النص المفهرس
صفحات 461-480
٤٦١ باب ١ / ح ٧٢٤٦ كتاب أخبار الآحاد وجملة ما ذكره المصنِّف هنا اثنان وعشرونَ حديثاً: ٧٢٤٦- حدَّثنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا عبدُ الوهّاب، حدَّثنا أيوبُ، عن أبي قِلَابةَ، حدَّثنا مالكُ بنُ الحُوَيِرِث، قال: أَينا النبيَّ ◌َّهِ ونحنُ شَبَةٌ مُتَقَارِبونَ، فَأَقَمْنا عندَه عشرينَ ليلةً، وكانَ رسولُ اللهِ وَلِّ رَفِيقاً، فلمَّا ظنَّ أنَّا قد اشتَهَيْنا أهلَنا، أو قد اشتَقْنا، سألَنا عمَّنْ تَرَكْنا بعدَنا، فأخبَرْناه، قال: ((ارجِعوا إلى أهلِيكم، فأَقِيموا فيهم وعَلِّموهم ومُروهُم))، وذكر أشياءَ أحفَظُها أو لا أحفَظُها: ((وصَلُّوا كما رَأَيْتُموني أُصَلّى، فإذا حَضَرَتِ الصلاةُ فلْيُؤَذِّنْ لكم أحدُكم، ولْيَؤُمَّكم أکبرُ کم)». الحديث الأول: حديث مالك بن الحوَيرِثِ - بمُهمَلةٍ ومُثلَّثة مُصغَّر - بن حَشيش، بِمُهمَلةٍ ومُعجَمتَينِ وَزْن عَظيم، ويُقال: ابن أَشْيَمَ، بمُعجَمةٍ وزن أَحمر، من بني سعد بن ليث بن بكر بن عبد مَناةَ بن كِنانَة، حجازيّ سَكَنَ البصرة وماتَ بها / سَنَة أربعة وسبعين، ٢٣٦/١٣ بتقديم السِّين على الصَّواب. قوله: ((عبد الوهّاب)) هو ابن عبد المجيد الثَّقفيّ، وأيوب: هو السَّخِيانيُّ، والسَّندُ كلّه بصريّونَ. قوله: ((أَتَيْنَا النَّبِيَّ ◌َّ) أي: وافدينَ عليه سنة الوفود، وقد ذكر ابن سعد ما يَدُلّ على أنَّ وِفادة بني ليث رَهْط مالك بن الحَوَيرِثِ المذكور كانت قبل غَزْوة تَبُوك، وكانت تَبُوك في شھر رَ جَب سنة تسع. قوله: ((ونحنُ شَبَبة)) بمُعجَمٍ وموخَّدتَينِ وفَتَحات: جمع شابٍّ، وهو مَن كان دونَ الكُهولة، وتقدَّم بيان أوَّل الكُهولة في كتاب الأحكام(١)، وفي رواية وُهَيب في الصلاة (٦٢٨): أتيتُ النَّبِيّ ◌َ ◌ّ فِي نَفَر من قومي؛ والنَّفَر عَدَد لا واحد له من لفظه، وهو من ثلاثة إلى عَشَرة، ووَقَعَ في رواية في الصلاة(٢): أنا وصاحب لي، وجَمَعَ القُرطُبيّ باحتمالٍ تَعدُّد الوِفادة، وهو (١) لم نقف عليه في الأحكام، وهو عنده في الشهادات عند الحديث (٢٦٦٤)، وفي التفسير (٤٩٤٠)، وفي النكاح (٥٠٦٥). (٢) بل في الجهاد برقم (٢٨٤٨). ٤٦٢ باب ١ / ح ٧٢٤٦ فتح الباري بشرح البخاري ضعيف، لأنَّ مَخَرَج الحديثَينِ واحد والأصل عَدَم التعدُّد، والأَولى في الجمع أنَّهم حينَ أَذِنَ لهم في السَّفَر كانوا جميعاً، فلعلَّ مالكاً ورفيقه عادا إلى توديعه، فأعادَ عليهما بعضَ ما أو صاهم به تأكيداً، وأفادَ ذلك زيادةَ بيانٍ أقلِّ ما تَنعَقِد به الجماعة. قوله: «مُتَقارِبونَ)) أي: في السِّنّ، بل في اعمَّ منه، فقد وقع عند أبي داود (٥٨٩) من طريق مَسلَمةَ بن محمَّد عن خالد الحذَّاء: وكنّا يومَئذٍ مُتَقَاربينَ في العِلم، ولمسلمٍ (٦٧٣/ ٢٩٣): كنّا مُتَقاربينَ في القراءَة، ومن هذه الزّيادة يُؤْخَذ الجوابُ عن كونه قَدَّمَ الأسَنّ، فليس المراد تقديمه على الأقرَأ، بل في حال الاستواء في القراءة، ولم يَستَحِضِر الکِرمانُّ هذه الزّيادة، فقال: يُؤخَذ استواؤهم في القراءة من القصّة، لأنَّهم أسلموا وهاجَروا معاً وصَحِبوا ولازَموا عِشرينَ ليلة، فاستَوَوا في الأخذ. وتُعقِّبَ بأنَّ ذلك لا يَستَلِزِم الاستواءَ في العِلم للتَّفاوُتِ في الفَهْم، إذ لا تنصيصَ على الاستواء. قوله: ((رقيقاً)) بقافَين وبفاءٍ ثمَّ قاف، ثَبَتَ ذلك عند رواه البخاريّ على الوجهَين، وعندَ رواه مسلم بقافَينِ فقط، وهما مُتَقاربان في المعنى المقصود هنا. قوله: «اشتَھَیْنا أهلنا» في رواية الگُشميھنيّ: أهلِینا، بكسر اللّام وزيادة ياء، وهو جمع أهل، ويُجمَع مُكَسَّراً على: أهالٍ، بفتح الهمزة مُفَّفاً، ووَقَعَ في رواية في الصلاة (٦٣١): اشتَقنا إلى أهلنا، بدلَ: اشتَهَينا أهلنا، وفي رواية وُهَيب: فلمَّا رأى شَوقَنا إلى أهلنا، والمراد بأهلِ كلّ منهم: زوجتَه، أو أعمَّ من ذلك. قوله: ((سألَنا)) بفتح اللّام، أي: النَّبِيُّ ◌َ لَ سَألَ المذكورينَ. قوله: ((ارجِعوا إلى أهلِيكم)) إنَّما أذِنَ لهم في الرُّجوع لأنَّ الهِجْرة كانت قد انقَطَعَت بِفَتح مكَّةَ، فكانت الإقامة بالمدينةِ باختيار الوافد، فكانَ منهم مَن يَسكُنها ومنهم مَن يَرجِع بعدَ أن يَتَعلَّم ما يَحتاجُ إليه. قوله: ((وعَلِّموهم ومُروهم)) بصيغة الأمر ضِدُّ النَّهي، والمراد به أعمُّ من ذلك، لأنَّ النَّهي عن الشيء أمرٌ يفِعْل خِلَاف ما نُهيَ عنه اتَّفاقاً، وعَطَفَ الأمر على التَّعليم لكَونِه أخَصَّ منه، ٤٦٣ باب ١ / ح ٧٢٤٦ كتاب أخبار الآحاد أو هو استئناف كأنَّ سائلاً قال: ماذا نُعلِّمهم؟ فقال: مُروهم بالطّاعات وكذا وكذا، ووَقَعَ في رواية حَمّد بن زيد عن أيوب كما تقدَّم في أبواب الإمامة (٦٨٥): ((مُروهم فليُصَلّوا صلاةَ كذا في حينِ كذا، وصلاةَ كذا في حينِ كذا» فعُرِفَ بذلك المأمور المُبهَم في رواية الباب، ولم أرَ في شيء من الطَّرق بيانَ الأوقات في حديث مالك بن الحوَيرِث، فكأنَّه تَرَكَ ذلك لشُهرتها عندهم. قوله: ((وذكر أشياءَ أحْفَظُها ولا أحْفَظها)) قائل هذا هو أبو قِلَابَةَ راوي الخبر، ووَقَعَ في رواية أُخرى: أو لا أحفَظها، وهو للتَّويع لا للشَّكّ. قوله: ((وصَلُّوا كما رَأَيْتُموني أُصَلّ)) أي: ومن جملة الأشياء التي يَحفَظها أبو قِلَابةً عن مالك قولُهُ وَ لّ هذا، وقد تقدَّم في رواية وُهَيب (٦٢٨): ((وصَلّوا)) فقط، ونُسِبَت إلى الاختِصار وتمامُ الكلام هو الذي وَقَعَ هنا، وقد تقدَّم أيضاً تامّاً في رواية إسماعيل ابن عُليَّة في كتاب الأدب (٦٠٠٨). قال ابن دقيق العيد: استَدَلَّ كثير من الفُقَهاء في مواضعَ كثيرة على الوجوب بالفعلِ مع هذا القول، وهو (صَلُّوا كما رأيتموني أُصَلّى))، قال: وهذا إذا أُخِذَ مُفرَداً عن ذِكر سببه وسياقه، أشعَرَ بأنَّه خِطاب للأُمَّةِ بأن يُصَلّوا كما كان/ يُصَلِي، فيَقوَى الاستدلالُ به على كلّ ٢٣٧/١٣ فعلِ ثَبَتَ أَنَّه فَعَلَه في الصلاة، لكنَّ هذا الخِطاب إنَّمَا وَقَعَ لمالكِ بن الحَوَيرِثِ وأصحابه بأن يُوقِعوا الصلاة على الوجه الذي رَأَوه ◌َّهِ يُصَلّيهِ، نَعَم يُشاركهم في الحُكم جميعُ الأُمَّ بِشَرطِ أن يَثْبُت استمرارُهُ وَّل على فعل ذلك الشيء المستَدَلّ به دائماً، حتَّى يَدخُل تحتَ الأمر ويكون واجباً، وبعض ذلك مقطوعٌ باستمرارِه عليه، وأمّا ما لم يَدُلَّ دليل على وجوده في تلك الصَّلَوات التي تَعلَّقَ الأمرُ بإيقاع الصلاة على صِفَتها، فلا نحكمُ بتناوُلِ الأمر له، والله أعلم. قوله: «فإذا حَضَرَت الصلاةُ)) أي: دَخَلَ وقتُها. قوله: ((فلْيُؤَذِّنْ لكم أحدُكم)) هو موضع التَّرجمة، وقد تقدَّم سائر شرحه في أبواب الأذان وفي أبواب الإمامة بعَونِ الله تعالى. ٤٦٤ باب ١ / ح ٧٢٤٧ - ٧٢٦٠ فتح الباري بشرح البخاري ٧٢٤٧- حدَّثنا مُسدَّدٌ، عن يحيى، عن التَّيْميِّ، عن أبي عُثمانَ، عن ابنِ مسعودٍ، قال: قال رسولُ الله ◌ََّ: ((لا يَمنَعنَّ أحدكم أذانُ بلالٍ مِن سَحُورِهِ، فإِنَّه يُؤَذِّنُ - أو قال: ينادي - بليلٍ، لِيَرجِعَ قائمَكم ويُنِّهَ نائمَكم، وليس الفجرُ أنْ يقولَ هكذا - وَجَمَعَ بحبى كَفَّيْه - حتَّى يقولَ هكذا)) ومَدَّ يحيى إصبَعَيْهِ السَّابَتَينِ. ٧٢٤٨- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ مُسلِمٍ، حدَّثنا عبدُ الله بنُ دِينارٍ، سمعتُ عبدَ الله بنَ عمرَ رضي الله عنهما، عن النبيِّ وَّةِ، قال: ((إنَّ بلالاً يُنادي بليلٍ، فكُلُوا واشرَبوا حتَّى يُنادِيَ ابنُ أمِّ مَكْتومٍ». ٧٢٤٩ - حذَّثنا حَفْصُ بنُ عمرَ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن الحَكَم، عن إبراهيمَ، عن عَلْقمةَ، عن عبدِ الله، قال: صَلَّى بنا النبيُّ وَِّ الظُّهرَ خمساً، فِقِيلَ: أَزِيدَ في الصلاةِ؟ قال: ((وما ذاكَ)) قالوا: صَلَّيْتَ خمساً، فسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بعدَما سَلَّمَ. ٧٢٥٠- حدّثنا إسماعيلُ، حذَّثني مالكٌ، عن أيوبَ، عن محمَّدٍ، عن أبي هُرَيرةَ: أنَّ رسولَ الله وَ ◌ّ انْصَرَفَ مِنِ اثنتَينِ، فقال له ذو اليَدَينِ: أَقَصُرَتِ الصلاةُ يا رسولَ الله، أمْ نَسِيتَ؟ فقال: ((أَصَدَقَ ذو الْيَدَينِ؟)) فقال الناسُ: نَعَم، فقامَ رسولُ الله ◌َّ﴿ فِصَلَّ رَ كْعتَیْنِ أُخْرَیَينٍ، ثمّ سَلَّمَ ثَمَّ كَبَّرَ، ثمَّ سَجَدَ مِثلَ سجودِه أو أطْوَلَ، ثمَّ رَفَعَ ثمَّ كَبَّرَ، فسَجَدَ مِثلَ سجودِهِ، ثمَّرَفَعَ. ٧٢٥١ - حدَّثنا إسماعيلُ، حذَّثني مالكٌ، عن عبدِ الله بنِ دِينارٍ، عن عبدِ الله بنِ عمَرَ، قال: بَيْنا الناسُ بقُباءٍ في صلاةِ الصُّبح، إذْ جاءَهم آتٍ فقال: إنَّ رسولَ الله وَّ قد أُنزِلَ عليه اللَّيلةَ قرآنٌ، وقد أُمِرَ أنْ يَستَقْبِلَ الكَعْبةَ، فاستقبِلوها، وكانتْ وجوهُهم إلى الشَّامِ، فاستدارُوا إلى الكَعْبةِ. ٧٢٥٢ - حدَّثنا يحيى، حذَّثنا وكيعُ، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ، قال: لمَّا قَدِمَ رسولُ اللهِ وَُّ المدينةَ صَلَّى نحوَ بيتِ المقدِسِ سَّةَ عَشَرَ أو سبعةَ عَشَرَ شَهْراً، وكانَ يُحِبُّ أنْ يُوَجَّهَ إلى الكَعْبةِ، فأَنزَلَ الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِ السَّمَاءِ فَلَنُوَلِيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَمُهَا﴾ [البقرة: ١٤٤] فوُجِّهَ نحوَ الكَعْبةِ، وصَلَّى معه رجلٌ العصرَ، ثمَّ خَرَجَ فمَرَّ على قومٍ ٤٦٥ باب ١ / ح ٧٢٤٧ - ٧٢٦٠ كتاب أخبار الآحاد منَ الأنصار، فقال: هو يَشهَدُ أَنَّه صَلَّى مع النبيِّ وَِّ، وأنَّه قد وُجِّهَ إلى الكَعْبةِ، فانْحَرَفوا وهم رُكوعٌ في صلاةِ العصرِ. ٧٢٥٣ - حدَّثني يحيى بنُ قَزَعَةَ، حدَّثني مالكٌ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ الله بنِ أبي طَلْحةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ ﴾، قال: كنتُ أَسْقِي أبا طَلْحَةَ الأنصاريَّ وَأَبَا عُبَيدةَ بنَ الجَرَّاحِ وأَبيَّ بنَ كَعْبٍ شراباً مِن فَضِيخ، وهو تمرٌّ، فجاءَهم آتٍ فقال: إنَّ الخمرَ قد حُرِّمَت، فقال أبو طَلْحةَ: يا أنسُ، قُمْ إلى هذه الجِرَار فاكْسِرْها، قال أنسٌ: فَقُمْتُ إلى مِهْراسٍ لنا، فضَرَبْتُها بِأَسْفَلِهِ حتَّى انْكَسَرَتْ. ٧٢٥٤- حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن صِلَةَ، عن حُذَيفةً: أنَّ النبيَّ ◌َ ◌ّهِ قال لأهلِ نَجْرانَ: ((لأَبعَثَنَّ إليكم رجلاً أمِيناً حَقَّ أَمِينٍ))، فاستَشْرَفَ لها أصحابُ النبيِّ وَّةِ، فَبَعَثَ أبا عُبَيدةَ. ٧٢٥٥- حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن خالدٍ، عن أبي قِلَابةَ، عن أنسِ ﴾، قال النبيُّ وَِّ: ((لِكَلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ، وَأَمِينُ هذه الأُمَّةِ أبو عُبَيدةَ)). ٧٢٥٦- حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زيدٍ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن عُبَيَدِ بنِ حُنَيْنٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ، عن عمرَ رضي الله عنهم، قال: وكانَ رجلٌ منَ الأنصار إذا غابَ عن رسولِ اللهِ وَ هُ وشَهِدْتُه، أتيتُه بما يكونُ مِن رسولِ الله وَّهِ، وإذا غِبْتُ عن رسولِ الله وشَهِدَ، أتاني بما یکونُ مِن رسولِ الله ◌َلِّ. ٧٢٥٧- حدَّثنا محمَّدُ بنُ بِشَارٍ، حدَّثنا غُندَرٌ، حدَّثنا شُعْبَةُ، عن زُبَيْدٍ، عن سَعْدِ بنِ عُبَيدةَ، عن أبي عبدِ الرَّحمنِ، عن عليٍّ ◌َ﴾: أنَّ النبيَّ ◌ََّ بَعَثَ جيشاً وأَمَّرَ عليهم رجلاً، فَأَوْقَدَ ناراً وقال: ادخُلوها، فأرادوا أنْ يَدخُلوها، وقال آخَرونَ: إِنَّا فَرَرْنا منها، فَذَكَروا للنبيِّ وَّةِ، فقال لَلَّذِينَ أرادوا أنْ يَدخُلوها: (لو دَخَلُوها لم يَزالُوا فيها إلى يومِ القيامةِ)) وقال للآخَرِينَ: ((لا طاعةَ في المعصِيَةِ، إِنََّا الطّاعةُ في المعروفِ». ٧٢٥٨، ٧٢٥٩- حدَّثْنا زُهَيرُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا أبي، عن صالحٍ، عن ابنِ شِهابٍ، أنَّ عُبَيد الله بنَ عبدِ الله أخبَرَه، أنَّ أبا هُرَيرةَ وزيدَ بنَ خالٍ أخبَرَاه: أنَّ رجلَينِ اختَصَما إلى النبيِّ ◌َّ. ٤٦٦ باب ١ / ح ٧٢٤٧ -٧٢٦٠ فتح الباري بشرح البخاري ٧٢٦٠ - وحدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، أخبرني عُبَيْدُ الله بنُ عبدِ الله بنِ عُتْبَةَ بنِ مسعودٍ، أنَّ أبا هُرَيرةَ قال: بينما نحنُ عندَ رسولِ اللهِ وَّهَ إِذْ قَامَ رجلٌ منَ الأَعراب فقال: يا رسولَ الله، اقضٍ لي بكتاب الله، فقامَ خَصْمُه فقال: صَدَقَ یا رسولَ الله، اقض له بكتاب الله، واتْذَنْ لي، فقال له النبيُّ ◌َّهِ: ((قُلْ)) فقال: إنَّ ابني كان عَسِيفاً على هذا - والعَسِيفُ: الأَجِيرُ - فَزَنَى بامرأَتِهِ، فأخبَرَوني أنَّ على ابني الرَّجْمَ، فاقْتَدَيتُ منه بمئةٍ منَ الغنمِ ووَلِیدةٍ، ثمَّ سألتُ أهلَ العِلْمِ فأخبَرَوني أنَّ على امرأَتِهِ الرَّجْمَ، وأَنَّا على ابني جَلْدُ مئةٍ وتَغْرِيبُ عامِ، فقال: ((والذي نفسي بَيَدِه، لأَقْضِيَنَّ بينكما بكتابٍ الله، أمّا الوَلِيدةُ والغنمُ فُرُدُّها، وأَمّا ابنُكَ فعليه جَلْدُ مئةٍ وَتَغْرِيبُ عامِ، وأَمَّا أنْتَ يا أَنْيَسُ - لرجلٍ مِن أسلَمَ - فاغدُ على امرأةِ هذا، فإنِ اعْتَرَفَتْ فار جُمْها)) فغَدًا عليها أُنَيسِّ فاعتَرَفَت، فَرَجَها. الحديث الثاني: قوله: ((عن يحيى)) هو ابن سعيد القَطّان، والتَّيْميُّ: هو سليمان بن طَرْخان، وأبو عثمان: هو النَّهْديُّ، والسَّند كلّه إلى ابن مسعود بصريّونَ. وقوله: ((وليس الفجرُ أن يقول هكذا؛ وَمَعَ يحيى كَفَّيهِ)) يحبى: هو القَطّان راويهِ، وقد تقدَّم في ((باب الأذان قبل الفجر)) من أبواب الأذان (٦٢١) من طريق زُهَير بن معاوية عن سليمان، وفيه: ((وليس الفجرُ أن تقول هكذا)) وقال بإصبَعَيهِ إلى فوقُ، وبيَّنتُ هناك أنَّ أصل الرِّواية بالإشارة المقرونة بالقول، وأنَّ الرُّواة عن سليمان تَصرَّفوا في حكاية الإشارة، واستَوفَيتُ هناك الكلام على شرحه بحمد الله تعالى. وقوله فيه: ((من سحوره) وَقَعَ في بعض النُّسَخ: ((من سجوده)) بجیم ودال، وهو تحريف. الحديث الثالث: حديث ابن عمر في نِداء بلال بلَيلِ، وقد تقدَّم شرحه مُستَوَى في الباب المذكور أيضاً (٦٢٢). الحديث الرابع: حديث عبد الله - وهو ابن مسعود - في صلاته وَ لربهم خمساً: والحَكَم في السَّند: هو ابن عُتَيبة، بمُئنّةٍ ثمَّ موخَّدة مُصغَّر، وإِبراهيم: هو النَّخَعيُّ، وعَلقَمة: هو ابن قیس. ٤٦٧ باب ١ / ح ٧٢٤٧ - ٧٢٦٠ كتاب أخبار الآحاد وقوله: ((فقيلَ له: أزِيدَ في الصلاة؟)) تقدَّم (١٢٢٥) أنَّ قائل ذلك جماعتُهم، وأنَّه بعد أن سَلَّمَ تَسارَرُوا فقال: ((ما شَأنْكم؟» قالوا: يا رسول الله، هل زِيدَ في الصلاة؟ ولم أقِفْ على تعيين المخاطِب له بذلك. وقد تقدَّمَت سائر مباحثه هناك بحمد الله تعالى. قال ابن التِّين: بَوَّبَ لخيرِ الواحد وهذا الخبرُ ليس بظاهرٍ فيما تَرجَمَ له، لأنَّ المخبِرِينَ له بذلك جماعة. انتهى، وسيأتي جوابه في الكلام على الحديث الذي بعده. الحديث الخامس: حديث أبي هريرةَ في قصَّة ذي اليَدَينِ في سجود السَّهو، ومحمّد في السَّند: هو ابن سِيرِين. وفيه: فقال له ذو اليَدَين: أقَصُرَت الصلاة؟ وفيه: فقال: ((أصَدَقَ ذو اليَدَينِ؟)) فقال الناس: نَعَم، وقد تقدَّم شرحه في أبواب سجود السَّهو أيضاً (١٢٢٧-١٢٢٩). ووجهُ إيراد هذا الحديث والذي قبلَه في إجازة خبر الواحد، التَّنبيهُ على أنَّه ◌ِوَ لِ إنّما لم يَقْنَع في الإخبار بسَهوِهِ بخبرٍ واحدٍ، لأنَّه عارَضَ فعلَ نفسه، فلذلك استَفْهَمَ في قصَّة ذي اليَدَين، فلمَّا أخبَرَه الجَمُّ الغفيرُ بصِدِقِهِ رَجَعَ إليهم، وفي القصَّة التي قبلَها أخبَرَوه كلُّهم ابتداءً، وهذا على طريقة مَن يَرَى رُجوعَ الإمام في السَّهو إلى إخبار مَن يُفيد خبرُه العِلمَ عنده، وهو رأي البخاريّ، ولذلك أورَدَ الخبرَينِ هنا، بخِلَاف مَن يَحمِل الأمرَ على أنَّه تَذَكَّرَ، فلا يَتَّجِه إيرادُه في هذا المحَلّ، والعلمُ عند الله. وقال الكِرمانيُّ: لم يَخْرُج عن كَونِه خبر الواحد، وإن كان قد صارَ يُفيد العِلمَ بسببٍ ما حَفَّه من القَرائن، وقال غيره: إنَّمَا استَثَبَتَ النبيُّنَّه في خبر ذي اليَدَينِ، لأنَّه انفَرَدَ دون مَن صَلَّى معه بما ذُكِرَ مع كَثْرَتهم، فاستَبعَدَ حِفظَه دونَهم، وجَوَّزَ عليه الخطأَ، ولا يَلزَم من ذلك رَدُّ خبر الواحد مُطلَقاً. الحديث السادس: حديث ابن عمر في تحويل القبلة، وقد تقدَّم شرحه في أبواب استقبال القِبلة في أوائل كتاب الصلاة (٤٠٣)، والحُجَّة منه بالعملِ بخَبَرِ الواحد ظاهرة، لأنَّ الصَّحابة الذينَ كانوا يُصَلّونَ إلى جِهَة بيت المقدس تَحوَّلوا عنه بخيرِ الذي قال لهم: إنَّ النبيّ وَّ أُمِرَ أن يَستَقبِل الكعبة، فصَدَّقوا خبرَه وعَمِلوا به في ◌َّوُّلهم عن جِهَة بيت المقدس، وهي شاميَّة، ٤٦٨ باب ١ / ح ٧٢٤٧ - ٧٢٦٠ فتح الباري بشرح البخاري ٢٣٨/١٣ إلى جِهَة الكعبة، وهي يَانيّة على العكس من التي قبلها، واعتَرَضَ / بعضهم بأنَّ خبر المذكور أفادهم العلم بصِدقِه، لِما عندهم من قَرِينة ارتقاب النبيّ ◌َل﴿ وقوعَ ذلك، لتحرُّرِ دعائه به، والبحثُ إنَّما هو في خبر الواحد إذا تَجَرَّدَ عن القَرِينة، والجواب: أنَّه إذا سُلِّمَ أنَّهم اعتَمَدوا على خبر الواحد، كَفَى في صِحَّة الاحتجاج به، والأصلُ عَدَم القَرِينة، وأيضاً فليس العمل بالخبرِ المحفوف بالقَرِينةِ مُتَّفَقاً عليه، فَيَصِحّ الاحتجاج به على مَن اشتَرَطَ العَدَدَ وأطلَقَ، وكذا مَن اشتَرَطَ القَطْع وقال: إنَّ خبر الواحد لا يُفيد إلّ الظَّنَّ ما لم يَتَواتَر. الحديث السابع: حديث البراء بن عازِب في تحويل القبلة أيضاً، وقد تقدَّم شرحه في كتاب العلم (٤٠)، وفي أبواب استقبال القِبلة أيضاً (٣٩٩)، وبيَّنتُ هناك أنَّ الرَّاجح أنَّ الذي أخبَرَ في حديث البراء بالتَّحویلِ لم يُعرَف اسمه. ويحيى شيخُ البخاريّ فيه: هو ابن موسى البَلْخيُّ، وإسرائيل: هو ابن يونس، وأبو إسحاق: هو السَّبِيعيُّ، وهو جَدُّ إسرائيل المذكور. الحديث الثامن: حديث أنس: كنت أَسقي أبا طَلحَة وأبا عُبَيدَة بن الجرّاح ... الحديث، وفيه: فجاءَهم آتٍ فقال: إنَّ الخمر قد حُرِّمَت، وقد تقدَّم شرحه مُستَوَى في كتاب الأشربة (٥٥٨٢)، وأنَّ الآتي المذكور لم يُسمَّ، وأنَّ من جملة ما وَرَدَ في بعض طرقه (٤٦١٧): فوالله ما سَألوا عنها ولا راجَعُوها بعد خبر الرجل، وهو حُجَّة قويَّة في قَبُول خبر الواحد، لأنَّهم أثبتوا به نَسْخَ الشيء الذي كان مُباحاً، حتَّى أقدموا من أجله على تحريمه، والعمل بمُقتَضى ذلك. الحديث التاسع: حديث حُذَيفة. وأبو إسحاق في السَّند: هو السَّبيعيُّ، وشيخُه صِلَةُ - بكسر المهملة وتخفيف اللّام -: هو ابن زُفَر، يُكنى أبا العلاء كوفيّ عَبْسيّ - بالموحّدة - من رَهْط حُذَيفة. قوله: ((قال لأهلِ نَجْرانَ» تقدَّم بيانه في أواخر المغازي (٤٣٨٠) مع شرحه. وقوله: ((اسْتَشَرَفَ)) بمُعجَمةٍ بعد مُهمَلة، أي: تَطَلَّعوا إليها ورَغِبوا فيها بسببِ الوصف المذكور. ٤٦٩ باب ١ / ح ٧٢٤٧ - ٧٢٦٠ كتاب أخبار الآحاد الحديث العاشر: حديث أنس: ((لِكلِّ أمّة أمين)) تقدَّم أيضاً (٤٣٨٢) مع الذي قبلَه. الحديث الحادى عشر: حديث عمر: كانَ رجل من الأنصار، تقدَّم بیانُ اسمه في کتاب العِلم (٨٩)، والقَدْر المذكور هنا طَرَف من حديث ساقَه بتمامِه في تفسير سورة التَّحريم (٤٩١٣)، ويُستَفاد منه: أنَّ عمر كان يَقبَل خبر الشَّخص الواحد. وقوله: ((وإذا غِبتُ وشَهِدَ)) في رواية الكُشمِيهَنِيِّ والمُستَملي: ((وشَهِدَه)) أي: حَضَرَ ما يكون عند النبيّ وَّه، وقد نَقَلَ بعض العلماء لقَبُولِ خبر الواحد: أنَّ كلَّ صاحبٍ وتابع سُئلَ عن نازِلةٍ في الدِّين، فأخبَرَ السّائلَ بما عندَه فيها من الحُكم، أنَّه لم يَشتَرِط عليه أحد منهم أن لا يَعمَلَ بما أخبَرَه به من ذلك حتَّى يَسألَ غيرَه، فضلاً عن أن يسأل الكَوَافَّ، بل كان كلّ منهم يُحِبِرِه بما عنده فيَعمَل بمُقتَضاه، ولا يُنكِرِ عليه ذلك، فدَلَّ على اتّفاقهم على وجوب العمل بخيرِ الواحد. الحديث الثاني عشر: حديث عليٍّ. قوله: ((وَأَمَّرَ عليهم رجلاً)) هو عبد الله بن حُذَافَة، وقد تقدَّم شرحه مُستَوقَى في أواخر المغازي (٤٣٤٠)، وتقدَّم القول في وجوب طاعة الأمیر فیما فيه طاعة، لا فيما فيه معصية في أوائل الأحكام (٧١٤٥). وقوله فيه: ((لا طاعةً في المعصية)) في رواية الكُشمِيهَنيّ: ((في معصية)). وخَفِيَت مُطابقة هذا الحديث للتَّرجمةِ على ابن التِّين فقال: ليس فيه ما بَوَّبَ له، لأنَّهم لم يُطِيعوه في دخول النار. قلت: لكنَّھم کانوا مُطِیعینَ له في غیر ذلك، وبه يَتِمّ المراد. الحديث الثالث عشر: حديث أبي هريرةَ وزيد بن خالد في قصَّة العَسِيف، أورَدَه من رواية صالح: وهو ابن كَيْسانَ، ومن رواية شعيب(١): وهو ابن أبي حمزة، كلاهما عن الزُّهْريّ. ويعقوب بن إبراهيم في السَّند الأوَّل: هو ابن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن ابن عَوف، وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في كتاب المحاربينَ (٦٨٢٨ و٦٨٣٦)، وبيَّنْتُ فيه الذي قال: والعَسِيف الأجير، وأنَّه مَدرَج في هذه الطَّريق. (١) تحرف في (أ) و(س) إلى: شعبة. ٤٧٠ باب ٢ / ح ٧٢٦١ فتح الباري بشرح البخاري قال ابن القَيِّم في الردّ على مَن رَدَّ خبر الواحد إذا كان زائداً على القرآن، ما ملخَّصه: السُّنَّة مع القرآن على ثلاثة أوجه: أحدها: أن توافقه من كلّ وجه، فيكون من تَوارُد الأدلَّة، ٢٣٩/١٣ ثانيها: أن/ تكون بياناً لما أُريدَ بالقرآن، ثالثها: أن تكون دالَّة على حُكم سَكَتَ عنه القرآن، وهذا الثالث يكون حُكماً مُبتَدَأ من النبيّ وَّهِ، فَتَجِبُ طاعتُه فيه، ولو كان النبيّ ◌َّ لا يُطاعَ إلّا فيما وافَقَ القرآن، لم تكن له طاعةٌ خاصَّة، وقد قال تعالى: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وقد تَناقَضَ مَن قال: إنَّه لا يقبل الحُكم الزائد على القرآن إلّا إن كان مُتَواتراً أو مشهوراً، فقد قالوا بتحريم المرأة على عَمَّتها وخالَتها، وتحريم ما يَجِرُم من النَّسَب بالرَّضَاعة، وخِيَار الشَّرط والشُّفعة والرَّهن في الحَضَر، وميراث الجدَّة، وتخيير الأَمَة إذا عَتَقَت، ومنع الحائض من الصوم والصلاة، ووجوب الكفّارة على مَن جامَعَ وهو صائم في رمضان، ووجوب إحداد المعتدَّة عن الوفاة، وتجويز الوضوء بنبيذِ التَّمر، وإيجاب الوِتر، وأنَّ أقلّ الصَّدَاق عَشَرة دراهم، وتوريث بنت(١) الابن السُّدُسَ مع البنت، واستِبراء المَسْبِيَّة بحَيضَةٍ، وأنَّ أعيان بني الأُمّ يَتَوارَثونَ، ولا يُقاد الوالِدُ بالولد، وأخذ الجِزية من المجُوس، وقَطعْ رِجل السّارق في الثّانية، وترك الاقتصاص من الجُرْح قبل الاندِمال، والنَّهي عن بَيع الكالِئ بالكالِئ، وغيرها ممَّا يَطُول شرحه، وهذه الأحاديث كلّها آحادٌ وبعضها ثابت وبعضها غير ثابت، ولكنَّهم قَسَّموها إلى ثلاثة أقسام، ولهم في ذلك تفاصيل يَطُول شرحها، ومحلّ بَسطِها أُصول الفقه، وبالله التَّوفيق. ٢ - باب بَعْثِ النبيِّ بَ ◌ّهِ الزُّبِيرَ طَلِيعةً وحدَه ٧٢٦١- حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا ابنُ المُنكَدِرِ، قال: سمعتُ جابرَ ابنَ عبدِ الله، قال: نَدَبَ النبيُّ وَ﴿ الناسَ يومَ الخندَقِ، فانتَدَبَ الزُّبَيرُ، ثمَّ نَدَبَهم فانتَدَبَ الزُّبَيرُ، ثُمَّ نَدَبَهم فانتَدَبَ الزُّبَيرُ، فقال: ((لكلِّ نبِيٍّ حَوَارِيٌّ، وحَوَارِيَّ الزُّبَيرُ)). (١) لفظ ((بنت)) سقط من الأصلين، وأثبتناه من (س) وهو الصواب الموافق لما في ((إعلام الموقعين)) لابن القيم ٢٢١/٢، والخبر عند البخاري برقم (٦٧٣٦) من حديث ابن مسعود. ٤٧١ باب ٢ / ح ٧٢٦١ كتاب أخبار الآحاد قال سفيانُ: حَفِظُهُ مِنِ ابنِ المُنكَدِرِ، وقال له أيوبُ: يا أبا بَكْرِ حَدِّثْهم عن جابرٍ، فإنَّ القومَ يُعجِبُهم أنْ تُحدِّثَهم عن جابرٍ، فقال في ذلك المجلِسِ: سمعتُ جابراً، فتتابَعَ بينَ أحاديثَ: سمعتُ جابراً. قلتُ لسفيانَ: فإنَّ الثَّوْرِيَّ يقولُ: يومَ قُرَيظةً؟ فقال: كذا حَفِظتُهُ، كما أنَّكَ جالسٌ: يومَ الخندَقِ. قال سفيانُ: هو يومٌ واحدٌ؛ وتَبسَّمَ سفيانُ. قوله: ((باب بَعْث النبيّ بَّهِ الزُّبَيرِ طَلِیعة وحدَه)) ذكر فيه حديث جابر، وهو الحديث الرَّابع عَشَرَ من إجازة خبر الواحد، وقد تقدَّم شرحه في كتاب الجهاد (٢٨٤٦). وقوله: ((حَفِظُه من ابن المُنكَدِر)) يعني محمَّداً ((وقال له أيوب)) يعني السَّختِیانيّ ((يا أبا بكر)) هي كُنية محمَّد بن المنكَدِر، ويُكنَى أيضاً أبا عبد الله، وله أخٌ آخر يقال له: أبو بكر بن المنگدِر اسمه گُنیته. وقوله: (نَذَبَ)) أي: دَعَا وطَلَبَ. وقوله: (انتَدَبَ)) أي: أجابَ فأسرَعَ. وقوله: ((فَتَتَابَعَ)) كذا لهم بمُثنّاتَين، وللكُشميهَنيّ: فتابَعَ، بتاءٍ واحدة. وقوله: ((بينَ أحاديث)) في رواية الكُشمِيهَنيّ: أربعة أحاديث. قوله: ((قلت لسُفْيَانَ)) يعني ابن عُبَينَةَ، والقائل: هو عليّ بن المَدِينِيّ، شيخُ البخاريِّ فيه. قوله: ((فإنَّ الثَّوْريّ يقول: يومَ قُرَيظة)) قلت: لم أرَه عندَ أحد ممَّن أخرجه من رواية سفيان الثَّوريّ عن محمَّد بن المنكَدِر بلفظ ((يومَ قُرَيظة)) إلّا عندَ ابن ماجَهْ (١٢٢)، فإنَّه أخرجه عن عليّ بن محمَّد عن وكيع كذلك، فلعلَّ ابنَ المَدِينِيِّ ◌َلَه عن وكيع فقال [ما قالَ]، وقد أخرجه البخاريّ في الجهاد (٢٨٤٦) عن أبي نُعَيم، وفي المغازي (٤١١٣) عن محمّد بن كثير، وأخرجه مسلم في المناقب (٢٤١٥)، وابن ماجَهْ من طريق وكيع، والتِّرمِذيّ (٣٧٤٥) من رواية أبي داود الحَفَريُّ، ومسلم أيضاً والنَّسائيُّ (ك٨٧٩٠) من رواية أبي أُسَامَة(١)، كلّهم (١) رواية أبي أسامة عند مسلم عن هشام بن عروة عن ابن المنكدر، وليس عن سفيان. ٤٧٢ باب ٣ / ح ٧٢٦٢ - ٧٢٦٣ فتح الباري بشرح البخاري ٢٤٠/١٣ عن سفيان/ الثَّوريّ بهذه القصَّة، فأمّا مسلم فلم يَسُق لفظه، بل أحالَ به على رواية سفيان بن عُبَينَةَ، وأمّا البخاريّ فقال في كلٌّ منهما: يوم الأحزاب، وكذا الباقونَ، ووَقَعَ في رواية هشام بن عُروَة عن ابن المنكَدِر عن جابر أنَّ النبيّ ◌َّه قال يوم الخندق: ((مَن يأتيني بِخَرِ بنِي قُرَيظة؟))(١) فلعلَّ هذا سببُ الوَهْم. ثُمَّ وَجَدتُ الإسماعيليَّ نبَّه على ذلك فقال: إنَّا طَلَبَ النبيُّ ◌َّهِ يومَ الخندق خبر بني قُرَيظة، ثمَّ ساقَ من طريق فُلَيح بن سليمان عن محمَّد بن المنكَدِر عن جابر قال: نَدَبَ رسولُ اللهِوَ ل﴿ يوم الخندق مَن يأتيه بخَتَرِ بني قُرَيظة، قال: فالحديث صحيح؛ يعني: تُحمَل رواية مَن قال: يوم قُرَيظة، أي: اليوم الذي أرادَ أن يَعلَم فيه خبَرَهم، لا اليوم الذي غَزَاهم فیه، وذلك مُراد سفيان بقولِه: إنَّه يوم واحد. قوله: ((قال سُفْيان)) هو ابن عُيَينَ ((هو يوم واحد)) يعني: يوم الخندق ويوم قُرَيظة، وهذا إنَّما يَصِحّ على إطلاق اليوم على الزّمان الذي يقع فيه الأمر الكبير، سواء قَلَّت أيامه أو كَثُرَت، كما يقال: يومُ الفَتح، ويُراد به الأيّام التي أقامَ فيها النبيّ ◌َّهِ بِمَّة لمَّا فَتَحَها، وكذا وقعة الخندق دامَت أَيّاماً، آخرها لمَّ انصَرَفَت الأحزاب ورَجَعَ النبيّ ◌َّ وأصحابه إلى منازِلهم، جاءَه جبريلُ عليه السلام بينَ الظُّهر والعصر، فأمَرَه بالخروج إلى بني قُرَيظة فخَرَجوا وقال: ((لا يُصَلّيَنَّ أحدٌ العصر إلّا في بني قُرَيظة)»، ثمَّ حاصَرَهم أيّاماً حتَّى نَزَلوا على حُكْم سعد بن معاذ، وقد تقدَّم جميع ذلك مُبيّناً في كتاب المغازي (٤١١٧- ٤١٢٤). ٣- باب قولِ الله: ﴿لَا نَدْ خُلُواْ بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٣] فإذا أذِنَ له واحدٌ، جازَ ٧٢٦٢ - حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، عن أبي عُثمانَ، عن أبي موسى: أنَّ النبيَّ ◌َّهَ دَخَلَ حائطاً، وأَمَرَني بحِفْظِ الباب، فجاءَ رجلٌ يَسْتَأْذِنُ، فقال: ((ائذَنْ له (١) أخرجها النسائي في ((الكبرى)) (٨٧٩١)، وابن حبان (٦٩٨٥). ٤٧٣ باب ٣ / ح ٧٢٦٢ - ٧٢٦٣ كتاب أخبار الآحاد وبَشِّرْه بالجِنَّةِ) فإذا أبو بَكْرٍ، ثمَّ جاءَ عمرُ، فقال: ((ائذَنْ له وبَشِّرْه بالجِنَّةِ))، ثمَّ جاءَ عُثمانُ، فقال: (ائذَنْ له وبَشِّرْه بالجنَّةِ)). ٧٢٦٣ - حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سليمانُ بنُ بلالٍ، عن يحيى، عن عُبَيْدِ بنِ حُنَينٍ، سَمِعَ ابنَ عبَّاسٍ، عن عمرَ رضي الله عنهم، قال: جِئْتُ فإذا رسولُ الله ◌َِّ فِي مَشْرُبةٍ له، وغلامٌ لرسولِ الله وَّ أْسوَدُ على رأسِ الدَّرَجةِ، فقلتُ: قُل: هذا عمرُ بنُّ الخطَّاب، فَأَذِنَ لي. قوله: ((باب قول الله: ﴿لَ نَدْ خُلُواْ ◌ُوتَ النَّبِيِّ إِلَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾)) كذا للجميع. قوله: ((فإذا أذِنَ له واحدٌ، جازَ)) وجه الاستدلال به أنَّه لم يُقِّده بعَدَدٍ، فصارَ الواحد من جملة ما يَصدُق عليه وجودُ الإذن، وهو مُتَّفَق على العمل به عند الجُمهور، حتَّى اكتَفَوْا فيه بخيرٍ مَن لم تَثْبُت عَدَالتُه لقيام القَرِينة فيه بالصِّدق. ثمَّ ذکر فیه حدیثین: أحدهما: حديث أبي موسى في استئذانه على النبيّ وَ يَ لمَّا كان في الحائط لأبي بكر ثمَّ لعمرَ ثمَّ لعثمانَ، وفي كلٍّ منهما قال: ((ائذَنْ له))، وهو الحديث الخامسَ عشرَ. والثاني: حديث عمر في قصَّة المَشرُبة، وفيه: فقلت - أي: للغلام الأسوَد -: قُلْ: هذا عمر بن الخطّاب، فأذِنَ لي؛ وهو طَرَفِّ من حديث طويل تقدَّم في تفسير سورة التَّحريم (٤٩١٣) وهو السّادسَ عشرَ، وأرادَ البخاريّ أنَّ صيغة ((يُؤْذَن لكم)) على البناء للمجهولِ تَصِحّ للواحدِ فما فوقَه، وأنَّ الحديث الصَّحيح بيَّن الاكتِفاءَ بالواحدِ على مُقتَضى ما تَناوَلَه لفظُ الآية، فيكون فیه حُجَّة لقَبُولِ خبر الواحد. وقد تقدَّم شرح حديث أبي موسى في/ المناقب (٣٦٧٤)، وتقدَّم شرح ما يَتَعلَّق بآية ٢٤١/١٣ الاستئذان مُستَوعَباً في تفسير سورة الأحزاب (٤٧٩٠ -٤٧٩٥). وقال ابن التِّين: قوله هنا في حديث أبي موسى: وأمَرَني بحِفظِ الباب؛ مُغاير لقولِه في الرِّواية الماضية (٧٠٩٧): ولم يَأْمُرني بحِفْظِهِ، فأحدهما وهمٌ. ٤٧٤ باب ٤ / ح ٧٢٦٤ -٧٢٦٥ فتح الباري بشرح البخاري قلت: بل هما جميعاً محفوظان، فالنَّفي كان في أوَّل ما جاءَ فدَخَلَ النبيُّ وَلّهِ الحائط فجَلَسَ أبو موسى في الباب، وقال: لَأكونَنَّ اليومَ بوَّابَ النبيّ ◌ََّ، فقوله: ولم يَأْمُرني بحِفظِهِ، كان في تلك الحالة، ثمَّ لمَّا جاءَ أبو بكر واستأذَنَ له، فأمَرَه أن يَأْذَن له، أمَرَه حينئذٍ بحفظِ الباب، تقريراً له على ما فَعَلَه ورِضاً به، إمّا تصريحاً فيكون الأمر له بذلك حقيقة، وإمّا لمجرَّدِ التَّقرير فيكون الأمر مجازاً، وعلى الاحتمالَينِ لا وهمَ، وقد تقدَّم له توجیه آخر في مناقب أبي بكر الصِّدّيق رضي الله تعالى عنه. ٤ - باب ما كان النبيُّ وَلِّ يَبعَثُ مِنَ الأُمراءِ والُّسُلِ واحداً بعدَ واحدٍ وقال ابنُ عبَّاسٍ: بَعَثَ النبيُّ ◌َّهَ دِحْيَةَ الكَلْبِيَّ بكتابِهِ إلى عظيمٍ بُصْرَى أنْ يَدْفَعَه إلى قَبْصَرَ. ٧٢٦٤- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثني اللَّثُ، عن يونُسَ، عن ابنِ شِهابٍ أَنَّه قال: أخبرني عُبَيدُ الله بنُ عبدِ الله بنِ عُتْبةَ، أَنَّ عبدَ الله بنَ عبَّاسٍ أخبَرَه: أنَّ رسولَ الله ◌َِّ بَعَثَ بكتابِه إلى كِسِرَى، فَأَمَرَه أنْ يَدْفَعَه إلى عظيمِ البحرَينِ، يَدْفَعُه عظيمُ البحرَينِ إلى كِسرَى، فلمّاً قرأَه كِسْرَى مَزَّقَه. فَحَسِبْتُ أنَّ ابنَ المسيّبِ قال: فَدَعَا عليهم رسولُ الله ◌ِوَّهِ أَنْ يُمَزَّقوا كلَّ ◌ُمُزَّقِ. ٧٢٦٥ - حذَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن يزيدَ بنِ أبي عُبَيَدٍ، حدَّثنا سَلَمَةُ بنُ الأَكْوَعِ: أنَّ رسولَ الله ◌َّ﴾ قال لرجلٍ مِن أسلَمَ: ((أَذِّنْ في قومِكَ - أو في الناسِ - يومَ عاشُوراءَ: أنَّ مَن أكَلَ فلْيُمَّ بقيَّةَ يومِهِ، ومَنْ لم يَكُنْ أَكَلَ فَلْيَهُمْ)). قوله: ((باب ما كان النبيّ ◌َّه يَبعَث من الأُمراء والرُّسُل واحداً بعد واحد)» تقدَّم بيانه في أوَّل هذه الأبواب مُجُمَلاً، وقد سَبَقَ إلى ذلك أيضاً الشافعيُّ فقال: بَعَثَ رسول الله بَلّ سراياه وعلى كلّ سَريَّة واحدٌ، وبَعَثَ رُسُلَه إلى الملوك إلى كلّ مَلِك واحدٌ، ولم تَزَل كُبُه تَنفُذ إلى وُلاته بالأمرِ والنَّهي، فلم يَكُن أحد من وُلاته يَترُك إنفاذ أمره، وكذا كان الخلفاء بعده، انتهى. ٤٧٥ باب ٤ / ح ٧٢٦٤ -٧٢٦٥ كتاب أخبار الآحاد فأمّا أُمراء السَّرايا، فقد استَوعَبَهم محمَّد بن سعد في التَّرجمة النبويَّة، وعَقَدَ لهم باباً سماهم فیه على التَّرتیب. وأمّا أُمراء البلاد التي فُتِحَت، فإنَّه وَّهِ أَمَّرَ على مكَّة عَتّاب بن أَسِيدٍ، وعلى الطّائف عثمان بن أبي العاص، وعلى البحرَينِ العلاء بن الحَضرَميّ، وعلى عُمان عَمَرَو بن العاص، وعلى نَجْران أبا سفيان بن حَرْب، وأمَّرَ على صنعاءَ وسائر جبال اليمن باذانَ، ثمَّ ابنه شَهْر وفَيروز والمهاجِر بن أبي أُميَّة وأبان بن سعيد بن العاص، وأمََّ على السَّواحل أبا موسى، وعلى الجَنَد وما معها معاذ بن جبل، وكانَ كلَّ منهما يقضي في عمله ويسير فيه، وكانا ربّما التَّقَيا كما تقدَّم (٧١٧٢)، وأمَّرَ أيضاً عمرو بن سعيد بن العاص على وادي القُرَى، ويزيد ابن أبي سفيان على تَيْماء، وتُمامة بن أُثَال على اليمامة. فأمّا أُمراء السَّرايا والبُعوث فكانت إمرَتُهم تَنْتَهي بانتِهاءِ تلك الغَزْوة. وأمّا أُمراء القُرَى فإنَّهم استَمُرُّوا فيها، ومن أُمرائِه أبو بكر على الحجّ سنة تسع، وعليٌّ لِقِسمَة الغَنيمة وإفراز (١) الخُمُس باليمن، وقراءة سورة/ براءَة على المشركينَ في حَجَّة أبي بكر، ٢٤٢/١٣ وأبو عُبَيدَة لقَبضِ الجِزية من البحرين، وعبد الله بن رَوَاحةَ لخَرْصٍ خَيْبِرَ إلى أن استُشهِدَ في غَزْوة مُؤتَّة، ومنهم عُمَاله لقبضِ الزَّكَوات، كما تقدَّم قريباً في قصَّة ابن اللَّتبيَّة (٧١٧٤ و٧١٩٧). وأمّا رسلُه إلى الملوك فسَمَّى منهم دِحيةَ وعبد الله بن حُذَافَة، وهما في هذه التَّرجمة. وأخرج مسلم (١٧٧٤): أنَّ النبيّ وَّهَ بَعَثَ رُسُلَه إلى الملوك، يعني الذينَ كانوا في عَصْره. قلت: قد استَوعَبَهم محمَّد بن سعد أيضاً، وأفرَدَهم بعض المتأخِّرينَ في جزء تَتَبَّعَهم من ((أُسد الغابة)) لابن الأثير. ثُمَّ ذکر فیه ثلاثة أحادیث: الأَوَّل: قوله: ((وقال ابن عبّاس: بَعَثَ النبيّ وََّ دِحْيَةَ الكَلْبِيّ بكتابِهِ إلى عظيم بُصْرَى أنْ يَدْفَعه إلى قَيْصَر)) هو طَرَف من الحديث الطَّويل المذكور في بَدْء الوحي (٧)، وتقدَّم شرحه (١) تحرف في (ع) إلى: وافار، وفي (س): وافراد، بالدال المهملة. ٤٧٦ باب ٤ / ح ٧٢٦٤ -٧٢٦٥ فتح الباري بشرح البخاري هناك، وتَسمِيَتَه عظيمَ بُصرَى، وكيفيَّة إرساله الكتاب المذكور إلى هِرَقل. وهذا التَّعليق ثَبَتَ في رواية الكُشمِیھنيِّ وحدَه هنا. الحديث الثاني: قوله: ((يونس)) هو ابن يزيد الأَيليُّ. قوله: ((بَعَثَ بكتابِه إلى كِسَرَى، فَأَمَرَه أنْ يَدْفَعه إلى عظيم البحرَينِ)) كذا هنا، والضَّمير في قوله: ((فأمَرَه)» للمبعوثِ الذي دلَّ عليه قوله: (بَعَثَ))، وقد تقدَّم في أواخر المغازي (٤٤٢٤)، وأنَّ الرَّسول عبدُ الله بن حُذَافَة السَّهْمَيّ الذي تقدَّمَت قِصَّته قريباً في السَّريَّة (٧٢٥٧). وقوله: ((فحَسِبتُ أنَّ ابن المسيّب)) القائل: هو ابن شِهاب كما تقدَّم بيانه هناك. قوله: ((أَنْ يُمَزَّقوا كلَّ مُمَّق) فيه تلميح بما أخبَرَ الله تعالى أنَّه فعل بأهلِ سَبَا، وأجابَ الله تعالى هذه الدَّعوَة، فسَلَّطَ شِيرويه على والده كِسرَى أبرويز الذي مَزَّقَ الكتاب فقَتَلَه، ومَلَكَ بعده فلم يبقَ إلّا يسيراً حتَّى مات، والقصَّة مشهورة. تنبيه: وَقَعَ للَّركَثِيِّ هنا خَبْطِ، فإِنَّه قال: عن ابن عبّاس: أنَّ رسول الله وَّهِ بَعَثَ بكتابِه إلى كِسْرَى، كذا وَقَعَ في الأُمَّهات، ولم يَذْكُر فيه دِحيةَ بعد قوله: (بَعَثَ))، والصَّواب إثباته، وقد ذكره في رواية الكُشمِيهَنيِّ تعليقاً فقال: قال ابن عبّاس: بَعَثَ النبيّ وَّ دِحيةَ بكتابِه إلى عظيم بُصرَى، وأن يَدِفَعه إلى قَصَر، وهو الصَّواب. انتهى، وكأنَّه تَوهَّمَ أنَّ القِصَّتَینِ واحدة، وحَمَلَه على ذلك گونُهما من رواية ابن عبّاس. والحقّ أنَّ المبعوث لعظيم بُصرَى هو دِحية، والمبعوث لعظيمِ البحرَينِ وإن لم يُسمَّ في هذه الرِّواية فقد سُمّيَ في غيرها وهو عبد الله بن حُذَافَة، ولو لم يَكُن في الدَّليل على المغايرة بينَهما إلّا بُعدُ ما بينَ بُصرَى والبحرين، فإنَّ بينهما نحو شهر، وبُصرَى كانت في مملكة هِرَقل مَلِك الرّومِ، والبحرَينِ كانت في مملكة كِسِرَى مَلِك الفُرس، وإنَّما نَبَّهتُ على ذلك مع وُضوحه خشيةَ أن يَغتَرّ به من ليس له اطّلاع على ذلك. الحديث الثالث: حديث سَلَمةَ بن الأكوع في صيام يوم عاشوراء، وقد تقدَّم شرحه في كتاب الصيام (١٩٢٤). ٤٧٧ باب ٥ / ح ٧٢٦٦ كتاب أخبار الآحاد ويحيى المذكور في السَّند: هو ابن سعيد القَطّان، والرجل من أسلَم: هو هِندُ بن أسماء ابن حارثة كما تقدَّم، والله أعلم. ٥- باب وَصَاةِ النبيِّ ◌َّه وفودَ العربِ أن يُبلِّغوا مَن وراءَهم قاله مالكُ بنُ الحُوَیْرِثِ. ٧٢٦٦- حدَّثنا عليُّ بنُ الجَعْدِ، أخبرنا شُعْبةُ. وحدَّثني إسحاقُ، أخبرنا النَّضْرُ، أخبرنا شُعْبَةُ، عن أبي جَمْرةَ، قال: كان ابنُ عبَّاسٍ يُفْعِدُني على سَرِيرِه، فقال: إنَّ وَفْدَ عبدِ القيسِ لمَّا أتَوْا رسولَ الله وَّرِ قال: «مَنِ الوَفْدُ؟» قالوا: رَبيعةُ، قال: «مَرْحباً بالوَفْدِ والقومِ، غيرَ خَزَايا ولا نَدَامَى)) قالوا: يا رسولَ الله، إنَّ بيننا وبينَكَ كَفَّارَ مُضَرَ، فمُرْنا بِأَمْرِ نَدْخُلُ به الجنَّةَ، ونُخْبِرُ به مَن وراءَنا، فسَأَلوا عن الأشربةِ فتَهاهم عن أربَعِ، وأَمَرَهم بأَربَع، أمَرَهم بالإيمانِ بالله، قال: ((هَلْ تَدْرونَ ما الإيمانُ بالله؟)) قالوا: الله ورسوله أعلمُ، قال: «شَهادةُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا ٢٤٣/١٣ شَرِيكَ له، وأَنَّ محمَّداً رسولُ الله، وإقامُ الصلاةِ وإيتاءُ الزَّكاةِ - وَأَظُنُّ فيه صيامُ رمضانَ - وَتُؤْتوا مِنَ المَغانمِ الخُمُسَ)) ونَهاهم عن الُّاءِ، والحَنتَم، والمُزَقَّتِ، والنَّقِيرِ - ورُبَّما قال: المُفْيَّرِ - قال: ((احفَظوهُنَّ، وأَبلِغوهُنَّ مَن وَراءَكم)). قوله: (باب وَصَاة النبيّ وَّ وفودَ العرب أنْ يُبلِّغُوا مَن وراءَهم)) الوَصاة بالقَصرِ بمعنى الوَصَّة، والواو مفتوحة ويجوز كسرها، وقد تقدَّم بيانُ ذلك في أوائل كتاب الوصايا (٢٧٣٨). وذکر فیه حدیثین: أحدهما: قوله: ((قاله مالك بن الحوَيْرِثِ)) يشير إلى حديثه المذكور قريباً أوَّل هذه الأبواب (٧٢٤٦). الثاني: قوله: ((وحَدَّثَني إسحاق)) هو ابن راهويه، كذا ثَبَتَ في رواية أبي ذَرّ، فأغنى عن تَرَدُّد الكِرمانيّ: هل هو إسحاق بن منصور أو ابن إبراهيم، والنَّضر: هو ابن شُمَيلٍ، وأبو جَمْرةَ بالجیم. ٤٧٨ باب ٦ / ح ٧٢٦٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((كانَ ابن عبّاس يُقْعِدني على سريره)) قد تقدَّم السَّبَب في ذلك في باب («تُرجُمان الحاكم)) (٧١٩٥)، وأنَّه كان يُتَرجِم بينَه وبينَ الناس لّا يَستَفتونَه، ووَقَعَ في رواية إسحاق ابن راهويه في «مُسنَده)): أخبرنا النَّضر بن شُمَيلِ وعبد الله بن إدريس قالا: حَدَّثَنَا شُعْبةُ، فذكره، وفيه: يُحِلِسني معه على السَّرير فأُتْرِجِمُ بينَه وبينَ الناس. قوله: ((إنَّ وَفْد عبد القيس)) تقدَّم شرح قِصَّتهم في كتاب الإيمان (٥٣)، ثمَّ في كتاب الأشربة(١)، والغرض منه قوله في آخره: ((احفَظوهُنَّ وأبلغوهُنَّ مَن وراءَكم)) فإنَّ الأمر بذلك يَتَنَاوَل كلَّ فرد، فلولا أنَّ الحُجَّة تقوم بتبليغ الواحد ما حَضَّهم علیه. ٦ - باب خَيَرِ المرأةِ الواحدة ٧٢٦٧- حدَّثنا محمَّدُ بنُ الوليدِ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ جعفرٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن تَوْبةَ العَنْبِيِّ، قال: قال ليَ الشَّعْبِيُّ: أرَأَيَتَ حديثَ الحسنِ عن النبيِّ وَغَ؟! وقاعَدْتُ ابنَ عمرَ قريباً مِن سنتَينٍ أو سَنةٍ ونِصْفٍ، فلم أسمَعْه يُحدِّثُ عن النبيِّ ◌َ﴿ِ غيرَ هذا، قال: كان ناسٌ مِن أصحاب النبيِّ ◌َ﴿ فيهم سَعْدٌ، فذهبوا يَأْكُلونَ مِن لحم، فنادَتْهم امرأةٌ مِن بعضِ أزواجِ النبيِّ وَّ: إِنَّه لحمُ ضَبِّ، فَأَمْسَكوا، فقال رسولُ اللهِوَّهِ: ((كُلُوا - أوِ اطْعَموا - فإِنَّه حلالٌ)) أو قال: ((لا بَأْسَ به - شَكَّ فيه - ولكنَّه ليس مِن طَعامِي)). قوله: ((باب خبر المرأة الواحدة)) ذكر فيه حديث ابن عُمَر، وبه وبما في البابَينِ قبلَه تَكمُل الأحاديث اثنَينِ وعِشرينَ حديثاً. قوله: ((عن تَوْبةَ)) بمُثنّاةٍ مفتوحة وسكون الواو بعدَها موحّدة: هو ابن کَیْسانَ، يُكنَی أبا المورِّع، بتشديد الرَّاء والإهمال، والعَنبَريّ بفتح المهملة والموخَّدة بينَهما نون ساكنة: نِسبةً إلى بني العَنْبَرَ، بطْن شهير من بني تميم. قوله: ((أَرَأَيتَ حديث الحسن)) أي: البَصْريّ، والرُّؤيا هنا بصَريَّة، والاستفهام للإنكار، كان الشَّعْبيّ يُنكِرِ على مَن يُرسِل الأحاديث عن رسول الله وَّةِ، إشارةً إلى أنَّ الحامل (١) في شرحه على ((باب ترخيص النبي وسير في الأوعية والظروف بعد النهي)) عند الحديث (٥٥٩٢). ٤٧٩ باب ٦ / ح ٧٢٦٧ كتاب أخبار الآحاد الفاعلِ ذلك طلبُ الإكثار من التَّحديث عنه، وإلّا لكانَ يَكتَفي بما سَمِعَه موصولاً، وقال الكِرمانيُّ: مُراد الشَّعْبيّ أنَّ الحسن مع كَونِه تابعيّاً، كان يُكثِرِ الحديث عن النبيّ ◌َّ، وابن عمر مع كَونِه صحابيّاً يحتاط، ويُقِلّ من ذلك مَهْما أمكنَ. قلت: وكأنَّ ابن عمر اتَّبَعَ رأيَ أبيهِ في ذلك، فإنَّه كان يَحْضّ على قِلَّة التَّحديث عن النبيّ ◌َّ لوجهَينِ: ٢٤٤/١٣ أحدُهما: خَشْية الاشتغال عن تَعلُّم القرآن/ وتَفُّم معانیه. والثّاني: خَشْية أن يُحدَّث عنه بما لم يَقُله، لأنَّهم لم يكونوا يَكتُبُونَ، فإذا طالَ العَهدُ لم يُؤمَن النِّسیان. وقد أخرج سعيد بن منصور بسَنَدٍ آخَر صحيح عن الشَّعْبيّ عن قَرَظَة بن كَعْب عن عمر قال: أقِلَّوا الحديث عن النبيّ وَّه وأنا شَرِيككم. وتقدَّم شيء ممّا يَتَعلَّق بهذا في كتاب العِلم (١١٣). وقوله: ((وقاعدَتُ ابنَ عمر)) الجملة حاليَّة، والمراد أنَّه جَلَسَ معه المدَّةَ المذكورة. وقوله: ((قريباً من سنتينٍ، أو سنةٍ ونصفٍ)) ووَقَعَ عند ابن ماجَهْ (٢٦) من طريق عبد الله ابن أبي السَّفَر عن الشَّعْبِيّ قال: جالَستُ ابن عمر سنة؛ فيُجمَع بأنَّ مُدَّة مُجُالَسَته كانت سنة وكَسراً، فألغَى الكسَر تارَةً وجَبَرَه أُخرى، وكانَ الشَّعْبِيّ جاوَرَ بالمدينةِ أو بمكَّةَ، وإلّا فهو كوفيّ، وابنُ عمر لم تكن له إقامة بالكوفة. قوله: ((فلم أسمَعْه يُحدِّث عن النبيّ وََّ غيرَ هذا)) أشارَ إلى الحديث الذي يريد أن يَذكُرُه، وكأنَّه استَحضَرَه بذِهْنِه إذ ذاكَ. قوله: ((كانَ ناسٌّ من أصحاب النبيّ ◌َّهِ فِيهم سَعْد، فذهبوا يَأْكُلونَ من لحم)) هكذا أورَدَ القصَّة مُختصَرة، وأورَدَها في الذَّبائح مُبَيَّنة، وتقدَّم لفظه هناك (٥٥٣٧)، وعندَ الإسماعيليّ من طريق معاذ عن شُعْبة: فأَتُوا بلحمِ ضَبٍّ. قوله: ((فنادَتْهم امرأة من بعض أزواج النبيّ وَّ)) هي ميمونةُ، وقد تقدَّم بيانه في كتاب الأطعمة (٥٣٩١). ٤٨٠ باب ٦ / ح ٧٢٦٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله: (فإنَّه حلال، أو قال: لا بأسَ به، شَكَّ فيه)) هو قول شُعْبة، والذي شَكَّ في أيّ اللَّفظَينِ قال، هو تَوْبة الرَّاوي عن ابن عمر، بيَّن ذلك محمَّد بن جعفر في روايته عن شُعْبة، أخرجه أحمد في «مُسنَده)) (٥٥٦٥) عنه، وقد تقدَّم الكلام على لحم الضَّبّ في كتاب الصَّيد والذَّبائح (٥٥٣٦) مُستَوفَّى في رواية عبد الله بن دينار عن ابن عمر في الضَّبّ: ((لا أُحِلّه ولا أُحَرِّمه))، وأَّها لا تُخالِف قوله هنا: ((فإنَّه حلال، ولكنَّه ليس من طعامي)) أي: ليس من المألوف له، فلذلك تَرَكَ أكلَه لا لكَونِه حَراماً. خاتمة: اشتَمَلَ كتاب الأحكام وما بعده من الثَّمنّي وإجازة خبر الواحد من الأحاديث المرفوعة على مئة حديث وثلاثة وستّينَ حديثاً، المعلَّق منها وما في حُكْمه سبعة وثلاثونَ طريقاً، وسائرها موصول، المكرَّر منه فيه وفيما مضى مئة حديث وتسعة وأربعون حديثاً، والخالِص أربعةَ عَشَرَ حديثاً، شارَكَه مسلم في تخريجها سوى حديث أبي هريرةَ: ((إنَّكم ستَحْرِصونَ))، وحديث أبي أيوب في البِطانَة، وحديث أبي هريرةَ فيها، وحديث ابن عمر في بيعة عبد الملك، وحديث عمر في بيعة أبي بكر الثّانية، وحديث أبي بكر في قصَّة وفد بُزاخَةَ. وفي الثَّمنّي سبعة وعشرونَ حديثاً، كلّها مُكرَّرَة، منها ستَّة طرق مُعلَّقة، وفي خبر الواحد اثنان وعشرونَ حديثاً، كلّها مُكرَّرَة، منها طريق واحد مُعلَّق. وفيه من الآثار عن الصَّحابة فمَن بعدَهم ثمانية وخمسونَ أثراً، والله سبحانه وتعالى أعلم. تم بحمد الله وتوفيقه الجزء الثالث والعشرون من ((فتح الباري)» ويليه الجزء الرابع والعشرون وأوله: كتاب الاعتصام