النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ باب ١٦/ح ٧٣٢٣ كتاب الاعتصام. عُبَيدِ الله بنِ عبدِ الله، قال: حدَّثني ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: كنتُ أَقْرِئُ عبدَ الرَّحمنِ بنَ عَوْفٍ، فلمَّا كانَ آخِرُ حَجّةٍ حَجَّها عمرُ فقال عبدُ الرَّحمنِ بِمِنَّى: لو شَهِدْتَ أميرَ المؤمنينَ أتاه رجلٌ قال: إنَّ فلاناً يقولُ: لو ماتَ أميرُ المؤمنينَ لَبايعْنا فلاناً، فقال عمرُ: لأقومَنَّ العَشِيّةَ فَأُحَذِّرَ هؤلاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ يريدونَ أنْ يَغْصِبوهم. قلتُ: لا تَفْعَل، فإنَّ المَوْسِمَ تَجِمَعُ رَعاعَ الناسِ يَغْلِبونَ على تَجْلِسِكَ، فأخافُ أنْ لا يُنزِّلوها على وجهِها، فيَطِيرُ بها كلُّ مُطِيرٍ، فأمْهِلْ حتَّى تَقْدَمَ المدينةَ دارَ الهِجْرة ودارَ السُّنّة، فَتَخلُصَ بأصحاب رسولِ اللهِ وَّهِ مِنَ المهاجِرِينَ والأنصار، فَيَحْفَظوا مَقالتَكَ، ويُنزِّلوها على وجهِها. فقال: والله لأقومَنَّ به في أوَّلِ مَقامِ أقومُه بالمدينة. قال ابنُ عبَّاسٍ: فقَدِمْنا المدينةَ، فقال: إنَّ الله بَعَثَ محمَّداً بالحقِّ، وأَنزَلَ عليه الكتابَ، فكان فيما أُنزِلَ آيَةُ الرَّجْمِ. حديث ابن عبّاس: كنت أُقرِئ عبدَ الرَّحمن بن عَوف ... الحديث في خُطبة عمر الذي تقدَّم بطولِه مشروحاً في ((باب رَجم الحُبلى)) من الحدود (٦٨٣٠)، وذكر هنا منه طَرَفاً، والغرض منه هنا ما يتعلَّق بوصفِ المدينة بدار الهِجرة ودار السُّنَّة ومَأوَى المهاجِرِينَ والأنصار. وقوله فيه: ((فلمَّا كانَ آخرُ حَجَّة حَجَّها عمر فقال عبدُ الرَّحمن)) جواب (لمَّا)) محذوف، وقد تقدَّم بيانه، وهو: فلمَّا رَجَعَ عبد الرَّحمن من عند عمر لَقِيَني فقال. وقوله فيه: ((قال ابن عبّاس)) هو موصول بالسَّنَدِ/ المذكور. ٣٠٧/١٣ وقوله: ((فقَدِمنا المدينة، فقال: إنَّ الله بَعَثَ محمَّداً بالحقِّ)) حُذفَ منه قِطعَة كبيرة بين قوله: ((فقَدِمنا المدينة)) وبين قوله: ((قال ... )) إلى آخره، تقدَّم بيانها هناك، وفيها قصَّةٌ معَ سعيد بن زيد وخروج عمر يوم الجُمُعة وخُطْبتُه بطولها، وقد أدخَلَ كَثيرٌ مَمَّن يقول بحُجِّيَّةِ إجماع أهل المدينة هذه المسألةَ في مسألة إجماع الصَّحابة، وذلك حيثُ يقول: لأنَّهم شاهَدوا التَّنزيل، وحَضَروا الوحي، وما أشبهَ ذلك، وهما مسألتان مُتَلِفَتَان، ١٢٢ باب ١٦/ح ٧٣٢٤ فتح الباري بشرح البخاري والقول بأنَّ إجماع الصَّحابة حُجَّةٌ أقوى من القول بأنَّ إجماع أهل المدينة حُجَّة. والرَّاجح أنَّ أهل المدينة ممَّن بعد الصَّحابة إذا اتَّفَقوا على شيءٍ كان القول به أقوى من القول بغيرِه، إلّا أن يُخَالِفِ نصّاً مرفوعاً، كما أنَّه يُرجَّح بروايتِهم لشُهرَتهم بالتثبّتِ في النَّقْل وتركِ التَّدليس، والذي يَخْتَصُّ بهذا الباب القول بحُجِّيَّةِ قول أهل المدينة إذا اَتَّفَقوا، وأمّا ثُبُوت فضل المدينة وأهلِها، وغالبُ ما ذُكر في الباب فليس بقَوَيٍّ في الاستدلال على هذا المطلوب. ٧٣٢٤- حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا حَمّدٌ، عن أيوبَ، عن محمَّدٍ قال: كَّا عندَ أبي هُرَيرةَ وعليه ثَوْبان مُمَشَّقان مِن كَتّانٍ، فَتَمَخَّطَ فقال: بَخْ بَخْ أبو هُرَيرةَ يَتَمَخَّطُ في الكَتّان! لقد رأيتُني وإِنِّ لأَخِرُّ فيما بينَ مِنْرِ رسولِ اللهِ وَّهِ إلى حُجْرةٍ عائشةَ مَغْشِيّاً عليَّ، فَيَجِيءُ الجائِي، فَضَعُ رِجْلَه على عُنُفي، ويُرَى أثِّي تَجْنونٌ، وما بي مِن جنونٍ، ما بي إلّ الجوعُ. ٧٣٢٥- حدَّثنا محمَّدُ بنُ كَثِيرٍ، أخبرنا سفيانُ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ عابسٍ قال: سُئلَ ابنُ عَبَّاسٍ: أَشَهِدْتَ العِيدَ معَ النبيِّ وَ﴿؟ قال: نَعَم، ولولا مَنْزِلَتي منه ما شَهِدُهُ منَ الصِّغَرِ، فأتَى العَلَمَ الذي عندَ دار كَثيرِ بنِ الصَّلْت، فصَلَّى ثمَّ خَطَبَ، ولم يَذكُرْ أذاناً ولا إقامةً، ثمَّ أمَرَ بالصَّدَقةِ، فجَعَلَ النِّساءُ يُشِرْنَ إلى آذانِنَّ وحُلوقِهِنَّ، فأمَرَ بلالاً فأتاهُنَّ، ثمَّ رَجَعَ إلى النبيِّ ێ. الحديث الثالث: قوله: ((عن محمَّد)) هو ابن سيرِين، ووَقَعَ منسوباً في رواية التِّرمِذيّ (٢٣٦٧) عن قُتَیبة عن حماد بن زيد. قوله: (ثَوْبان مُمَشَقان)) بفتح الشِّين المعجمة الثَّقيلة بعدها قاف، أي: مصبوغان بالِشْقِ بكسر الميم وسكون المعجَمة، وهو الطِّين الأحمر. وقوله: (بَخ بَخ)) بموخَّدةٍ ثمَّ مُعجَمة مُكرَّر: كَلِمة تَعَجُّب ومَدْح، وفيها لُغات، وقد تقدَّم شرحه في ((باب كيف كان عَيشُ النبيِّ نََّ)) من كتاب الرِّقاق (٦٤٥٢). والغرض منه: قوله: وإنّ لَأخِرُّ ما بين المِبَر والحُجْرة. والحُجرة: هي مكان القبر الشَّريف، وقال ابن ١٢٣ باب ١٦/ح ٧٣٢٥ كتاب الاعتصام بَطّال عن المهلَّب: وجه دخوله في التَّرجمة الإشارةُ إلى أنَّه لمَّا صَبَرَ على الشِّدَّة التي أشارَ إليها من أجل مُلازَمَة النبيِّ وَّهِ فِي طَلَب العلم، جُوزيَ بما انفَرَدَ به من کَثْرة محفوظِه ومنقولِه من الأحكام وغيرها، وذلك ببَرَكَةِ صَيْرِه على المدينة. الحديث الرابع: حديث ابن عبّاس في شُهودِه العيد معَ النبيِّ وَِّ، تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في صلاة العيد (٩٧٩) وسياقُه هناك أتَمُّ، والغرض منه هنا ذِكر المصلَّى، حيثُ قال: فأَتَی العَلَمَ الذي عند دار كَثيرِ بن الصَّلت. والدّارُ المذكورة بُنيَت بعد العَهد النَّبويّ، وإنَّما عُرِفَ بها لشُهرَتِها. وقال ابن بَطّل عن المهلَّب: شاهِدُ التَّرجمة قولُ ابن عبّاس: ولولا مكاني من الصِّغَر ما شَهِدْتُه، لأنَّ معناه أنَّ صغير أهل المدينة وكبيرَهم ونساءَهم وخَدَمَهم ضَبَطُوا العَلَمَ مُعاينَةً منهم في مَواطِن العمل من شارعها المبيِّن عن الله تعالى، وليس لغيرهم هذه المنزلة. وتُعقّبَ بأنَّ قول ابن عبّاس: من الصِّغَر ما شَهِدته، إشارةٌ منه إلى أنَّ الصِّغَر مَظِنَّهُ عَدَم الوصول إلى المقام الذي شاهَدَ فيه النبيَّ وَِّ حَتَّى سَمِعَ كلامَه وسائرَ ما قَصَّه في هذه القصّة، لكن لمَّا كان ابنَ عمِّه وخالَتُه أمُّ المؤمنينَ وصَلَ بذلك إلى المنزلة المذكورة، ولولا ذلك لم يَصِل. ويُؤخَذ منها نَفيُ التَّعميم الذي ادَّعاه المهلَّب، وعلى تقدير تَسليمِه فهو خاصٌّ بمَن شاهَدَ ذلك وهم الصَّحابة، فلا يُشاركُهم فيهم مَن بعدَهم بمُجرَّدٍ كَونه من أهل المدينة. ٧٣٢٦ - حدَّثنا أبو نُعَيم، حذَّثنا سفيانُ، عن عبدِ الله بنِ دِينارٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما: أنَّ النبيَّ ◌َِّ كَانَ يَأْتِي قُباءً ماشِياً وراكباً. ٧٣٢٧- حدَّثَنَا عُبَيْدُ بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةً قالت لعبدِ الله بنِ الزُّبَيرِ: ادْفِنِّي معَ صَوَاحِبِي، ولا تَدْفِّي معَ النبيِّ وَّه في البيتِ، فإنّ أكرَهُ أنْ أُزَکَی. ٧٣٢٨- وعن هشام، عن أبيه: أنَّ عمرَ أرسَلَ إلى عائشةَ: اثْذَني لي أنْ أَدْفَنَ معَ صاحِبِيَّ؟ ١٢٤ باب ١٦ /ح ٧٣٢٦ -٧٣٢٨ فتح الباري بشرح البخاري فقالت: إيْ والله، قال: وكان الرجلُ إذا أرسَلَ إليها منَ الصَّحابةِ قالت: لا والله، لا أوثِرُهم بأحدٍ أبداً. الحديث الخامس: حديث ابن عمر في إتيان قُباء، وقد تقدَّم شرحُه في أواخر الصلاة (١١٩١)، وفيه زيادةٌ عن ابن عمر. قال ابن بَطّال عن المهلَّب: المراد من هذا الحديث مُعاينَةُ النبيِّ ◌َِّ ماشياً وراكباً في قَصْده مسجدَ قُباء، وهو مَشهَدٌ من مَشاهِدِه ◌َّ وليس ذلك بغيرِ المدينة. الحديث السادس: قوله: ((عن هشام)) هو ابن عُرْوة بن الزُّبَير، ووَقَعَ منسوباً في رواية جُوَيريةَ ابن محمَّد عن أبي أُسامة عند أبي نُعيم. قوله: ((عن عائشة قالت لعبدِ الله بن الزُّبَير)) أي: أنَّها قالت. قوله: ((مَعَ صَوَاحِبِي)) جمع صاحبة، تريد أزواجَ النبيِّ وَِّ، زاد الإسماعيليُّ من طريق عَبْدة بن سليمان عن هشام: بالبقيع. قوله: ((ولا تَدْفِئِّي معَ النبيِّ ◌َ في البيت)) يعارضُه في الظّاهر قولها في قصَّة دفن عمر. قوله: ((فإنّي أكره أنْ أُزَكَّى)) بفتح الكاف الثَّقيلة على البناء للمجهول، أي: أن يُثنيَ عليّ أحدٌ ٣٠٨/١٣ بما ليس فيَّ، بل بمُجرَّدٍ كَونِي مَدفونَّةً عنده دون سائر نسائه، فيَظُنُّ أنّي خُصِّصتُ/ بذلك من دونهنَّ، لمعنّى فيَّ ليس فيهنَّ، وهذا منها في غاية التَّواضُع. الحديث السابع: قوله: ((وعن هشام، عن أبيه)) هو موصولٌ بالسَّنَدِ الذي قبله، وقد أخرجه الإسماعيليُّ من وجهٍ آخَر عن أبي أُسامة موصولاً: أنَّ عمر أرسَلَ إلى عائشة، هذا صورته الإرسال، لأنَّ عُرْوة لم يُدرِك زمنَ إرسال عمرَ إلى عائشة، لكنَّه محمولٌ على أنَّه حَمَلَه عن عائشة فيكون موصولاً. قوله: ((معَ صاحِبِيَّ)) بالَّنية. قوله: ((فقالت: إيْ والله، قال: وكان الرجلُ إذا أرْسَلَ إليها من الصَّحابة)) هو مُتعلِّق بقوله: الرجل، ولفظ الرِّسالة محذوف، وتقديرُه: يَسألها أن يُدفَن معهم، وجواب الشَّرط: ١٢٥ باب ١٦/ح ٧٣٢٨ كتاب الاعتصام قالت ... إلى آخره. قوله: ((قالت: لا والله لا أُوثِرُهم بأحدٍ أبداً) بالمثلَّثةِ: من الإيثار، قال ابن النِّين: كذا وَقَعَ، والصَّواب: لا أوثِرُ أحداً بهم أبداً. قال شيخنا ابن الملقِّن: ولم يَظهَر لي وجه صوابه. انتهى، وكأنَّه يقول: إنَّه مقلوب، وهو كذلك، وبذلك صَرَّحَ صاحب ((المطالِعِ)) ثمَّ الكِرْمانيُّ، قال: ويحتمل أن يكون المراد: لا أُثيرُهم بأحدٍ، أي: لا أنْبُتُهم لدَفنٍ أحد، والباء بمعنى اللّام، واستَشكَلَه ابن التِّين بقولها في قصَّة عمر: لَأُوثِرَنَّه على نفسي، وأجابَ باحتمالٍ أن يكون الذي آثَرَته به المكان الذي دُفِنَ فيه من وراء قَبر أبيها بقُربِ النبيِّ وَّةِ، وذلك لا يَنفي وجودَ مكانٍ آخَر في الحُجرة. قلت: وذكر ابن سعد من طُرقِ أنَّ الحسن بن عليٍّ أوصَى أخاه أن يَدِفِنَه عندهم إن لم يَقَع بذلك فتنة، فصَدَّه عن ذلك بنو أُميَّة فدُفِنَ بالبقيع. وأخرج التِّرمِذيّ (٣٦١٧) من حديث عبد الله بن سَلَام قال: مكتوبٌ في التَّوراة صِفَةُ محمَّدٍ، وعيسى ابن مريم عليهما السَّلامِ يُدفَن معه. قال أبو مودود (١) أحد رواته: وقد بَقِيَ في البيت موضعُ قبر. وفي رواية الطَّبَرانيّ(٢): يُدفَن عیسى معَ رسول الله ێ﴿ وأبي بکرِ وعمر، فيكون قَبِراً رابعاً. قال ابن بَطّال عن المهلَّب: إنَّما نَهَتْ(٣) عائشة أن تُدفَن معهم خَشْية أن يَظُنّ أحدٌ أنَّها أفضَلُ الصَّحابة بعد النبيِّ وٍَّ وصاحبَيهِ، فقد سألَ الرَّشيد مالكاً عن مَنزِلة أبي بكرٍ وعمر من النبيِّ نَّه في حياته، فقال: كمَنزِلَتِهما منه بعد ◌َماته، فَزَكّاهما بالقُربِ منه في البُقْعَة المبارَكَة والتُّربة التي خُلِقَ منها، فاستُدِلَّ على أنَّهما أفضَل الصَّحابة باختصاصهما بذلك، وقد احتَجَّ أبو بكرٍ الأبهريُّ المالكيُّ بأنَّ المدينة أفضَل من مكَّة بأنَّ النبيّ ◌َِّ مخلوقٌ من تُربة المدينة وهو أفضَل البشر، فكانت تُربَته أفضلَ التَُّب. انتهى، وكَونُ تُربَته أفضلَ التُّرَب (١) تحرَّفت في (س) إلى: أبو داود، وفي (ع) إلى: ابن مردويه، والمثبت من (أ)، وهو الصواب. (٢) في القطعة من الجزء (١٣) من ((معجمه الكبير)) (٣٨٤). (٣) في (س): کرهت. ١٢٦ باب ١٦/ح ٧٣٢٩ فتح الباري بشرح البخاري لا نزاع فيه، وإنَّما النِّراع هل يَلزَمُ من ذلك أن تكون المدينة أفضلَ من مكَّة؟ لأنَّ المجاور للشيءٍ لو ثَبَتَ له جميعُ مَزاياه، لكانَ لما جاوَرَ ذلك المجاور نحوُ ذلك، فيَلزم أن يكون ما جاوَرَ المدينة أفضل من مكَّة، وليس كذلك اتِّفاقاً؛ كذا أجابَ به بعض المتقدِّمين، وفيه نَظَر. الحديث الثامن: ٧٣٢٩ - حدَّثنا أيوبُ بنُ سليمانَ، حدَّثنا أبو بَكْرِ بنُ أبي أوَيْسٍ، عن سُليمانَ بنِ بلالٍ، عن صالحٍ بنِ كَيْسانَ، قال ابنُ شِهابٍ: أخبرني أنسُ بنُ مالكٍ: أنَّ رسولَ الله وَِّ كَانَ يُصَلِّ العصرَ، فَيَأْتِي العَوَالِيَ والشّمسُ مُرْتَفِعة. وزادَ اللَّيْثُ عن يونُسَ: وَبُعْدُ العَوَالِيَ أربعةُ أمْيالٍ أو ثلاثة. قوله: ((حدَّثنا أيوب بنُ سليمان)) أي: ابن بلال المدنيّ، والسَّنَد كلَّه مدَنْيُّونَ، ولم يَسمَع أيوب من أبيه، بل حَدَّثَ عنه بواسطة، وهو مُقِلٌّ، ووثَّقه أبو داود وغيره، وزَعَمَ ابن عبد البَرّ أنَّه ضعيف، فوَهِمَ، وإِنَّمَا الضَّعيف آخَر وافَقَ اسمه واسم أبيه. قوله: ((فَيَأْتِي العَوالي)) تقدَّم بيانُه في كتاب المواقيت معَ شرحه (٥٥٠). قوله: «زادَ اللَّيث، عن يونس)) يعني: عن ابن شِهاب عن أنس. ويونس: هو ابن يزيد الأيليُّ، وهذه الطَّريق وَصَلَها البَهَقيُّ (١/ ٤٤٠) من طريق عبد الله بن صالح كاتبِ اللَّيث: حدَّثني اللَّيث عن يونس أخبرني ابن شِهاب عن أنس، فذكر الحديث بتمامهِ، وزاد في آخره: وبُعدُ العَوالي من المدينة على أربعة أميال. قوله: ((وبُعْدُ العَوالي أربعةُ أمْيالٍ أو ثلاثة)) كأنَّه شٌَّ منه، فإنَّه عنده عن أبي صالح، وهو على عادته يُورِد له في الشَّواهد والتَّتِمّات، ولا يَحْتَجُّ به في الأُصول. قال ابنُ بَطّالٍ عن المهلَّب: معنى الحديث: أنَّ بين العَوالي ومسجد المدينة للماشي شيئاً مَعْلَماً من مَعالم ما بين الصَّلاَتَينِ يَستَغني الماشي فيها يومَ الغَيم عن معرفة الشمس، وذلك ٣٠٩/١٣ معدومٌ في سائر الأرض، قال: فإذا كانت مَقادير الزَّمان مُعيَّنَةً بالمدينة بمكانٍ/ بادٍ للعِیان ١٢٧ باب ١٦/ح ٧٣٣٠ -٧٣٣١ كتاب الاعتصام يَنقُله العلماء إلى أهل الآفاق لَيَمَثِلوه(١) في أقاصي البُلدان، فكيف يُساويِهِم أهلُ بلد غيرِها؟ وهذا الذي قاله يُغني إيرادُه عنه عن تَكلَّف البحث معه فيه، وبالله التَّوفيق. ٧٣٣٠ - حدَّثنا عَمْرو بنُ زُرارةَ، حدَّثنا القاسمُ بنُ مالكِ، عن الجُعَيْدِ، سمعتُ السّائبَ ابنَ يَزِيدَ يقولُ: كانَ الصّاعُ على عَهْدِ النبيِّ وَلِّ مُّدّاً وثُلُثا بمُدِّكم اليومَ، وقد زِيدَ فيه. سَمِعَ القاسمُ بنُ مالكِ الجُعيدَ. ٧٣٣١ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، عن مالكِ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ الله بنِ أبي طَلْحةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، أنَّ رسولَ الله ◌َ ◌َّ قال: «اللهُمَّ بارِكْ لهم في مِكْيالهم، وبارِكْ لهم في صاعِهم ومُدِّهِم)) يعني: أهلَ المدينة. الحديث التاسع: حديث السّائب بن يزيد في ذِكر الصّاع، وقد تقدَّم شرحُه في كتاب كفَّارة الأيمان (٦٧١٢). وقوله في هذه الرّواية: ((مُدّاً وثُلُئاً بمُدِّكم اليوم)) وَقَعَ لبعضِهِم: مُّدّ وثُلُث، وهو على طريق من يَكتُب المنصوب بغيرِ ألف. وقال الكِرْمانيُّ: أو يكون في كان ضميرُ الشَّأن فيَرتَفِعُ على الخبر. ومُناسَبةُ هذا الحديث للتَّرجمةِ أنَّ قَدْر الصّاع ممَّ اجتَمَعَ عليه أهلُ الحرمَينِ بعد العَهد النبويِّ واستَمرَّ، فلمَّا زاد بنو أُمَيَّة في الصَّاعِ لم يَترُكوا اعتبار الصَّاع النبويِّ فيما وَرَدَ فيه التَّقدير بالصّاع من زكاة الفِطر وغيرها، بل استَمرُّوا على اعتباره في ذلك وإن استَعمَلوا الصّاعِ الزّائد في شيءٍ غيرِ ما وَقَعَ فيه التَّقدير بالصّاعِ، كما نبَّه عليه مالك ورَجَعَ إلیه أبو يوسف في القصَّة المشهورة. وقوله: ((وقد زِيدَ فيه)) زاد في رواية الإسماعيليّ: في زَمَن عمر بن عبد العزيز. قوله: ((سَمِعَ القاسمُ بنُ مالك الجُعَيدَ)) يشير إلى ما تقدَّم في كفَّارة الأيمان (٦٧١٢) عن عثمان بن أبي شَيْبة عن القاسم: حدَّثنا الجُعَيد، ووَقَعَ في رواية زياد بن أيوب عن القاسم بن (١) تحرَّفت في (س) إلى: ليتمثلوه. ١٢٨ باب ١٦/ح ٧٣٣٢ - ٧٣٣٣ فتح الباري بشرح البخاري مالك قال: أخبرنا الجُعَيد، أخرجه الإسماعيليُّ. الحديث العاشر: حديث أنسٍ في الدُّعاء لأهلِ المدينة بالبَرَكَةِ في صاعهم ومُدِّهم. تقدَّم شرحه في البيوع (٢١٣٠)، وفي كفَّارة الأيمان (٦٧١٤). وقوله في آخره: ((يعني أهلَ المدينة)) قال ابن بَطّال عن المهلَّب: دعاؤُهُ وََّ لأهلِ المدينة في صاعهم ومُدِّهم، خَصَّهم من بَرَكتِهِ ما اضطَرَّ أهلَ الآفاق إلى قَصْدهم في ذلك المِعِيار المدْعوِّ له بالبَرَكَة، ليجعلوه طريقةً مُتَّبَعةً في مَعاشِهم وأداءِ ما فرَضَ الله علیھم. ٧٣٣٢- حدَّثنا إبراهيمُ بنُ المنذِرِ، حدَّثنا أبو ضَمْرةَ، حدَّثنا موسى بنُ عُقْبةَ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ: أنَّ اليهودَ جاؤوا إلى النبيِّ نََّ بَرَ جُلٍ وامرأةٍ زَنَيَا، فأمَرَ بهما فِرُجِما قريباً مِن حَيْثُ تُوضَعُ الجنائزُ عندَ المَسْجدِ. ٧٣٣٣- حدَّثنا إسماعيلُ، حدَّثني مالكٌ، عن عمرٍو مولى المُطَلِبِ، عن أنسِ بنِ مالكٍ ﴾: أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ طَلَعَ له أُحُدٌ فقال: ((هذا جبلٌ يُحِبُنَا ونُحِبُّه، اللهُمَّ إِنَّ إِبراهيمَ حَرَّمَ مَكّةَ، وإِنِّ أُحرِّمُ ما بينَ لابَيِها». تابَعَه سَهْلٌ، عن النبيِّ وَّ فِي أُحُدٍ. ٧٣٣٤ - حدَّثنا ابنُ أبي مريمَ، حدَّثنا أبو غَسّانَ، حدَّثني أبو حازمٍ، عن سَهْلٍ: أنَّه كانَ بينَ جِدار المسجدِ مَّ يَلي القِبْلَةَ وبينَ الِثْبِرِ مَمَرُّ الشّاة. ٧٣٣٥- حدَّثْنَا عَمْرو بنُ عليٍّ، حدّثنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ مَهْدِيٍّ، حدَّثنا مالكٌ، عن خُبَيْبِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عن حَفْصِ بنِ عاصمٍ، عن أبي هُرَيرةَ قال: قال رسولُ الله ◌َّ: ((ما بينَ بَيتي ومِنْبري رَوْضةٌ مِن رِیاضِ الجنَّةِ، ومِنْبري على خَوْضِي». الحديث الحادي عشر: حديث ابن عمر في قصَّة اليهوديّينِ اللَّذَينِ زَنَيا، تقدَّم شرحه في المحاربينَ (٦٨١٩ و٦٨٤١)، وسياقه هناك أتَمّ. وقوله: ((حيثُ تُوضَع الجنائز)) كذا للأكثرِ بلفظِ الفعل المضارع، ووَفَعَ في رواية المُستَملي: ١٢٩ باب ١٦/ح ٧٣٣٤-٧٣٣٥ كتاب الاعتصام مَوضِع الجنائز. الحديث الثاني عشر: حديث أنس في أُحُد: «هذا جبلٌ يُحِبُّنَا ونُحِبُّه))، وفيه: ((أنَّ إبراهيم حَرَّمَ مَكَّةٍ)) وقد تقدَّم من هذا الوجه من طريق مالك في غَزْوة أُحُد (٤٠٨٤) هكذا مُختصَراً، وقد تقدَّم بأتمَّ من هذا السِّياق في الجهاد (٢٨٩٣) من وجهٍ آخَر عن عَمرو، وتقدَّم ما يَتَعلَّق بشرح ما ذكُرِ هنا في آخر الحجّ (١٨٣٢). الحديث الثالث عشر: قوله: ((تابَعَه سَهْلٌ، عن النبيِّ وَلِ فِي أُحُد)) يشير إلى ما ذكره في كتاب الزّكاة (١٤٨٢) من حديث سهل بن سعد قال: ((أُحُدٌ جبل يُحِبُّنا ونُحِبُّه)) أورَدَه مُعلَّقاً لسليمان بن بلال بسندِه إلى سهلِ عَقِب حديث أبي(١) حُميدِ السّاعِديّ (١٤٨١)، ومضى شرح المتن في آخر غَزْوة أحد (٤٠٨٤). الحديث الرابع عشر: حديث سهل بن سعد: أنَّه كان بين جِدار المسجد ممَّا يَلي القِبلة وبين المِنِبَرَ مَمَرُّ الشّاة، أي: قَدْرَ ما تَرُّ فيه الشّاة، وقد تقدَّم شرحُه في أوائل الصلاة (٤٩٦). الحديث الخامس عشر: حديث أبي هريرة: ((ما بين بيتي ومِنبَرَي رَوضَة)) تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في فضل المدينة (١٨٨٨). وقوله: ((عن حفص بن عاصم)) في رواية رَوح بن عُبادةَ عن مالك عن خُبَيب(٢): أنَّ حفص بن عاصم حَدَّثَه، أخرجه النَّسائيُّ في ((حديث مالك))(٣)، والدّارَ قُطنيُّ من (١) تحرَّفت في (س) إلى: ابن. (٢) تصحَّفت في (س) إلى: حبيب - بالحاء المهملة - وهو خطأ، وخُبيب هذا - بالخاء المعجمة المضمومة- هو ابن عبد الرحمن. (٣) وأخرجه كذلك أحمد (١١٠٠٣)، والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (٢٨٧٧)، والبيهقي في «البعث والنشور (١٧٧)، وابن عبد البر في ((التمهيد) ٢٨٦/٢. ١٣٠ باب ١٦/ ٧٣٣٥ فتح الباري بشرح البخاري طريقه. وقد أخرج البخاريّ هذا الحديث من رواية مالك بنزول درجة. وعَمرو بنُ عليٍّ شيخُه فيه: هو الفَلّاس. وابنُ مَهديّ: هو عبد الرَّحمن أحد الأئمّة الحُفّاظ. وهذا الحديث بالشَّكِّ في ((الموطأ)) عند جميع الرواةِ كُلِّهم(١) إلّا مَعْنَ بن عيسى فقال: جميعاً (٢)، ووافقَه مطرِّفٌ والوليدُ بن مسلم عن مالكٍ خارجَ ((الموطأ)(٣)، وروايةٌ ابنِ مَهديٍّ هذه صرِّح الدّار قطني بأنه رواها عن مالكِ هكذا وحده(٤)، واقتصر البخاريُّ عليها(٥). (١) انظر: رواية يحيى الليثي ١/ ١٩٧، ورواية أبي مصعب الزهري (٥١٨). (٢) أخرج طريق معن بن عيسى: ابن عبد البر في ((التمهيد)) ١٨٥/٢. (٣) أما رواية مطرف - وهو ابن عبد الله المدني - فقد أخرجها الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (٢٨٧٦)، وأما رواية الوليد بن مسلم فلم نقع عليها ولم يذكر أحد ممن تكلم على هذا الحديث أنَّ الوليد رواه عن مالك، فلعل ذلك سبق قلم من الحافظ رحمه الله، لأن الذي وافق معن بن عيسى ومطرفاً على جمع أبي هريرة وأبي سعيد بدون شك إنما هو روح بن عبادة، أخرجه من طريقه هكذا بدون شك أحمد (١١٠٠٣)، والطحاوي في ((المشكل)) (٢٨٧٧)، والبيهقي في ((البعث والنشور)) (١٧٧). وانظر «التمهید» لابن عبد البر ٢٨٥/٢ - ٢٨٦. (٤) كذا قال الدار قطني في ((العلل)) ٢٧٣/١٠ (٢٠٠٧)، قلنا: لكن وجدنا أن أحمد أخرجه في ((المسند)) (١٠٠٨) و (١٠٨٩٩) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، وفيه: عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد- على الشك، والله أعلم. (٥) وقع بدل هذه الفقرة في (س) ما نصُّه: وليس هذا الحديث في ((الموطَّأ)) عند أحد من الرُّواة إلّا مَعن بن عيسى فيما قيل فقط، ورواه عن مالك خارج ((الموطَّأ))، فمنهم مَن قال فيه: عن أبي هريرة، فقط، وهذه رواية عبد الرّحمن بن مَهديّ وحده، التي اقتَصَرَ عليها البخاريّ، صَرَّحَ الدّارَ قُطنيُّ بأنَّه رواها عن مالك هكذا وحده، ومنهم مَن قال: عن أبي هريرةَ وأبي سعيد، وهذه رواية مَعن بن عيسى ومُطرِّف والوليد ابن مسلم، ومنهم مَن قال: عن أبي هريرةَ أو أبي سعيد، بالشكِّ وهذه رواية القَعْنِيّ والتّنّيسِيّ والشافعيّ والَّعفَرانيّ، واختُلِفَ فيه على رَوْحِ بن عُبادةَ ومَعن بن عيسى، فقيل: بالشكِّ، وقيل: بالجمع، انتهى مُلخَّصاً من كلام الإسماعيليّ والدّارَقُطنيّ. قلنا: وما أثبتناه من الأصلين. ١٣١ باب ١٦/ ح ٧٣٣٦ كتاب الاعتصام ٧٣٣٦- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا جوَيْرِيةٌ، عن نافع، عن عبدِ الله قال: سابَقَ النبيُّ ◌َّه بِينَ الخيلِ، فَأُرسِلَتِ التي ضُمِّرَتْ منها - وأمَدُها الحَفْياءُ - إلى ثَنَّةِ الوَدَاعِ، والتي لم تُضَمَّرْ - أمَدُها ثَنَّةُ الوَداع - إلى مسجدٍ بني زُرَيِقِ، وإنَّ عبد الله كانَ فيمَنْ سابَقَ. الحديث السادس عشر: حديث ابن عمر في المسابقة بين الخيل، تقدَّم شرحُه في كتاب ٣١٠/١٣ الجهاد (٢٨٦٨). و(الحَفْياء)) بفتح المهمَلة وسكون الفاء بعدها تحتانيَّة: مكان معروف بالمدينةِ يُمَدّ ويُقصَر، ورُبَّمَا قُدِّمَت الياء على الفاء. وبنو زُرَيق: من الأنصار بتقديمِ الزّاي على الرَّاء مُصفَّر. وقوله هنا: ((فأُرسِلَت)) بضمِّ الهمزة بلفظِ البناء للمجهول، وفي رواية الكُشمِيهَنيّ: فأرسَلَ، بفتح الهمزة، والفاعل النبيُّ وَِّ، أي: بأمرِه. قال ابن بَطّال عن المهلَّب في حديث سهل: في مِقدار ما بين الجِدار والِبَرَ سُنَّةٌ مُتَّبَعَة في موضع المِبَر ليُدخَلَ إليه من ذلك الموضع، ومسافةُ ما بين الحَفياء والثَّنيَّة لمسابقةِ الخيل سُنَّة مُتَّبَعَة، يكونُ ذلك القَدْر مَيداناً للخيلِ المُضمَّرة عند السِّباق. تنبيه: أورَدَ أبو ذَرّ هذا الحديث من هذا الوجه مُختصِراً من المتن من قوله: (وأمَدها ... )) إلى آخره، وساقَه غيره، ووَقَعَ في رواية كريمة وغيرها عَقِبه: حدَّثنا قُتَيبة حدَّثنا اللَّيث عن نافع عن ابن عمر، ثمّ قال: حدَّثني إسحاق أخبرنا عيسى وابن إدريس، فذكر حديث عمر في الأشربة (٤٦١٩). وقد أشكَلَ أمرُه على بعض الشّارحِينَ، فظنَّ أنَّه ساقَ هذا السَّنَد للمَتنِ الذي بعده - وهي رواية ابن عمر عن عمر في الأشربة - وهو غَلَطُ فاحش، فإنَّ حدیث عمر من أفراد الشَّعْبيّ عن ابن عمر عن عمر، وأمّا رواية اللَّيث عن نافع فتتعلّق بالمسابقة، فهي مُتَابَعَة لروايةِ جُوَيريةَ بن أسماء عن نافع، وقد أورَدَه المصنّف في الجهاد (٢٨٦٩) من طريق اللَّيث أيضاً وسَبَقَ لفظه هناك، وأخرجه مسلم (١٨٧٠) أيضاً عن قُتَيبة. وقد أغفَلَ المِّيُّ في ((الأطراف)) ذِكرَ البخاريِّ في تخريج هذه الطَّريق عن قُتَيِية، ١٣٢ باب ١٦/ح ٧٣٣٧ -٧٣٣٨ فتح الباري بشرح البخاري واقتَصَرَ على ذِكر رواية أحمد بن يونس عن اللَّيث، وذكر أنَّ مسلماً (١٨٧٠) والنَّسائيَّ (ك٤٤٠٩) أخرَجاها عن قُتَيبة. وسببُ هذا الغَلَط الإجحافُ في الاختصار، فلو كان قال بعد قوله: عن ابن عمر - مَثَلاً -: فذكره، أو بهذا، أو به، لارتَفَعَ الإشكال. ٧٣٣٧- حدَّثنا إسحاقُ، أخبرنا عيسى وابنُ إدْرِيس وابنُ أبي غَنّةَ، عن أبي حَيّانَ، عن الشَّعْبِيِّ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما قال: سمعتُ عمرَ على مِنِْ النّبِيِّ ◌ِله. ٧٣٣٨ - حدَّثْنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، أخبرني السّائبُ بنُ يزيدَ، أنَّه سَمِعَ عُثْمانَ بنَ عَفّانَ: خطيباً على مِنْبِ النبيِّ وَِّ. الحديث السابع عشر: قوله: ((حدَّثنا إسحاق)) هو ابنُ إبراهيم، المعروفُ بابنِ راهويه، كما جَزَمَ به أبو نُعَيم والكَلاباذِيّ وغيرهما. وابن إدريس: اسمه عبد الله، وابن أبي غَنِيَّة - بمُعجَمةٍ ونون بوَزنٍ عَطيَّة -: هو يحيى بنُ عبد الملك بن أبي غَنَيَّة الخُزَاعِيّ، وأبو حَيّان: هو يحيى بن سعيد بن حيّان(١). والسَّنَد كلُّه كوفيُّونَ إلّا إسحاق وابن عمر. قوله: ((سمعتُ عمرَ على مِنبَرَ النبيِّ وَّ)) كذا اقتَصَرَ من الحديث على هذا القَدْر لكَونِه الذي يحتاج إليه هنا وهو ذِكر المِنْبَرَ، وتقدَّم في الأشربة (٥٥٨١) من طريق يحيى القَطّان عن أبي حَيّان، فزاد فيه أنَّه قد نَزَلَ تحريم الخمر، وهي من خمسة أشياء، الحديث ومضى هناك مشروحاً. الحديث الثامن عشر: قوله: ((أخبَرَني السّائب بن يزيد)) هو الصَّحابيُّ المعروفُ، وتقدَّم له الحدیث التاسع (٧٣٣٠). قوله: ((أَنَّه سَمِعَ عُثْمان بن عَفّانَ خطيباً على مِنبَرَ النبيِّ وَّ) هكذا اقتَصَرَ من الحديث على هذا القَدْر، وبيَّضَ له أبو نُعَيم في «مُستَخرَجه)) فذكر ما عند البخاريِّ فقط، ولم يُوصِله من (١) تصحّفت في (س) إلى: حبان. ١٣٣ باب ١٦/ح ٧٣٣٨ كتاب الاعتصام طريقه ولا من غيرها. وقوله: ((خطيباً)) هو حال من عثمان، وفي بعض الرِّوايات: خَطَبنا، بنون بلفظ الفعل الماضي، وبَقيَّة الحديث أوهَمَ صنيعُ الإسماعيليِّ أنَّه فيما يتعلَّق بالأذان الذي زادَه عثمان، فإنَّه أخرجه هنا وليس فيه شيءٌ يَتعلَّق بخُطبةِ عثمان على المِنْبَ، والحقُّ أنَّه حديثٌ آخَر، وقد أخرجه أبو عُبَيد في ((كتاب الأموال)) (١٢٤٧) من وجهٍ آخَر عن الزُّهْريِّ، فزاد فيه: ((يقول: هذا شهر زَكاتِكم فمَن كان عليه دَینٌ فليُؤَدِّهِ ... )) الحديث، وهو في أواخر الرُّبع الرَّابع منه، ونَقَلَ فيه عن إبراهيم بن سعد أنَّه أرادَ شهرُ رمضان. قال أبو عُبَيد: وجاءَ من وجهٍ آخَر أنَّه شهرُ الله المحَّم. قلت: وَقَعَ قريبٌ من ذلك في حديث أنس من وجهٍ ضعيفٍ وَقَعَ لنا بعُلِّ في (جُزء الفَلَكيّ)) بلفظ: كان المسلمونَ إذا دَخَلَ شَعبان/ أكَبُّوا على المصاحف، وأخرجوا الزَّكاة، ٣١١/١٣ ودَعا الوُلاة أهل السُّجون ... ، الحديث موقوف(١). قال ابنُ بَطّال عن المهلَّب: في هذَينِ الحديثَيْنِ سُنَّةٌ مُتَّبَعَة بأنَّ الخليفة يَخْطُب على الِبَرَ في الأُمور المُهِمَّة، لا يُخَافِتُها؛ لتَصِل الموعظةُ إلى أسماع الناس إذا أشرَفَ عليهم. انتهى، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ المِنْبَرَ النبويَّ بَقِيَ إلى ذلك العَهد ولم يَتغيَّر بزيادةٍ ولا نَقص، وقد جاءَ في غيره أنَّه بَقِيَ بعد ذلك زماناً آخَر. ٧٣٣٩ - حدَّثْنا محمَّدُ بنُ بِشَارٍ، حدَّثنا عبدُ الأعلَى، حدَّثنا هشامُ بنُ حسَّانَ، أنَّ هشامَ بنَ عُرْوةَ حَدَّثَه، عن أبيه، أنَّ عائشةَ قالت: كانَ يوضَعُ لي ولرسولِ اللهِ ◌َّ هذا المِرْكَنُ، فَتَشْرَعُ فيه جميعاً. ٧٣٤٠ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا عبَّادُ بنُ عبَّدٍ، حدَّثنا عاصمٌ الأحوَلُ، عن أنس قال: حالَفَ النبيُّ ◌َ ◌ّ بِينَ الأنصارِ وَقُرَيشٍ في دارِي التي بالمدينة. ٧٣٤١ - وقَتَتَ شَهْراً يَدْعو على أحياءٍ مِن بني سُلَيِمٍ. (١) وأخرجه يحيى الشجري المتوفى سنة (٤٩٩هـ) في ((أماليه)) - بترتيب القاضي محيي الدين العبشمي - برقم (١٢١٩)، طبعة دار الكتب العلمية ٢٠٠١م. ١٣٤ باب ١٦/ح ٧٣٣٩ -٧٣٤١ فتح الباري بشرح البخاري الحديث التاسع عشر: حديث عائشة. قوله: ((عبدُ الأعلى)) هو ابن عبد الأعلى السّاميُّ - بالمهمَلةِ - البَصريّ. قوله: ((هذا المِرْكَن)) بكسر الميم وسكون الرَّاء وفتح الكاف بعدها نون، قال الخليل: شِبه تَورٍ من أَدَم، وقال غيره: شِبه حَوضٍ من نُحَاس، وأبعَدَ مَن فَسَّرَه بالإجّانِةِ - بكسر الهمزة وتشديد الجيم ثمَّ نون - لأنَّه فَسَّرَ الغريب بمِثلِه، والإجّانة(١): هي التي يُقال لها: القِصريَّة وهي بكسر القاف. وقولها: ((فتَشرَعُ فيه جميعاً)) أي: نَتَناوَلُ منه بغيرِ إناء، وأصله الوُرودُ للشُّربِ ثمّ استُعمِلَ في كلِّ حالة يُتناوَل فيها الماء، وقد تقدَّم بيان ذلك معَ شرح الحديث في کتاب الطَّهارة (٢٦١). قال ابن بَطّال: فيه سُنَّةٌ مُتَّبَعَة لبيان مِقدار ما يَكفي الَّوجَ والمرأةَ إذا اغتَسَلا. الحديث العشرون: حديث أنسٍ من رواية عاصم الأحول عنه في المحالَفة(٢) بين قُرَيش والأنصار، وفي القُنوت شهراً يَدعو على أحياءٍ من بني سُليم، وقد اختَصَرَه من حديثَين كلٌّ منهما أتمُّ ممّا ذكره هنا، وقد مضى شرحُ الأوَّل في كتاب الأدب (٦٠٨٣) وبيانُ الفَرق بين الإخاء والحِلْف، ومضى شرحُ الثّاني في كتاب الوِتر (١٠٠١) وفيه بيانُ الوَقت والسَّبَبِ الذي قَنَتَ فيه، ومضى في المغازي في غَزْوة بئر مَعونَة (٤٠٨٨) بيانُ أسماء الأحياء المذكورِينَ من بني سُلیم. الحديث الحادي والعشرون: ٧٣٤٢- حذَّثني أبو كُرَيبِ، حدَّثنا أبو أسامةَ، حدَّثنا بُرَيدٌ، عن أبي بُرْدَةَ قال: قَدِمتُ المدينةَ فَلَقِيَني عبدُ الله بنُ سَلَام، فقال لي: انطَلِقْ إلى المَنْزِلِ، فَأسقِيَكَ في قَدَحِ شَرِبَ فيه رسولُ الله ◌َّةِ، وَتُصَلِّى في مسجدٍ صَلَّى فيه النبيُّ وَّهِ فَانطَلَقْتُ معه فَأَسْقاني سَوِيقاً، وأطعَمَني (١) الإجّانة: وعاء تُغسل فيه الثياب. (٢) تصحفت في (س) إلى: المخالفة. ١٣٥ باب ١٦/ح ٧٣٤٢ كتاب الاعتصام تَمْراً، وصَلَّيتُ في مَسْجِدِهِ. قوله: ((بُرَيد)) بموخَّدةٍ وراء مُهمَلة: ابنُ عبد الله بن أبي بُرْدة بن أبي موسى الأشعريّ. قوله: ((قَدِمْتُ المدينةَ فَلَقِيَني عبدُ الله بن سَلَام)) وَقَعَ عند عبد الرَّزّاق بيانُ سبب قُدوم أبي بُرْدة إلى المدينة، وبيانُ زمان قُدومِه، فأخرج (١٤٦٥٣) من طريق سعيد بن أبي بُرْدة عن أبي بُرْدة قال: أرسَلَني أبي إلى عبد الله بن سَلَام لِأتعلَّمَ منه، فسألَني مَن أنتَ، فأخبَرَتُه فرَحَّبَ بي. قوله: ((انطَلِقْ إلى المَنْزِل)) زاد في رواية الإسماعيليّ: معي، والألِف واللّام بَدَل من الإضافة، أي: تعالَ معي إلى مَنزِلي، وقد مضى في مناقب عبد الله بن سَلام (٣٨١٤) من وجهٍ آخَر عن أبي بُرْدة: أتَيتُ المدينةَ فَلَقيتُ عبد الله بنَ سَلَام، فقال: ألا تَجِيءُ فأُطعِمَك، وتَدخُلَ في بيتٍ؟ قوله: ((فانطَلَقْتُ معه فأسقاني سَويقاً وأطعَمَني تَمْرًا)) قد مضى في مناقب عبد الله بن سَلام من طريق سعيد بن أبي بُرْدة عن أبيه بلفظ: ألا تَجِيءُ فأُطعِمَك سويقاً وتَمراً؟ فكأنَّه استَعمَلَ الإطعام بالمعنى الأعمّ، وليس هذا من قَبيل: عَلَفْتُها تِبناً وماء، لأنَّه إمّا من الاكتِفاء وإمّا من التَّضمين، ولا يحتاج لذلك هنا لأنَّ الإطعامَ يُستَعمَل في الأكل والُّرب، وقد بيَّن في الرِّواية الأُخرى أنَّه أسقاه السَّوِيق. قوله: ((وصَلَّيتُ في مسجدِه)) زاد في مناقب عبد الله بن سَلَام ذِكرَ الرِّبا، وأنَّ مَن اقْتَرَضَ قَرِضاً فتقاضاه إذا حَلَّ فأهدَى له المديونُ هَديَّةً كانت من ◌ُملة الرِّبا، وتقدَّم البحث فيه هناك، ووَقَعَت هذه الزيادة في رواية أبي أُسامة أيضاً، كما أخرجه الإسماعيليّ من وجهٍ آخَر عن أبي كُرَيب شيخ البخاريِّ فيه، لكن باختصارٍ عن الذي تقدَّمَ، ووَهِمَ مَن زَعَمَ أنَّه من رواية أبي أحمد محمَّد بن يوسف البِيكَنْدي(١) عن سفيان بن عُيَينةً، وقد جَزَمَ المِّيُّ في ((الأطراف)) بما قلتُه، فكأنَّ البخاريَّ حَذَفَها، وثَبَتَ في رواية سعيد التي أشرتُ (١) تحرَّفت في (أ) و (س) إلى: السكندري، والمثبت من (ع). ١٣٦ باب ١٦/ح ٧٣٤٣ -٧٣٤٥ فتح الباري بشرح البخاري إليها نحو ذلك. ٧٣٤٣- حدَّثنا سعيدُ بنُ الرَّبِيع، حدَّثنا عليٌّ بنُ المبارَكِ، عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ، حدَّثْنِي عِكْرِمةُ، عن ابنِ عبَّاسِ: أنَّ عمرَ عَهُ حَدَّثَه، قال: حدَّثْنِي النبيُّ ◌َِّ قال: ((أتاني اللَّلَةَ آتٍ مِن رَبّ وهو بالعَقِيقِ: أنْ صَلِّ في هذا الوادي المبارَكِ، وقُلْ: عُمْرَةٌ وحَجَّة)). وقال هارونُ بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا عليٌّ: ((عُمْرَةٌ فِي حَجّةٍ)). ٧٣٤٤- حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسُفَ، حدَّثنا سفيانُ، عن عبدِ الله بنِ دِينارٍ، عن ابنِ عمرَ: وَقَّتَ النبيُّ وَ قَرْناً لأهلٍ نَجْدٍ، والجُحْفَةَ لأهلِ الشَّأْمِ، وذا الخُلَيْفةِ لأهلِ المدينةِ، قال: سمعتُ هذا منَ النبيِّ وَّهِ وبَلَغَني: أنَّ النبيَّبِ ◌ّه قال: ((ولأهلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمُ)). وذُكِرَ العراقُ فقال: لم يَكُنْ عِراقٌ يومَئذٍ. ٧٣٤٥- حدَّثنا عبدُ الرَّحْمنِ بنُ المبارَكِ، حذَّثنا الفُضَيلُ، حدَّثنا موسى بنُ عُقْبةَ، حدَّثني سالمُ بنُ عبدِ الله، عن أبيه، عن النبيِّ وَِّ: أَنَّه أُرِيَ وهو في مُعرَّسِه بذي الحُلَيْفِةِ فِقِيلَ له: إِنَّكَ بَبَطْحاءَ مُبارَكة. الحديث الثاني والعشرون: حديث عمر: صَلُّ في هذا الوادي المبارَك، وقد تقدَّم شرحُه في أواخر كتاب الحجّ (١٥٣٤). قوله: ((وقال هارونُ بنُ إسماعيل: حدَّثنا عليٌّ: عُمْرةٌ في حَجَّة)) يريد أنَّ هارون خالَفَ سعيد بنَ الرَّبيع في قوله في آخره: وقل: عُمرةٌ وحَجَّة، بواو العَطف، فقال: عمرةٌ في حَجَّة، ٣١٢/١٣ وقد تقدَّم هناك من رواية الأوزاعيِّ عن يحيى بن أبي كثير/ شيخ عليّ بن المبارَك فيه بلفظ: عُمرةٌ فِي حَجَّة. ورواية هارون هذه وقَعَت لنا موصولة في ((مُسنَد عبد بن حُميدٍ)) (١٦)، وفي (أخبار المدينة النبويَّة))(١) لعمر بن شَبَّة، كلاهما عن هارون بن إسماعيل الخَزّاز؛ بمُعجَماتٍ. ويجوز في قوله: عُمرة وحَجَّة الرَّفع والنَّصب. (١) صفحة ١٤٦. ١٣٧ باب ١٦/ح ٧٣٤٥ كتاب الاعتصام الحديث الثالث والعشرون: حديث ابن عمر في المواقيت، تقدَّم مشروحاً في الحَجّ(١) (١٥٢٢)، وبيانُ مَن بَلَّغَ ابنَ عمر ميقات يَلَملَم. ومحمَّد بن يوسف شيخه فيه: هو الفِریابيّ، وشيخه سفيان: هو الّوْريّ. وقوله في آخره: ((وذُكِرَ العراقُ، فقال: لم يكن عِراقٌ يومَئذٍ)) ذُكِرَ، بضمٍّ أوَّله مَبنيٌّ للمجهولِ ولم يُسَمَّ، والمجيب: هو ابن عمر، ووَقَعَ عند الإسماعيليّ: فقيلَ له: العراق؟ قال: لم يكن يومَئذٍ عِراق. وقوله: لم يكن عِراقٌ يومَئذٍ، أي: بأيدي المسلمين، فإنَّ بلاد العراق كلَّها في ذلك الوَقت كانت بأيدي كِسرَى وعُمَاله من الفُرْس والعرب، فكأنَّه قال: لم يكن أهل العراق مسلمينَ حينَئذٍ حتَّى يوَقِّت لهم، ويُعكِّرُ على هذا الجواب ذِكرُ أهل الشّام، فلعلَّ مُراد ابن عمر نَفيُ العِراقَينِ وهما المِصْران المشهوران: الكوفة والبصرة، وكلَّ منهما إنَّما صارَ مِصراً جامعاً بعد فتح المسلمينَ بلادَ الفُرس الحديث الرابع والعشرون: حديثُ سالم بن عبد الله عن أبيه، أي: ابن عمر. قوله: ((أُريَ وهو في مُعرَّسِه بذي الخُلَيفَة)) تقدَّم شرحه في كتاب الحجّ (١٥٣٥)، وبَقيَّتُه توافق حدیث عمر المذکور قبله بحدیث. قال ابن بَطّال عن المهلَّب: غَرَضُ البخاريِّ بهذا الباب وأحاديثه تفضيلُ المدينة بما خَصَّها الله به من مَعالم الدِّين، وأنَّها دار الوحي ومَهبِط الملائكة بالهُدَى والرَّحَمَة، وشَرَّفَ الله بُقْعَتها بسُكنَى رسوله، وجَعَلَ فيها قَبره ومِنْبَرَه وبينهما رَوضَةٌ من رياض الجنَّة. ثمَّ تَكلَّمَ على أحاديث الباب بما تقدَّم نقله عنه والبحث فيه بما يُغني عن إعادته، وحَذَفتُ ما بعد الحديث العاشِر من كلامه لقِلَّةٍ جَدْواه، وقد ظَهَرَ عِنوانُه فيما ذَكَرته عنه في الأحاديث العَشَرة الأولى، وبالله التّوفيق. وفَضلُ المدينة ثابتٌ لا يحتاج إلى إقامة دليلٍ خاصّ، وقد تقدَّم من الأحاديث في فضلها في آخر الحجّ (١٨٦٧ - ١٨٩٠) ما فيه شِفاء، وإنَّما المراد هنا تَقَدُّم أهلها في العِلم على غيرهم، (١) قوله: ((في الحج)) سقط من (س). ١٣٨ باب ١٧/ح ٧٣٤٦ فتح الباري بشرح البخاري فإن كان المراد بذلك تقديمَهم في بعض الأعصار، وهو العصر الذي كان فيه النبيُّ وَل مُقيماً بها فيه، والعصرُ الذي بعدَه من قبل أن يَتَفَرَّق الصَّحابة في الأمصار، فلا شَكّ في تقدیم أهل العصرَينِ المذكورَينِ على غيرهم، وهو الذي يُستَفاد من أحاديث الباب وغيرها، وإن كان المراد استمرارَ ذلك لجميع مَن سَكَنَها في كلِّ عَصرِ فهو محلَّ النِّزاع، ولا سبيل إلى تَعمِيم القول بذلك، لأنَّ الأعصار المتأخّرة من بعد زمن الأئمّة المجتهدِينَ لم يكن فيها بالمدينةِ مَن فاقَ واحداً مِن غيرها في العلم والفضل فضلاً عن جميعهم، بل سَكَّنَها من أهل البِدعَة الشَّنعاء مَن لا يُشكُّ في سوء نيَّتَه وخُبثٍ طويَّته كما تقدَّم، والله أعلم. ١٧ - باب قولِ الله تعالى: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ﴾ ٧٣٤٦ - حدَّثنا أحمدُ بنُ محمَّدٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا مَعمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن سالم، عن ابنِ عمرَ: أَنَّه سَمِعَ النبيَّ ◌َه يقولُ في صلاةِ الفَجْرِ - وَرَفَعَ رَأْسَه منَ الزُّكوعِ - قال: «اللهُمَّ رَبَّنَا ولَكَ الحمدُ)) في الأخِيرَةِ، ثمَّ قال: «اللهُمَّ العَنْ فلاناً وفلاناً)، فأنزَلَ الله عزَّ وجلَّ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ أَوْيَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]. قوله: ((بابُ قولِ الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ ﴾)» ذكر فيه حديث ابن عمر في ٣١٣/١٣ سبب نزولها، وقد تقدَّم/ بيانه في تفسير آل عمران (٤٥٥٩)، وتقدَّم شيءٌ من شرحه وتَسميةٍ المدعوِّ عليهم في غَزْوة أُحُد (٤٠٧٠). قال ابن بَطّال: دخول هذه التَّرجمة في كتاب الاعتصام من جِهَة دعاء النبيُّ وَّ على المذكورينَ، لكَونِهِم لم يُذْعِنوا للإيمان ليَعتَصِموا به من اللَّعنَة، وأنَّ معنى قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ﴾ هو معنى قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢]. انتهى، ويحتمل أن يكون مُرادُه الإشارة إلى الِخِلَافيَّة المشهورة في أُصول الفقه، وهي: هل كان له وَلّ أن يَجْتَهِد في الأحكام أو لا؟ وقد تقدَّم بسطُ ذلك قبل ثمانية أبواب(١). (١) في باب (٨): ما كان النبي وَ لّ يسأل مما لم ينزل عليه الوحي ... إلى آخره. ١٣٩ باب ١٧/ ح ٧٣٤٦ كتاب الاعتصام قوله: ((عبد الله)) هو ابن المبارَكُ، وسالم: هو ابنُ عبد الله بن عمر، ووَقَعَ في رواية حِبّان ابن موسى عن ابن المبارك في تفسير آل عمران (٤٥٥٩): حدَّثني سالمٌ عن ابن عمر. قوله: ((سمِعتُ رسولَ الله وَيَ(١) يقولُ في صلاة الفَجْرِ، وَرَفَعَ رَأْسَه)) الجُملة حاليَّة، أي: قال ذلك حالَ رفعٍ رأسِه من الرُّكوع. قوله: ((قال: اللهُمَّ رَبّنا لَكَ(٢) الحمد) قال الكِرْمانيُّ: جَعَلَ ذلك القول كالفعلِ اللّازِم، أي: يَفعَلُ القول المذكور، أو هناك شيءٌ محذوف. قلت: لم يَذكُر تقديره، ويحتمل أن يكون بمعنى: قائلاً، أو لفظ ((قال)) المذكور زائداً، ويُؤيِّده أنَّه وَقَعَ في رواية حِبّان بن موسى بلفظ: أنَّه سَمِعَ رسول الله وَ﴿ إذا رَفَعَ رأسه من الرُّكوع في الرَّكعَة الأخيرة من صلاة الفَجر يقول: ((اللهُمَّ ... ))، ويُؤخَذ منه أنَّ محلّ القُنوت عند رفع الرَّأس من الرُّكوع لا قبل الُّكوع. وقوله: ((قال: اللهُمَّ رَبَّنَا لَك(٣) الحمد)) مُعيِّنٌ لكَونِ الرَّفع من الرُّكوع، لأنَّه (٤) ذِكْرُ الاعتدال. وقوله: ((في الأخيرة)) أي: الرَّكعَة الآخِرة وهي الثّانية من صلاة الصُّبح، كما صَرَّحَ بذلك في رواية حِبّان بن موسى، وظنَّ الكِرْمانيُّ أنَّ قوله: ((في الأخيرة)» مُتعلِّق بالحمد، وأَنَّه بَقيَّة الذِّكر الذي قاله النبيُّ وََّ في الاعتدال، فقال: فإن قلت: ما وجه التَّخصيص بالآخِرةِ معَ أنَّ له الحمد في الدُّنيا؟ ثمَّ أجابَ بأنَّ نَعيم الآخِرة أشرَف، فالحمدُ علیه هو الحمدُ حقيقةً، أو المراد بالآخِرةِ: العاقبة، أي: مَآل كلِّ الحُمود إليه. انتهى، وليس لفظ ((في الآخِرة)) من كلام النبيِّ يَّ بل هو من كلام ابن عمر، ثمَّ يُنظَر في جمعه الحمد على ◌ُمود! (١) كذا وقعت هذه العبارة هنا، ولكن الذي في نسخ اليونينية: ((أنه سمع النبي ◌َّ)) دون الإشارة إلى خلاف بين الروايات أو النسخ، والله أعلم. (٢) كذا في الأصلین («لك)) بدون واو، والذي في نسخ الیونینیة دون خلاف: ((ولك)» بالواو. (٣) كذا في الأصلین («لك)) بدون واو، والذي في نسخ اليونينية دون خلاف: ((ولك)» بالواو. (٤) في (أ): وأنه. ١٤٠ باب ١٨/ح ٧٣٤٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((فلاناً وفلاناً) قال الكِرْمانيُّ: يعني: رِعْلاً وذَكْوان، ووَهِمَ في ذلك، وإنَّما سَمَّی ناساً بأعيانهم لا القبائل، كما بيَّتُه في تفسير آل عمران. ١٨ - بابٌ ﴿وَكَانَ آلْإِنسَنُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤] وقولُه تعالى: ﴿وَلَا تُحَدِلُواْأَهْلَ الْكِسَبِ إِلَّ يِاَلَتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] ٧٣٤٧- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ. (ح) حدَّثنا محمَّدٌ، أخبرنا عَتّابُ ابنُ بَشِيرٍ، عن إسحاقَ، عن الزُّهْريِّ، أخبرني عليُّ بنُ حُسَينٍ، أنَّ حُسَينَ بنَ عليٍّ رضي الله عنهما أخبَرَه، أنَّ عليّ بنَ أبي طالب رضي الله عنه قال: إنَّ رسولَ الله وَ طَرَقَه وفاطمةَ عليها السَّلام بنتَ رسولِ اللهِ وَ لَّ، فقال لهم: ((ألا تُصَلُّونَ؟)) فقال عليٍّ: فقلتُ: يا رسولَ الله إنَّما أَنْفُسُنا بَيَدِ الله، فإذا شاءَ أنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنا، فانصَرَفَ رسولُ اللهِ وَِّ حِينَ قال له ذلك ولم يَرجِعْ إليه شيئاً، ثمَّ سَمِعَه وهو مُدِرٌ يَضْرِبُ فخِذَه وهو يقولُ: ((﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلًا﴾). قال أبو عبد الله: يُقالُ: ما أتاكَ لَيْلاً فهو طارقٌ، ويُقال: الطّارقُ: النَّجْمُ، والثّاقبُ: المُضِيءُ، يقال: أثْقِبْ نَارَكَ للمُوقِدِ. ٣١٤/١٣ قوله: ((بابٌ ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلًا﴾ وقولُه تعالى: ﴿وَلَا تُحَدِلُواْ أَهْلَ اُلْكِتَبِ إِلَّا بِأَلَِّى هِىَ أَحْسَنُ﴾)) ذَكَر فيه حديثَين: حديثَ عليٍّ في قول النبيِّ وَلّ: ((ألا تُصَلُّونَ؟)) وجوابِه بقوله: إنََّا أَنفُسُنَا بَيَدِ الله، وتِلاوَةِ النبيِّ وَّهِ الآية، وهو مُتعلّقٌ بالرُّكنِ الأوَّل من التَّرجمة، وحديثَ أبي هريرةَ في مُخاطَبة النبيِّ وَِّ اليهودَ في بيت مِدْراسِهم، وهو مُتَعلِّق بالرُّكنِ الثّاني منها كما سأذكرُه. قال الكِرْمانيُّ: الجِدال: هو الخِصام، ومنه قَبِيحٌ وحسنٌ وأحسَنُ، فما كان للفرائضِ فهو أحسَن، وما كان للمُستَحَبّات فهوَ حَسَن، وما كان لغيرِ ذلك فهو قَبيح، قال: أو هو تابعٌ للطَّريق، فباعتباره يَتَنَوَّع أنواعاً، وهذا هو الظّاهر. انتهى، ويَلزَم على الأوَّل أن يكون في المباح قبيحاً، وفاتَه تَنويعُ القَبيح إلى أقبَح وهو ما كان في الحرام.