النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
باب ٧/ح ٧٣٠٧
كتاب الاعتصام
بيتيمِ عُرْوة، وهو الذي رواه عنه ابنُ لَهِيعة وأبو شُرَيح، ورواه عن عُرْوة أيضاً ولداه: يحيى
وعثمان، وأبو سَلَمةَ بن عبد الرَّحمن وهو من أقرانه، والزُّهْريّ، ووافَقَ عُرْوةً على روايته عن
عبد الله بن عمرو بن العاص عمرُ بن الحَكَم بن ثَوْبان، أخرجه مسلم (١٣/٢٦٧٣) من
طريقه ولم يَسُق لفظه، لكن قال: بمِثْلِ حديث هشام بن عُزْوة، وكان ساقه من روایة جَریر
ابن عبد الحميد عن هشام، وسأذكرُ ما في رواية بعض مَن ذُكِرَ من فائدة زائدة.
قوله: ((عن أبي الأسوَد)) في رواية مسلم بسنِدِه إلى ابن شُرَيح: أنَّ أبا الأسوَد حَدَّثَه.
قوله: ((عن عُرْوة)) زاد حَرمَلة في روايته: بن الزُّبَير.
قوله: ((حَجَّ علينا)) أي: مرَّ علينا حاجّاً ((عبدُ الله بن عَمْرو، فسمعته يقول: سمعت النبيّ ◌ِ
في رواية مسلم: قالت لي عائشة: يا ابن أُختي، بَلَغَني أنَّ عبد الله بن عمرو مارٌّ بنا إلى الحجّ
فالْقَه فسائله، فإنَّه قد حَمَلَ عن النبيّ وَّهِ عِلماً كثيراً، قال: فلَقِيته فسألته عن أشياء يَذْكُرها
عن النبيّ وَّةِ، فكان فيما ذكر: أنَّ النبيّ وَّ قال.
قوله: ((إنَّ الله لا يَنزِعِ العِلْم بعد أنْ أعْطاكُموه)» في رواية أبي ذرِّ عن المُستَملي
والكُشمِيهَنيّ: ((أعطاهُموه)) بالهاءِ ضمير الغَيْبةِ بَدَل الكاف، ووَقَعَ في رواية حَرَمَلة: ((لا
يَنْتَزِع العلمَ من الناس انتزاعاً»، وفي رواية هشام الماضية في كتاب العلم (١٠٠) من طريق
مالك عنه: ((إنَّ الله لا يَقِض العلم انتزاعاً يَنْتَزِعه من العباد))، وفي رواية سفيان بن عُيَينَةَ
عن هشام: ((من قلوب العباد))(١)، أخرجه الحميديّ في ((مُسنَده)) (٥٨١) عنه، وفي رواية
جَرير عن هشام عند مسلم (٢٦٧٣/ ١٣) مِثله، لكن قال: ((من الناس)) وهو الوارد في أكثر
الرِّوايات، وفي رواية محمَّد بن عَجْلان عن هشام عند الطَّبَرانيّ (١٤٢١٤): ((إنَّ الله لا يَنْزِع
العلم انتزاعاً يَنْتَزِعه منهم بعد أن أعطاهم)) ولم يَذكُر على مَن يعود الضَّمير، وفي رواية
مَعمَر عن هشام عند الطَّبَرانيّ (١٤٢٢٣): ((إنَّ الله لا يَنزع العلم من صُدور الناس بعد أن
يُعطِيَهم إيّاه)).
(١) في المطبوع من (مسند الحميدي)): ((قلوب الرجال)).

٨٢
باب ٧/ح ٧٣٠٧
فتح الباري بشرح البخاري
وأظنُّ عبدَ الله بنَ عمرو إنَّمَا حَدَّثَ بهذا جواباً عن سؤال مَن سألَه عن الحديث الذي
رواه أبو أُمامةَ، قال: لمَّا كان في حجَّة الوَدَاعِ قامَ رسول الله ◌ََّ على جملِ آدَمَ فقال: ((يا أيّها
الناس، خُذوا من العلم قبل أن يُقبَض، وقبل أن يُرفَع من الأرض)) الحديث، وفي آخره:
((ألا إنَّ ذهاب العلم ذهابُ حَلَته)) ثلاث مرَّات، أخرجه أحمد (٢٢٢٩٠) والطََّرانيُّ
(٧٩٠٦) والدَّارِمِيُّ (٢٤٠)، فبيَّن عبدُ الله بن عمرو أنَّ الذي وَرَدَ في قَضِ العلم ورَفْع
العلم إنَّما هو على الكيفيَّة التي ذكرها، وكذلك أخرج قاسم بن أصبَغ ومن طريقه ابنُ
عبد البَرّ(١): أنَّ عمر سَمِعَ أبا هريرةَ يُحدِّث بحديثِ: ((يُقبَض العلم)) فقال: إنَّ قبضَ العلم
ليس شيئاً يُنزَع من صُدور الرِّجال، لكنَّه فَناءُ العلماء، وهو عند أحمد (١٠٢٣١) والبزَّار (٩٣٧٨)
من هذا الوجه.
قوله: ((ولكنْ يَنْتَزِعه منهم معَ قَبْض العلماء بعِلْمِهِم)) كذا فيه، والتَّقدير: يَنْتَزِعه بقَبضِ
العلماء معَ عِلْمهم، ففيه نوعُ قلبٍ، ووَقَعَ في رواية حَرمَلة: ((ولكن يَقِض العلماءَ فيُرفَع
العلم معهم))، وفي رواية هشام: ((ولكن يَقبض العلم بقَبضِ العلماء)) ، وفي رواية مَعمَر:
((ولكنَّ ذهابهم قَبضُ العلم))، ومعانيها مُتَقاربة.
قوله: «فَبقَى ناس جُهّال)) هو بفتح أوَّل ((يَبقَى))، وفي رواية حَرملة: «ويُبقي في الناس
رُؤوساً جُهّالاً)) وهو بضمٌّ أوَّل ((يُبقي))، وتقدَّم في كتاب العلم ضبط ((رُؤوساً) هل هو
بصيغةِ جمع رأس، وهي رواية الأكثر، أو رَئيس، وفي رواية هشام: ((حتَّى إذا لم يَبَقَ عالمٌ)
هذه رواية أبي ذرٍّ من طريق مالك، ولغيرِه: ((لم يُبقِ عالماً اتَّخَذَ الناس رُؤوساً جُهّالاً))، وفي
رواية جَرير عند مسلم (١٣/٢٦٧٣): ((حتَّى إذا لم يَتْرُك عالماً)) ، وكذا في رواية صفوان بن
سُلَيم عند الطَّبَرانيّ (١٤٢٢٤)، وهي تُؤْيِّد الرِّواية الثّانية، وفي رواية محمَّد بن عَجْلان:
٢٨٥/١٣ ((حتَّى إذا لم يَبقَ عالم))، وكذا في رواية شُعْبة عن / هشام، وفي رواية محمّد بن هشام بن عُرْوة
عن أبيه عند الطَّبَرانيّ (١٤٢٢٥): ((فيصير للنّاسِ رُؤوس جُهّال))، وفي رواية مَعمَر عن الزُّهْريِّ
(١) في ((جامع بيان العلم)) (١٠٠٢).

٨٣
باب ٧/ح ٧٣٠٧
كتاب الاعتصام
عن عُرْوة عنده (١٤٢٣٢): ((بعد أن يُعطيَهم إيّاه، لكن يَذْهَبُ العلماء، كلّما ذهب عالم ذهب بما
معه من العلم، حتَّى يَبقَى مَن لا يَعلَم)).
قوله: ((يُسْتَقْتَوْنَ فِيُقْتُونَ بِرَأْبِهِم فيَضِلُّونَ) بفتح أوَّله (ويُضِلُّونَ)) بضمِّه، وفي رواية حَرمَلة:
(يُفْتُونَهم بغيرِ عِلمٍ فَيَضِلّونَ ويُضِلّونَ))، وفي رواية محمَّد بن عَجْلان: ((يَستَقْتوَهم فيُمْتوَهم))
والباقي مِثله، وفي رواية هشام بن عُرْوة: ((فسُئلوا فأفتَوْا بغيرِ علم، فضَلُّوا وأضَلُّوا)) وهي
رواية الأكثر، وخالَفَ الجميعَ قيسُ بن الرَّبيع - وهو صَدُوق ضُعِّفَ من قِبَل حِفْظه ـ
فرواه عن هشام بلفظ: ((لم يزلْ أمرُ بني إسرائيل مُعتَدِلاً، حتَّى نَشَأ فيهم أبناءُ سَبَايا الأُمَم
فأفْتَوْا بالرَّأي فضَلُّوا وأضَلُّوا))، أخرجه البزَّار (٢٤٢٤) وقال: تفرَّد به قيس، قال: والمحفوظ
بهذا اللَّفظ ما رواه غيره عن هشام فأرسَلَه.
قلت: والمرسَل المذكور أخرجه الحميديّ في ((النَّوادر)) - والبَيهَقيُّ في ((المدخَل)) (٢٢٢) من
طريقه - عن ابن عُبَينَةَ قال: حدَّثنا هشام بن عُزْوة عن أبيه، فذكره کرواية قيس سواء.
قوله: ((فحَدَّثتُ به عائشةَ)) زاد حَرمَلة في روايته: فلمَّا حَدَّثْتُ عائشة بذلك أعظمَت ذلك
وأنكَرَته، وقالت: أحدَّتَك أنَّه سَمِعَ النبيّ ◌َلل يقول هذا؟
قوله: (ثُمَّ إِنَّ عبد الله بن عَمْرو حَجّ بَعْدُ، فقالت: يا ابن أُخْتِي، انطَلِقْ إلى عبد الله، فاستَثبِتْ لي
منه الذي حَدَّثْتَني عنه) في رواية حَرمَلة: أنَّه حَجَّ من السَّنَة المقبلة، ولفظه: قال عُرْوة: حتَّى إذا
كان قابِلٌ قالت له: إنَّ ابن عَمْرٍو قد قَدِمَ فالْقَه، ثمَّ فاتِحْه حتَّى تسألَه عن الحديث الذي ذكره
لك في العلم.
قوله: ((فجِئْتُه فسألته)» في رواية حَرْمَلة: فَلَقِيتُه.
قوله: «فحَدَّثَني به)) في رواية حَرمَلة: فذكره لي.
قوله: ((كنحو ما حَدَّثَني)) في رواية حَرمَلة: بنحو ما حدَّثني به في مرَّته الأولى، ووَقَعَ في
رواية سفيان بن عُيَينةَ الموصولة: قال عُرْوة: ثمَّ لَبِثتُ سنةً ثمَّ لَقِيت عبدَ الله بن عَمرو في
الطَّواف فسألته فأخبَرني به، فأفادَ أنَّ لقاءَه إيّاه في المرّة الثّانية كان بمكَّة، وكأنَّ عُرْوة كان

٨٤
باب ٧/ح ٧٣٠٧
فتح الباري بشرح البخاري
حَجَّ في تلك السَّنَة من المدينة وحَجَّ عبدُ الله من مِصر فَبَلَغَ عائشةَ، ويكون قولها: قد قَدِمَ،
أي: من مِصرَ طالباً لمَكَّة لا أنَّه قَدِمَ المدينة، إذ لو دَخَلَها لَلَقِيَه عُرْوةُ بها، ويحتمل أن تكون
عائشة حَجَّت تلك السَّنَة وحَجَّ معها عُرْوة، فَقَدِمَ عبدُ الله بعدُ، فلَقِيَه عروةٌ بأمرِ عائشة.
قوله: ((فعَجِبَتْ فقالت: والله لقد حَفِظَ عبدُ الله بن عَمْرو)) في رواية حَرمَلة: فلمَّا أخبرتُها
بذلك قالت: ما أحسَبُهُ إلّا صَدَقَ، أَراه لم يَزِدْ فيه شيئاً ولم يُنقِص. قلت: ورواية الأصل
تحتمل أنَّ عائشة كان عندها عِلمٌ من الحديث، وظنَّت أنَّه زاد فيه أو نَقَصَ، فلمَّا حَدَّثَ به
ثانياً كما حَدَّثَ به أوَّلاً، تَذَكَّرَت أنَّه على وَفْقِ ما كانت سَمِعَت، ولكنَّ رواية حَرمَلة التي
ذكر فيها أنَّها أنكَرَت ذلك وأعظمَته، ظاهرة في أنَّه لم يكن عندها من الحديث علم، ويُؤَيِّد
ذلك أنّها لم تَستَدِلَّ على أنَّه حَفِظَه إلّا لكونه حَدَّثَ به بعد سنة كما حَدَّثَ به أوَّلاً، لم يَزِدْ ولم
يَنْقُص.
قال عِيَاض: لم تَتَّهِم عائشةُ عبدَ الله، ولكن لعلَّها نَسَبَت إليه أنَّه ممَّا قرأه من الكتب
القديمة، لأنَّه كان قد طالَعَ كثيراً منها، ومن ثَمَّ قالت: أحدَّثَك أنَّ سَمِعَ النبيَّ ◌َّ يقول
هذا؟ انتهى، وعلى هذا فرواية مَعمَر له عن الزّهْريِّ عن عُرْوة عن عبد الله بن عَمرو هي
المعتمَدَة، وهي في ((مُصنَّف عبد الرَّزّاق)) (٢٠٤٧١)، وعند أحمد (٦٨٩٦) والنَّسائيِّ
(ك٥٨٧٧)، والطَّبَرانيّ (١٤٢٣٢) من طريقه، ولكنَّ الِّرمِذيّ (٢٦٥٢) لمَّا أخرجه من
رواية عَبْدة بن سليمان عن هشام بن عُرْوة قال: رَوَى الزُّهْريُّ هذا الحديث عن عُرْوة عن
عبد الله بن عَمرو، وعن عُرْوة عن عائشة.
وهذه الرِّواية التي أشارَ إليها روايةُ يونس بن يزيد عن الزُّهْريِّ عن عُرْوة عن عائشة،
أخرجه أبو عَوَانة في ((صحيحه)) والبزَّار من طريق شَبيب بن سعيد عن يونس، وشَبيب في
حِفْظُه شيء وقد شَذَّ بذلك، ولمَّا أخرجه عبد الرَّزّاق من رواية الزّهْريِّ أردَفَه بروايةٍ
٢٨٦/١٣ مَعمَر (٢٠٤٧٧) عن يحيى بن أبي كثير عن عُرْوة عن عبد الله بن عمرو قال: أشهَدُ/ أنَّ
رسول الله وَّم قال: ((لا يرفعُ الله العلمَ بقَبضٍ يَقْبِضُه ولكن يَقِضُ العلماء)) الحديث، وقال

٨٥
باب ٧/ح ٧٣٠٧
كتاب الاعتصام
ابن عبد البَرّ في ((بيان العلم)) (١٠٠٩): رواه عبد الرَّزّاق أيضاً عن مَعمَر عن هشام بن عُرْوة
بمعنی حدیث مالك.
قلت: ورواية يحيى أخرجها الطَّيالِسيُّ (٢٤٠٦) عن هشام الدَّستُوائيّ عنه، ووَجَدتُ
عن الزُّهْرِيِّ فيه سَنَداً آخَر، أخرجه الطَّبَرانيُّ في ((الأوسط)) (٦٤٠٣) من طريق العلاء بن
سليمان الرَّقِّيّ عن الزُّهْريِّ عن أبي سَلَمةَ عن أبي هريرةَ، فذكر مِثلَ رواية هشام سواءً، لكن
زاد بعد قوله: ((وأضَلَّوا)): ((عن سواءِ السَّبيل))، والعلاء بنُ سليمان ضَعَّفَه ابن عَديٌّ،
وأورَدَه (٨٧٣٧) من وجه آخَر عن أبي هريرةَ بلفظِ رواية حَرمَلة التي مَضَت، وسنده ضعيف،
ومن حديث أبي سعيد الخُدريِّ (١٨٩٢) بلفظ: ((يَقبِض الله العلماء ويَقْبِض العلمَ معهم،
فَتَنشَأ أحداثٌ يَنْزُو بعضُهم على بعض نَزوَ العَيْر على العَيْرِ، ويكونُ الشَّيخ فيهم مُستَضعَفاً»
وسنده ضعيف، وأخرج الدَّارِميُّ (٢٤٥) من حديث أبي الدَّرداء قولَه: رَفعُ العلم ذهاب
العلماء، وعن حُذَيفة (٢٤٤): قَبضُ العلم قَبِضُ العلماء، وعند أحمد عن ابن مسعود(١) قال: هل
تَدرُونَ ما ذهاب العلم؟ ذهابُ العلماء، وأفادَ حديث أبي أمامةَ الذي أشرتُ إليه أوَّلاً
وقتَ تحديث النبيِّ ◌َّ بهذا الحديث(٢).
وفي حديث أبي أمامةَ من الفائدة الزّائدة: أنَّ بقاء الكتب بعد رفع العلم بموت العلماء
لا يُغني مَن ليس بعالم شيئاً، فإِنَّ في بَقيَّتَه: فسألَه أعرابيّ فقال: يا نبيّ الله، كيف يُرفَع العلم
مِنّا وبين أظهرنا المصاحف، وقد تَعلَّمْنا ما فيها وعَلَّمناها أبناءَنا ونساءنا وخَدَمَنا؟ فَرَفَعَ
إليه رأسه وهو مُغضَب فقال: ((وهذه اليهود والنَّصارى بين أظهرهم المصاحف، لم يَتعلَّقوا
منها بحرفٍ فیما جاءهم به أنبیاؤُهم».
ولهذه الزّيادة شواهد من حديث عوف بن مالك وابنٍ عمر وصفوان بن عَسّال
(١) كذا وقع له، وهو ذهولٌ، والصواب: ابن عباس، كما في «مسند أحمد)» (١٩٤٦).
(٢) وهو في حجّة الوداع، وقد سلفت الإشارة إليه قبل ثلاث صفحات، وقد أخرجه أحمد (٢٢٢٩٠) وغيره،
وإسناده ضعيف.

٨٦
باب ٧/ح ٧٣٠٧
فتح الباري بشرح البخاري
وغيرهم(١)، وهي عند التِّرمِذيّ (٢٦٥٣) والطَّبَرانيّ (٧٣٩٨) والدَّارِميّ (٢٤١-٢٤٩)
والبزَّار (٢٧٤١ و٥٣٩٤) بألفاظ مُخْتَلِفَة، وفي جميعها هذا المعنى، وقد فَسَّرَ عمرُ قبضَ العلم
بما وَقَعَ تفسيره به في حديث عبد الله بن عمرو، وذلك فيما أخرجه أحمد (١٠٢٣١) من طريق
يزيد بن الأصَمّ عن أبي هريرةَ ... فذكر الحديث، وفيه: ((ويُرفَع العلم)) فسَمِعَه عمر فقال: أما إنَّه
ليس يُنزَع من صُدور العلماء ولكن بذهابِ العلماء؛ وهذا يحتمل أن يكون عند عمر مرفوعاً،
فيكونُ شاهداً قويّاً لحديث عبد الله بن عمرو.
واستُدِلَّ بهذا الحديث على جواز خُلوِّ الزّمان عن مُجْتَهِد، وهو قول الجمهور خِلافاً
لأكثر الحنابلة وبعضٍ من غيرهم، لأنّه صريح في رفْع العلم بقبض العلماء، وفي ترئیس
أهل الجهل ومن لازمِه الحكمُ بالجهل، وإذا انتَفَى العلم ومَن يَحكم به استلزَمَ انتفاءُ
الاجتهاد والمجتهد، وعُورِضَ هذا بحديث: ((لا تزال طائفة من أمَّتي ظاهرينَ حتَّى يأتيهم
أمُرُ الله)) وفي لفظ: ((حتَّى تقومَ السّاعة)) أو ((حتَّى يأتيَ أمرُ الله))، ومضى في العلم (٧١)
كالأوَّل بغير شَكٍّ، وفي رواية مسلم (١٩٢٠): ((ظاهرينَ على الحقّ حتَّى يأتيَ أمُرُ الله)) ولم
يَشُكَّ، وهو المعتمَد.
وأُجِيبَ أوَّلاً: بأنَّه ظاهر في عَدَم الخُلوّ لا في نَفْي الجواز، وثانياً: بأنَّ الدَّليل للأوَّل
أظهَرُ للتَّصريح بقبضِ العلم تارةً وبرَفعِه أُخرى بخِلَاف الثّاني، وعلى تقدير التَّعارُض
فيَبقَى أَنَّ الأصل عَدَمُ المانع. قالوا: الاجتهاد فرضُ كِفاية، فَيَستَلِزِم انتفاؤُه الاتِّفَاقَ على
الباطل، وأُجيبَ بأنَّ بقاءَ فرضِ الكِفاية مشروط ببقاءِ العلماء، فأمّا إذا قامَ الدَّليل على
انقِراض العلماء فلا، لأنَّ بفَقْدِهم تَنْتَفي القُدْرة والتَّمَكُّن من الاجتهاد، وإذا انتَفَى أن
يكون مقدوراً، لم يَقَع التَّكليف به، هكذا اقْتَصَرَ عليه جماعة، وقد تقدَّم في ((باب تَغُرُ
الزّمان حتَّى تُعبَد الأوثان)) في أواخر كتاب الفتن (٢٣) ما يشير إلى أنَّ محلّ وجود ذلك
عند فَقْد المسلمينَ بُهُبُوبِ الرِّيحِ التي تَهُبّ بعد نزول عيسى عليه السلام، فلا يَبقَى أحدٌ في
(١) انظر ((مجمع الزوائد)) للهيثمي ١٩٩/١-٢٠٢.

٨٧
باب ٧/ح ٧٣٠٧
كتاب الاعتصام
قلبه مِثقالُ ذَرَّة من الإيمان إلّا قَبَضَتِه، ويَبقَى شِرارُ الناس، فعليهم تقوم السّاعة، وهو
بمعناه عند مسلم (١٩٢٤) كما بيَّنْتُه هناك، فلا يَرِدُ اتَّفاق المسلمينَ على ترك فرض الكِفاية
والعمل بالجهلِ لعَدَمٍ وجودهم، وهو / المعبَّر عنه بقوله: ((حتَّى يأتيَ أمرُ الله))، وأمّا الرِّواية ٢٨٧/١٣
بلفظ: ((حتَّى تقوم السّاعة))(١) فهي محمولة على إشرافها بوجودٍ آخر أشراطها، وقد تقدَّم
هذا بأدلَّتِهِ في الباب المذكور، ويُؤيِّده ما أخرجه أحمد(٢) وصَخَّحَه الحاكم (٤٧٣/٤) عن
حُذَيفة رَفَعَه: ((يَدرُس الإسلامُ كما يَدِرُس وَشْيُ الثَّوب))، إلى غير ذلك من الأحاديث،
وجَوَّزَ الطَّبَرُّ أن يُضمَر في كلٌّ من الحديثَينِ المحَلّ الذي يكونُ فيه تلك الطّائفة، فالموصوفونَ
بشِرار الناس الذينَ يَبقَونَ بعد أن تَقِضَ الرّيحِ مَن تَقِضه، يكونون مَثَلاً ببعضِ البلاد
كالمشرقِ الذي هو أصل الفتن، والموصوفونَ بأنَّهم على الحقّ يكونون مَثَلاً ببعضِ البلاد
كبيت المقدس، لقولِه في حديث معاذ: إنَّهم بالشّام(٣)، وفي لفظ: ((بيت المقدس))(٤)، وما
قاله وإن كان مُتَمَلاً، يَرُدّه قوله في حديث أنس في ((صحيح مسلم)) (١٤٨): ((لا تقوم السّاعة
حتَّى لا يُقالَ في الأرض: الله الله))، إلى غير ذلك من الأحاديث التي تقدَّم ذِكرُها في معنى ذلك،
والله أعلم.
ويُمكِن أن تُنَزَّل هذه الأحاديث على التَّرتيب في الواقع، فيكونُ أوّلاً رفعُ العلم بقَبضٍ
العلماء المجتهدينَ الاجتهادَ المطلَق ثمَّ المقيَّد ثانياً، فإذا لم يَبقَ مُجْتَهِد استَوَوْا في التَّقليد، لكن
رُبَّما كان بعض المقلِّدينَ أقرَبَ إلى بلوغ درجة الاجتهاد المقيَّد من بعض، ولا سيّما إن فرَّعنا
على جواز تجزُّؤ الاجتهاد، ولكن لغَلَبة الجهل يُقدِّم أهلُ الجهل أمثالهم، وإليه الإشارة بقوله:
((لَّخَذَ الناسِ رُؤوساً جُهّالاً)، وهذا لا يَنْفي ترئيس بعض مَن لم يَتَّصِف بالجهلِ التّامّ، كما لا
يَمْتَنِعِ ترئيس مَن يُنسَب إلى الجهل في الجملة في زمن أهل الاجتهاد.
(١) ستأتي على الشك في حديث معاوية برقم (٧٣١٢)، وانظر حديث سعد عند مسلم (١٩٢٥).
(٢) لم نقف عليه عند أحمد، وأخرجه ابن ماجه برقم (٤٠٤٩).
(٣) سلف برقم (٣٦٤١)، وهو من قول معاذ بن جبل.
(٤) هو في حديث أبي أمامة عند أحمد (٢٢٣١٩)، وفي سنده لین.

٨٨
باب ٧/ ٧٣٠٧
فتح الباري بشرح البخاري
وقد أخرج ابن عبد البَرّ في كتاب ((العلم)) من طريق عبد الله بن وَهْب: سمعتُ خلَّاد
ابن سليمان الحَضرَميّ يقول: حدَّثنا دَرّاج أبو السَّمْح يقول: يأتي على الناس زمان يُسمِّن
الرجل راحلتَه حتَّى يسير عليها في الأمصار يَلتَمِس مَن يُفتيه بسُنَّةٍ قد عَمِلَ بها، فلا يَجِدُ إلّا
مَن يُفتيه بالظَّنِّ؛ فيُحمَل على أنَّ المراد الأغلبُ الأكثرُ في الحالَين.
وقد وُجِدَ هذا مُشاهَداً، ثمَّ يجوز أن يُقبَض أهل تلك الصِّفة، ولا يَبقَى إلّا المقلِّد
الصِّرْف، وحينَئِذٍ يُتصَوَّر خُلُوُّ الزّمان عن مُجْتَهِد حتَّى في بعض الأبواب بل في بعض
المسائل، ولكن يَبقَى مَن له نِسبةٌ إلى العلم في الجملة، ثمَّ یزداد حينئذٍ غَلبُ الجهل وترئیس
أهله، ثمَّ يجوز أن يُقبَض أولئكَ حتَّى لا يَبقَى منهم أحد، وذلك جدير بأن يكون عند
خروج الدَّجّال، أو بعد موت عيسى عليه السلام، وحينئذٍ يُنصَوَّر خُلُوُ الزّمان عمَّن
يُنسَب إلى العلم أصلاً، ثمَّ تَهُبّ الرّيح فَتَقبِض كلَّ مُؤمِن، وهناك يَتَحقَّق خُلوُّ الأرض عن
مسلم، فضلاً عن عالمٍ، فضلاً عن مُجْتَهِد، ويَبقَى شِرارُ الناس، فعليهم تقوم السّاعة، والعلمُ
عند الله تعالى.
وقد تقدَّم في أوائل كتاب الفتن(١) كثيرٌ من المباحث والنُّقول المتعلِّقة بقَبضِ العلم، والله
المستعان.
وفي الحديث الَّجرُ عن ترئيس الجاهل لما يَترتَّب عليه من المفسَدَة، وقد يَتَمسَّك به مَن
لا يُجيز توليةَ الجاهل بالحُكم ولو كان عاقلاً عَفيفاً، لكن إذا دار الأمرُ بين العالم الفاسِق
والجاهل العفيف، فالجاهل العفيف أولى لأنَّ وَرَعَه يَمنَعُه عن الحُكم بغيرِ عِلم، فَيَحمِله
على البحث والسُّؤال.
وفي الحديث أيضاً حَضُّ أهل العلم وطَلَبَتَه على أخذِ بعضهم عن بعض، وفيه شهادةُ
بعضهم لبعضٍ بالحِفظِ والفضل، وفيه حَضّ العالم طالبَه على الأخذ عن غيره ليستفيدَ ما
ليس عنده، وفيه التثُبُّت فيما يُحدِّث به المحدِّث إذا قامت قَرِينة الذَّهول، ومُراعاة الفاضل
(١) انظر الباب (٤): ظهور الفتن.

٨٩
باب ٧/ح ٧٣٠٧
كتاب الاعتصام
من جِهَة قول عائشة: اذهب إليه ففاتِحْه حتَّى تسأله عن الحديث، ولم تَقُل له: سَلْه عنه
ابتداءً، خشيةً من استیحاشه.
وقال ابن بَطّال: التَّوفيق بين الآية والحديث في ذَمِّ العمل بالرَّأي، وبين ما فعَلَه السَّلَف من
استنباط الأحكام، أنَّ نَصَّ الآية ذَمُّ القول بغيرِ عِلم، فخَصَّ به مَن تَكلَّمَ بَرَأيٍ مجرّد عن
استناد إلى أصلٍ، ومعنى الحديث: ذَمُّ مَن أفتَى معَ الجهل، ولذلك وَصَفَهم بالضَّلالِ
والإضلال، وإلّا فقد مَدَحَ مَن استَنبَطَ من الأصل، لقوله: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ.
مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]، فالرَّأي إذا كان مُستَنِداً إلى أصلٍ من الكتاب أو السُّنَّة أو الإجماع، فهو ٢٨٨/١٣
المحمود، وإذا كان لا يَستَنِد إلى شيء منها فهو المذموم.
قال: وحديث سهل بن حُنَيف وعمر بن الخطّاب وإن كان يَدُلّ على ذَمِّ الرَّأي، لكنَّه
مخصوص بما إذا كان مُعارِضاً للنَّصّ، فكأنَّه قال: انَِّموا الرَّأي إذا خالَفَ السُّنَّة، كما وَقَعَ
لنا حيثُ أمَرَنا رسول الله وَّهِ بِالتَّحَلُّلِ فأحبَبنا الاستمرارَ على الإحرام، وأرَدنا القتال
لنُكمِلِ نُسُكَنا ونَقهَر عدوًّنا، وخَفيَ عنَّا حينَئِذٍ مَا ظَهَرَ للنبِّيَِّ مَا حُمِدَت عقباه. وعمر
هو الذي كَتَبَ إلى شُرَيح: انظُر ما تَبيَّن لك من كتاب الله فلا تسأل عنه أحداً، فإن لم يَتَبَّن
لك من كتاب الله فاتَّبِع فيه سُنَّة رسول الله وَّه، وما لم يَتَبَّن لك من السُّنَّة فاجتَهِد فيه
رأيك، هذه رواية سَيّار عن الشَّعْبيّ، وفي رواية الشَّيبانيِّ عن الشَّعْبِيّ عن شُرَيح: أنَّ عمر
كَتَبَ إليه نحوه (١)، وقال في آخره: اقضٍ بما في كتاب الله، فإن لم يكن فبما في سُنَّة
رسول الله، فإن لم يكن فبما قَضَى به الصالحونَ، فإن لم يكن فإن شئت فتقدَّم وإن شئت
فَتَأخَّر، ولا أرَى التَّأُخِّر إلّا خيراً لك؛ فهذا عمرُ أمَرَ بالاجتهاد، فدَلَّ على أنَّ الرَّأي الذي
ذَمَّه ما خالَفَ الكتابَ أو السُّنَّة.
وأخرج ابن أبي شَيْبة (٧/ ٢٤١) بسندٍ صحيح عن ابنِ مسعود نحوَ حديث عمر من
رواية الشَّيبانيّ، وقال في آخره: فإن جاءَه ما ليس في ذلك فليَجتَهِدْ رأيَه، فإنَّ الحلال بيِّنٌ
(١) أخرجه ابن أبي شيبة ٧/ ٢٤٠، والنسائي (٥٣٩٩).

٩٠
باب ٧/ح ٧٣٠٨
فتح الباري بشرح البخاري
والحرام بيِّنٌ، فدَعْ ما يَرِيبك إلى ما لا يَرِيبك(١).
٧٣٠٨ - حدَّثنا عَبْدانُ، أخبرنا أبو حمزةَ، سمعتُ الأعمشَ، قال: سألتُ أبا وائلٍ: هل
شَهِدْتَ صِفِّينَ؟ قال: نَعَم، فسمعتُ سَهْلَ بنَ حُنَيَفٍ يقولُ (ح) وحدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ،
حذَّثنا أبو عَوَانَةَ، عن الأعمشِ، عن أبي وائلٍ قال: قال سَهْلُ بنُ حُنَيْفٍ: يا أيُّها الناسُ،
الشَِّموا رأيُكم على دِينِكم، لقد رأيتُني يومَ أبي جَنْدَلٍ، ولو أستطيعُ أنْ أَرُدَّ أمرَ رسولِ الله وَّ
لَرَدَدْتُه، وما وَضَعْنا سيوفَنا على عَواتِقِنا إلى أمرٍ يُفظِعُنا، إلّا أَسهَلْنَ بنا إلى أمرٍ نَعرِفُه، غيرَ
هذا الأمر.
قال: وقال أبو وائلٍ: شَهِدتُ صِفِّينَ وبِئسَتْ صِفِّينُ.
قوله: ((حدَّثْنَا عَبْدانُ)) هو عبد الله بن عثمان، وعبدانُ لَقَب، وأبو حمزة بالمهمَلةِ ثمَّ الزّاي: هو
السُّكَّريّ، وساقَ المتنَ على لفظ أبي عَوَانة، لأَنَّه ساقَ لفظ عبدانَ في كتاب الجِزية (٣١٨١)،
ووَقَّعَت رواية أبي عَوَانة مُقَدَّمةً على رواية أبي حمزة، وساقَ المتن ثمَّ عَطَفَ عليه رواية أبي حمزة،
وفي آخره: فسمعتُ سهل بن حُنيف يقول ذلك.
قوله: «قال سهل بن خُنيف: يا أيها الناس)) قد تقدَّم بيان سبب خُطْبته بذلك في تفسیر
سورة الفتح (٤٨٤٤)، وبيان المراد بقولِ سهل: يوم أبي جَندَل.
وقوله: ((يُفْظِعنا)) بالظّاءِ المعجَمة المكسورة بعد الفاء السّاكنة، أي: يُوقِعنا في أمر فَظِيع،
وهو الشَّديد في القُبح ونحوه.
وقوله: ((إلّا أسهَلْنَ)) بسكونِ اللّام بعد الهاء والنُّون المفتوحَتَين، والمعنى: أنْزَلَتْنا في السَّهل من
الأرض، أي: أفضَينَ بنا، وهو كناية عن التَّحَوُّل من الشِّدَّة إلى الفَرَج.
وقوله: ((بنا)) في رواية الكُشمِيهَنيّ: بها، ومُراد سهل: أنَّهم كانوا إذا وَقَعوا في شِدَّة
يحتاجونَ فيها إلى القتال في المغازي والثُّبوت والفُتوح العُمَرِيَّة، عَمَدوا إلى سيوفهم
فَوَضَعوها على عَوَاتِقِهم، وهو كِناية عن الجِدّ في الحرب، فإذا فعلوا ذلك انتَصَروا، وهو
(١) وهو عند النسائي (٥٣٩٧) و (٥٣٩٩).

٩١
كتاب الاعتصام
المراد بالتُّزولِ في السَّهل، ثمَّ استثنى الحرب التي وَقَعَت بصِفّينَ، لما وَقَعَ فيها من إبطاء
النَّصر وشِدَّة المعارضة من حُجَج الفريقين، إذ حُجَّة عليّ ومَن معه ما شُرِعَ لهم من قتال
أهل البَغْي حتَّى يَرجِعوا إلى الحقّ، وحُجَّة معاوية ومَن معه ما وَقَعَ من قتل عثمان مظلوماً،
ووجودِ قَتَلِتِهِ بأعيانهم في العسكر العراقيّ، فعَظُمَت الشُّبهة حتَّى اشتَدَّ القتال وكَثُرَ القتل
في الجانبين، إلى أن وَقَعَ الَّحكيم، فكان ما كانَ.
قوله: ((وقال أبو وائل: شَهِدْتُ صِفّينَ، وبِئسَتْ صِفّينُ)) كذا لأبي ذرّ، ولغیرِهِ: وِئْسَ
صِفُّونَ، وفي رواية النَّسَفيِّ مِثله، ولكن قال: وبئست الصِّفَّون، بزيادةِ ألفٍ ولام، والمشهور في
صِفّينَ كسر الصّاد المهمَلة، وبعضهم فَتَحَها، وجَزَمَ بالكسرِ جماعة من الأئمّة، والفاء
مكسورة مُثقَّلة اتّفاقاً، والأشهر فيها بالياءِ قبل النُّون كمارِدِينَ وفِلَسطين وقِنْسرينَ وغيرها،
ومنهم مَن أبدَلَ الياء واواً في الأحوال، وعلى هاتَيْنِ اللُّغَينِ فإعرابها إعراب غِسْلين
وعُرْبون، ومنهم مَن أعرَبَها إعرابَ جمع المذكَّرِ السّالم، فتتصرّفُ بحَسَب العوامل، مِثل:
﴿لَفِى عِلَّيِينَ (٥) وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا عِلَيُونَ﴾ [المطففين: ١٨-١٩]، ومنهم مَن فَتَحَ النُّون معَ الواو
لُزوماً، نَقَلَ كلَّ ذلك ابنُ مالك، ولم يَذكُر فتح النُّون معَ الياء لُزوماً.
وقوله: (اتَّهِموا رَأَيُكم على دينِكم)) أي: لا تَعمَلوا في أمر الدِّين بالرّأي المجرّد الذي/ لا ٢٨٩/١٣
يَستَنِدِ إلى أصل من الدّينُ، وهو كنحو قول عليٍّ فيما أخرجه أبو داود (١٦٢) بسندٍ حسن:
لو كان الدّينُ بالرَّأي لكانَ مَسحُ أسفَل الخُفّ أَولى من أعلاه، والسَّبَب في قول سهل ذلك
ما تقدَّم بيانه في استتابة المرتَدّين، أنَّ أهل الشّام لمَّ استَشعَروا أنَّ أهل العراق شارَفوا أن
يَغْلِبوهم، وكان أكثرُ أهل العراق من القُرّاء الذينَ يُبَالِغُونَ في التَّديُّن، ومن ثَمَّ صارَ منهم
الخوارجُ الذينَ مضى ذِكرُهم، فأنكروا على عليّ ومَن أطاعَه الإجابة إلى التَّحكيم، فاستَنَدَ
عليٌّ إلى قصَّة الْحُدَيبية، وأنَّ النبيّ ◌َّهِ أجابَ قُرَيشاً إلى المصالحة معَ ظُهور غَلَبَتَه لهم،
وتَوقَّفَ بعضُ الصَّحابة أوَّلاً حتَّى ظَهَرَ لهم أنَّ الصَّواب ما أمرهم به، كما مضى بيانُهُ مُفصَّلاً في
الشُّروط (٢٧٣١).

٩٢
باب ٧/ح ٧٣٠٨
فتح الباري بشرح البخاري
وأوَّلَ الكِرْمانيُّ كلامَ سهل بن حُنَيَف بحَسَب ما احتَمَلَه اللَّفظ، فقال: كأنَّهم اتَّهَموا
سهلاً بالتَّقصير في القتال حينئذٍ، فقال لهم: بل التَّهِموا أنتم رأيكم، فإنّي لا أُقصِّرُ كما لم أكُن
مُقصِّراً يوم الحُدَيبية وقتَ الحاجة، فكما تَوقَّفتُ يوم الحُدَيبية من أجل أنّي لا أُخالِفِ حُكمَ
رسول الله وَلَّ، كذلك أتوقَّف اليوم لأجل مَصلَحة المسلمينَ.
وقد جاءَ عن عمر نحوُ قول سهل، ولفظه: اتَّقوا الرَّأي في دينكم، أخرجه البَيهَقيُّ
في ((المدخَل)) (٢١٠) هكذا تُخُتَصَراً، وأخرجه هو (٢١٧) والطَّبَريّ والطَّبَرانيُّ (٨٢)
مُطوَّلاً بلفظ: التَّهِموا الرَّأي على الدِّين، فلقد رأيتُنِي أَرُدُّ أمرَ رسول الله وَّه برأيي اجتهاداً،
فوالله ما ألُو عن الحقّ، وذلك يومَ أبي جَندَل، حتَّى قال لي رسول الله وََّ: «تراني أرضَى
وتَآبَی؟)).
والحاصل أنَّ المصير إلى الرَّأي إنَّما يكون عند فَقْد النَّصّ، وإلى هذا يُومِئ قول الشافعيّ
فيما أخرجه البَيَهَقيُّ بسندٍ صحيح إلى أحمد بن حَنبَل: سمعتُ الشافعيَّ يقول: القياس عند
الضَّرورة، ومع ذلك فليس العاملُ برأيِه على ثقةٍ من أنَّه وَقَعَ على المراد من الحكم في نفس
الأمر، وإنَّما عليه بَذْلُ الوُسْع في الاجتهاد ليُؤْجَر ولو أخطأً، وبالله التَّوفيق.
وأخرج البَيهَقيُّ في ((المدخَل)) وابن عبد البَرّ في (بيان العلم)) عن جماعة من التّابعينَ
كالحسنِ وابن سِيرِين وشُرَيح والشَّعْبِيّ والنَّخَعيِّ بأسانيدَ جِيَادٍ ذَمَّ القول بالرَّأي
المجرَّد، ويَجمَع ذلك كلَّه حديثُ أبي هريرةَ: ((لا يُؤْمِن أحدُكم حتَّى يكون هَواهُ تَبَعاً لما
جِئتُ به)) أخرجه الحسن بن سفيان وغيره(١)، ورجاله ثقات، وقد صَحَّحَه النَّوَوي في
آخر «الأربعينَ».
(١) أخرجه ابن أبي عاصم في ((السنة)) (١٥)، وأبو نعيم في ((الأربعين)) كما في ((جامع العلوم والحكم)) ٣٩٣/٢،
والبيهقي في ((المدخل)) (٢٠٩)، والخطيب في ((تاريخ بغداد)) ٣٦٩/٤، والبغوي في ((شرح السنة)) (١٠٤)،
وكل هؤلاء أخرجوه من حديث عبد الله بن عمرو، لا من حديث أبي هريرة، والحديث إسناده ضعيف تفرد
به نعيم بن حماد، وقد تكلم على إسناده الحافظ ابن رجب الحنبلي في شرح الحديث الحادي والأربعين من
(جامع العلوم)»، فأجاد وأفاد.

٩٣
باب ٧/ ٧٣٠٨
كتاب الاعتصام
وأمّا ما أخرجه البَيهَقيُّ (٢١٣) من طريق الشَّعْبيّ عن عمرو بن حُرَيث عن عمر
قال: إيّاكم وأصحابَ الرَّأي فإنَّهم أعداء السُّنَن، أعْيَتهم الأحاديث أن يَحفَظوها، فقالوا
بالرَّأي فضَلُّوا وأضَلُّوا، فظاهر في أنَّه أرادَ ذَمَّ مَن قال بالرَّأي معَ وجود النَّصّ من
الحديث، لإغفالِهِ التَّنقيبَ عليه فهذا(١) يُلام، وأَولِى منه باللّومِ مَن عَرَفَ النَّصَّ وعَمِلَ بما
عارَضَه من الرَّأي، وتكلَّفَ لَرَدِّه بالتَّأويل، وإلى ذلك الإشارة بقوله في التَّرجمة: وتكلَّفَ
القياس، والله أعلم.
وقال ابن عبد البَرّ في ((بيان العلم)» بعد أن ساقَ آثاراً كثيرة في ذَمّ الرَّأي ما ملخَّصُه:
اختَلَفَ العلماء في الرَّأي المقصود إليه بالذَّمِّ في هذه الآثار مرفوعِها وموقوفها ومقطوعها،
فقالت طائفة: هو القول في الاعتقاد بمُخالَفة السُّنَن، لأنَّهم استَعمَلوا آراءَهم وأقيِسَتَهم في
رَدّ الأحاديث، حتَّى طَعَنوا في المشهور منها الذي بَلَغَ التَّواتُر، كأحاديث الشَّفاعة، وأنكروا
أن يَخْرُج أحدٌ من النار بعد أن يَدخُلها، وأنكروا الحوض والميزان وعذاب القبر، إلى غير
ذلك من كلامهم في الصِّفات والعلم والنَّظَر.
وقال أكثر أهل العلم: الرَّأي المذموم الذي لا يجوز النَّظرُ فيه ولا الاشتغالُ به، هو
ما كان في نحو ذلك من ضُروب البِدَع، ثمَّ أسنَدَ عن أحمد بن حَنبَل قال: لا تكادُ تَرَى
أحداً نَظَرَ في الرَّأي إلّ وفي قلبه دَغَلٌ، قال: وقال جمهور أهل العلم: الرَّأي المذموم في
الآثار المذكورة هو القول في الأحكام بالاستحسان، والتَّشاغُل بالأُغلوطات، ورَدُّ
الفُروع بعضها إلى بعض دون رَدّها إلى أُصول السُّنَن، وأضافَ كثير منهم إلى ذلك مَن
يَتَشاغَل بالإكثار منها قبل وقوعها،/ لما يَلزَمُ من الاستغراق في ذلك من تعطيل ٢٩٠/١٣
السُّنَن.
وقَوَّى ابنُ عبد البَرِّ هذا القول الثّاني، واحتَجَّ له، ثمَّ قال: ليس أحد من علماء الأُمَّة
يَثْبُتُّ عنده حديثٌ عن رسول اللهِّله بشيءٍ ثمَّ يَرُدُّه إلَّ بادِّعاءِ نَسخ، أو مُعارَضَة أثرٍ غيرِهِ
(١) تحرَّف في (س) إلى: فهلا.

٩٤
باب ٨/ح ٧٣٠٩
فتح الباري بشرح البخاري
أو إجماعٍ أو عملٍ يجب على أصله الانقيادُ إليه، أو طَعَنَ في سنده، ولو فعل ذلك بغيرِ ذلك
لَسَقَطَت عَدَالتُه، فضلاً عن أن يُتَّخَذ إماماً، وقد أعاذَهم الله تعالى من ذلك؛ ثمَّ خَتَمَ الباب
بما بَلَغَه عن سهل بن عبد الله التُّستَريّ الزّاهد المشهور قال: ما أحدَثَ أحدٌ في العلم شيئاً
إلّا سُئلَ عنه يوم القيامة، فإن وافَقَ السُّنَّةَ سَلِمَ، وإلّا فلا.
٨ - باب ما كانَ النبيُّ ◌َ لاَ يُسْألُ ممَّا لم يُنزَلْ عليه الوحيُّ
فيقولُ: لا أدري، أو لم يُجِبْ حتَّى يُنزِلَ اللهُ عليهِ الوَحْيَ، ولم يَقُلْ بَرَأي ولا بقِياس، لقولِه
تعالى: ﴿بِمَا أَرَنِكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥].
وقال ابنُ مسعودٍ: سُئلَ النبيُّ وَ لَهَ عن الرُّوحِ، فسَكَتَ حتَّى نَزَلَتْ.
٧٣٠٩ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حذَّثنا سفيانُ، قال: سمعتُ ابنَ المنكَدِرِ، يقولُ: سمعتُ
جابرَ بنَ عبدِ الله يقولُ: مَرِضتُ فجاءَني رسولُ الله وَّ﴿ يَعُودُني وأبو بكرٍ وهما ماشِیَانٍ، فأتاني
وقد أُغْمِيَ عليَّ، فَتَوَضَّأَ رسولُ اللهِ وَ ثُمَّ صَبَّ وَضُوءَه عليَّ، فأفَقْتُ فقلتُ: يا رسولَ الله
- ورُبَّما قال سفيانُ: فقلتُ: أيْ رسولَ الله - كيفَ أَقْضي في مالي؟ كيفَ أصنَعُ في مالي؟ قال: فما
أَجابني بشيءٍ حتَّى نَزَلَتْ آيةُ الميراثِ.
قوله: (باب ما كانَ النبيُّ وَ لَه يُسأل ممّا لم يُنزَل عليه الوَحْيُ فيقول: لا أدري، أو لم يُحِبْ
حتَّى يُنزِل اللهُ عليه الوَحْيَ)) أي: كان له إذا سُئلَ عن الشيء الذي لم يُوحَ إليه فيه حالان: إمّا
أن يقول: لا أدري، وإمّا أن يَسكُت حتَّى يأتيَه بيانُ ذلك بالوحي، والمراد بالوحي أعمُّ من
المتعبَّد بتِلاوَتِه ومن غيره، ولم يَذكُر لقولِهِ: ((لا أدري)) دليلاً، فإنَّ كلَّ من الحديثَينِ المعلَّق
والموصول من أمثلة الشِّقّ الثّاني. وأجابَ بعض المتأخّرينَ بأنَّه استَغنى بعَدَمِ جوابه به.
وقال الكِرْمانيُّ: في قوله في التَّرجمة: ((لا أدري)) حَزَازة إذ ليس في الحديث ما يَدُلّ
عليه، ولم يَثْبُت عنهِرَّ ذلك؛ كذا قال، وهو تَساهُلٌ شديد منه في الإقدام على نَفْي الثُّبوت
كما سأُبِّنه، والذي يَظهَر أنَّه أشارَ في التَّرجمة إلى ما وَرَدَ في ذلك، ولكنَّه لم يَثْبت عنده منه
شيء على شرطه، وإن كان يَصلُح للحُجَّةِ كعادتِهِ في أمثال ذلك، وأقرَبُ ما وَرَدَ عنده في

٩٥
باب ٨/ح ٧٣٠٩
كتاب الاعتصام
ذلك حديث ابن مسعود الماضي في تفسير سورة صّ (٤٨٠٩): مَن عَلِمَ شيئاً فليَقُل به،
ومَن لم يَعلَم فليَقُل: اللهُ أعلمُ ... الحديث، لكنَّه موقوف، والمراد هنا إنَّما هو ما جاءَ عن
النبيّ ◌َّ أنَّه أجابَ بلا أعلَمُ، أو لا أدري.
وقد وَرَدَت فيه عِدَّة أحاديث: منها حديث ابن عمر: جاءَ رجل إلى النبيّ وَّ فقال:
أيُّ البِقاع خيرٌ؟ قال: ((لا أدري))، فأتاه جبريلُ فسألَه فقال: لا أدري، فقال: ((سَلْ رَبَّك))
فانتَفَضَ جِبريلُ انتفاضةً ... الحديث، أخرجه ابن حِبّان(١)، وللحاكم (١/ ٩٠) نحوه من
حديث جُبَير بن مُطعِم، وفي الباب عن أنس عند ابن مَرْدويه، وأمّا حديث أبي هريرةَ: أَنَّ
رسول الله بَّه قال: ((ما أدري الحدودُ كفَّارةٌ لأهلِها أم لا))، وهو عند الدّارَ قُطنيِّ والحاكم
(٣٦/١ ٢/ ٤٥٠) فقد تقدَّم في شرح حديث عُبادةَ من كتاب العلم (٢) الكلامُ عليه،
وطريقُ الجمع بينه وبين حديث عُبادةَ، ووَقَعَ الإلمامُ بشيءٍ من ذلك في كتاب الحدود
(٦٧٨٤) أيضاً، وقال ابن الحاجب في أوائل «مُختصَره)): لُبُوتِ لا أدري، وقد أورَدتُ من
ذلك ما تَيسَّرَ في ((الأمالي في تخريج أحاديث المختصر)).
قوله: ((ولم يَقُلْ بَرَأْي ولا قياس)) قال الكِرْمانيُّ: هما مُتَرادِفان، وقيل: الرَّأي: التفكّر، ٢٩١/١٣
والقياس الإلحاق، وقيل: الرَّأي أعمُّ لَيَدخُلَ فيه الاستحسانُ ونحوه. انتهى، والذي يَظهَر
أنَّ الأخير مُراد البخاريّ، وهو ما دَلَّ عليه اللَّفظ الذي أورَدَه في الباب الذي قبله (٧٣٠٧)
من حديث عبد الله بن عَمرو، وقال الأوزاعيُّ: العلم ما جاءَ عن أصحاب رسول الله
وَّه، وما لم يَجِئْ عنهم فليس بعِلمٍ.
وأخرج أبو عُبَيد ويعقوب بن شَيْبة عن ابن مسعود قال: لا يزال الناسُ مُشتَمِلينَ
بخيرٍ ما أتاهم العلم من أصحاب محمَّد ◌َّ وأكابرهم، فإذا أتاهم العلم من قِبَل
أصاغِرِهم وتَفرَّقَت أهواؤهم هَلَكوا، وقال أبو عُبَيد: معناه أنَّ كلَّ ما جاءَ عن الصَّحابة
(١) رواية ابن حبان (١٥٩٩) بنحو هذا اللفظ، وهذا اللفظ أقرب إلى رواية الحاكم ٧/٢-٨ والبيهقي
٦٥/٣.
(٢) بل في كتاب الإيمان برقم (١٨).

٩٦
باب ٨/ح ٧٣٠٩
فتح الباري بشرح البخاري
وكِبار التّابعينَ لهم بإحسان هو العلم الموروث، وما أحدَثَه مَن جاءَ بعدهم هو المذموم،
وكان السَّلَف يُفرِّقونَ بين العلم والرَّأي، فيقولون للسُّنَّةَ: عِلمٌ، ولما عَدَاها: رأيٌّ، وعن
أحمد: يُؤْخَذ العلم عن النبيّ ◌َّ ثمَّ عن الصَّحابة، فإن لم يكن فهو في التّابعينَ مُخُيَّر، وعنه:
ما جاءَ عن الخلفاء الرَّاشِدينَ فهو من السُّنَّة، وما جاءَ عن غيرهم من الصَّحابة ممَّن قال:
إنَّه سُنَّة، لم أدفَعْه، وعن ابن المبارك: ليَكُن المعتمَدُ عليه الأثَر، وخُذوا من الرَّأي ما يُفسِّر
لكم الخبر.
والحاصل أنَّ الرَّأي إن كان مُستَنِداً للنَّقلِ من الكتاب أو السُّنَّة، فهو محمود، وإن تَجَّدَ
عن عِلْم فهو مذموم، وعليه يَدُلّ حديث عبد الله بن عَمرِو المذكور، فإنَّه ذكر بعد فَقْد
العلم أنَّ الْجُّال يُفْتُونَ برأيِهِم.
قوله: ((لقولِه)) في رواية المُستَملي: لقولِ الله تعالى: ﴿بِمَا أَرَئِكَ اللَّهُ﴾، وقد نَقَلَ ابن بَطّال عن
المهلَّب ما معناه: إنَّمَا سَكَتَ النبيُّ وَّه في أشياء مُعضِلة ليست لها أُصول في الشَّريعة، فلا بُدَّ فيها
من الطِّلَاعِ الوحي، وإلّا فقد شَرَعَ لَّهَ لأُمَّتِهِ القياسَ، وأعلَمَهم كيفيَّة الاستنباط فيما لا نَصَّ فيه،
حيثُ قال للَّتي سألته: هل تَحُجّ عن أمِّها: ((فاللهُ أحَقُّ بالقضاء))(١)، وهذا هو القياس في لُغة
العرب، وأمّا عند العلماء: فهو تشبيه ما لا حُكمَ فيه بما فيه حكمٌ في المعنى، وقد شَبَّهَ الُمُر
بالخيلِ، فأجابَ مَن سألَه عن الحُمُر بالآية الجامعة ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾
[الزلزلة: ٧] إلى آخرها(٢)، كذا قال.
ونَقَلَ ابنِ التِّين عن الدَّاوُوديّ ما حاصلُه: أنَّ الذي احتَجَّ به البخاريُّ لما اذَّعاه من
النَّفي حُجَّةٌ في الإثبات، لأنَّ المراد بقوله: (بما أراكَ الله)) ليس محصوراً في المنصوص، بل فيه
إذنٌ في القول بالرَّأي، ثمَّ ذكر قصّة الذي قال: إنَّ امرأتي ولدت غلاماً أسودَ: ((هل لك من
إبلٍ؟)) إلى أن قال: ((فلعلَّه نَزَعَه عِرِقٌ))(٣)، وقال لمَّا رأى شَبَهاً بزَمْعة: ((احتَجِبي منه يا
(١) سلف برقم (١٨٥٢) و(٦٦٩٩)، وسيأتي برقم (٧٣١٥) من حديث ابن عباس.
(٢) سلف برقم (٢٣٧١).
(٣) سلف برقم (٥٣٠٥)، وسيأتي برقم (٧٣١٤).

٩٧
باب ٨/ح ٧٣٠٩
كتاب الاعتصام
سَوْدةُ))(١).
ثمَّ ذكر آثاراً تَدُلّ على الإذن في القياس، وتَعقَّبَها ابنُ التِّين بأنَّ البخاريّ لم يُرِدِ النَّفي
المطلَق، وإنَّما أرادَ أنَّه وََّتَرَكَ الكلام في أشياءَ وأجابَ بالرَّأي في أشياء، وقد بَوَّبَ لكلِّ
ذلك بما وَرَدَ فيه، وأشارَ إلى قوله بعد بابين: باب مَن شَبََّ أصلاً معلوماً بأصلٍ مُبيَّن، وذكر
فيه حديث: ((لعلَّه نَزَعَه عِرِقٌ))، وحديث: ((فَدَيْنُ الله أحَقُّ أن يُقضَى))، وبهذا يَندَفِعِ ما
فَهِمَه المهلَّب والدّاووديّ. ثمَّ نَقَلَ ابنُ بَطّال الخِلاف: هل يجوز للنبيِّ أن يَحَتَهِد فيما لم يُنزَلْ
عليه؛ ثالثها: فيما يجري مَجَرَى الوحي من مَنامِ وشِبْهه، ونَقَلَ أن لا نَصَّ لمالك فيه. قال:
والأشبَهُ جوازُه، وقد ذكر الشافعيّ المسألة في ((الأُمّ)) (١٣٦/٥)، وذكر أنَّ حُجَّة مَن قال: أنَّه لم
يَسُنّ شيئاً إلّا بأمرٍ، وهو على وجهَين: إمّا بوَحِي يُتلى على الناس، وإمّا برسالةٍ عن الله: أن
افعَل كذا، قولُ الله تعالى: ﴿وَأَنزَلَ اَللَّهُ عَلَيْكَ الْكِنَبَ وَاَلْحِكْمَةَ ﴾ الآية [النساء: ١١٣]،
فالكتاب ما يُتلى، والحِكْمة السُّنَّة، وهو ما جاءَ به عن الله بغيرِ تِلاوَة، ويُؤيِّد ذلك قوله في
قصَّة العَسِيف: (لَأَقْضِيَنَّ بينكما بكتابِ الله))(٢)، أي: بوَحیِهِ.
ومِثْلُه حديث يعلى بن أُميَّة في قصَّة الذي سألَ عن العُمرة وهو لابِسٌ الجُبَّة، فسَكَتَ
حتَّى جاءَه الوحي، فلمَّا سُرّيَ عنه أجابَه(٣)، وأخرج الشافعيّ (٧/ ٣١٤) من طريق طاووسٍ:
أنَّ عنده كتاباً في العقول نَزَلَ به الوحيُّ، وأخرج البَيْهَقيُّ بسندٍ صحيح عن حسَّان بن
عَطَيَّة أحد التّابعينَ من ثقات الشّاميّينَ: كان جِبريلُ يَنْزِل على النبيّ ◌َّهِ بِالسُّنَّةِ كما يَنْزِل
عليه بالقرآن / ويَجمَع ذلك كلَّه ﴿ وَمَا يَطِقُ عَنِ الْمَوَ﴾ الآية [النجم: ٣].
٢٩٢/١٣
ثمَّ ذكر الشافعيُّ أنَّ من وجوه الوحي ما يراه في المنام، وما يُلقِيه روحُ القُدُس في رُوعِه، ثمَّ
قال: ولا تَعدُو السُّنَنُ كلّها واحداً من هذه المعاني التي وصفتُ، انتهى.
واحتَجَّ مَن ذهب إلى أنَّه كان يَجْتَهِد بقولِ الله تعالى: ﴿فَأَعْتَبِرُوا يَتَأُوْلِىِ الْأَبْصَرِ﴾
(١) سلف برقم (٢٢١٨).
(٢) سلف برقم (٢٦٩٥).
(٣) سلف برقم (١٥٣٦).

٩٨
باب ٨/ح ٧٣٠٩
فتح الباري بشرح البخاري
[الحشر: ٢] والأنبياء أفضَلُ أُولي الأبصار، ولما ثَبَتَ من أجر المجتهد ومُضاعَفَته(١)، والأنبياء
أَحَقّ بما فيه جَزِيلُ الثَّواب، ثمَّ ذكر ابن بَطّال أمثلة ممَّا عَمِلَ فيهِ وَّرَ بِالرَّأي، من أمر الحرب
وتنفيذ الجيوش، وإعطاء المؤلّفَة، وأخذ الفِداء من أُسارَى بدر، واستَدَلَّ بقوله تعالى:
﴿وَشَاوِرْهُمْ فِ الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] قال: ولا تكون المشورةُ إلّا فيما لا نَصَّ فيه، واحتَجّ
الدَّاوُوديّ بقولِ عمر: إنَّ الرَّأي كان من رسول الله وَّهِ مُصيباً، وإنَّما هو مِنّ الظَّنُّ
والتکُّف.
وقال الكِرْمانيُّ: قال المجَوِّزونَ: كأنَّ التوقُّف فيما لم يَجِدْ له أصلاً يقيس عليه، وإلّا فهو
مأمور به لعُمومٍ قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُ وا يَأُوْلِ الْأَبْصَرِ﴾. انتهى، وهو ملخَّص ممّ تقدَّم.
واحتَجَّ ابن عبد البَرّ لعَدَمِ القول بالرّأي بما أخرجه من طريق ابن شهاب: أنَّ عمر خَطَبَ
فقال: يا أيها الناس، إِنَّ الرَّأي إنَّما كان من رسول الله وَّهِ مُصيباً، لأنَّ الله عزَّ وجلَّ يُرِيه، وإنّما هو
مِنّ الظَّنّ والتكلُّف؛ وبهذا يُمكِنِ التَّمَسُّك به لمن يقول: كان يَتَهِد، لكن لا يَقَعُ فيما يَجَتَهِد فيه
خطأٌ أصلاً، وهذا في حَقّه وَّةِ، فأمّا مَن بعدَه فإنَّ الوقائع كَثُرَت، والأقاويل انتَشَرَت، فكان
السَّلَف يَحترِزون من المحدثات.
ثُمَّ انقَسَموا ثلاث فِرَق: الأولى: تَسَّكَت بالأمر، وعَمِلوا بقوله ◌َّ: (عليكم بسُنَّتَي
وسُنَّةَ الخلفاء الرَّاشِدِينَ))(٢)، فلم يَخْرُجوا في فتاويهم عن ذلك، وإذا سُئلوا عن شيء لا نقلَ
عندهم فيه أمسَكوا عن الجواب وتَوقَّفوا، والثّانية: قاسُوا ما لم يَقَع على ما وَقَعَ، وتَوسَّعوا
في ذلك، حتَّى أنكَرَت عليهم الفِرقةُ الأولى كما تقدَّم وتَجيء، والثّالثة: تَوسَّطَت فقَدَّمَت
الأثَر ما دامَ موجوداً، فإذا فُقِدَ قاسُوا.
قوله: ((وقال ابن مسعود: سُئلَ النبيُّ وَّهِ عن الرُّوحِ، فسَكَتَ حتَّى نَزَلَت الآية)) هو طَرَف
(١) كما سيأتي برقم (٧٣٥٢) من حديث عمرو بن العاص.
(٢) أخرجه أحمد (١٧١٤٢)، وأبو داود (٤٦٠٧)، وابن ماجه (٤٢)، والترمذي (٢٦٧٦) وصحَّحه من
حدیث العرباض بن سارية.

٩٩
باب ٨/ح ٧٣٠٩
كتاب الاعتصام
من الحديث الذي مضى قريباً في آخر ((باب ما يُكرَه من كَثْرة السُّؤال)» (٧٢٩٧) موصولاً
إلى ابن مسعود، لكنَّه ذكره فيه بلفظ: فقامَ ساعةً يَنظُر، وأورَدَه بلفظ: فسَكَتَ، في كتاب
العلم (١٢٥)، وأورَدَه في تفسير ((سُبْحان)» (٤٧٢١) بلفظ: فأمسَكَ، وفي رواية مسلم (٢٧٩٤):
فَأَسكَتَ(١) النبيُّ وَّ فِلمْ يَرُدَّ عليه شيئاً.
ثمَّ ذكر حديث جابر في مرضه، وسؤاله: كيف أصنَعُ في مالي؟ قال: فما أجابني بشيءٍ
حتَّى نَزَلَت آية الميراث، وهو ظاهر فيما ترجَمَ له، وقد مضى شرحه مُستَوفَّى في تفسير
سورة النِّساء (٤٥٧٧).
٩ - باب تعليم النبيِّ وََّ أمَّتَهَ منَ الرِّجال والنِّساءِ
◌َا عَلَّمه الله، ليس برأي ولا تمثيلٍ
٧٣١٠ - حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا أبو عَوَانةَ، عن عبدِ الرّحمنِ بنِ الأصبَهانيِّ، عن أبي صالح ذَكْوانَ،
عن أبي سعيدٍ: جاءَتِ امرأةٌ إلى رسولِ الله وَّهِ، فقالت: يا رسولَ الله، ذهب الرِّجالُ بحَديثِكَ،
فاجعَلْ لنا مِن نفسِكَ يوماً نَأْتِيكَ فيه تُعلِّمُنا مِمَا عَلَّمَكَ الله، فقال: ((اجتَمِعْنَ في يومٍ كذا وكذا، في
مكانٍ كذا وكذا))، فاجتَمَعْنَ، فأتاهُنَّ رسولُ اللهَوَّهِ فِعَلَّمَهُنَّ مَ عَلَّمَه الله، ثمَّ قال: ((ما منكُنَّ امرأةٌ
تُقدِّمُ بِينَ يَدَيها مِن ولدِها ثلاثةً، إلّا كانَ لها حجاباً منَ النار)) فقالت امرأةٌ منهنَّ: يا رسولَ الله، اثْنَينِ؟
قال: فأعادَتْها مَرَّتَين، ثمّ قال: ((واثنَيْنِ واثنَيْنِ واثنَينِ)).
قوله: ((باب تعليم النبيِّ وَّلِ أَمَّتَه من الرِّجال والنِّساء ممَّا عَلَّمَه الله، ليس برأي ولا تمثيل)) ٢٩٣/١٣
قال المهلَّب: مُراده أنَّ العالم إذا كان يُمكِنه أن يُحدِّث بالنُّصوص، لا يُحدِّث بنَظَرِه ولا قياسه،
انتھی.
والمراد بالتَّمثيل: القياسُ، وهو إثبات مِثْلِ حُكم معلوم في آخرَ لاشتراكهما في عِلَّة
الحُكم، والرَّأي أعمُّ.
(١) تحرف في (س) إلى: فأمسك.

١٠٠
باب ٩/ح ٧٣١٠
فتح الباري بشرح البخاري
وذكر فيه حديث أبي سعيد في سؤال المرأة: قد ذهب الرِّجالُ بحديثك، وفيه: فأتاهُنَّ
فعَلَّمَهُنَّ مَمَّا عَلَّمَه الله، وفيه: ثمَّ قال: ((ما مِنكُنَّ امرأة تُقدِّم بين يَدَيها من ولدها ثلاثة))، وقد
مضى شرحه مُستَوفَّى في أوَّل كتاب الجنائز (١٢٤٩) وفي العلم (١٠١).
وقوله: ((جاءت امرأة)) لم أقِفْ على اسمها، ويحتمل أن تكون هي أسماء بنت يزيد بن
السَّکَن.
وقوله هُنا: ((فأتاهُنَّ فعَلَّمَهُنَّ ممََّ عَلَّمَه الله)) تقدَّم هناك بلفظ: فوَعَدَهُنَّ يوماً لَقِيَهنَّ فيه
فَوَعَظَهُنَّ فأمَرَهُنَّ فكان فيما قال لهنَّ؛ فذكر نحو ما هنا، ولم أرَ في شيء من طرقه بيانَ ما
عَلَّمَهُنَّ، لكن يُمكِن أن يُؤخَذ من حديث أبي سعيد الآخَر الماضي في كتاب الزّكاة (١٤٦٢)
وفيه: فمرَّ على النِّساء فقال: ((يا مَعشَرِ النِّساء، تَصَدَّقنَ، فإنّ رأيتُكُنَّ أكثرَ أهل النار))
الحديث، وفيه: فقامت امرأة فقالت: لِمَ؟ وفيه: ((أليس شهادةُ المرأة مِثلَ نصف شهادة الرجل،
وأليس إذا حاضت لم تُصَلِّ ولم تَصُم؟))، وقد مضى شرحه مُستَوفَّى هناك، وأنَّ المرأة المذكورة
هي أسماء.
قال الكِرْمانيُّ: موضع التَّرجمة من الحديث قوله: ((كُنَّ لها حجاباً من النار)) فإنَّه أمر توقيفيٌّ،
لا يُعلَم إلّا من قِبَل الله تعالى، لا دخلَ للقياسِ والرَّأي فيه.
١٠ - بابٌ لا تزالُ طائفةٌ مِن أمَّتي ظاهرِينَ على الحقِّ يقاتلون؛
وهم أهلُ العِلْم
٧٣١١- حدَّثْنَا عُبَيْدُ الله بنُ موسى، عن إسماعيلَ، عن قيسٍ، عن المغيرةِ بنِ شُعْبةَ، عن
النّبِّ ◌َ﴿ قال: ((لا تزالُ طائفةٌ مِن أَمَّتي ظاهِرِينَ، حتَّى يَأْتِيَهم أمرُ الله وهم ظاهرونَ)).
٧٣١٢- حدَّثنا إسماعيلُ، حدَّثنا ابنُ وَهْب، عن يونُسَ، عن ابنِ شِهابٍ، أخبرني مُميدٌ،
قال: سمعتُ معاويةَ بنَ أبي سفيانَ يَخْطُبُ، قال: سمعتُ النبيَّ ◌َله يقولُ: ((مَن يُرِدِ الله به خيراً
يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ، وإِنَّا أنا قاسمٌ ويُعْطي اللهُ، ولن يزالَ أمرُ هذه الأُمَّةِ مستقيماً حتَّى تقومَ السّاعةُ،