النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
باب ٥١م / ح ٧٢٢٢- ٧٢٢٣
كتاب الأحكام
والاحتمال الذي قبل هذا، وهو اجتماع اثنَي عشرَ في عصرٍ واحد كلّهم يَطلُب الخِلافة،
هو الذي اختارَه المهلَّب كما تقدَّمَ، وقد ذَكَرتُ وجهَ الردّ عليه، ولو لم يَرِد إلّا قوله: ((كلّهم
يَجَتَمِع عليه الناس))، فإنَّ في وجودهم في عصر واحد يُوجَد عَينُ الافتِراق، فلا يَصِحُّ أن
يكون المراد، ويُؤيِّد ما وَقَعَ عند أبي داود ما أخرجه أحمد (٣٧٨١) والبزَّار (١٩٣٧) من
حديث ابن مسعود بسَنَدِ حسن: أنَّه سُئلَ كم يَملِك هذه الأُمَّةَ من خليفة؟ فقال: سَألنا
عنها رسول الله وَ لّ فقال: ((اثنا عشرَ، كِدَّةِ نُقَباء بني إسرائيل)).
وقال ابن الجَوْزيّ في ((كشف المشكِل)»: قد أطَلتُ البحثَ عن معنى هذا الحديث،
وتَطَلَّبْتُ مَظانَّه وسألت عنه، فلم أقَعْ على المقصود به لأنَّ ألفاظه مُخْتَلِفَة، ولا أشُكُ أنَّ
التَّخليط فيها من الرُّواة، ثمَّ وَقَعَ لي فيه شيء وَجَدتُ الخطَّابيَّ بعد ذلك قد أشارَ إليه، ثمَّ
وَجَدتُ كلاماً لأبي الحسين بن المُنَادي وكلاماً لغيرِهِ، فأمّا الوجه الأوَّل فإنَّه أشارَ إلى ما
يكونُ بعده وبعد أصحابه، وأنَّ حُكم أصحابه مُرتَبِط بحُكمِهِ، فأخبَرَ عن الولايات
الواقعة بعدهم، فكأنَّه أشارَ بذلك إلى عَدَد الخلفاء من بني أُميَّة، وكأنَّ قوله: ((لا يزال
الدّين)) أي: الولاية ((إلى أن يَليَ اثنا عشرَ خليفة))، ثمَّ يَنْتَقِل إلى صِفَة أُخرى أشدّ من الأولى.
وأوَّل بني أُميَّة يزيد بن معاوية، وآخرهم مروان الحِمار، وعِدَّتهم ثلاثةَ عشرَ، ولا يُعَدّ
عثمان ومعاوية ولا ابن الزُّبَير، لكَونِهِم صحابة، فإذا أسقَطْنا منهم مروان بن الحَكَم
للاختلاف في صُحبته، أو لأنَّه كان مُتَغَلِباً بعدَ أن اجتَمَعَ الناس على عبد الله بن الزُّبَير،
صَخَّت العِدَّة، وعند خروج الخلافة من بني أُميَّة وَقَعَت الفتنُ العظيمة والملاحم الكثيرة،
حتَّى استَقَرَّت دولة بني العبّاس، فَتَغيَّرَت الأحوال عمّا كانت عليه تَغُّراً بيِّناً، قال: ويُؤيِّد
هذا ما أخرجه أبو داود (٤٢٥٤) من حديث ابن مسعود رَفَعَه: / «تَدُور رَحَى الإسلام لخمسٍ ٢١٣/١٣
وثلاثينَ أو ستٍّ وثلاثينَ أو سبع وثلاثين، فإِن هَلَكوا فسبيلُ مَن هَلَكَ، وإن يَقُم لهم دينُهم
يَقُم لهم سبعينَ عاماً)، زاد الطَّبَرَانُّ والخطَّبيّ: فقالوا: سوى ما مضى؟ قال: (نَعَم))(١).
(١) أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٩١٥٩) موقوفاً، و(١٠٣١١) مرفوعاً دون هذه الزيادة، وقد فات
الحافظَ أنها موجودة في رواية أبي داود نفسه، وأخرجه بهذه الزيادة الطيالسي (٣٨٣)، وأحمد (٣٧٣٠)
و(٣٧٥٨)، وأبو يعلى (٥٢٨١)، والحاكم ٣/ ١٠٠ و١١٣.

٤٢٢
باب ٥١م / ح ٧٢٢٢ - ٧٢٢٣
فتح الباري بشرح البخاري
قال الخطَّابيُّ: ((رَحَى الإسلام)) كِناية عن الحرب، شَبَّهها بالرَّحَى التي تَطحَنُ الحَبّ لما
يكونُ فيها من تَلَف الأرواح، والمراد بالدّينِ في قوله: ((يَقُم لهم دينهم)» المُلْك، قال: فيُشبِهِ
أن يكونَ إشارةً إلى مُدَّة بني أُميَّة في الملك، وانتقاله عنهم إلى بني العبّاس، فكان ما بين
استقرار الملك لبني أُميَّة وظُهور الوَهَن فيه، نحوٌّ من سبعينَ سنة. قلت: لكن يُعكِّر عليه أنَّ
من استقرار الملك لبني أُميَّة عند اجتماع الناس على معاوية سنة إحدى وأربعينَ، إلى أن زالَت
دولة بني أُميَّة فقُتِلَ مروان بن محمَّد في أوائل سنة اثنتَينِ وثلاثينَ ومئة، أزيَدَ من تسعينَ سنة.
ثُمَّ نَقَلَ (١) عن الخطيب أبي بكر البغداديّ قوله: ((تَدُور رَحَى الإسلام)) مَثَلٌ، يريد أنَّ
هذه المدَّة إذا انتهت حَدَثَ في الإسلام أمرٌ عظيم يخاف بسبِهِ على أهله الهلاك، يُقال للأمرِ
إذا تَغَيَّرَ واستَحالَ: دارَت رَحَاه، قال: وفي هذا إشارة إلى انتقاض مُدَّة الخِلافة، وقوله:
(يَقُم لهم دينهم)) أي: مُلكُهم، وكان من وقت اجتماع الناس على معاوية إلى انتقاض مُلك
بني أُميَّة نحوٌ (٢) من سبعين.
قال ابن الجَوْزيّ: ويُؤيِّد هذا التَّأويل ما أخرجه الطَّبَرانيُّ(٣) من حديث عبد الله بن
عمرو بن العاص رَفَعَه: ((إذا مَلَكَ اثنا عشرَ من بني كَعْب بن لُؤَيّ كان النَّقْفُ والنِّقاف إلى
يوم القيامة)). انتهى، و((النَّقَف)) ظَهَرَ لي أنَّه بفتح النُّون وسكون القاف بعدها فاء، وهو
كَسْر الهامَة عن الدِّماغ، والنِّقاف بوزنِ فِعَال مِثْلُه، وكنّ بذلك عن القتل والقتال، ويُؤيِّده
قوله في بعض طرق جابر بن سَمُرة: ((ثمَّ يكونُ الهَرْجُ))، وأمّا صاحبٍ ((النِّهاية)) فضَبَطَه
بالثّاءِ المثَلََّة بَدَلَ الُّون، وفَسَّرَه بالجِدِّ الشَّديد في الخِصام، ولم أرَ في اللّغة تفسيره بذلك، بل
(١) يعني ابن الجوزي في كتابه ((كشف المشكل من حديث الصحيحين)) ١/ ٤٥٣، وكلام الخطيب المنقول هو
في كتابه «الفقيه والمتفقه» ٢٩٦/١، وهو عين كلام الخطابي في («غريب الحديث» ٥٤٩/١ إلا أن
الخطيب لم يصرِّح به، وقد نقل ابن الجوزي ١/ ٤٥٢ كلام الخطّابي أيضاً ثم عقّب عليه بقوله: ويؤيد هذا
التأويل ... إلخ.
(٢) في (أ) و(س): نحواً، بالنصب، والتصويب من (ع).
(٣) في ((المعجم الأوسط)) (٣٨٥٣)، لكن ابن الجوزي إنما ساقه من طريق الخطيب البغدادي، وهو في
((تاريخه)) ٦/ ٢٦٣، وإسناده ضعيف واستنكره الخطيب نفسه.

٤٢٣
باب ٥١م / ح ٧٢٢٢ - ٧٢٢٣
كتاب الأحكام
معناه: الفِطْنة والحِذْق ونحو ذلك، وفي قوله: ((من بني كَعْب بن لُؤَيّ)» إشارة إلى گَونهم
من قُرَيش، لأنَّ لُؤَيّاً هو ابن غالبٍ بن فِهْر، وفيهم جِماعُ قُرَيش، وقد يُؤخَذ منه أنَّ غيرهم
يكونُ من غير قُرَيش، فتكونُ فيه إشارة إلى القَحطانيّ المقدَّم ذِكرُه في كتاب الفتن (٧١١٧).
قال: وأمّا الوجه الثّاني فقال أبو الحسين بن المنادي في الجزء الذي جَعَه في المهديّ: يحتمل
في معنى حديث: ((يكونُ اثنا عشرَ خليفة)) أن يكونَ هذا بعد المهديّ الذي يخرُج في آخر
الزَّمان، فقد وَجَدتُ في كتاب دانيال: إذا ماتَ المهديّ مَلَكَ بعدَه خمسة رجال من ولِدِ السِّبط
الأكبَرَ، ثمَّ خمسة من ولدِ السِّبط الأصغَر، ثمَّ يُوصِي آخرُهم بالخِلافة لرجلٍ من ولدِ السِّبط
الأكبر، ثمَّ يَملِك بعده ولدُه، فيَتِمّ بذلك اثنا عشرَ مَلِكاً، كلّ واحد منهم إمام مَهديّ.
قال ابن المنادي: وفي رواية أبي صالح عن ابنِ عبَّاس: المهديّ اسمُه محمَّد بن عبد الله
وهو رجلٌ رَبْعة مُشرَب بحُمْرةٍ، يُفرِّج الله به عن هذه الأُمَّة کل کَرْب، ويَصرِف بعَدلِه كلّ
جَوْر، ثمَّ يَلي الأمرَ بعده اثنا عشرَ رجلاً: ستَّة من ولدِ الحسن، وخمسة من ولدِ الحسين،
وآخَرُ من غيرهم، ثمَّ يموت فيَفسُد الزّمان، وعن كَعْب الأحبار: يكونُ اثنا عشرَ مَهديّاً،
ثَمَّ يَنْزِل رُوحُ الله فيقتل الدَّجّال. قال: والوجه الثّالث: أنَّ المراد وجود اثنَي عشرَ خليفة في
جميع مُدَّة الإسلام إلى يوم القيامة، يَعمَلونَ بالحقِّ وإن لم تَتَوالَ أيامهم، ويُؤْيِّده ما أخرجه
مُسدَّد في ((مُسنَدِه الكبير)) من طريق أبي بَحْر، أنَّ أبا الجَلْد حدَّثه: أنَّه لا تَهلِك هذه الأُمَّة
حتَّى يكونَ منها اثنا عشرَ خليفة كلّهم يَعمَل بالهدى ودينِ الحقّ، منهم رجلان من أهل
بيت محمَّد، يعيش أحدُهما أربعينَ سنة، والآخر ثلاثينَ سنة، وعلى هذا فالمراد بقولِه: ((ثمَّ
يكونُ الهَرْجِ)) أي: الفتنُ المؤذِّنَة بقيام السّاعة، من خروج الدَّجّال ثمَّ يَأْجُوج ومَأْجُوج،
إلى أن تَنقَضي الدُّنيا. انتهى كلامُ ابنِ الجَوْزيّ ملخَّصاً بزياداتٍ يسيرة.
والوجهان الأوَّل والآخِرِ قد اشتَمَلَ عليهما كلامُ القاضي عِيَاض،/ فكأنَّه ما وَقَفَ عليه ٢١٤/١٣
بدليلِ أنَّ في كلامه زيادة لم يَشتَمِل عليها كلامُه، ويَنْتَظِم من مجموع ما ذَكَراه أوجُهٌ، أرجَحُها
الثّالث من أوجُه القاضي، لتأييدِه بقولِه في بعض طرق الحديث الصَّحيحة: ((كلّهم يَجِتَمِع

٤٢٤
باب ٥١م / ح ٧٢٢٢ - ٧٢٢٣
فتح الباري بشرح البخاري
عليه الناس))، وإيضاح ذلك أنَّ المراد بالاجتماع انقيادُهم لبيعتِهِ، والذي وَقَعَ أنَّ الناس
اجْتَمَعوا على أبي بكر ثمَّ عمر ثمَّ عثمان ثمَّ عليّ، إلى أن وَقَعَ أمرُ الْحَكَمَينِ في صِفِّينِ، فسُمّيَ
معاوية يومَئذٍ بالخِلافة، ثمَّ اجتَمَعَ الناس على معاوية عندَ صُلح الحسن، ثمَّ اجتَمَعوا على
ولِدِه يزيد، ولم يَنتَظِم للحسين أمرٌ بل قُتِلَ قبل ذلك، ثمَّ لمَّ ماتَ يزيد وَقَعَ الاختلافُ إلى
أن اجتَمَعوا على عبد الملك بن مروان بعد قتل ابنِ الزُّبَير، ثمَّ اجتَمَعوا على أولاده الأربعة:
الوليد ثمَّ سليمان ثمَّ يزيد ثمَّ هشام، وتَخْلَّلَ بين سليمان ويزيد عمرُ بن عبد العزيز، فهؤلاءِ
سبعة بعد الخلفاء الرَّاشِدينَ.
والثّاني عشرَ: هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك، اجتَمَعَ الناس عليه لمَّا ماتَ عَمُّه
هشام، فوَليَ نحوَ أربع سنين ثمَّ قاموا عليه فقَتَلوه، وانتَشَرَت الفتنُ وتَغيَّرَت الأحوال من
يومِئِذٍ، ولم يَتَّفِقِ أن يَجْتَمِع الناسُ على خليفة بعد ذلك، لأنَّ يزيد بن الوليد الذي قامَ على
ابنِ عمِّه الوليد بن يزيد لم تَطُلْ مُدَّتُه، بل ثارَ عليه قبل أن يموت ابنُ عمِّ أبيه مروان بن
محمَّد بن مروان، ولمَّا ماتَ يزيد وليَ أخوه إبراهيم فغَلَبَه مروان، ثمَّ ثارَ على مروان بنو
العبّاس إلى أن قُتِلَ، ثمَّ كان أوَّلَ خُلَفاء بني العبَّاس أبو العَبَّاس السَّفّاح، ولم تَطُل مُدَّته مع
كَثْرَة مَن ثارَ عليه، ثمَّ وليَ أخوه المنصور فطالَت مُدَّته، لكن خَرَجَ عنهم المغرب الأقصى
باستيلاءِ المروانيِينَ على الأندلس، واستَمرَّت في أيديهم مُتَغَلِّبينَ عليها إلى أن تَسَمَّوا
بالخلافة بعد ذلك.
وانفَرَطَ الأمرُ في جميع أقطار الأرض، إلى أن لم يَبقَ من الخِلافة إلّا الاسمُ في بعض
البلاد، بعد أن كانوا في أيام بني عبد الملك بن مروان يُخْطَب للخليفةِ في جميع أقطار
الأرض: شَرقاً وغرباً وشمالاً ويميناً ممَّا غَلَبَ عليه المسلمون، ولا يَتَوَّ أحدٌ في بلدٍ من
البلاد كلّها الإمارة على شيء منها إلّا بأمرِ الخليفة، ومَن نَظَرَ في أخبارهم عَرَفَ صِحَّة
ذلك، فعلى هذا يكونُ المراد بقولِه: ((ثمَّ يكونُ الفَرْج)) يعني: القتل الناشئ عن الفتن وقوعاً
فاشياً يَفشُو ويَستَمِرّ ويزداد على مَدَى الأيام، وكذا كان، والله المستعان.

٤٢٥
باب ٥١م / ح ٧٢٢٢ -٧٢٢٣
كتاب الأحكام
والوجه الذي ذكره ابنُ المُنادي ليس بواضح، ويُعكِّر عليه ما أخرجه الطَّبَرانيُّ
(٩٣٧/٢٢) من طريق قيس بن جابر الصَّدَفيّ عن أبيه عن جدِّه رَفَعَه: «سيكونُ من بعدي
خُلَفاء، ثمَّ من بعد الخلفاء أُمراءُ، ومن بعد الأُمراء ملوك، ومن بعد الملوك جَبابِرَة، ثمَّ
يَخْرُج رجل من أهل بيتي يملأ الأرض عَدلاً كما مُلِئَت جَوْراً، ثمَّ يُؤَمَّرِ القَحْطانيّ، فوالذي
بَعَثَني بالحقِّ ما هو دونه))(١)، فهذا يَرِدُ على ما نَقَلَه ابن المُنادي من كتاب دانيال، وأمّا ما
ذكره عن أبي صالحٍ فَوَاهِ جدّاً، وكذا عن کَعْب.
وأمّا مُحاوَلة ابنِ الجَوْزيّ الجمع بين حديث ((تدور رَحَى الإسلام)) وحديث الباب
ظاهرُ التَّكلُّف، والتَّفسير الذي فَسَّرَه به الخطَّبيُّ ثمَّ الخطيب بعيدٌ، والذي يَظهَر أنَّ المراد
بقولِه: ((تَدور رَحَى الإسلام)) أن تدومَ على الاستقامة، وأنَّ ابتداء ذلك من أوَّلِ البعثة النبويَّة،
فيكونُ انتهاء المدَّة بقَتلِ عمر في ذي الحِجَّة سنةَ أربعٍ وعشرينَ من الهِجْرة، فإذا انضَمَّ إلى ذلك
اثنتا عشرةَ سنة وستَّة أشهر من المبعَث في رمضانَ، كانت المدَّة خمساً وثلاثينَ سنة وستَّة أشهر،
فيكونُ ذلك جميع المدّة النبويَّة ومُدَّة الخليفتَينِ بعده خاصَّة، ويُؤْيِّده حديث حُذَيفة الماضي
قريباً (٧٠٩٦) الذي يشير إلى أنَّ باب الأمنِ من الفتنة يُكسَر بقَتلِ عمر، فيُقْتَح بابُ الفتن،
وكان الأمر على ما ذُكِرَ.
وأمّا قوله في بَقِيَّة الحديث: ((فإن يَهلِكوا فسبيلُ مَن هَلَكَ، وإن لم يَقُم لهم دينهم يَقُم
سبعينَ سنة)) فيكونُ المراد بذلك انقضاءَ أعمارهم، وتكونُ المدَّة سبعينَ سنة إذا جُعِل
ابتداؤُها من أوَّلِ سنة ثلاثينَ عند انقضاء ستّ سنين من خِلَافة عثمان، فإنَّ ابتداء الطَّعن
فيه إلى أن آلَ الأمرُ إلى قتله كان بعدَ ستّ سنين مَضَت من خلافته، / وعند انقضاء ٢١٥/١٣
السَّبعينَ لم يَبقَ من الصَّحابة أحدٌ، فهذا الذي يَظهَر لي في معنى هذا الحديث، ولا تَعرُّضَ
فيه لما يَتَعلَّق باثنَي عشرَ خليفة، وعلى تقدير ذلك فالأولى أن يُحمَل قوله: ((يكونُ بعدي
اثنا عشرَ خليفة)) على حقيقة البَعديَّة، فإنَّ جميع مَن وليَ الخِلافةَ من الصِّدّيقِ إلى عمرَ بن
(١) وإسناده ضعيف لجهالة بعض رواته.

٤٢٦
باب ٥٢ / ح ٧٢٢٤
فتح الباري بشرح البخاري
عبد العزيز أربعةَ عشرَ نفساً، منهم اثنان لم تَصِحَّ وِلايتُهما ولم تَطُل مُدَّتُهما، وهما: معاوية
ابن يزيد ومروان بن الحكم، والباقونَ اثنا عشرَ نفساً على الوِلَاء كما أخبَرَ وَلِّ، وكانت
وفاة عمر بن عبد العزيز سنة إحدى ومئة، وتَغيَّرَت الأحوال بعدَه، وانقَضَى القَرْن
الأوَّل الذي هو خير القُرون، ولا يَقدَحُ في ذلك قوله: ((يَجْتَمِع عليهم الناس)) لأنَّه يُحُمَل
على الأكثر الأغلَب، لأنَّ هذه الصِّفَة لم تُفقَد منهم إلّا في الحسن بن عليّ وعبد الله بن
الزُّبَير مع صِحَّة وِلا يتهما والحُكمِ بأنَّ مَن خالَفَهما لم يَثْبُت استحقاقُه إلّا بعدَ تسليم الحسنِ
وبعد قتل ابنِ الزُّبَير، والله أعلم.
وكانت الأُمور في غالبٍ أزمِنَة هؤلاءِ الاثني عشرَ مُنْتَظِمَة، وإن وُجِدَ في بعض مُدَّتهم
خِلَافُ ذلك، فهو بالنِّسبة إلى الاستقامة نادر، والله أعلم، وقد تَكلَّمَ ابن حِبّان (٦٦٦٤)
على معنى حديث ((تدور رَحَى الإسلام)) فقال: المراد بقوله: ((تدور رَحَى الإسلام)) لخمسٍ
وثلاثينَ أو ستّ وثلاثينَ انتقال أمر الخلافة إلى بني أُميَّة، وذلك أنَّ قيام معاوية عن عليّ
بِصِفِّينَ حتَّى وَقَعَ التَّحكيم هو مَبدَأْ مُشارَكَة بني أُميَّة، ثمَّ استَمَرَّ الأمر في بني أُمَيَّة من
يومِئِذٍ سبعينَ سنةً، فكان أوَّل ما ظَهَرَت دعاةُ بني العبّاس بخُراسانَ سنة ستّ ومئة؛ وساقَ
ذلك بعِبارَةٍ طويلة عليه فيها مُؤاخَذات كثيرة: أوَّلها: دَعْواه أنَّ قصَّة الحَكَمَينِ كانت في
أواخر سنة ستّ وثلاثين، وهو خِلَاف ما اتَّفَقَ عليه أصحاب الأخبار، فإنَّها كانت بعد
وقعة صِفّينَ بعِدَّة أشهر، وكانت سنة سبع وثلاثين، والذي قَدَّمتُه أَولى بأن يُحمَل الحديث
علیه، والله أعلم.
٥٢- باب إخراجِ الخصومِ وأهلِ الرِّيَبِ منَ البيوت بعدَ المعرفة
قد أخرَجَ عمرُ أُختَ أبي بكرٍ حینَ ناحَتْ.
٧٢٢٤ - حذَّثنا إسماعيلُ، حدَّثني مالكٌ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هُرَيرَةَ ﴾،
أنَّ رسولَ الله وَّ قال: ((والذي نفسي بيَدِه، لقد هَمَمْتُ أنْ آمُرَ بحَطَبٍ يُحْتَطَبُ، ثمَّ آمُرَ
بالصلاةِ فِيُؤَذَّنَ لها، ثمَّ آمُرَ رجلاً فِيَؤُمَّ الناسَ، ثمَّ أُخالِفَ إلى رجالٍ فَأَحَرِّقَ عليهم بيوتَهم،

٤٢٧
باب ٥٢ / ح ٧٢٢٤
كتاب الأحكام
والذي نفسي بيَدِه، لو يَعلَمُ أحدُكم أنَّه يَجِدُ عَرْقاً سَمِيناً، أو مِرْماتَينِ حَسَنتَينِ، لَشَهِدَ العِشاءَ)).
قال محمَّد بنُ يوسف: قال يُونُس: قال محمَّد بنُ سليمان: قال أبو عبدِ الله: مِرْماةٌ: ما بينَ
ظِلْفِ الشّاةِ من اللَّحم، مِثلُ: مِنْساةٍ ومِيضاةٍ، الميمُ مخفوضةٌ.
قوله: «باب إخراج الخصوم وأهل الرِّيَب من البيوت بعدَ المعرِفَة، وقد أخرج عمرُ أُختَ
أبي بكر حينَ ناحَتْ)) تقدَّمَت هذه التَرجمة والأثَر المعلَّق فيها والحديث في كتاب الإشخاص
(٢٤٢٠) وقال فيه: ((المعاصي)) بَدَل («أهل الرِّيَب)) وساقَ الحديث من وجه آخَر عن أبي
هريرةَ، وتقدَّم شرحه مُستَوفَّى في أوائل ((باب صلاة الجماعة)) (٦٤٤).
وقوله في / آخر الباب: ((قال محمَّد بن يوسف: قال يونس: قال محمَّد بن سليمان: قال أبو ٢١٦/١٣
عبد الله: مِرماةٌ: ما بين ظِلْف الشّاة من اللَّحم، مِثل: مِنساةٍ ومِيضاةٍ، الميم مخفوضة)) وقد تقدَّم
شرح المِرماتَينِ هناك، ومحمَّد بن يوسف هذا: هو الفِرَبريّ راوي ((الصَّحيح)) عن
البخاريّ، ويونس: هو ابن ... (١)، ومحمَّد بن سليمان: هو أبو أحمد الفارسيّ راوي ((التّاريخ
الكبير)» عن البخاريّ، وقد نَزَلَ الفِرَبريّ في هذا التَّفسير دَرَجتَين، فإنَّه أدخَلَ بينَه وبينَ
شيخه البخاريّ رجلَين، أحدهما عن الآخر، وثَبَتَ هذا التَّفسير في رواية أبي ذرِّ عن
المُستَملي وحده.
وقوله: ((مِثل: مِنسَاة ومِيضاةٍ)) أمّا مِنسَاة بالوَزنِ الذي ذكره بغير همزٍ فهي قراءَة أبي
عَمرو ونافع في قوله تعالى: ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ [سبأ: ١٤]، وقال الشّاعر:
إذا دَبَيتَ على المِنساةِ من هَرَمِ فقد تَبَاعَدَ عنكَ اللهوُ والغَزَّلُ
أنشَدَه أبو عُبَيْدَة، ثمَّ قال: وبعضهم يَهمِزها فيقول: مِنسَأَته. قلت: وهي قراءة الباقينَ بهمزةٍ
مفتوحة إلّا ابنَ ذَكْوانَ فسَكَّنَ الهمزة، وفيها قِراءات أُخَر في الشَّواذّ، والمِنساة: العصا، اسم
آلةٍ من: أنسَأَ الشيءَ: إذا أخَّرَه، وقوله: الميم مخفوضة أي: في كلٍّ من المِنِسَاة والمِيضَاة، وفي
المِيضَاة اللُّغات المذكورة.
(١) هنا بياض في الأصول.

٤٢٨
باب ٥٣ / ح ٧٢٢٥
فتح الباري بشرح البخاري
٥٣- باب هل للإمام أنْ يَمنَعَ المجرمِينَ وأهلَ المعصية
من الكلام معه والزِّيارة ونحوِه
٧٢٢٥ - حدَّثني يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيثُ، عن عُقَيل، عن ابنِ شِهابٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ
ابنِ عبدِ الله بنِ كَعْبٍ بنِ مالكٍ: أَنَّ عبدَ الله بنَ كَعْبٍ بنِ مالكٍ، وكانَ قائدَ كَعْبٍ مِن بَنِيهِ حينَ
عَمِيَ، قال: سمعتُ كَعْبَ بنَ مالكٍ قال: لمَّا تَخَلَّفَ عن رسولِ الله وَ فِي غَزْوةٍ تَبُوكَ ... فذكر
حديثَه؛ ونَهَى رسولُ اللهِ وَلِّ المسلمينَ عن كلامِنا، فَبِثْنا على ذلك خمسينَ ليلةً، وآذَنَ رسولُ الله
حَلّ بتَوْبةِ الله علينا.
قوله: ((باب هل للإمامِ أنْ يَمنَع المجرمينَ وأهل المعصية من الكلام معه والزّيارة ونحوه))
في رواية أبي أحمد الجُرْجانيّ: المحبوس، بَدَلَ المجرمين، وكذا ذكر ابنُ الِّين والإسماعيليّ
وهو أوجَهُ، لأنَّ المحبوس قد لا يَتَحقَّق ◌ِصيانُه، والأوَّل يكون من عطف العامّ على
الخاصّ، وهو المطابِق لحديثِ الباب ظاهراً، وذكر فيه طَرَفاً من حديث كَعْب بن مالك في
قصَّة تَخُلُّفه عن تَبُوك وتَوْبتِهِ، وقد تقدَّم شرحها مُستَوفَّى في أواخر كتاب المغازي (٤٤١٨)
بحمد الله تعالی.
٠٠

٤٢٩
باب ١ / خ ٧٢٢٦ -٧٢٢٧
كتاب التمنّي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كتاب التَّمِّْ
٢١٧/١٣
١ - باب ما جاءَّ في الثَّمنّي، ومَن تَمنَّى الشَّهادةَ
٧٢٢٦- حدَّثنا سعيدُ بنُ عُفَيرٍ، حدَّثني اللَّيْثُ، حدَّثني عبدُ الرَّحمنِ بنُ خالدٍ، عن ابنِ
شِهابٍ، عن أبي سَلَمَةَ وسعيدِ بنِ المسيّبِ، أَنَّ أبا هُرَيرةَ قال: سمعتُ رسولَ الله ◌ََّ يقولُ:
((والذي نفسي بيده، لولا أَنَّ رجالاً يَكْرَهونَ أنْ يَتَخلَّفوا بَعْدي، ولا أَجِدُ ما أَحِلُهم، ما تَلَّفْتُ،
لَوَدِدْتُ أَنّي أُقْتَلُ في سبيلِ الله ثمَّ أُحْيَا، ثمَّ أُقْتَلُ ثمَّ أُحْيَا، ثمَّ أُقْتَلُ ثَمَّ أُحْيَا، ثمَّ أُقْتَلُ)).
٧٢٢٧- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أَخبرنا مالكٌ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأَعرَجِ، عن أبي
هُرَيْرةَ، أَنَّ رسولَ اللهِّهِ قال: ((والذي نفسي بيَدِهِ، وَدِدْتُ أنّي أُقاتِلُ في سبيلِ الله فأُقْتَلُ ثمَّ
أُخْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثَمَّ أُخْيَا، ثمَّ أُقَلُ ثمَّ أُخْيَا، ثمَّ أُقْتَلُ ثمّ أُخْيَا).
فكانَ أبو هُرَيرةَ يقوهُنَّ ثلاثاً: أَشْهَدُ بالله.
قوله: ((بسمِ الله الرَّحمن الرحيم. كتاب الثَّمنّي. باب ما جاءَ في الثَّمنّي، ومَن تَّى الشَّهادةَ))
كذا لأبي ذَرّ عن المُستَملي، وكذا لابنٍ بَطّال لكن بغيرِ بسملة، وأثبتَها ابن التِّين لكن حَذَفَ
لفظ ((باب))، وللنَّسَفيِّ بعدَ البسملة: ((ما جاءَ في الثَّمنّي))، وللقاِسِيّ بحَذفِ الواو والبسملة
وكتاب، ومِثلُه لأبي نُعَيم عن الجُرْجانيّ، ولكن أثبَتَ الواوَ وزاد بعد قوله ((كتاب الثَّمنّي)):
والأمانيّ، واقتَصَرَ الإسماعيليّ على («باب ما جاءَ في تَمنّي الشَّهادة)».
والثَّمنّي: تَفَعُّل من الأُمنَيَّة والجمع: أمانيّ، والتَّمنّي: إرادة تتعلَّق بالمستقبَل، فإن
كانت في خيرٍ من غير أن تتعلَّق بحَسَدٍ، فهي مطلوبة، وإلّا فهي مذمومة.
وقد قيل: إنَّ بينَ الثَّمنّي والتَّرَجّي عموماً وخصوصاً، فالتَّرجّي في الممكِن، والتَّمنّ في
أعمَّ من ذلك، وقيل: التَّمنّي يَتَعلَّق بما فاتَ، وعَبَّرَ عنه بعضهم بطَلَبٍ ما لا يُمكِن حصولُه،
وقال الرَّاغِب: قد يَتَضَمَّن الثَّمنّي معنى الوُدّ، لأنَّه يَتَمِنَّى حصول ما يُوَدّ.

٤٣٠
باب ٢ / ح ٧٢٢٨
فتح الباري بشرح البخاري
وقوله: ((عبد الرَّحمن بن خالد)» هو ابن مُسافِرِ الفَهْميُّ المِصريّ: ونِصف السَّند مِصريّونَ
ونصفه الأعلى مدنيُّونَ، والمقصود منه هنا قوله: ((لَوَدِدتُ أنّ أُقتَل في سبيل الله ثمَّ أُحیا))،
ووَقَعَ في الطَّرِيقِ الثّانية: ((وَدِدت أنّ أُقاتل في سبيل الله فأُقْتَل)) وهي أبيَنُ، ووَقَعَ في رواية
الكُشْمِيهَنيّ: ((لَأُقاتل)) بزيادةٍ لام التَّأكيد، و((وَدِدت)) من الوَدَادة: وهي إرادة وقوع الشيء
على وجه مخصوص يُراد، وقال الرَّاغِب: الوُدّ: عَبَّة الشيء وتَمنّي حصوله، فمن الأوَّل:
﴿قُل لَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبَى﴾ الآية [الشورى: ٢٣]، ومن الثّاني: ﴿ وَدَّت طَّابِفَةٌ
مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ﴾ الآية [آل عمران: ٦٩].
وقد تقدَّم شرحُ حديث الباب وتوجيه تَمنّي الشَّهادة مع ما يُشكِل على ذلك في ((باب
تَمنّي الشَّهادة)) من كتاب الجهاد (٢٧٩٧)، والله أعلم.
٢ - باب تَمَنّي الخيرِ وقولِ النبيِّ وَّ: (لو كان لي أُحُدٌ ذهباً ... ))
٧٢٢٨- حدَّثنا إسحاق بنُ نَصْرٍ، حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، عن مَعمٍَ، عن هَّامِ، سَمِعَ أبا
٢١٨/١٣ هُرَيرةَ، عن النبيِّ / وَّرَ، قال: «لو كان عِنْدِي أُحُدٌ ذهباً، لأحبَبتُ أنْ لا يَأْتِيَ ثلاثٌ وعِنْدي منه
دِينارٌ، ليس شيءٌ أُرصِدُه في دَينٍ عليَّ أَجِدُ مَن يَقبَلُه)).
قوله: ((باب تَمنّي الخير)) هذه التَّرجمة أعمُّ من التي قبلها؛ لأنَّ تَمنّي الشَّهادة في سبيل الله
تعالى من جملة الخير، وأشارَ بذلك إلى أنَّ التَّمنّي المطلوب لا يَنحَصِر في طلب الشَّهادة.
وقوله: ((وقول النَّبِيّ ◌َِّ: لو كان لي أُحُد ذهباً)) أسنَدَه في الباب بلفظ: ((لو كان عندي))
واللَّفظ المعلَّق وَصَلَه في الرِّقاق (٦٤٤٥) بلفظ: «لو كان لي مِثلُ أُحُد ذهباً».
وقوله في الموصول: ((وعندي منه دينار، ليس شيءٌ أُرصِدُه في دَينٍ عليَّ أَجِدُ مَن يَقبَلُه)) كذا
وَفَعَ، وذكر الصَّغَانِيُّ أنَّ الصَّواب: ((ليس شيئاً) بالنَّصب.
وقال عِيَاض: في هذا السِّياق نَظَر، والصَّواب تقديم ((أجِدُ مَن يَقبَله)) وتأخير (ليسَ))
وما بعدَها، وقد اعتَرَضَ الإسماعيليّ فقال: هذا لا يُشبِهِ التَّمنّي، وغَفَلَ عن قوله في سياق
رواية همَّام عن أبي هريرةَ: ((لَأحبَبتُ)) فإنَّها بمعنى: وَدِدتُ، وقد جَرَت عادة البخاريّ أن

٤٣١
باب ٣ / ح ٧٢٢٩ - ٧٢٣٠
كتاب التمنّي
يُتَرجِم ببعضٍ ما وَرَدَ(١) من طرق بعض الحديث المذكور، وتقدَّم شرح الحديث مُستَوقَى في
کتاب الرِّقاق، وتقدّم كلام ابن مالك في ذلك هناك.
٣- باب قولِ النبيِّ ◌َّ:
(لو استَقبَلْتُ مِن أَمْري ما استَذْبَرْتُ))
٧٢٢٩ - حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن عُقَيل، عن ابنِ شِهابٍ، حدَّثني عُرْوةَ،
أَنَّ عائشةَ قالت: قال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِن أَمْري ما استَدْبَرْتُ، ما سُقْتُ الهَدْيَ،
ولَحَلَلْتُ مع الناسِ حينَ حَلُّوا».
٧٢٣٠ - حدَّثنا الحسنُ بنُ عمرَ، حدَّثنا يزيدُ، عن حَبِيبٍ، عن عطاءٍ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله،
قال: كنَّا مع رسولِ اللهَوَّ فِلَّنا بالحجِّ، وَقَدِمْنا مَكّةَ لأَرَبَع خَلَوْنَ مِن ذي الحِجّةِ، فَأَمَرَنا النبيُّ ◌َِله
أنْ نَطُوفَ بالبيتٍ وبالصَّفَا والمَرْوةِ، وأَنْ نَجْعَلَها عُمْرَةً، ولْنَحِلَّ إلا مَن كان معه هَدْيٌّ، قال: ولم
يَكُنْ مع أحدٍ مِنّ هَذْيٌّ غيرِ النبيِّ وَّهُ وطَلْحَةَ، وجاءَ عليٌّ منَ اليَمَنِ معه الهَدْيُ، فقال: أهلَلْتُ بما
أَهَلَّ به رسولُ اللهِ وَّةِ، فقالوا: نَنْطَلِقُ إلى مِنَّى وذَكَرُ أحدِنا يَقْطُرُ! قال رسولُ الله ◌َيِ: ((إنّي لو
استَقبَلْتُ مِن أَمْري ما اسْتَدْبَرْتُ، ما أَهْدَيتُ، ولولا أَنَّ معي الهَدْيَ لَحَلَلْتُ))، قال: ولَقِيَه سُرَاقَةُ
وهو يَرْمِي جَمْرَةَ العَقَبةِ، فقال: يا رسولَ الله، ألَنا هذه خاصّةً؟ قال: ((لا، بَلْ لأَبَدٍ)).
قال: وكانتْ عائشةُ قَدِمَتْ مَكّةَ وهي حائضٌ، فَأَمَرَها النبيُّ وَِّأَنْ تَنْسُكَ المَناسِكَ كلَّها،
غيرَ أَنَّها لا تَطُوفُ ولا تُصَلّى حتَّى تَطْهُرَ، فلمَّا نَزَلوا البَطْحاءَ قالت عائشةُ: يا رسولَ الله،
أَتْنطَلِقُونَ بِحَجّةٍ وعُمْرةٍ، وأَنْطَلِقُ بحَجّةٍ! قال: ثمَّ أَمَرَ عبدَ الرَّحمنِ بنَ أبي بكرِ الصِّدِّيقِ أنْ
يَنْطَلِقَ معها إلى التَّنعيمِ، فاعتَمَرَتْ عُمْرةً في ذي الحِجّةِ بعدَ أَيَامِ الحِّ.
قوله: ((باب قول النَّبِيّ ◌َّ: لو استَقبَلْتُ من أَمري ما استَذْبَرتُ)) ذكر فيه حديث عائشة
بلفظِهِ وبعده: ((ما سُقتُ الهَدْي))، وقد مَضَى من وجه آخَر أتمَّ من هذا في كتاب الحجّ
(١٥٦٠- ١٥٦٢).
(١) في (أ): ببعض ما يؤخذ.

٤٣٢
باب ٤ / ح ٧٢٣١
فتح الباري بشرح البخاري
٢١٩/١٣
ثُمَّ ذكر بعدَه حديث جابر وفيه: ((إنّي لو استَقْبَلتُ / من أمري ما استَدبَرت، ما أهديت)).
وحبيب في السَّند: هو ابن أبي قَرِيبة واسمه زيد، وقيل غير ذلك، وهو المعروف
بالمعلِّم(١)، وتقدَّم شرح الحديث مُستَوقَّ في كتاب الحجّ (١٧٨٥)، وقد وَقَعَ فيه ((لو)) مُجرَّدَة
عن النَّفي ومُعَقَبة بالنَّفي حيثُ جاءَ فيه: ((لو أنّي استَقبَلت))، وقال بعده: ((ولولا أنَّ معي
الهَدي لَأحلَلت))، وسيأتي ما قيل فيهما بعد أربعة أبواب.
٤ - باب قولِهِ وَالَ: ((لَيْتَ كذا وكذا»
٧٢٣١- حدَّثنا خالدُ بنُ مَخْلَدٍ، حدَّثنا سليمانُ بنُ بلالٍ، حدَّثْني يحيى بنُ سعيدٍ، سمعتُ
عبدَ الله بنَ عامٍ بنِ رَبيعةَ، قال: قالت عائشةُ: أَرِقَ النبيُّ وَِّ ذاتَ ليلةٍ، فقال: ((لَيْتَ رجلاً
صالحاً مِن أصحابي يَحْرُسُني اللَّلةَ)) إذْ سَمِعْنا صوتَ السِّلاح، قال: ((مَن هذا؟)) قيل: سعدٌ يا
رسولَ الله، جِئْتُ أَحْرُسُكَ، فنامَ النبيُّ بِّهِ حَتَّى سَمِعْنا غَطِيطَه.
قال أبو عبد الله: وقالت عائشةُ: قال بلالٌ:
أَلاَ لَيَتَ شِعْري هل أَبِيتَنَّ ليلةٌ بِوادٍ وحَوْلِي إِذْخِرٌ وجَليلُ
فأخبرتُ النبيَّ ◌َله.
قوله: (باب قول النَّبِيّ ◌َّ. لَيْتَ كذا وكذا)) لَيتَ حرفٌ من حُروف الثَّمنّي يَتَعلَّق
بالمستحيلِ غالباً وبالممكِنِ قليلاً، ومنه حديث الباب، فإنَّ كلّ من الحِراسَة والمَبِيت
بالمكان الذي تَمنّاه قد وُجِدَ.
قوله: ((أَرِقَ)) بفتح أوَّله وكَسْرِ الرَّاء، أي: سَهِرَ، وزنه ومعناه، وقد تقدَّم بيانه في ((باب
الحِراسَة في الغَزْو)) مع شرحه (٢٨٨٥).
وقوله: ((مَن هذا؟ قيل: سعد)) في رواية الكُشمِيهَنيّ: ((قال: سعد))، وهو أَولى فقد تقدَّم
في الجهاد بلفظ: فقال: أنا سعد بن أبي وقّاص؛ ويُستَفاد منه تعيينُه.
(١) في الأصلين و(س): بالعلم، بإسقاط الميم الأولى، والصواب ما أثبتنا.

٤٣٣
باب ٤ / ح ٧٢٣١
كتاب التمنّي
تنبيه: ذَكَرتُ في ((باب الحِراسَة)) من كتاب الجهاد ما أخرجه التِّرمِذيّ (٣٠٤٦) من
طريق عبد الله بن شَقِيق عن عائشة قالت: كان النَّبِيّ وََّ يُجُرَس حتَّى نَزَلَت: ﴿وَاللّهُ
يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]؛ وهو يَقتَضي أنَّه لم يُجُرَس بعد ذلك بناءً على سَبِقِ نزول
الآية، لکن وَرَدَ في عِدَّة أخبار أنَّه حُرِسَ في بدر، وفي أُحُد، وفي الخندق، وفي رُجوعه من
خَيْبِرَ، وفي وادي القُرَى، وفي عُمرة القضيَّة، وفي حُنَيْنٍ، فكأنَّ الآية نَزَلَت مُتَراخية عن
وقعة حُنَينٍ.
ويُؤيِّده ما أخرجه الطََّرانيُّ في ((الصَّغير)) (٤١٨) من حديث أبي سعيد: كان العبّاس
فيمَن يَحِرُس النَّبِيَّ نَّهَ فلمَّا نَزَلَت هذه الآية تَرَكَ(١)؛ والعبَّاس إِنَّمَا لازَمَه بعد فتح مكَّة،
فيُحمَل على أنَّهَا نَزَلَت بعد حُنَينٍ، وحديث حِراسَته ليلة حُنَينٍ أخرجه أبو داود (٢٥٠١)
والنَّسائيُّ (ك٨٨١٩) والحاكم (٢٣٧/١ و٨٣/٢-٨٤) من حديث سَهْل ابن الحَنظَلَيَّةِ: أنَّ
أنس بن أبي مَرَد حَرَسَ النَّبِيّ وَّ تلك اللَّيلة.
وتَتَبَّعَ بعضُهم أسماء مَن حَرَسَ النَّبِيَّ ◌ََّ، فجمع منهم: سعد بن معاذ، ومحمَّد بنُ
مَسلَمَةَ، والزُّبَير، وأبو أيوب، وذَكْوان بن عبد القيس، والأَدرَع السُّلَمي، وابن الأدرَع،
واسمه مِحجَن ويُقال: سَلَمَةَ، وعبَّاد بنُ بِشْر، والعبَّاس، وأبو رَتْجانة، وليس كلّ واحد من
هُؤُلاءِ ولا(٢) في الوقائع التي تقدَّم ◌ِذِكرُها حَرَسَ النَّبِيَّ نَّه وحدَه، بل ذُكِرَ في مُطلَق
الحَرَس، فأمكَنَ أن يكون خاصّاً به كأبي أيوب حين بنائهِ بصَفيَّةَ بعدَ الرُّجوع من خَيْبِرَ،
وأمكَنَ أن يكون حَرَسَ أهلَ تلك الغَزْوة كأنسِ بن أبي مَرَد، والعِلمُ عند الله تعالى.
قوله: ((وقالت عائشة: قال بلال: أَلا لَيْتَ شِعْري هل أبيتَنَّ ليلة ... )) إلى آخره، هذا حديث
آخَر تقدَّم موصولاً بتمامِه في مَقدَم النَّبيّ ◌َ ل﴿ من كتاب الهِجْرة (٣٩٢٦)، وموضع الدّلالة منه
قولها: فأخبَرَتُ النَّبِيّ ◌َّه، ولذلك اقتَصَرَ من الحديث عليها، والذي في الرّواية الموصولة:
قالت عائشة: فجِئْتُ النَّبِيّ ◌َلّ فأخبرتُه.
(١) وإسناده تالف لا يصلح للاحتجاج البتّة.
(٢) لفظ ((ولا)) سقط من (س).

٤٣٤
باب ٥ / ح ٧٢٣٢
فتح الباري بشرح البخاري
٢٢٠/١٣
٥- باب تَنِّي القرآنِ والعِلْم
٧٢٣٢- حدَّثْنَا عُثمانُ بنُ أبي شَيْبةَ، حدَّثْنَا جَرِيرٌ، عن الأَعمَشِ، عن أبي صالحٍ، عن أبي
هُرَيرةَ، قال: قال رسولُ الله ◌َّةِ: ((لا تَحَاسُدَ إلا في اثنتَيْنِ: رجلٌ آتاهُ اللهُ القرآنَ فهو يَتْلُوه آناءَ
اللَّيلِ والنَّهارِ، يقولُ: لو أُوتِيتُ مِثلَ ما أُويَ هذا، لَفَعَلتُ كما يَفعَلُ، ورجلٌ آتاهُ اللهُ مالاً يُنِفِقُه
في حَقِّه، فيقولُ: لو أُوتِيتُ مِثلَ ما أُوتِيَ، لَفَعَلتُ کما یَفعَلُ».
حدَّثنا قُتِبٌ، حدَّثنا جَرِيرٌ ... بهذا.
قوله: (باب تَمنّي القرآن والعِلْم)) ذكر فيه حديث أبي هريرةَ: ((لا تَّحاسُد إلّا في اثنتَينِ))
وهو ظاهرٌ في تَمنّي القرآن وأضافَ العِلمَ إليه بطريق الإلحاق به في الحُكم، وقد تقدَّم في
العلم (٧٣) من وجه آخَر عن الأعمش، وتقدَّم شرحه مُستَوَى في كتاب العِلم.
وقوله هُنا: ((فهو يَتَلُوه آنَاءَ اللَّيل)) وَقَعَ في رواية الكُشِمِيهَنِيّ: ((مِن آنَاء اللَّيل)) بزيادةِ ((من)).
قوله: ((يقول: لو أُوتيتُ)) كذا فيه بحَذفِ القائل، وظاهره أنه الذي أُوتي القرآن، ولیس
كذلك بل هو السّامع، وأفصَحَ به في الرِّواية التي في فضائل القرآن (٥٠٢٦) ولفظه:
فسَمِعَه جارٌ له فقال: لَيْتَني أُوتيت ... إلى آخره، ولفظ هذه الرِّواية أدخَلُ في الثَّمنّي، لكنَّه
جَرَى على عادته في الإشارة.
٦ - باب ما يُكرَه منَ التَّمنِّي
﴿وَلَا تَثَمَنَّوْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ، بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾ إلى قوله:
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا﴾ [النساء: ٣٢]
٧٢٣٣ - حدَّثْنَا حسنُ بنُ الرَّبِيع، حدَّثنا أبو الأَحوَصِ، عن عاصمٍ، عن النَّضْرِ بنِ أنسٍ،
قال: قال أنسُ ﴾: لولا أَنّ سمعتُ النبيَّ ◌َّ يقولُ: ((لا تَتَمنَّوا الموتَ)) لَتَمِنَِّتُ.
٧٢٣٤ - حدَّثنا محمَّدٌ، حدَّنا عَبْدةُ، عن ابنِ أبي خالدٍ، عن قيسٍ، قال: أَتَيْنا خَبّابَ بنَ الأَرَتِّ
نَعودُه وقدِ اكْتَوَى سبعاً، فقال: لولا أنَّ رسولَ الله وَِّ نَهانا أنْ نَدْعوَ بالموتِ، لَدَعَوتُ به.

٤٣٥
باب ٦ / ح ٧٢٣٣ -٧٢٣٥
كتاب التمنّي
٧٢٣٥- حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا هشامُ بنُ يوسفَ، أَخبرنا مَعمَرٌ، عن الزُّهْريِّ،
عن أبي عُبَيدٍ - اسمُه سعدُ بنُ عُبَيدٍ مولى عبدِ الرَّحمنِ بنِ أَزْهَرَ - أَنَّ رسولَ اللهِوَلِّ قال: ((لا يَتَمَنَّى
أحدُكُمُ الموتَ، إمّا تُحِناً فلعلَّه يَزْدادُ، وإِمَا مُسِيئاً فلعلَّه يَسْتَعْتِبُ)).
قوله: ((باب ما يُكرَه من الثَّمنّي)) قال ابن عَطيَّة: يجوز تَمنّي ما لا يَتَعلَّق بالغير، أي: ممَّا
يُباح، وعلى هذا فالنَّهي عن الثَّمنّي مخصوصٌ بما يكون داعيةً إلى الحَسَد والتَّاغُض، وعلى
هذا يُحمَلُ قول الشافعيّ: لولا أنّا نَأَثَمُ بالثَّمِنِّي، لتَمنَّينا أن يكون كذا؛ ولم يُرِدْ أنَّ كلّ
الثَّمنّي يَحَصُل به الإثم.
قوله: ﴿ وَلَا تَكَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ، بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ
بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا﴾)) كذا لأبي ذَرّ، وساقَ في رواية كَرِيمة الآيةَ كلّها.
ذكر فيه ثلاثة أحاديث كلّها في الَّجر عن تَمنّي الموت، وفي مُناسَبتها للآيةِ غُموض، إلّا
إن كان أرادَ أنَّ المكروه من الثَّمنّي هو جِنسُ، ما دَلَّت عليه الآية وما دَلَّ/ عليه الحديث، ٢٢١/١٣
وحاصلُ ما في الآية الزَّجرُ عن الحَسَد، وحاصلُ ما له في الحديث الحثُّ على الصَّبر؛ لأنَّ
تَمَنِّي الموت غالباً يَنشَأ عن وقوع أمر يختار الذي يقعُ به الموتَ على الحياة، فإذا نُهُيَ عن تَمنّي
الموت كأنّه (١) أُمِرَ بالصَّبرِ على ما نزل به، ويَجمَع الحديث والآية الحثّ على الرِّضا بالقضاءِ
والتَّسليم لأمر الله تعالى.
وٍوَقَعَ في حديث أنس من طريق ثابت عنه في (باب تَنّي المريض الموتَ)) من كتاب
المرضَى (٥٦٧١) بعد النَّهي عن تَمنّي الموت: ((فإن كان لا بُدَّ فاعلاً فليَقُل: اللهُمَّ أَحيني ما
كانت الحياةُ خيراً لي)) الحديث، ولا يَرِدُ على ذلك مشروعيَّة الدُّعاء بالعافيةِ مَثَلاً، لأنَّ الدُّعاء
بتحصيل الأُمور الأُخرَويَّة يَتَضَمَّن الإيمانَ بالغيبِ مع ما فيه من إظهار الافتقار إلى الله تعالى،
والتَّذَلُّل له والاحتياج والمسكَنَة بينَ يَدَيه، والدُّعاء بتحصيلِ الأُمور الدُّنيَويَّة لاحتياجِ الدّاعي
إليها، فقد تكون قُدِّرَت له إن دَعَا بها، فكلّ من الأسباب والمسبَّبات مُقَدَّر، وهذا كلّه بخِلَاف
(١) تحرف في (ع) و(س) إلى: كأن، بإسقاط الهاء.

٤٣٦
باب ٦ / ح ٧٢٣٣ -٧٢٣٥
فتح الباري بشرح البخاري
الدُّعاء بالموتِ، فليست فيه مَصلَحةٌ ظاهرة بل فيه مَفسَدَة: وهي طلبُ إزالة نِعمَة الحياة
وما يَترتَّب عليها من الفوائد، لا سيَّما لمن يكون مُؤمِناً، فإنَّ استمرار الإيمان من أفضل
الأعمال، والله أعلم.
وقوله في الحديث الأول: ((عاصم)) هو ابن سليمان المعروف بالأحوَل، وقد سَمِعَ من
أنس، ورُبَّما أدخَلَ بينَهما واسطةً كهذا، ووَقَعَ عند مسلم (١١/٢٦٨٠) في هذا الحديث من رواية
عبد الواحد بن زياد عن عاصم عن النَّضر بن أنس قال: قال أنس، وأنسٌُ يومَئذٍ حَيٌّ، فذكره.
وقوله: ((لا ◌َمَنَّوْا)) بفتح أوَّله وثانيه وثالثه مُشدَّداً وهي على حَذْف إحدَى التّاءَين، وثَبَتَت
في رواية الكُشمِيهَنيّ: ((لا تَتَمِنَّوا))، وزاد في رواية ثابت المذكورة عن أنس: «لا يَتَمنََّنَّ أحدُكم
الموتَ لضُرِّ نَزَلَ به)) الحديث، وقد مَضَى الكلام عليه في كتاب المرضَى، وأورَدَ نحوه من
طريق عبد العزيز بن صُهَيبٍ عن أنس في كتاب الدَّعَوات (٦٣٥١).
ومحمَّد في الحديث الثاني: هو ابن سَلَامِ، وعَبْدةَ: هو ابن سليمان، وابن أبي خالد: هو
إسماعيل، وقيس: هو ابن أبي حازم، والسَّند كلّه كوفيّونَ إلّا شيخَ البخاريّ. وقد مَضَى
الكلام عليه في كتاب المرضَى (٥٦٧٢).
وقوله في الرواية الثالثة: ((عن الزُّهْريّ)) كذا لهشام بن يوسف عن مَعمَر، وقال عبد الرَّزّاق:
عن مَعمَر عن همَّام بن مُنبِّه عن أبي هريرةَ، أخرجه مسلم (٢٦٨٢)، والطَّريقان محفوظان
لمعمَرٍ، وقد أخرجه أحمد (٨٠٨٦) عن عبد الرَّزاق عن معمر عن الزُّهْريّ، وتابعَه فيه عن
الزُّهْرِيِّ شُعَيبٌ وابن أبي حَقْصة ويونس بن يزيد(١).
وقوله: ((عن أبي عُبَيد)) هو سعد بن عُبَيد مولى ابن أَزْهَر، وقد أخرجه النَّسائيُّ (ك١٩٥٧)
والإسماعيليّ من طريق إبراهيم بن سعد عن الزُّهْريّ فقال: عن عُبَيد الله بن عبد الله بن
عُتبةَ عن أبي هريرةَ، لكن قال النَّسائيُّ: إنَّ الأوَّل هو الصَّواب.
(١) رواية شعيب سلفت عند البخاري برقم (٥٦٧٣)، ورواية ابن أبي حفصة عند أحمد برقم (١٠٦٦٩)،
وأما رواية يونس بن يزيد فلم نقف عليها!

٤٣٧
باب ٦ / ح ٧٢٣٣ -٧٢٣٥
كتاب التمنّي
قوله: ((لا يَتَمنَّى)) كذا للأكثرِ بلفظِ النَّفي، والمراد به النَّهيُ، أو هو للنَّهي وأُشبِعَت الفتحة،
ووَقَعَ في رواية الكُشمِيهَنيّ: ((لا يَتَمِنَّيَنَّ)) بزيادةِ نون التَّأكيد، ووَقَعَ في رواية هَمَّام المشار
إليها: ((لا يَتَمِنَّ(١) أحدكم الموت، ولا يَدْعُ به مِن قَبلِ أن يأتيه)»، فجَمَعَ في النَّهي عن ذلك بينَ
القَصْد والنُّطق، وفي قوله: ((من قبل أَن يَأْتِيَه)) إشارة إلى الزَّجر عن كراهيته إذا حَضَرَ، لئلا
يَدخُل فيمَن كَرِهَ لقاءَ الله تعالى، وإلى ذلك الإشارة بقولِهِ وَِّ عندَ حضور أجَلِه: «اللهُمَّ
ألِقْني بالرَّفيق الأعلى))(٢)، وكلامه ◌ََّ بعدَما خُيِّرَ بينَ البَقَاء في الدُّنيا والموت، فاختارَ ما
عندَ الله، وقد خَطَبَ بذلك وفَهِمَه عنه أبو بكر الصِّدّيق كما تقدَّم بيانه في المناقب (٣٦٥٤).
وحِكَمَة النَّهي عن ذلك: أنَّ في طلب الموت قبلَ حُلوله نوعَ اعتراض ومُراغَمَة للقَدَرِ،
وإن كانت الآجال لا تزيد ولا تَنقُص، فإنَّ تَمَنّي الموت لا يُؤَثِّر في زيادتها ولا نقصها، ولكنَّه
أمر قد غُيِّبَ عنه، وقد تقدَّم في كتاب الفتن (٧١١٥) ما يَدُلّ على ذَمّ ذلك في حديث أبي هريرةَ:
((لا تقوم السّاعة حتَّى يَمُرَّ الرجل بقَيرِ الرجل يقول: يا لَيْتَني مكانَه)) وليس به الدِّين إلّا البلاء.
وقد تقدَّم شرح ذلك مُستَوفَّى في ((باب / تَمنِّي المريض الموت)) من كتاب المرضَى (٥٦٧٣).
٢٢٢/١٣
قال النَّوَويّ: في الحديث التَّصريح بكَرَاهِ تَمنّي الموت لضُرِّ نَزَلَ به من فاقَةٍ أو مِحنَة بعدِّ
ونحوه من مَشَاقٌ الدُّنيا، فأمّا إذا خافَ ضَرَراً أو فتنة في دينه، فلا كَراهَة فيه لمفهوم هذا الحديث،
وقد فَعَلَه خلائقُ من السَّلَف لذلك، وفيه أنَّ مَن خالَفَ فلم يَصبِرِ على الضُّ، وتَنَّى الموت
لِضُرِّ نَزَلَ به، فليقل الدُّعاء المذكور. قلت: ظاهر الحديث المنعُ مُطلَقاً والاقتصار على الدُّعاء
مُطلَقاً، لكنَّ الذي قاله الشَّيخ لا بأس به من وَقَعَ منه التَّمِنِّي ليكونَ عَوناً له على ترك الثَّمنّي.
قوله: ((إمّا مُحسِناً فلعلَّه يَزْدادُ، وإمّا مُسيئاً فلعلَّه يَستَعِبُ)) كذا لهم بالنَّصبِ فيهما، وهو
على تقدير عامل نَصبٍ نحو: يكون، ووَقَعَ في رواية أحمد (٨٠٨٦) عن عبد الرَّزّاق بالرَّفع
فيهما، وكذا في رواية إبراهيم بن سعد المذكورة، وهي واضحة.
(١) هو عند مسلم برقم (٢٦٨٢) وفي المطبوع منه: ((لا يتمنى)) بالألف، وفي بعض نسخه الخطية المتقنة من
غير ألف كما ذكر الحافظ.
(٢) سلف عند البخاري برقم (٤٤٤٠).

٤٣٨
باب ٧ / ح ٧٢٣٦
فتح الباري بشرح البخاري
وقوله: ((يَستَعْتِب)) أي: يَستَرضي اللهَ بالإقلاع والاستغفار، والاستِعتابُ: طلبُ الإعتاب،
والهمزة للإزالة، أي: يَطلُب إزالة العِتاب، عاتَبَه: لامَه، وأعتَبَه: أزالَ عِتابَه. قال الكِرمانيُّ:
وهو ممَّا جاءَ على غير القياس إذ الاستِفعالُ إنّما ينبني من الثّلاثيّ لا من المَزِيد فيه، انتهى.
وظاهرُ الحديث انِصارُ حال المكلَّف في هاتَينِ الحالتين، وبَقِيَ قِسمٌ ثالث: وهو أن
يكون مُخلِّطاً فيَستَمِّرّ على ذلك، أو يزيد إحساناً، أو يزيد إساءة، أو يكون مُحُسِناً فيَنقَلِب
مُسيئاً، أو يكون مُسيئاً فيزداد إساءَة، والجواب: أنَّ ذلك خَرَجَ مَخرَج الغالب؛ لأنَّ غالب
حال المؤمِنِينَ ذلك، ولا سيّما والمخاطَب بذلك شِفاهاً الصَّحابةُ، وقد تقدَّم بيان ذلك
مبسوطاً مع شرحه هناك(١).
وقد خَطَرَ لي في معنى الحديث أنَّ فيه إشارةً إلى تغبيط المحسِن بإحسانه وتحذير المسيء
من إساءَته، فكأنَّه يقول: مَن كان مُحسِناً فليَرُك تَمَنِّي الموت، وليَستَمِّرَّ على إحسانه والازدياد
منه، ومَن كان مُسيئاً فليَرُكُ تَمنّي الموت وليُقلِعْ عن الإساءَة؛ لئلا يموتَ على إساءَته فيكون
على خَطَرٍ، وأمّا مَن عَدَا ذلك مَمَّن تَضَمَّنَه التَّقسيم، فيُؤخَذ حكمُه من هاتين الحالتينِ، إذ لا
انفكاكَ عن أحدهما، والله أعلم.
تنبيه: أوَرَدَ البخاريّ في كتاب ((الأدب)) (٧٩٤) في هذه التَّرجمة حديث أبي هريرةَ رَفَعَه:
((إذا تَمنَّى أحدكم فليَنظُرُ ما يَتَمنَّى، فإنَّه لا يدري ما يُعطَى وهو عنده)) من رواية عمر بن
أبي سَلَمَةَ عن أبي سَلَمَةَ عن أبي هريرةَ، وليس على شَرْطه، فلم يُعرِّج عليه في ((الصَّحيح)(٢).
٧- باب قولِ الرجلِ: لولا اللهُ ما اهتَدَینا
٧٢٣٦ - حدَّثْنَا عَبْدَانُ، أخبرني أبي، عن شُعْبةَ، حدَّثنا أبو إسحاقَ، عن البراءِ بنِ عازِبٍ،
قال: كان النبيُّ ◌َّهِ يَنْقُلُ مَعَنا التُّرَابَ يومَ الأَحزاب، ولقد رَأَيْتُهُ وارَى التُرابُ بياضَ بَطْنِهِ،
يقولُ: لولا أَنتَ ما اهْتَدَينا نحنُ ولا تَصَدَّقْنا ولا صَلَّيْنَا، فأنزلنَ سَكِينَةً علينا، إنَّ الأُلى - وربَّما
قال: المَلَا - قد بَغَوْا علينا، إذا أرادوا فِتْنَةً أَبَيْنا .. أَبَيْنا، يرفعُ بها صوتَه.
(١) أي: في كتاب المرضى، عند الحديث رقم (٥٦٧٣).
(٢) عمر بن أبي سلمة مُتكلّم فيه، وهو في التفرّد والمخالَفة ضعيف.

٤٣٩
باب ٧ / ح ٧٢٣٦
كتاب التمنّي
قوله: ((باب قول الرجل)) كذا للأكثر، وللمُستَملي والسَّرَخسيّ: قول النَّبِّ وََّ .
قوله: (لولا أَنتَ ما اهْتَدَينا)» أشارَ إلى رواية مُختصَرة أورَدَها في ((باب حَفْر الخندق)» في
أوائل الجهاد (٢٨٣٦) من وجه آخَر عن شُعْبة بلفظ: كان النَّبِيّ ◌َّهِ يَنْقُل ويقول: ((لولا
أنتَ ما اهْتَدَينا))، وأورَدَه في غَزْوة الخندق (٤١٠٤) من وجه آخَر عن شُعْبة أتمَّ سياقاً.
وقوله هُنا: «لولا أنتَ ما اهتَدَينا» وفي بعضها: ((لولا الله)) هكذا وَقَعَ بحذفٍ بعض الجزء
الأوَّل، ويُسمَّى: الْخَرْم، بالخاءِ المعجَمَة والرَّاء السّاكنة، وتقدَّم في غَزْوة الخندق (٤١٠٤)
من وجه آخَر عن شُعْبة بلفظ: ((والله لولا الله ما اهتَدَينا))،/ وهو موافق للفظِ التَّرجمة، ومن ٢٢٣/١٣
وجه آخَر عن أبي إسحاق (٤١٠٦): «اللهُمَّ لولا أنتَ ما اهتَدَينا»، وفي أوَّل هذا الجزء
زيادة سببٍ خفيف وهو الخَزْم، بالزّاي، وتقدَّمَت الإشارة إلى هذا في كتاب الأدب
(٦١٤٨)، والرِّواية الوُسطَى سالمة من الخَرْم والخَزْم معاً.
وقوله هُنا: ((إنَّ الأَلى - ورُبَّما قال: إِنَّ المَلَا - قد بَغَوا علينا)) تقدَّم في غَزْوة الخندق: ((إنَّ
الأُلى قد بَغَوا علينا)) ولم يَتَردَّد، والأَلى بهمزةٍ مضموماً غير ممدودة واللّام بعدها مفتوحة
وهي بمعنى: الذين، وإنَّما يَتَّزِن بلفظِ الذين، فكأنَّ أحد الرُّواة ذكرها بالمعنى، ومَضَى في
الجهاد (٣٠٣٤) من وجه آخَر عن أبي إسحاق بلفظِ: إنَّ العِدَا، وهو غير موزون أيضاً، ولو
کان «الأعادي) لانّزن.
وعندَ النَّسائيِّ (٣١٥٠) من وجه آخرَ عن سَلَمَةَ بن الأكوع: ((والمشركونَ قد بَغَوْا علينا))
وهذا موزون، ذكره في رَجَز عامر بن الأكوع، وتقدَّم شرحه مُستَوفَّى في غَزْوة خَيْبرِ (٤١٩٦).
قوله: قبل ذلك: ((ولقد رَأَيتُه وارَى التُرابُ)) بسكونِ الألف وفتح الرَّاء بلفظِ الفعل الماضي
من المُوَاراة، أي: غَطَّى، وزنه ومعناه، كذا للجميع إلّ الكُشِمِيهَنِيّ فَوَقَعَ في روايته: وإِنَّ
التُّرابِ لَمُوَارٍ.
قوله: ((بياضَ بَطْنه)) كذا للجميع إلّا الكُشمِيهَنِيّ فقال: بياض إبطيه، تثنية الإبْط، ووَقَعَ
في الرِّواية التي في المغازي (٤١٠٤): حتَّى اغبَرَّ بطنُه، وفي الرّواية الأُخرى (٤١٠٦): رأيته

٤٤٠
باب ٧ / ح ٧٢٣٦
فتح الباري بشرح البخاري
يَنْقُل من تراب الخندق، حتَّى وارَى عَنِّي التُرابُ جِلدَة بطنه، فسَمِعته يَرتَجِز بكلمات ابن
رَوَاحَة؛ يعني: عبد الله الشّاعر الأنصاريّ الصَّحابيّ المشهور، وقد تقدَّم في غَزْوة خَيْبرِ أنَّه
من شِعر عامر بن الأكوع، وذَكَرتُ وجه الجمع بينهما هناك وما في الأبيات المذكورة من
زِحَاف وتوجيهه.
وتقدَّم ما يَتَعلَّق بحُكم الشِّعر إنشاداً وإنشاءً في حَقّ النَّبِّ وَُّ وفِي حَقّ مَن دونَه في
أواخر كتاب الأدب (٦١٤٥) بحمد الله تعالی.
قال ابن بَطّال: ((لولا)) عند العرب يَمتَنِعِ بها الشيءُ لوجودِ غيره، تقول: لولا زيد ما
صِرِتُ إليك، أي: كان مَصِيري إليك من أجل زيد، وكذلك: لولا اللهُ ما اهتَدَينا، أي:
کانت هدایتنا من قِبَل الله تعالى.
وقال الرَّاغِب: لوقوع غيره، ويَلزَم خبرَه الحذفُ ويُستَغنَى بجوابِه عن الخبر، قال: وتجيء
بمعنى: هَلَّا، نحو ﴿لَوْلَآ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا ﴾ [طه: ١٣٤]، ومثله ((لوما)) بالميمِ بَدَل اللّام.
وقال ابن هشام: ((لولا)) تجيء على ثلاثة أو جُه:
أحدها: أن تَدخُل على جملة لتَربِط امتناعَ الثّانية بوجودِ الأولى، نحو: لولا زيد لَأكرَمتُك،
أي: لولا وجودُه.
وأمّا حديث: ((لولا أن أشُقَّ)) فالتَّقدير: لولا ◌َافَةُ أن أَشُقٌّ لَأَمَرت أمرَ إيجاب، وإلّا
لانعَكَسَ معناها، إذ الممتَنِعِ المشَقَّة، والموجود الأمر.
والوجه الثّاني: أنَّها تجيء للحَضِّ: وهو طلبٌ بحثٌّ وإزعاج، ولِلعَرْض: وهو طلبٌ
بِلِينٍ وأدَب، فَتَخْتَصّ بالمضارع نحو ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾ [النمل: ٤٦].
والوجه الثّالث: أنَّها تجيءُ للتَّوبيخ والتندُّم، فَتَخْتَصّ بالماضي نحو: ﴿لَّوْلَا جَاءُو عَلَيْهِ
بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ﴾ [النور: ١٣] أي: هَلَّا، انتهى.
وذكر أبو عُبَيد الهَرَويّ في ((الغَرِيبَين)) أنَّها تجيء بمعنى ((لمَ لا)) وجَعَلَ منه قوله تعالى:
﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةُ ءَامَنَتْ﴾ [يونس: ٩٨]. والجُمهور أنَّها من القِسم الثّالث، ومَوقِع الحديث