النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
باب ٤٨ / ح ٧٢١٢
كتاب الأحكام
معاوية عن الأعمَش عند مسلم (١٧٣/١٠٨) على وفق الآية التي في آلِ عِمرانَ، وقال في
آخر الحديث(١): ثمَّ قرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَيْمَنِهِمْ ثَمَلِيلًا ﴾ يعني ٢٠٢/١٣
إلى آخر الآية [آل عمران: ٧٧].
قوله: ((رجلٌ على فضْل ماءٍ بالطَّريقِ يَمنَع منه ابنَ السَّبيل)) في رواية عبد الواحد: ((رجلٌ
كان له فضلُ ماءٍ مَنَعَه من ابن السَّبيل»، والمقصود واحد وإن تَغايرَ المفهومان؛ لتَلازُمِهِما،
لأَنَّه إذا مَنَعَه من الماء فقد مَنَعَ الماء منه، وقد تقدَّم الكلام عليه في كتاب الشِّرب.
ووَقَعَ في رواية أبي معاوية: ((بالفَلاةِ)) وهي المراد بالطَّريق في هذه الرِّواية. وفي رواية
عَمرو بن دينار عن أبي صالح في الشِّرب أيضاً (٢٣٦٩): ((ورجل مَنَعَ فضلَ ماءٍ، فيقول
الله تعالى له: اليوم أمنَعُك فضلي كما مَنَعتَ فضلَ ما لم تَعمَل يَداك))، وقد تقدَّم الكلام عليه
في الشِّرب أيضاً، وتقدَّم شيء من فوائده في كتاب ترك الحِيَل (٦٩٦٢).
قوله: ((ورجل بايعَ إماماً)) في رواية عبد الواحد: ((إمامَه)).
قوله: ((إنْ أعطاه ما يريد وفَى له)) في رواية عبد الواحد: ((رَضيَ)).
قوله: ((وإلّا لم يَفِ له)) في رواية عبد الواحد: ((سَخِطَ)).
قوله: ((ورجلٌ بايعَ رجلاً)) في رواية المُستَملي والسَّرَخسيّ: ((يُبابِع)) بصيغة المضارَعَة،
وفي رواية عبد الواحد: ((أقامَ سِلعَةً بعدَ العصر))، وفي رواية جَرير: ((ورجل ساوَمَ رجلاً
سلعة بعد العصر)).
قوله: ((فحَلَفَ بالله)) في رواية عبد الواحد: ((فقال: والله الذي لا إلهَ غيرُه)).
قوله: ((لقد أُعْطيَ بها كذا وكذا)) وَقَعَ مَضبوطاً بضمِّ الهمزة وكسر الطّاء على البناء
للمجهول، وكذا قوله في آخر الحديث: ((ولم يُعطَ)) بضمِّ أوَّله وفتح الطّاء، وفي بعضها
بفتح الهمزة والطّاء على البناء للفاعلِ، والضَّمير للحالِفِ، وهي أرجَح، ووَقَعَ في رواية
عبد الواحد بلفظ: ((لقد أَعطَيتُ بها))، وفي رواية أبي معاوية: ((فحَلَفَ له بالله لَأخَذَها بكذا))
(١) كما سلف في كتاب الشرب برقم (٢٣٥٨)، وليس في رواية مسلم كما يوهم ظاهر العبارة.

٤٠٢
باب ٤٨ / ح ٧٢١٢
فتح الباري بشرح البخاري
أي: لقد أخَذَها، وفي رواية عمرو بن دينار عن أبي صالح: ((لقد أَعطَى بها أكثر ممَّا أعطَى))
وضُبِطَ بفتح الهمزة والطّاء، وفي بعضها بضمٍّ أوَّله كسر الطّاء، والأوَّل أرجَح.
قوله: (فصَدَّقَه وأَخَذَها)) أي: المشتَري ((ولم يُعطَ بها)) أي: القَدْر الذي حَلَفَ أنَّه أُعطِي
عِوَضَها، وفي رواية أبي معاوية: ((فصَدَّقَه وهو على غير ذلك)).
تنبيهان:
أحدهما: خالَفَ الأعمَش في سياق هذا المتن عمرُو بنُ دينار عن أبي صالح فمَضَى في
الشِّرب، ويأتي في التَّوحيد (٧٤٤٦) من طريق سفيان بن عُيَينةَ عن عمرو بن دينار عن أبي
صالحٍ عن أبي هريرةَ نحو صَدر حديث الباب، وقال فيه: ((ورجل [حلف](١) على سِلعَة))
الحديث، ((ورجل مَنَعَ فضل ماء)) الحديث، ((ورجل حَلَفَ على يمينٍ كاذبة بعدَ العصر
ليَقْتَطِع بها مال رجل مسلم))، قال الكِرمانيُّ: ذَكَر عِوَضَ الرجل الثّاني - وهو المبايع للإمام
- آخَرَ: وهو الحالِفُ لِيَقْتَطِعِ مالَ المسلم، وليس ذلك باختلافٍ، لأنَّ التَّخصيص بعَدَدٍ لا
يَنفي ما زاد عليه. انتهى، ويحتمل أن يكون كلٌّ من الرَّاويَينِ حَفِظَ ما لم يَحَفَظ الآخَر، لأنَّ
المجتَمِع من الحديثَينِ أربع خصال، وكلٍّ من الحديثَينِ مُصَدَّر بثلاثةٍ، فكأنَّه كان في الأصل
أربعة، فاقتَصَرَ كُلٌّ من الرَّاويَينِ على واحدٍ ضَمَّه مع الاثنَينِ اللَّذَينِ تَوافَقا عليهما، فصارَ في
رواية كلٍّ منهما ثلاثة، ويُؤيِّده ما سيأتي في التَّنبيه الثّاني.
ثانيهما: أخرج مسلم (١٠٧) هذا الحديث من رواية الأعمَش أيضاً، لكن عن شيخ له
آخَر بسياقٍ آخَر، فذكر من طريق أبي معاوية ووكيعِ جميعاً عن الأعمَش عن أبي حازم عن
أبي هريرةَ كصَدرِ حديث الباب، لكن قال: ((شيخٌ زانٍ، ومَلِكُ كذّاب، وعائلٌ مُستَكِرٍ))،
والظّاهر أنَّ هذا حديث آخَر، وذَكَر من رواية سفيان الثوري وشعبة عن الأعمش فيه
طريقاً آخر (٢) أخرجه من هذا الوجه (١٠٦) عن الأعمَش فقال: عن سليمان بن مُسِهِر عن
خَرشَة بن الحُرّ عن أبي ذرّ عن النَّبِيّ ◌َِّ قال: ((ثلاثةٌ لا يُكلِّمهم الله يومَ القيامة: المنّان
(١) ما بين معقوفين سقط من الأصلين و(س)، وأثبتناه من رواية عمرو بن دينار.
(٢) من قوله: ((وذكر من رواية سفيان)) إلى هنا سقط من (س) و(ع).

٤٠٣
باب ٤٨ / ح ٧٢١٢
كتاب الأحكام
الذي لا يُعطِي شيئاً إلّا مَنَّهُ، والمنفِقِ سِلعَته بالحَلِفِ الفاجر، والمسبل إزاره))، وليس هذا
الاختلاف على الأعمَش فيه بقادح، لأنَّها ثلاثة أحاديث عنده بثلاثةِ طرق.
ويَجتَمِع من مجموع هذه الأحاديث تسعُ خِصال، ويحتمل أن تَبلُغ عَشراً، لأنَّ المنِفِق
سِلعَته بالحَلِفِ الكاذب، مُغاير للَّذِي حَلَفَ لقد أُعطيَ بها كذا، لأنَّ هذا خاصٌّ بمَن
يكذب في أخبار الشّراء، والذي/ قبله أعمّ منه فتكون خصلة أُخرى.
٢٠٣/١٣
قال النَّوَويّ: قيل: معنى ((لا يُكلِّمُهم الله)): تكلیمَ مَن رَضي عنه، بإظهار الرِّضا، بل
بكلامٍ يَدُلّ على السُّخط، وقيل: المراد أنَّه يُعرِض عنهم، وقيل: لا يُكلِّمهم كلاماً يَسُرُّهم،
وقيل: لا يُرسِل إليهم الملائكَة بالتَّحيَّة. ومعنى ((لا يَنظُر إليهم)): يُعرِض عنهم، ومعنى
نَظَرِه لعبادِه: رحمته لهم ولُطفُه بهم. ومعنى ((لا يُزكّيهِم)): لا يُطهِّرهم من الذُّنوب، وقيل:
لا يُثني عليهم. والمراد بـ(ابنِ السَّبيل)): المسافر المحتاج إلى الماء، لكن يُستَنَى منه الحربيّ والمرتَدّ
إذا أصَرّا على الكُفر، فلا يجب بذلُ الماء لهما، وخَصَّ بعد العصر بالحَلِفِ لشَرَفِه بسببِ اجتماع
ملائكة اللَّيل والنَّهار وغير ذلك، وأمّا الذي بايعَ الإمام بالصِّفَة المذكورة، فاستِحقاقُه هذا
الوَعيدَ لكَونِهِ غَشَّ إمام المسلمين، ومِن لازَمِ غِشِّ الإمام غشّ الرَّعيَّة؛ لما فيه من التَّسَبُّب
إلى إثارة الفتنة، ولا سيّما إن كان مَمَّن يُتَّبَع على ذلك، انتهى ملخَّصاً.
وقال الخطَّبيُّ: خُصَّ وقتُ العصر بتَعظيمِ الإثم فيه، وإن كانت اليمين الفاجِرَةُ مُحرَّمَةً
في كلِّ وقت، لأنَّ الله عَظَّمَ شَأن هذا الوَقت بأن جَعَلَ الملائكة تجتمع فيه، وهو وقت ختام
الأعمال، والأُمورُ بخواتيمِها، فغُلِّظَت العُقوبةُ فيه لئلّا يُقدِم عليها تَجُّؤاً، فإنَّ مَن تَجرَّأ
عليها فيه اعتادَها في غيره، وكان السَّلَف يَحِلِفُونَ بعد العصر، وجاءَ ذلك في الحديث أيضاً.
وفي الحديث وعيدٌ شديد في نَكْث البيعة، والخروج على الإمام؛ لما في ذلك من تَفرُّق
الكَلِمة، ولما في الوَفاء من تحصين الفُروج والأموال وحَقن الدِّماء، والأصل في مُبايعة
الإمام أن يُبابِعه على أن يَعمَل بالحقِّ ويُقيمَ الحدود، ويَأْمُر بالمعروفِ ويَنْهَى عن المنكر،
فمَن جَعَلَ مُبايعَته لمالٍ يُعطاه دونَ مُلاحَظَة المقصود في الأصل، فقد خَسِرَ خُسراناً مُبيناً
ودَخَلَ في الوعيد المذكور وحاقَ به إن لم يَتَجاوَز الله عنه. وفيه أنَّ كلَّ عملٍ لا يُقصد به

٤٠٤
باب ٤٩ / ح ٧٢١٣ -٧٢١٥
فتح الباري بشرح البخاري
وجه الله وأُريدَ به عَرَض الدُّنيا فهو فاسِدٌ، وصاحبُه آئِم، والله الموَفِّق.
٤٩ - باب بَيْعة النِّساءِ
رواه ابنُ عبَّاسٍ، عن النبيِّ ◌ََّ.
٧٢١٣ - حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهريِّ. وقال اللَّیثُ: حدثني یونسُ، عن
ابنِ شِهابٍ، أخبرني أبو إدرِيسَ الخَوْلانيُّ، أنَّ سَمِعَ عُبادةَ بنَ الصّامِتِ يقولُ: قال لنا رسولُ الله
وَّة، ونحنُ في مَجلِسِ: «تُبابِعوني على أنْ لا تُشْرِكوا بالله شيئاً، ولا تَسْرِقوا، ولا تَزْنوا، ولا تَقْتُلوا
أوْلادَكم، ولا تَأْتُوا بِيُهْتَانٍ تَفْتَرونَه بينَ أيدِيكم وأرجُلِكم، ولا تَعْصُوا في معروفٍ، فمَن وَى
منكم فأجرُه على الله، ومَن أصابَ مِن ذلك شيئاً فعوقِبَ في الدُّنيا، فهو كفَّارةٌ له، ومَن أصابَ
مِن ذلك شيئاً فسَتَرَه الله، فأمرُه إلى الله، إنْ شاءَ عاقَبَه وإنْ شاءَ عَفا عنه)). فبايعْناه على ذلك.
٧٢١٤ - حدَّثنا محمودٌ، حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، أخبرنا مَعمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن عُرْوةَ، عن
عائشةَ رضي الله عنها، قالت: كان النبيُّ وَّهِ يُبَايِعُ النِّساءَ بالكلامِ بَهَذِه الآيةِ: ﴿لَّا يُشْرِكْنَ بِاَلِهِ
شَيْئًا ... ﴾ [الممتحنة: ١٢] قالت: وما مَسَّتْ يَدُ رسولِ اللهِ وَ يَدَ امَرَأَةٍ إلا امرأةٌ يَمْلِكُها.
٧٢١٥- حدَّثْنَا مُسَّدٌ، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، عن أيوبَ، عن خَفْصةَ، عن أمِّ عَطِيّةً، قالت:
٢٠٤/١٣ بايَعْنا النبيَّ/ ◌َّةِ، فقرأ عليَّ: ﴿لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢]، ونَهانا عن النِّياحةِ، فقَبَضَتِ
امرأةٌ مِنّا يدَها، فقالت: فلانةُ أسعَدَتْني، وأنا أُرِيدُ أنْ أجزِيَها. فلم يَقُلْ شيئاً، فذهبَت، ثمَّ رَجَعَتْ
فما وفَتِ امْرَاةٌ إلا أمُّ سُلَيْم، وأُّ العلاءِ، وابنةُ أبي سَبْرةَ امَرَاةُ مُعاذٍ، أوِ ابنةُ أبي سَبْرةَ وامرَاةُ مُعاٍ.
قوله: ((بابُ بَيْعَةِ النِّساء)) ذكر فيه أربعة أحاديث:
الأوَّلُ: قوله: ((رواه ابن عبّاس)) كأنَّه يريد ما تقدَّم في العيدَينِ (٩٧٩) من طريق الحسن
ابن مسلم عن طاووسٍ عن ابن عبّاس: شَهِدت الفِطر .. فذكر الحديث، وفيه: خَرَجَ النَّبِيُّ
وَلَ﴿ كأنّ أَنظُرُ إليه حينَ يُجَلِّسُ بَيَدِهِ، ثمَّ أقبَلَ يَشُقُّهم حتَّى جاءَ النِّساءَ، معه بلال، فقال:
﴿وَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَتُ يُبَيِّعْنَكَ﴾ الآية [الممتحنة: ١٢]، ثمَّ قال حين فَرَغَ منها: ((أَنْتُنَّ
على ذلك؟))، وقد تقدَّم فوائده هناك وفي تفسير الممتَحنة (٤٨٩٥).

٤٠٥
باب ٤٩ / ح ٧٢١٣ -٧٢١٥
كتاب الأحكام
الحديث الثاني: حديث عُبادةَ بن الصّامت في مُبايعَتهم النَّبِيَّ وََّ على مِثل ما في هذه
الآية، وقد تقدَّم الكلام عليه في كتاب الإيمان أوائلَ الكتاب (١٨)، ووَقَعَ في بعض طرقه
عن عُبادةَ قال: أخَذَ علينا رسولُ اللهِ وَ ◌َّه كما أخَذَ على النِّساء: أن لا نُشِرِكَ بالله شيئاً ولا
نَسِرِق ولا نَزني ... الحديث، أخرجه مسلم (١٧٠٩ / ٤٣) من طريق أبي (١) الأشعَث الصَّنعانيّ
عن عُبادةَ، وإلى هذه الطَّريق أشارَ في هذه التَّرجمة.
قال ابن المنيِر: أدخَلَ حديث عُبادةَ في ترجمة بَيْعة النِّساء؛ لأنَّهَا وَرَدَت في القرآن في حَقّ
النِّساء فعُرِفَت بهنَّ، ثمّ استُعمِلَت في الرِّجال.
الحديث الثالث: حديث عائشة: كان رسول الله وَ ل﴿ يُبايع النِّساء بالكلام بهذه الآية:
﴿لَّا يُشْرِكْنَ بِلَهِ شَيْنًا﴾ [الممتحنة: ١٢]، كذا أورَدَه مُختصَراً، وقد أخرجه البزَّار(٢) من طريق
عبد الرَّزّاق بسَنَدِ حديث الباب إلى عائشة قالت: جاءَت فاطمة بنت عُتبةَ - أي: ابن رَبِيعَة
ابن عبد شَمس أُخت هند بنت عتبةَ - تُبَايِعِ رسول الله وَِّ فَأخَذَ عليها أن لا تَزْنِي، فَوَضَعَت
يَدها على رَأسها حياءً، فقالت لها عائشة: بابِعي أيَّتها المرأة، فوالله ما بايعناه إلّا على هذا،
قالت: فَنَعَم إذاً. وقد تقدَّمَت فوائد هذا الحديث في تفسير سورة الممتَحَنَة (٤٨٩١)، وفي
أوَّل هذا الحديث هناك زيادة غير الزّيادة التي ذَكَرتها هنا من عند البزَّار.
قوله: «قالت: وما مَسَّتْ يدُ رسول الله وَهِ يدَ امرأةٍ إلّا امرأةً يَمْلِكُها)» هذا القَدْر أفرَدَه
النَّسائيُّ (ك٩١٩٤)، فأخرجه عن محمَّد بن يحيى عن عبد الرَّزّاق بسَنَدِ حديث الباب، لكن
بلفظ: ما مَسَّ، وقال: يد امرأةٌ قَطُّ، وكذا أفرَدَه مالك عن الزُّهْريّ بلفظ: ما مَسَّ
رسولُ اللهِوَّهِ بِيَدِهِ امرأةً قَطُّ، إلّا أن يَأْخُذ عليها، فإذا أخَذَ عليها فأعطَته قال: ((اذهبي فقد
بايعتُك)) أخرجه مسلم (٨٩/١٨٦٦)، قال النَّوَويّ: هذا الاستثناء مُنقَطِع، وتقدير الكلام:
(١) لفظة ((أبي)) سقطت من (س).
(٢) كما في ((كشف الأستار)) (٧٠)، وهو في ((مصنف عبد الرزاق)) (٩٨٢٧) و(٢١٠٢٠)، ومن طريقه
أخرجه إسحاق بن راهويه (٨٩٨)، وأحمد (٢٥١٧٥)، وابن حبان (٤٥٥٤)، إلا أن إسحاق وأحمد
قالا: عن الزهري أو غيره، ولم يشك الباقون.

٤٠٦
باب ٥٠ / ح ٧٢١٦
فتح الباري بشرح البخاري
ما مَسَّ يدَ امرأةٍ قَطُّ ولكن يَأْخُذ عليها البيعة، ثمَّ يقول لها: اذهبي ... إلى آخره. قال: وهذا
التَّقدير مُصَّح به في الرِّواية الأُخرى فلا بُدَّ منه، انتهى.
وقد ذَكَرتُ في تفسير الممتَحَنة مَن خالَفَ ظاهر ما قالت عائشة من اقتصاره في مُبايعَته
وَ النِّساء على الكلام، وما وَرَدَ أنَّه بايعَهُنَّ بحائلٍ أو (١) بواسِطَةٍ، بما يُغني عن إعادته، ويُعگِّر
على ما جَزَمَ به من التَّقدير.
وقد يُؤخَذ من قول أمّ عَطيَّة في الحديث الذي بعده: فقَبَضَت امرأةٌ يدَها، أنَّ بَيْعة
النِّساء كانت أيضاً بالأيدي فتُخالِفُ ما نُقِلَ عن عائشة من هذا الحَصْرِ، وأُجيبَ بما ذُكِرَ
من الحائل، ويحتمل أنَّهُنَّ كُنَّ يُشِرنَ بأيديهنَّ عند المبايعة بلا مُماسّة، وقد أخرج إسحاق بن
راهويه (٢٧) بسَنَدٍ حسنٍ عن أسماء بنت يزيد مرفوعاً: «إنّ لا أُصافح النِّساء)».
وفي الحديث أنَّ كلام الأجنبيَّة مُباحٌ سماعُه، وأنَّ صوتها ليس بعَورَةٍ، ومَنْعُ لَمسٍ
بَشَرَة الأجنبيّة من غير ضَرُورةٍ لذلك.
الحديث الرابع: قوله: ((عن أيوب)) هو السَّختيانيُّ، وحَفْصَة: هي بنت سِيرِين أُخت محمَّد،
٢٠٥/١٣ والسَّند كلَّه بصريُّونَ، وتقدَّم/ شرح حديث أمّ عَطَيَّة هذا في كتاب الجنائز مُستَوَفَى (١٣٠٦)،
وفيه تَسميةُ النِّسوَة المذكورات في هذا الحديث، وتقدَّم ما يَتَعلَّق بالكلام على قولها: أسعَدَتني
في تفسير سورة الممتحنة (٤٨٩٢).
٥٠ - باب مَن نَکَثَ بَيْعةً
وقال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَابِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ الآية [الفتح: ١٠].
٧٢١٦ - حدّثنا أبو نُعيم، حدَّثنا سفيانُ، عن محمَّدِ بنِ المُنكَدِر، سمعتُ جابراً، قال: جاءَ
أعرابيٌّ إلى النبيِّ نَّهَ، فقال: بايِعْني على الإسلامِ، فبايعَه على الإسلامِ، ثمَّ جاءَ الغَدَ محمُوماً،
فقال: أقِلْني، فأبَى، فلمَّا وَلَّى قال: ((المدينةُ كالكِيرِ، تَنْفِي خَبَثَها وتَنْصَعُ طَيِّبَها)).
(١) تحرفت في (س) إلى: أن.

٤٠٧
باب ٥١ / ح ٧٢١٧
كتاب الأحكام
قوله: ((بابُ مَن نَکَثَ بَيْعَةً)) في رواية الكُشمِيهَنيّ: بَيعَتَه، بزيادة الضَّمير.
قوله: ((وقال الله تعالى)) في رواية غير أبي ذَرّ: ((وقوله تعالى)).
قوله: ((﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَابِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ الآية)) ساقَ في رواية أبي ذرٍّ إلى قوله:
﴿فَإِنَّمَا يَنَكُثُ عَلَى نَفْسِهِ، ﴾ ثمَّ قال: إلى قوله: ﴿فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾، وساقَ في رواية كَرِيمةً
الآيةَ كلَّها.
ذَكَر فيه حديثَ جابرٍ في قصَّة الأعرابيّ، وقد تقدَّمَت الإشارة إليه قريباً في ((باب بَيْعة
الأعراب)) (٧٢٠٩)، ووَرَدَ في الوَعيد على نَكْث البيعة حديثُ ابن عمر: ((لا أعلم غَدراً
أعظَمَ من أن يُبَايَع رجلٌ على بَيع الله ورسوله، ثمَّ يُنصَب له القتال))، وقد تقدَّم في أواخر
كتاب الفتن (٧١١١)، وجاءَ نحوه عنه مرفوعاً بلفظ: ((مَن أعطَى بَيْعة ثمَّ نَكَثَها لَقِيَ الله
وليست معه يمينُه)) أخرجه الطََّرانيُّ(١) بسَنَدٍ جيّد، وفيه حديث أبي هريرةَ رَفَعَه: ((الصلاة
كفَّارةٌ إلّا من ثلاث: الشِّرك بالله ونَكْث الصَّفقة ... )) الحديث، وفيه تفسير نَكْث الصَّفقة:
((أن تُعطِي رجلاً بَيَعَتَك ثمَّ تُقاتلَه)) أخرجه أحمد (٧١٢٩).
٥١- باب الاستخلاف
٧٢١٧- حدَّثنا يحيى بنُ يحيى، أخبرنا سليمانُ بنُ بلالٍ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، سمعتُ
القاسمَ بنَ محمَّدٍ، قال: قالت عائشةُ رضي الله عنها: وارأساه، فقال رسولُ الله وَّ: ((ذاكِ لو
كان وأنا خَيٌّ، فأسْتَغْفِرُ لكِ وأدعو لكِ)) فقالت عائشةُ: واثْكْلِياه! والله إنّ لأظُنُكَ تُحِبُّ موتي!
ولو كان ذاكَ لَظَلَلْتَ آخرَ يومِكَ مُعرِّساً ببعضِ أزواجِكَ! فقال النبيُّ وَّهِ: ((بَلْ أنا وار أساه،
لقد هَمَمْتُ - أو أرَدْتُ - أنْ أُرسِلَ إلى أبي بكرٍ وابنِهِ، فأعهَدَ أنْ يقولَ القائلونَ، أَوْ يَتَمنَّى
المُتَمِنُونَ، ثُمَّ قلتُ: يَأْبَى الله ويَدْفَعُ المُؤْمِنونَ، أَوْ يَدِفَعُ الله ويَأْبَى المُؤمِنونَ)).
قوله: ((باب الاستِخلاف)) أي: تعيينُ الخليفةِ عندَ مَوته خليفةً بعدَه، أو يُعيِّنُ جماعةً
لِيَتَخَيَّروا منهم واحداً.
(١) في «الأوسط)) (٩١٠٦).

٤٠٨
باب ٥١ / ح ٧٢١٨
فتح الباري بشرح البخاري
ذَكَر فيه خمسةً أحادیثَ:
الحديث الأول: قوله: ((عن يحيى بن سعيد)) هو الأنصاريّ، والسَّند كلُّه مدنيُّونَ، وقد
تقدَّم ما يَتَعلَّق بالسَّندِ في كتاب كفَّارة المرض (٥٦٦٦) وتقدَّم الكثيرُ من فوائد المتن هناك.
قوله: ((فأعهَد)) أي: أُعَيِّن القائمَ بالأمرِ بعدي، هذا هو الذي فهِمَه البخاريّ فتَرَجَمَ به،
وإن كان العَهدُ أعمَّ من ذلك، لكن وَقَعَ في رواية عُروَة عن عائشة بلفظ: ((ادعي لي أباك
وأخاك حتَّى أكتُب كتاباً)، وقال في آخره: ((ويَأبَى الله والمؤمنونَ إلّا أبا بكر))(١)، وفي رواية
للبَزّار (٢٣٤): ((مَعاذَ الله أن تَخْتَلِف الناس على أبي بكر))(٣) فهذا يُرشِد إلى أنَّ المراد الخلافة.
وأفرَطَ المهلَّب فقال: فيه دليلٌ قاطِعٍ في خِلَافة أبي بكر. والعَجَب أَنَّه قَرَّرَ بعدَ ذلك أنَّه
ثَبَتَ أنَّ النَّبِيّ ◌َّ لم يَستَخلِف.
الحديث الثاني:
٧٢١٨ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسفَ، أخبرنا سفيانُ، عن هشام بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، عن
عبدِ الله بنِ عمرَ رضي الله عنهما، قال: قيل لعمرَ: ألا تَستَخْلِف؟ قال: إنْ أسْتَخْلِفْ فقَدِ
استَخْلَفَ مَن هو خيرٌ منّي: أبو بكرٍ، وإنْ أنْرُكْ فقد تَرَكَ مَن هو خيرٌ منّي: رسولُ اللهِ وَِّ، فَأَثْنَوْا
٢٠٦/١٣ عليه، فقال: راغِبٌ راهبٌ، وَدِدْتُ أنّ نَجَوْتُ منها / كَفافاً، لا لي ولا عليَّ، لا أَتَحمَّلُها حَيّاً ومَيِّئاً.
قوله: ((سُفْيان)) هو الثَّوريّ، ومحمَّد بن يوسف الرَّاوي عنه: هو الفِریابيُّ.
قوله: ((قيلَ لعمرَ: ألا تَستَخْلِف؟)) في رواية مسلم (١١/١٨٢٣) من طريق أبي أُسَامَة
عن هشام بن عُروَة عن أبيه عن ابن عمر: حَضَرتُ أبي حينَ أُصيبَ، قالوا: استَخلِفْ،
وأورَدَ من وجه آخَر (١٨٢٣ /١٢) أنَّ قائل ذلك هو ابنُ عمر راوي الحديث، أخرجه من
(١) أخرجها مسلم برقم (٢٣٨٧).
تنبيه: زاد في (أ) و(س) بعد هذا: وفي رواية لمسلم: «ادعي لي أبا بكر أكتُب كتاباً، فإنّ أخاف أن يَتَمنَّى مُتَمنٌّ،
ويَأْبَى الله والمؤمنونَ إلّا أبا بكر)). قلنا: وهي نفسها رواية عروة، فهي زيادة مقحمة لم ترد في (ع) على الصواب.
(٢) وأخرجه أيضاً الطيالسي (١٦١١)، ومن طريقه ابن سعد في ((الطبقات)) ٣/ ١٨٠، وأحمد في ((فضائل
الصحابة)) (٢٢٧)، وابن أبي عاصم في ((السنة)) (١١٦٣).

٤٠٩
باب ٥١ / ح ٧٢١٨
كتاب الأحكام
طريق سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه:/ أنَّ حَفصَة قالت له: أعلمتَ أنَّ أباك غيرُ ٢٠٧/١٣
مُستَخِلِف؟ قال: فحَلَفتُ أن أُكلِّمه في ذلك، فذكر القصّة وأنَّه قال له: لو كان لك راعي
غنمُ(١) ثمَّ جاءَك وتَرَكَها لَرأيتَ أن قد ضَيَّعَ، فِرِعايةُ الناس أشدّ، وفيه قول عمر في جواب
ذلك: إنَّ الله يَحَفَظُ دِينَه.
قوله: ((إنْ أستَخْلِفْ ... )) إلى آخره، في رواية سالم: إن لا أستَخلِف فإنَّ رسول الله وَلَ لم
يَسْتَخْلِف، وإن أستَخلِف فإنَّ أبا بكرٍ قد استَخلَفَ، قال عبد الله: فوالله ما هو إلّا أن ذكر
رسول الله وَّهِ وأبا بكر فعلمتُ أنَّه لم يَعدِل برسولِ الله ◌ِوَّ أحداً، وأنَّه غير مُستَخْلِف.
وأخرج ابن سعد (٣٤٣/٣) من طريق عبد الله بن عُبَيد الله وأظُنّه ابن عُمَير قال: قال
أُناس لعمرَ: ألا تَعهَد؟ قال: أيَّ ذلك آخذ فقد تَبَيَّن لي. أي(٢): الفعل والتَّرك، وهو مُشكِل.
ويُزيله أنَّ دليل التَّرك من فعله ◌َّ﴿ واضح، ودليل الفعل يُؤخَذ من عَزِه الذي حَكَته عائشة
في الحديث الذي قبلَه، وهو لا يَعزِم إلّا على جائز، فكأنَّ عمر قال: إن أستَخلِف فقد عَزَمَ
وَيُّ على الاستخلاف فدَلَّ على جوازه، وإن أتْرُك فقد تَرَكَ فدَلَّ على جوازه، وفَهِمَ أبو بكر
من عَزمه الجواز فاستَعمَلَه، واتَّفَقَ الناس على قَبُوله، قاله ابن المنيِّر. قلت: والذي يَظهَر أنَّ
عمر رَجَحَ عندَه التَّرك، لأنَّه الذي وَقَعَ مِنه ◌َّهِ، بِخِلَاف العَزْمِ، وهو يُشِهِ عَزْمَه ◌َّه على
التَّمتُّع في الحجّ وفعله الإفراد، فُجِّحَ الإفراد.
قوله: ((فأثنَوْا عليه فقال: راغِب وراهب)) قال ابن بَطّال: يَحَتَمِل أمرين: أحدهما: أنَّ
الذينَ أثْنَوا عليه إمّا راغِبٌ في حُسْن رأيي فيه وتقريبي له، وإمّا راهبٌ من إظهار ما يُضمِره
من كَراهَته، أو المعنى: راغِبٌ فيما عندي وراهبٌ مِنِّي، أو المراد(٣): الناسُ راغِبٌ في الخلافة
وراهبٌ منها، فإن ولَّيتُ الرَّاغِب فيها خشيتُ أن لا يُعان عليها، وإن ولَّيتُ الرَّاهب منها
خشِيتُ أن لا یقومَ بها.
(١) لفظة ((غنم)) سقطت من الأصلين، وأثبتناها من (س)، وفي ((صحيح مسلم)): راعي إبل أو راعي غنم.
(٢) تحرفت في (س) إلى: أن.
(٣) وهذا الأمر الثاني عند ابن بطال.

٤١٠
باب ٥١ / ح ٧٢١٨
فتح الباري بشرح البخاري
وذكر القاضي عِيَاض توجيهاً آخَر: أَنَّهما وصفان لعمرَ، أي: راغِبٌ فيما عندَ الله، راهبٌ
من عقابه، فلا أُعَوِّل على ثنائِکم، وذلك يشغلني عن العناية بالاستخلاف علیگم.
قوله: ((ودِدْتُ أنّي نَجَوْت منها)) أي: من الخِلافة ((كَفافاً) بفتح الكاف وتخفيف الفاء،
أي: مكفوفاً عنّي شَرُّها وخيرها. وقد فَسَّرَه في الحديث بقولِه: لا لي ولا عليَّ، وقد تقدَّم
نحو هذا من قول عمر في مناقبه(١) في مُراجَعَته لأبي موسى فيما عَمِلوه بعدَ النَّبِيّ ◌َِّ، وفي
رواية أبي أُسَامَة: لَوَدِدتُ لو أنَّ حَظّي منها الكَفاف.
قوله: ((لا أَتَحمَّلها حَيّاً ومَيًُّا)) في رواية أبي أُسامَة: أنَحَمَّل أمرَكم حَيّاً ومَيِّئاً؟ وهو
استِفهام إنكار حُذِفَت منه أداته، وقد بيَّن عُذرَه في ذلك، لكنَّه لمَّا أثَّرَ فيه قول عبد الله بن
عمر، حيثُ مَثَّلَ له أمرَ الناس بالغنمِ مع الرَّاعِي خَصَّ الأمر بالسِّتَّة، وأمَرَهم أن يختاروا
منهم واحداً، وإنَّما خَصَّ السَِّّة لأنَّه اجتَمَعَ في كلِّ واحد منهم أمران: كَونه مَعدوداً في
أهل بَدر، وماتَ النَّبِيُّ ◌َ ◌ّهِ وهو عنه راضٍ، وقد صَرَّحَ بالثّاني الحديثُ الماضي في مناقب
عثمان (٣٧٠٠)، وأمّا الأوَّل فأخرجه ابن سعد (٣٤٢/٣) من طريق عبد الرّحمن بن أبزَى
عن عمر قال: هذا الأمر في أهل بدرٍ ما بقي منهم أحد، ثمَّ في أهل أُحُد، ثمّ في كذا، ولیس
فيها لِطَلِيقٍ ولا لمُسلِمَةِ الفتح شيءٌ. وهذا مصيرٌ منه إلى اعتبار تقديم الأفضل في الخلافة،
قال ابن بَطّال ما حاصله: أنَّ عمر سَلَكَ في هذا الأمر مَسلَكاً مُتَوَسِّطاً خَشيةَ الفتنة، فرأى
أنَّ الاستِخلاف أضبَط لأمرِ المسلمين، فجَعَلَ الأمر مَعقوداً موقوفاً على السِّتَّة لئلّا يَترُك
الاقتداء بالنَّبِّ وَّه وأبي بكر، فأخَذَ من فعل النَّبِيّ ◌َِّ طَرَفاً وهو ترك التَّعيين، ومِن فعلِ
أبي بكر طَرَفاً وهو العَقد لأحدِ السَِّّة، وإن لم يَنُصَّ عليه، انتهى ملخَّصاً.
قال: وفي هذه القصَّة دليلٌ على جواز عَقد الخلافة من الإمام المتوَلّ لغيرِه بعدَه، وأنَّ
أمرَه في ذلك جائزٌ على عامَّة المسلمين، لإطباق الصَّحابة ومَن معهم على العمل بما عَهِدَه
أبو بكرٍ لعمرَ، وكذا لم يَخْتَلِفوا في قَبُول عَهد عمر إلى السِّنَّة، قال: وهو شبيه بإيصاءِ الرجل
على ولده، لگونِ نَظَرِه فيما يصلُح أتمّ من غيره، فكذلك الإمام، انتهى.
(١) بل في ((باب هجرة النبي وَ له وأصحابه إلى المدينة)) (٣٩١٥) من كتاب المناقب.

٤١١
باب ٥١ / ح ٧٢١٨
كتاب الأحكام
٢٠٨/١٣
وفيه رَدٌّ على مَن جَزَمَ كالطََّريّ، وقبله بكر ابن أُخت عبد الواحد، وبعده ابن حَزم بأنَّ
النَّبِّ وَّهِ استَخلَفَ أبا بكر، قال: ووجهه جَزمُ عمر بأنَّه لم يَسْتَخْلِف، لكن تَمَسَّكَ مَن
خالَفَه بإطباق الناس على تَسميةِ أبي بكر خليفةَ رسول الله، واحتَجَّ الطَّبَرُّ أيضاً بما أخرجه
بِسَنَدٍ صحيحٍ من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم: رأيتُ عمر يُجلِس
الناس ويقول: اسمَعوا لخليفةِ رسول الله وٍَّ. قلت: ونَظيره ما في الحديث الخامس من
قول أبي بكر: حتَّى يُرِيَ اللهُ خليفةَ نبيّه، ورُدَّ بأنَّ الصّيغة تَحتَمِل أن تكون من مفعولٍ ومن
فاعل، فلا حُجَّة فيها، ويَتَرَجَّحِ كَونها من فاعل جَزمُ عمر بأنَّه لم يَستَخْلِفِ وموافَقَةُ ابن
عمر له على ذلك، فعلى هذا فمعنى خليفة رسول الله: الذي خَلَفَه فقامَ بالأمرِ بعدَه،
فسُمّيَ خليفةَ رسول الله لذلك، وأنَّ عمر أطلَقَ على أبي بكر خليفة رسول الله بمعنى أنَّه
أشارَ إلى ذلك بما تَضَمَّنَه حديثُ الباب وغيرُه من الأدلّة وإن لم يَكُن في شيءٍ منها تصریحٌ،
لكنَّ مجموعها يُؤْخَذ منه ذلك، فليس في ذلك خِلَافٌ لما رَوَى ابن عمر عن عمر.
وكذا فيه رَدّ على مَن زَعَمَ من الرَّاوَنديَّة أنَّ النَّبِيَّ وَِّ نَصَّ على العبّاس، وعلى قول
الرّوافض كلّها: أنَّه نَصَّ على عليّ. ووجه الردِّ عليهم إطباقُ الصَّحابة على مُتَابَعَة أبي بكر
ثمَّ على طاعته في مُبايعة عمر، ثمَّ على العمل بعَهدِ عمر في الشّورَى، ولم يَدَّع العبّاس ولا
عليٌّ أنَّه ◌َ لّهِ عَهِدَ له بالخِلافة، وقال النَّوَويّ وغيره: أجمعوا على انعقاد الخلافة بالاستِخلاف،
وعلى انعقادها بعَقدِ أهل الحلّ والعَقد لإنسانٍ، حيثُ لا يكون هناك استخلاف غيره، وعلى
جواز جَعلِ الخليفةِ الأمرَ شورَى بينَ عَدَدٍ مَحَصور أو غيره، وأجمعوا على أنَّه يجب نَصبُ
خليفة، وعلى أنَّ وجوبَه بالشَرع لا بالعَقل. وخالَفَ بعضُهم كالأصَمِّ وبعض الخوارج
فقالوا: لا(١) يجب نَصبُ الخليفة. وخالَفَ بعض المعتَزِلة فقالوا: يجب بالعَقلِ لا بالشَّرع.
وَهما باطلان، أمّا الأصَمّ فاحتَجَّ ببقاءِ الصَّحابة بلا خليفة مُدَّة التَّشاور أيام السَّقيفة وأيام
الشّورَى بعدَ موت عمر، ولا حُجَّةَ له في ذلك، لأنَّهم لم يُطبِقوا على التَّرك، بل كانوا ساعِينَ
في نَصْب الخليفة، آخِذِينَ في النَّظَر فيمَن يَسْتَحِقّ عَقْدَها له، ويَكفي في الردّ على الأصَمّ أنَّه
(١) لفظة ((لا « سقطت من (س).

٤١٢
باب ٥١ / ح ٧٢١٨
فتح الباري بشرح البخاري
محجوجٌ بإجماع مَن قبله، وأمّا القول الآخَر ففساده ظاهر، لأنَّ العَقل لا مَدخَل له في الإيجاب
والتَّحريم ولا التَّحسين والتَّقبيح، وإنَّما يقع ذلك بحَسَبِ العادة، انتهى.
وفي قول المذكور مُدَّة التَّشاور أيامَ السَّقيفة خَدٌ يَظهَر من الحديث الذي بعده،
وأَّهم بايعوا أبا بكر في أوَّل يوم لتصريحِه فيه بأنَّ عمر خَطَبَ الغَدَ من يومٍ تُوُلِّ النَّبِيُّ ◌َّه
وذَكَر أبا بكر فقال: فقوموا فبايعوه، وكانت طائفة منهم قد بايعوه قبلَ ذلك في سَقِيفة بني
ساعدَة، فلم يَكُن بينَ الوفاة النبويَّة وعَقدِ الخلافة لأبي بكر إلّا دونَ اليوم واللَّيلة، وقد
تقدَّم إيضاح ذلك في مناقب أبي بكر رضي الله عنه (٣٦٦٨).
الحديث الثالث:
٧٢١٩- حدَّثنا إبراهيمُ بنُ موسى، أخبرنا هشامٌ، عن مَعمٍَ، عن الزُّهْريِّ، أخبرني أنسُ
ابنُ مالكٍ ﴾: أنَّ سَمِعَ خُطْبةَ عمرَ الآخِرَةَ حينَ جَلَسَ على المِنْبَرَ، وذلك الغَدَ مِن يومٍ تؤثّ
النبيُّ ◌َّةِ، فَتَشَهَّدَ، وأبو بكرٍ صامِتٌ لا يتكلَّمُ، قال: كنتُ أرجو أنْ يَعِيشَ رسولُ الله ◌َِّ حَتَّى
يَدُبُرَنا، يُرِيدُ بذلك أن يكونَ آخرَهُم، فإنْ يَكُ محمَّدٌ وَِّ قد ماتَ، فإنَّ الله تعالى قد جَعَلَ بينَ
أظُهُرِكم نوراً تَهْتَدونَ به، بما هَدَى الله محمَّداً وَِّ، وإنَّ أبا بَكْرِ صاحبُ رسولِ الله ◌ِّ، ثاني
اثنَيْنِ، فإنَّه أوْلَى المسلمينَ بأُمورِ كم فقوموا فبايعوه، وكانت طائفةٌ منهم قد بايعوه قبلَ ذلك في
سَقِيفة بني ساعدةَ، وكانت بَيْعةُ العامّةِ على المِنبَرَ.
قال الزُّهْريُّ، عن أنسِ بنِ مالكٍ: سمعتُ عمرَ يقولُ لأبي بكرِ يومَئذٍ: اصعَدِ المِبرَ، فلم
يزلْ به حتَّى صَعِدَ المِبرَ، فبايعَه الناسُ عامّةً.
[طرفه في: ٧٢٦٩]
قوله: ((هشام) هو ابن يوسف الصَّنعانيُّ.
قوله: ((أنَّه سَمِعَ خُطْبة عمرَ الآخِرَةِ حينَ جَلَسَ على المِبَرَ، وذلك الغَدَ من يومٍ تُوُلّ النَّبِيُّ
كو
(وَ﴿)) هذا الذي حكاه أنس أنَّه شاهَدَه وسَمِعَه كان بعد عقد البيعة لأبي بكر في سَقِيفة بني
ساعدَة، كما سَبَقَ بَسطُه وبيانه في ((باب رَجْم الحُبلى من الزِّنا)) (٦٨٣٠)، وذكر هناك أنَّه

٤١٣
باب ٥١ / ح ٧٢١٩
كتاب الأحكام
بايعَه المهاجِرونَ ثمَّ الأنصار، فكأنَّهم لمَّا أنهَوا الأمر هناك وحَصَلَت المبايعة لأبي بكر
جاؤوا إلى المسجد النبويّ، فَتَشاغَلوا بأمرِ النَّبِّ وَّةِ، ثمَّ ذكر عمر لمن لم يَحَضُر عَقدَ البيعة في
سَقِیفة بني ساعدة ما وَقَعَ هناك، ثمَّ دعاهم إلى مُبایعةِ أبي بكر، فبایعَه حينئذٍ مَن لم يكُن
حاضراً، وكلُّ ذلك في يومٍ واحد، ولا يَقدَح فيه ما وَقَعَ في رواية عُقَيل عن ابن شِهاب عند
الإسماعيليّ: أنَّ عمر قال: أمّا بعدُ، فإنّي قلت لكم أمس مَقالة. لأنَّه يُحمَل على أنَّ خُطبَته
المذكورة كانت في اليوم الذي ماتَ فيه النَّبيُّ ◌َّةِ، وهو كذلك، وزاد في هذه الرّواية: قلت
لكم أمس مَقالة، وإنَّها لم تكن كما قلت، والله ما وَجَدتُ الذي قلتُ/ لكم في كتاب الله ولا ٢٠٩/١٣
في عَهِدٍ عَهِدَه رسولُ الله وَِّ، ولكن رَجَوت أن يعيش ... إلى آخره (١).
قوله: ((قال)) يعني عمر: «كنتُ أرجو أنْ يعيش رسولُ الله وَلِّ حَتَّى يَدْبُرنا)) ضَبَطَه ابن
بَطّال وغيره بفتح أوَّله وسكون الدّال وضمّ الموحّدة، أي: يكون آخرَنا. قال الخليل:
دَبَرتُ الشيء دَبْراً: اتّبَعتَه، ودَبَرَني فلان: جاءَ خَلفي. وقد فَسَّرَه في الخبر بقولِه: يريد بذلك
أن يكون آخرَهم، ووَقَعَ في رواية عُقَيل: ولكن رَجَوتُ أن يعيش رسول الله ◌َل﴿ حتَّى يُدَبِّر
أمرنا، وهو بتشديد الموحَّدة، وعلى هذا فيُقرأ الذي في الأصل كذلك، والمراد بقولِه:
يُدَبِّرنا: يُدَبِّر أمرَنا، لكن وَقَعَ في رواية عُقَيل أيضاً: حتَّى يكون رسول الله وَ ﴿ آخِرَنا، وهذا
كلُّه قاله عمر مُعتَذِراً عَّا سَبَقَ منه، حيثُ خَطَبَ قبل أبي بكر حين ماتَ النَّبِيُّ وَله فقال:
إِنَّ النَّبِيّ ◌َّ لمِ يَمُت. وقد سَبَقَ ذلك واضحاً.
قوله: «فإِنْ يَكُ محمَّدٌ وٍَّ قد ماتَ)) هو بَقيَّة كلام عمر، وزاد في رواية عُقَيل: فاختارَ الله
لرسوله الذي يبقَی علی الذي عندگُم.
قوله: ((فإنَّ الله قد جَعَلَ بينَ أظهركم نوراً تَهتَدونَ به بما هَدَى الله محمَّدً) يعني القرآن،
ووَقَعَ بيانُه في رواية مَعمَر عن الزُّهْريّ في أوائل الاعتصام (٧٢٦٩) بلفظ: وهذا الكتاب
الذي هَدَى الله به رسولَكم فخُذُوا به تَهتَدوا كما ھَدَى الله به رسولَه ◌ِ﴿. ووَقَعَ في روایة
(١) أخرجها أيضاً ابن حبان (٦٦٢٠) و(٦٨٧٥) من طريق معمر، عن الزهري.

٤١٤
باب ٥١ / ح ٧٢١٩
فتح الباري بشرح البخاري
عبد الرَّزّاق عن مَعمَر عند أبي نُعَيم في ((المستَخرَجِ)): وهَدَى الله به محمَّداً فاعتَصِموا به
تَهتَدوا فإنَّمَا هَدَى الله محمَّداً به. وفي رواية عُقَيل: قد جَعَلَ بينَ أظهركم كتابَه الذي هَدَى به
محمَّدَاً ◌َِّ فِخُذُوا بِه تَهْتَدوا.
قوله: ((وإنَّ أبا بَكْرٍ صاحبُ رسول الله وَّةَ ... )) إلى آخره. قال ابن التِّين: قَدَّمَ الصُّحبة
لشَرَفِها، ولمَّا كان غيرُه قد يُشاركُه فيها عَطَفَ عليها ما انفَرَدَ به أبو بكر، وهو كَونه ثاني
اثنين، وهي أعظَمُ فضائله التي استَحقَّ بها أن يكون الخليفةَ من بعدِ النَّبِيّ ◌ََّ، ولذلك
قال: وإنَّه أولى الناس بأُمورِكُم.
قوله: ((فقوموا فبايعوه، وكانت طائفةٌ ... )) إلى آخره، فيه إشارة إلى بيان السَّبب في هذه
المبايعة، وأنَّه لأجلِ مَن لم يَحَضُر في سَقِيفة بني ساعدة.
قوله: ((وكانت بَيْعَة العامَّة على المِنِبَرَ)) أي: في اليوم المذكور، وهو صَبِيحَة اليوم الذي
بُوِيعَ فيه فِي سَقِیفة بني ساعدةً.
قوله: ((قال الزُّهْريّ عن أنس)) هو موصول بالإسنادِ المذكور، وقد أخرجه الإسماعيليّ
مُختصَراً من طريق عبد الرَّزّاق عن مَعمٍَ.
قوله: ((سمعتُ عمرَ يقول لأبي بكرٍ يومَئذٍ: اصعَدِ المِبَ)) في رواية عبد الرَّزّاق عن مَعمَر
عند الإسماعيليّ: لقد رأيت عمر يُزِج أبا بكرٍ إلى المِنْبَر إزعاجاً.
قوله: ((حتَّى صَعِدَ الِبَ)» في رواية الكُشمِيهَنيّ: حتَّى أصعَدَه المِنبَر. قال ابن القِّين: سبب
إلحاح عمر في ذلك لیُشاهد أبا بكرٍ مَن عَرَفَه ومن لم يعرفه. انتھی، و کان توقُّف أبي بکر في
ذلك من تَواضُعه وخَشْيته.
قوله: ((فبايَعَه الناس عامَّةً)) أي: كانت البيعة الثّانية أعمّ وأشهَر وأكثر من المبايَعَة التي
وَقَعَت في سَقِيفة بني ساعدة. وقد تقدَّمَت الإشارة إلى بيان ذلك عندَ شرح أصل بَيْعة أبي
بكر من كتاب الحدود (٦٨٣٠).

٤١٥
باب ٥١ / ح ٧٢٢٠-٧٢٢١
كتاب الأحكام
٧٢٢٠- حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن أبيه، عن محمَّدِ بنِ
جُبَيَرِ بنِ مُطْعِمٍ، عن أبيه، قال: أتَتِ النبيَّ وَّ امِرَاةُ فَكَلَّمَتْه في شيءٍ، فأمَرَها أنْ تَرجِعَ إليه، قالت:
يا رسولَ الله، أرأيتَ إنْ جئتُ ولم أجِدْكَ؟ كأنَّهَا تريدُ الموتَ، قال: «إنْ لم تَجِدِیني فأتي أبا بَكْر)».
٧٢٢١- حدَّثْنَا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن سفيانَ، حدَّثني قيسُ بنُ مُسلِمِ، عن طارقِ بنِ
شِهابٍ، عن أبي بكرٍ ﴾ قال لِوَفْدٍ بُزاخةَ: تَتْبَعونَ أذْنابَ الإبلِ، حتَّى يُرِيَ الله خَلِيفةَ نبيِّه ◌ِل
والمهاجِرِينَ أمراً يَعْذِرونَكم به.
الحديث الرابع: حديث جُبَير بن مُطعِم الذي فيه: ((إن لم تَجِديني، فأتي أبا بكر))، وقد
تقدَّم شرحه في أوَّل مناقب أبي بكر الصِّدّيق (٣٦٩٠)، وسيأتي شيءٌ ممّا يَتَعلَّق به في كتاب
الاعتصام (٧٣٦٠).
الحديث الخامس: قوله: ((يحيى) هو القَطّان، وسفيانُ: هو الثَّورِيُّ.
قوله: ((عن أبي بكرٍ قال لوَقْدِ بُزَاخَ)) أي: أنَّه قال، ولفظة ((أنَّه)) يَحِذِفونَها كثيراً من الخطّ،
وقد وَقَعَ عند الإسماعيليّ من طريق عبد الرَّحمن بن مَهديّ عن سفيان عن قيس بن مُسلِم
عن طارق قال: جاءَ وفد بُزاخَةَ ... فذكر القصَّة.
وبُزَاخة بضمِّ الموخَّدة وتخفيف الزّاي وبعدَ الألف خاء مُعجَمة، وَقَعَ في رواية ابن
مَهديّ المذكورة: من أسَد وغَطَفان، ووَقَعَ في رواية أُخرى ذكرها ابن بَطّال: وهم من
طَيِّى. وأسَد قبيلة كبيرة يُنسَبونَ إلى أسد بن خُزيمةَ بن مُدرِكَة، وهم إخوَة كِنانَة بن خُزيمةَ
أصلِ قُرَيش. وغَطَفان قبائلُ كثيرةٌ(١) يُنسَبونَ إلى غَطَفان - بفتح المعجَمَة ثمَّ المهمَلة بعدَها
فاء - ابن سَعْد/ بن قيس عَيْلان بن مُضَر. وطِّئ بفتح الطّاء المهملة وتشديد الياء آخر الحروف ٢١٠/١٣
بعدَها أُخرى مهموزةٌ. وكان هؤلاءِ القبائل ارتَدُّوا بعدَ النَّبِيّ ◌َّهِ وَاتَّبَعوا طُلَيحةَ بن خُوَيلِد
الأسَديَّ، وكان قد ادَّعَى النبوّة بعدَ النَّبِيّ ◌َّهِ، فأطاعوه لكَونِه منهم، فقاتَلَهم خالد بن
الوليد بعد أن فَرَغَ من مُسَيلِمة باليمامة، فلمَّا غَلَبَ عليهم بَعَثوا وفدَهم إلى أبي بكر،
وقد ذكر قِصَّتهم الطَّبَرِيُّ وغيره في أخبار الرِّدَّة وما وَقَعَ من مُقاتَلة الصَّحابة لهم في خِلَافة
(١) تحرفت في (س) إلى: قبيلة كبيرة.

٤١٦
باب ٥١ / ح ٧٢٢٠ -٧٢٢١
فتح الباري بشرح البخاري
أبي بكر الصِّدِّيق، وذكر أبو عُبَيد البَكْريّ في ((مُعجَم الأماكن)) أنَّ بُزاخَةَ: ماء لطِّّي عن
الأصمعيّ ولبني أسَد عن أبي عمرو يعني الشَّيبانيّ، وقال أبو عُبَيدَة: هي رَملة من وراء
النِّباج، انتهى. والنِّباج، بنونٍ وموحّدة خفيفة ثمَّ جيم: موضع في طريق الحاجّ من البصرة.
قوله: ((تَشْبعونَ أذْنابَ الإِل ... )) إلى آخره، كذا ذكر البخاريّ هذه القِطعَة من الخبر مُخُتصَرة،
وليس غَرَضه منها إلّا قول أبي بكر: خليفة نبيّه، وقد تقدَّم التَّنبيه على ذلك في الحديث
الثّالث، وقد أورَدَها أبو بكر البَرَقانيّ في ((مُستَخرَجه))، وساقَها الحُميديُّ في ((الجمع بينَ
الصحيحين))، ولفظه: الحديث الحادي عشرَ من أفراد البخاريّ: عن طارق بن شِهاب
قال: جاءَ وفد بُزاخَةَ من أسَد وغَطَفان إلى أبي بكرٍ يَسألونَه الصُّلح، فخَيَّرَهم بينَ الحرب
المجْلِية والسِّلم المخْزِية، فقالوا: هذه المجْلِية قد عَرَفناها فما المخْزِية؟ قال: نَنزِعُ منكم
الحَلْقة والكُرَاعِ ونَغنَمُ ما أصَبنا منكم، وتَرُدّونَ علينا ما أصَبْتُم مِنّا وتَدونَ لنا قَتلانا،
ويكون قَتلاكُم في النار، وتُتَكونَ أقواماً يَتْبِعونَ أذناب الإبل حتَّى يُرِي الله خليفةَ رسوله
والمهاجِرِينَ أمراً يَعذُرونَكم به. فعَرَضَ أبو بكرٍ ما قال على القوم، فقامَ عمر فقال: قد
رأيتُ رأياً وسَنُشيرُ عليك، أمّا ما ذَكَرت - فذكر الحُكمَينِ الأوَّلَينِ - قال: فنِعمَ ما ذَكَرت،
وأمّا تَدونَ قَتلانا ويكون قَتَلاكُم في النار، فإنَّ قَتلانا قاتَلَت على أمرِ الله، وأُجورُها على الله
ليست لها ديات. قال: فَتَتَابَعَ القوم على ما قال عمر(١).
قال الحُميديُّ: اختَصَرَه البخاريّ فذكر طَرَفاً منه، وهو قوله لهم: تَتْبعونَ أذناب الإبل
- إلى قوله - يَعذُرونَكم به، وأخرجه بطولِه البَرَقانيّ بالإسنادِ الذي أخرج البخاريّ ذلك
القَدْر منه. انتهى ملخَّصاً، وذكره ابن بَطّال من وجه آخَر عن سفيان الثَّوريّ بهذا السَّند
مُطوَّلاً أيضاً لكن قال فيه: وفد بُزاخَةَ وهم من طَيِّئ، وقال فيه: فخَطَبَ أبو بكرٍ الناس،
فذكر ما قالوا، وقال: والباقي سواء.
والمُجْلية بضمِّ الميم وسكون الجيم بعدَها لام مَكسورة ثمَّ تحتانيَّة: من الجَلاء بفتح
الجيم وتخفيف اللّام مع المدّ، ومعناها: الخروج عن جميع المال.
(١) أخرجه أيضاً البيهقي ٣٣٥/٨.

٤١٧
باب ٥١م / ح ٧٢٢٢ -٧٢٢٣
كتاب الأحكام
والمُخْزية بخاءٍ مُعجَمة وزاي بوَزنِ التي قبلَها: مَأخوذة من الخِزِي، ومعناها: القَرار
على الذُّ والصَّغار.
والحَلْقة بفتح المهمَلة وسكون اللّام بعدَها قاف: السِّلاح.
والكُرَاعِ بضمِّ الكاف على الصَّحيح وبتخفيفِ الرَّاء: جميع الخيل. وفائدة نَزع ذلك
منهم أن لا يَبقَی هم شَوكَة لیَأْمَنَ الناسُ من چِھتھم.
وقوله: ونَغْنَم ما أصَبْنا منكم، أي: يَستَمِّرّ ذلك لنا غنيمةً نَقسِمها على الفَريضَة الشَّرعيَّة،
ولا نَرُدّ عليكم من ذلك شيئاً.
وقوله: وتَرُدُّونَ علينا ما أصَبْتُم مِنّا، أي: ما انتَهَبتُموه من عَسكَر المسلمين في حالة
المحاربة.
وقوله: تَدُونَ، بفتح المئّة وتخفيف الدّال المضمومة: أي: تَحمِلونَ إلينا دِيَاتِهِم.
وقوله: قَتْلاكم في النار، أي: لا دِياتٍ لها في الدُّنيا؛ لأنَّهم ماتوا على شِركهم فقُتِلوا بحَقِّ،
فلا دية لهم.
وقوله: وتُترَكون، بضمٍّ أوَّله، ويَتْبَعونَ أذناب الإِبِل، أي: في رِعايتها، لأنَّهم إذا نُزِعَت
منهم آلة الحرب رجعوا أعراباً في البوادي، لا عَيَشَ لهم إلّا ما يعود عليهم من منافع
إِلهم، قال ابن بَطّال: كانوا ارتَدُّوا ثمَّ تابوا، فأوفَدوا رُسُلهم إلى أبي بكر يَعتَذِرونَ إليه،
فأحَبَّ أبو بكرٍ أن لا يقضيَ بينَهم إلّا بعدَ المشاوَرَة في أمرهم، فقال لهم: ارجعوا/ واتْبَعوا ٢١١/١٣
أذناب الإبل في الصَّحارَى. انتهى، والذي يَظهَر أنَّ المراد بالغاية التي أنظَرَهم إليها أن تَظهَر
تَوبَتُهم وصلاحهم بحُسنِ إسلامهم.
٥١ م- باب
٧٢٢٢، ٧٢٢٣ - حدَّثْنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدّثنا غُندَرٌّ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن عبدِ الملِكِ، سمعتُ
جابرَ بنَ سَمُرةَ، قال: سمعتُ النبيَّ نَّه يقولُ: ((يكونُ اثنا عشرَ أميراً))، فقال كلمةً لم أسمَعْها،
فقال أَبيِ: إِنَّه قال: ((كلُّهم مِن قُرَيشٍ».

٤١٨
باب ٥١م / ح ٧٢٢٢ -٧٢٢٣
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((بابٌ)) كذا للجميع بغير ترجمة، وسقط لفظ ((باب» من رواية أبي ذرِّ عن الكُشميهني
والسَّرَخْسي، وهو كالفصل من الذي قبله، وتعلّقُه به ظاهر.
قوله: «حَدَّثَنا» فيروایة کریمة: حَدَّثَني، بالإفراد.
قوله: ((عن عبد الملِك)) في رواية سفيان بن عُيَينةَ عند مسلم (٦/١٨٢١): عن عبد الملك
ابن عُمَيرٍ.
قوله: (يكون اثنا عشرَ أميراً)) في رواية سفيان بن عُيَينةَ المذكورة: ((لا يزال أمرُ الناس
ماضیاً ما وَلیھم اثنا عشرَ رجلاً».
قوله: ((فقال كَلِمة لم أسمَعْها)) في رواية سفيان: ثمَّ تَكلَّمَ النَّبِيُّ وَ ◌ّ بِكَلِمَةِ خَفِيَت عليّ.
قوله: ((فقال أَبي: إنَّه قال: كلّهم من قُرَيش)) في رواية سفيان: فسألتُ أبي: ماذا قال
رسول الله وَليه؟ فقال: ((كلّهم من قُرَيش))، ووَقَعَ عند أبي داود (٤٢٨٠) من طريق الشَّعْبيّ
عن جابر بن سَمُرة سببُ خَفَاء الكَلِمة المذكورة على جابر، ولفظه: ((لا يزال هذا الدِّين
عَزيزاً إلى اثنَي عشرَ خليفة)) قال: فَكَبَّرَ الناس وضَجُّوا، فقال کَلِمة خَفيَّة، فقلت لأبي: يا
أَبَتِ، ما قال؟ فذكره، وأصلُه عند مسلم (٨/١٨٢١-٩) دونَ قوله: فكَبَّرَ الناس وضَجّوا،
ووَقَعَ عند الطَّبَرَانيّ (٢٠٧٣) من وجه آخَرَ في آخره: فالتَفَتُّ فإذا أنا بعمرَ بن الخطّاب وأَبي
في أُناسٍ فأثبتوا لي الحديث.
وأخرجه مسلم (٥/١٨٢٥) من طريق حُصَين بن عبد الرَّحمن عن جابر بن سَمُرة
قال: دَخَلتُ مع أبي على النَّبِيّ وَِّ، فذكره بلفظ: ((إنَّ هذا الأمر لا يَنقَضي حتَّى يمضيَ فيهم
اثنا عشرَ خليفة))، وأخرجه (٧/١٨٢١) من طريق سِماك بن حَرْب عن جابر بن سَمُرة
بلفظ: ((لا يزال الإسلام عَزيزاً إلى اثنَي عشرَ خليفة)»، ومثله عنده من طريق الشَّعْبيّ عن
جابر بن سَمُرة، وزاد في رواية عنه (٩/١٨٢١): ((مَنيعاً))، وعُرِفَ بهذه الرِّواية معنى قوله
في رواية سفيان: ((ماضياً)) أي: ماضياً أمرُ الخليفة فيه، ومعنى قوله: ((عَزيزا): قويّاً، و((مَنيعاً))
بمعناه.

٤١٩
باب ٥١م / ح ٧٢٢٢ - ٧٢٢٣
كتاب الأحكام
ووَقَعَ في حديث أبي جُحَيفةً عند البَزَّارِ(١) والطَّبَرانيّ (٣٠٨/٢٢) نحو حديث جابر بن
سَمُرة بلفظ: ((لا يزال أمرٌ أمَّتي صالحاً)، وأخرجه أبو داود (٤٢٨١) من طريق الأسوَد بن
سعيد عن جابر بن سَمُرة نحوه قال: وزاد: فلمَّا رَجَعَ إلى مَنزِله أتَته قُرَيش فقالوا: ثمّ
يكونُ ماذا؟ قال: ((ثم يكون الهَرْج))، وأخرج البزَّار هذه الزّيادة من وجه آخَرَ(٢) فقال فيها:
ثمَّ رَجَعَ إلى مَنزِله فأتيتُه فقلت: ثمَّ يكونُ ماذا؟ قال: ((الهَرْج)).
قال ابن بَطّال عن المهلَّب: لم ألقَ أحداً يَقطَعُ في هذا الحديث - يعني بشيءٍ مُعيَّن -
فقوم قالوا: يكونونَ بتَوالي إمارَتهم، وقوم قالوا: يكونون في زمنٍ واحد، كلّهم يَدَّعي
الإمارة. قال: والذي يَغْلِب على الظَّنّ أنَّه عليه الصلاة والسَّلام أخبَرَ بأعاجيبَ تكونُ
بعدَه من الفتن، حتَّى يَفتَرِق الناس في وقت واحد على اثنَي عشرَ أميراً، قال: ولو أرادَ غيرَ
هذا لَقال: يكونُ اثنا عشرَ أميراً يَفعَلونَ كذا، فلمَّا أعْراهم من الخبر، عَرَفنا أنَّه أرادَ أنَّهم
یکونون في زمن واحد، انتھی.
وهو كلامُ مَن لم يَقِفْ على شيء من طرق الحديث غير الرِّواية التي وَقَعَت في البخاريّ
هكذا مُخُتَصَرة، وقد عَرَفتَ من الرِّوايات التي ذَكَرتُها من عند مسلم وغيره أنَّه ذكر الصِّفَة
التي تَخْتَصّ بولايتِهِم: وهو كَونُ الإسلامِ عَزيزاً مَنيعاً، وفي الرّواية الأُخرى صِفَة أُخرى:
وهو أنَّ كلّهم يَجَتَمِع عليه الناس، كما وَقَعَ عند أبي داود (٤٢٧٩)، فإنَّه أخرج هذا الحديث
من طريق إسماعيل بن / أبي خالد عن أبيه عن جابر بن سَمُرة بلفظ: ((لا يزال هذا الدّين قائماً ٢١٢/١٣
حتَّى يكونَ عليكم اثنا عشر خليفة كلّهم تجتمع عليه الأُمَّة))(٣)، وأخرجه الطَّبَرانيُّ من وجه
آخَرَ عن الأسوَد بن سَعيد عن جابر بن سَمُرة بلفظ: ((لا تَضُرّهم عَداوَةٌ مَن عاداهم)) (٤).
(١) هو عند البزار برقم (٤٢٣٠) لكن بلفظ: ((لا يزال أمر أمتي قائماً))، وهو عنده (٤٢٨٤) بلفظ ((صالحاً))
لکن من حديث جابر بن سمرة.
(٢) بل هو من الوجه نفسه، وهو عنده برقم (٤٢٧٩).
(٣) قوله: ((تجتمع عليه الأُمة)) تفرد بها أبو خالد الأحمسي والد إسماعيل، وهو مقبول حيث يُتَابَع، ولم يتابعه
في هذه الزيادة أحد، فهي زيادة شاذّة.
(٤) بل هو عنده من رواية عطاء بن أبي ميمونة عن جابر برقم (٢٠٧٣)، وفي سنده ضعف، أما رواية الأسود
ابن سعيد فهي عنده برقم (٢٠٥٩) ليس فيها هذا الحرف.

٤٢٠
باب ٥١م / ح ٧٢٢٢ -٧٢٢٣
فتح الباري بشرح البخاري
وقد لَخَّصَ القاضي عِيَاض ذلك، فقال: تَوجَّهَ على هذا العَدَد سؤالان: أحدُهما: أنَّه
يعارض ظاهرَ قوله في حديث سَفينة - يعني الذي أخرجه أصحاب ((السُّنَن)) وصَحَّحَه
ابنِ حِبّان وغيره -: ((الخلافة بعدي ثلاثونَ سنة، ثمَّ تكونُ مُلكاً)(١)، لأنَّ الثَّلاثينَ سنة لم
يَكُن فيها إلّا الخلفاءُ الأربعة وأيامُ الحسنِ بن عليّ، والثّاني: أنَّه وليَ الخِلافةَ أكثرُ من هذا
العَدَد.
قال: والجواب عن الأوَّل: أنَّه أرادَ في حديث سَفينة: خِلَافةَ النبوَّة، ولم يُقيِّده في
حديث جابر بن سَمُرة بذلك، وعن الثّاني: أنَّه لم يَقُل: لا يَلي إلّا اثنا عشرَ، وإنَّما قال:
(يكونُ اثنا عشرَ)) وقد وليَ هذا العَدَد، ولا يَمنَعُ ذلك الزّيادةَ عليهم، قال: وهذا إن جُعِلَ
اللَّفظ واقعاً على كلّ مَن وليَ، وإلّا فيحتمل أن يكون المراد: مَن يَستَحِقّ الخلافة من أئمّة
العَدلُ، وقد مضى منهم الخلفاءُ الأربعة، ولا بُدَّ من تمام العِدَّة قبل قيام السّاعة، وقد قيل:
إنَّهم يكونونَ في زمن واحد يَفتَرِق الناس عليهم، وقد وَقَعَ في المئة الخامسة في الأندَلُس
وحدَها ستَّة أنفُس كلّهم يَتَسمَّى بالخِلافة، ومعهم صاحبُ مِصرَ والعبَّاسِيُّ(٢) ببغدادَ إلى
مَن كان يَدَّعي الخلافة في أقطار الأرض من العَلَويَّة والخوارج.
قال: ويَعضُد هذا التَّويل قولُه في حديث آخَرَ في مسلم (١٨٤٢): ((ستكونُ خُلَفاء
فِيَكْثُرُونَ)) قال: ويَحَتَمِل أن يكون المراد أن يكونَ الاثنا عشرَ في مُدَّة ◌ِزَّة الخِلافة وقوَّة
الإسلام واستقامة أُموره والاجتماع على مَن يقوم بالخلافة، ويُؤيِّده قوله في بعض الطُّرق:
((كلّهم تجتمع عليه الأُمَّة))، وهذا قد وُجِدَ فيمَن اجتَمَعَ عليه الناسُ إلى أن اضطَرَبَ أمرٌ
بني أُمَيَّة ووَقَعَت بينهم الفِتنةُ زمنَ الوليد بن يزيد، فاتَّصَلَت بينهم إلى أن قامت الدَّولة
العبّاسيَّة فاستَأصَلوا أمرَهم، وهذا العَدَد موجود صحيح إذا اعتُبرَ، قال: وقد يَحَتَمِل
وجوهاً أُخَرَ، والله أعلم بمُرادِ نبيِّه، انتهى.
(١) أخرجه أبو داود (٤٦٤٦) و(٤٦٤٧)، والترمذي (٢٢٢٦)، والنسائي في ((الكبرى)) (٨٠٩٩)، وابن
حبان (٦٦٥٧) و(٦٩٤٣)، وإسناده حسن.
(٢) هكذا في (أ)، وفي (ع) و(س): والعباسيّة.