠٣٥). ١٩٠ باب ٢٨ / ح ٧٣٦٩ - ٧٣٧٠ فتح الباري بشرح البخاري وفيها: أنَّ عبد الله بن أبيِّ رأس الخَزَرَج كان رأيه الإقامة، فلمَّا خَرَجَ رسول الله وَلَ غَضِبَ وقال: أطاعَهم وعَصَاني، فَرَجَعَ بمَن أطاعَه، وكانوا ثُلُث الناس. قوله: ((فلمَّا لَبِسَ لَأْمَتَه)) بسكونِ الهمزة: هي الدِّرع، وقيل: الأَدَاة بفتح الهمزة وتخفيف الدّال: وهي الآلة من دِرْعٍ وبَيضَة وغيرهما من السِّلاح، والجمع: لَأَمِّ بسكونِ الهمزة مثل: تَمْرة وتَمْر، وقد تُسَهَّلُ وتُجمَع أيضاً على لُؤَم، بضمٌّ ثمَّ فتح على غير قياس، واستَلاَمَ للقتالِ: إذا لَبِسَ سلاحَه كاملاً. قوله: ((وشاوَرَ عليّاً وأُسامة فيما رَمَى به أهلُ الإِفْك عائشة، فسَمِعَ منهما حتَّى نَزَلَ القرآنُ ٣٤٢/١٣ فجَلَدَ الرَّامِينَ)) قال ابن بَطّال عن القابِسيّ: الضَّمير في قوله: ((منهما)) لعليٍّ وأُسامة/ وأمّا جلدُه الرَّامینَ فلم يأتِ فیه بإسنادٍ. قلت: أمّا أصل مُشاوَرَتهما فَذَكَره موصولاً في الباب باختصارٍ، وتقدَّم في قصَّة الإفك مُطوَّلاً في تفسير سورة النّور (٤٧٥٠) مشروحاً، وقوله: ((فسَمِعَ منهما)) أي: فسَمِعَ كلامهما ولم يَعْمَل بجميعِه حتَّى نَزَلَ الوحي، أمّا عليٌّ فأومَاً إلى الفِراق بقوله: والنِّساءُ سِواها كثيرٌ، وتقدَّم بيان عُذرِه في ذلك، وأمّا أُسامة فنَفَى أن يَعلَم عليها إلّا الخير، فلم يَعمَل بما أومَاً إليه عليٌّ من المفارَقة، وعَمِلَ بقوله: وسَلِ الجارية، فسألهما، وعَمِلَ بقولِ أُسامة في عَدَم المفارَقة، ولكنَّه أَذِنَ لها في التَّوَجُّه إلى بيت أبيها. وأمّا قوله: ((فجَلَدَ الرَّامِينَ)) فلم يَقَعْ في شيء من طرق حديث الإفك في ((الصحيحين)) ولا أحدهما، وهو عند أحمد وأصحاب ((السُّنَن))(١) من رواية محمَّد بن إسحاق عن عبد الله ابن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حَزْم عن عَمْرة عن عائشة: قالت: لمَّا نَزَلَت براءَتي قامَ رسول الله وَّ﴿ على المِنْبَر فدَعَا بهم وحَدَّهم، وفي لفظ: فأمَرَ برجلَينِ وامرأة فضُرِبوا حَدَّهم، وسُمُّوا في رواية أبي داود (٤٤٧٥) مِسطَحَ بنُ أثاثة وحسَّان بن ثابت وحَمْنة بنت (١) أحمد (٢٤٠٦٦)، وأبو داود (٤٤٧٤)، وابن ماجه (٢٥٦٧)، والترمذي (٣١٨١)، والنسائي في «الكبرى» (٧٣١١). ١٩١ باب ٢٨/ ح ٧٣٦٩ - ٧٣٧٠ كتاب الاعتصام جَحْش، قال التِّرمِذيّ: حسن لا نَعرِفه إلّا من حديث ابن إسحاق من هذا الوجه. قلت: ووَقَعَ التَّصريحُ بتحديثه في بعض طرقه، وقد تقدَّم بسطُ القول في ذلك في شرح حديث الإفك في التَّفسیر. قوله: ((ولم يَلْتَفِت إلى تَنازُعهم، ولكنْ حَكَمَ بما أمَرَه الله))(١) قال ابن بَطّال عن القابِسِيّ: كأنَّه أرادَ («تَنازُعَهما)) فسَقَطَتِ الأَلِف، لأنَّ المراد أُسامة وعليّ، وقال الكِرْمانيُّ: القياس أن يقال: تَنازُعهما، إلّا أن يقال: إنَّ أقلّ الجمع اثنان، أو أرادَ بالجمع هما ومَن معهما، أو مَن وافَقَهما علی ذلك، انتھی. وأخرج الطَّبَرانيُّ (١٦٤/٢٣) عن ابن عمر في قصَّة الإفك: وبَعَثَ رسولُ اللهِ وَّهِ إِلى عليّ بن أبي طالب وأسامة بن زيد وبَرِيرة (٢)، فكأنَّه أشارَ بصيغةِ الجمع إلى ضَمِّ بَريرة إلى عليّ وأسامة، لكن استَشكَلَه بعضهم بأنَّ ظاهر سياق الحديث الصَّحيح أنَّها لم تكن حاضرة لتصريحه بأنَّه أرسَلَ إليها، وجوابه أنَّ المراد بالتَّازُع اختلافُ قول المذكورينَ عند مُساءَلَتهم واستِشارَتهم، وهو أعمُّ من أن يكونوا مجْتَمِعينَ أو مُتَفرِّقين، ويجوز أن يكون مُراده بقوله: فلم يَلْتَفِت إلى تَنازُعهم، كلَّ من الفريقَينِ في قِصَّتَي أُحُد والإفك. قوله: ((وكانت الأثمَّة بعد النبيّ وَ لَ يستشيرونَ الأُمَناء من أهل العِلْم في الأُمور المباحة ليَأْخُذوا بأسهَلِها)) أي: إذا لم يكن فيها نَصُّ بحُكمِ مُعيَّن وكانت على أصل الإباحة، فمُراده ما احتَمَلَ الفعلَ والتَّركَ احتمالاً واحداً، وأمّا ما عُرِفَ وجه الحُكم فيه فلا، وأمّا تقييده بالأُمَناءِ فهي صِفَة موضِّحة، لأنَّ غير المؤتَمَن لا يُستَشار ولا يُلتَفَت لقولِه. وأمّا قوله: ((بأسهَلِها)) فلِعُمومِ الأمر بالأخذِ بالتَّيسير والتَّسهيل والنَّهي عن التَّشديد الذي يُدخِل المشَقَّةَ على المسلم، قال الشافعيّ(٣): إنَّما يُؤمَر الحاكم بالمشورةِ لكَونِ المشير (١) في الأصلين: بما أمر الله به، والمثبت من (س) والطبعة السلطانية، ولا يوجد خلاف في ذلك بين نسخ اليونينية. (٢) وفي إسناده إسماعيل بن يحيى التيمي، وهو كذّاب، فيسقط الاستشكال به. (٣) في «الأم)) ٢١٩/٦. ١٩٢ باب ٢٨ / ح ٧٣٦٩ - ٧٣٧٠ فتح الباري بشرح البخاري يُنَبِّهه على ما يَغْفُل عنه، ويَدُلّه على ما لا يَستَحضِره من الدَّليل، لا لِيُقُلِّد المشيرَ فيما يقوله، فإنَّ الله لم يجعل هذا لأحدٍ بعد رسول الله وَّهِ. وقد وَرَدَ من استشارة الأئمّة بعد النبيّ ◌َّ أخبارٌ كثيرة: منها مُشاوَرة أبي بكر ﴾ في قتال أهل الرِّدَّة، وقد أشارَ إليها المصنِّف. وأخرج البيهقيُّ (١١٤/١٠-١١٥) بسندٍ صحیح عن ميمون بن مهرانَ قال: كان أبو بكر الصِّدّيق إذا وَرَدَ عليه أمرٌ نَظَرَ في كتاب الله، فإن وَجَدَ فيه ما يقضي به قَضَى بينهم، وإن عَلِمَه من سُنَّ رسول الله وَ لَهقَضَى به، وإن لم يَعلَمْ خَرَجَ فسألَ المسلمينَ عن السُّنَّة، فإن أَعْياه ذلك دَعَا رُؤوسَ المسلمين وعلماءَهم واستَشارَهم، وإنَّ عمر بن الخطّاب كان يَفعَل ذلك. وتقدَّم قريباً (٧٢٨٦): أنَّ القُرّاء كانوا أصحابَ مجلس عمر ومُشاوَرَته، ومُشاوَرة عمر الصَّحابة في حَدِّ الخمر تقدَّمَت في كتاب الحدود (٦٧٧٩)، ومُشاوَرة عمر الصَّحابة في إملاص المرأة تقدَّمَت في الدِّيات (٦٩٠٥)، ومُشاوَرة عمر في قتال الفُرس تقدَّمَت في الجهاد (٣١٥٩)، ومُشاوَرة عمر المهاجِرِينَ والأنصار ثمَّ قُرَيشاً لمَّا أرادوا(١) دخول الشّام وبَلَغَه أنَّ الطّاعون وَقَعَ بها، وقد مضى مُطوَّلاً مع شرحه في كتاب الطِّبّ (٥٧٢٩)، ورُوّينا ٣٤٣/١٣ في ((القُطَعيّات))/ من رواية إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: جاءَ رجل إلى معاوية فسألَه عن مسألة فقال: سَلْ عنها عليّاً، قال: ولقد شَهِدتُ عمر أشكَلَ عليه شيء، فقال: هاهُنا عليٌّ. وفي كتاب ((النَّوادر)) للحُميديّ، و((الطَّقات)) (٣٣٩/٢) لمحمَّدٍ بن سعد من رواية سعيد بن المسيّب قال: كان عمر يَتعوَّذ بالله من مُعضِلة ليس لها أبو الحسن - يعني عليّ بن أبي طالب - ومُشاوَرة عثمان الصَّحابة أوَّلَ ما استُخلِفَ فيما يَفعَل بعُبَيدِ الله بن عمر لمَّا قتل الهُرُمُزان وغيره، ظنّاً منه أنَّ لهم في قتل أبيه مَدخَلاً، وهي عند ابن سعد (١٦/٥) وغيره بسندٍ حسن، ومُشاوَرَته الصَّحابة في جمع الناس على مُصحَف واحد، أخرجها ابن أبي داود (١) في (أ): أراد. ١٩٣ باب ٢٨/ ح ٧٣٦٩ - ٧٣٧٠ كتاب الاعتصام في كتاب ((المصاحف)) من طرق عن عليّ، منها قوله: ما فعل عثمانُ الذي فعل في المصاحف إلّا عن مَلَأٍ مِنّا، وسنده حسن. قوله: ((وَرَأْى أبو بَكْر قتال مَن مَنَعَ الزَّكاة ... )) إلى آخره، يشير إلى حديث أبي هريرة الذي تقدَّم قريباً (٧٢٨٤) في باب الاقتداء بالسَّلَف. قوله: ((وقال النبيّ ◌َّ: مَن بَدَّلَ دينَه فاقتلوه)» تقدَّم موصولاً من حديث ابن عبّاس في كتاب المحاربينَ (٦٩٢٢). قوله: ((وكان القُرّاء أصحابَ مَشُورة عمر، كُهولاً كانوا أو شُبّاناً)) هذا طَرَف من حديث ابن عبّاس في قصَّة الحُرّ بن قيس وعَمّه عُيَينةَ بن حِصْن، وتقدَّم قريباً (٧٢٨٦) في ((باب الاقتداء بالسَّلَفِ)) أيضاً بلفظ: ومُشاوَرَته، ووَقَعَ بلفظ: ومَشُورَته، موصولاً في التَّفسير (٤٦٤٢). وقوله في آخره هُنا: ((وكان وَقّافاً)) بقافٍ ثقيلة، أي: كثير الوقوف، وهذه الزّيادة لم تقع في الطَّريق الموصولة في ((باب الاقتداء))، وإِنَّا وَقَعَت في التَّفسير. ثمَّ ذكر طَرَفاً من حديث الإفك من طريق صالح بن كَيْسانَ عن الزّهْريّ، وقد تقدَّم بطولِه في كتاب المغازي (٤١٤١)، واقتَصَرَ منه على موضع حاجتِه، وهي مُشاوَرة عليّ وأُسامة، وقال في آخره: «فذكر براءَةَ عائشة)) وأشارَ بذلك إلى أنَّه هو الذي اختَصَرَه، وذكر طَرَفاً منه من طريق هشام بن عُرْوة عن أبيه، وقد أورَدَ طريق أبي أسامة عن هشام التي عَلَّقَها هنا مُطوَّلةً في كتاب التَّفسير (٤٧٥٧)، وقد ذَكَرتُ هناك مَن وَصَلَها عن أبي أُسامة. وشيخه هنا في الطَّريق الموصولة: هو محمّد بن حَرْب النَّشَائِيّ، بنونٍ ومُعجَمة خفيفة، ويحيى بن أبي زكريّا: هو يحيى بن يحيى الشّاميُّ نزيل واسط، وهو أكبرُ من يحيى بن يحيى النَّيسابوريّ شيخ الشَّيخَين، والغَسّانيُّ بفتح المعجَمة وتشديد المهمَلة، نِسبتُه مشهورة، ووَقَعَ في بعض النُّسَخ بضمِّ العين المهمَلة وتخفيف الشّين المعجمة، وهو تصحيف شَنِيع. وقوله فيه: ((إنَّ النبيّ ◌َ لَّ خَطَبَ الناسَ فَحَمِدَ الله وأثْنَى عليه)) تقدَّم في رواية أبي أُسامة أنَّ ذلك ١٩٤ باب ٢٨ / ح ٧٣٦٩ - ٧٣٧٠ فتح الباري بشرح البخاري كان عَقِبَ سماعه كلامَ بَرِيرة، وفيه: قامَ فيَّ خطيباً - أي: من أجلي - فَتَشهَّدَ وَمِدَ الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثمَّ قال: «أمّا بعدُ». قوله: ((ما تُشِيرونَ عليَّ؟)) هكذا هنا بلفظِ الاستفهام، وتقدَّم في طريق أبي أُسامة بصيغةٍ الأمر: ((أَشِيروا عليَّ)، والحاصل أنَّه استشارَهم فيما يَفعَل بمَن قَذَفَ عائشة، فأشارَ عليه سعدُ بن معاذ وأُسَيد بن حُضَيرٍ بأنَّهم واقفونَ عند أمره، موافقونَ له فيما يقول ويفعل، ووَقَعَ النِّاعِ في ذلك بين السَّعدَين، فلمَّا نَزَلَ عليه الوحيُّ ببراءَتِها أقامَ حَدَّ القَذْف على مَن وَقَعَ منه. وقوله: ((يَسُبّونَ أهلي)) كذا هنا بالمهمَلِةِ ثمَّ الموحَّدة الثَّقيلة: من السَّبّ، وتقدَّم في التَّفسير بلفظ: ((أَبَنُوا)) بموخَّدةٍ ثمَّنون، وتقدَّم تفسيره هناك، وأنَّ منهم مَن فَسَّرَ ذلك بالسَّبّ. قوله: ((ما علمتُ عليهم من سوءٍ قَطُ)) يعني: أهله، وجَمَعَ باعتبار لفظ الأهل، والقصّة إِنَّما كانت لعائشة وحدَها، لكن لمَّا كان يَلزَم من سَبّها سَبُّ أَبَوَيها ومَن هو بسبيلِ منها، وكلُّهم كانوا بسببٍ عائشة معدودينَ في أهله، صَحَّ الجمع، وقد تقدَّم في حديث الهجرة الطّويل (٣٩٠٥) قول أبي بكر: إنَّما هم أهلُك يا رسول الله؛ يعني عائشة وأُمّها وأسماء بنت أبي بكر. قوله: ((وعن عُرْوة)) هو موصول بالسَّنَد المذكور. وقوله: (أُخبِرَت)) بضمِّ أوَّله على البناء للمجهول، وقد تقدَّمَت تسميةُ مَن أخبَرَها بذلك. قوله: ((أَتَأْذَنُ لي أنْ أَنطَلِقَ إلى أهلي؟» في رواية أبي أسامة (٤٧٥٧): أرسِلْني إلى بيت أبي. ٣٤٤/١٣ قوله: ((وقال رجل من الأنصار ... )) إلى آخره، وَقَعَ عند ابن إسحاق أنَّه أبو أيوب الأنصاريّ، وأخرجه الحاكم من طريقه، وأخرجه الطَّبَرانيُّ في ((مُسنَد الشّاميّينَ)) (٢٤٢٥) وأبو بكر الآجُرِّيّ في طرق حديث الإفك من طريق عطاء الخُراسانيّ عن الزُّهْريِّ عن عُرْوة عن عائشة، وتقدَّم في شرحه في التَّفسير (٤٧٥٠) أنَّ أُسامة بن زيد قال ذلك أيضاً، لكن ليس ١٩٥ باب ٢٦/ح ٧٣٦٤ -٧٣٦٦ كتاب الاعتصام هو أنصاريّاً، وفي روايتنا في ((فوائد محمَّد بن عبد الله)) المعروف بابنِ أخي مِيمي من مُرسَل سعيد بن المسيّب وغيره: وكان رجلان من أصحاب النبيّ ◌َّهِ إذا سَمِعا شيئاً من ذلك قالا: سبحانك هذا بُهتانٌ عظيم، زيد بن حارثة وأبو أيوب، وزيد أيضاً ليس أنصاريّاً، وفي ((تفسير سُنَيد)) من مُرسَل سعيد بن جُبَير: أنَّ سعد بنَ معاذ لمَّا سَمِعَ ما قيل في أمر عائشة قال: سبحانك هذا بُهتانٌ عظيمٌ، وفي ((الإكليل)) للحاكمِ من طريق الواقديِّ أنَّ أُبيّ بن كعب قال ذلك، وحُكيَ عن ((المبهَمات)) لابنِ بَشكُوَال - ولم أرَه أنا فيها -: أنَّ قَتَادةَ بن التُّعمان قال ذلك، فإن ثَبَتَ فقد اجتَمَعَ مَمَّن قال ذلك ستّة: أربعة من الأنصار، ومُهاچِرّیان. ٢٦ - باب كراهية الاختلاف ٧٣٦٤- حدَّثنا إسحاقُ، أخبرنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ مَهْدِيٍّ، عن سَلّامِ بنِ أبي مُطِيعٍ، عن أبي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ، عن جُندُبٍ بنِ عبدِ الله، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: «اقرَؤُوا القرآنَ ما ائْتَلَفَتْ قلوبُكم، فإذا اختلَفْتُم فقُومُوا عنه)). قال أبو عبد الله: سمع عبدُ الرحمن سَلّاماً. ٧٣٦٥ - حدَّثنا إسحاقُ، أخبرنا عبدُ الصَّمَد، حدَّثْنَا هَمَّامٌ، حدَّثنا أبو عِمْرانَ الجَوْنيُّ، عن ٣٣٦/١٣ جُندُبٍ بنِ عبدِ الله، أنَّ رسولَ اللهَوَ قال: ((اقرَؤُوا القرآنَ ما اثْتَفَتْ عليه قلوبُكم، فإذا اختَلَفْتُم فقُومُوا عنه)). وقال يزيدُ بنُ هارونَ: عن هارونَ الأعوَرِ، حدّثنا أبو عِمْرانَ، عن جُندُبٍ، عن النبيِّ ◌َ ـلىالله ٧٣٦٦ - حدَّثنا إبراهيمُ بنُ موسى، أخبرنا هشامٌ، عن مَعمَرٍ، عن الزُّهْريِّ، عن عُبَيْدِ الله ابنِ عبدِ الله، عن ابنِ عبَّاسٍ قال: لمَّا حُضِرَ النبيُّ نَّهِ قال: وفي البيتِ رجالٌ فيهم عمرُ بنُ الخطّاب - قال: ((هَلُمَّ أَكْتُبْ لكم كتاباً لن تَضِلُّوا بعدَه)، قال عمرُ: إِنَّ النبيَّ وَ غَبَه الوَجَعُ، وعندَكم القرآنُ، فحَسْبُنا كتابُ الله، واختَلَفَ أهلُ البيتِ. واخْتَصَمُوا. فمنهم من يقولُ: قَرِّبوا يَكتُبْ لكم رسولُ الله ◌َ ﴿ كتاباً لن تَضِلُّوا بعدَه، ومنهم مَن يقولُ ما قال عمرُ، فلمَّا أَكثَروا ١٩٦ باب ٢٦/ح ٧٣٦٤ -٧٣٦٦ فتح الباري بشرح البخاري اللَّغَطَ والاختلافَ عندَ النبيِّ وَّ قال: ((قُومُوا عَنِّي)). قال عُبَيْدُ الله: فكان ابنُ عبَّاسٍ يقولُ: إنَّ الرَّزِيّةَ كلَّ الرَّزِيّةِ ما حالَ بينَ رسولِ الله وَله وبينَ أنْ يَكتُبَ لهم ذلك الكتابَ، مِنِ اختلافِهم ولَغَطِهم. قوله: (باب كراهية الاختلاف)) ولِبعضِهم: الخِلاف، أي: في الأحكام الشَّرعيَّة أو أعمَّ من ذلك، وسَقَطَت هذه التَّرجمة لابنِ بَطّال فصارَ حديثها من ◌ُلة (باب النَّهي للتَّحْرِيمِ)) ووَجَّهَه بأنَّ الأمر بالقيام عند الاختلاف في القرآن للنَّدْبِ لا لتحريمِ القراءَة عند الاختلاف، والأَولى ما وَقَعَ عند الجمهور وبه جَزَمَ الكِرْمانيُّ، فقال في آخر حديث عبد الله بن مُغفَّل (٧٣٦٨): هذا آخر ما أُرِيدَ إيرادُه في الجامع من مسائل أُصول الفقه. قوله: ((حدَّثنا إسحاق)) هو ابن راهويه كما جَزَمَ به أبو نُعَيم في ((المستخرَج)». وقوله في آخره: ((قال أبو عبد الله: سَمِعَ عبدُ الرَّحمن)) يعني: ابن مَهديّ المذكور في السَّنَد ((سَلّاماً)) يعني: بتشديد اللّام، وهو ابن أبي مُطِيع، وأشارَ بذلك إلى ما أخرجه في فضائل القرآن (٥٠٦١) عن عمرو بن عليّ عن عبد الرَّحمن قال: حدَّثنا سَلّم بن أبي مُطِيع، ووَقَعَ هذا الكلام للمُستَملي وحده. قوله: ((وقال يزيد بن هارون ... )) إلى آخره، وَصَلَه الدَّارِميُّ (٣٣٦٠) عن یزید بن هارون لكن قال: عن هَمَّام، ثمَّ أخرجه (٣٣٥٩) عن أبي النُّعمان عن هارون الأعور، وتقدَّم في آخر فضائل القرآن (٥٠٦١) بيانُ الاختلاف على أبي عمران في سَنَد هذا الحديث مع شرح الحديث. وقال الكِرْمانيُّ: ماتَ يزيد بن هارون سنة ستّ ومئتين، فالظّاهر أنَّ رواية البخاريّ عنه تعليق. انتهى، وهذا لا يَتَوقَّف فيه مَن الطَّلَعَ على ترجمة البخاريّ، فإِنَّه لم يَرحَلْ من بُخارَى إلّا بعد موت يزيد بن هارون بمُدَّةٍ. قوله في حديث ابن عبّاس: ((واختَلَفَ أهلُ البيت: اختَصَموا)) كذا لأبي ذرٍّ وهو تفسير لاختَلَفوا، ولغيرِهِ: واختَصَموا، بالواو العاطِفَة، وكذا تقدَّم في آخر المغازي (٤٤٣٢). ١٩٧ باب ٢٧ / ح ٧٣٦٧ -٧٣٦٨ كتاب الاعتصام قوله: ((قال عُبَيد الله)) هو ابن عبد الله بن عُتبةَ، هو موصول بالسَّنَدِ المذكور، وقد تقدَّم بيانُ ذلك في كتاب العلم (١١٤) وفي أواخر المغازي في باب الوفاة النبويَّة. ٢٧ - باب نَهْي النبيِّ وَِّ عن التَّحريم، إلّا ما تُعرَفُ إِباحتُه وكذلك أمرُه، نحو قولِه حينَ أحَلُّوا: ((أَصِيبوا منَ النِّساءِ))، وقال جابرٌ: ولم يَعِزِمْ عليهم، ولكنْ أحَلَّهُنَّ لهم. وقالت أمُّ عَطِيّةَ: نُهِينا عن اتِّباع الجَنازةِ، ولم يُعزَمْ علينا. ٧٣٦٧- حدَّثْنا المكِيُّ بنُ إبراهيمَ، عن ابنِ جُرَيج، قال عطاءٌ: وقال جابرٌ. قال أبو عبد الله: ٣٣٧/١٣ وقال محمَّدُ بنُ بكرٍ، حدَّثنا ابنُ جُرَيج، قال: أخبرني عطاءٌ، سمعتُ جابرَ بنَ عبدِ الله في أُنَاسِ معه قال: أهلَلْنا أصحابَ رسولِ الله وَلّه في الحجّ خالصاً ليسَ معه عُمْرةٌ. وقال عطاءٌ عن جابرٍ: فقَدِمَ النبيُّ ◌َّهِ صُبْحَ رابعةٍ مَضَتْ مِن ذي الِحِجّةِ، فلمَّا قَدِمْنا أُمَرَنا النبيُّ نَّهِ أَنْ نَحِلَّ، وقال: ((أَحِلُّوا وأَصِيبوا منَ النِّساءِ)). قال عطاءٌ: قال جابرٌ: ولم يَعزِمْ عليهم، ولكنْ أحَلَّهُنَّ لهم، فبَلَغَه أنا نقولُ: لمَّا لم يَكُنْ بينَنَا وبينَ عَرَفَةَ إلّا خمسٌِّ، أمَرَنا أنْ نَحِلَّ إلى نسائنا فتَأْتي عَرَفَ تَقْطُرُ مَذاكِيرُنا المَذْيَ! قال: ويقولُ جابرٌ بَيَدِه هكذا؛ وحَرَّكَها، فقامَ رسولُ الله وَّر فقال: ((قد عَلِمتُم أني أتقاكم لله، وأصدَقُكم وأبَرُّكم، ولولا هَذْبِي لَحَلَلتُ كما تَحِلُّونَ، فحِلُّوا، فلوِ استَقِبَلتُ مِن أمري ما استَذْبَرتُ، ما أَهْدَيتُ))، فحَلَلْنا وسَمِعْنا وأطَعْنا. ٧٣٦٨- حدَّثنا أبو مَعمَرٍ، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، عن الحسينِ، عن ابنِ بُرَيدةَ، حدَّثني عبدُ الله المُزَنِيُّ، عن النبيِّ ◌َّةِ، قال: ((صَلُّوا قبلَ صلاةِ المغربِ - قال في الثّالثةِ: لمن شاءَ)) خَشْيَةَ أنْ يَتَّخِذَها الناسُ سُنّةً. قوله: ((باب نَهْي النبيّ وَِّ على التَّحريم)) أي: النَّهيُ الصّادر منه محمول على التَّحريم وهو حقیقةٌ فیه. قوله: (إلّا ما تُعَرَف إياحتُه) أي: بدلالةِ السِّياق أو قَرِينة الحال أو قيام الدَّليل على ذلك. ١٩٨ باب ٢٧/ح ٧٣٦٧ - ٧٣٦٨ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وكذلك أمرُه)) أي: يَجِرُم مُحَالَفتُه لوجوبِ امتثاله ما لم يَقُم الدَّليلُ على إرادة النَّذْب أو غيره. قوله: ((نحو قوله حين أحَلُّوا)) أي: في حَجَّة الوَدَاعِ، لمَّا أَمَرَهم ففَسَخوا الحجَّ إلى العُمرة وَلَّلوا من العُمرة، والمراد بالأمرِ صيغةُ: افعَلْ، والنّهي: لا تَفْعَلْ، واختَلَفوا في قول الصَّحابيّ: أمَرَنا رسولُ اللهَ وَلّل بكذا أو نَهانا عنه، فالرَّاجح عند أكثر السَّلَف أن لا فرقَ، وقد أنهَى بعضُ الأُصولِّينَ صيغةَ الأمر إلى سبعة عشر وجهاً، والنّهي إلى ثمانية أو جُه. ونَقَلَ القاضي أبو بكر بن الطَّيِّب عن مالك والشافعيّ: أنَّ الأمر عندهما على الإيجاب، والنَّهي على التَّحريم، حتَّى يقوم الدّليل على خِلاف ذلك، وقال ابن بَطّال: هذا قول الجمهور، وقال كثير من الشافعيَّة وغيرهم: الأمرُ على النَّدب والنَّهيُ على الكراهة، حتَّى يقوم دليل الوجوب في الأمر، ودليل التَّحريم في النَّهي، وتَوقَّفَ كثير منهم، وسبب تَوقُّهم وُرودُ صيغة الأمر للإيجابِ والنَّدب والإباحة والإرشاد وغير ذلك، وحُجَّة الجمهور أنَّ مَن فعل ما أُمِرَ به استَحقَّ الحمد، وأنَّ مَن تَرَكَه استَحقَّ الذَّمَ، وكذا بالعكس في النَّهي، وقول الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِقُونَ عَنْ أَمْيِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَهُ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٢٣ ] يَشْمَل الأمر والنَّهي، ودَلَّ الوعيدُ فيه على تحريمه فعلاً وتركاً. قوله: ((أَصيبوا من النِّساء)) هو إذنٌّ لهم في جماع نسائهم، إشارةً إلى المبالَغة في الإحلال، إذ الجِمَاعِ يُفسِد النُّسُك دون غيره من مُحرَّمات الإحرام، ووَقَعَ في رواية حَمَّاد بن زيد عن ابن جُرَيجِ في كتاب الشَّرِكَة (٢٥٠٥): فأمَرَنا فجَعَلناها عُمرة، وأن نَحِلَّ إلى نسائنا. ثمَّ ذکر في الباب أحاديث: ٣٣٨/١٣ الأول: قوله: ((وقالت أمّ عَطيّة: نُهِينا عن اتِّباع الجنائز، ولم يَعزَم علينا)» تقدَّم موصولاً في كتاب الجنائز (١٢٧٨)، وبينه وبين حديث جابر فرقٌ من جِهَة اختلاف السَّبَبين، فالقصّة التي في رواية جابر كانت إباحةً بعد حَظْر فلا تَدُلّ على الوجوب للقَرِينةِ المذكورة، لكن ١٩٩ باب ٢٧/ح ٧٣٦٧ -٧٣٦٨ كتاب الاعتصام أرادَ جابر التّأكيد في ذلك، والقصَّة التي في حديث أمّ عَطيّة نَهيُّ بعد إباحة، فكان ظاهراً في التَّحريم، فأرادَت أن تُبيِّن لهم أنَّه لم يُصرِّح لهم بالتَّحريم، والصَّحابيّ أعرَفُ بالمرادِ من غيره، وقد تقدَّم شرح ذلك مُستَوفَى في كتاب الجنائز. الحديث الثاني: قوله: «حدَّثنا المكِّيّ بن إبراهيم، عن ابن جُرَيج، قال عطاء: وقال جابر. قال أبو عبد الله، وقال محمَّد بن بَكْر: حدَّثنا ابن جُرَيج، أخبَرَني عطاء، سمعت جابر بن عبد الله)) أمّا قوله: ((وقال جابر)) فهو معطوف على شيء محذوف يَظهَر ممَّا تقدَّم (١٥٥٧) في (باب مَن أهَلَّ في زمن النبيّ وََّ كَإهلالِ النبيّ ◌َّ)) من كتاب الحجّ، وفي («باب بَعْث عليّ إلى اليمن)) من أواخر المغازي (٤٣٥٢) بهذَينِ السَّنَدَينِ مُعلَّقاً وموصولاً، ولفظه: أمَرَ النبيّ وَ ل﴿ عليّاً أن يُقيم على إحرامه، فذكر هذه القصَّة، ثمَّ قال: وقال جابر: أهلَلْنا بالحجِّ خالِصاً. وأمّا التَّعليق فوَصَلَه الإسماعيليّ من الطَّريق المذكورة عن محمَّد بن بكر، وخَرَّجَه أيضاً من طريق يحيى القَطّان عن ابن جُرَيج، وأفادَت رواية محمَّد بن بكر التَّصريحَ بسماع عطاء من جابر. وقوله: في ((أُناس معه)) فيه الْتِفات ونَسَقُ الكلام أن يقول: معي، ووَقَعَ كذلك في رواية يحيى القَطّان. وقوله: ((أهلَلنا بالحجِّ خالصاً ليس معه عُمرة)) هو محمول على ما كانوا ابتدؤوا به، ثمَّ وَقَعَ الإذن بإدخالِ العُمرة على الحجّ وبفَسْخِ الحجّ إلى العُمرة، فصاروا على ثلاثة أنحاءٍ مِثْ ما قالت عائشة: مِنّا مَن أهَلَّ بحَجِّ، ومِنّا مَن أهَلَّ بعُمْرةٍ، ومِنّا مَن جَمَعَ، وقد تقدَّم ذلك مشروحاً في كتاب الحجّ (١٥٦٢). وقوله: ((وقال عطاء، عن جابر)) هو موصول بالسَّنَدَينِ المذكورَين. قوله: ((صُبْحَ رابِعةٍ)) تقدَّم بيانُه في حديث أنس في الباب المشار إليه. قوله: ((قال عطاء: قال جابر)) هو موصول بالسَّنَدِ المذكور. ٢٠٠ باب ٢٧/ ح ٧٣٦٧ -٧٣٦٨ فتح الباري بشرح البخاري وقوله: ((وقال محمَّد بن بكر، عن ابن جُرَيج)) هو موصول عند الإسماعيليّ كما تقدَّم. قوله: ((ولم يَعْزِم عليهم)) أي: في جماع نسائهم، أي: لأنَّ الأمر المذكور إنَّما كان للإباحة، ولذلك قال جابر: ولكن أحَلَّهُنَّ لهم، وقد تقدَّم في الباب المذكور (١٥٦٤): قالوا: أيُّ الِحِلّ؟ قال: ((الِحِلُّ كلُّه)). قوله: ((فبَلَغَه أنّا نقول: لمَّا لم يَكُنْ بيننا وبين عَرَفَة إلّا خمسُ لَيَالٍ)) أي: أوَّلها ليلة الأحد وآخرها ليلة الخميس، لأنَّ تَوجُّهَهم من مكَّة كان عَشِيَّةَ الأربعاء، فباتوا ليلة الخميس بمِنَّى ودخلوا عَرَفَ يوم الخميس. قوله: ((فَأْتِي عَرَفَ تَقْطُرُ مَذاكِيرُنا المَذْيَ)) في رواية المُستَملي: ((المنيَّ)) وكذا عند الإسماعيليّ، ويُؤْيِّده ما وَقَعَ في رواية حَمَّاد بن زيد (٢٥٠٥) بلفظ: فيَروح أحدُنا إلى مِنَّى وذَكَرُهُ يَقْطُرُ مَنيّاً؛ وإنَّما ذكر مِنَّى، لأنَّهم يَتَوجَّهونَ إليها قبل تَوجُّههم إلى عَرَفَةَ. قوله: ((ويقول جابر بيلِه هكذا؛ وحَرَّكَها)) أي: أمالها، وفي رواية حَمَّد بن زيد بلفظ: فقال جابر بكَفِّه، أي: أشارَ بكَفِّهِ، قال الكِرْمانيُّ: هذه الإشارة لكيفيَّةِ التَّقْطُّر، ويحتمل أن تكون إلى محلّ النَّقْطُّر، ووَقَعَ في رواية الإسماعيليّ: قال: يقول جابر؛ كأنّي أَنظُرُ إلى يده يُرِّكُها؛ وهذا يحتمل أن يكون مرفوعاً. قوله: ((فقامَ رسولُ الله وَّل فقال)) زاد في رواية حَمَّد: خطيباً، فقال: ((بَلَغَني أنَّ أقواماً یقولون كذا وكذا)». قوله: ((قد عَلِمتُم أنّي أتقاكم لله وأصدَقُكم)) في رواية حَمَّد: ((والله لَأَنا أَبَرّ وأتقَى الله منهم)). قوله: ((ولولا هَذْبِي لَحَلَلْتُ كما تَحِلّونَ)) في رواية الإسماعيليّ: ((لَأحلَلتُ))، وكذا مضى في (باب عُمْرة التنعيم)) (١٧٨٥) من طريق حبيب المعلِّم عن عطاء عن جابر، وهما لُغَتان: حَلَّ وأحَلَّ، وتقدَّم شرحُ الحديث هناك، إلّا أنَّه لم يَذْكُر فيه كلام جابر بتمامِه ولا الخُطْبة. قوله: ((فحِلُّوا)) كذا فيه بصيغة الأمر من حَلَّ.