النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤١ باب ٨ / ح ٧٢٣٧ كتاب التمنّي من التَّرجمة أنَّ هذه الصِّيغة إذا عُلِّق بها القول الحقّ لم يمنع، بخلاف ما لو عُلِّق بها ما ليس بحَقٍّ، كمَن يَفعَل شيئاً فيَقَع في محذور فيقول: لولا فَعَلتَ كذا ما كان كذا، فلو حَقَّقَ لَعِلمَ أنَّ الذي قَدَّرَه الله لا بدَّ من وقوعه، سواءٌ فعل أم تَرَكَ، فقولها واعتقاد معناها يُفضي إلى التَّكذيب بالقَدَر. ٨- باب كراهية تَنِّي لقاءِ العدوِّ ورواه الأَعَرَجُ، عن أبي هُرَيرةَ، عن النبيِّ آلّ. ٧٢٣٧- حذَّثني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حذَّثنا معاويةُ بنُ عَمرو، حدّثنا أبو إسحاق، عن موسى ابنِ عُقْبَةَ، عن سالم/ أبي النَّضْرِ مولى عمرَ بنِ عُبَیدِ الله، وكانَ كاتباً له، قال: گَتَبَ إلیه عبدُ الله بنُ ٢٢٤/١٣ أبي أَوْفَى فقرأْتُّه، فإذا فيه: أَنَّ رسولَ اللهَِّ قال: ((لا تَتَمِنَّوْا لقاءَ العدوِّ، وسَلُوا الله العافيةَ)). قوله: ((باب كراهية تَمنّي لقاء العدوّ)) تقدَّم في أواخر الجهاد (٣٠٢٤) «باب لا تَتَمنَّوا لقاء العدوّ))، وتقدَّم هناك توجيهُه مع جواز تَمِنِّي الشَّهادة، وطريقُ الجمع بينَهما، لأنَّ ظاهر هما التَّعَارُض، لأَنَّ تَمَنّي الشَّهادة محبوب، فكيف يُنْهَى عن تَمنّي لقاء العدوّ وهو يُفضي إلى المحبوب؟ وحاصل الجواب: أنَّ حصول الشَّهادة أخَصُّ من اللِّقاء، لإمكان تحصيل الشَّهادة مع نُصْرة الإسلام ودوام عِزّه بكسرة الكفّار، واللِّقاء قد يُفضي إلى عكس ذلك فنَهَى عن تَمَنِّيه ولا يُنافي ذلك تَمنّي الشَّهادة، أو لعلَّ الكراهية مُختَصَّة بمَن يَثِقُ بقوَّتِه ويُعجَب بنفسِهِ ونحو ذلك. قوله: ((ورواه الأعرج عن أبي هريرةَ)) عَلَّقَه في الجهاد (٣٠٢٦) لأبي عامر - وهو العَقَديّ - عن مُغِيرة بن عبد الرَّحمن عن أبي الزِّناد عن الأعرَج، وقد ذكرتُ هناك مَن وَصَلَه ثمَّ ذَكَر حديث عبد الله بن أبي أوفَى موصولاً مُختصَراً، وتقدَّم هناك موصولاً تاماً في كتاب الجهاد. ٩ - باب ما يجوزُ منَ اللَّو وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّلِبِكُمْ قُوَّةً ﴾ [هود: ٨٠]. قوله: ((باب ما يجوز من اللَّو)) قال القاضي عياض: يريد ما يجوز من قول الرَّاضي بقضاءِ الله: لو كان كذا لكانَ كذا، فأدخَلَ على ((لو)) الألفَ واللّام التي للعهد، وذلك غير جائز عند ٤٤٢ باب ٩ فتح الباري بشرح البخاري أهل العربيَّة، لأنَّ ((لو)) حرفٌ، وهما لا يَدخُلان على الحروف، وكذا وَقَعَ عند بعض رواة مسلم: ((إيّاكَ واللَّوَّ، فإنَّ اللَّو من الشَّيطان))(١)، والمحفوظ: ((إيّاكَ ولو فإنَّ لو))، بغيرِ ألف ولام فيهما، قال: ووَقَعَ لبعضِ الشَّعراء تشديد واو ((لو)) وذلك لضَرُورَة الشِّعر، انتهى. وقال صاحب ((المطالع)): لمَّا أقامَها مقامَ الاسم صَرَفَها فصارت عنده كالنَّدَم والتَّمنّي، وقال صاحب ((النّهاية)): الأصل ((لوْ)) ساكنة الواو، وهي حرف من حُروف المعاني، يَمْتَنِعِ بها الشيءُ لامتناع غيره غالباً، فلمَّا سُمّيَ بها زِيدَ فيها، فلمَّا أرادَ إعرابها أتى ٢٢٦/١٣ فيها / بالتَّعريفِ ليكونَ علامة لذلك، ومن ثَمَّ شَدَّدَ الواو، وقد سُمِعَ بالتَّشديدِ مُنوَّناً، قال الشّاعر: أُلامُ على لَوِّ ولو كنتُ عالماً بأدبار لَوِّ لم تَفُتني أوائِلُهْ وقال آخَر (٢): لَيتَ شِعري وأينَ مِنِّي لَيتُ إِنَّ لَيتاً وإنَّ لَوّاً عَناءُ وقال آخر: حاوَلتُ لَوّاً فقلتُ لها إنَّ لَوّاً ذاكَ أعيانا وقال ابن مالك: إذا نُسِبَ إلى حرف أو غيره حُكْمٌ هو للفظِهِ دونَ معناه، جازَ أن يُحكَى وجازَ أن يُعرَب بما يَقْتَضيه العامل، وإن كانت على حَرفَينِ ثانيهما حرف لِين وجُعِلَت اسماً ضُعِّفَ ثانيهما، فمن ثَمَّ قيل في (لو)): لَوّ، وفي ((في)): فيّ، وقال ابن مالك أيضاً: الأداة التي حُكِمَ لها بالاسميَّةِ في هذا الاستعمال إن أُوِّلَت بكَلِمَةٍ مُنِعَ صَرفها، إلّا إن كانت ثلاثيّة ساكنة الوَسَط فيجوز صَرفُها، وإن أوِّلَت بلفظٍ، صُرِفَت قولاً واحداً. (١) الذي في ((صحيح مسلم)) (٢٦٦٤) بلفظ: ((لا تقل: لو أني فعلتُ كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان))، واللفظ المذكور سيأتي تخريجه للحافظ بعد صفحات. (٢) هو أبو زبيدٍ الطائي كما في ((الكتاب)) لسيبويه ٢٦١/٣، و((خزانة الأدب)) للبغدادي ٣٢١/٧. والبيتان الآخران غیر منسوبین. ٤٤٣ باب ٩ كتاب التمنّي قلت: ووَقَعَ في بعض النُّسَخ المعتمَدَة من رواية أبي ذَرّ عن مشايخِه: ما يجوز من أنْ لو، فجعلَ أصلها ((أن لو)) بهمزةٍ مفتوحة بعدَها نون ساكنة ثمَّ حرف ((لو)) فأُدْغِمَت النُّون في اللّام وسُهِّلَت همزة ((أن)) فصارت تُشبِه أداة التَّعريف. وذكر الكِرمانيُّ أنَّ في بعض النُّسَخِ: ما يجوز من لَوْ، بغيرِ ألف ولام ولا تشديد على الأصل، والتَّقدير: ما يجوز من قول: لو، ثمَّ رأيته في ((شرح ابن التِّين)) كذلك، فلعلَّه من إصلاح بعض الرُّواة لكَونِه لم يَعِرِف وجهه، وإلّا فالنُّسَخ المعتمَدَة من ((الصَّحيح)) وشُروحه مُتَوارِدَة على الأوَّل. وقال السُّبْكيُّ الكبير: (لو)) إنَّما لا تَدخُلها الألف ولا اللّام إذا بَقِيَت على الحرفيَّة، أمّا إذا سُمّيَ بها فهي من جملة الحروف التي سُمِعَت التَّسمية بها من حُروف الهِجاء وحُروف المعاني، ومن شواهده قوله: وقِدْماً أهلَكَتْه لَوِّ كثيراً وقبلَ اليوم عالَجَها قُدَارُ فأضافَ إليها واواً أُخرى وأدغَمَها وجعلها فاعلاً، وحكى سيبويه أنَّ بعض العرب يَهَمِز لَوّاً، أي: سواء كانت باقية على حَرفَّتها أو سُمَّ بها. وأمّا حديث: ((إيّاكَ ولو، فإنَّ لو تَفْتَح عمل الشَّيطان)) فلا يَلزَم من جَعلِها اسم ((إنّ» أن تكون خَرَجَت عن الحرفيَّة، بل هو إخبار لفظيّ يقع في الاسم والفعل والحرف، كقولهم: حرف عن ثُنائيّ، وحرف إلى ثُلاثيّ، هو إخبار عن اللَّفظ على سبيل الحكاية، وأمّا إذا أُضيفَ إليها الألف واللام، فإنَّها تصير اسماً، أو تكون إخباراً عن المعنى المسمَّى بذلك اللَّفظ. قال ابن بَطّال: (لو)) تَدُلّ عند العرب على امتناع الشيء لامتناع غيره، تقول: لو جاءَفي زيد لَأْكِرَمتُك، معناه: إنّي امتَنَعت من إكرامك لامتناع مَجَيء زيد، وعلى هذا جَرَى أكثر المتقدِّمينَ. وقال سِيبويه: لو حرفٌ لما كان سيقعُ لوقوع غيره، أي: يَقْتَضي فعلاً ماضياً كان يُتْوَقَّع ثُبُوتُه لِتُبُوتِ غيره، فلم يقع وإنَّما عَبَّرَ بقولِه: لما كان سيقعُ، دونَ قوله: لما لم يقع، مع أنَّه أخصَر، لأنَّ ((كانَ)) للماضي و ((لو)) للامتناع و ((لما)) للوجوبِ و ((السّين)) للتوقُّع. ٤٤٤ باب ٩ فتح الباري بشرح البخاري وقال بعضهم: هي لمجرَّدِ الرَّبط في الماضي مِثل ((إنْ)) في المستقبل، وقد تجيء بمعنى إنْ الشَّرطيَّة نحو: ﴿ وَلَأَمَّةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١] أي: وإن أعجَبَتكم، وتَرِدُ للَّقليل، نحو: ((التَمِسْ ولو خاتَماً من حديد))(١)، قاله صاحب ((المطالِع)) وتَبِعَه ابن هشام الخَضْراويّ، ومثل: ((فاتَّقوا النار ولو بشِقٌّ تمرة))(٢)، وتَبِعَه ابن السَّمعانيّ في ((القَواطِعِ)) ومَثَّلَ بقولِه: ((ولو بظِلْفٍ مُرَّق))(٣) وهو أبلَغُ في النَّقليل، وتَرِد للعَرضِ نحو: لو تَنزِلُ عندَنا فتُصيبَ خيراً، وللحَضِّ نحو: لو فعلتَ كذا، بمعنى: افعلْ، والأوَّل طلب بأدَبِ ٢٢٧/١٣ ولين، والثّاني طلب / بقوّةٍ وشِدَّة. وذكر ابن التِّين عن الدَّاووديِّ أنَّها تأتي بمعنى: هَلّا، ومَثَّل بقوله: ﴿لَوْ شِئْتَ لَنَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧]، وتُعقّبَ بأنَّه تفسير معنى لأنَّ اللَّفظ لا يساعده، وتأتي بمعنى الثَّمنّي، نحو ﴿فَلَوْ أَنَّ لَا كَرَّةً﴾ [الشعراء: ١٠٢] أي: فَلَيتَ لنا، ولهذا نُصِبَ ﴿فَتَكُونَ﴾ في جوابها كما انتَصَبَ ﴿فَأَقُوزَ﴾ [النساء: ٧٣] في جواب لَيتَ(٤)، واختَلَفوا هل هي الامتناعيَّة أُشِرِبَت معنى التَّمنّي أو المصدَريَّة أو قِسمٌ بَرَأْسِه، رَجَّحَ الأخير ابنُ مالك، ولا يُعِّر عليه وُرُودُها مع فعل الثَّمنّي، لأنَّ مَحَلّ مَجيئها للتَّمنّي أن لا يَصحَبَها فعل الثَّمنّي. قال القاضي شِهاب الدّين الخُوَيِّي(٥): لو الشَّرطيَّة لتعليق الثّاني بالأوَّلِ في الماضي فتَدُلّ على انتِفاء الأوَّل، إذ لو كان ثابتاً لَلَزِمَ ثبوتُ الثّاني لأنَّها لُبُوت الثّاني على تقدير الأوَّل، فمَتَى كان الأوَّل لازِماً للثّاني، دَلَّت على امتناع الثّاني لامتناع الأوَّل ضَرُورةَ انِتِفاء الملزوم عند انتفاء اللازم(٦)، وإن لم يَكُن الأوَّل لازِماً للثّاني لم يَدُلّ إلّا على مُجرَّد الشَّرط. (١) سلف برقم (٥١٣٥). (٢) سلف برقم (١٤١٣). (٣) أخرجه أحمد (١٦٦٤٨) وغيره من حديث ابن بُجَيْد عن جدَّته مرفوعاً: «رُدُّوا السائل ولو بظلفٍ محترق أو مُحرَّق»، وإسناده حسن. (٤) ونص الآية: ﴿وَلَبِنْ أَصَبَّكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ لَّمْ تَكُنُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَلَيَّتَنِ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾. (٥) تصحف في (س) إلى: الخوبي، بالباء الموحدة، وقد سلف ذِكرُه وترجمته في ج١/ ٢٢. (٦) قوله: ((عند انتفاء اللازم)) سقط من (س). ٤٤٥ باب ٩ كتاب التمنّي وقال التَّفتازانيّ: قد تُستَعمَل للدّلالةِ على أنَّ الجزاء لازِمُ الوجود دائماً في قَصْد المتكلِّم، وذلك إذا كان الشَّرط ممّا يُستَبَعَد استلزامه لذلك الجزاء، ويكون نقيض ذلك الشَّرط المثبت أَولى باستِلزامهِ ذلك الجزاء، فيَلزَم وجودُ استمرار الجزاء على تقدير وجود الشَّرط وعدمه، نحو: لو لم تكن تُكرِمني لأثنيتُ عليك، فإذا ادَّعَى لُزومَ وجود الجزاء لهذا الشَّرط مع استبعاد لُزومه له، فوجوده عند عَدَم هذا الشَّرط بالطَّريق الأَولى، انتهى. ومن أمثلة ذلك الشِّعريّة قول المَعَرِّيّ: لو اختَصَرتُم من الإحسان زُرْتُّكُم ... البيتَ فإنَّ الإحسان يَستَدعي استدامةَ الزيارة لا تركها، لكنَّه أرادَ المبالَغة في وصف الممدوح بالكرم، ووصف نفسه بالعجز عن شُكْره. قوله: ((وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ لِ بِكُمْ قُوَّةً ﴾)) قال ابن بَطّال: جواب (لو)) محذوف كأنَّه قال: لحلتُ بينكم وبينَ ما جِئْتُم له من الفساد، قال: وحَذفُه أبلَغ لأنَّه يَحَصُر بالنَّفي ضُروب المنع، وإنَّما أرادَ لوط عليه السلام العُدَّة من الرِّجال، وإلّا فهو يَعلَم أنَّ له من الله رُكناً شديداً، ولكنَّ جَرَى على الحُكم الظّاهر. قال: وتَضَمَّنَت الآية البيانَ عمَّا يُوجِبه حال المؤمن إذا رأى مُنكَراً لا يَقدِر على إزالته، أَنَّه يَتَحسَّر على فَقْد المُعِين على دَفْعه، ويَتَمنَّى وجوده حرصاً على طاعة ربّه، وجَزَعاً من استمرار معصيته، ومن ثَمَّ وَجَبَ أن يُنكِرِ بلسانه ثمَّ بقلبِه إذا لم يُطِق الدَّفع، انتهى. والحديث الذي ذكره السُّبْكيُّ هو الذي رَمَزَ إليه البخاريّ بقولِه: ما يجوز من اللَّو، فإنَّ فيه إشارة إلى أنَّها في الأصل لا تجوز إلّا ما استُثني، وهو مُخرَّج عند النَّسائيِّ (ك١٠٣٨٢) وابن ماجَهْ (٤١٦٨) والطَّحَاويِّ(١) من طريق محمَّد بن عَجْلان عن الأعرج عن أبي هريرةَ يَبلُغ به النَّبِيّ ◌َ يّه قال: ((المؤمِن القويّ خير وأحَبّ إلى الله من المؤمِن الضَّعيف، وفي كلٌّ خير، احِرِصْ على ما يَنفَعُك ولا تَعجِزْ، فإن غَلَبَك أمر فقُل: قَدَّرَ الله وما شاءَ الله(٢)، وإيّاكَ (١) الطحاوي في ((شرح مكشل الآثار)) (٢٥٩). (٢) كذا وقع للحافظ! والذي في نسخنا من ((سنن ابن ماجه)) و((شرح شكل الآثار)): ((قدر الله وما شاء فعل)). ٤٤٦ باب ٩ فتح الباري بشرح البخاري واللَّو، فإنَّ اللَّو تَفتَحُ عمل الشَّيطان)) لفظ ابن ماجَهْ، ولفظ النَّسائيِّ قال: قال رسول الله وَّه والباقي سواء إلّا أنَّه قال: ((وما شاءَ وإيّاكَ)). وأخرجه الطَّبَريُّ من هذا الوجه بلفظ: ((احرِص ... )) إلى آخره، ولم يَذْكُرُ ما قبلَه، وقال: (فإن أصابَك شيء فلا تَقُل: لو أنّ فعَلت كذا وكذا، لكن قَدَّرَ الله وما شاءَ فَعَلَ، فإنَّ لو مِفتاح الشَّيطان)). وأخرجه النَّسائيُّ (ك١٠٣٨٣) والطَّبَرِيُّ من طريق فُضَيل بن سليمان عن ابن عَجْلان، فأدخَلَ بينَه وبينَ الأعرَج أبا الزّناد، ولفظه: ((مُؤمِن قويّ خير وأحَبّ))، وفيه: ((فقُل: قَدَّرَ الله وما شاءَ صَنَعَ))، قال النَّسائيُّ: فُضَيل بن سليمان ليس بقَويٌّ. وأخرجه النَّسائيُّ (ك١٠٣٨٤) والطََّرِيُّ والطَّحَاويُّ (٢٦٠ و٢٦١) من طريق عبد الله بن المبارَك عن ابن عَجْلان، فأدخَلَ بينَه وبينَ الأعرَجَ رَبيعةً بن عثمان، ولفظ النَّسائِّ كالأوَّل، لكن قال: ((وأفضَل)) وقال: ((وما شاءَ صَنَعَ))، وأخرجه من وجه آخر (ك١٠٣٨٥) عن ابن المبارَك عن ربيعة قال: سَمِعتُه من رَبيعة وحِفظي له عن ابن عَجْلان عن ربيعة، وكذا أخرجه الطَّحَاويُّ، وقال: دَلَّسَه ابن عَجْلان عن الأعرَج وإنَّما سَمِعَه من رَبيعة. ثمَّ رواه ٢٢٨/١٣ الثَّلاثة أيضاً (١) من طريق / عبد الله بن إدريس عن ربيعة بن عثمان، فقال: عن محمَّد بن يحيى ابن حَبّان عن الأعرَجِ بَدَلَ محمّد بن عَجْلان، ولفظ النَّسائيّ: ((وفي كلٌّ خير))، وفيه: ((احِرِص على ما يَنفَعك واستَعِن بالله ولا تَعجِزْ، وإذا أصابك شيء فلا تَقُل: لو أنّي فعَلتُ كذا وكذا، ولكن قل: قَدَّرَ الله وما شاءَ فعلَ)) وهذه الطَّريق أصَحُّ طرق هذا الحديث، وقد أخرجها مسلم من طريق عبد الله بن إدريس أيضاً (٢٦٦٤)، واقتَصَرَ عليها ولم يُخُرِّج بَقَيَّة الطُّرق من أجل الاختلاف على ابن عَجْلان في سَنَده، ويحتمل أن يكون رَبيعة سَمِعَه من ابن حَبّان ومن ابن عَجْلان، فإنَّ ابن المبارك حافظ كابنٍ إدريس، وليس في هذه الرِّواية لفظ ((اللَّو)) بالتَّشديد. (١) النسائي برقم (ك١٠٣٨٦)، والطحاوي برقم (٢٦٢). وانظر تخريجه في ((مسند أحمد)) (٨٧٩١). ٤٤٧ باب ٩ كتاب التمنّي قال الطََّرِيُّ: طريق الجمع بينَ هذا النَّهي وبينَ ما وَرَدَ من الأحاديث الدّالَّة على الجواز، أنَّ النَّهي مخصوص بالجزمِ بالفعلِ الذي لم يَقَع، فالمعنى: لا تَقُل لشيءٍ لم يقع: لو أنّ فعلتُ كذا لَوَقَعَ، قاضياً بتَحَتُّمِ ذلك، غيرَ مُضمِر في نفسك شرطَ مَشِيئة الله تعالى، وما وَرَدَ من قول: (لو)) محمول على ما إذا كان قائلُهُ مُوقِناً بالشَّرطِ المذكور، وهو أنَّه لا يقع شيء إلّا بمَشِيئة الله وإرادته، وهو كقولِ أبي بكر في الغار: لو أنَّ أحدهم رَفَعَ قدمَه لَأبصَرَنا(١)، فجَزَمَ بذلك مع تَيقُّنه أنَّ الله قادر على أن يَصِرِف أبصارَهم عنهما بعَمَّى أو غيره، لكن جَرَى على حُكم العادة الظّاهرة وهو مُوقِن بأنَّهم لو رَفَعوا أقدامهم لم يُبِصِروهما إلّا بمَشِيئة الله تعالى، انتهى ملخَّصاً. وقال عِيَاض: الذي يُفهَم من ترجمة البخاريّ وممّا ذكره في الباب من الأحاديث: أنَّه يجوز استعمالُ لو ولولا فيما يكون للاستقبالِ ممَّا فعله لوجودِ غيره، وهو من باب لو، لكَونِه لم يُدخِل في الباب إلّا ما هو للاستقبال، وما هو حَقٌّ صحيح مُتَيقَّن، بخلاف الماضي والمنقضي، أو ما فيه اعتراض على الغيب والقَدَر السّابق. قال: والنَّهي إنَّما هو حيثُ قاله مُعتَقِداً ذلك حتماً، وأنَّه لو فعل ذلك لم يُصِبه ما أصابَه قَطعاً، فأمّا مَن رَدَّ ذلك إلى مَشِيئة الله تعالى، وأَنَّه لولا أنَّ الله أرادَ ذلك ما وَقَعَ، فليس من هذا، قال: والذي عندي في معنى الحديث أنَّ النَّهي على ظاهره وعمومه لكنَّه نهيُ تنزيه، ويَدُلّ عليه قوله: ((فإنَّ لو تَفْتَح عملَ الشَّيطان)) أي: يُلقي في القلب مُعارضةَ القَدَر فيُوَسوِس(٢) به الشّيطان. وتَعقَّبَهَ النَّوَويّ بأنَّه جاءَ من استعمال ((لو)) في الماضي مِثل قوله: «لو استَقبَلتُ من أمري ما اسْتَدبَرتُ ما أهدَيتِ))(٣)، فالظّاهر أنَّ النَّهي عنه إطلاقُ ذلك فيما لا فائدة فيه، وأمّا مَن قاله تأسُّفاً على ما فاتَ من طاعة الله، أو ما هو مُتَعذِّر علیه منه، ونحو هذا، فلا بأس به، وعليه يُحمَل أكثرُ الاستعمال الموجود في الأحاديث. (١) سلف برقم (٣٦٥٣). (٢) في (أ): فيشوّش. (٣) سلف برقم (٧٢٣٠). ٤٤٨ باب ٩ / ح ٧٢٣٨ -٧٢٤٥ فتح الباري بشرح البخاري وقال القُرطُبيّ في (المفهِم)): المراد من الحديث الذي أخرجه مسلم (٢٦٦٤) أنَّ الذي يَتعيَّن بعدَ وقوع المقدور التَّسليمُ لأمرِ الله والرِّضَا بما قَدَّرَ، والإعراض عن الالتفات لما فاتَ، فإنَّه إذا فَكَّرَ فيما فاتَه من ذلك فقال: لو أنّ فعلتُ كذا لكان كذا، جاءته وساوِسُ الشَّيطان فلا تزال به حتَّى يُفضي إلى الخُسران، فيُعارض بتَوهُمِ التَّدبير سابقَ المقادير، وهذا هو عمل الشَّيطان المنهيّ عن تعاطي أسبابه بقولِه: ((فلا تَقُل: لو، فإنَّ لو تفتح عمل الشَّيطان))، وليس المراد ترك النُّطْق بلو مُطلَقاً، إذ قد نَطَقَ النَّبِيُّ وَّر بها في عِدَّة أحاديث، ولكنَّ محلّ النَّهي عن إطلاقها إنَّما هو فيما إذا أُطلِقَت مُعارَضَة للقَدَر، مع اعتقاد أنَّ ذلك المانع لو ارتَفَعَ لَوَقَعَ خِلَافُ المقدور، لا ما إذا أخبَرَ بالمانع على جِهَة أن يَتَعلَّق به فائدةٌ في المستقبل، فإنَّ مِثل هذا لا يُختَلَف في جواز إطلاقه، وليس فيه فتحٌّ لعَمَلِ الشَّيطان ولا ما یُفضي إلى تحریم. وذكر المصنِّف في هذا الباب تسعة أحاديث في بعضها النُّطْقُ بـ(لو)) وفي بعضها بـ((لولا))، فمن الأوَّل: الحديثُ الأوَّل والثّاني والثّالث والسّادس والثّامن والتّاسع، ومن الثّاني: الرَّابعُ والخامس والسّابع. ٧٢٣٨ - حدّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، حدّثنا أبو الزِّنادِ، عن القاسمِ بنِ محمَّدٍ، قال: ذكر ابنُ عبَّاسِ المتَلاعنَينِ، فقال عبدُ الله بنُ شدَّادٍ: أَهِيَ التي قال رسولُ الله وَّ: (لو كنتُ راجِماً امرأةً مِن غَيرِ بِيِّةٍ ... ))؟ قال: لا، تلكَ امرأةٌ أعلَنَتْ. ٧٢٣٩ - حدَّثنا عليٌّ، حدَّثنا سفيانُ، قال عَمْرٌو: حدّثنا عطاءٌ، قال: أعتَمَ النبيُّ ◌ِ ﴿ِ بِالعِشاءِ، فخَرَجَ عمرُ فقال: الصلاةَ يا رسولَ الله! رَقَدَ النِّساءُ والصِّبْيَانُ، فخَرَجَ ورأسُه يَقْطُرُ يقولُ: ((لولا أنْ أَشُقَّ على أُمَّتي - أو على الناسِ، وقال سفيانُ أيضاً: على أمَّتي - لِأَمَرْتُهم بالصلاةِ هذه السّاعةَ)). قال ابنُ جُرَيجٍ: عن عطاءٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ: أَخَّرَ النبيُّ ◌َّ هذه الصلاةَ، فجاءَ عمرُ فقال: يا رسولَ الله، رَقَدَ النِّساءُ والوِلْدَانُ، فخَرَجَ وهو يَمْسَحُ الماءَ عن شِقُّه يقولُ: ((إنَّه لَلَوَقْتُ، لولا أنْ أَشُقَّ على أمَّتي)). ٤٤٩ باب ٩ / ح ٧٢٣٨ -٧٢٤٥ كتاب التمنّي وقال عَمْرٌو: حدَّثنا عطاءٌ ... ليس فيه ابنُ عبَّاسٍ. أَمَا عَمْرٌو، فقال: ((رأسُه يَقْطُرُ)). وقال ابنُ جُرَيجٍ: ((يَمْسَحُ الماءَ عن شِقِِّ». وقال عَمْرٌو: (لولا أنْ أشُقَّ على أمَّتي)). وقال ابنُ جُرَيجٍ: ((إِنَّه ◌َلَوَقْتُ لولا أنْ أشُقَّ على أمَّتي)). وقال إبراهيمُ بنُ المنذِرِ: حدَّثنا مَعْنٌ، حدَّثني محمَّدُ بنُ مُسلِمٍ، عن عَمرِو، عن عطاءٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ، عن النبيِّ ◌َل﴾. ٧٢٤٠- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن جعفرِ بنِ رَبيعةً، عن عبدِ الرَّحْمنِ، سمعتُ أبا هُرَيرَ ◌َُ، أنَّ رسولَ اللهِِّ قال: ((لولا أنْ أشُقَّ على أمَّتي، لأَّمَرْتُهم بالسِّواكِ)). ٧٢٤١ - حدَّثنا عيَّاشُ بنُ الوليدِ، حدَّثنا عبدُ الأعلى، حدَّثنا مُميدٌ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ مَ﴾ قال: واصَلَ النبيُّ ◌ََّآخِرَ الشَّهرِ، وواصَلَ أُناسٌ منَ الناسِ، فَبَلَغَ النبيّ ◌َه، فقال: «لو مُدَّبِيَ الشَّهُ لَواصَلْتُ وِصالاً يَدَعُ المتعمِّقونَ تَعَمُّقَهُم، إنّ لستُ مِثلَكم، إنِّي أظَلَّ يُطْعِمُنِي رَبّي ويَسْقِينٍ)). تابَعَه سليمانُ بنُ مُغِيرةَ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ، عن النبيِّ وَلّ. ٧٢٤٢ - حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْرِيِّ (ح) وقال اللَيثُ: حدَّثني عبدُ الرَّحمنِ بنُ خالدٍ، عن ابنِ شِهابٍ: أنَّ سعيدَ بنَ المسيّبِ أخبَرَه، أنَّ أبا هُرَيرةَ قال: نَهَى رسولُ اللهِّه عن الوِصَال، قالوا: فإنَّكَ تواصلُ؟ قال: ((أيُّكُم مِثْلِي، إِنَّ أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبّ ويَسْقِينٍ))، فلمَّا أَبُوْا أَنْ يَنْتَهُوا واصَلَ بهم يوماً، ثمَّ يوماً ثمَّ رَأَوُا الهلالَ، فقال: (لو تَأَخَّرَ لَزِدْتُكم)) كالمُنكِّلِ لهم. ٧٢٤٣- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا أبو الأَحوَصِ، حدَّثنا أشعَثُ، عن الأسوَدِ بنِ يزيدَ، عن عائشةَ، قالت: سألتُ النبيَّ ◌ََّ عن الجَدْرِ: أَمِنَ البيتِ هو؟ قال: (نَعَم)) قلتُ: فما لهم لم يُدخِلوه في البيتِ؟ قال: ((إنَّ قومَكِ قَصَّرَتْ بهم النَّفَقَةُ)) قلتُ: فما شَأْنُ بابه مُرتَفِعاً؟ قال: ((فَعَلَ ذاكِ ٤٥٠ باب ٩ / ح ٧٢٣٨ -٧٢٤٥ فتح الباري بشرح البخاري قومُكِ ليُدخِلوا مَن شاؤُوا وَيَمنَعوا مَن شاؤُوا، لولا أنَّ قومَكِ حديثٌ عَهْدُهم بالجاهليّةِ، فَأَخافُ أنْ تُنكِرَ قلوبُهم أنْ أُدخِلَ الجَدْرَ في البيتِ، وأَنْ أُلِصِقْ بابَه فِي الأَرضِ». ٧٢٤٤ - حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، حدَّثنا أبو الزِّنادِ، عن الأَعرَج، عن أبي هُرَيرةَ، قال: قال رسولُ الله ◌َّةِ: (لولا الهِجْرةُ لكنتُ امْرَأْ منَ الأنصار، ولو سَلَكَ الناسُ وادياً وسَلَكَتِ الأنصارُ وادياً - أو شِعْباً - لَسَلَكْتُ واديَ الأنصار؛ أو شِعْبَ الأنصار)). ٧٢٤٥- حدَّثنا موسى، حدَّثنا وُهَيبٌ، عن عَمرِو بنِ يحيى، عن عبَّادِ بنِ تَمِيمٍ، عن عبدِ الله بنِ زيدٍ، عن النبيِّ وَِّ، قال: ((لولا الهِجْرةُ لكنتُ امْرَأْ منَ الأنصار، ولو سَلَكَ الناسُ وادياً أو شِعْباً، لَسَلَكْتُ واديَ الأنصار وشِعْبَها)). تابَعَه أبو التَّحِ، عن أنسٍ، عن النبيِّ وٍَّ ... في الشِّعْبِ. الحديث الأول: حديث القاسم بن محمَّد قال: ذكر ابن عبّاس المتَلاعِنَين ... الحديث، ٢٢٩/١٣ وقد تقدَّم شرحه مُستَوفّى في كتاب اللُّعان (٥٣١٠)، والمراد منه قوله وَّ: ((لو كنت / راجِماً أحداً بغيرِ بِيِّنة)) الحديثَ. الحديث الثاني: قوله: ((حَدَّثَنا عليّ) هو ابن عبد الله بن المَدِيني، وسفيان: هو ابن عُيَينةَ، وعَمْرٌو: هو ابن دينار، وعطاء: هو ابن أبي رَبَاحِ. قوله: ((اعتَمَّ النَّبِيُّ ◌َّ) تقدَّم شرح المتن في كتاب الصلاة (٥٧١) مُستَوَّى، وهو من رواية عَمرو عن عطاء مُرسَل، ومن رواية ابن جُرَيجٍ عن عطاء عن ابن عبّاس مُسنَد، كما بيَّنه سفيان وهو القائل: قال ابن جُرَيج عن عطاء ... إلى آخره، وهو موصول بالسَّندِ المذكور وليس بِمُعلَّقٍ، وسياق الحُميديِّ له في «مُسنَده)) (٤٩٢) أوضَحُ من سياق عليّ بن المَدِيني، فإنَّه أخرجه عن سفيان، قال: حَدَّثَنَا عَمَرٌو عن عطاء، قال سفيان: وحَدَّثَنَاه ابن جُرَيجٍ عن عطاء عن ابن عبّاس، فساقَ الحديث، ثمَّ قال الحميديُّ: كان سفيان ربَّما حَدَّثَ بهذا الحديث عن عَمرو وابن جُرَيجٍ فأدَرَجَه عن ابن عبّاس، فإذا ذكر فيه الخبر فقال: حَدَّثَنا أو سَمِعتُ، أخبَرَ بهذا، يعني: عن عَمرو عن عطاء مُرسَلاً، وعن ابن جُرَيج عن عطاء عن ابن عبّاس موصولاً. ٤٥١ باب ٩ / ح ٧٢٣٨ -٧٢٤٥ كتاب التمنّي قلت: وقد رواه عليّ هنا بالعَنعَنةِ ومع ذلك فَصَلَه فلم يُدرِجْه، وزاد فيه تفصيلَ سیاق المتن عنهما أيضاً حيثُ قال: أمّا عمرو فقال: رَأْسُه يَقطُر، وقال ابن جُرَيجِ: يَمسَح الماء عن شِقّه ... إلى آخره. وقوله: ((وقال إبراهيم بن المنذر .. )) إلى آخره، يريد أنَّ محمَّد بن مسلم - وهو الطّائفيّ - رواه عن عمرو - وهو ابن دينار - عن عطاء موصولاً بذِكْر ابن عبّاس فيه، وهو مُخالِف لتصريحِ سفيان بن عُيَينةَ عن عَمرو بأنَّ حديثَه عن عطاء ليس فيه ابن عبَّاس، فهذا يُعَدّ من أوهام الطَّائفيّ، وهو موصوف بسوءِ الحفظ، وقد وَصَلَ حديثَه الإسماعيليّ من وجهَينِ عنه هكذا، وذكر أنَّ من جملة مَن حَدَّثَ به عن سفيان مُدرَجاً كما قال الحُميديُّ: عبدُ الأعلى ابن حَمَّد وأحمد بن عَبْدَةَ الضَّبِيُّ وأبو خَيْثَمَةَ، وأَنَّ عَبْدَ بن عبد الرحيم وعَّر بن الحسن رَوَياه عن سفيان فاقتَصَرا على طريق عمرو، وذَكَرا فيه ابنَ عبَّاس فوَهِما في ذلك أشَدَّ من وَهْم عبد الأعلى، وأنَّ ابن أبي عمر رواه في موضعين عن ابن عُيَينة مُفصَّلاً على الصَّواب. قلت: وكذلك أخرجه النَّسائيُّ (٥٣٢) عن محمَّد بن منصور عن سفيان مُفصَّلاً. الحديث الثالث: حديث أبي هريرةَ: ((لولا أن أشُقَّ على أمَّتي لَأمَرتهم بالسِّواكِ)) هكذا ذكره مُختصَراً من رواية جعفر بن ربيعة - وهو المِصريّ - عن عبد الرَّحمن - وهو الأعرَج - ونَسَبَه الإسماعيليّ في رواية شُعَيب بن اللَّيث عن أبيه، ولم يَزِدْ على ما هناك، فدَلَّ على أنَّ هذا القَدْر هو الذي وَقَعَ في هذه الطَّريق. وقد أورَدَه المِّيّ في ((الأطراف)) فزاد فيه: ((عند كلِّ صلاة)) ولم أرَ هذه الزّيادة في هذه الطَّريق عندَ أحد ثمَّن أخرجها، وإنَّما ثَبَتَت عند البخاريّ في رواية مالك عن أبي الزِّناد عن الأعرَج، أورَدَه في كتاب الجُمُعة (٨٨٧)، ونَسَبَه الِّيّ إلى الصلاة بغيرِ قَيدِ الجُمُعة وهو مَّا يُتَعَقَّب عليه أيضاً، وعندَه فيه ((مع)) بَدَل: عند، وثَبَتَ عند مسلم (٢٥٢) بلفظِ ((عند)) من رواية سفيان بن عُيَينة عن أبي الزناد، وقد تقدَّم الكلام على هذا المتن مُستَوفَّى هناك، ولله الحمد. ٤٥٢ باب ٩ / ح ٧٢٣٨ -٧٢٤٥ فتح الباري بشرح البخاري تنبيه: وَقَعَ هنا في نُسخَة الصَّغَانيّ: تابَعَه سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس، وهو خَطَأْ، والصَّواب ما وَقَعَ عند غيره ذكرُ هذا عَقِبَ حديث أنس المذكور عَقِبَه. الحديث الرابع: حديث أنس في النَّهي عن الوِصَال، ذكره من طريق ◌ُميدٍ - وهو الطَّويل - عن ثابت عن أنس، وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في كتاب الصيام (١٩٦١). وقوله: ((تابَعَه سليمان بن المغيرة عن ثابت ... )) إلى آخره، وَصَلَه مسلم (٥٩/١١٠٤) من طريق أبي النَّضر عن سليمان بن المغيرة، ووَقَعَ لنا بعُلوُّ في ((مُسنَد عبد بن حُميدٍ)(١)، ووَقَعَ هذا التَّعليق في رواية كَرِيمة سابقاً على حديث حُميدٍ عن أنس، فصارَ كأَنَّه طريق أُخرى مُعلَّقة لحديثِ ((لولا أن أشُقّ))، وهو غلطٌّ فاحش، والصَّواب ثُبوته هنا كما وَقَعَ في رواية الباقينَ. الحديث الخامس: حديث أبي هريرةَ في المعنى وفيه: ((فلمَّا أَبَوْا أن يَنْتَهوا واصَلَ بهم)) الحديث. وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في الصيام أيضاً (١٩٦٥). ٢٣٠/١٣ وقوله في السَّند: «وقال اللَّيث: حدَّثني عبد الرّحمن بن خالد)) يعني: ابنَ مُسافِرِ الفَهْميَّ أمير مِصر، وطريقه المذكورة وَصَلَها الدّارَ قُطنيُّ في بعض فوائده من طريق أبي صالح عنه. الحديث السادس: حديث عائشة في الجَدْر، بفتح الجيم وسكون الدّال، والمراد: الحِجْر، بكسر المهمَلة وسكون الجيم، وقد تقدَّم شرحه في كتاب الحجّ مُستَوفَّى (١٥٨٣ -١٥٨٦). والمراد منه هنا قوله: «ولولا أنَّ قومك حديث عَهدٍ بالجاهليَّةِ وأخاف أن تُنكِرِ قلوبهم أن أُدخِلِ الجَدرَ في البيت)) كذا وَقَعَ محذوفَ الجواب، وتقديره: لَفَعَلْتُ. الحديث السابع: حديث أبي هريرةَ: (لولا الهِجْرة لكنتُ امرَأْ من الأنصار)) الحديث، وفيه: ((ولو سَلَكَ الناس وادياً أو شِعْباً))، وقد تقدَّم شرحه في غَزْوة حُنَينٍ (٤٣٣٠) عندَ شرح حديث عبد الله بن زيد المذكور هنا بعده، وهو الحديث الثّامن. الحديث التاسع: حديث أنس في بعض ذلك، أورَدَه ◌ُتصَراً مُعلَّقاً قائلاً: تابَعَه أبو التَّاح عن أنس في الشِّعْب، يعني: في قوله: ((لو سَلَكَ الناس وادياً أو شِعْباً لَسَلَكتُ واديَ الأنصار (١) أخرجه الحافظ بإسناده في ((تغليق التعليق)) ٣١٥/٥. ٤٥٣ باب ٩ / ح ٧٢٣٨ -٧٢٤٥ كتاب التمنّي أو شِعْبهم))، وقد تقدَّم موصولاً في غَزْوة حُنَينٍ أيضاً (٤٣٣١ و٤٣٣٢) بعد حديث عبد الله بن زيد المشار إليه مع الكلام عليه، وتقدَّم شيء من ذلك في مناقب الأنصار (٣١٤٦ و٣١٤٧)، ولله الحمد. قال السُّبْكيُّ الكبير: مقصود البخاريّ بالتَّرجمةِ وأحاديثها أنَّ النُّطْق بلَوْ لا يُكرَه على الإطلاق، وإنَّما يُكرَه في شيء مخصوص، يُؤخَذ ذلك من قوله: ((من اللَّ)) فأشارَ إلى التَّبعيض، ووُرودِها في الأحاديث الصَّحيحة، ولذا قال الطَّحَاويُّ بعد ذِكْر حديث ((وإيّاكَ واللَّو)) (٢٦٢): دَلَّ قولُ الله تعالى لنبيِّهِ أن يقول: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ ﴾ [الأعراف: ١٨٨] وقوله وَلّ: (لو استَقبَلتُ من أمري ما استَدبَرت))(١) وقوله في الحديث الآخر: ((ورجل يقول: لو أنَّ الله آتّاني مِثْلَ ما آتَى فلاناً، لَعَمِلتُ مِثل ما عَمِلَ))(٢) على أنَّ ((لو)) ليست مكروهة في كلّ الأشياء، ودَلَّ قوله تعالى عن المنافقينَ: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَىْءٌ﴾ [آل عمران: ١٥٤] ورَدَّه عليهم بقوله: ﴿لَّوْ كُمْ فِ بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤] على ما يُباح من ذلك، قال: ووَجَدنا العرب تَذُمّ اللَّو وتُحذِّر منه، فتقول: احذَر اللَّو وإيّاكَ ولو، يريدونَ قوله: لو علمتُ أنَّ هذا خير لَعَمِلته، وفي حديث سلمان: الإيمان بالقَدَر: أن تعلم أنَّ ما أصابَك لم يَكُن ليُخْطِئَك، وما أخطأَكْ لم يَكُن لِيُصيبَك، ولا تقولَنَّ لشيءٍ أصابَك: لو فعَلتُ كذا؛ أي: لكانَ كذا(٣). قال السُّبكيُّ: وقد تأمَّلتُ اقتران قوله: ((احرصْ على ما يَنفَعك)) بقولِه: ((وإيّاكَ واللَّو)) فَوَجَدتُ الإشارة إلى محلّ لو المذمومة، وهي نوعان: أحدهما: في الحال ما دامَ فعلُ الخير تُمكِناً فلا يُتَرَك لأجلِ فَقْد شيء آخَرَ، فلا يقول: لو أنَّ كذا كان موجوداً لفَعَلتُ كذا، مع قُدرَته على فعله ولو لم يُوجَد ذاكَ، بل يَفعَل الخير ويَرِصُ على عدم فَوَاتِهِ. (١) سلف برقم (٧٢٢٩) و(٧٢٣٠). (٢) أخرجه أحمد (١٨٠٢٤)، وابن ماجه (٤٢٢٨)، والترمذي (٢٣٢٥) من حديث أبي كبشة الأنماري، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. (٣) وجدته عند البيهقي في ((السنن)) ١٠/ ٢٠٤ من حديث سلمان موقوفاً مختصراً دون قوله في آخره: ((ولا تقولن لشيء أصابك لو فعلت كذا ... ))، وهي قطعة من حديث أبي هريرة الذي سلف تخريجه قريباً. ٤٥٤ باب ٩ / ح ٧٢٣٨ -٧٢٤٥ فتح الباري بشرح البخاري والثّاني: مَن فاتَه أمر من أُمور الدُّنيا فلا يَشغَل نفسه بالتَّلهُّفِ عليه، لما في ذلك من الاعتراض على المقادير، وتعجيل تَحسُّرٍ لا يُغْني شيئاً، ويَشتَغِل به عن استدراك ما لعلَّه ◌ُجِدِي، فالذَّمَ راجع فيما يَؤُول في الحال إلى التَّفريط، وفيما يَؤُول في الماضي إلى الاعتراض على القَدَر، وهو أقبَح من الأوَّل، فإن انضَمَّ إليه الكذب فهو أقبَح، مِثل قول المنافقينَ: ﴿لَوِ أُسْتَطَعْنَا ◌َخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾ [التوبة: ٤٢] وقولهم: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لََّتَّبَعْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧]، وكذا قولهم: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُواْ﴾ [آل عمران: ١٦٨]. ثمّ قال: وكلُّ ما في القرآن من ((لو)) التي من كلام الله تعالى كقوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ كُمْ فِى بُيُوتِكُمْ﴾(١) [آل عمران: ١٥٤]، ﴿وَلَوْ كُمْ فِى بُرُوجِ مُسَيِّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] ونحوهما، فهو صحيح، لأنَّه تعالى عالمٌ به، وأمّا التي للرَّبطِ فليس الكلام فيها ولا المصدَريَّة إلّا إن كان مُتَعلَّقها مذموماً كقوله تعالى: ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِنَبِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَنِكُمْ كُفَّارًا﴾ [البقرة: ١٠٩] لأنَّ الذي ودُّوه وَقَعَ خِلَافُه، انتهى ملخَّصاً. (١) زاد في (ع) وحدها: وقوله: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَىْءٌ مَّا قُتِلْنَا﴾ [آل عمران: ١٥٤]. ٤٥٥ باب ١ كتاب أخبار الآحاد بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كتاب أخبار الآحاد ١ - باب ما جاءَ في إجازةٍ خَيَرِ الواحدِ الصَّدوقِ في الأَذان والصلاة والصومِ والفرائضِ والأحكامِ وقولِ الله تعالى: ﴿فَلَوَّلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَآَيِفَةٌ﴾ الآية [التوبة: ١٢٢] ويُسمَّى الرجلُ طائفةً لقولِه تعالى: ﴿وَإِن طَيِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْنَتَلُواْ﴾ [الحجرات: ٩] فلَوِ اقتَلَ رجلانِ دَخَلا في معنى الآيةِ. وقولِه تعالى: ﴿إِن جَاءَ كُمْ فَاسِقٌ بِنَبٍَ فَتَبَيَنُواْ ﴾ [الحجرات: ٦]. وكيفَ بَعَثَ النبيُّ ◌َلَه أَمراءَه واحداً بعدَ واحدٍ، فإنْ سَهَا أحدٌ منهم رُدَّ إلى السُّنّةِ. قوله: ((بسم الله الرَّحمن الرحيم. باب ما جاءَ في إجازة خبر الواحد)) هكذا عند الجميع ٢٣٣/١٣ بلفظ ((باب)) إلّا في نُسخَة الصَّغَانيّ، فَوَقَعَ فيها: كتاب أخبار الآحاد، ثمَّ قال: ((باب ما جاءَ)) إلى آخرها، فاقتَضَى أنَّه من جملة كتاب الأحكام، وهو واضح، وبه يَظهَر أنَّ الأَولى في الثَّمنّي أن يُقال: باب، لا كتاب، أو يُؤَخَّر عن هذا الباب، وقد سَقَطَت البسملة لأبي ذَرّ والقابِسِيّ والجُرْجانيّ، وثَبَتَت هنا قبل الباب في رواية كَرِيمة والأَصِيلِيّ، ويُحْتَمَل أن يكون هذا من جملة أبواب الاعتصام، فإنَّه من جملة مُتَعلَّقاته، فلعلَّ بعض مَن بَيَّضَ الكتاب قَدَّمَه عليه، ووَقَعَ في بعض النُّسَخ قبل البسملة: كتاب خبر الواحد وليس بعُمدَةٍ. والمراد بالإجازةِ: جوازُ العمل به والقول بأنَّه حُجَّة، وبالواحدِ هنا: حقيقة الوَحْدَة، وأمّا في اصطِلاح الأُصولِيّينَ فالمراد به: ما لم يَتَواتَر، وقصدُ التَرجمة الردُّ به على مَن يقول: إِنَّ الخبر لا يُحْتَجّ به إلّا إذا رواه أكثرُ من شخص واحد حتَّى يصير كالشَّهادة، ويَلَم منه الردُّ على مَن شَرَطَ أربعة أو أكثر، فقد نَقَلَ الأُستاذ أبو منصور البغداديّ: أنَّ بعضهم اشتَرَطَ ٤٥٦ باب ١ فتح الباري بشرح البخاري في قَبُول خبر الواحد أن يَروِيَه ثلاثة عن ثلاثة إلى مُنْتَهاه، واشتَرَطَ بعضهم أربعةً عن أربعة، وبعضهم خمسةً عن خمسة، وبعضهم سبعةً عن سبعة، انتهى. وكأنَّ كلّ قائل منهم يَرَى أَنَّ العَدَد المذكور يُفيد التَّواتُّر، أو يَرَى تقسيمَ الخبر إلى مُتَواتر وآحاد ومُتَوَسِّط بينهم، وفاتَ الأُستاذَ ذِكرُ مَن اشتَرَطَ اثنَيْنِ عن اثنَيْنِ كالشَّهادةِ ٢٣٤/١٣ على الشَّهادة، وهو منقول عن بعض المعتزلة، ونَقَلَه المازَرِيُّ وغيره عن أبي عليّ الجُبَّائيّ،/ ونُسِبَ إلى الحاكم أبي عبد الله، وأنَّ ادَّعَى أنَّه شرط الشَّيخَين، ولكنَّ غَلَطُ على الحاكم كما أوضحتُه في الكلام على ((علوم الحديث))(١). وقوله: ((الصَّدوق)) قَيدٌ لا بُدَّ منه، وإلّا فمُقابِله - وهو الكذوب - لا يُحْتَجّ به اتِّفاقاً، وأمّا مَن لم يُعرَف حاله، فثالثها: يجوز إن اعتَضَدَ. وقوله: ((والفرائض)) بعد قوله: ((في الأَذان والصلاة والصوم)) من عَطْف العامّ على الخاصّ، وأفرَدَ الثَّلاثةَ بالذِّكرِ للاهتمام بها. قال الكِرمانيُّ: ليُعلَم أنَّما هو في العمليّات لا في الاعتقاديّات. والمراد بقَبُولِ خبره في الأذان: أنَّه إذا كان مُؤتَمَناً فأذَّنَ تَضَمَّنَ دخولَ الوقت فجازَت صلاةُ ذلك الوقت، وفي الصلاة: الإعلام بجِهَة القِبلة، وفي الصوم: الإعلام بطلوع الفجر أو غُروب الشمس. وقوله: ((والأَحكام)) بعد قوله: ((والفرائض)) من عطف العامّ على عامّ أخَصَّ منه، لأنَّ الفرائض فردٌ مِن الأحكام. قوله: ((وقول الله تعالى: ﴿فَلَوَّلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآَيِفَةٌ﴾ الآية)) وَقَعَ في رواية كَرِيمة سياق الآية إلى قوله: ﴿يَحْذَرُونَ﴾ وهو المراد بقوله في رواية غيرها: الآية. وهذا مصيرٌ منه إلى أنَّ لفظ ((طائفة)) يَتَنَاوَل الواحدَ فما فوقَه، ولا يَخْتَصّ بعَدَدٍ مُعيَّن، وهو منقول عن ابن عبّاس وغيره كالنَّخَعيِّ ومجاهد، نَقَلَه الثعلبيّ وغيره، وعن عطاء وعكرمة وابن زيد: أربعة، وعن ابن عبّاس أيضاً: من أربعة إلى أربعين، وعن الزّهْريّ: ثلاثة، وعن (١) يعني في نكته على ((علوم الحديث)) لابن الصلاح ٢٣٨/١ -٢٤١. ٤٥٧ باب ١ كتاب أخبار الآحاد الحسن: عَشَرة، وعن مالك: أقلّ الطّائفة أربعة، كذا أطلَقَ ابنُ التِّين، ومالك إنَّما قاله فيمَن يَحَضُر رجمَ الزّاني، وعن رَبيعة: خمسة. وقال الرَّاغِب: لفظ ((طائفة)) يُراد بها الجمع، والواحد: طائف، ويُراد بها الواحد فيَصِحّ أن يكون كراويةٍ وعَلّامة، ويَصِحّ أن يُرادَ به الجمع وأُطلِقَ على الواحد، وقال عطاء: الطّائفة اثنان فصاعداً، وقَوّاه أبو إسحاق الزَّجّاج بأنَّ لفظ ((طائفة)) يُشعِرِ بالجماعة وأقلُّها اثنان، وتُعقّبَ بأنَّ الطّائفة في اللُّغة: القِطْعة من الشيء، فلا يَتعيَّن فيه العَدَدِ، وقَرَّرَ بعضهم الاستدلالَ بالآية الأُولى على وجه آخَر، فقال: لمَّا قال: ﴿فَلَوَّلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ﴾ وكانَ أقلُّ الفِرقة ثلاثة، وقد عَلَّقَ النَّفْرَ بطائفةٍ منهم، فأقلُّ مَن يَنِفِرِ واحدٌ ويَبقَى اثنان، وبالعكس. قوله: ((ويُسمَّى الرجل طائفةً، لقولِه تعالى: ﴿وَإِن طَيِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أُقْنَتَلُواْ ﴾ فلو اقتتل رجلان)) . في رواية الكُشمِيهَنيّ: الرجلان. ((دَخَلا في معنى الآية)) وهذا الاستدلال سَبَقَه إلى الحُجَّة به الشافعيُّ وقبله مجاهد، ولا يَمنَعَ ذلك قولُه: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَاِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] لكون سياقه يُشعِر بأنَّ المراد أكثر من واحد، لأنّا لم نَقل إنَّ الطّائفة لا تكون إلّا واحداً. قوله: ((وقوله: ﴿إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنٍَ فَتَبَيَنُواْ﴾)) وجهُ الدّلالة منها يُؤخَذ من مفهومَي الشَّرط والصِّفَة، فإنَّما يَقتَضيان قَبُول خبر الواحد، وهذا الدَّليل يُورَد للتَّقوّي لا للاستقلال، لأنَّ المخالِفِ قد لا يقول بالمفاهيم، واحتَجَّ الأئمّة أيضاً بآيَاتٍ أُخرى وبالأحاديثِ المذكورة في الباب، واعترضَ(١) مَن مَنَعَ بأنَّ ذلك لا يُفيد إلّ الظَّنّ، وأُجيبَ بأنَّ مجموعها يُفيد القَطْعَ كالتَّواتُّرِ المعنويّ، وقد شاعَ فاشِياً عملُ الصَّحابة والتّابعينَ بخَيَرِ الواحد من غير نَكِير، فاقتَضَى الاتِّفاق منهم على القَبُول، ولا يُقال: لعلَّهم عَمِلوا بغيرِها، أو عَمِلوا بها لكنَّها أخبار مخصوصة بشيءٍ مخصوص، لأنّا نقول: العلمُ حاصل من سياقها بأنَّهم إِنَّا عَمِلوا بها لظُهورِها لا لخُصوصِها. (١) في (س): واحتجّ. ٤٥٨ باب ١ فتح الباري بشرح البخاري قوله: «وكيف بَعَثَ النَّبِيُّ ◌َ أَمراءَه واحداً بعدَ واحد، فإنْ سَهَا أحدٌ منهم رُدَّ إلى السُّنَّة)) سيأتي في أواخر الكلام على خبر الواحد: ((باب ما كان النَّبِيِّ نَّه يَبعَث من الأُمراء والرُّسُل واحداً بعدَ واحد)) فزاد فيه بَعثَ الرُّسُل، والمراد بقولِه: ((واحداً بعدَ واحد)) تَعدُّد الجِهات المبعوث إليها بتَعدُّدِ المبعوثين، وحَمَلَه الكِرمانيُّ على ظاهره فقال: فائدةُ بعث الآخِرِ بعدَ الأوَّل ليُرُدَّه إلى الحقّ عند سَهْوه، ولا يَخْرُج بذلك عن كَونِه خبرَ واحد، وهو استدلال قويّ لُبوتٍ خبر الواحد من فعْله ◌ِِّ، لأنَّ خبر الواحد لو لم یَكفِ قَبُولُه، ما كان في إرساله معنًى. ٢٣٥/١٣ وقد نَّه عليه / الشافعيُّ أيضاً كما سأذكرُه، وأَيَّدَه بحديث: ((ليُبلِّغِ الشّاهدُ الغائبَ)) وهو في «الصحيحين))(١)، وبحديث: («نَضَّرَ الله امرأً سَمِعَ منِّي حديثاً فأدّاه))، وهو في ((السُّنَن))(٢)، واعتَرَضَ بعض المخالِفِينَ بأنَّ إرسالهم إنَّما كان لقَبضِ الزَّكاة والفُتيا ونحو ذلك، وهي مُكابَرَة، فإنَّ العلم حاصلٌ بإرسالِ الأُمراء لأعمَّ من قبض الزّكاة وإبلاغ الأحكام وغير ذلك، ولو لم يَشتَهِر من ذلك إلّا تأمير معاذ بن جبل، وأمره له وقوله له: ((إنَّك تَقْدَمُ على قوم أهل كتاب، فأعلِمهم أنَّ الله فَرَضَ عليهم ... )) إلى آخره (٣). والأخبار طافحة بأنَّ أهل كلّ بلد منهم كانوا يتحاكمونَ إلى الذي أُمِّرَ عليهم، ويَقبَلونَ خبرَه ويَعْتَمِدونَ عليه من غير الْتِفات إلى قَرِينة، وفي أحاديث هذا الباب كثيرٌ من ذلك. واحتَجَّ بعض الأئمَّة بقولِه تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّكَ﴾ [المائدة: ٦٧]، مع أنَّه كان رسولاً إلى الناس كافَّةً ويجب عليه تبليغُهم، فلو كان خبر الواحد غيرَ مقبول، ◌َتَعذَّرَ إبلاغُ الشَّريعة إلى الكلّ ضَرُورةً، لتَعذُّرِ خِطاب جميع الناس شِفاهاً، وكذا تَعذُّر إرسال عَدَد التَّواتُر إليهم، وهو مَسلَك جيِّ يَنضَمّ إلى ما احتَجَّ به الشافعيّ ثمَّ البخاريّ. (١) سلف عند البخاري برقم (٦٧)، وهو عند مسلم برقم (١٦٧٩). (٢) أخرجه أبو داود (٣٦٦٠)، والترمذي (٢٦٥٦)، وابن ماجه (٢٣٠)، والنسائي في ((الكبرى)) (٥٨١٦) من حديث زيد بن ثابت، وأخرجه الترمذي (٢٦٥٧) و(٢٦٥٨)، وابن ماجه (٢٣٢) من حديث ابن مسعود، وأخرجه ابن ماجه (٢٣٦) من حديث أنس، والحديث صحيح. (٣) سلف برقم (١٣٩٥) و(١٤٥٨). ٤٥٩ باب ١ كتاب أخبار الآحاد واحتَجَّ مَن رَدَّ خبرَ الواحد بتَوقَّفِهِ وَّهِ فِي قَبُول خبر ذي اليَدَين(١)، ولا حُجَّة فيه لأنَّه عارَضَ عِلمَه، وكلّ خبٍ واحدٍ إذا عارَضَ العلمَ لم يُقْبَل، وبتَوقُّفِ أبي بكر وعمر في حديثَي المغيرة في الجدَّة وفي ميراث الجنين، حتَّى شَهِدَ بهما محمَّد بن مَسلَمةَ(٢)، وبتَوقُّفِ عمر في خبر أبي موسى في الاستئذان حتَّى شَهِدَ أبو سعيد(٣)، وبتَوقَّفِ عائشة في خبر ابن عمر في تعذيب المَيِّت ببكاءِ الحيّ(٤)، وأُجيبَ بأنَّ ذلك إنَّما وَقَعَ منهم إمّا عند الارتياب، كما في قصَّة أبي موسى، فإنَّه أورَدَ الخبر عند إنكار عمر عليه رُجوعَه بعد الثَّلاث وتَوعُّده، فأرادَ عمر الاستِثباتَ خَشْيَةً أن يكون دَفَعَ بذلك عن نفسه، وقد أوضحتُ ذلك بدلائلِهِ في كتاب الاستئذان (٦٢٤٥)، وإمّا عندَ مُعارَضَة الدَّليل القَطْعيّ كما في إنكار عائشة، حيثُ اسْتَدَلَّت بقولِه تعالى: ﴿ وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. وهذا كلّه إِنَّا يَصِحّ أن يَتَمسَّك به مَن يقول: لا بُدَّ من اثنَيْنِ عن اثْنَين، وإلّا فَمَن يَشَرِط أكثرَ من ذلك فجميع ما ذُكِرَ قبلَ عائشة حُجَّة عليه، لأنَّهم قَبِلوا الخبر من اثنَينِ فقط، ولا يَصِلُ ذلك إلى الثَّواتُر والأصلُ عَدَم وجود القَرِينة، إذ لو كانت موجودةً ما احتيجَ إلى الثّاني، وقد قَبِلَ أبو بكر خبرَ عائشة في أنَّ النبيَّ ◌َِّ ماتَ يوم الاثنين (٥)، وقَبِلَ عمرُ خبر عَمرو بن حَزْم في أنَّ دِيَة الأصابع سواء(٦)، وقَبِلَ خبر الضَّحّاك بن سفيان في توريث المرأة من دِيَة زوجها(٧)، وقَبِلَ خبر عبد الرَّحمن بن عَوف في أمر الطّاعون (٨)، وفي أخذ الجِزْية (١) سيأتي خبره لاحقاً برقم (٧٢٥٠). (٢) أخرجه أبو داود (٢٨٩٤)، وابن ماجه (٢٧٢٤)، والترمذي (٢١٠١)، والنسائي في ((الكبرى)) (٦٣٠٥) و(٦٣٠٦) و(٦٣١٢) من حديث قبيصة بن ذؤيب . وقد سلف حديث المغيرة في الجنين عند البخاري برقم (٦٩٠٥-٦٩٠٨). (٣) سلف عند البخاري برقم (٢٠٦٢) و(٦٢٤٥). (٤) سلف برقم (١٢٨٦-١٢٨٨). (٥) سلف برقم (١٣٨٧). (٦) انظر تخريجه فيما سلف في ((باب دية الأصابع)) عند الحديث رقم (٦٨٩٥). (٧) أخرجه أبو داود (٢٩٢٧)، وابن ماجه (٢٦٤٢) والترمذي (١٤١٥) و(٢١١٠) والنسائي في ((الكبرى)) (٦٣٢٩ -٦٣٣٢)، والحديث صحيح. (٨) سلف برقم (٥٧٣٠). ٤٦٠ باب ١ فتح الباري بشرح البخاري من المجوس(١)، وقَبِلَ خبر سعد بن أبي وقّاص في المسح على الخُفَّين(٢)، وقَبِلَ عثمانُ خبر الفُرَيعة بنت سِنان أُخت أبي سعيد في إقامة المعتدَّة عن الوفاة في بيتِها(٣)، إلى غير ذلك. ومن حيثُ النَّظَرِ: أنَّ الرّسول عليه الصلاة والسَّلام بعث لتبليغ الأحكام، وصِدْقُ خبر الواحد تُمكِن فيجب العملُ به احتياطاً، وأنَّ إصابة الظَّنّ بخَيرِ الصَّدوق غالبة، ووقوع الخطأ فيه نادر، فلا تُترَك المصلَحَةُ الغالبة خَشْيَةَ المفسَدَة النادرة، وأنَّ مَبنَى الأحكام على العمل بالشَّهادة، وهي لا تُفيد القطعَ بمُجرَّدِها، وقد رَدَّ بعضُ مَن قَبِلَ خبر الواحد ما كان منه زائداً على القرآن، وتُعقّبَ بأنَهم قَبِلوه في وجوب غَسْل المرفق في الوضوء(٤) وهو زائد، وحصول عمومه بخَتَرِ الواحد كَنِصاب السَّرِقة(٥)، ورَدَّه بعضهم بما تَعُمّ به البَلوَى، وفَسَّروا ذلك بما يَتَكَّر، وتُعقِّبَ بأَهم عَمِلوا به في مِثل ذلك، كإيجابِ الوضوء بالقَهقَهةِ في الصلاةِ(٦) وبالقَيءٍ والرّعاف(٧)، وكلُّ هذا مبسوط في أُصول الفقه، اكتَفَيت هنا بالإشارةِ إليه. (١) سلف برقم (٣١٥٦-٣١٥٧). (٢) سلف برقم (٢٠٢). (٣) أخرجه أبو داود (٢٣٠٠) والترمذي (١٢٠٤)، وهو عند ابن ماجه (٢٠٣١)، والنسائي (٣٥٢٩- ٣٥٣٠) لیس فیه ذکر عثمان. والحديث صحيح. (٤) لعلّه يشير إلى حديث جابر قال: رأيت رسول ◌َ له يدير الماءَ على المرفق، وفي رواية: كان رسول الله وَله إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه، أخرجه الدار قطني (٢٧٢)، والبيهقي ٢٥٦/١، وسنده ضعيف جداً، وضعَّفه الحافظ ابن حجر نفسه في (التلخيص الحبير)) ١/ ٥٧، و((تخريج أحاديث الكشاف)) ١/ ٣٨٢، ويغني عنه - كما قال في ((التلخيص)) - ما رواه مسلم (٢٤٦) في حديث أبي هريرة: أنه توضّأ حتى أشرَعَ في العَضُد، ثم قال: هكذا رأيتُ رسول الله وَ ل﴿ يتوضَّأ. (٥) سلف برقم (٦٧٨٩). (٦) قد روي في هذه المسألة أخبار موصولة ومرسلة لا تصحُّ، انظر ما أخرجه عبد الرزاق (٣٧٦٠ - ٣٧٦٣) وابن أبي شيبة ٣٨٨/١، والدارقطني (٦١١)، والبيهقي ١/ ١٤٤-١٤٨، و((نصب الراية)) ١/ ٤٧-٥٤. (٧) في الوضوء من القيء حديث أبي الدرداء وثوبان عند الترمذي (٨٧): أن رسول الله وَال قاءَ فتوضأ، وغير الترمذي رواه بلفظ: قاءَ فأفطر، هكذا هو عند أحمد (٢١٧٠١)، وأبي داود (٢٣٨١)، والنسائي في «الكبرى» (٣١٠٧-٣١٠٩) وغيرهم، وهو المحفوظ. وفي القيء والرعاف حديث عائشة عند ابن ماجه (١٢٢١)، وإسناده ضعيف، وانظر ((نصب الراية)) ٣٨/١-٤٢.