النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
باب ٢/ح٧٢٨٨
كتاب الاعتصامات
تعالى: ﴿فَأَنَّقُواْاللَّهَ مَا أَسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] يتناوَل امتثال المأمور واجتناب المنهيّ، وقد قُيِّدَ
بالاستطاعةِ واستَوَيا، فحينئذٍ يكون الحِكْمة في تقييد الحديث بالاستطاعةِ في جانب الأمر
دون النَّهي أنَّ العَجْزِ يَكِثُر تَصَوُّره في الأمر، بخِلَاف النَّهي، فإنَّ تَصُّر العَجز فيه محصور
في الاضطرار بقوله تعالى: ﴿إِلَّ مَا أَضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهٌ﴾ [الأنعام: ١١٩] وهو مضطرٌ، ولا يَرِدُ
الإكراهُ لأنه مُندرجٌ في الاضطرار (١).
وزَعَمَ بعضهم أنَّ قوله تعالى: ﴿فَأَنَّقُواْ اللَّهَ مَا أُسْتَطَعْتُمْ﴾ نُسِخَ بقوله تعالى: ﴿ أَتَّقُواْ اللّهَ
حَقَّ تُقَائِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، والصَّحيح أن/ لا نسخَ، بل المراد بحَقِّ تُقاته: امتثالُ أمره ٢٦٣/١٣
واجتناب نهيه معَ القُدْرة لا معَ العجز، واستُدِلَّ به على أنَّ المكروه يجب اجتنابُه لعُمومٍ
ـون
الأمر باجتناب المنهيّ عنه، فشَمِلَ الواجبَ والمندوب، وأُجيبَ بأنَّ قوله: «فاجتَنِبوه)»
يُعمَل به في الإيجاب والنَّدب بالاعتبارَين، ويَجيء مِثْلُ هذا السُّؤال وجوابه في الجانب
الآخر وهو الأمر، وقال الفاكِهانيّ: النَّهيُ يكون تارةً معَ المانع من النَّقيض وهو المحرَّم،
وتارةً لا معه وهو المكروه، وظاهر الحديث يتنَاوَهُما.
واستُدِلَّ به على أنَّ المباح ليس مأموراً به، لأنَّ التَّأكيد في الفعل إنَّما يُناسِب الواجبَ
والمندوب، وكذا عكسُه، وأُجيبَ بأنَّ مَن قال: المباح مأمور به، لم يُرِد الأمرَ بمعنى الطََّبُ،
وإنَّما أرادَ بالمعنى الأعمّ وهو الإذن، واستُدِلَّ به على أنَّ الأمر لا يقتضي التَّكرار ولا عَدمَه،
وقيل: يَقْتَضيه، وقيل: يَتَوقَّف فيما زاد على مرَّة، وحديث الباب قد يُتَمسَّك به لذلك لما في
سببه أنَّ السّائل قال في الحجّ: أكلَّ عام؟ فلو كان مُطلَقُه يقتضى التَّكرارَ أو عَدمَه، لم يَحسُن
السُّؤال ولا العِناية بالجواب، وقد يقال: إنَّما سألَ استظهاراً واحتياطاً.
وقال المازَرِيّ: يحتمل أن يقال: إنَّ التَّكرار إنَّما احتُمِلَ من جِهَة أنَّ الحجّ في اللّغة
قصدٌ فيه تَكرار، فاحتَمَلَ عند السّائل الشَّكرارَ من جِهَة اللُّغة لا من صيغة الأمر، وقد
تَسَّكَ به مَن قال بإيجابِ العُمرة، لأنَّ الأمر بالحجِّ إذا كان معتاه تَكرار قَصدِ البيت
(١) من قوله: ((بقوله تعالى: إلا ما اضطررتم ... )) إلى هنا سقط من (س).) وهيب

٤٢
باب ٢/ ٧٢٨٨
فتح الباري بشرح البخاري
بحُكم اللُّغة والاشتقاق، وقد ثَبَتَ في الإجماع أنَّ الحجّ لا يجب إلّا مرَّة، فيكون العَوْدُ
إليه مرَّةٍ أُخرى دالًّا على وجوب العُمرة.
واستُدِلَّ به على أنَّ النبيّ وَّ كان يَتَهِد في الأحكام، لقوله: ((ولو قلتُ: نَعَم، لَوَ جَبَت))،
وأجابَ مَن مَنَعَ باحتمالٍ أن يكون أُوحِيَ إليه ذلك في الحال، واستُلِلَّ به على أنَّ جميع
الأشياء على الإباحة حتَّى يَثْبُت المنعُ من قِبَل الشّارع، واستُدِلَّ به على النَّهي عن كَثْرة المسائل
والتعمُّق في ذلك.
قال البَغَويُّ في ((شرح السُّنَّة)»: المسائل على وجهَين:
أحدهما: ما كان على وجه التَّعليم لما يُحتاج إليه من أمر الدّين، فهو جائز بل مأمور به
لقولِه تعالى: ﴿فَسْئَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ الآية [النحل: ٤٣]، وعلى ذلك تَتَنَّل أسئلةُ الصَّحابة عن
الأنفال والگلالة وغيرهما.
ثانيهما: ما كان على وجه التَّعَنُّت والتكلُّف، وهو المراد في هذا الحديث والله أعلم،
ويُؤيِّده وُرودُ الَّجر في الحديث عن ذلك وذَمُّ السَّلَف، فعند أحمد (٢٣٦٨٨)(١) من
حديث معاوية: أنَّ النبيّ ◌َ ﴿ه ◌َهَى عن الأُغلوطات، قال الأوزاعيُّ: هي شِدادُ المسائل،
وقال الأوزاعيُّ أيضاً: إنَّ الله إذا أرادَ أن يَجِرِم عبدَه بَرَكةَ العلم ألقَى على لسانه المغاليط،
فلقد رأيتُهم أقلَّ الناس عِلماً، وقال ابن وَهْب: سمعت مالكاً يقول: المِراء في العلم
يذهب بنورِ العلم من قلب الرجل، وقال ابن العربيّ: كان النَّهي عن السُّؤال في العَهْد
النبويّ خَشْيَةَ أن يَنزِل ما يَشُقّ عليهم، فأمّا بعدُ فقد أُمِنَ ذلك، لكنَّ أكثر النَّقل عن
السَّلَف بكَراهَة الكلام في المسائل التي لم تَفَع، قال: وإنَّه لمكروه إن لم يكن حراماً إلّا
للعلماء، فإنَّهم فرَّعوا ومَهَّدوا فنَفَعَ الله مَن بعدَهم بذلك، ولا سيّما مع ذهاب العلماء
ودُروس العلم، انتهى ملخَّصاً.
(١) وأخرجه أبو دواد أيضاً برقم (٣٦٥٦)، وإسناده ضعيف.

٤٣
باب ٣
كتاب الاعتصام
وينبغي أن يكون محلّ الكراهة للعالم إذا شَغَلَه ذلك عمَّا هو أهمُّ(١) منه، وكان ينبغي تلخيص
ما يَكثُر وقوعُهُ مُجرَّداً عمّا يَندُر، ولا سيَّما في المختصَرات، ليَسهُلِ تَناوُلُه، والله المستعان.
وفي الحديث إشارة إلى الاشتغال بالأهَمِّ المحتاج إليه عاجلاً عَّا لا يُحتاج إليه في
الحال، فكأنَّه قال: عليكم بفعلِ الأوامر واجتنابِ النَّواهي، فاجعَلوا اشتغالكم بها عِوَضاً
عن الاشتغال بالسُّؤالِ عمَّا لم يَقَع، فينبغي للمسلم أن يَبحَثَ عمَّا جاءَ عن الله ورسوله ثمَّ
يَجْتَهِدَ في تَفْهُّم ذلك، والوقوف على المراد به، ثمَّ يَتَشاغَل بالعملِ به، فإن كان من العِلْمِيّات
يَتَشاغَل بتصديقِه واعتقاد حَقّيَّته، وإن كان من العَمليّاتِ بَذَلَ وُسْعَه في القيام به فعلاً
وتركاً، فإن وَجَدَ وقتاً زائداً على ذلك، فلا بأسَ بأن يَصِرِفه في الاشتغال بتَعرُّفِ حُكْم ما
سَيقَعُ على قَصْد العمل به إن لو وَقَعَ، فأمّا إن كانت الهِمَّة مصروفة عند سماع الأمر والنَّهي
إلى فَرْض أُمور قد تقعُ وقد لا تقع، معَ الإعراض عن القيام بمُقْتَضى ما سَمِعَ، فإنَّ هذا ممّا
يَدخُل في النَّهي، فالتفقُّه في الدِّين إِنَّا يُحمَد إذا كان للعَمَلِ لا للمِراءِ والجِدال. وسيأتي بَسطُ
ذلك قريباً إن شاء الله تعالى.
٣- باب ما يُكرَه مِن كَثْرةِ السُّؤال وتَكلُّفٍ ما لا يعنيهِ
وقوله تعالى: ﴿لَا تَسْتَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١].
قوله: ((باب ما يُكرَه من كَثْرة السُّؤْال وتكلُّف ما لا يعنيهِ، وقوله تعالى: ﴿لَا تَسْتَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن
تُبْدَ لَكُمْ قَسُؤْكُمْ﴾)) كأنَّه يريد أن يَستَدِلّ بالآيةِ على المدَّعَى من الكَراهَة، وهو مَصِيرٌ منه إلى
ترجيحٍ بعض ما جاءَ في تفسيرها، وقد / ذَكَرتُ الاختلاف في سبب نزولها في تفسير سورة ٢٦٦/١٣
المائدة (٤٦٢١)، وترجيحَ ابن المنيِّ: أنَّه في كَثْرة المسائل عمّ كان وعمَّا لم يَكُن، وصنيعُ البخاريّ
يَقْتَضيه، والأحاديث التي ساقها في الباب تُؤْيِّده.
وقد اشتَدَّ إنكارُ جماعة من الفُقَهاء ذلك، منهم القاضي أبو بكر بن العربيّ فقال:
اعتَقَدَ قومٌ من الغافلينَ منعَ السُّؤال عن النَّوازِل إلى أن تقع تَعلَّقاً بهذه الآية، ولیس
(١) تحرف في (س) إلى: أعم، بالعين.

٤٤
باب ٣
فتح الباري بشرح البخاري
كذلك، لأنَّها مُصرِّحَة بأنَّ المنهيَّ عنه ما تقع المَساءَةُ(١) في جوابه، ومسائل النَّوازِل
لیست کذلك. انتھی، وهو کما قال، لأنَّ ظاهرها اختصاصُ ذلك بزمان نزول الوحي،
ويُؤيِّده حديث سعد الذي صَدَّرَ به المصنّف الباب: ((مَن سأل عن شيء لم يُحرَّم فحُرِّمَ
من أجل مسألته)) فإنَّ مِثل ذلك قد أُمِنَ وقوعُه، ويَدخُل في معنى حديث سعد ما
أخرجه البزَّار (٤٠٨٧) وقال: سنده صالح، وصَحَّحَه الحاكم (٣٧٤/٢) من حديث
أبي الدَّرداء رَفَعَه: ((ما أحَلَّ اللهُ في كتابه فهو حلال، وما حَرَّمَ فهو حرام، وما سَكَتَ
عنه فهو عَفْو، فاقبلوا من الله عافيتَه، فإنَّ الله لم يكن ليَنسَى شيئاً)) ثمَّ تلا هذه الآية
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ﴾ [مريم: ٦٤].
وأخرج الدّارَقُطْنيُّ (٤٣٩٦) من حديث أبي ثَعَلَبة رَفَعَه: ((إنَّ الله فَرَضَ فرائضَ فلا
تُضَيِّعوها، وحَدَّ حدوداً فلا تَعتَدوها، وسَكَتَ عن أشياءَ رحمةً لكم غيرَ نِسيان، فلا تَبحَثوا
عنها))، وله شاهد من حديث سَلْمان أخرجه التِّرمِذيّ (١٧٢٦)، وآخر من حديث ابن
عبّاس أخرجه أبو داود (٣٨٠٠)، وقد أخرج مسلم (١٢) - وأصله في البخاريّ كما تقدَّم
في كتاب العلم (٦٣) - من طريق ثابت عن أنس قال: كنَّا نُهينا أن نَسألَ رسول الله وَلآل عن
شيء، وكان يُعجِبنا أن يجيء الرجلُ الغافل من أهل البادية، فيَسألَه ونحنُ نَسمَع، فذكر
الحدیث.
ومضى في قصَّة اللُّعان من حديث ابن عمر (٢): فكَرِهَ رسول الله ◌َّ المسائل وعابها،
ولمسلمٍ (١٥/٢٥٥٣) عن النَّاس بن سِمْعان قال: أقمتُ معَ رسول الله وَّو سنة بالمدينةِ
ما يَمنَعُني من الهِجرة إلّا المسألة، كان أحدنا إذا هاجَرَ لم يَسأل النبيَّ نَّهِ؛ ومُراده أنَّه قَدِمَ
وافداً فاستَمرَّ بتلكَ الصّورة ليُحَصِّل المسائل، خَشْبةَ أن يَخْرُج من صِفَة الوَفْد إلى استمرار
الإقامة، فيصير مُهاجِراً فيَمتَنِع عليه السُّؤال، وفيه إشارة إلى أنَّ المخاطَب بالنَّهي عن
(١) تحرَّف في (س) إلى: المسئلة.
(٢) بل من حديث سهل بن سعد بالأرقام (٤٧٤٥) و(٥٢٥٩) و(٥٣٠٨) و(٧٣٠٤).

٤٥
باب ٣
كتاب الاعتصام
السُّؤال غيرُ الأعراب وُفوداً كانوا أو غيرهم.
وأخرج أحمد (٢٢٢٩٠) عن أبي أمامةَ قال: لمَّا نَزَلَت: ﴿ يََّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْشَلُواْ
عَنْ أَشْيَآءَ﴾ الآية [المائدة: ١٠١]، كنَّا قد اتَّقَينا أن نَسألَهُ وَ، فأتينا أعرابيّاً فَرَشَوْناه بُرداً،
وقلنا: سَلِ النبيَّ ◌ََِّ(١)، ولأبي يعلى عن البراء: إن كان لَيأتي عليَّ السَّنَةُ أُرِيدَ أن أسأل
رسول الله وَّ﴿ عن الشيء فأَتَهِيَّب، وإن كنَّا لِنَتَمنَّى الأعراب - أي: قُدومهم - لَيَسألوا؛
فَيَسمَعوا هم أجوبة سؤالات الأعراب فيستفيدوها.
وأمّا ما ثَبَتَ في الأحاديث من أسئلة الصَّحابة، فيحتمل أن يكون قبل نزول الآية،
ويحتمل أنَّ النَّهي في الآية لا يتناول ما يُحتاج إليه مَّا تَقرَّرَ حكمُه، أو ما لهم بمعرفتِهِ حاجةٌ
راهنة، كالسُّؤالِ عن الذَّبح بالقَصَب، والسُّؤال عن وجوب طاعة الأُمَراء إذا أَمروا بغيرِ
الطّاعة، والسُّؤال عن أحوال يوم القيامة وما قبلها من الملاحم والفتن، والأسئلة التي في
القرآن، كسؤالهِم عن الكَلَالة والخمر والميسر، والقتال في الشَّهر الحرام، واليتامَى والمحيض
والنِّساء، والصَّيد وغير ذلك، لكنَّ الذينَ تَعلَّقُوا بالآيةِ في كراهية كَثْرة المسائل عمَّا لم يَقَع،
أخَذوه بطريق الإلحاق من جِهَة أنَّ كَثْرة السُّؤال لمَّا كانت سبباً للتَّكليفِ بما يَشُقّ، فحَقُّها
أن تُجتَنَب.
وقد عَقَدَ الإمام الدَّارِمِيُّ في أوائل ((مُسنَده)) لذلك باباً، وأورَدَ فيه عن جماعة من
الصَّحابة والتابعينَ آثاراً كثيرة في ذلك، منها عن ابن عمر: لا تسألوا عمَّا لم يَكُن، فإنّي
سمعتُ عمرَ يَلعَن السّائل عمّا لم يَكُن، وعن عمر: أُحرِّجُ عليكم أن تسألوا عمَّا لم يكن فإنَّ
لنا فيما كان شُغلاً، وعن زيد بن ثابت: أنَّه كان إذا سُئلَ عن الشيء يقول: كان هذا؟ فإن
قيل: لا، قال: دَعُوه حتَّى يكون، وعن أُبيّ بن كَعْب وعن عمَّار نحو ذلك.
وأخرج أبو داود في ((المراسيل)) (٤٥٧ و٤٥٨) من رواية يحيى بن أبي كثير عن أبي سَلَمةَ
مرفوعاً، ومن / طريق طاووسٍ عن معاذ رَفَعَه: ((لا تُعَجِّلوا بالبليَّةِ قبل نزولها، فإنَّكم إن ٢٦٧/١٣
(١) إسناده ضعيف جدّاً، وإسناد حديث البراء عند أبي يعلى - كما في ((المطالب العالية)) (٣٥٩٠) - حسنٌ.

٤٦
باب ٣
فتح الباري بشرح البخاري
تَفعلوا لم يزل في المسلمينَ مَن إذا قال سُدِّدَ أو وُفْقَ، وإن عَجَّلْتُمْ تَشتَّتَت بكم السُّبُل)) وهما
مُرسَلان يُقوِّي بعضٌ بعضاً، ومن وجه ثالث عن أشياخ الزُّبَير بن سعيد مرفوعاً: ((لا یزال
في أمَّتي مَن إذا سُئلَ سُدِّدَ وأُرشِدَ، حتَّى يَتَساءَلُوا عَّ لم يَنزِل)) الحديث نحوه (١).
قال بعض الأئمّة: والتَّحقيق في ذلك: أنَّ البحث عمَّ لا يُوجَد فيه نَصِّ على قِسمَين:
أحدهما: أن يَبحَث عن دخوله في دلالة النَّصِّ على اختلاف وجوهها، فهذا مطلوب لا
مكروه، بل رُبَّما كان فرضاً على مَن تَعيَّنَ عليه من المجتهدينَ.
ثانيهما: أن يُدَقِّقِ النَّظَر في وجوه الفُروق، فيُفرِّق بين مُتَماثِلَيْنِ بِفَرِقٍ ليس له أثَر في
الشّرع مع وجود وَصْف الجمع، أو بالعكسِ بأن يَجمَع بين مُتَفرِّقَينِ بوصفٍ طَرْدِيّ مَثَلاً،
فهذا الذي ذَمَّه السَّلَف، وعليه يَنطَبِقِ حديث ابن مسعود رَفَعَه: ((هَلَكَ المتنطُّعونَ)) أخرجه
مسلم (٢٦٧٠)، فَرَأَوا أنَّ فيه تضييع الَّمان بما لا طائلَ تحته.
ومثلُه الإكثار من التَّفريع على مسألة لا أصلَ لها في الكتاب ولا السُّنَّة ولا الإجماع، وهي
نادرة الوقوع جدّاً، فيَصِرِف فيها زماناً كان صَرفُه في غيرها أولى، ولا سيّما إن لَزِمَ من ذلك
إغفالُ التوسُّع في بيان ما يَكثُر وقوعه، وأشَدُّ من ذلك في كَثْرة السُّؤال البحثُ عن أُمور مُغِيَّة
وَرَدَ الشَّرعِ بالإيمان بها معَ ترك كيفيَّتها، ومنها ما لا يكون له شاهد في عالم الِحِسّ، كالسُّؤالِ
عن وقت السّاعة وعن الرُّوح وعن مُدَّة هذه الأُمَّة، إلى أمثال ذلك ممّا لا يُعرَف إلّا بالنَّقْلِ
الصِّرف، والکثیر منه لم يثبت فيه شيء، فیجب الإيمان به من غیر بحث.
وأشدُّ من ذلك ما يُوقع گثْرةُ البحث عنه في الشكّ والخيرة، وسيأتي مِثالُ ذلك في
حديث أبي هريرةَ رَفَعَه: ((لا يزال الناس يَتَساءَلونَ حتَّى يقال: هذا اللهُ خَلَقَ الخلقَ، فمَن
خَلَقَ اللهَ؟» وهو ثامن أحاديث هذا الباب (٧٢٩٦).
(١) ظاهر صنيع الحافظ في تخريج هذا الحديث أنه مخرَّج عند أبي داود في ((مراسيله)) وليس كذلك ولم نقف على من
خرَّجه، لكن ذكر الحافظ ابن رجب الحنبلي في ((جامع العلوم والحكم)) ٢٤٧/١: والزبير بن سعيد ليِّن
الحدیث وأشياخه مجاهیل.

٤٧
باب ٣
كتاب الاعتصام
وقال بعض الشُّراح: مِثال التَّنَطُّع في السُّؤال حتَّى يُفضيَ بالمسؤولِ إلى الجواب بالمنع
بعد أن يُفتيَ بالإذنِ: أن يسأل عن السُّلَع التي تُوجَد في الأسواق: هل يُكرَه شِراؤُها ممّن
هي في يده من قبل البحث عن مَصيرِها إليه أو لا؟ فيُجيبه بالجواز، فإن عادَ فقال: أخشَى
أن يكون من نَّهبٍ أو غَصْب، ويكون ذلك الوقتُ قد وَقَعَ شيء من ذلك في الجملة،
فيحتاج أن تُحِيبَه بالمنع، ويُقيِّد ذلك إن ثَبَتَ شيء من ذلك حَرُمَ، وإن تَرَدَّدَ كُرِهَ أو كان
خِلاف الأَولى، ولو سَكَتَ السّائل عن هذا التَّنطَّع لم يَزِد المفتي على جوابه بالجواز، وإذا
تَقرَّرَ ذلك فمَن يَسُدّ بابَ المسائل حتَّى فاتَه معرفة كثير من الأحكام التي يَكثُر وقوعها،
فإنَّه يَقِلّ فهمُّه وعِلمُه، ومَن تَوسَّعَ في تفريع المسائل وتوليدها ولا سيّما فيما يَقِلّ وقوعه أو
يَندُر، ولا سيَّما إن كان الحاملُ على ذلك المباهاة والمغالَبة، فإنَّه يُذَُّ فعلُه، وهو عين الذي
کرِهَه السَّلَف.
ومَن أمعَنَ في البحث عن معاني كتاب الله، مُحافظاً على ما جاءَ في تفسيره عن
رسول الله وَله، وعن أصحابه الذينَ شاهَدوا التَّنزيل، وحَصَّلَ من الأحكام ما يُستَفاد من
منطوقه ومفهومه، وعن معاني السُّنَّة وما دَلَّت عليه كذلك، مُقْتَصِراً على ما يَصلُح للحُجَّةِ منها،
فإِنَّه الذي يُحمَد ويُنتَفَع به، وعلى ذلك يُحِمَل عمل فُقُهاء الأمصار من التّابعينَ فمَن بعدهم،
حتَّى حَدَثَت الطّائفة الثّانية فعارَضَتها الطّائفة الأُولى، فكَثُرَ بينهم المِراءُ والِجِدال وتَوَلَّدَت
البغضاء، وتَسَمَّوْا خصوماً وهم من أهل دينٍ واحد، والوسطُ هو المعتدل من كلّ شيء،
وإلى ذلك يشير قوله وَ﴾ في الحديث الماضي (٧٢٨٨): ((فإنَّمَا هَلَكَ مَن كان قبلكم بكَثْرةٍ
مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم))، فإنَّ الاختلاف يَجُرّ إلى عَدَم الانقياد.
وهذا كلُّه من حيثُ تقسيم المشتغلينَ بالعلم، وأمّا العمل بما وَرَدَ في الكتاب والسُّنَّة
والتَّشاغُل به، فقد وَقَعَ الكلام في أيِّهما أولى، والإنصاف أن يقال: كلُّ ما زاد على ما هو في
حَقّ المكلَّف فرضَ عينٍ، فالناس فيه على قِسمَين: مَن وَجَدَ في نفسه قوَّة على الفَهْم
والتَّحرير، فتَشاغُله بذلك أولى من إعراضه عنه وتَشاغُلِه بالعبادةِ، لما فيه من النَّفْع / المتعدّي، ٢٦٨/١٣

٤٨
باب٣/ح ٧٢٨٩
فتح الباري بشرح البخاري
ومَن وَجَدَ في نفسه قُصوراً، فإقبالُه على العبادة أولى به لعُسرِ اجتماع الأمرَين، فإنَّ الأوَّل لو
تَرَكَ العلمَ لَأوشَكَ أن يُضَيِّع بعض الأحكام بإعراضه، والثّاني لو أقبَلَ على العلم وتَرَكَ
العبادة، فاتَّه الأمرانِ، لعَدَمِ حصول الأوَّل له وإعراضه به عن الثّاني، والله الموفِّق.
ثمَّ المذكور في الباب تسعة أحاديث، بعضها يتعلَّق بكَثْرة المسائل، وبعضها يَتَعلَّق بتكليفِ ما
لا يعني السّائل، وبعضها بسببِ نزول الآية.
٧٢٨٩- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يزيدَ المقرِىُّ، حدَّثنا سعيدٌ، حدَّثني عُقَيْلٌ، عن ابنِ شِهابٍ،
عن عامٍ بنِ سَعْدِ بنِ أبي وَقّاصٍ، عن أبيه، أنَّ النبيَّ ◌َّهِ قال: ((إنَّ أعظمَ المسلمينَ جُرْماً، مَن
سألَ عن شيءٍ لم يُحرَّمْ فحُرِّمَ مِن أْلِ مَسأَلَتِهِ)).
الحديث الأول: وهو يتعلق بالقسم الثاني، وكذا الحديث الثاني والخامس.
قوله: ((حدَّثنا سعيد)) هو ابن أبي أيوب، كذا وَقَعَ من وجهَينٍ آخَرَينِ عند الإسماعيليّ
وأبي نُعَيم، وهو الخُزَاعِيّ المِصريّ يُكنَى أبا يحيى، واسم أبي أيوب: مِقْلاص، بكسر الميم
وسكون القاف وآخره مُهمَلة، كان سعيد ثقة ثَبتاً، وقال ابن يونس: كان فقيهاً، ونُقِلَ عن
ابن وَهْب أنَّه قال فيه: كان فَهْماً. قلت: وروايته عن عُقيل - وهو ابن خالد - تَدخُل في
رواية الأقران فإنَّه من طبقته، وقد أخرج مسلم (٢٣٥٨) هذا الحديث من رواية مَعمَر
ويونس وابن عُيَينَةَ وإبراهيم بن سعد كلَّهم عن ابن شِهاب، وساقَه على لفظ إبراهيم بن
سعد ثمَّ ابن عُيَينَ.
قوله: ((عن أبيه)) في روايةٍ يونس: أنَّه سَمِعَ سعداً.
قوله: ((إنَّ أعظمَ المسلمينَ جُرْماً) زاد في رواية مسلم: ((إنَّ أعظمَ المسلمينَ في المسلمين
جُرماً) قال الطِّييُّ: فيه من المبالَغة أنَّه جعله عظيماً ثمَّ فَسَّرَه بقوله: ((جُرماً) ليَدُلّ على أنَّه
نفسه جُزْم، قال: وقوله: ((في المسلمين)) أي: في حَقّهم.
قوله: ((عن شيء)) في رواية سفيان: ((أمرٍ)).
قوله: ((لم يُحرَّم)) زاد مسلم: ((على الناس))، وله في رواية إبراهيم بن سعد: ((لم يُحرَّم على

٤٩
باب٣/ح ٧٢٨٩
كتاب الاعتصام
المسلمينَ))، وله في رواية مَعمَر: ((رجل سألَ عن شيء ونَقَّرَ عنه)) وهو بفتح النُّون وتشديد
القاف بعدها راء، أي: بالَغَ في البحث عنه والاستقصاء.
قوله: ((فحُرِّمَ)) بضمٍّ أوَّله وتشديد الرَّاء، وزاد مسلم: ((عليهم))، وله من رواية سفيان:
((على الناس))، وأخرج البزَّار (١٢٢٩) من وجه آخر عن سعد بن أبي وقّاص، قال: كان
الناس يَتَساءَلونَ عن الشيء من الأمر، فَيَسألُونَ النبيَّ ◌َّهِ وهو حلال، فلا يزالونَ يَسألُونَه
عنه حتَّى يُزَّم عليهم(١).
قال ابن بَطّال عن المهلَّب: ظاهر الحديث يَتَمسَّك به القَدَريَّة في أنَّ الله يفعل شيئاً
من أجل شيء، وليس كذلك، بل هو على كلّ شيء قدير، فهو فاعل السَّبَب والمسبَّب،
كلُّ ذلك بتقديرِه، ولكنَّ الحديث محمول على التَّحذير ممَّا ذكر، فعَظُمَ جُرْمُ مَن فعل
ذلك لكَثْرة الكارهينَ لفعلِه، وقال غيره: أهل السُّنَّة لا يُنكِرونَ إمكان التَّعليل، وإنَّما
يُنكِرِونَ وجوبه، فلا يَمتَنِعِ أن يكون المقدَّر الشيء الفلانيّ تتعلَّق به الحُرمَة إن سُئلَ
عنه، فقد سَبَقَ القضاء بذلك لا أنَّ السُّؤال عِلَّة للتَّحريم، وقال ابن التِّين: قيل: الْجُرْم
اللّاحق به إلحاقُ المسلمينَ المضَرَّةَ لسؤالِهِ، وهي مَنعُهم التصرُّفَ فيما كان حلالاً قبل
مسألته.
وقال عِيَاض: المراد بالجُرْم هنا: الحَدَث على المسلمين، لا الذي هو بمعنى الإثم
المعاقَب عليه، لأنَّ السُّؤال كان مُباحاً، ولهذا قال: سَلُوني، وتَعقَّبَه النَّوَويّ فقال: هذا
الجواب ضعيف بل باطل، والصَّواب الذي قاله الخطَّبيُّ والتَّيْمِيّ وغيرهما: أنَّ المراد بالُرْمِ
الإثم والذَّنب، وحَمَلوه على مَن سأل تَكلُّفاً وتَعَتّاً فيما لا حاجةَ له به إليه، وسبب تخصيصه
ثبوتُ الأمر بالسُّؤال عمّا يُحتاج إليه لقوله تعالى: ﴿فَتَشَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل: ٤٣]، فمَن
سألَ عن نازِلةٍ وَقَعَت له لضَرُورَته إليها فهو معذور، فلا إثمَ عليه ولا عَتَب، فكلٌّ من
الأمر بالسُّؤالِ والزّجر عنه مخصوص بجِهَةٍ غير الأُخرى، قال: ويُؤخَذ منه أنَّ مَن عَمِلَ
(١) إسناده ضعيف.

٥٠
باب٣/ح ٧٢٩٠
فتح الباري بشرح البخاري
شيئاً أضَرَّ به غيرَه كان آثماً.
وسَبّكَ منه الکِرْمانُّ سؤالاً وجواباً، فقال: السُّؤال ليس بجريمةٍ، ولئن كانت فليس
بكبيرةٍ، ولَئِن كانت فليس بأكبر الكبائر. وجوابه: أنَّ السُّؤال عن الشيء بحيثُ يصير سبباً
لتحريمِ شيءٍ مُباحٍ هو أعظم الْجُزْم، لأنَّه صارَ سبباً لتضييق الأمر على جميع المكلَّفين،
فالقتل مَثَلاً كبيرة، ولكن مَضَرَّته راجعةٌ إلى المقتول وحده، أو إلى من هو منه بسبيلٍ، بخلاف
٢٦٩/١٣ صورة المسألة/ فضَرَرُها عامٌّ للجميع، وتَلَقَّى هذا الأخيرَ من الطِّيبيّ استدلالاً وتمثيلاً،
وينبغي أن يُضاف إليه أنَّ السُّؤال المذكور إنَّما صارَ كذلك بعد ثُبُوتِ النَّهي عنه، فالإقدام
عليه حرام، فيَرتَّب عليه الإثمُ ويَتعدَّى ضَرَرُه بعِظَمِ الإثم، والله أعلم.
ويُؤيِّد ما ذهب إليه الجماعة من تأويل الحديث المذكور، ما أخرجه الطَّبَريُّ (٧/ ٨٢)
من طريق محمَّد بن زياد عن أبي هريرةَ أنَّه ◌ِوَ ﴿ قال لمن سألَه عن الحجّ: أفي كلّ عام: ((لو
قلتُ: نَعَم لَوَجَبَت، ولو وَجَبَت ثمَّ تَرَكتُمْ لَضَلَلتُم)»، وله من طريق أبي عِيَاض عن أبي
هريرةَ: ((ولو تَرَكتُموه لكَفَرْتُم))، ويسندٍ حسن عن أبي أمامةَ مِثْلُه، وأصله في مسلم (١٣٣٧)
عن أبي هريرةً بدون الزّيادة، وإطلاق الكفر إمّا على مَن جَحَدَ الوجوبَ، فهو على ظاهره،
وإمّا على مَن تَرَكَ معَ الإقرار، فهو على سبيل الزَّجر والتَّغليظ، ويُستَفاد منه عِظَم الذَّنب،
بحيثُ يجوز وصفُ مَن كان السَّب في وقوعه بأنَّه وَقَعَ في أعظم الذُّنوب، كما تقدَّم تقريره،
والله أعلم.
وفي الحديث أنَّ الأصل في الأشياء الإباحةُ، حتَّى يَرِدَ الشَّرعُ بخِلاف ذلك.
الحديث الثاني:
٧٢٩٠- حدَّثنا إسحاقُ، حدَّثنا عَفّانُ، حدَّثنا وُهَيبٌ، حدَّثنا موسى بنُ عُقْبةَ، سمعتُ أبا
النَّضْرِ يُحدِّثُ، عن بُشْرِ بنِ سعيدٍ، عن زيدِ بنِ ثابتٍ: أنَّ النبيَّ وَّهِ اتَّخَذَ حُجْرةً في المسجدِ مِن
حَصِيرٍ، فصَلَّى رسولُ اللهِوَّهِ فيها لَيَالِيَ، حتَّى اجتَمَعَ إليه ناسٌ، ثمَّ فَقَدوا صوتَه ليلةً، فظنُّوا
أنَّه قد نامَ، فَجَعَلَ بعضُهم يَتَتحتَحُ لْيَخرُجَ إليهم، فقال: ((ما زالَ بكم الذي رأيتُ مِن صَنِيعِكم

٥١
باب٣/ح ٧٢٩١
كتاب الاعتصام
حتَّى خَشِيتُ أنْ يُكتَبَ عليكم، ولو كُتِبَ عليكم ما قُمتُم به، فصَلُّوا أيُّها الناسُ في بيوتِكم،
فإنَّ أفضَلَ صلاةِ المَرْءِ في بيتِه إلّا الصلاةَ المكتوبةَ)).
قوله: ((حدَّثنا إسحاق)) هو ابن منصور لقولِه: حدَّثنا عَفّان، وإسحاق بن راهويه إنَّما
يقول: أَخبرنا، ولأنَّ أبا نُعَيم أخرجه من طريق أبي خَيْئمةً عن عفّانَ، ولو كان في («مُسنَد
إسحاق)) لما عَدَلَ عنه.
قوله: (أَّخْلَ حُجْرة)) بالرَّاءِ للأكثر، وللمُستَملي بالزّاي، وهما بمعنّى.
قوله: ((من صَنِيعِكم)) في رواية السَّرَخسيّ: ((صُنْعكم)) بضمٍّ أوَّله وسكون النُّون، وهما
بمعنّى، وقد تقدَّم بعضُ شرح هذا الحديث في الباب الذي قبل (باب إيجاب التكبير))، فذكر
أبواب صِفَة الصلاة وساقَه هناك (٧٣١) عن عبد الأعلى عن وُهَيب، وتقدَّمَت سائرُ فوائده
في شرح حديث عائشة في معناه في ((باب ترك قيام اللّيل)) من أبواب التَّهَجُّد ولله الحمد(١)،
والذي يَتعلَّق بهذه التَّرجمة من هذا الحديث ما يُفهَم من إنكاره وَّةِ عليهم ما صَنَعوا من
تَكلُّفٍ ما لم يَأْذَنْ لهم فيه من التَّجميع في المسجد في صلاة اللَّيل.
٧٢٩١ - حدَّثنا يوسُفُ بنُ موسى، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن بُرَيدِ بنِ أبي بُرْدةَ، عن أبي بُرْدَةَ، عن
أبي موسى الأشعريِّ، قال: سُئلَ رسولُ الله وَّةِ عن أشياءَ كَرِهَها، فلمَّا أكثروا عليه المسألةَ غَضِبَ،
وقال: ((سَلُوني؟)) فقامَ رجلٌ فقال: يا رسولَ الله، مَن أَبي؟ قال: ((أبوكَ مُذَافُ))، ثمَّ قامَ آخرُ فقال: يا
رسولَ الله، مَن أَبي؟ فقال: ((أبوكَ سالمٌ مولى شَيْبةَ)، فلمَّا رَأى عمرُ ما بَوَجْه رسولِ اللهِ وَّهِ مِنَ
الغضبٍ قال: إِنّا نَتوبُ إلى الله عزَّ وجلَّ.
الحديث الثالث - وهو يتعلق بالقسم الأول، وكذا الرابعُ والثامن والتاسع -: حديث
أبي موسى قال: سُئلَ رسول الله وَّه عن أشياء كَرِهَها، فلمَّ أكثروا عليه المسألة غَضِبَ؛
عُرِفَ من هذه الأسئلة ما تقدَّم في تفسير المائدة (٤٦٢٢) في بيان المسائل المرادة بقوله تعالى:
﴿لَا تَسْشَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ﴾ [المائدة: ١٠١]، ومنها سؤال مَن سألَ: أينَ ناقتي؟ وسؤال مَن سألَ
(١) بل في ((باب تحريض النبي (8# على صلاة الليل)) برقم (١١٢٩).

٥٢
باب٣/ح ٧٢٩١
فتح الباري بشرح البخاري
عن البَحِيرة والسّائبة، وسؤال مَن سأل عن وقت السّاعة، وسؤال مَن سأل عن الحجّ:
أيَجِبُ كلَّ عام؟ وسؤال مَن سأل أن يُحُوِّل الصَّفَا ذهباً.
وقد وَقَعَ في حديث أنس من رواية هشام وغيره عن قَتَادةَ عنه في الدَّعَوات (٢٣٤٠) وفي
الفتن (٧٠٨٩): سألوا رسول الله وَّهِ حتَّى أَحْفَوْه بالمسألة، ومعنى («أحْفَوه)) وهو بالمهمَلِةِ
والفاء: أكثَروا عليه حتَّى جَعَلوه كالحافي، يقال: أحفاه في السُّؤال: إذا أَلَحَّ عليه.
قوله: ((وقال: سَلُوني)) في حديث أنس المذكور: فصَعِدَ المِنِبَرَ فقال: ((لا تسألوني عن
شيء إلّا بَيَّنْتُه لكم))، وفي رواية سعيد بن بَشير عن قَتَادةَ عند ابن أبي حاتم (١٢١٨/٤):
فَخَرَجَ ذات يوم حتَّى صَعِدَ الِبَ، وبيَّن في رواية الزُّهْريِّ المذكورة في هذا الباب (٧٢٩٤)
وقتَ وقوع ذلك، وأنَّه بعد أن صَلَّى الظُّهر، ولفظه: خَرَجَ حين زاغَت الشمس فصَلَّى
الظُّهر، فلمَّا سَلَّمَ قامَ على المِنِبَرَ فذكر السّاعة ثمَّ قال: ((مَن أحَبَّ أن يسألَ عن شيء فليَسأَلْ
عنه)» فذكر نحوه.
قوله: ((فقامَ رجل فقال: يا رسول الله، مَن أَبي؟)) بيَّن في حديث أنس من رواية الزُّهْريِّ
اسمَه، وفي رواية قَتَادَةَ سببَ سؤاله، قال: فقامَ رجل كان إذا لاحَى - أي: خاصَمَ - دُعيَ
إلى غير أبيه، وذَكَرتُ اسم السّائل الثّاني، وأنَّه سعد، وأنّ نَقَلْتُه من ترجمة سُهَيل بن أبي
صالح من (تمهيد)) ابن عبد البَرّ (١)، وزاد في رواية الزُّهْريِّ الآتية بعد حديثَين: فقامَ إليه
رجل فقال: أينَ مَدخَلي يا رسول الله؟ قال: ((النار))، ولم أقِفْ على اسم هذا الرجل في شيء
من الطّرق، كأنهم أبهموه عمداً للسّترِ علیه، وللطّبرانيّ (٤٥٨٠) من حديث أبي فراس
الأسلَميّ نحوه، وزادَ: وسألَه رجل: في الجنَّة أنا؟ قال: ((في الجنَّة)) ولم أقِفْ على اسم هذا
الآخر.
ونَقَلَ ابنُ / عبد البَرّ(٢) عن رواية مسلم: أنَّ النبيّ وٍَّ قال في خُطْبته: ((لا يَسألُني أحد
٢٧٠/١٣
(١) ذكر هذا في كتاب العلم عند شرح حديث أبي موسى برقم (٩٢).
(٢) في ((التمهيد)) ٢٩٠/٢١ - ٢٩١.

٥٣
باب٣/ح ٧٢٩١
كتاب الاعتصاملبن جن)
عن شيء إلّا أخبَرته، ولو سألَني عن أبيه)) فقامَ عبد الله بن حُذَافة، وذكر فيه عِتابَ أمّه له
وجوابه، وذكر فيه: فقامَ رجل فسألَ عن الحجّ، فذكره، وفيه: فقامَ سعد مَولى شَيْبة فقال:
مَن أنا يا رسول الله؟ قال: ((أنتَ سعد بن سالم مولى شَيْبة))، وفيه: فقامَ رجل من بني أسَد
فقال: أينَ أنا؟ قال: ((في النار))، فذكر قصَّة عمر قال: فَنَزَلَت: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
تَسْشَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ﴾ الآية(١) [المائدة: ١٠١]، ونَهَى النبيُّ وَّل عن قيل وقال وكَثْرَة السُّؤال،
وبهذه الزّيادة يَتَّصِحَ أنَّ هذه القصّة سبب نزول: ﴿لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾،
فإنَّ المَساءَة في حَقّ هذا جاءَت صريحة، بخلافها في حَقّ عبد الله بن حُذَافة فإنَّهَا بطريق
الجواز، أي: لو قُدِّرَ أنَّه في نفس الأمر لم يكن لأبيه فبيَّن أباه الحقيقيّ لافتَضَحَتَ أمُّه، كما
صَرَّحَت بذلك أمّه حين عاتَبَتَه على هذا السُّؤال كما تقدَّم في كتاب الفتن (٧٠٨٩) ....
قوله: «فلمَّا رَأَى عمرُ ما بَوَجْهِ رسول الله وَلِّ من الغضب)» بيَّن في حديث أنس أنَّ الصَّحابة
كُلّهم فَهِمَوا ذلك، ففي رواية هشام: فإذا كلّ رجل لافّاً رأسه في ثَوبه يبكي، وزاد في رواية
سعید بن بشير: وظنّوا أنّ ذلك بین یدي أمر قد حضر(٢)، وفي رواية موسی ابن أنس عن أنس
الماضية في تفسير المائدة (٤٦٢١): فغطّوا رُؤوسهم لهم خَنِين، زاد مسلم من هذا الوجه
(١٣٤/٢٣٥٩): فما أتَى على أصحاب رسول الله وَ ل يوم كان أشَدَّ منه.انا مش هنا}
قوله: ((فقال: إنّا نَتُوب إلى الله عزَّ وجلَّ)) زاد في رواية الزُّهْريّ: فبَرَكَ عِمْرُ على رُكَبَتَه
فقال: رَضِينا باللهِ رَبّاً وبالإسلام ديناً وبمحمَّدٍ رسولاً، وفي رواية قَتَادةَ من الزِّيادة: نعوذ بالله
من شرِّ الفتن(٣).
البات ش هابابن تحمل نا فيطول:
وفي مُرسَل السُّدِّيّ عند الطََّرَيِّ (٧/ ٨٢) في نحو هذه القصَّة: فقامَ إليه عمر فقبَّل
(١) الحديث عند مسلم (٢٣٥٩) ليس فيه التصريح باسم سعد بن سالم، ولا الرجل من بني أسد.
(٢) رواية هشام - وهو الدستُوائي - سلفت عند البخاري في الفتن برقم (٧٠٨٩)، ورواية سعيد بن بشير
عند ابن أبي حاتم في «تفسيره)) ١٢١٨/٤، ومثله في رواية سعيد بن أبي عروبة عند مسلم برقم (٢٣٥٩)
(١٣٧).
(٣) رواية الزهري عن أنس ستأتي برقم (٧٢٩٤)، ورواية قتادة عنه سلفت برقم (٧٠٨٩ - ٧٠٩١) ...

٥٤
فتح الباري بشرح البخاري
رِجلَه وقال: رَضِينا بالله ربّاً. فذكر مِثلَه وزادَ: وبالقرآن إماماً، فاعفُ عَفَا الله عنك، فلم
يَزَلْ به حتَّی رَضِيَ.
وفي هذا الحديث غيرُ ما يَتعلَّق بالتَّرجمة: مُراقَبةُ الصَّحابة أحوالَ النبيّ وَّهُ وشِدَّة
إشفاقهم إذا غَضِبَ، خَشْيَةً أن يكون لأمرٍ يَعُمّ فيَعُمّهم، وإدلالُ عمر علیه، وجواز تقبيل
رِجْلِ الرَّجُلِ(١)، وجواز الغضب في الموعظة، وبُروكُ الطّالب بين يَدَي مَن يستفيد منه،
وكذا التّابع بين يَدَي المتبوع إذا سألَه في حاجة، ومشروعيَّة التعوُّذ من الفتن عند وجود
شيءٍ قد يَظهَر منه قَرِينةُ وقوعها، واستعمال المُزاوَجة في الدُّعاء في قوله: اعفُ عَفَا الله
عنك، وإلّا فالنبيُّ ◌َ﴿ مَعفوٌّ عنه قبل ذلك.
قال ابن عبد البَرّ: سُئلَ مالك عن معنى النَّهي عن كَثْرة السُّؤال، فقال: ما أدري أَنَهَى
عن الذي أنتم فيه من السُّؤال عن النَّوازِل، أو عن مسألة الناسِ المالَ، قال ابن عبد البَرّ:
الظّاهرُ الأوَّل، وأمّا الثّاني فلا معنى للتَّفْرِقةِ بين كَثْرته وقِلَّته لا حيثُ يجوز ولا حيثُ لا
يجوز، قال: وقيل: كانوا يَسألونَ عن الشيء ويُلِخُونَ فيه إلى أن يُحرَّم، قال: وأكثر العلماء
على أنَّ المراد كَثْرةُ السُّؤال عن النَّوازِل والأُغلوطات والتَّوليدات؛ كذا قال، وقد تقدَّم
الإلمامُ بشيءٍ من ذلك في كتاب العلم (٩٣).
الحديث الرابع:
٧٢٩٢- حذَّثنا موسى، حدَّثنا أبو عَوَانَةَ، حدَّثنا عبدُ الملِك، عن وَرّادٍ كاتبِ المغيرةِ، قال: گُتَبَ
معاويةُ إلى المغيرةِ: اكتُبْ إليَّ ما سمعتَ مِن رسولِ اللهِوَّهِ، فَكَتَبَ إليه: إِنَّ نبِيَّ اللهِلَّهُ كانَ يقولُ في
دُبُرٍ كلُّ صلاةٍ: ((لا إلهَ إلّ الله وَحْدَه لا شَرِيكَ له، له المُلْكُ وله الحمدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قَدِيرٌ،
اللهُمَّ لا مانعَ لما أعطَيتَ، ولا مُعْطَيَ لما مَنَعْتَ، ولا يَنفَعُ ذا الجَدِّ منكَ الجَدُّ».
وكَتَبَ إليه: أنَّه كانَ بَنهَى عن قِيلَ وقالَ، وكَثْرةِ السُّؤال، وإضاعةِ المال، وكان يَنْهَى عن
(١) هذا أخذه من مرسل السُّدِّي عند الطبري ٧/ ٨١، ولا يصحُّ لإرساله، ثم إن الإسناد إلى السُّدِّي ليس بذاك
القويّ، فلا يتوجّه الاحتجاج به.

٥٥
باب ٣/ح ٧٢٩٣
كتاب الاعتصام
عُقوقِ الأُمّهاتِ، ووَأْدِ البناتِ، ومَنْعِ وهاتِ.
قوله: ((حدَّثنا موسى)) هو ابن إسماعيل، وعبد الملك: هو ابن عُمَير.
قوله: ((وكَتَبَ إليه)) هو معطوف على قوله: ((فكَتَبَ إليه)) وهو موصول بالسَّنِدِ المذكور،
وقد أفرَدَ كثير من الُّواة أحدَ الحديثَينِ عن الآخر، والغرضُ من إيراده هنا أنَّه كان يَنھی عن
قيلَ وقالَ وكَثْرةِ السُّؤال، وقد تقدَّم البحث في المراد بكَثْرة السُّؤال في كتاب الرّقاق (٦٤٧٣)
هل هو خاصٍّ بالمالِ أو بالأحكام، أو لأعمَّ من ذلك، والأَولى حَملُّه على العُموم، لكن فيما
ليس للّائلِ به احتياجٌ كما تقدَّم ذِكرُه، وتقدّم شرح الحديث الأوَّل في الدَّعَوات (٦٣٣٠)،
والثاني في الرِّقاق.
الحديث الخامس:
٧٢٩٣ - حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا حَمَّدُ بنُ زيدٍ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ، قال: كنّا عندَ
عمرَ فقال: نُهِينا عن التكلُّفِ.
قوله: ((عن أنس: كنَّا عند عمر فقال: نُهينا عن التكلُّف)) هكذا أورَدَه مُختصَراً، وذكر الحميديّ
أنَّه جاءً في رواية أُخرى عن ثابت عن أنس: أنَّ عمر قرأ: ﴿ وَفَكِهَةً وَأَبَّا ﴾ [عبس: ٣١] فقال:
ما الأبُّ؟ ثمّ قال: ما كُلِّفْنا، أو قال: ما أُمِرْنا/ بهذا.
٢٧١/١٣
قلت: هو عند الإسماعيليّ من رواية هشام عن ثابت، وأخرجه من طريق يونس بن
عُبَيد عن ثابت بلفظ: أنَّ رجلاً سأل عمر بن الخطّاب عن قوله: ﴿وَفَكِهَةٌ وَأَبََّ ﴾ ما الأبُّ؟
فقال عمر: ثُهينا عن التعمُّق والتكلُّف؛ وهذا أَولى أن يُكمَّل به الحديث الذي أخرجه
البخاريُّ، وأَولى منه ما أخرجه أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) من طريق أبي مسلم الكَجِّيّ عن
سليمان بن حَرْب شيخ البخاريّ فيه، ولفظه: عن أنس: كَّ عند عمر وعليه قميصٌ في ظَهْره
أربع رِقَاع، فقرأ: ﴿وَقَكِهَةٌ وَأَبَّا ﴾ فقال: هذه الفاكهة قد عَرَفناها، فما الأبُّ؟ ثمَّ قال: مَهْ تُهينا
عن التكلُّف.
وقد أخرجه عبد بن حُميدٍ في ((تفسيره)) عن سليمان بن حَرْب بهذا السَّند مِثلَه سواء،

٥٦
فتح الباري بشرح البخاري
وأخرجه أيضاً عن سليمان بن حرب عن حمَّاد بن سَلَمةَ بَدَل حمّاد بن زيد، وقال بعد قوله:
فما الأبُّ: ثمَّ قال: يا ابنَ أمّ عمر، إنَّ هذا لهو التكلُّف، وما عليك أن لا تدري ما الأبُّ.
وسليمان بن حَرْب سَمِعَ من الحَّادَين، لكنَّه اختَصَّ بحمّادِ بن زيد، فإذا أُطلقَ قوله: حدَّثنا
حمّاد، فهو ابن زيد، وإذا رَوَى عن حمّاد بن سَلَمةَ نَسَبَه.
وأخرج عبد بن حُميدٍ أيضاً من طريق صالح بن كَيْسانَ عن الزُّهْريِّ عن أنس أنَّه
أخبَرَه: أنَّه سَمِعَ عمر يقول: ﴿فَبَا فِيهَا حََّ ﴾ وَعِنَبًا﴾ الآية [عبس: ٢٧-٢٨] إلى قوله:
﴿ وَأَبَّا﴾ قال: كلّ هذا قد عَرَفناه، فما الأبّ؟ ثمَّ رَمَى عَصاً كانت في يده ثمَّ قالٍ: هذا لَعَمْرُ الله
التكلُّف، اتَّبِعوا ما بُيِّنَ لكم من هذا الكتاب. وأخرجه الطَّبَرِيُّ من وجهَينِ آخَرَينِ عن
الزّهْريِّ، وقال في آخره: اتَّبِعوا ما بُيِّنَ لكم في الكتاب، وفي لفظ: ما بُيِّنَ لكم فعليكم به،
وما لا فدَعُوه.
وأخرج عبد بن حُميدٍ أيضاً من طريق إبراهيم النَّخَعيِّ عن عبد الرَّحمن بن زيد: أنَّ رجلاً
سألَ عمر عن ﴿وَفَكِهَةُ وَأَبََّ﴾ فلمَّا رَآهم عمر يقولون أقبَلَ عليهم بالدِّرَّة.
ومن وجه آخَر عن إبراهيم النَّخَعيِّ قال: قرأ أبو بكر الصِّدّيق ﴿ وَفَكِهَةً وَأَبَّ ﴾ فقيلَ: ما
الأبُّ؟ فقيلَ: كذا وكذا، فقال أبو بكر: إنَّ هذا لهو التكلُّف، أيُّ أرض تُقِلُّني، أو أيُّ سَماء
تُظِلُّني، إذا قلتُ في كتاب الله بما لا أعلمُ، وهذا مُنقَطِعٍ بين النَّخَعيِّ والصِّدّيق.
وأخرج أيضاً من طريق إبراهيم التَّيْميّ: أنَّ أبا بكر سُئلَ عن الأبِّ ما هو؟ فقال: أيّ سَماء
تُظِلّني، فذكر مثله، وهو مُنقَطِع أيضاً، لكنَّ أحدهما يُقوِّي الآخرَ.
وأخرج الحاكم في تفسير آل عمران من ((المستدرَك)) (٢٨٩/٢) من طريق محُميدٍ عن أنس
قال: قرأ عمرُ ﴿ وَفَكِهَةٌ وَأَبَّا﴾ فقال بعضهم كذا وقال بعضهم كذا، فقال عمر: دَعُونا من هذا،
آمَنّا به كلٌّ من عند رَبّنا. وأخرج الطَّبَرِيُّ من طريق موسى بن أنس عن أنسٍ(١) نحوه، ومن
طريق معاوية بن قُرَّة، ومن طريق قَتَادةَ كلاهما عن أنس كذلك.
(١) قوله: ((عن أنس)) سقط من (س).

٥٧
باب ٣/ح ٧٢٩٣
كتاب الاعتصام لحماية
وقد جاءَ أنَّ ابن عبّاس فَسَّرَ ((الأبّ)) عند عمر، فأخرج عبد بن حُميدٍ أيضاً من طريق
سعيد بن جُبَير قال: كان عمر يُدْني ابنَ عبَّاس، فذكر نحو القصَّة الماضية (٤٩٦٩) في
تفسير ﴿إِذَا جَآءَ نَضْرُ اللَّهِ﴾ وفي آخرها: وقال تعالى: ﴿أَنََّ صَبِيْنَا الْيَاءَ صَبَّا﴾ [عبس: ٢٥]
إلى قوله: ﴿ وَأَبَّا﴾ قال: فالسَّبعةِ رِزٌ لبني آدم، والأبُّ ما تأكُل الأنعام، ولم يَذكُر أنَّ عمر
أنكَرَ عليه ذلك ... الاخلا رشاراء ولة مات املة،جلا رؤية رأسك
وأخرج الطَّبَرِيُّ (٣٠/ ٦٠) بسند صحيح عن عاصم بن كُلَيب عن أبيه عن ابن عبّاس
قال: الأبُّ: ما تُنبته الأرض ممَّا تأكُلِه الدَّواب، ولا يَأكُله الناس (١) .. ت ناء ه واظهرت
وأخرج عن عِدَّة من التّابعينَ نحوه، ثمَّ أخرج من طريق عليّ بن أبي طَلْحة عن ابن
عَّاس بسندٍ صحيح قال: الأبُّ الثّارِ الرَّطْبة، وهذا أخرجه ابن أبي حاتم بلفظ:
﴿ وَفَكِهَةٌّ وَأَبََّ﴾ قال: الثِّارِ الرَّطبة، وكأنَّ سَقَطَ منه: ((واليابِسَة))، فقد أخرج أيضاً من
طريقٍ عِكْرمة عن ابن عبّاسِ بسندٍ حسن: الأبّ الحَشيشِ لليَهائم، وفيه قولٌ آخَر
أخرجاه من طريق عطاء قال: كلّ شيءٍ يَنْبُت على وجه الأرض فهو أبٌّ؛ فعلى هذا فهو
من العامِّ بعد الخاصّ.
ومن طريق الضَّحّاك قال: الأبّ كلّ شيء أنبَتَت الأرضُ سوى الفاكهة، وهذا أعمُّ من
الأوَّل، وذكر بعض أهل اللُّغة أنَّ الأبّ: مُطلَق المرعَى، وَاسْتَشْهَدَ بقولِ الشّاعر | (٢):
٢٧٢/١٣
له دَعوةٌ ميمونَة رِيحُها الصَّبَا بها يُنِتَ الله الحَصيدةَ والأَبًّا
وقيل: الأبّ: يابِسُ الفاكهة، وقيل: إنَّه ليس بعربيٍّ، ويُؤيِّده خَفاؤه على مِثل أبي بكر
وعمر.
تنبيه: في إخراج البخاريّ هذا الحديث في هذا الباب مَصِير منه إلى أنْ قول الصَّحابيّ:
(١) وأخرجه الحاكم ٤٣٨/١
(٢) هو حرب بن رَيْطة الساميّ، قَدِمَ على النبي ◌َّه وآمن به، وهذا البيت من أبيات له قالها في النبي ◌َّ، وقد نقلها
الحافظ ابن حجر في ترجمته من ((الإصابة)) (١٦٦١) عن ((منح المدح)) لابن سيد الناس، إلا أنه لم يذكرها
بتمامها فلم يذكر هذا البيت فيها، وذكره الصفدي في ترجمة حرب من ((الوافي بالوفيات)).

٥٨
باب ٣/ح ٧٢٩٤
فتح الباري بشرح البخاري
أُمِرنا وُهينا، في حُكْم المرفوع ولو لم يُضِفْه إلى النبيّ وَّةِ، ومن ثَمَّ اقتَصَرَ على قوله: نُهينا عن
التكلُّف، وحَذَفَ القصّة.
٧٢٩٤- حدَّثْنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْرِيِّ. وحذَّثني محمودٌ، حدَّثنا عبدُ الرَّزاق،
أخبرنا مَعمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، أخبرني أنسُ بنُ مالكِ : أنَّ النبيَّ ◌َهُ خَرَجَ حينَ زاغَتِ
الشمسُ، فصَلَى الظُّهرَ، فلمَّا سَلَّمَ قامَ على الِثْبِ، فَذَكَرَ السّاعةَ، وذَكَر أنَّ بينَ يَدَيها أُموراً
عِظاماً، ثمَّ قال: ((مَن أحَبَّ أنْ يَسأل عن شيءٍ، فلْيَسأل عنه، فوالله لا تَسْألوني عن شيءٍ إلا
أُخْبَرَتُكم به ما دُمتُ في مَقَامي هذا»، قال أنسٌ: فأكثرَ الناسُ البُكاءَ، وأكثرَ رسولُ اللهِ وَلِ أنْ
يقولَ: ((سَلُوني))، فقال أنسٌ: فقام إليه رجلٌ فقال: أينَ مَدْخَلي يا رسولَ الله؟ قال: ((النّارُ)»،
فقامَ عبدُ الله بنُ حُذَافَةَ فقال: مَن أَبي يا رسولَ الله؟ قال: ((أبوكَ حُذَّافةُ)) قال: ثمَّ أكثرَ أنْ
يقولَ: ((سَلُوني، سَلُوني)، فَبَرَكَ عمرُ على رُكْبَتَيْهِ فقال: رَضِينا بالله رَبّاً، وبالإسلامِ دِيناً،
وبمحمَّدٍ وَّ رسولاً، قال: فسَكَتَ رسولُ اللهِلَّهِ حِينَ قال عمرُ ذلك، ثمَّ قال رسولُ اللهِ وَّ:
((أَوْلَى والذي نفسي بيَدِه، لقد عُرِضَتْ عليَّ الجنَّةُ والنارُ آنِفاً في عُرْضِ هذا الحائطِ وأنا أُصَلّى،
فلمْ آرَ کالیومٍ في الخير والشرّ)».
الحديث السادس: وهو يتعلق بالقسم الثالث، وكذا السابعُ(١): حديثُ أنس، وهو في
معنى الحديث الرَّابع، وقد مضى شرحه(٢).
أورَدَه من وجهَينِ عن الزُّهْريِّ وساقَه هنا على لفظ مَعمَر، وفي باب وقت الظُّهر من
كتاب الصلاة (٥٤٠) بلفظِ شُعَيب، وهما مُتَقاربان، ووَقَعَ هنا: فأكثرَ الأنصارُ البُكاءَ في
رواية الكُشمِيهَنيّ، وفي رواية غيره: فأكثر الناسُ، وهي الصَّواب، وكذا وَقَعَ في رواية
مَعمَر وغيره. ووَقَعَ هنا: فذكر السّاعةَ، وذكر أنَّ بين يَدَيها أُموراً عِظاماً، وفي رواية شُعَيب:
وذكر أنَّ فيها أُموراً عِظاماً. وزاد هنا: فقامَ رجل فقال: أينَ مَدخَلي ... إلى آخره. ووَقَعَ هنا:
(١) تحرَّف في (س) إلى: الرابع.
(٢) انظر حديث أبي موسى في هذا الباب (٧٢٩١).

٥٩
باب ٣/ح ٧٢٩٥ - ٧٢٩٦
كتاب الاعتصام
وبمحمّدٍ رسولاً، وفي رواية شُعَیب: ومحمّد نبيّاً. ووَقَعَ هنا: فسگتَ حین قال ذلك عمر،
ثمّ قال النبيّ ێ: ((أولى)، وسَقَطَ هذا كلُّه من روایة شُعَيب.
قال المبرِّد: يُقال للرجلِ إذا أفلَتَ من مُعضِلة: أولى لك، أي: كِدتَ تَهلِك، وقال غيره:
هي بمعنى التَّهدید والوعید.
٧٢٩٥ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ عبدِ الرَّحيمِ، أخبرنا رَوْحُ بنُ عُبادةَ، حدَّثنا شُعْبٌ، أخبرني موسى
ابنُ أنسٍ قال: سمعتُ أنسَ بنَ مالكٍ، قال: قال رجلٌ: يا نبيَّ الله، مَن أَبي؟ قال: ((أبوكَ فلانٌ))،
ونَزَلَت: ﴿يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ﴾ الآيةَ [المائدة: ١٠١].
الحديث السابع: حديث أنس أيضاً من رواية ابنه موسى عنه، وأورَدَه مُختصَراً، وقد
تقدَّم ما فيه.
الحديث الثامن:
٧٢٩٦ - حدّثنا الحسنُ بنُ صَبّاح، حدَّثْنَا شَبَابَةُ، حدَّثْنا وَرْقاءُ، عن عبدِ الله بنِ عبدِ الَّحمنِ،
سمعتُ أنسَ بنَ مالكٍ يقولُ: قال رسولُ الله وَّةِ: (لَنْ يَبْرَحَ الناسُ يَتَساءَلونَ، حَتَّى يقولوا: هذا اللهُ
خالقُ كلِّ شيءٍ، فمَنْ خَلَقَ اللهَ؟».
قوله: ((وَرْقاء)» بقاف ممدود: هو ابن عمر اليَشكُريّ، وشيخه عبدُ الله بن عبد الرَّحمن:
هو ابن مَعمَر بن حَزْمِ الأنصاريّ أبو طُوَالة - بضمٌّ الطّاء المهمَلة - مشهور بكُنْتِه.
قوله: (لن يَبْرَح الناس يَتَساءَلونَ)) في رواية المُستَملي: ((يَسألُونَ))، وعند مسلم
(١٣٤/ ٢١٢) في رواية عُرْوة عن أبي هريرةَ: ((لا يزالُ الناسُ يَتَساءَلونَ)).
قوله: «هذا اللهُ خالقُ كلِّ شيء)) في رواية عُرْوة: ((هذا خَلَقَ اللهُ الخلقَ))، ولمسلم أيضاً
وهو في رواية البخاريّ في بَدْء الخلق (٣٢٧٦) من رواية عُزْوة أيضاً: ((يأتي الشَّيطانُ العبدَ
أو أحدكم فيقول: مَن خَلَقَ كذا وكذا، حتَّى يقول: مَن خلقَ رَبَّك؟)) وفي لفظ لمسلم: ((مَن
خَلَقَ السماءَ؟ مَن خَلَقَ الأرضَ؟ فيقول: الله)).
ولأحمد (٢١٨٦٧) والطَّبَرانيِّ (٣٧١٩) من حديث خُزيمةَ بن ثابت مِثْلُه، ولمسلم

٦٠
باب ٣/ح ٧٢٩٦
فتح الباري بشرح البخاري
(٢١٥/١٣٥) من طريق محمَّد بن سِيرِين عن أبي هريرةَ: ((حتَّى يقولوا: هذا اللهُ خَلَقَنا)،
وله في رواية يزيد بن الأصَمّ عنه: ((حتَّى يقولوا: اللهُ خَلَقَ كلّ شيء))، وفي رواية المختار بن
فُلْفُل عن أنس عن رسول الله وَّهِ: ((قال الله عزَّ وجلّ: إنَّ أمَّتك لا تزالُ تقول: ما كذا وكذا،
حتَّى يقولوا: هذا اللهُ خَلَقَ الخلقَ)).
ولِلبَزّار (٨٨٠٠) من وجه آخَر عن أبي هريرةَ: ((لا يزال الناس يقولون: كان الله قبلَ كلِّ
شيء، فمَن كان قبله)).
قال التُّورِيشتيُّ: قوله: ((هذا خَلَقَ اللهُ الخلقَ)) يحتمل أن يكون هذا مفعولاً، والمعنى:
حتَّى يُقال هذا القول، وأن يكون مُبتَدَأُ حُذِفَ خَبَرُه، أي: هذا الأمر قد عُلمَ، وعلى اللَّفظ
الأوَّل - يعني رواية أنس عند مسلم -: ((هذا الله)) مُبْتَدَأ وخَبَرَ، أو ((هذا)) مُبْتَدَأ و((الله))
عطفُ بيان و ((خَلَقَ الخلقَ)) خبره. قال الطِّييُّ: والأوَّل أَولى، ولكنَّ تقديره: هذا مُقرَّر
معلوم، وهو أنَّ الله خَلَقَ الخلق وهو شيء، وكلَّ شيء مخلوق فمَن خَلَقَه، فيَظهَر ترتيب ما
بعد الفاء على ما قبلها.
قوله: «فمَن خَلَقَ اللهَ؟» في رواية بَدْء الخلق: ((مَن خَلَقَ رَبَّك؟)) وزاد: ((فإذا بَلَغَه
فليَستَعِذ بالله وليَنْتَه))، وفي لفظ لمسلم (١٣٤/ ٢١٢): ((فمَن وَجَدَ من ذلك شيئاً فليَقُل:
آمَنتُ بالله)): وزاد في أُخرى: ((ورُسُله))، ولأبي داود (٤٧٢٢) والنَّسَائي (ك١٠٤٢٢) من
الزّيادة: ((فقولوا: ﴿اللَّهُ أَحَدُّ ل اللهُ الصَّمَدُ﴾ - السّورة - ثُمَّ لِيَتَقُل عن يَسارِهِ ثمَّ
ليَستَعِذْ))، ولأحمد (٢٦٢٠٣) من حديث عائشة: «فإذا وَجَدَ أحدكم ذلك فليقُل: آمَنتُ بالله
ورسوله، فإنَّ ذلك یَذهَب عنه)).
ولمسلمٍ (٢١٥/١٣٥) في رواية أبي سَلَمةَ عن أبي هريرةَ نحو الأوَّل وزاد: فَبَينَما أنا في
المسجد إذ جاءَفي ناس من الأعراب، فذكر سؤالهم عن ذلك، وأنَّه رَمَاهم بالحصا وقال:
٢٧٣/١٣ صَدَقَ خليلي، وله في / رواية محمَّد بن سِيرِين عن أبي هريرةَ: صَدَقَ الله ورسوله.
قال ابن بَطّال: في حديث أنس الإشارةُ إلى ذَمّ كَثْرة السُّؤال لأنَّها تُفضي إلى المحذور