النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
باب ٢٣/ ٧٣٥٥
كتاب الاعتصام
البخاريّ))، وذكر ابن رُشَيد في ((فوائد رِ حَته))، والِيُّ في ((التَّهذيب)): أنَّ في بعض النُّسَخ
القديمة من البخاريّ: حدَّثنا حَمَّاد بن حُميدٍ صاحبٌ لنا، حدَّثنا بهذا الحديث وعُبَيْدُ الله بن
معاذ في الأحياء.
وذكر ابن أبي حاتم في ((الجرح والتَّعديل)): حَمَّاد بن محُميدٍ، نزيل عَسقَلان، رَوَى عن
بِشْر بن بكر وأبي ضَمْرة وغيرهما، وسَمِعَ منه أبو حاتم وقال: شيخ(١). فَزَعَمَ أبو الوليد
الباجيّ في ((رجال البخاريّ)) أنَّه هو الذي رَوَى عنه البخاريّ هنا، وهو بعيد، وقد بيَّنْتُ
ذلك في ((تهذيب التَّهذیب)).
وقد أخرج مسلم (٢٩٢٩) حديثَ الباب عن عُبيد الله بن معاذ بلا واسطة، وهو أحد
الأحاديث التي نَزَلَ فيها البخاريُّ عن مسلم، أخرجها مسلم عن شيخ وأخرجها البخاريُّ
بواسطةٍ بينه وبين ذلك الشَّيخ، وهي أربعة أحاديث ليس في ((الصَّحيح)) غيرها بطريق
التَّصريح، وفيه عِدَّة أحاديث نحو الأربعينَ ممّا يتنزّل مَنْزِلَةَ ذلك، وقد أفرَدتُها في جُزء
جمعتُ ما وَقَعَ للبُخاريِّ من ذلك، فكان أضعافَ أضعافٍ ما وَقَعَ لمسلمٍ، وذلك أنَّ مسلماً
في هذه الأربعة باقٍ على الرِّواية عن الطَّقة الأولى أو الثّانية من شيوخه، وأمّا البخاريُّ فإنَّه
نَزَلَ فيها عن طَبَقَتِهِ العاليَةِ بِدَرَجتَين، مِثالُ ذلك من هذا الحديث: أنَّ البخاريّ إذا رَوَى
حديثَ شُعْبة عالياً كان بينه وبينه راوٍ واحد، وقد أدخَلَ بينه وبين شُعْبة فيه ثلاثة، وأمّا مسلم
فلا يروي حديث شُعْبة بأقلَّ من واسطَتَين.
والحديث الثّاني من الأربعة مضى في تفسير سورة الأنفال (٤٦٤٨ و٤٦٤٩)، أخرجه عن
أحمد وعن محمَّد ابنَي النَّضر النَّيسابوريَّينِ عن عُبَيَد الله بن معاذ أيضاً عن أبيه عن شُعْبة بسندٍ
آخر، وأخرجه مسلم (٢٧٩٦) عن عُبَيد الله بن معاذ نفسه.
والحديث الثّالث أخرجه في آخر المغازي (٤٤٧٣) عن أحمد بن الحسن التِّرمِذيّ عن أحمد بن
حَنْبَل عن مُعتَمِر بن سليمان عن كَهمَس بن الحسن عن عبد الله بن بُرَيدةَ عن أبيه في عَدَد
(١) تحرَّفت في (س) إلى: شيخي.

١٦٢
باب ٢٣/ح ٧٣٥٥
فتح الباري بشرح البخاري
الغَزَوات، وأخرجه مسلم (١٨١٤ / ١٤٧) عن أحمد بن حَنبَل بهذا السَّنَد بلا واسطة.
والحديث الرَّابع وَقَعَ في كتاب كفَّارة الأيمان (٦٧١٥) عن محمّد بن عبد الرحيم - وهو
الحافظ المعروف بصاعِقةً - عن داود بن رُشَيد عن الوليد بن مسلم عن أبي غَسّان محمَّد بن
مُطرِّف عن زيد بن أسلَمَ عن عليّ بن الحُسَين بن عليّ عن(١) سعيد بن مَرْجانة عن أبي
هريرةَ في فضل العِتق، وأخرجه مسلم (٢٢/١٥٠٩) عن داود بن رُشيد نفسه، وهذا ممّا
نَزَلَ فيه البخاريُّ عن طَبَقَتْه دَرَجَتَين، لأنَّه يروي حديث أبي (٢) غَسّان بواسطةٍ واحدة
كسعيد بن أبي مريم، وهنا بينهما ثلاث وسائط، وقد أشرتُ لكلِّ حديث من هذه الأربعة
في موضعه، وجَمَعتُها هنا تتميماً للفائدة.
وعُبَيد الله بن معاذ، أي: ابن معاذ بن نَصْر بن حسَّان العَنبَيّ، وسعد بنُ إبراهيم،
٣٢٥/١٣ أي: ابن عبد الرَّحمن بن عَوْف، وروايته عن محمَّد بن المنكَدِر من الأقران لأنَّه/ من
طَبَقَته.
قوله: ((رأيتُ جابر بن عبد الله يَحلِف)) أي: شاهدتُه حين حَلَفَ.
قوله: ((أنَّ ابن الصَّاه)) كذا لأبي ذرِّ بصيغةِ المبالَغة، ووَقَعَ عند ابن بَطّال ◌ِمِثْلُه لكن بغیرِ
ألف ولام، وكذا في رواية مسلم(٣)، وللباقينَ: ابن الصّائد، بوَزنِ الظّالم.
قوله: (تَحَلِفُ بالله؟ قال: إنّ سمعت عمر ... )) إلى آخره، كأنَّ جابراً لمَّا سَمِعَ عمرَ
تَحَلِفِ عند رسول الله وَّ فلم يُنكِرِ عليه، فَهِمَ منه المطابقة، ولكن بَقِيَ أنَّ شرط العمل
بالتَّقريرِ أن لا يعارضَه التَّصريحُ بخِلَافه، فمَن قال أو فعل بحَضْرَةِ النبيّ ◌َّـ شيئاً فأقَرَّه،
دَلَّ ذلك على الجواز، فإن قال النبيُّ وَّ أو فَعَل(٤) خِلاف ذلك، دَلَّ على نَسخِ ذلك
التَّقرير، إلّا إن ثَبَتَ دليل الْخَصُوصِيَّة.
(١) تحرَّفت في (س) إلى: بن.
(٢) تحرَّفت في (س) إلى: ابن.
(٣) في نسخ مسلم التي بين أيدينا: ابن صائد.
(٤) تحرَّفت في (س) إلى: افعل.

١٦٣
باب ٢٣/ ٧٣٥٥
كتاب الاعتصام
قال ابن بَطّال بعد أن قَرَّرَ دليل جابر: فإن قيل: تقدَّم - يعني كما في الجنائز (١٣٥٤) .
أنَّ عمر قال للنبيِّ وَّهِ في قصَّة ابنِ الصَّاد: دَعني أضرِبْ عُنُقُه، فقال: «إن یکن هو فلن
تُسَلَّطَ عليه))، فهذا صريح في أنَّه تَرَدَّدَ في أمره، يعني: فلا يَدُلّ سكوتُه عن إنكاره عند
حَلِفِ عمر على أنَّه هو. قال: وعن ذلك جوابان: أحدهما: أنَّ التَّرديد كان قبل أن يُعلِمَه الله
تعالى بأنَّه هو الدَّجّال، فلمَّا أعلَمَه لم يُنكِرْ على عمر حَلِفِه، والثّاني: أنَّ العرب قد تُخرِج
الكلام مَخَرَجَ الشّ وإن لم يكن في الخبر شَكٌّ، فيكونُ ذلك من تَلَطَّف النبيّ ◌َّ بعمر في
صَرْفه عن قتله، انتهى مُلخَّصاً.
ثمَّ ذكر ما وَرَدَ عن غير جابر ممَّا يَدُلّ على أنَّ ابن صَيّاد هو الدَّجّال، كالحديث الذي
أخرجه عبد الرَّزّاق (٢٠٨٣٢) بسندٍ صحيح عن ابنِ عمر قال: لَقِيتُ ابنَ صَیّاد يوماً ومعه
رجل من اليهود، فإذا عينُه قد طَفِئَت وهي خارجة مِثلُ عين الجمل، فلمَّا رأيتها قلت:
أنشُدُك اللهَ يا ابن صَيّاد، متى طَفِئَت عينك؟ قال: لا أدري والرَّحمنِ. قلت: كذَبتَ، لا
تدري وهي في رأسك؟! قال: فمَسَحَها ونَخَرَ ثلاثاً، فَزَعَمَ اليهوديّ أنّ ضَرَبتُ بَيَدَيَّ
صَدَرَه، وقلت له: اخسأُ فلن تَعدُوَ قَدْرَك، فذَكَرتُ ذلك لحَفْصةَ، فقالت حَفْصة: اجتَنِب
هذا الرجل، فإنَّما يُتَحدَّث أنَّ الدَّجّال يخرُج عند غضبة يَغْضَبُها، انتھی.
وقد أخرج مسلم (٩٩/٢٩٣٢) هذا الحديث بمعناه من وجه آخَر عن ابنِ عمر،
ولفظه: لَقِيته مرَّتَينٍ، فذكر الأولى ثمَّ قال: لَقِيته لَقيةً أُخرى وقد نَفَرَت عينُه، فقلت: متى
فَعَلَت عينك ما أرَى؟ قال: ما أدري، قلت: لا تدري وهي في رأسك؟! قال: إن شاءَ الله
جعلها في عَصاكَ هذه، ونَخَرَ كأشَدِّ نَخيرِ حمار سمعتُ، فَزَعَمَ أصحابي أنّ ضربتُهُ بعَصاً
كانت معي حتَّى تَكَسَّرَت، وأنا والله ما شَعَرتُ. قال: وجاءَ حتَّى دَخَلَ على أمّ المؤمنينَ
حَقْصة فحَدَّثَها فقالت: ما تريد إليه؟ ألم تَسمَعْ أنَّه قد قال: ((إنَّ أوَّل ما يَبعَثه على الناس
غَضَبٌ یَغضَبُه)).
ثمَّ قال ابن بَطّال: فإن قيل: هذا أيضاً يَدُلّ على التردُّد في أمره، فالجواب: أنَّه إن وَقَعَ

١٦٤
باب ٢٣/ح ٧٣٥٥
فتح الباري بشرح البخاري
الشُّ في أنَّه الدَّجّال الذي يقتله عيسى ابن مريم، فلم يَقَع الشكّ في أنَّه أحد الدَّجّالينَ
الكذّابينَ الذينَ أَنْذَرَ بهم النبيّ وَّه في قوله: ((إنَّ بين يَدَي السّاعة دَجّالينَ كذّابينَ)) يعني:
الحديث الذي مضى معَ شرحه في كتاب الفتن (٧١٢١)، انتهى.
ومُحصَّله عَدَمُ تسليم الجزم بأنَّ الدَّجّال، فيعود السُّؤال الأوَّل عن جواب حَلِف عمر
ثمَّ جابرٍ على أنَّه الدَّجّال المعهود، لكن في قصَّة حَفْصة وابنٍ عمر دليل على أنَّهما أرادا
الدَّجّالَ الأكبر، واللّام في القصَّة الواردة عنهما للعَهدِ لا للجنس. وقد أخرج أبو داود
(٤٣٣٠) بسندٍ صحيح عن موسى بن عُقْبة عن نافع قال: كان ابن عمر يقول: والله ما
أشُلُّ أنَّ المسيح الدَّجّال هو ابن صَيّاد.
ووَقَعَ لابنِ صَيّاد معَ أبي سعيد الخُدرِّ قصَّة أُخرى تتعلَّق بأمرِ الدَّجّال، فأخرج
مسلم (٢٩٢٧) من طريق داود بن أبي هِند عن أبي نَضْرة عن أبي سعيد قال: صَحِبَتي ابن
صَيّاد إلى مكَّة فقال لي: ماذا لقيتُ من الناس يَزِعُمُونَ أنّ الدَّجّال، أَستَ سمعت
رسول الله وَله يقول: ((إنَّه لا يُولَد له))؟ قلت: بلى، قال: فإنَّه قد وُلِدَ لي، قال: أو لَستَ
سمعته يقول: ((لا يَدخُلِ المدينةَ ولا مكَّة)) ؟ قلت: بلى، قال: فقد وُلِدتُ بالمدينةِ وها أنا
أُرِيدَ مكَّة.
٣٢٦/١٣ ومن طريق سليمان التَّيْميِّ عن أبي نَضْرة عن أبي سعيد قال: أخَذَتني من ابنِ صائِدٍ/
ذَمَامةٌ، فقال: هذا عَذَرتُ الناسَ، ما لي وأنتم يا أصحاب محمَّد؟! ألم يَقُل نبيُّ الله وَلِ: ((إِنَّه
- يعني الدَّجَالَ - يهوديٌّ)) وقد أسلَمتُ، فذكر نحوه.
ومن طريق الجُريريّ عن أبي نَضْرة عن أبي سعيد: خَرَجنا حُجّاجاً ومَعَنا ابن صَيّاد،
فَنَزَلنا مَنْزِلاً وتَفرَّقَ الناس، وبَقِيتُ أنا وهو، فاستَوحَشت منه وَحْشةً شديدة ممّا يُقال فيه،
فقلت: الحرّ شديد، فلو وَضَعتَ ثيابك تحت تلك الشَّجَرة ففَعَلَ، فرُفِعَت لنا غنم فانطَلَقَ
فجاءَ بعُسِّ فقال: اشرَبْ يا أبا سعيد، فقلت: إنَّ الحرّ شديد، وما بي إلّا أني أكرَهَ أن أشَرَبَ
من يدِه، فقال: لقد هَمَمتُ أن آخذ حَبلاً فأُعَلِّقه بشَجَرِ ثمَّ أختَنِق به، ممّا يقول لي الناس، یا

١٦٥
باب ٢٣/ح ٧٣٥٥
كتاب الاعتصام
أبا سعيد مَن خَفِيَ عليه حديثُ رسول الله وَِّ مَا خَفِيَ عليكم مَعشَرَ الأنصار، ثمَّ ذکر نحو ما
تقدَّم، وزاد: قال أبو سعيد: حتَّى كِدتُ أَعذِره.
وفي آخر كلِّ من الطُّرق الثَّلاثة أنَّه قال: إنّي لَأعرِفُه وأعرِف مَولِده وأينَ هو الآن، قال
أبو سعيد: فقلت له: تبّاً لك سائرَ اليوم؛ لفظ الجُريريّ.
وأجابَ البَيهَقيُّ عن قصّة ابنِ صَيّاد بعد أن ذكر ما أخرجه أبو داود(١) من حديث أبي
بَكْرة قال: قال رسول الله وَّه: ((يَمكُث أبوا الدَّجّالِ ثلاثين عاماً لا يُولَدُ لهما، ثمَّ يُولَدُ لهما
غلام أعوَرُ أضَرُّ شيءٍ وأقلُّه نفعاً)، ونَعَتَ أباه وأُمَّه، قال: فسَمِعْنا بمولودٍ وُلِدَ في اليهود،
فذهبتُ أنا والزُّبَير بن العَوّام فدَخَلْنا على أبَوَيه، فإذا النَّعت، فقلنا: هل لكما من ولدٍ؟ قالا:
مَكَثنا ثلاثين عاماً لا يولد لنا ثمَّ وُلِدَ لنا غلام أضَرُّ شيء وأقلُّه نَفعاً، الحديث، قال البَيهَقيُّ:
تفرَّد به عليّ بن زيد بن جُدْعان، وليس بالقويّ.
قلت: ويُوهِّي حديثه أنَّ أبا بَكْرة إنَّما أسلَمَ لمَّا نَزَلَ من الطّائف حين حُوصِرَت سنة
ثمان من الهِجرة، وفي حديث ابنِ عمر الذي في ((الصحيحين))(٢) أنَّه ◌َلِّ لمَّا تَوَجَّهَ إلى
النَّخل التي فيها ابن صَيّاد، كان ابنُ صَيّاد يومَئذٍ كالمحتَلم، فمَتَى يُدرِكُ أبو بَكْرة زمانَ
مَولِده بالمدينةِ، وهو لم يَسكُن المدينة إلّا قبل الوفاة النبويَّة بسنتَين، فكيف يَتَأَتَّى أن يكون
في الزَّمَن النبويّ كالمحتَلِم، فالذي في ((الصحيحين)) هو المعتمَد، ولعلَّ الوهمَ وَقَعَ فيما
يقتضي تَراخِي مَولِد ابنِ صَيّاد، أو لا وهمَ فيه، بل يُحمَل قوله: بَلَغَنا أنَّه وُلِدَ لليهودِ مولود،
على تأخّر البلاغ وإن كان مَولِده كان سابقاً على ذلك بمُدَّةٍ، بحيثُ يأتِلِفُ معَ حديث ابنِ
عمر الصَّحيح.
ثُمَّ قال البَيهَقيُّ: ليس في حديث جابر أكثرُ من سكوت النبيّ وَّ على حَلِف عمر،
فيحتمل أن يكون النبيّ وَّ كان مُتَوَقِّفاً في أمره، ثمَّ جاءَه الثَّبتُ من الله تعالى بأنَّه غيرُه على
(١) بل هو عند الترمذي (٢٢٤٨)، وانظر تتمة تخريجه في ((مسند أحمد)) (٢٠٤١٨).
(٢) البخاري (١٣٥٤)، ومسلم (٢٩٣٠).

١٦٦
باب ٢٣/ح ٧٣٥٥
فتح الباري بشرح البخاري
ما تَقْتَضيه قصَّة تميم الدّاريّ، وبه تَمَسَّك مَن جَزَمَ بأنَّ الدَّجّال غيرُ ابنِ صَيّاد، وطريقه
أَصَحّ، وتكونُ الصِّفة التي في ابنِ صَيّاد وافَقَتْ ما في الدَّجّال.
قلت: قصَّة تميم أخرجها مسلم (٢٩٤٢) من حديث فاطمة بنت قيس: أنَّ النبيّ وَّ
خَطَبَ، فذكر أنَّ تميما الدَّارِيّ رَكِبَ في سَفِينة مع ثلاثينَ رجلاً من قومه، فلَعِبَ بهم الموجُ
شهراً ثمَّ نَزَلوا إلى جزيرة فَلَقِيَتهم دابَّة كثيرةُ الشَّعر، فقالت لهم: أنا الجَسّاسَة، ودَلَّتهم على
رجل في الدَّيْرِ، قال: فانطَلَقنا سِراعاً فدَخَلنا الدَّير، فإذا فيه أعظمُ إنسان رأيناه قَطُّ خَلقاً،
وأشَدُّه وَثاقاً، مجموعة يداهُ إلى عُنُقُه بالحديد، فقلنا: ويلك ما أنتَ، فذكر الحديث، وفيه:
أنَّه سألَم عن نبيّ الأُمّيِّينَ هل بُعِثَ، وأنَّه قال: إن يُطيعوه فهو خير لهم، وأنَّه سألهَم عن
بُحَيرة طَبَرِيَّة، وعن عين زُغَر وعن نخلٍ بَيسْان، وفيه أنَّه قال: إنّي مُبِرِكم عنِّي، أنا المسيح،
وإنّي أُوشِك أن يُؤْذَن لي في الخروج فأخرُجَ فأسير في الأرض، فلا أدَعُ قرية إلّا هَبَطَتُها في أربعينَ
ليلة، غيرَ مَّة وطَيْبة، وفي بعض طرقه عند البيهقيِّ: أنَّ شيخ، وسندها صحيح.
قال البَيْهَقيُّ: فيه أنَّ الدَّجّال الأكبر الذي يَخْرُج في آخر الَّمان غير ابنِ صَيّاد، وكان
ابن صَيّاد أحدَ الدَّجّالينَ الكذّابينَ الذينَ أخبَرَ بَّهِ بخروجِهم، وقد خَرَجَ أكثرهم،
وكأنَّ الذينَ يَجْزِمونَ بابنِ صَيّاد هو الدَّجّال لم يَسمَعوا بقصَّةِ تميم، وإلّا فالجمعُ بينهما
بعيد جدّاً، إذ كيف يَلتَئِم أن يكون مَن كان في أثناء الحياة النبويَّة شِبهَ المحتلم،
٣٢٧/١٣ ويَجَتَمِع / به النبيُّ ◌َ له ويسأله، أن يكونَ في آخرها شيخاً كبيراً مسجوناً في جزيرة من
جزائر البحر مُوثَقاً بالحديدِ يَستَفِهِم عن خَبَرِّ النبيّ وَ هل خَرَجَ أو لا؟ فالأَولى أن يُحمَل
على عَدَم الاطّلاع.
أمّا عمر فيحتمل أن يكون ذلك منه قبل أن يسمع قصَّة تميم، ثمَّ لمَّ سَمِعَها لم يَعُد إلى
الحَلِف المذكور.
وأمّا جابر فَشَهِدَ حَلِفَه عند النبيّ ◌َّ فاستَصحَبَ ما كان اطَّلَعَ عليه من عمر بحَضْرةٍ
النبيّ وَ ل﴾، لكن أخرج أبو داود (٤٣٢٨) من رواية الوليد بن عبد الله بن جميع عن أبي

١٦٧
باب ٢٣/ح ٧٣٥٥
كتاب الاعتصام
سَلَمَةَ بن عبد الرَّحمن عن جابر، فذكر قصَّة الجَسّاسَة والدَّجّال بنحو قصَّة تميم، قال - أي:
الوليد -: فقال لي ابن أبي سَلَمَةَ: إنَّ في هذا الحديث شيئاً ما حَفِظتَه، قال: شَهِدَ جابر أنَّه
ابنُ صَيّاد، قلت: فإنَّه قد ماتَ، قال: وإن ماتَ، قلت: فإنَّه أسلَمَ، قال: وإن أسلَمَ، قلت:
فإِنَّه دَخَلَ المدينة، قال: وإن دَخَلَ المدينة. انتهى، وابن أبي سلمة: اسمه عمر، فيه مَقال، ولكنَّ
حديثه حسن(١)، ويُتَعَقَّب به على مَن زَعَمَ أنَّ جابراً لم يَطَّلِع على قصَّة تميم.
وقد تَكلَّمَ ابنُ دَقيق العيد على مسألة النَّقرير في أوائل ((شرح الإلمام)) فقال ما مُلخَّصه:
إذا أَخبرَ شخصٌ بحَضْرةِ النبيّ ◌َِّ عن أمرٍ ليس فيه حُكم شرعيّ، فهَل يكونُ سكوتُه ◌ِله
دليلاً على مُطابقة ما في الواقع، كما وَقَعَ لعمر في حَلِفِه على ابنِ صَيّاد هو الدَّجّال فلم يُنكِرِ
عليه، فَهَل يَدُلّ عَدَمُ إنكاره على أنَّ ابن صَيّاد هو الدَّجّال كما فَهِمَه جابر، حتَّى صارَ يَحَلِفُ
عليه ويَستَنِدِ إلى حَلِفِ عمر، أو لا يَدُلّ، فيه نَظَر. قال: والأقرَب عندي أنَّه لا يَدُلّ، لأنَّ مَأْخَذَ
المسألة ومَناطَها هو العِصْمة من التَّقرير على باطل، وذلك يَتَوقَّف على تَحَقُّق البُطْلان، ولا
يكفي فيه عَدَمُ تَحقَّق الصِّحَّة، إلّا أن يَدَّعيَ مُدَّع أنَّه يكفي في وجوب البيان عَدَم تَحقّق الصِّحَّة،
فيحتاج إلى دليل وهو عاجِز عنه، نَعَم، التَّقريرُ يُسوِّغ الحَلِفَ على ذلك على غَلَبَة الظَّنّ لعَدَمِ
تَوقُّفُ ذلك على العلم، انتهى مُلخَّصاً.
ولا يَلزَمُ من عَدَم تَحَقُّق البُطلان أن يكون السُّكوت مستوي الطَّرَّفَين، بل يجوز أن
يكون المحلوف عليه من قِسم خِلاف الأولى.
قال الخطَّبيُّ: اختَلَفَ السَّلَف في أمرِ ابنِ صَيّاد بعد كِبَرَه، فُرُوِيَ عنه أنَّه تابَ من ذلك
القول وماتَ بالمدينة، وأنَّهم لمَّا أرادوا الصلاة علیه گَشَفوا وجهه حتَّى يراه الناس، وقيل
لهم: اشھَدوا.
وقال النَّوَويُّ: قال العلماء: قصَّة ابنِ صَيّاد مُشكِلة، وأمرُه مُشتَبِهِ، لكن لا شَكَّ أنَّه
(١) وقد أَعلَّ الخبرَ العقيليُّ في ((الضعفاء)) ٣١٧/٤ وابن عدي في (الكامل)) ٧٦/٧ باضطراب الوليد بن
◌ُيع فيه، فمرةً یرویه من حديث جابر وأُخرى من حديث أبي سعيد.

١٦٨
باب ٢٣/ح ٧٣٥٥
فتح الباري بشرح البخاري
دَجّال من الدَّجاجلة، والظّاهر أنَّ النبيّ ◌َّه لم يُوحَ إليه في أمره بشيءٍ، وإنَّما أُوحِيَ إليه
بصفات الدَّجّال، وكان في ابنِ صَيّاد قرائنُ مُحْتَملة، فلذلك كان نَّهُ لا يَقطَع في أمره
بشيءٍ، بل قال لعمر: ((لا خيرَ لك في قتله)) الحديث.
وأمّا احتجاجاتُه هو بأنّه مسلم، إلى سائر ما ذكر، فلا دلالةَ فیه علی دَعْواه، لأنَّ النبيّ
صَلَللّهِ
سام
ـي
إنَّما أخبَرَ عن صفاته وقت خروجه آخرَ الزّمان، قال: ومن جُملة ما في قِصَّته قوله للنبيِّ ◌َّ:
أَتَشْهَدُ أنّي رسول الله، وقوله: إنَّه يأتيه صادِقٌ وكاذبٌ، وقوله: إنَّه تنامُ عينه ولا ينام قلبه،
وقوله: إنَّه يَرَى عَرشاً على الماء، وإنَّه لا يَكرَه أن يكون الدَّجّال، وإنَّه يَعرِفه ويَعرِف مَولِده
وموضعه وأين هو الآن.
قال: وأمّا إسلامُه وحَجّه وجهاده، فليس فيه تصريح بأنَّه غير الدَّجّال، لاحتمالِ أن يُخْتَم له
بالشّ، فقد أخرج أبو نُعَيم الأصبهانيّ في ((تاريخ أصبَهان))(١) ما يُؤيِّد کَونَ ابنِ صَیّاد هو
الدَّجّال، فساقَ من طريق شُبَيل - بمُعجَمةٍ وموخَّدة مُصغَّراً آخره لام - بنِ عَزْرة
- بمُهمَلةٍ ثمَّ زاي بوَزنِ ضَربة - عن حسَّان بن عبد الرَّحمن عن أبيه قال: لمَّ افَتَحنا
أصبَهانَ كان بين عَسكَرِنا وبين اليهوديّة فَرسَخ، فكنَّا نَأتيها فنَمتارُ منها، فأتيتُها يوماً فإذا
اليهود يَزِفِنونَ ويَضِرِبونَ، فسألت صديقاً لي منهم فقال: مَلِكُنا الذي نَستَفْتِح به على
العرب يَدخُل، فِتُّ عنده على سطح فصَلَّيت الغَدَاة، فلمَّا طَلَعَت الشمس إذا الرُّهَجُ من
قِبَل العسكر فنَظَرتُ، فإذا رجل عليه قُبَّه من ريحان واليهود يَزِفِنونَ ويَضِرِبونَ، فَنَظَرت
٣٢٨/١٣ فإذا هو ابن صَيّاد، فدَخَلَ المدينة فلم يَعُدْ حتَّى / السّاعة. قلت: وعبد الرَّحمن أبو(٢) حسَّان
ما عَرَفتُه، والباقونَ ثقات.
وقد أخرج أبو داود (٤٣٣٢) بسندٍ صحيح عن جابر قال: فَقَدْنا ابنَ صَيّاد يوم الحَرَّة،
وبسندٍ حسن مضى السَّبيه عليه، فقيلَ: إِنَّه ماتَ. قلت: وهذا يُضَعِّف ما تقدَّم أنَّه ماتَ بالمدينة،
وأنَّهم صَلَّوا عليه وكَشَفوا عن وجهه، ولا يَلتِمِ خَبَرُ جابر هذا معَ خَبَرِ حسَّان ابن عبد الرّحمن،
(١) ٢٢/١-٢٣ و٢٨٧-٢٨٨، وهو في ((طبقات أصبهان)) (٢٣) لأبي الشيخ.
(٢) في الأصلين و (س): ((بن)) بدل ((أبو))، وهو خطأ، صوابه ما أثبتنا.

١٦٩
باب ٢٣/ح ٧٣٥٥
كتاب الاعتصام
لأنَّ فتحَ أصبهان كان في خِلَافة عمر كما أخرجه أبو نُعَيم في ((تاريخها)) (١٩/١)، وبين قتل عمر
وَقْعة الحَرَّة نحو أربعينَ سنة.
ويُمكِن الحملُ على أنَّ القصَّة إنَّما شاهَدَها والد حسَّان بعد فتح أصبهان بهذه المدَّة، ويكونُ
جواب ((لمَّا)) في قوله: لمَّا افتَتَحْنا أصبهان، محذوفاً تقديره: صِرتُ أَتَعَاهَدُها وأتَرَدَّد إليها
فجَرَتْ قصَّة ابنِ صَيّاد، فلا يَتَّحِدُ زمان فتحها وزمان دخولها ابن صَيّاد.
وقد أخرج الطَّبَرانيُّ في ((الأوسط)) (٤٨٥٩)(١) من حديث فاطمةَ بنتِ قيس مرفوعاً:
((إنَّ الدَّجَال يَخْرُج من أصبَهان))، ومن حديث عِمران بن حُصَينٍ (٢)، وأخرجه(٣) أحمد
(١٣٣٤٤) (٤) بسندٍ صحيح عن أنس، لكن عنده: ((من يهودِيَّة أصبَهان))، قال أبو نُعَيم في ((تاريخ
أصبَهان)): كانت اليهوديّة من جُملة قُرَى أصبَهان، وإنَّما سُمّيَت اليهودِيَّةَ لأنَّها كانت تَخْتَصّ
بسُكنَى اليهود، قال: ولم تَزَلْ على ذلك إلى أن مَصَّرَها أيوبُ بن زياد أمير مِصرَ في زمن المهديّ
ابن المنصور، فسَكَنَها المسلمونَ، وَبَقِيَت لليهود منها قِطعةٌ مُنْفَرِدة.
وأمّا ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة(٥) مرفوعاً قال: ((يَتَبَع الدَّجّالَ سبعونَ ألفاً من
يهود أصبهان)) فلعلَّها كانت: يهوديَّة أصبهان، يريد البلد المذكور لا أنَّ المراد أنَّ جميع أهل
أصبهان يهود، وأنَّ القَدْر الذي يَتَبَعِ الدَّجّالَ منهم سبعون ألفاً، وذكر نُعَیم بن حَمَّاد شيخ
البخاريّ في كتاب ((الفتن)) أحاديثَ تتعلَّق بالذَّجّالِ وخروجه، إذا ضُمَّت إلى ما سَبَقَ
ذِكُرُه في أواخر كتاب الفتن، انتَظَمَت منها له ترجمةٌ تامّة، منها ما أخرجه (١٥٢٥) من
طريق جُبَير بن نُفَير وشُرَيح بن عُبَيد(٦) وعَمرو بن الأسوَد وكَثير بن مُرَّة، قالوا جميعاً:
(١) وهو في ((الكبير)) أيضاً (١٢٧٠) و٢٤/ (٩٥٧).
(٢) في ((الكبير)) ١٨/ (٣٣٨)، وفي ((الأوسط)) (٧١٩١).
(٣) في (س): حين أخرجه، وهو خطأ.
(٤) وهو في ((صحيح مسلم)) برقم (٢٩٤٤) بلفظ: ((يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفاً عليهم
الطيالسة)».
(٥) صوابه: عن أنس، كما في التعليق السابق.
(٦) في ((الفتن)): يزيد بن شريح.

١٧٠
باب ٢٣/ح ٧٣٥٥
فتح الباري بشرح البخاري
الدَّجّال ليس هو إنساناً وإنَّما هو شيطان مُوثَق بسبعينَ حَلْقة في بعض جزائر اليمن، لا
يُعلَم مَن أوثَقَه سليمانُ النبيُّ أو غيره، فإذا آنَ ظُهورُه فكَّ الله عنه كلَّ عام حَلْقة، فإذا بَرَزَ
أتته أَتَانٌ عَرْضُ ما بين أُذُنيها أربعونَ ذِراعاً، فيَضَعُ على ظَهرِها مِنبَرَاً من نُحاسٍ ويَقعُد
عليه، ويَتْبَعه قبائل الجِنّ يُخْرِ جونَ له خزائنَ الأرض.
قلت: وهذا لا يُمكِنُ معه كَونُ ابنِ صَيّاد هو الدَّجّال، ولعلَّ هؤُلاءِ معَ كونهم ثقاتٍ
تَلَقَّوْا ذلك من بعض كتب أهل الكتاب.
وأخرج أبو نُعَيم أيضاً (١٥٢٦) من طريق كَعْب الأحبار: أنَّ الدَّجّال تَلِدُه أمُّه بقُوصَ
من أرضٍ مِصْر، قال: وبين مَولِده وَخَرَجه ثلاثونَ سنة، قال: ولم يَنزِل خَبَرُه في الثَّوراة
والإنجيل، وإنَّما هو في بعض كتب الأنبياء. انتهى، وأَخلِقْ بهذا الخبر أن يكون باطلاً، فإنَّ
الحديث الصَّحيح: أنَّ كلّ نبيّ قبلَ نبيّنا أنذَرَ قومَه الدَّجّال(١).
وكَونُه يُولَدُ قبل ◌َخَرَجه بالمدَّةِ المذكورة مُخَالِفِ لكَونِه ابنَ صَيّاد، ولكَونِهِ مُوثَقاً في جزيرة من
جزائر البحر.
وذكر ابنُ وَصيفِ المؤَرِّخِ: أنَّ الدَّجّال من ولد شَقِّ الكاهن المشهور، قال: وقال:
بل هو شَقُّ نفسه أنظَرَه الله وكانت أمّه حِنيَّة عَشِقَت أباه فأولَدَها، وكان الشَّيطان
يعمل له العجائب، فأخَذَه سليمان فحَبَسَه في جزيرة من جزائر البحر، وهذا أيضاً في
غاية الوَهْي.
وأقرَبُ ما يُجمَع به بين ما تَضَمَّنه حديث تميم وكَونِ ابنِ صَيّاد هو الدَّجّال، أنَّ الدَّجّال
بعينِه هو الذي شاهَدَه تميم مُوثَقاً، وأنَّ ابن صَيّاد شيطان تَبدَّى في صورة الدَّجّال في تلك
المدَّة إلى أن تَوَجَّهَ إلى أصبهان، فاستَتَرَ(٢) معَ قَرِينِه إلى أن تَّجيءَ المدَّة التي قَدَّرَ الله تعالى
خروجه فيها، ولشِدَّةِ الْتِباس الأمر في ذلك سَلَكَ البخاريُّ مَسلَكَ التَّرجيح، فاقتَصَرَ على
(١) سلف برقم (٧١٣١).
(٢) في (أ): فاستقرّ.

١٧١
باب ٢٣/ح ٧٣٥٥
كتاب الاعتصام
حديث جابر عن عمر في ابنٍ صَيّاد، ولم يُخُرِّج حديثَ فاطمة بنت قيس في قصَّة تميم، وقد
تَوهَّمَ بعضهم أنَّه غريبٌ فَرْدٌ، وليس كذلك، فقد رواه مع فاطمة بنت قيس أبو هريرةً
وعائشةُ وجابر.
أمّا أبو هريرةَ، فأخرجه أحمد من رواية عامر الشَّعْبيّ عن / المحرَّر بن أبي هريرةَ عن ٣٢٩/١٣
أبيه بطولِهِ(١)، وأخرجه أبو داود مُتصَراً وابن ماجَهْ عَقِبَ رواية الشَّعْبيّ عن فاطمة، قال
الشَّعْبيّ: فَلَقِيتُ المحرَّر، فذكره (٢)، وأخرجه أبو يعلى(٣) من وجه آخر عن أبي هريرةَ قال:
اسْتَوَى النبيُّ وََّ على المِنِبَر فقال: ((حَدَّثَنِي تميمٌ)) فرأى تميماً في ناحية المسجد - فقال: ((يا تميمُ،
حَدِّث الناس بما حَدَّثتني)) فذكر الحديث، وفيه: فإذا أحدُ مَنخِرَيه مسدود (٤) وإحدَى عينَيَه
مَطموسَة، الحديث، وفيه: لَأَطَأنَّ الأرض بقَدَمَيَّ هاتَينٍ إلّا مگَّة وطابا.
وأمّا حديث عائشة، فهو في الرِّواية المذكورة(٥) عن الشَّعْبيّ قال: ثُمَّ لَقِيتُ القاسم بن
محمَّد فقال: أشهَدُ على عائشة حَدَّثَتني كما حَدَّثَتك فاطمةُ بنتِ قیس.
وأمّا حديث جابر، فأخرجه أبو داود (٤٣٢٨) بسندٍ حسن(٦) من رواية أبي سَلَمةَ عن
جابر قال: قال رسول الله وَ ل﴿ ذاتَ يوم على المِنْبَر: ((إنَّه بَينَما أُناسٌ يسيرونَ في البحر فَنَفِدَ
طعامُهم، فُرُفِعَت لهم جزيرة فخَرَجوا يريدونَ الخبرَ فَلَقِيَّتهم الجَسّاسَة)) فذكر الحديث
وفيه: سؤاله عن نَخلٍ بَيْسان، وفيه: أنَّ جابراً شَهِدَ أنَّه ابن صَيّاد، فقلت: إنَّه قد ماتَ،
قال: وإن ماتَ، قلت: فإنَّه أسلَمَ، قال: وإن أسلَمَ، قلت: فإنَّه دَخَلَ المدينة، قال: وإن
دَخَلَ المدينة. وفي كلام جابر إشارةٌ إلى أنَّ أمره مُلْبِس، وأنَّه يجوز أن يكون ما ظَهَرَ من أمره
(١) لم يخرجه أحمد من هذا الطريق مفرَداً، وإنما ذكه بإثر حديث الشعبي عن فاطمة المطوَّل برقم (٢٧١٠١).
(٢) لم نقف عليه عندهما، ولا عزاه المزيُّ لهما، وإنما وقع هذا لأحمد كما سلف في التعليق السابق.
(٣) في ((مسنده الكبير)) كما في («إتحاف الخيرة)) (٧٥٥٠).
(٤) تحرفت في (س) إلى: ممدود.
(٥) وهي عند أحمد (٢٧١٠١)، وفي إسنادها مجالد بن سعيد، وهو ضعيف.
(٦) سبق قريباً أن نقلنا عن العقيلي وابن عديٍّ أنهما أعلًّا هذا الخبر بالاضطراب.

١٧٢
باب ٢٤/ ح ٧٣٥٦
فتح الباري بشرح البخاري
إذ ذاكَ، لا يُنافي ما تَوقَّعَ منه بعد خروجه في آخرِ الَّمان.
وقد أخرج أحمد (٢١٣١٩) من حديث أبي ذرٍّ: لَأن أحلِفَ عشرَ مِرار أنَّ ابن صَيّاد هو
الدَّجّال، أحَبُّ إليَّ من أن أحلِفَ واحدة أنَّه ليس هو، وسنده صحيح(١)، ومن حديث ابنِ
مسعود نحوُه لكن قال: سبعاً(٢)، بَدَل عشر مرَّات، أخرجه الطََّرانيُّ (١٠١١٩)، والله
أعلم.
وفي الحديث جوازُ الحَلِفِ بما يَغْلِب على الظَّنّ، ومن صُوَره المتَّفَق عليها عند الشافعيَّة
ومَن تَّبِعَهم: أَنَّ مَن وَجَدَ بخَطِّ أبيه الذي يَعِرِفه أنَّ له عند شخص مالاً، وغَلَبَ على ظنّه
صِدقُه، أنَّ له إذا طالَبَه وتَوجَّهَت عليه اليمينُ أن يَحِلِفَ على البَتِّ أنَّه يَسْتَحِقْ قبضَ ذلك
منه.
٢٤ - باب الأحكام التي تُعرَفُ بالدَّلائلِ، و کیف معنى
الدلالةِ وتفسيرها
وقد أخبَرَ النبيُّ وَّرِ أمرَ الخيلِ وغيرِها، ثمَّ سُئلَ عن الحُمُرِ، فَدَهَّم على قولِه تعالى:
﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧].
وسُئلَ النبيُّ نَّه عن الضَّبِّ، فقال: ((لا آكُلُه ولا أُحرِّمُه)).
وأُكِلَ على مائدةِ النبيِّ وَِّالضَّبُّ، فاستَدلَّ ابنُ عبَّاسٍ بأنَّه ليسَ بحرامٍ.
٧٣٥٦ - حدَّثنا إسماعيلُ، حدَّثني مالكٌ، عن زيدِ بنِ أسلَمَ، عن أبي صالحِ السَّان، عن
أبي هُرَيرَةَ عَُّه، أنَّ رسولَ الله وَِّ قال: «الخيلُ لثلاثةٍ: لرجلٍ أجْرٌ، ولرجلٍ سِتْرٌ، وعلى رجلٍ
وِزْرٌ، فأمّا الذي له أجْرٌ، فرجلٌ رَبَطَها في سبيلِ الله، فأطالَ في مَرْجِ أو رَوْضَةٍ، فما أصابَتْ في
طِيَلِها ذلك المَرْجَ والرَّوْضَةَ، كانَ له حسناتٍ، ولو أنَّهَا قَطَعَتْ طِيَلَها فاستَنَّتْ شَرَفاً أو
(١) وعدَّه العقيلي في ((الضعفاء)) ١ / ٢١٧ من منكرات الحارث بن حصيرة أحد رُواتِه. وأما إسناد حديث ابن
مسعود عند الطبراني فضعيف.
(٢) كذا في الأصلين و(س)، وفي المطبوع من ((المعجم الكبير)): ((تسعاً).

١٧٣
باب ٢٤/ح ٧٣٥٦
كتاب الاعتصام
شَرَفَينٍ، كانت آثارُها وأرواتُها حسناتٍ له، ولو أنَّها مَرَّتْ بِنَهرِ فَشَرِبَتْ منه، ولم يُرِدْ أنْ يَسْقِيَ
به، كانَ ذلك حسناتٍ له، وهي لذلك الرجلِ أجْرٌ، ورجلٌ رَبَطَها تَغْنِّاً وتَعَفُّفاً، ولم يَنْسَ حَقّ
الله في رِقابها ولا ظُهورِها، فهي له سِترٌ، ورجلٌ رَبَطَها فَخْراً ورِياءً، فهي على ذلك وِزْرٌ)).
وسُئلَ رسولُ اللهِ وَِّ عن الحُمُرِ، قال: ((ما أَنزَلَ الله عليَّ فيها إلّ هذه الآيةَ الفاذّةَ الجامِعةَ:
فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ / ذَرَّةٍ خَيْرَايَرَهُ، ٥) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّا يَرَهُ﴾)».
٣٣٠/١٣
قوله: ((باب الأحكام التي تُعرَف بالدَّلائلِ)) كذا للأكثر، وفي رواية الكُشمِيهَنِيّ: ((بالدَّليلِ))
بالإفراد، والدَّليل: ما يُرشِد إلى المطلوب ويَلزَم من العلم به العلمُ بوجودِ المدلول، وأصله في
اللُّغة: مَن أرشَدَ قاصدَ مكانٍ ما إلى الطَّريق/ المُوصِل إليه.
٣٣١/١٣
قوله: ((وكيف معنى الدّلالة وتفسيرها)) يجوز في الدّلالة فتح الدّال وكسرها، وحُكيَ الضَّمّ،
والفتحُ أعلى، والمراد بها في عُرْف الشَّرع: الإرشاد إلى أنَّ حُكْم الشيء الخاصّ الذي لم يَرِدْ
فيه نَصِّ خاصّ داخل تحت حُكم دليل آخَرَ بطريق العُموم، فهذا معنى الدّلالة، وأمّا
((تفسيرها)) فالمراد به تبيينُها، وهو تعليم المأمور كيفيَّةَ ما أُمِرَ به، وإلى ذلك الإشارة في ثاني
أحاديث الباب، ويُستَفاد من التَّرجمة بيانُ الرَّأي المحمود، وهو ما يُؤْخَذ ممّا ثَبَتَ عن النبيّ ◌ِّ
من أقواله وأفعاله بطريق التَّنصيص وبطريق الإشارة، فيَندَرِج في ذلك الاستنباطُ، ويَخْرُج
الجُمود على الظّاهر المَحْض.
قوله: ((وقد أخبر النبيُّ وَّه عن أمر الخيل ... )) إلى آخره، يشير إلى أوَّل أحاديث الباب، ومُرادُه
أنَّ قوله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ إلى آخر السّورة، عامّ في العامل وفي
عمله، وأَنَّه ◌َِّ لِمَّا بَيَّن حُكمَ اقتناء الخيل وأحوال مُقتَنيها وسُئلَ عن الحُمُر، أشارَ إلى أنَّ حُكمَها
وحُكمَ الخيل وحُكمَ غيرها مُندَرِج في العُموم الذي يُستَفاد من الآية.
قوله: ((وسُئلَ عن الضَّبّ ... )) إلى آخره، يشير إلى ثالث أحاديث الباب، ومرادهُ بيانُ
حكم تقريره وَّ، وأنَّه يُفيد الجوازَ إلى أن تُوجَد قَرِينة تَصِرِفُه إلى غير ذلك.
ثمَّ ذکر فیه خمسة أحادیث:

١٧٤
باب ٢٤/ ح ٧٣٥٦
فتح الباري بشرح البخاري
الحديث الأول: حديث أبي هريرةَ: ((الخيل لثلاثةٍ))، وقد مضى شرحه في كتاب الجهاد
(٢٨٦٠).
قوله: ((وسُئلَ)) أي: النبيّ وََّ، واسم السّائل عن ذلك يُمكِن أن يُفسَّر بصَعصَعةَ بن
معاوية عَمِّ الأحنَف التَّميميّ، وحديثه في ذلك عند النَّسَائِيِّ في التَّفسير (ك١١٦٣٠)،
وصَخَّحَه الحاكم (٦١٣/٣) ولفظه: قَدِمتُ على النبيّ وَلَّ فسمعته يقول: ((مَن يَعمَلْ
مِثْقَالَ ذَرَّة خيراً يَرَه)) - إلى آخَرِ السّورة - قال: ما أُبالي أن لا أسمَعَ غيرها، حَسْبِي حَسْبِي.
وحكى ابن بَطّال عن المهلَّب: أنَّ هذا الحديث حُجَّة في إثبات القياس؛ وفيه نَظَرٌ تقدَّم
التَّنبيه عليه عند شرحه في كتاب الجهاد، وأشرتُ إليه في ((باب تعليم النبيِّ وَ ◌ِّ أَمَّته))(١).
الحديث الثاني:
٧٣٥٧- حدَّثنا يحيى، حذَّثنا ابنُ عُبَينَةَ، عن منصورِ ابن صَفِيّةَ، عن أمِّه، عن عائشةَ: أنَّ
امرأةً سألَتِ النبيَّ ◌ِّ.
حدَّثنا محمَّدٌ - هو ابنُ عُقْبَةَ - حدَّثنا الفُضَيلُ بنُ سليمانَ النُّمَيِيُّ البَصْرِيُّ، حدَّثنا منصورُ
ابنُ عبدِ الرَّحمنِ ابنُ شَيْبةَ، حَدَّثَتْني أمّي، عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ امرأةً سألَتِ النبيَّ ◌َِه
عن الحيضِ كيفَ تَغتسِلُ منه؟ قال: ((تَأْخُذِينَ فِرْصةً مُمسَّكَةً، فَتَوَضَّئِينَ بها)) قالت: كيفَ
أتَوَضَّأُ بها يا رسولَ الله؟ قال النبيُّ ◌َ: ((تَوَضَّتي)) قالت: كيفَ أتوضَّأُ بها يا رسولَ الله؟ قال
النبيُّ مَ: (تَوَضَِّئِينَ بها)). قالت عائشةُ: فَعَرَفتُ الذي يريدُ رسولُ اللهِ وَّةِ، فَجَذَبتُها إليَّ
فعَلَّمُها.
قوله: ((حذَّثنا يحيى)) كذا لأبي ذرِّ غيرُ منسوب، وصنیعُ ابن السَّكن يقتضي أنَّه ابن موسی
البَلْخيّ، وتقدَّمَت إليه الإشارة في كتاب الطَّهارة (٣١٤ و٣١٥)، وجَزَمَ الكَلَاباذي ومَن
تَبِعَه كالبَيَهَقيِّ بأنَّه ابنُ جعفر الپیگنديّ.
قوله: ((عن منصور بن عبد الرَّحمن)) في رواية الحميديّ في ((مُسنَده)) (١٦٧) عن سفيان:
(١) سلف هذا الباب في الاعتصام برقم (٩)، وليس فيه إشارة إلى هذا الحديث ولا إلى المعنى المستنبط منه.

١٧٥
باب ٢٤/ح ٧٣٥٧
كتاب الاعتصام
حدَّثنا منصور، وهو عند أبي نُعَيم في ((المستخرَج)) من طريق الحُميديّ، وعبدُ الرَّحمن والد
منصور المذكور: هو ابن طَلْحة بن الحارث بن طلحة بن أبي طلحة بن عبد الدّار العبدَريّ
الحَجَبِيّ كما تقدَّم في كتاب الحيض، ووَقَعَ هنا: منصور بن عبد الرَّحمن ابن شَيْبة؛ وشَيْبة إنّما
هو جَدُّ منصور لأُمِّه، لأنَّ اسم أمّه صَفيَّة بنت شَيْبة بن عثمان بن أبي طلحة الحَجَبيّ، وعلى
هذا فيُكتَب ابنُ شَيْبة بالألف، ويُعرَب إعرابَ منصور لا إعرابَ عبد الرَّحمن، وقد تَفَطَّنَ
لذلك الكِرْمانيُّ هنا، ولصَفيَّة ولأبيها صُحْبة.
قوله: ((أنَّ امرأةً سألَت النبيَّ ◌َّ) كذا ذكر من المتن أوَّله ثمَّ تَحوَّلَ إلى السَّنَد الثّاني.
ومحمَّد بن عُقْبة شيخه: هو الشَّيبانيُّ يُكنَى أبا عبد الله فيما جَزَمَ به الكلاباذي، وحكى
المُِّّ(١) أنَّه يُكنَى أبا جعفر، وهو كوفيّ، قال أبو حاتم: ليس بالمشهور. وتُعقِّبَ بأنَّه رَوَى
عنه مع البخاريّ يعقوبُ بن سفيان وأبو كُرَيب وآخرون، ووثَّقه مُطيَّن وابن عَديٌّ
وغيرهما، قال ابن حِبّان: ماتَ سنة خمس عشرة. قلت: فهو من قُدَماء شيوخ البخاريّ، ما
له عنده سوى هذا الموضع فيما ذكر الكَلَاباذي، لكنَّه مُتَعقَّب بأنَّ له موضعاً آخَر، تقدَّم في
الجُمُعة (٩٤٠)، وآخَر في غَزْوة المُرَيسِيع (٤١٤٥)، وله في الأحاديث الثَّلاثة عنده مُتابع،
فما أخرج له شيئاً استقلالاً، ولكنَّه ساقَ المتنَ هنا على لفظه، وأمّا لفظ ابن عُيَينةَ فيه فتقدَّم
في الطَّهارة (٣١٤).
وتقدَّم هناك أنَّ اسم المرأة السّائلة أسماءُ بنت شَكَلٍ، بمُعجَمٍ وكافٍ مفتوحَتَينِ ثمَّ لام،
وقيل: اسم أبيها غير ذلك کما تقدَّم مع سائر شرحه.
قال ابن بَطّال: لم تَفْهَم السّائلة غَرَضَ النبيّ ◌َله لأنَّها لم تكن تَعرِف أنَّ تَتَبُّع الدَّم
بالفِرْصَةِ يُسَمَّى تَوَضُّواً إذا اقتَرَنَ بذِكر الدَّم والأذى، / وإنَّما قيل له ذلك لكَونِه ممّا يُستحيا ٣٣٢/١٣
من ذِكره، ففَهِمَت عائشة غَرَضَه، فبيَّنْت للمرأة ما خَفِيَ عليها من ذلك.
وحاصله: أنَّ المجمَل يُوقَف على بيانه من القرائن وتَخْتَلِف الأفهامُ في إدراكه، وقد
(١) تحرَّفت في الأصلين إلى: المزني.

١٧٦
باب ٢٤/ح ٧٣٥٨ -٧٣٥٩
فتح الباري بشرح البخاري
عَرَّفَ أئمّة الأُصول المجمَلَ بما لم تَتَّضِحْ دلالتُه ويَقَعُ في اللَّفظ المفرَد، كالقُرْءِ لاحتمالِه
الطُّهرَ والحيض، وفي المرَّب، مثل: ﴿أَوْ يَعْفُواْ الَّذِى بِيَدِهِ، عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]
لاحتمالِهِ الَّوجَ والوَليّ، ومن المفرَد الأسماء الشَّرعيَّة مثل: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾
[البقرة: ١٨٣] فقيلَ: هو مُجُمَل لصلاحيَّتِه لكلِّ صوم، ولكنَّه بيَّن بقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾
[البقرة: ١٨٥]، ونحوه حديث الباب في قوله: (تَوَضَّئي))، فإنَّه وَقَعَ بيانه للسّائلةِ بما فَهِمَته
عائشة رضي الله عنها وأُقِرَّت على ذلك، والله أعلم.
الحديث الثالث: حديث ابن عبّاس.
٧٣٥٨- حدَّثْنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو عَوَانَةَ، عن أبي بِشْر، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن
ابنِ عبَّاسٍ: أنَّ أمّ حُفَيدٍ بنتَ الحارثِ بنِ حَزْنٍ أَهْدَتْ إلى النبيِّ وَّ سَمْناً وَأَقِطاً وأَضُبّاً، فَدَعَا
بِنَّ النبيُّ ◌َِّ فَأَكِلْنَ على مائدِهِ، فَتَرَكَهُنَّ النبيُّ ◌َّه كالمتقدِّرِ هنَّ، ولو كُنَّ حراماً ما أُكِلْنَ على
مائدتِه، ولا أمَرَ بأکلِهِنَّ.
قوله: ((أُمّ حُفَيدٍ)) بِمُهمَلة وفاء مُصغَّر، اسمها هُزَيلُة - بزاي مُصغَّر - بنت الحارث الهلاليَّة
أُخت ميمونة أمّ المؤمنين، وهي خالة ابن عبّاس وخالة خالد بن الوليد، واسم أمّ كلٍّ منهما لُبَابة،
بضمِّ اللّام وتخفيف الموحّدة وبعد الألفِ أُخرى.
قوله: ((وأضُبّا)) بضمِّ الضّاد المعجَمة وتشديد الموخَّدة جمع: ضَبٍّ، ووَقَعَ في رواية
الگُشمِیھنيِّ بالإفراد.
قوله: ((كالمتقدّرِ لهنَّ» بقاف ومُعجَمة، في رواية الكُشمِيهَنيِّ: ((له)) وكذا في قوله: ((ما
أُكِلنَ))، وتقدَّم شرح هذا الحديث مُستَوقَى في كتاب الأطعمة(١).
الحديث الرابع: حديث جابر في أكل الثُّوم والبصل.
٧٣٥٩ - حدّثنا أحمدُ بنُ صالح، حدَّثنا ابنُ وَهْب، أخبرني يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ، أخبرني
عطاءُ بنُ أبي رَبَاحِ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله، قال: قال النبيُّ وََّ: «مَنْ أَكَلَ ثُوماً أو بَصلاً فلْيَعْتَزِلْنا
(١) بل في الذبائح والصيد برقم (٥٥٣٧).

١٧٧
باب ٢٤/ح ٧٣٥٩
كتاب الاعتصام
- أو ليَعْتَزِلْ مسجدَنا - ولْيَقعُّدْ في بيتِه))، وإِنَّهِ أُتيَ بَدْرٍ - قال ابنُ وَهْب: يعني: طَبَقاً فيه خَضِراتٌ
مِن بُقولٍ - فوَجَدَ لها رِيحاً فسألَ عنها، فأُخبِرَ بما فيها منَ البُقولِ، فقال: ((قَرِّبُوها)» فقَرَّبوها إلى
بعضٍ أصحابِهِ كانَ معه، فلمَّا رَآهَ كَرِهَ أكلَها قال: «كُلْ، فإنّي أُناچِي مَن لا تُناچِي)».
وقال ابنُ عُفَيٍ، عن ابنِ وَهْب: (بقِدْرٍ فيه خَضِراتٌ)). ولم يَذكُرِ اللَّيْثُ وأبو صَفْوانَ عن
يونُسَ قصَّةَ القِدْرِ، فلا أَدْري هو مِن قولِ الزُّهْريِّ، أو في الحديثِ.
قوله: ((ولْيَقْعُد)) في رواية الكُشمِيهَنيّ: ((أو لِيَقعُد)) بزيادةِ الألف في أوَّله.
قوله: ((أُتيَ بَبَدْرٍ، قال ابن وَهْب: يعني طَبَقاً)) هو موصول بسندِ الحديث المذكور.
قوله: ((فقَرَّبوها إلى بعض أصحابه كانَ معه)) هو منقول بالمعنى، لأنَّ لفظه ◌َّ: (قَرِّبوها
لأبي أيوب))، فكأنَّ الرَّاوي لم يَحَفَظْه فَكَنَّى عنه بذلك، وعلى تقدير أن لا يكون النبيُّ وَّه
عَيَّنَه ففيه الْتِفات، لأنَّ نَسَقَ العِبارة أن يقول: إلى بعض أصحابي، ويُؤيِّد أنَّه من كلام
الرّاوي قولُه بعده: کان معه.
قوله: ((فلمَّا رَآهَ كَرِهَ أكلَها)) فاعل ((كَرِه)) هو أبو أيوب، وفيه حذفٌ تقديره: فلمَّا رَآه
امتَنَعَ من أكلها وأمَرَ بتقريبها إليه، كَرِهَ أكلها، ويحتمل أن يكون التَّقدير: فلمَّا رَآه لم يَأْكُل
منها كَرِهَ أكلها، وكأنَّ أبا أيوب اسْتَدَلَّ بعُموم قوله تعالى: ﴿ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ
حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] على مشروعيَّة مُتَابَعَته في جميع أفعاله، فلمَّ امتَنَعَ النبيُّ ◌ٍَّ من
أكل تلك البُقول، تَأسَى به، فبيَّن له النبيُّ وَّهِ وجهَ تخصيصه، فقال: ((إنّ أُناجي مَن لا
تُناجي)).
ووَقَعَ عند مسلم (٢٠٥٣) في رواية له من حديث أبي أيوب - كما تقدَّم في شرح هذا
الحديث في أواخر كتاب الصلاة (٨٥٤) قبل كتاب الجُمُعة -: ((إنّي أخاف أن أوذِيَ صاحبي))،
وعند ابن خُزَيمةَ (١٦٧٠): ((إنّي أَستَحيي من ملائكة الله وليس بمُحرَّم)).
قال ابن بَطّال: قوله: ((قَرِّبوها)) نَصِّ على جواز الأكل، وكذا قوله: ((فإنّي أُناجي ... )) إلى
آخره. قلت: وتَکمِلَته ما ذَکَرتُه.

١٧٨
باب ٢٤/ ح ٧٣٦٠
فتح الباري بشرح البخاري
واستُدِلَّ به على تفضيل الملَك على البشر، وفيه نَظَر، لأنَّ المراد بمَن كَانَ وَّه ◌ُنَاجِيهِ مَن
يَنْزِلُ عليه بالوحي، وهو في الأغلَب الأكثر جِبريلُ، ولا يَلَزَم من وجود دليل يَدُلّ على
أفضَليَّة جِبريل على مِثل أبي أيوب، أن يكون أفضَلَ مَمَّن هو أفضَلُ من أبي أيوب، ولا سيّما
إن كان نبيّاً، ولا يَلزَمُ من تفضيل بعض الأفراد على بعضٍ تفضيلُ جميع الجِنس على جميع
الجِنس.
قوله: (وقال ابن عُفَير)) هو سعيد بن كثير بن عُفَير، بمُهمَلٍ وفاء مُصغَّر، نُسِبَ لجدِّه، وهو
من شيوخ البخاريّ، وقد صَرَّحَ بتحديثِه له في المكان الذي أشرتُ إليه وساقَه على لفظه،
وساقَ عن أحمد بن صالح الذي ساقَه هنا قِطعةً منه، وزاد هناك عن اللَّيث وأبي صفوان
طَرَفاً منه مُعلَّقاً، وذكرتُ هناك مَن وَصَلَهما.
الحديث الخامس:
٧٣٦٠ - حدَّثَنِي عُبَيْدُ الله بنُ سعدِ بنِ إبراهيمَ، حدَّثنا أَبي وعَمِّي، قالا: حدَّثنا أَبي، عن
أبيه، أخبرني محمَّدُ بنُ جُبَيٍ، أَنَّ أباه جُبَيرَ بنَ مُطعِمٍ أخبَرَه: أنَّ امرأةً أَتَتْ رسولَ الله وَه
فكَلَّمَتْه في شيءٍ، فأمَرَها بأمرٍ، فقالت: أرأيتَ يا رسولَ الله إنْ لم أجِدْكَ؟ قال: ((إنْ لم تَجِدِيني
فأُتي أبا بكر)).
زاد الْحُميديُّ، عن إبراهيمَ بنِ سعدٍ: كأنَّها تَعْني الموتَ.
قوله: ((حدَّثْنا أَبي وعَمّي)) اسم عَمّه يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن
عبد الرَّحمن بن عَوف، قال الدِّمياطيّ: ماتَ يعقوب سنة ثمان ومئتين، وكان أصغرَ من
أخيه سعد، انفَرَدَ به البخاريّ، واتَّفَقا على أخيه. انتهى، وظنَّ بعض مَن نَقَلَ كلامه أنَّ
٣٣٣/١٣ الضَّمير في قوله: ((أخيه)) ليعقوب، ومُقتَضاه/ أن يكون اتَّفَقا على التَّخريج لسعدٍ، ثمَّ
اعتُرِضَ بأنَّ الواقع خِلَافه، وليس كما ظنَّ، والاعتراضُ ساقط، والضَّمير إنَّما هو لسعدٍ
والمتَّفَق عليه يعقوب، والضَّمير في قوله: ((به))(١) لأقرب مذكور، وهو سعيد، لا ليعقوب
(١) لفظ ((به)) سقط من (س).

١٧٩
باب ٢٤/ ح ٧٣٦٠
كتاب الاعتصام
المحدَّث عنه أوَّلاً.
قوله: ((قالا: حدَّثنا أَبي)) أي: قال كلٌّ منهما ذلك.
قوله: ((أنَّ امرأة)» تقدَّم في مناقب الصِّدّيق (٣٦٥٩) شرح الحديث وأَّها لم تُسمَّ.
قوله: ((زاد)) لنا الحُميديّ، عن إبراهيم بن سَعْد ... )) إلى آخره، يريد بالسَّنَد الذي قبله
والمتن كلّه، والمزيد هو قوله: ((كأنَّها تعني الموت))، وقد مضى في مناقب الصِّدّيق بلفظ:
حدَّثنا الحميديّ ومحمَّد بن عبد الله قالا: حدَّثنا إبراهيم بنُ سعد، وساقَه بتمامه وفيه الزّيادة،
ويُستفاد منه أنَّه إذا قال: زادنا، وزادَ لنا، وكذا زادني، وزاد لي، ويلتحق به: قال لنا، وقال
لي، وما أشبَهَها، فهو كقوله: حدَّثنا، بالنّسبةِ إلى أنَّه ◌َمَلَ ذلك عنه سماعاً؛ لأنَّه لا يَسْتَجِيزُها
في الإجازة، ومحلُّ الردّ ما يُشعِر به كلامُ القائل من التَّعميم، وقد وُجِدَ له في موضع زادَنا:
حدَّثنا، وذلك لا يَدفَع احتمالَ أنَّه كان يستجيز في الإجازة أن يقول: قال لنا، ولا يستجيز:
گّئنا.
حدَّ
قال ابن بَطّال: اسْتَدَلَّ النبيُّ ◌َ له بظاهرِ قولها: فإن لم أجِدْك، أنَّها أرادت الموتَ فأمَرَها
بإتيان أبي بكر، قال: وكأنَّه اقتَرَنَ بسؤالها حالةٌ أفهَمَت ذلك وإن لم تَنطِقْ بها. قلت: وإلى
ذلك وَقَعَت الإشارة في الطَّريق المذكورة هنا التي فيها: كأنَّها تعني الموت، لكن قولها: فإن
لم أجِدْك، أعمُّ في النَّفي من حال الحياة وحال الموت، ودلالته لها على أبي بكر مُطابِقٍ لذلك
العُموم، وقول بعضهم: هذا يَدُلّ على أنَّ أبا بكر هو الخليفة بعد النبيّ ێ، صحيح، لكن
بطريق الإشارة لا التَّصريح، ولا يعارض جَزْمَ عمر بأنَّ النبيّ وَّه لم يَسْتَخْلِف، لأنَّ مُرادَه
نَفْي النَّصّ على ذلك صريحاً، والله أعلم.
قال الكِرْمانيُّ: مُناسَبة هذا الحديث للتَّرجمةِ: أنَّه يُستَدَلّ به على خِلَافة أبي بكر، ومُناسَبة
الحديث الذي قبله لأنَّه يُستَدَلّ به على أنَّ الملَك يَتَأذَّى بالرَّائحةِ الكريهة. قلت: في هذا
الثّاني نَظَر؛ لأنَّه قال في بعض طرق الحديث(١): ((فإنَّ الملائكة تَتَأْذَّى مَا يَتَأْذَّى منه بنو آدم))،
(١) عند مسلم برقم (٥٦٣) و(٥٦٤) من حديث جابر.

١٨٠
باب ٢٥/ ح ٧٣٦١
فتح الباري بشرح البخاري
فهذا حُكْم يُعرَف بالنَّصّ، والتَّرجمة بحكم يُعرَف بالاستدلال، فالذي قاله في خلافة أبي
بكر، مُستَقيم بخِلَاف هذا، والذي أشرتُ إليه من استدلال أبي أيوب على كراهية أكل الثُّوم
بامتناع النبيِّ ◌َِّ مِن جِهَة عُموم التََّسّي، أقرَبُ مَمَّا قَالَه.
٢٥ - باب قولِ النبيِّ وَّ: ((لا تَسْألُوا أهلَ الكتاب عن شيءٍ))
٧٣٦١- وقال أبو اليَمَان: أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، أخبرني مُميدُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ،
سَمِعَ معاويةَ يُحدِّثُ رَهْطاً مِن قُرَيشٍ بالمدينةِ، وَذَكَرَ كعبَ الأحبارِ، فقال: إنْ كانَ مِن أصدَقِ
هؤلاءِ المحدِّثِينَ الَّذِينَ يُحدِّثونَ عن الكتاب، وإنْ كنَّا معَ ذلك لَنَبلُو عليه الكذبَ.
٣٣٤/١٣
قوله: ((باب قول النبيّ وَلّ: لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء)) هذه التَّرجمة لفظ حديث
أخرجه أحمد (١٥١٥٦) وابن أبي شَيْبة (٩/ ٤٧) والبزَّار(١) من حديث جابر: أنَّ عمر أتى
النبيَّ ◌َّ بكتابِ أصابَه من بعض أهل الكتاب، فقرأه عليه فغَضِبَ، وقال: «لقد جِئْتُكم
بها بَيضاءَ نَقيَّة، لا تسألوهم عن شيء فيُخبِرِوكم بحَقِّ فتُكذِّبوا به، أو بباطلٍ فَتُصدِّقوا به،
والذي نفسي بيده، لو أنَّ موسى كان حَيّاً ما وَسِعَه إلّا أن يَتَّبِعَنِي)) ورجاله موثَّقونَ إلّا أنَّ
في مُجالد ضَعفاً.
وأخرج البزَّار أيضاً من طريق عبد الله بن ثابت الأنصاريّ: أنَّ عمر نَسَخَ صحيفة
من التَّوراة، فقال رسول الله وَّ: ((لا تسألوا أهلَ الكتاب عن شيءٍ)) (٢)، وفي سنده جابر
الجُعفيُّ وهو ضعيف، واستَعمَلَه في التَّرجمة لوُرودِ ما يَشهَد بصِخَّتِه من الحديث
الصَّحيح.
وأخرج عبد الرَّزّاق (١٠١٦٢ و١٩٢١٢) من طريق حُرَيث بن ظُهَير قال: قال عبد الله:
لا تسألوا أهلَ الكتاب، فإنَّهم لن يَهدُوكم وقد أضَلُّوا أنفسهم فتُكذِّبوا بحَقِّ أو تُصدِّقوا
بباطلٍ.
(١) ((كشف الأستار عن زوائد البزار)) (١٢٤).
(٢) هو في ((كشف الأستار)) برقم (١٢٥)، وفي ((مسند أحمد)) أيضاً برقم (١٥٨٦٤).