النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ باب ٣/ح ٧٢٩٦ كتاب الاعتصام كالسُّؤالِ المذكور، فإنَّه لا يَنشَأ إلّا عن جهل مُفرِط، وقد وَرَدَ بزيادةٍ من حديث أبي هريرةَ بلفظ: ((لا يزال الشَّيطان يأتي أحدكم فيقول: مَن خَلَقَ كذا؟ مَن خَلَقَ كذا؟ حتَّى يقول: مَن خَلَقَ اللهَ؟! فإذا وَجَدَ ذلك أحدكم فليَقُل: آمَنتُ بالله))، وفي رواية: ((ذاكَ صريح الإيمان))(١)، ولعلَّ هذا هو الذي أراده الصَّحابيُّ فيما أخرجه أبو داود (٥١١١) من رواية ◌ُهَيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرةَ قال: جاءَ ناس إلى النبيّ وٍَّ من أصحابه فقالوا: يا رسول الله، إنّا نَجِدُ في أنفُسنا الشيءَ يَعظُم أن نَتكلّم به، ما نُحِبّ أنَّ لنا الدُّنيا وأنا تَكلَّمنا به، فقال: ((أوَقد وَجَدتُوه؟ ذاكَ صريحُ الإيمان))، ولابنِ أبي شَيْبة(٢) من حديث ابن عبَّاس: جاءَ رجل إلى النبيّ وَ له فقال: إنّ أُحدِّث نفسي بالأمرِ لَأن أكون حُمَمَة أَحَبُّ إليَّ مَن أن أتكلّم به، قال: ((الحمد لله الذي رَدَّ أمرَه إلى الوَسَوَسَة)). ثُمَّ نَقَلَ عن الخطّابِّ المراد بصريحِ الإيمان: هو الذي يَعظُم في نفوسهم إن تَكلَّموا به، ويَمنَعهم من قَبُول ما يُلِقِي الشَّيطان، فلولا ذلك لم يَتَعَاظَمْ في أنفسهم حتَّى أنگروه، وليس المراد أنَّ الوَسْوَسة نفسَها صريح الإيمان، بل هي من قِبَل الشّيطان وگيْده. وقال الطِّييُّ: قوله: (نَجِدُ في أنفسنا الشيء)) أي: القَبيح، نحو ما تقدَّم في حديث أنس وأبي هريرة، وقوله: ((يَعظُم أن نتكلّم به)) أي: للعِلْمِ بأنَّه لا يَلِيق أن نعتقدَه، وقوله: ((ذاكَ صريح الإيمان)) أي: عِلمُكم بقبيحِ تلك الوَساوِس، وامتناع قَبُولكم، ووجودُكم النّفْرةَ عنها، دليل على خُلوص إيمانكم، فإنَّ الكافر يُصِرّ على ما في قلبه من المحال ولا يَنْفِر عنه. وقوله في الحديث الآخَر: ((فليَستَعِذ بالله ولْيَنَتَهِ))(٣) أي: يَترُك التفكّر في ذلك الخاطر ويستعيذ بالله إذا لم يَزُل عنه التفكُّر، والحِكْمة في ذلك: أنَّ العلم باستِغناءِ الله تعالى عن كلّ ما يُوَسوِسه الشَّيطان أمرٌ ضَرُوريّ، لا يحتاج للاحتجاجِ والمناظرة، فإن وَقَعَ شيءٌ من ذلك (١) والروايتان عند مسلم: الأولى برقم (١٣٤)، والثانية برقم (١٣٢). (٢) كذا نسبه ابن بطَّال إلى ابن أبي شيبة فقط فقصَّر، فهو في ((السُّنن)) أيضاً كما سيأتي قريباً في تخريج الحافظ له، ولم نقف عليه فيما بين أيدينا من مصنفات ابن أبي شيبة. (٣) الرواية التي في بدء الخلق (٣٢٧٦). ٦٢ فتح الباري بشرح البخاري فهو من وَسوَسَة الشَّيطان، وهي غير مُتناهية، فمهما عُورِضَ بحُجَّةٍ يَجِدُ مَسلَكاً آخر من المغالطَة والاسترسال، فيُضيِّع الوقتَ إِن سَلِمَ من فِتْنَتَه، فلا تدبير في دَفْعه أقوى من الإلجاء إلى الله تعالى بالاستعاذَةِ به كما قال تعالى: ﴿ وَإِمَّا يَنْزَغَنََّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْعُ فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ الآية [الأعراف: ٢٠٠]. وقال في شرح الحديث الذي فيه: ((فليَقُل: الله الأحد)): الصِّفات الثَّلاث مُنَبِّهة على أنَّ الله تعالى لا يجوز أن يكون مخلوقاً، أمّا ((أَحد)) فمعناه: الذي لا ثاني له ولا مِثْل، فلو فُرِضَ مخلوقاً، لم يكن أحداً على الإطلاق. وسيأتي مزيد لهذا في شرح حديث عائشة في أوَّل کتاب التَّوحيد (٧٣٧٥). وقال المهَّب: قوله: ((صريح الإيمان)) يعني: الانقطاع في إخراج الأمر إلى ما لا نهاية له، فلا بُدَّ عند ذلك من إيجاب خالقٍ لا خالقَ له؛ لأنَّ المتفكِّر العاقلِ يَجِد للمخلوقات كلِّها خالقاً لأثَرِ الصَّنْعة فيها والحَدَث الجاري عليها، والخالق بخِلاف هذه الصِّفة، فَوَجَبَ أن يكون لكلٍّ منها خالقٌ لا خالقَ له، فهذا هو صريح الإيمان، لا البحثُ الذي هو من كَيْد الشَّيطان المؤَدّي إلى الحَيْرة. وقال ابن بَطّال: فإن قال الموسوِس: فما المانع أن يَخْلُق الخالقُ نفسَه، قيل له: هذا يَنقُضُ بعضُه بعضاً، لأنَّك أثبَتَّ خالقاً وأوجَبتَ وجودَه، ثمَّ قلت: يَخْلُق نفسَه، فأوجَبتَ عَدمَه، والجمع بين كونه موجوداً معدوماً فاسِدٌ لتناقُضِه، لأنَّ الفاعل يَتقدَّم وجودُه على وجود فعلِهِ، فيستحيل كَونُ نفسِه فِعلاً له. قال: وهذا واضح في حَلّ هذه الشُّبهة، وهو يُفْضي إلى صريح الإيمان، انتهى ملخَّصاً موضّحاً. وحديث أبي هريرةَ أخرجه مسلم (١٣٢)، فعَزْوُه إليه أَولى، ولفظه: إنّا نَجِدُ في أنفسنا ما يَتَعاظَم أحدُنا أن يتكلّم به، قال: ((وقد وَجَدتُوه؟)) قالوا: نَعَم، قال: ((ذاكَ صريحُ الإيمان))، وأخرج بعده من حديث ابن مسعود: سُئلَ النبيُّ لَ هُ عن الوَسَوَسَةِ فقال: ((تلك مَحْضُ الإیمان)». ٦٣ باب ٣/ح ٧٢٩٦ كتاب الاعتصام وحديث ابن عبَّاس أخرجه أبو داود (٥١١٢) والنَّسائيُّ (ك١٠٤٣٤) وصَخَّحَه ابن حِبّان (١٤٧). وقال ابن التِّين: لو جازَ لمختَرِع الشيءٍ / أن يكون له مُتَّرِعٌ لَتَسَلسَلَ، فلا بُدَّ من الانتهاء ٢٧٤/١٣ إلى مُوجِدٍ قديم، والقديم: مَن لا يَتقدَّمه شيءٌ ولا يَصِحّ عَدمُه، وهو فاعلٌ لا مفعول، وهو الله تبارك وتعالى. وقال الكِرْمانيُّ: ثَبَتَ أنَّ معرفةَ الله بالدَّليلِ فرضُ عينٍ أو كِغايةٍ، والطَّريق إليها بالسُّؤالِ عنها مُتَعَيِّنٌ لأنَّهَا مُقدِّمَتها، لكن لمَّا عُرِفَ بالضّرورةِ أنَّ الخالق غيرُ مخلوق، أو بالكَسْب الذي يُقارِبِ الصِّدق، كان السُّؤال عن ذلك تَعتُّ، فيكون الذَّمُّ يتعلَّق بالسُّؤال الذي يكون على سبيل التَّعنُّت، وإلّا فالتَّوصُّل إلى معرفة ذلك وإزالة الشُّبهة عنه صريحُ الإيمان، إذ لا بدَّ من الانقطاع إلى مَن لا يكون له خالقٌ، دَفعاً للتَّسَلسُل. وقد تقدَّم نحوُ هذا في صِفَة إبليس من بدء الخلق(١)، وما ذكره من ثُبوت الوجوب يأتي البحث فيه إن شاءَ الله تعالى في أوَّل كتاب النَّوحيد، ويُقال: إنَّ نحو هذه المسألة وَقَعَت في زمن الرَّشيد في قصَّة له معَ صاحب الهند، وأنَّه كَتَبَ إليه: هل يَقدِر الخالق أن يَخْلُق مِثلَه، فسأل أهلَ العلم، فبَدَرَ شابٌّ فقال: هذا السُّؤال مُحال، لأنَّ المخلوق مُحدَث والمحدَثُ لا يكون مِثلَ القديم، فاستَحالَ أن يقال: يَقدِر أن يَخْلُق مِثلَه أو لا يَقدِر، كما يستحيل أن يُقال في القادر العالم: يقدر أن یصیر عاچِزاً جاهلاً. ٧٢٩٧- حدَّثنا محمَّدُ بنُ عُبَيَدِ بنِ ميمونٍ، حدَّثنا عيسى بنُ يونُسَ، عن الأعمَشِ، عن إبراهيمَ، عن عَلْقمةَ، عن ابنِ مسعودٍ عَ قال: كنتُ معَ النبيِّلَّهُ فِي حَرْثٍ بالمدينةِ، وهو يَتَوكَّأُ على عَسِيبٍ، فمَرَّ بنَفَرٍ منَ اليهودِ، فقال بعضُهم: سَلُوه عن الرُّوحِ، وقال بعضُهم: لا تَسْألوه، لا يُسمِعُكُم ما تَكْرَهونَ، فقاموا إليه فقالوا: يا أبا القاسمِ، حَدِّثْنا عن الرُّوحِ؟ فقامَ ساعةً يَنظُرُ، فعَرَفتُ أَنَّه يُوحَى إليه، فتَأخَّرتُ عنه حتَّى صَعِدَ الوحيُّ ثمَّ قال: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ (١) انظر: ج٩/ ٦٣٠. ٦٤ باب ٣/ح ٧٢٩٧ فتح الباري بشرح البخاري الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبٍِ﴾ [الإسراء: ٨٥]. الحديث التاسع: حديث ابن مسعود في سؤال اليهود عن الرُّوح، وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في تفسير سورة سبحان (٤٧٢١). وقوله في هذه الرِّواية: ((فقامَ ساعة فنَظَرَ، فعَرَفتُ أَنَّه يُوحَى إليه، فَتَأْخَّرَتُ حتَّى صَعِدَ الوحي)» ظاهرٌ في آنَّه أجابهم في ذلك الوقت، وهو يَرُدّ على ما وَقَعَ في «مغازي موسی بن عُقْبة)) و (اسِيَر سليمان التَّيْمِيّ)): أنَّ جوابه تَأخَّرَ ثلاثة أيام، وفي ((سيرة ابن إسحاق)): أنَّه تأخّرَ خمسة عشر يوماً، وسيأتي البحث في شيء منه بعد أربعة أبواب إن شاءَ الله تعالى(١). ٤ - باب الاقتداءِ بأفعال النبيِّ وَّه ٧٢٩٨ - حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا سفيانُ، عن عبدِ الله بنِ دِينارٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما قال: اَّخِذَ النبيُّ نَّهِ خاتماً مِن ذهبٍ، فَاتَّخَذَ الناسُ خواتيمَ مِن ذهبٍ، فقال النبيُّ ◌َّ: ((إنّي اتَّخَذْتُ خاتماً مِن ذهبٍ)) فنَذَه وقال: ((إنّي لن ألْبَسَه أبداً»، فنَذَ الناسُ خَواتيمَهم. قوله: ((باب الاقتداء بأفعالِ النبيّ ◌ََّ)) الأصل فيه قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اُللَّهِ أُشْوَةُ حَسَنَّةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، وقد ذهب جمعٌ إلى وجوبه لدخوله في عموم الأمر بقوله تعالى: ﴿وَمَآ ءَانَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] وبقوله: ﴿فَأَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] وبقوله تعالى: ﴿وَأَتَّبِعُوهُ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، فيجب اتِّباعُه في فعله كما يجب في قوله، حتَّى يقوم دليل على النَّذْب أو الخَصُوصيَّة، وقال آخرونَ: يحتمل الوجوب والنَّدب والإباحة فيحتاج إلى القَرِينة، والجُمهور للنَّدبِ إذا ظَهَرَ وجه القُرْبة، وقيل: ولو لم يَظهَر، ومنهم مَن فَصَلَ بين التكرار وعَدمِه. وقال آخَرونَ: ما يَفْعَله ◌َّهِ إِن كان بياناً لمجمَلٍ، فحكمه حكمُ ذلك المجمَل وجوباً أو نَدْباً أو إباحة، فإن ظَهَرَ وجه القُرْبة فللنَّدْب، وما لم يَظهَر فيه وجه التقُّب فللإباحة، وأمّا تقريره على ما يُفعَل بحَضرَتِه فيَدُلّ على الجواز، والمسألة مبسوطة في أُصول الفقه. (١) في (باب ما كان النبي ◌َّل يُسأل مما لم ينزل عليه وحي ... )) إلى آخره. ٦٥ باب ٤/ح ٧٢٩٨ كتاب الاعتصام ويَتعلَّق بها تَعارُضُ قوله وفعله، ويَتَفَرَّع من ذلك حكمُ الخصائص وقد أُفِدَت بالتَّصنيف، والشيخٍ شيوخنا الحافظ صلاح الدِّين العَلائِيِّ فيه مُصنَّفٌ جليلٌ، وحاصل ما ذكر فيه ثلاثة أقوال: أحدها: يُقدَّم القول، لأنَّ له صيغةً تَتَضَمَّن المعاني بخِلَاف الفعل، ثانيها: الفعل، لأنَّه لا يَطْرُقه من الاحتمال ما يَطُرُق القول، ثالثها: يُفزَع إلى التَّرجيح، وكلُّ ذلك محلُّه/ ما ٢٧٥/١٣ لم تَقُم قَرِينة تَدُلّ على الخَصُوصَيَّة، وذهب الجمهور إلى الأوَّل، والحُجَّة له: أنَّ القول يُعبَّر به عن المحسوس والمعقول، بخِلَاف الفعل فيَخْتَصُ بالمحسوس، فكان القول أتمَّ، وبأنَّ القول مُنَّفَق على أنَّه دليل بخِلَاف الفعل، ولأنَّ القول يَدُلّ بنفسِه بخلاف الفعل فيحتاج إلى واسطة، وبأنَّ تقديم الفعل يُفضي إلى ترك العمل بالقولِ، والعملُ بالقولِ يُمكِن معه العملُ بما دَلَّ عليه الفعل، فكان القول أرجَحَ بهذه الاعتبارات. قوله: ((حدَّثنا سُفْيان)) هو الثَّوْرِيّ كما جَزَمَ به المِزِيُّ. قوله: ((عن ابن عمر)) في رواية الإسماعيليّ من وجه آخَر عن أبي نُعَيم بسندِه: سمعتُ ابن عمر. قوله: ((فاَّخَذَ الناس خواتيمَ من ذهبَ)) وفيه: فَتَبَذَه وقال: ((إنّ لن ألبَسَه أبداً» فنَبَذَ الناسُ خواتيمهم، اقتصرَ على هذا المثال لاشتمالِه على تَأسِّيهم به في الفعل والتَّرك، وقد تقدَّم شرح ما يَتْعلَّق بخاتَمِ الذَّهَب في كتاب اللباس (٥٨٦٥). قال ابن بَطّال بعد أن حكى الاختلاف في أفعاله عليه الصلاة والسَّلام مُحْتَجّاً لمن قال بالوجوبِ بحديثِ الباب: لأنَّ خَلَعَ خاتَه فخَلَعوا خَواتمهم، ونَزَعَ نعلَه في الصلاة فَنَزَعوا (١)، ولمَّا أمَرَهم عام الحُدَيبية بالتَّحَلُّلِ وتَأخَّروا عن المبادَرةِ رَجاءَ أن يَأْذَن لهم في القتال، وأن يُنصَروا فيُكمِلوا عُمرَتهم، قالت له أمّ سَلَمَ: اخرُجْ إليهم واحلِق واذَبَح، فَفَعَلَ فتابَعوه مُسرِعينَ(٢)، فدَلَّ ذلك على أنَّ الفعل أبلَغُ من القول، ولمَّا نَهَاهم عن (١) أخرجه أحمد (١١١٥٣)، وأبو داود (٦٥٠) من حديث أبي سعيد الخدري. (٢) تقدم برقم (٢٧٣١). ٦٦ باب ٥/ح ٧٢٩٩ فتح الباري بشرح البخاري الوِصَال قالوا: إنَّك تواصل، فقال: ((إنّي أُطعَمُ وأُسقَى)) فلولا أنَّ لهم الاقتداء به لَقال: وما في مُواصَلَتي ما يُبيح لكم الوِصال، لكنَّه عَدَلَ عن ذلك وبيَّن لهم وجه اختصاصه بالمواصَلة. انتهى، وليس في جميع ما ذكره ما يَدُلّ على المدَّعَى من الوجوب، بل على مُطلَق التَّأَسّي به، والعلمُ عند الله تعالى. ٥- باب ما يُكرَه منَ التعمُّقِ والتنازع والغُلوِّ في العلم، والغلّو في الدِّينِ والبِدَع لقولِ الله تعالى: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلَّا اُلْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١]. ٧٢٩٩- حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا هشامٌ، أخبرنا مَعمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هُرَيرةَ، قال: قال النبيُّ نَالَ: ((لا تُواصِلوا)) قالوا: إنَّكَ تواصلُ، قال: ((إنّي لستُ مِثْلَكم، إنّ أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبّي ويَسْقِيني)) فلم يَنْتَهُوا عن الوِصَال، قال: فواصَلَ بِهِم النبيُّ ◌َه يومَينٍ، أو لَيلَتَيْنٍ، ثمَّ رَأَوُا الهلالَ، فقال النبيُّ ◌َّ: ((لو تَأْخَّرَ الهلالُ لَزِدْتُكم)) كالمُنْكي لهم. قوله: ((باب ما يُكرَه من التعمُّق والتَّنَازُع)) زاد غير أبي ذَرٍّ: في العِلم، وهو يَتعلَّق بالتَّازُع والتعمُّق معاً، كما أنَّ قوله: والغُلوِّ في الدِّين والبِدَع، يتناولهما. وقوله: ((لقولِ الله تعالى: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِىِ دِينِكُمْ وَلَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾)) صَدْرُ الآية يَتَعلَّق بفروع الدّين، وهي المعبَّر عنه في التَّرجمة بالعلمِ وما بعده يَتعلَّقِ بأُصولِهِ، فأمّا التعمُّق: فهو بالمهمَلِةِ وبتشديد الميم ثمَّ قاف، ومعناه: التَّشديد في الأمر حتَّى يَتَجاوَز الحدَّ فيه، وقد وَقَعَ شرحه في الكلام على الوِصال في الصيام(١)، حيثُ قال: ((حتَّى يَدَعَ المتعمِّقونَ تَعمُّقَهم))، وأمّا التَّنَازُع: فمن المنازَعَة، وهي في الأصل: المجاذَبة، ويُعبَّر بها عن المجادَلة، والمراد بها: المجادلة عند الاختلاف في الحُكم إذا لم يَتَّضِح الدَّليل، والمذموم منه اللَّجَاجُ بعد قيام الدَّليل. وأمّا الغُلوُّ: فهو المبالَغة في الشيء والتَّشديد فيه بتَجاوُزِ الحدّ، وفيه معنى التعمُّق، يقال: غَلَا (١) انظر باب (٤٨): الوصال، ج ٦/ ٤٤٧. ٦٧ كتاب الاعتصام في الشيء يَغْلُو غُلوّاً، وغَلَا السِّعرُ يَغْلُو غَلاءً: إذا جاوَزَ العادةَ، والسَّهمُ يَغْلُو غَلْواً - بفتح ثمّ سكون -: إذا بَلَغَ غايةَ ما يُرمَى. ووَرَدَ النَّهيُ عنه صريحاً فيما أخرجه النَّسائيُّ (٣٠٥٧) وابن ماجَهْ (٣٠٢٩)، وصَحَّحَه ابن خُزيمةَ وابن حِبّان (٣٨٧١) والحاكم (١/ ٤٦٦) من طريق أبي العالية عن ابن عبّاس قال: قال لي رسول الله وََّ، فذكر حديثاً في حَصَى الرَّمْي، وفيه: «وإيّاكم والغُلوَّ في الدِّين، فإِنَّا أهلَكَ مَن قبلكم الغُلُّ في الدّين)). وأمّا البِدَع فهو جمع بِدْعة: وهي كلُّ شيء ليس له مِثالٌ تقدَّم، فيَشمَل لُغةً ما يُحمَد ويُذَمّ، ويَخْتَصّ في عُرْف أهل الشَّرع بما يُذَمّ، وإن وَرَدَت في المحمود فعلى معناها اللُّغَويّ، واستدلاله بالآيةِ يَنبَني على أنَّ لفظ أهل الكتاب للتَّعميم، ليتناوَلَ غيرَ اليهود والنَّصارى، أو يُجُمَل على أنَّ تَناوُلها مَن عَدَا اليهود والنَّصارى بالإلحاق. وذکر فیه سبعة أحادیث: الحديث الأول: حديث أبي هريرة في النَّهي عن الوِصال، وقد تقدَّم شرحه في کتاب الصيام (١٩٦٥). وقوله هُنا: ((لو تَأْخَّرَ الهلال لَزِدْتُكم) وَقَعَ في حديث أنس الماضي في كتاب التَّمنّي (٧٢٤١): ((ولو مُدَّ لي في الشَّهر لَواصَلتُ وِصالاً يَدَع المتعمِّقونَ تَعمُّقَهم))، وإلى هذه الرِّواية أشارَ في التَّرجمة، لكنَّ جَرَى على عادته في إيراد ما لا يُناسِب التَّرجمةَ ظاهراً إذا وَرَدَ في بعض طرقه ما يُعطي ذلك، وقد تقدَّم نحو هذا في كتاب الصيام بزيادةٍ فيه. وقوله: ((كالمُنْكي)) بضمِّ الميم وسكون النُّون وبعد الكاف ياء ساكنة: من النِّكاية، كذا لأبي ذرِّ عن السَّرَخسيّ، وعن المُستَملي براءٍ بَدَل الياء من الإنكار، وعلى هذا فاللام في (لهم) بمعنى: على، وعن الكُشمِيهَنيِّ بفتح النُّون وتشديد الكاف المكسورة بعدها لام من النَّكال، وهي رواية الباقين، وقد مضى في كتاب الصيام (١٩٦٥) من طريق شُعَيب عن الزُّهْريِّ بلفظ: كالتَّنكيلِ لهم حين أبَوْا أن يَنتَهُوا. الحديث الثاني: ٦٨ باب ٥/ ح ٧٣٠٠ فتح الباري بشرح البخاري ٧٣٠٠ - حدَّثنا عمرُ بنُ حَفْصٍ بنِ غِیاثٍ، حدَّثنا أَبي، حدَّثنا الأعمَشُ، حدَّثني إبراهيم التَّيْمِيُّ، حدَّثني أَبي قال: خَطَبَنا عليٌّ عُ على مِنْبٍ مِن آجُرٍّ وعليه سيفٌ فيه صَحِيفةٌ مُعلَّقَةٌ، فقال: والله ما عندَنا مِن كتابٍ يُقرَأُ إلا كتابُ الله وما في هذه الصَّحيفةِ، فَنَشَرَها، فإذا فيها أسنانُ الإبلِ، وإذا فيها: ((المدينةُ حَرَمٌ مِن عَيْرٍ إلى كذا، فمَنْ أَحدَثَ فيها حَدَثاً فعليه لَعْنَةُ الله والملائكة والناسِ أجمعينَ، لا يَقبَلُ اللهُ منه صَرْفاً ولا عَدْلاً))، وإذا فيه: ((ذِمّةُ المسلمينَ واحدةٌ يَسْعَى بها أدْناهم، فمَنْ أخْفَرَ مُسلماً فعليه لَعْنةُ الله والملائكة والناسِ أجمعينَ، لا يَقبَلُ الله منه ٢٧٦/١٣ صَرْفاً ولا عَدْلاً))، وإذا فيها: ((مَنْ والَى قوماً بغيرِ إذْنِ مَوالِيهِ، فعليه لَعْنةُ الله والملائكةِ/ والناسِ أجمعينَ، لا يَقبَلُ الله منه صَرْفاً ولا عَدْلاً)). قوله: ((حَدَّثَنِي أَبي)) هو يزيد بن شَرِيك التَّيْمِيُّ. قوله: ((خَطَبَنا عليٌّ بن أبي طالب على مِنبَرَ من آجُرٍّ)) بالمدِّ وضمّ الجيم وتشديد الراء: هو الطُّوب المشويّ، ويُقال له: آجُور (١)، بمَدِّ وزيادة واو، وهو فارسيٌّ مُعرَّبٌ. قوله: ((فَشَرَها)) أي: فَتَحَها. قوله: ((فإذا فيها)) يحتمل أن يكون عليٌّ دَفَعَها لمن قرأها، ويحتمل أن يكون قرأها بنفسِه. قوله: ((المدينة حَرٌَ)) تقدَّم شرح ما يَتعلَّق بذلك في أواخر الحجّ (١٨٧٠) مُستَوعَباً. قوله: ((ذِمَّة المسلمينَ واحدة) تقدَّم ما يتعلَّق بذلك أيضاً في الجِزية والموادَعَة (٣١٧٢). وقوله: ((فمَن أخفَرَ)) بالخاءِ المعجَمة والفاء، أي: غَدَرَ به، والهمزة للتَّعدية، أي: أزالَ عنه الخَفْر، وهو السِّتر. قوله: ((مَن والى قوماً بغيرِ إِذْن مَوالِهِ) تقدَّم ما يتعلَّق به في الفرائض (٦٧٥٥)، وتقدَّم في ٢٧٩/١٣ أواخر كتاب الفرائض أنَّ الصَّحيفة المذكورة تَشتَمِل على أشياءَ غيرِ هذه/ من القصاص والعَفْو وغير ذلك، والغَرَض بإيرادِ الحديث هنا لَعنُ مَن أحدَثَ حَدَثاً، فإنَّه وإن قُيِّد في (١) قوله: ((له آجور)) سقط من (س). ٦٩ باب ٥/ح ٧٣٠١ كتاب الاعتصام الخبر بالمدينة، فالحكم عامٌّ فيها وفي غيرها إذا كان من مُتعلِّقات الدِّين، وقد تقدَّم شرح ذلك في (باب حَرَم المدينة)) في أواخر كتاب الحجّ (١٨٧٠). وقال الكِرْمانيُّ: مُناسَبة حديث عليّ للتَّرجمةِ لعلَّه من جِهَة أنَّه يُستَفاد من قول عليٍّ: ما عندنا من كتاب يُقرَأ ... إلى آخره، تَبكيتُ مَن تَنَطَّعَ في الكلام، وجاءَ بغيرِ ما في الكتاب والسُّنّة؛ کذا قال. الحديث الثالث: ٧٣٠١- حدَّثنا عمرُ بنُ حَفْصٍ، حدَّثنا أَبي، حدَّثنا الأعمَشُ، حدَّثْنا مُسلِمٌ، عن مسروقٍ قال: قالت عائشةُ رضي الله عنها: صَنَعَ النبيُّ وَّهِ شيئاً تَرَخَّصَ فيه وتَنَزَّهَ عنه قومٌ، فَبَلَغَ ذلك النبيَّ ◌َّ، فَحَمِدَ الله ثمَّ قال: «ما بالُ أقوام يَتَنزَّهونَ عن الشَّيءِ أصنَعُه؟! فوالله إنّي أَعلَمُهم بالله ٨ - وأشَدُّهم له خَشْیةً)». قوله: ((عن الأعمَش، حدَّثْنا مُسلِمٍ)) هو ابن صُبَيح بمُهمَلةٍ وموخَّدة مُصغَّراً وآخره مُهمَلة، وهو أبو الضُّحَى مشهور بكُنيَتِه أكثر من اسمه، وقد وَقَعَ عند مسلم (٢٣٥٦/ ١٢٧) مُصرَّحاً به في رواية جَرير عن الأعمَش فقال: عن أبي الضُّحَى به، وهذا يُغْني عن قول الكِرْمانيّ: يحتمل أن يكون ابنَ صُبَيح، ويحتمل أن يكون ابنَ أبي عمران البَطِين، فإنَّهما يرويان عن مسروق ويروي عنهما الأعمش، والسَّند المذكور إلى مسروق كلُّهم كوفيّونَ. قوله: ((قال: قالت عائشةُ)) في رواية مسلم من عِدَّة طرق عن الأعمَش بسنِدِه: عن عائشة. قوله: «تَرخّصَ فیه وتنزَّه عنه قوم)) قد تقدَّم في باب من لم یواجِه الناس)) من کتاب الأدب (٦١٠١) هذا الحديث بسندِه ومَتْنه، وشَرَحتُه هناك، والمراد منه هنا: أنَّ الخير في الاتِّباع سواء كان ذلك في العَزيمة أو الرُّخصَة، وأنَّ استعمال الرُّخصة بقَصدِ الاتِّباع في المحَلِّ الذي وَرَدَت، أَولى من استعمال العزيمة، بل رُبَّما كان استعمالُ العزيمة حينئذٍ ٧٠ باب ٥/ح ٧٣٠٢ فتح الباري بشرح البخاري مرجوحاً كما في إتمام الصلاة في السَّفَر، وربَّما كان مذموماً إذا كان رَغْبةً عن السُّنَّة، کتَركِ المسح على الخُفَّين. وأومَأَ ابن بَطّال إلى أنَّ الذي تَتَزَّهوا عنه القُبْلة للصّائم، وقال غيره: لعلَّه الفِطرُ في السَّفَر، ونَقَلَ ابن التِّين عن الدَّاوُوديّ: أنَّ التّه عَّ تَرَخَّصَ فيه النبيُّ وَلِّ من أعظم الذُّنوب، لأَنَّه يَرَى نفسَه أتقَى لله من رسوله، وهذا إلحادٌ. قلت: لا شَكَّ في إلحاد مَن اعتَقَدَ ذلك، ولكنَّ الذي اعتَلَّ به مَن أُشيرَ إليهم في الحديث أنَّه غُفِرَ له ما تقدَّم وما تَأخّرَ، أي: فإذا تَرَخَّصَ في شيء لم يكن مِثلَ غيره ممّن لم يُغْفَر له ذلك، فيحتاج الذي لم يُغفَر له إلى الأخذ بالعَزيمةِ والشِّدَّة لِيَنجُوَ، فأعلَمَهم النبيُّ ◌َّ أَنَّه وإن كان غَفَرَ الله له، لكنَّه معَ ذلك أخشَى الناسِ لله وأتقاهم، فمهما فعَلَه وَلَّ من عَزيمةٍ ورُخصَة فهو فيه في غاية التَّقْوَى والخَشْية، لم يَحمِله التفضُّل بالمغفِرةِ على ترك الجِدّ في العمل قياماً بالشُّكر، ومهما تَرخّصَ فيه فإنَّما هو للإعانةِ على العزيمة ليَعمَلَها بِنَشاطِ، وأشارَ بقوله: ((أعلَمُهم)) إلى القوَّة العِلميَّة، وبقوله: ((أشَدّهم له خَشْية)) إلى القوَّة العَمليَّة، أي: أنا أعلَمُهم بالفَضْل وأولاهم بالعمل به. ٧٣٠٢ - حدَّثْنا محمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ، أخبرنا وكيعٌ، عن نافعٍ بنِ عمرَ، عن ابنِ أبي مُلَيكةً قال: كادَ الخَيِّرانِ أنْ يَهْلِكا أبو بكرٍ وعمرُ، لمَّا قَدِمَ على النبيِّ ◌ََّ وَفْدُ بني تَمِيمِ أشارَ أحدُهما بالأقرَعِ بنِ حابسِ الحَنْظَلِيِّ أخي بني مُجاشِعٍ، وأشارَ الآخَرُ بغيرِه، فقال أبو بكرٍ لعمرَ: إنَّما أرَدْتَ خِلَافي، فقال عمرُ: ما أرَدْتُ خِلَافَكَ، فارتَفَعَتْ أصواتُهما عندَ النبيِّ وَّةِ، فَتَزَلَت: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿عَظِيمٌ﴾ [الحجرات: ٢-٣]. قال ابنُ أبي مُلَيكةَ: قال ابنُ الزُّبَير: فكان عمرُ بَعْدُ - ولم يذكُرْ ذلك عن أبيه، يعني: أبا بكرٍ - إذا حَدَّثَ النبيَّ ◌َّهَ بحديثٍ حَدَّثَه كأخي السِّرَار، لم يُسمِعْه حتَّى يَستَفِهِمَه. الحديث الرابع: حديث ابن أبي مُلَيكة في قصَّة أبي بكر وعمر في تأمير الأقرَع بن حابِسٍ أو القَعقاع بن مَعبَد على بني تميم، وفيه نَزَلَت: ﴿ يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ﴾، وقد تقدَّم ٧١ كتاب الاعتصام شرحه مُستَوفَّى في تفسير سورة الحُجُرات (٤٨٤٥)، وأنَّ المقصود منه قوله تعالى في أوَّل السّورة: ﴿لَا تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ اَللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، ومن هنا تَظهَر مُناسَبتُه للتَّرجمة. ونقلَ ابن التِّين عن الدَّاوُوديّ: إنَّ هذا الحديث مُرسَل، لم يَتَّصِلْ منه سوى شيء يسير، ومَن نَظَرَ إلى ما تقدَّم في الحُجُرات استَغنَى بما فيه عن تَعقّب كلامه. وقوله: ((وقال ابن أبي مُلَيكة: قال ابن الزُّبَير)) هو موصول بالسَّندِ المذكور قبله، وقد وَقَعَت هذه الزّيادة في رواية المُستَملي، وقد تقدَّم في تفسير الحُجُرات بعد قوله: فَأَنزَلَ الله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ لَا تَرْفَعُواْأَصْوَتَكُمْ﴾ الآية، فقال ابن الزُّبَير ... فذكره. قوله: «فكان عمر بعدُ - ولم يَذكُر ذلك عن أبيه؛ يعني أبا بكر - إذا حَدَّثَ النبيَّ ◌َّه ... )) إلى آخره، هكذا فَصَلَ بين قوله: ((فكان عمر)) في هذه الرِّواية وبين قوله: ((إذا حَدَّثَ)) بهذه الجملة، وهي ((ولم يَذْكُر ذلك عن أبيه))، وأَخَّرَها في الرّواية الماضية في الحُجُرات، ولفظه: فما كان يُسمِع رسولَ اللهِوَ ◌ّهِ حَتَّى يَستَقْهِمَه ولم يَذْكُر ذلك عن أبيه. قوله: ((حَدَّثَه كأخي السِّرَار)) أمّا السِّرَار/ فبكسر السّين المهمَلة وتخفيف الرَّاء، أي: ٢٧٩/١٣ الكلام السِّ، ومنه: المُسارَرَة، وأمّا قوله: ((كأَخي)) فقال ابن الأثير: معنى قوله: ((كأخي السِّرار)): كصاحبِ السِّرار، قاله الخطَّبيُّ، ونَقَلَ عن ثَعلَب: أنَّ المعنى: كالسِّرار، ولفظ ((أخي)) صِلَة، قال: والمعنى: كالمُناجِي سِرّاً. انتهى، وقال صاحب ((الفائق)): لو قيل: إنَّ معنى قوله: ((كأخي السِّرار)): كالمُسارِر، لكانَ وجهاً، والكاف في محلِّ نصب على الحال، وعلى ما مضى تكون صِفَةً لمصدَرٍ محذوف، وقوله: ((لا يُسمِعه حتَّى يَستَقْهِمه)) تأكيد لمعنى قوله: ((كأخي السِّرار)) أي: يَخْفِض صوته ويُبالِغ حتَّى يحتاج إلى استفهامه عن بعض كلامه. وقال في ((الفائق)): الضَّمير في ((يُسمِعه)) للكاف إن جُعِلَت صِفَة للمصدَر، وهو منصوب المحَلّ على الوَصْفيَّة، فإن أُعرِبَت حالاً فالضَّمير لها أيضاً إن قُدِّرَ مُضافاً، وليس قوله: ((لا يُسمِعه)) حالاً من النبيّ وَ لَّ، لَرَكَاكةِ المعنى حينئذٍ، والله أعلم. ٧٢ باب ٥/ح ٧٣٠٤ - ٧٣٠٥ فتح الباري بشرح البخاري ٧٣٠٣- حدَّثنا إسماعيلُ، حدَّثني مالكٌ، عن هشامِ بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، عن عائشةَ أمّ المؤمنينَ: أنَّ رسولَ اللهَوَ ◌ّل قال في مرضِه: ((مُرُوا أبا بكرٍ يُصَلّي بالناسِ)» قالت عائشةُ: قلتُ: إِنَّ أبا بكرِ إذا قامَ في مَقامِكَ لم يُسمِعِ الناسَ منَ البُكاءِ، فمُرْ عمرَ فَلْيُصَلِّ، فقال: ((مُرُوا أبا بكرٍ فَلْيُصَلِّ بالناسِ))، فقالت عائشةُ: فقلتُ لحَفْصةَ: قولي: إنَّ أبا بكرٍ إذا قامَ في مَقامِكَ لم يُسمِعِ الناسَ منَ البُكاءِ، فمُرْ عمرَ فَلْيُصَلِّ بالناسِ، ففَعَلَتْ حَفْصةٌ، فقال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((إِنَّكُنَّ لأَنْتُنَّ صَوَاحبُ يوسُفَ، مُرُوا أبا بكرٍ فَلْيُصَلِّ للنّاسِ))، فقالت حَفْصةُ لعائشةَ: ما كنتُ لأُصِيبَ منكِ خيراً. ٧٣٠٤ - حدَّثنا آدمُ، حذَّثنا ابنِ أبي ذِئْبٍ، حذَّثنا الزُّهْريُّ، عن سَهْلِ بنِ سعدِ السّاعِدِيِّ قال: جاءَ عُوَيْمِرٌ إلى عاصم بنِ عَدِيٍّ فقال: أرأيتَ رجلاً وَجَدَ معَ امرأتِه رجلاً فيقتلُه، أتقتُلُونَه به؟ سَلْ لي يا عاصمُ رسولَ اللهَوَِّ، فسألَه فَكَرِهَ النبيُّ ◌َّهِ المسائلَ وعابَها، فَرَجَعَ عاصمٌ فأخبَرَه أنَّ النبيَّ ◌َ ◌ّكَرِهَ المسائلَ، فقال عُوَيمِرٌ: والله لآتِيَنَّ النبيَّ ◌َّهِ، فجاءَ وقد أَنزَلَ الله تعالى القرآنَ خَلْفَ عاصمٍ، فقال له: ((قد أنزَلَ الله فيكم قرآناً) فَدَعَا بهما فتقدَّما فتَلاعَنَا، ثمَّ قال عُوَيمِرٌ: كَذَبتُ عليها يا رسولَ الله إنْ أَمْسَكتُها، ففارَقَها ولم يأمُّرْه النبيُّ ◌َّهِ بِفِراقِها، فجَرَتِ السُّنَّةُ في المتَلاعَنَينِ، وقال ٢٧٧/١٣ النبيُّ ◌َّهِ: «انظُروها، فإنْ جاءَتْ به أحمرَ قَصِيراً مِثلَ وَحَرةٍ، فلا أُراه إلّا قد كَذَبَ، وإنْ جاءَتْ به أسحَمَ أعيَنَ ذا الْتَينِ، فلا أَحسَبُ إلا قد صَدَقَ عليها))، فجاءَتْ به على الأمرِ المكروه. ٧٣٠٥- حذَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، حدَّثنا اللَّيثُ، حدَّثني عُقَيلٌ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني مالكُ بنُ أَوْسِ النَّصْرِيُّ، وكان محمَّدُ بنُ جُبَيرِ بنِ مُطعِمٍ ذَكَر لي ذِكْراً مِن ذلك، فدَخَلتُ على مالكٍ فسألتُه فقال: انطَلَقتُ حتَّى أدخُلَ على عمرَ، أتاه حاجبُهُ يَرْفا فقال: هل لكَ في عُثْمانَ وعبدِ الرَّحمنِ والزُّبَير وسعدٍ يَستأذِنِونَ؟ قال: نَعَم، فدخلوا فسَلَّموا وجَلَسوا، فقال: هل لكَ في عليّ وعبَّاسٍ؟ فَأَذِنَ لهما، قال العبّاسُ: يا أميرَ المؤمنينَ، اقضٍ بَيْنِي وبينَ الظّالمِ - استَبًا - فقال الرَّهْطُ عُثمانُ وأصحابُه: يا أميرَ المؤمنينَ، اقضٍ بينَهما وأَرِحْ أحدَهما منَ الآخَرِ، فقال: أَّتِّدوا، أنشُدُكم بالله الذي بإذْنِهِ تقوم السماءُ والأرضُ، هل تعلمونَ أنَّ رسولَ الله ◌َّم قال: ((لا نُورَثُ، ما تَرَكْنا صَدَقةٌ» ٧٣ باب ٥/ح ٧٣٠٥ كتاب الاعتصام يريدُ رسولُ الله ◌ََّ نفسَه؟ قال الرَّهْطُ: قد قال ذلك، فَأَقْبَلَ عمرُ على عليٍّ وعبَّاسٍ فقال: أَنشُدُكُما بالله هل تعلمانِ أَنَّ رسولَ الله وَّ قال ذلك؟ قالا: نَعَم. قال عمرُ: فإنّ ◌ُحدِّثُكم عن هذا الأمرِ، إنَّ الله كانَ خَصَّ رسولَه وَلَّ في هذا المال بشيءٍ لم يُعطِهِ أحداً غيرَه، فإنَّ اللهَ يقولُ: ﴿ وَمَآ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ﴾ الآية [الحشر: ٦]، فكانت هذه خالصةً لرسولِ الله وَّةِ، ثمَّ والله ما احتازَها دُونَكم، ولا استَأَثَرَ بها عليكم، وقد أعطاكُمُوها وبَّها فيكم، حتَّى بَقِيَ منها هذا المالُ، وكان النبيُّ وَلّهِ يُنفِقُ على أهلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِم مِن هذا المال، ثمَّ يأخُذُ ما بَقِيَ فيجعلُهُ مَجَعَلَ مالِ الله، فعَمِلَ النبيُّ ◌َلَ بذلك حياتَه، أنشُدُكم بالله، هل تعلمونَ ذلك؟ فقالوا: نَعَم، ثمَّ قال لعليٍّ وعبَّاسٍ: أنشُدُكُما الله هل تعلمانِ ذلك؟ قالا: نَعَم، ثمَّ تَوَلَّى اللهُ نبيَّهِ وَِّ فقال أبو بكرٍ: أنا ولِيُّ رسولِ الله وَِّ، فَقَبَضَها أبو بكرٍ، فَعَمِلَ فيها بما عَمِلَ فيها رسولُ الله وَّ وَأنْتُمَا حِينَئِذٍ - فَأَقْبَلَ على عليٍّ وعبَّاسٍ - تَزْعُمانِ أنَّ أبا بكرٍ فيها كذا، واللهُ يَعلَمُ أنَّه فيها صادِقٌ بارِّ راشدٌ تابعٌ للحَقِّ، ثمَّ تَوَلَى اللهُ أبا بكرٍ، فقلتُ: أنا ولِيُّ رسولِ الله وَ﴿ وأبي بكرٍ، فَقَبَضتُها سنتَيْنِ أَعمَلُ فيها بما عَمِلَ به رسولُ الله ◌ِّ﴿ وأبو بكرٍ، ثمَّ جِئْتُماني وكَلِمَتُكما على كلمةٍ واحدٍ، وأمرُكُما جميعٌ، جِئْتَنِي تَسْألُنِي نَصِيبَكَ مِنِ ابنِ أخِيكِ، وأتاني هذا يَسْألُنِي نَصِيبَ امرأتِهِ مِن أبيها، فقلتُ: إنْ شتُمَا دَفَعتُها إليكما على أنَّ عليكما عَهْدَ الله ومِيثاقَه، تَعمَلانِ فيها بما عَمِلَ به رسولُ الله ◌ِّهِ، وبما عَمِلَ فيها أبو بكرٍ، وبما عَمِلتُ فيها منذُ وَلِيتُها، وإلّا فلا تُكلِّماني فيها، فقلتُما: ادفَعْها إلينا بذلك، فدَفَعتُها إليكما بذلك، أنشُدُكم بالله هل دَفَعتُها إليهما بذلك؟ قال الرَّهْطُ: نَعَم، فأقْبَلَ على عليٍّ وعبَّاسٍ فقال: أنشُدُكُما بالله هل دَفَعتُها إليكما بذلك؟ قالا:/ نَعَم، قال: أفْتَلْتَمِسانِ منّي قضاءً غيرَ ذلك؟ فوالَّذي بإذْنِهِ تقومُ ٢٧٨/١٣ السماءُ والأرضُ لا أَقْضي فيها قضاءً غيرَ ذلك حتَّى تقومَ السّاعةُ، فإنْ عَجَزتما عنها فادفَعَاها إلَّ فأنا أکفِيكُماها. الحديث الخامس: حديث عائشة في أمر أبي بكر بالصلاةِ بالناس، وفيه مُراجَعَة عائشة وحَفْصة، وقد تقدَّم شرحه مُستَوَى في أبواب الإمامة من كتاب الصلاة (٦٦٤ و٦٧٩) والمقصود ٧٤ باب ٥/ح ٧٣٠٥ فتح الباري بشرح البخاري منه بيانُ ذَمَّ المخالَفة، وقال ابن التِّين: وفيه أنَّ أوامرَه على الوجوب، وأنَّ في مُراجَعَته فيما يَأْمُر به بعضَ المكروه. قلت: وليس ما ادَّعاه من دليل الوجوب ظاهراً. الحديث السادس: حديث سهل بن سعد في قصَّة المتَلاعِنَين، وقد مضى شرحه مُستَوفَّى في كتاب اللِّعان (٥٣٠٨)، والمقصود منه هنا: فَكَرِهَ النبيُّ وَّهِ المسائلَ وعابَها، ووَقَعَ في رواية الگُشمِیھنیّ: وعابَ، بحذفِ المفعول. الحديث السابع: حديث مالك بن أَوْس في قصَّة العبَّاس وعليٍّ ومُنازَعَتهما عند عمر في صَدَقة رسول الله وَله، وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في فرض الخُمُس (٣٠٩٤)، والمقصود منه هنا بیانُ کراهیة التّازُع، ويَدُلّ علیه قولُ عثمان ومَن معه: يا أمير المؤمنين، اقضِ بینھما وأرِخ أحدَهما من الآخَر، فإنَّ الظَّنَّ بهما أنَّهما لم يتنازَعا إلّا ولكلٍّ منهما مُستنَد في أنَّ الحقّ بَيَدِه دون الآخَر، فأفضَى ذلك بهما إلى المخاصَمَة، ثمَّ المحاكَمَة التي لولا التَّنَازُعُ لكانَ اللّاتَقُ بهما خِلاف ذلك. وقوله في هذه الطَّريق: ((اتَّتِدوا)) بتشديد المثنّاة بعدها همزة مكسورة، أي: استَمِهِلوا. وقوله: ((أنشُدُكم بالله)) في رواية الكُشمِيهَنيّ: أنشُدُكم اللهَ، بحذفِ الباء وهو جائز. وقوله: ((ما احتازَها)) بالمهمَلةِ ثمَّ الزّاي، وللكُشمِيهَنيّ بالمعجَمةِ ثمَّ الرَّاءِ، والأوَّل أولى. وقوله: ((وكان يُنفِقِ)) وللكُشمِيهَنيّ: فكان، بالفاءِ وهو أولى. وقوله: ((فأقْبَلَ على عليٍّ)» في رواية الكُشمِيهَنِيّ: ثُمَّ أقبَلَ. وقوله: (تَزْعُمان أنَّ أبا بكر فيها كذا)) هكذا هنا وَقَعَ بالإبهام، وقد بيَّنْتُ في شرح الرِّواية الماضية في فرض الخُمُس أنَّ تفسير ذلك وَقَعَ في رواية مسلم (٤٩/١٧٥٧)، وخَلَت الرِّواية المذكورة عن ذلك إبهاماً وتفسيراً، ويُؤخَذ ممّا سأذكرُه عن المازَرِيّ وغيره من تأويل كلام العبّاس ما يُجاب به عن ذلك، وبالله التّوفيق. قال ابن بَطّال: في أحاديث الباب ما تَرجَمَ له من كراهية التَّنطَّعِ والتََّازُع، لإشارَتِه إلى ذَمِّ مَن استَمرَّ على الوِصَال بعد النَّهي، ولإشارةِ عليٍّ إلى ذَمَّ مَن غَلَا فيه فادَّعَى أنَّ النبيّ وَليه ٧٥ كتاب الاعتصام خَصَّه بأُمورٍ من عِلم الدِّيانة دون غيره، وإشارته بٍَّ إلى ذَمّ مَن شَدَّدَ فيما تَرخَّصَ فيه، وفي قصَّة بني تميم ذَمُّ التَّنَازُعِ المؤَدّي إلى التَّشاجُر، ونسبةُ أحدهما الآخَرَ إلى قَصْد مُخَالَفَته، فإِنَّ فيه إشارة إلى ذمّ كلِّ حالة تَؤُول بصاحبها إلى افتراق الكَلِمة أو المعاداة. وفي حديث عائشة إشارة إلى ذمِّ التعسُّف في المعاني التي خَشْيتها من قيام أبي بكر مَقامَ رسول الله مَثّ﴾. قال ابن التِّين: معنى قوله في هذه الرِّواية: ((استَبَّ)) أي: نَسَبَ كلّ واحد منهما الآخَرَ إلى أنَّه ظَلَمَه، وقد صَرَّحَ بذلك في هذه الرِّواية بقوله: اقضٍ بيني وبين هذا الظّلم، قال: ولم يُرِدْ أَنَّه يَظلِم الناس، وإنَّما أرادَ ما تَأوَّلَه في خُصوص هذه القصَّة، ولم يُرِدْ أنَّ عليّاً سَبَّ العبّاس بغيرِ ذلك لأنَّه صِنْوُ أبيه، ولا أنَّ العِبَّاس سَبَّ عليّاً بغيرِ ذلك، لأَنَّه يَعرِف فضلَه وسابقَتَه. وقال المازَرِيّ: هذا اللَّفظ لا يَلِيق بالعَبَّاسِ وحاشا عليّاً من ذلك، فهو سَهوٌّ من الرُّواة، وإن كان لا بدَّ من / صِحَّته فليُؤَوَّل بأنَّ العَبَّاس تَكلَّمَ بما لا يَعْتَقِد ظاهرَه مُبالَغةً في الَّجر، ٢٨١/١٣ ورَدْعاً لما يَعْتَقِد أنَّه مخطئ فيه، ولهذا لم يُنكِرْه عليه أحد من الصَّحابة لا الخليفةُ ولا غيره، معَ تَشَدُّدهم في إنكار المنكر، وما ذاكَ إلّا أنَهم فَهِموا بقَرِينة الحال أنَّه لا يريد به الحقيقة. انتهى، وقد مضى بعضُ هذا في شرح الحديث في فَرْض الخُمُس، وفيه أنَّني لم أقِفْ في شيء من طرق هذه القصَّة على كلام لعليٍّ في ذلك، وإن كان المفهوم من قوله: ((استَبّا)) بالتَّثنيةِ أن يكون وَقَعَ منه في حَقِّ العبّاس كلام. وقال غيره: حاشا عليّاً أن يكون ظالماً والعبَّاسُ أن يصير ظالماً بنسبة الظّلم إلى عليٍّ وليس بظالمٍ، وقيل: في الكلام حذفٌ تقديره: أي: هذا الظّالم إن لم يُنصِفْ، أو التَّقدير: هذا كالظّلم، وقيل: هي كَلِمة تُقال في الغضب لا يُراد بها حقيقتُها، وقيل: لمَّا كان الظُّلم يُفسَّر بأنَّه وضعُ الشيء في غير موضعه، تَناوَلَ الذَّنبَ الكبير والصَّغير، وتَناوَلَ الخَصْلة المباحة التي لا تَليق عُرفاً، فيُحمَل الإطلاق على الأخيرة، والله أعلم. ٦ - باب إِثمٍ مَن آوَى مُحدِثاً رواه عليٌّ، عن النبيِّ وَطِّ. ٧٦ باب ٦/ح ٧٣٠٦ فتح الباري بشرح البخاري ٧٣٠٦ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا عبدُ الواحدِ، حدَّثنا عاصمٌ قال: قلتُ لأنسٍ: أحَرَّمَ رسولُ الله وَّرِ المدينةَ؟ قال: نَعَم، ما بينَ كذا إلى كذا «لا يُقْطَعُ شَجَرُها، مَن أحدَثَ فيها حَدَثاً، فعليه لَعْنَةُ الله والملائكة والناسِ أجمعينَ)). قال عاصمٌ: فأخبرني موسى بنُ أنسٍ أَّه قال: ((أو آوَى مُحدِثاً)). قوله: (باب إثم مَن آوى تُحدِثاً)) بضمٍّ أوَّله وسكون الحاء المهمَلة وبعد الدّال مُثَلَّثة، أي: أحدَثَ المعصيةَ. قوله: ((رواه عليٌّ، عن النبيّ وَّ) تقدَّم موصولاً في الباب الذي قبله (٧٣٠٠). وعبد الواحد في حديث أنس: هو ابن زياد، وعاصم: هو ابن سليمان المعروف بالأَحوَل. وقوله: ((قال عاصم: فأخبرني)) هو موصولٌ بالسَّندِ المذكور. قوله: ((موسى بن أنس)) ذكر الدّارَ قُطنيُّ أنَّ الصَّواب: عن عاصم عن النَّضر بن أنس، لا عن موسى، قال: والوَهمُ فيه من البخاريّ أو شيخه، قال عِيَاض: وقد أخرجه مسلم (١٣٦٦) على الصَّواب. قلت: إن أرادَ أنَّه قال: عن النَّضر، فليس كذلك، فإنَّه إنَّما قال لمَّ أخرجه: عن حامد ابن عُمَير عن عبد الواحد عن عاصم عن ابن أنس، فإن كان عِيَاض أرادَ أنَّ الإبهام صوابٌ، فلا يَخْفَى ما فيه، والذي سَمّاه النَّضرَ هو مُسدَّد عن عبد الواحد، كذا أخرجه في ((مُسنَده))، وأبو نُعَيم في ((المستخرَج)) من طريقه، وقد رواه عَمرو بن أبي قيس عن عاصم فبيَّن أنَّ بعضه عنده عن أنس نفسه، وبعضه عن النَّضر ابن أنس عن أبيه، أخرجه أبو عَوَانة في ((مُستَخرَجه)) وأبو الشَّيخ في كتاب ((التَّرهيب)) جميعاً من طريقه عن عاصم عن أنس، قال عاصم: ولم أسمَعْ من أنس: ((أو آوَى مُحدِثاً)) فقلت للنّضر: ما سمعتَ هذا؟ يعني القَدْر الزّائد من أنس، قال: لكنّي سمعتُه منه أكثرَ من مئة مرَّة. وقد تقدَّم شرح حديثَي عليّ وأنس في أواخر الحجّ في أوَّل فضائل المدينة في ((باب حَرَم ٧٧ باب ٧ كتاب الاعتصام المدينة)) (١٨٧٠ و١٨٦٧)، وذكرتُ هناك رواية من رَوَى هذه الزّيادة عن عاصم عن أنس بدون الواسطة، وأنَّه مُدَرَج، وبالله التّوفيق. قال ابن بَطّال: دَلَّ الحديثُ على أنَّ مَن أحدَثَ حَدَثاً أو آوَى مُحُدِثاً في غيرِ المدينةِ، أَنَّه غير مُتَوَعَّد بمِثلِ ما تُؤُعّد به مَن فعل ذلك بالمدينة، وإن كان قد عُلِمَ أنَّ مَن آوَى أهل المعاصي أنَّه يُشارِكهم في الإثم، فإنَّ مَن رَضِيَ فعل قوم وعَمَلهم التَحَقَ بهم، ولكن خُصَّت المدينة بالذِّكرِ لشَرَفِها، لكونها مَهبِطَ الوحي ومَوطِن الرَّسول عليه الصلاة والسَّلام، ومنها انْتَشَرَ الدِّين في أقطار الأرض، فكان لها بذلك مزيدُ فضلٍ على / غيرها. وقال غيره: السِّرُّ في تخصيص المدينة بالذِّكرِ: أنَّها كانت إذ ذاكَ مَوطِنَ النبيّ وَّهِ، ثمَّ صارَت موضعَ الخلفاء الرَّاشِدينَ. ٢٨٢/١٣ ٧- باب ما يُذكَرُ مِن ذَمِ الرَّأْي وتكلُّفِ القیاس ﴿ وَلَا نَقْفُ﴾: لا تَقُل ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ ﴾ [الإسراء: ٣٦]. قوله: ((باب ما يُذكَر من ذّ الرَّأْي)» أي: الفَتَوَى بما يُؤَدّي إليه النَّظَر، وهو يَصدُق على ما يوافقُ النَّصَّ وعلى ما يُخَالِفِه، والمذموم منه ما يُوجَد النَّصُ بخِلَافه، وأشارَ بقوله: ((مِن)) إلى أنَّ بعض الفَتَوَى بالرَّأي لا تُذَمُّ، وهو إذا لم يُوجَد النَّصُّ من كتاب أو سُنَّة أو إجماع. وقوله: ((وتَكلُّف القياس)) أي: إذا لم يَجِد الأُمور الثَّلاثة واحتاجَ إلى القياس، فلا يتكلَّفُه بل يستعمله على أوضاعه، ولا يَتَعسَّف في إثبات العِلَّة الجامعة التي هي من أركان القياس، بل إذا لم تكن العِلَّة الجامعة واضحة، فليَتمسَّكْ بالبراءَة الأصليَّة، ويَدخُل في تَكلُّف القياس ما إذا استَعمَلَه على أوضاعه معَ وجود النَّصّ، وما إذا وَجَدَ النَّصَّ فخالَفَه وتَأوَّلَ لمخالَفَتِهِ شيئاً بعيداً، ويَشتَدّ الذَّمُّ فيه لمن يَنْتَصِر لمن يُقلِّده، معَ احتمال أن لا يكونَ الأوَّل الطَّلَعَ على النَّصّ. قوله: (﴿ وَلَا نَقْفُ﴾: لا تَقُلْ ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمُ﴾)) احتَجَّ لما ذكره من ذَمَ التكلُّف بالآية، وتفسير القَفْو بالقولِ من كلام ابن عبّاس، فيما أخرجه الطَّريُّ وابن أبي حاتم من ٧٨ باب ٧ فتح الباري بشرح البخاري طريق عليّ بن أبي طَلْحة عنه، وكذا قال عبد الرَّزّاق عن مَعمَر عن قَتَادةَ: ﴿ وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمُ﴾: لا تَقُل: رأيتُ، ولم تَرَ، وسمعتُ ولم تَسمَع، والمعروف: أنَّه الاتِّباع، وقد تقدَّم في حديث موسى والخَضِر: فانطَلَقَ يَقْفُو أثَره(١)، أي: يَتَبَعه، وفي حديث الصَّيد: يقتفي أثره(٢)، أي: يتبع. وقال أبو عُبَيدة: معناه: لا تَتَّبِع ما لا تعلمُ وما لا يعنيك، وقال الرَّاغِب: الاقتفاء: ٢٨٣/١٣ اتِباع / القَفَا، كما أنَّ الارتداف: اتِباع الرِّدْف، ويُكنَى بذلك عن الاغتياب وتَتُبُّع المعايب، ومعنى ﴿ وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمُ﴾: لا تَحكم بالقِيافَةِ والظَّنّ، والقِيافَةُ مقلوبٌ عن الاقتفاء، نحو: جَذَبَ وجَبَذَ، وسَبَقَه إلى نحو هذا الأخير الفَرّاءُ، وقال الطَّبَرُّ بعد أن نَقَلَ عن السَّلَف أنَّ المراد شهادة الزُّور أو القول بغيرِ عِلْم أو الرَّمي بالباطل: هذه المعاني مُتَقاربة، وذكر قول أبي عُبَيدة، ثمَّ قال: أصل القَفْو: العَيْب، ومنه حديث الأشعث بن قيس رَفَعَه: ((لا نَقِفُو أُمَّنا ولا نَنتَفي من أَبِينا))(٣)، ومنه قول الشاعر: ولا أَقْفُو الحواضنَ إن قُفِينا ثُمَّ نَقَلَ عن بعض الكوفيّينَ: أَنَّ أصله القِيافَة: وهي اتّباع الأثَر، وتُعقِّبَ بأَنَّه لو كان كذلك لكانت القراءَة بضمِّ القاف وسكون الفاء، لكن زَعَمَ أنَّه على القَلْب، قال: والأَولى بالصَّوابِ الأوَّل. انتهى، والقراءَة التي أشار إليها نُقِلَت في الشَّوادِّ عن معاذ القارئ. واستَدَلَّ الشافعيّ للَّدِّ على مَن يُقدِّم القياس على الخبر بقوله تعالى: ﴿فَإِن نَزَعْنُمْ فِي شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اَللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] قال: معناه والله أعلم: اتَّبِعوا في ذلك ما قال الله ورسولُه، وأورَدَ البَيْهَقيُّ(٤) هنا حديث ابن مسعود: ليس عام إلّا الذي بعده شَرّ منه، لا أقول: عامٌ (١) تقدم حديث موسى والخضر برقم (٣٤٠٠)، وليس فيه الحرف المذكور، ولم نقف عليه مخرَّجاً فيما بين أیدینا من مصادر. (٢) أخرجه بهذا اللفظ أبو داود (٢٨٥٣). (٣) أخرجه أحمد (٢١٨٣٩) و(٢١٨٤٥)، وابن ماجه (٢٦١٢). (٤) في ((المدخل)) (٢٠٥)، وأخرجه أيضاً الدارمي (١٨٨) وغيره، وإسناده ضعيف. ٧٩ باب ٧/ ٧٣٠٧ كتاب الاعتصام أخصَبُ من عام، ولا أميرٌ خير من أمير، ولكن ذهابُ العلماء، ثمَّ يَحَدُث قوم يقيسونَ الأُمور بآرائهم فيُهدَم الإسلام. ٧٣٠٧- حدَّثنا سعيدُ بنُ تَلِيدٍ، حدَّثني ابنُ وَهْب، حذَّثني عبدُ الرَّحمنِ بنُ شُرَيح وغيرُه، عن أبي الأسوَدِ، عن عُرْوةَ قال: حَجَّ علينا عبدُ الله بنُ عَمِرٍو، فسمعتُه يقولُ: سمعتُ النبيَّ ◌َله يقولُ: ((إنَّ الله لا يَنزِعُ العِلْمَ بعدَ أنْ أَعطاكُمُوه انتزاعاً، ولكنْ يَنْتَزِعُهُ منهم معَ قَبْضِ العلماءِ بِعِلْمِهِم، فيَبقَى ناسٌ جُهّالٌ يُسْتَقْتَوْنَ، فَيُفْتُونَ بِرَأْبِهِم، فيَضِلُونَ ويُضِلُّونَ)). فحَدَّثْتُ عائشةَ زَوْجَ النبيِّ وَِّ، ثُمَّ إِنَّ عبدَ الله بنَ عَمٍو حَجَّ بَعْدُ، فقالت: يا ابنَ أُخْتِي، انطَلِقْ إلى عبدِ الله فاستَبِتْ لي منه الذي حَدَّثْتَي عنه، فجِئْتُهُ فسألتُه، فحدَّثَني به كنحوِ ما حدَّثَنِي، فأتيتُ عائشةَ فأخْبَرتُها، فعَجِبَت، فقالت: والله لقد حَفِظَ عبدُ الله بنُ عَمٍو. قوله: ((حدَّثْنا سعيد بن تَلِيد)) بمُثنّاةٍ ثمَّ لام وزن عَظِيم، وهو سعيد بن عيسى بن تَلید، نُسِبَ إلى جَدّه، يُكنَى أبا عثمان رُعَينِيٌّ(١)، بمُهمَلةٍ ثمَّ نون مُصغَّر، وهو من المِصِرِيِّينَ الثُّقات الفُقَهاء، وكان يَكتُب للحُكّام. قوله: ((عبد الرَّحمن بن شُرَيح)) هو أبو شُرَيح الإسكندرانيّ، بمُعجَمةٍ أوَّله ومُهمَلة آخره، وهو مَمَّن وافَقَت كُنْيْتُه اسمَ أبيه. قوله: ((وغيره)) هو ابن لَهِيعة أبهَمَه البخاريُّ لضَعِفِه، وجَعَلَ الاعتماد على رواية عبد الرّحمن، لكن ذكر الحافظ أبو الفضل محمَّد بن طاهر في الجزء الذي جَمَعَه في الكلام على حديث معاذ بن جبل في القياس: أنَّ عبد الله بن وَهْب حَدَّثَ بهذا الحديث عن أبي شُرَيح وابن لَهِيعة جميعاً، لكنَّه قَدَّمَ لفظَ ابن لَهِيعة وهو مِثْلُ اللَّفظ الذي هنا، ثمَّ عَطَفَ عليه رواية أبي شُریح فقال: بذلك. قلت: وكذلك أخرجه ابن عبد البَرّ في ((بيان العلم)) (١٩٩٤) من رواية سَحْنون عن (١) وقع هنا غير ما تحريفٍ في الأصلين و(س)، والصواب ما أثبتناه وهو الموافق لما في ترجمة سعيد من كتب التراجم. ٨٠ باب ٧/ ح ٧٣٠٧ فتح الباري بشرح البخاري ابن وَهْب عن ابن لَهِيعة فساقَه، ثمَّ قال: قال ابن وَهْب: وأخبرني عبد الرَّحمن بن شُرَيح عن أبي الأسوَد عن عُرْوة عن عبد الله بن عَمرو بذلك، قال ابن طاهر: ما كنَّا ندري هل أرادَ بقوله: ((بذلك)) اللَّفظَ والمعنى أو المعنى فقط، حتَّى وَجَدْنا مسلماً (١٤/٢٦٧٣) أخرجه عن حَرملة بن يحيى عن ابن وَهْب عن عبد الرَّحمن بن شُرَيح وحدَه، فساقَه بلفظٍ مُغاير للَّفظِ الذي أخرجه البخاريّ، قال: فَعُرِفَ أنَّ اللَّفظ الذي حَذَفَه البخاريُّ هو لفظ عبد الرَّحمن بن شُرَيح الذي أبرَزَه هنا، والذي أورَدَه هو لفظ الغيرِ الذي أبهَمَه، انتهى. وسأذكرُ تَفاوُتَهما وليس بينهما في المعنى كبيرُ أمر، وكنت أظنُّ أنَّ مسلماً حَذَفَ ذِكرَ ابن لَهِيعة عَمداً لضَعِفِه واقتَصَرَ على عبد الرَّحمن بن شُرَيح، حتَّى وَجَدتُ الإسماعيليَّ أخرجه من طريق حَرمَلة بغيرِ ذِكر ابن لَهِيعةَ، فعَرَفتُ أنَّ ابن وَهْب هو الذي كان يجمعهما تارةً ويُفرِد ابنَ شُرَيح تارةً، وعند ابن وَهْب فيه شيخانٍ آخَران بسندٍ آخَر، أخرجه ابن عبد البرّ في ((بيان العلم)) (١٠٠٣) من طريق سَحْنون حدَّثنا ابن وَهْب حدَّثنا مالك وسعيد بن عبد الرَّحمن، كلاهما عن هشام بن عُرْوة باللَّفظِ المشهور. وقد ذَكَرتُ في باب العلم (١٠٠): أنَّ هذا الحديث مشهور عن هشام بن عُرْوة عن أبيه، رواه عن هشام أكثرُ من سبعينَ نفساً، وأقول هنا: إنَّ أبا القاسم عبد الرَّحمن بن الحافظ أبي عبد الله بن مَندَهْ ذكر في كتاب ((التَّذكرة)): أنَّ الذينَ رَوَوه عن الحافظ هشام أكثرُ من ذلك، وسَرَدَ أسماءَهم فزادوا على أربع مئةٍ نفس وسبعينَ نفساً، منهم من الكِبار: شُعْبةٍ ومالك وسفيان الثَّوْريّ والأوزاعيُّ وابن جُرَيجِ ومِسعَر وأبو حنيفة وسعید بن أبي ٢٨٤/١٣ عَرُوبة والحَّادان ومَعمَر، بل أكبرُ منهم/ مِثل: يحيى بن سعيد الأنصاريّ وموسى بن عُقْبة والأعمَش ومحمّد بن عَجْلان وأيوب وبُكَير بن عبد الله بن الأشَجّ وصفوان بن سُلَیم وأبو مَعشَر ويحيى بن أبي كثير وعمارة بن غَزِيَّةَ، وهؤُلاءِ العَشَرة كلّهم من صِغار التّابعين، وهم من أقرانه. ووافَقَ هشاماً على روايته عن عُرْوة: أبو الأسوَد محمَّد بن عبد الرَّحمن النَّوفَلي المعروف