النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
باب ٣٣ / ح ٧١٨٧
كتاب الأحكام
قال المهلَّب: معنى هذه التَّرجمة: أنَّ الطّاعِن إذا لم يَعلَم حالَ المطعون علیه فرماه بما ليس
فيه، لا يُعبّأُ بذلك الطَّعن ولا يُعمَلُ به، وقَيَّدَه في الَّرجمة بمَن لا يَعلَم، إشارةً إلى أنَّ مَن طَعَنَ
بِعِلمٍ أَنَّه يُعملُ به، فلو طَعَنَ بأمرٍ مُتَملِ كان ذلك راجِعاً إلى رأي الإمام، وعلى هذا يتنزَّل فعلُ
عمر مع سعدٍ حَتَّى عَزَلَه، مع براءَته ممَّا رَماه به أهل الكوفَة. وأجابَ المهلَّب: بأنَّ عمر لم يَعلم
من مَغِيبٍ سعدٍ ما علمَه النَّبِيُّ وَّهِ مِن زيدٍ وأُسامَة، يعني فكان سبب عَزله قيام الاحتمال.
وقال غيره: كان رأي عمر احتمال أخَفّ المفسَدَتَين، فرأى أنَّ عَزْلَ سعدٍ أسهلُ من فتنةٍ يُثِيرُها
مَن قامَ عليه من أهل تلك البلد، وقد قال عمر في وصيَتَه: لم أعزِله لضعفٍ ولا لخيانَةٍ.
وقال ابن المنيِر: قَطَعَ النَّبِيُّ نَ ◌ّهِ بِسَلامَة العاقبة في إمرَة أُسَامَة، فلم يَلْتَفِت لطَعنِ مَن
طَعَنَ، وأمّا عمر فسَلَكَ سبيل الاحتياط لعَدَمٍ قَطعه بمثل ذلك.
وذَكَر حديثَ ابن عمر في بَعث أُسامَة، وقد تقدَّم شرحه مُستَوَى في أواخر الوفاة
النبويَّة من كتاب المغازي (٤٤٦٨).
قوله: ((فطُعِنَ في إمارَته)) بضمِّ الطّاء على البناء للمجهول.
وقوله: ((إن تَطْعُنوا في إمارَته فقد كنتُمْ تَطعُنونَ في إمارة أبيه)) أي: إن طَعَنتُم فيه فأُخبِرُكم
بأنَّكم طَعَنْتُم من قبلُ في أبيه، والتَّقدير: إن تَطعُنوا في إمارَته فقد أثِمتُم بذلك؛ لأنَّ طَعنكم
بذلك ليس حقّاً كما كنتُم تَطعُنونَ في إمارة أبيه وظَهَرَت كِفايتُه وصلاحيته للإمارة، وأنَّه
كان مُستَحِقّاً لها، فلم يَكُن لطَعِنِكم مُستَنَد، فلذلك لا اعتبارَ بطَعنِكم في إمارة ولده، ولا
التِفاتَ إليه، وقد قيلَ: إِنَّمَا طَعَنوا فيه لكَونِهِ مَولَى، وقيل: إنَّما كان الطّاعِن فيه مَن يُنسَب إلى
النَّفاق، وفيه نَظَر، لأنَّ من جملة مَن سُمّيَ مَمَّن طَعَنَ فيه: عيَّاش - بتحتائيَّةٍ وشين مُعجَمة -
ابنُ أبي رَبيعة المخزوميّ، وكان من مُسلِمَة الفتح، لكنَّه كان من فُضلاء الصَّحابة، فعلى
هذا فالخِطاب بقولِه: ((إن تَطعُنوا)) لعمومِ الطّاعِنين، سواء اَّحَدَ الطّاعِن فيهما أم اختَلَفَ.
وقوله: ((إنْ كان لَخَليقاً)) أي: مُستَحِقّاً.
وقوله: (لِلإِمْرةِ)) بكسر الهمزة، وفي رواية الكُشمِيهَنيّ: ((لِلإمارةِ)) وهما بمعنَّی.

٣٦٢
باب ٣٤ / ح ٧١٨٨
فتح الباري بشرح البخاري
٣٤- باب الألَدِّ الخَصِم، وهو الدّائمُ في الخُصومةِ
﴿ لُّدًّا﴾ [مريم: ٩٧]: عُوجاً.
٧١٨٨- حدَّثنَا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن ابنِ جُرَيج، سمعتُ ابنَ أبي مُلَيكةَ مُحدِّثُ،
عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: قال رسولُ الله ◌َّةِ: ((أبغَضُ الرِّجال إلى الله الألَدُّ الخَصِمُ)).
قوله: ((بابُ الأَلَدِّ الخَصِم)) بفتح المعجَمَة وكسر الصّاد المهمَلة، وقد تقدَّم بيان المراد به
في كتاب المَظالم (٢٤٥٧) وفي تفسير سورة البقرة (٤٥٢٣).
وقوله: ((وهو الدّائمُ في الخُصومَة)) من تفسير المصنِّف، ويحتمل أن يكون المراد: الشَّديد
الخُصومَة، فإنَّ الخَصِم من صيغ المبالغة فيَحتَمِل الشِّدَّة ويَحْتَمِل الكَثْرَة.
وقوله: ((لُدّاً: عُوجاً) وَقَعَ في رواية الكُشمِيهَنيّ: ألَّ: أعوَج، وهو يَرِدُ على ابن المنِّر
حيثُ صَخَّفَ هذه اللَّفِظَة فقال: قوله: ((إذاً: عوجاً) لا أعلم لهذا في هذه التَّرجمة وجهاً، إلّا
إن كان أرادَ أنَّ((الأَلَدّ» مُشتَقٌ من اللَّدَد، وهو الاعوجاج والانحراف عن الحقّ، وأصله
من ((اللَّديد)) وهو جانبُ الوادي، ويُطلَق على جانب الفَم، ومنه ((اللَّدود)» وهو صَبُّ
الدَّواء مُنحَرِفاً عن وسَط الفَم إلى جانبه، فأرادَ أن يُبيِّن أنَّ العِوَج يُستَعمَل في المعاني كما
يُستَعمَل في الأعيان، فمِن استعماله في المعاني: اللَّدود والإدّ، وهو قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ جِئْتُمْ
شَيْئًا إِذَا﴾ [مريم: ٨٩] أي: شيئاً مُنحَرِفاً عن الصَّواب ومُعوَجّاً عن سِمَة الاعتدال. قلت:
ولم أرَها في شيءٍ من نُسَخ البخاريّ هنا إلّا باللّام، وقد تقدَّم في تفسير سورة مريم (١) نَقْلُه
١٨١/١٣ عن ابن عبّاس أنَّه قال: إذاً:/ عظيماً. وعن مجاهد أنَّه قال: لُدّاً(٢): عُوجاً، وذَكَرت هناك مَن
وَصَلَهما.
(١) بين يدي الحديث رقم (٤٧٣٠).
(٢) كذا وقعت هنا باللام، وقد تقدمت في تفسير سورة مريم في النسخة التي شرح عليها الحافظ: ((إذا))
بالهمزة، وكذا هي في النسخة اليونينية، ولم يشر هناك إلى اختلاف بين النسخ والروايات، لكن القسطلاني
أشار إلى أنه في نسخة: ((لدّاً)) باللام، وكذلك وقعت باللام في النسخة التي شرح عليها العيني، ولم يشر
العيني إلى النسخ التي فيها ((إذا)» بالهمز.

٣٦٣
باب ٣٤ / ح ٧١٨٨
كتاب الأحكام
ووَجَدت في ((تفسير عبد بن حُميدٍ)) من طريق مَعمَر عن قَتَادةَ في قوله تعالى: ﴿قَوْمًا
لَّذّا ﴾ [مريم: ٩٧] قال: جَدِلاً بالباطل، ومن طريق سليمان التَّيميِّ عن قَتَادةَ قال: الجَدِل:
الخَصِم، ومن طريق مجاهد قال: لا يَستَقيمونَ، وهذا نحو قوله: عوجاً.
وأسنَدَ ابن أبي حاتم من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح في قوله: ﴿وَتُنذِرَبِهِ.
قَوْمًا ◌ُّنَّا﴾ قال: مُوْجاً عن الحقّ، وهو بضمِّ العين وسكون الواو، وفيه تقوية لما وَقَعَ في
نُسَخ ((الصَّحیح)).
واللُّ، بضمِّ اللّم وتشديد الدّال: جمع ألَدّ، وقد أسنَدَ ابن أبي حاتم عن الحسن أنَّه
قال: اللُّ: الصُّم(١)، وكأنَّه تفسيرٌ باللّازم، لأنَّ مَن اعوَجَّ عن الحقّ كان كأنَّه لم يَسمَع،
وعن محمَّد بن كَعْب قال: الألَدّ: الكذّاب، وكأنَّه أرادَ أنَّ مَن يُكثِرِ المخاصَمَة يقع في الكذب
كثيراً. وتفسير الألَدّ بالأعوَج - على ما وَقَعَ عند الكُشمِيهَنِيِّ - يُحمَل على انحرافه عن الحقّ،
وتفسير الأَلَدّ بالشَّديدِ الخصومَة لأنَّه كلَّما أُخِذَ عليه جانبٌ من الحُجَّة أخَذَ في آخَر، أو
لإعمالِهِ لَدِيْدَيه - وهما جانبا فمِه - في المخاصَمَة.
وقال أبو عُبَيدَة في كتاب ((المجاز)) في قوله: ﴿قَوْمًا لَّذًّا﴾: واحدهم ألَدّ: وهو الذي
يَدَّعي الباطل ولا يَقبَل الحقّ.
وذَكَر حديث عائشة في الألَدّ، وقد سَبَقَ شرحه (٢٤٥٧).
وقوله: ((أبغَض الرِّجال ... )) إلى آخره، قال الكِرمانيُّ: الأبغَض: هو الكافر، فمعنى
الحديث: أبغَضُ الرِّجالِ الكفَّارِ: الكافرُ المعاند، أو أبغضُ(٢) الرِّجالِ المخاصِمينَ. قلت:
والثّاني هو المعتمَد، وهو أعمّ من أن يكون كافراً أو مسلماً، فإن كان كافراً فأفعَل التَّفضيل
في حَقّه على حقيقتها في العموم، وإن كان مسلماً فسببُ البُغض أنَّ كَثَرَة المخاصَمَة تُفضي
(١) تحرفت في (س) إلى: الخصم، وفي (ع) إلى: بالضم، والمثبت من (أ) وهو الصواب يؤيده سياق الكلام،
وقد أورد هذا الأثر عن الحسن: القرطبي في ((تفسيره)) ١١/ ١٦٢.
(٢) تحرفت في (س) إلى: بعض.

٣٦٤
باب ٣٥ / ح ٧١٨٩
فتح الباري بشرح البخاري
غالباً إلى ما يُذَمّ صاحبُه، أو يُخْصّ في حَقّ المسلمين بمَن خاصَمَ في باطل، ويَشهَد للأوَّلِ
حديث: ((كَفى بك إثماً أن لا تزال تُخَاصِماً)) أخرجه الطَّبَرَانيُّ عن أبي أُمامةَ بِسَنَدٍ ضعيف(١).
ووَرَدَ التَّرغيب في ترك المخاصمة؛ فعند أبي داود (٤٨٠٠) من طريق سليمان بن حبيب
عن أبي أمامةَ رَفَعَه: ((أنا زَعيمٌ ببيتٍ في رَبَضِ الجَنَّة لمن تَرَكَ المِراء وإن كان يُحِقّاً))، وله
شاهد عندَ الطَّبَرانيِّ (٢١٧/٢٠) من حديث معاذ بن جبل. والرَّبَض - بفتح الرَّاء والموخَّدة
بعدَها ضاد مُعجَمة ـــ: الأسفل.
٣٥ - بابٌ إذا قَضَى الحاكمُ بجَوْرٍ أو خِلَافَ أهلِ العِلمِ فهو رَةٌّ
٧١٨٩- حدَّثنا محمودٌ، حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، أخبرنا مَعمَرٌ (ح) وحدَّثني أبو عبدِ الله نُعَيم
ابنُ حَمَّد، حدَّثنا عبدُ الله (٢)، أخبرنا مَعمَرٌ، عن الزّهْريِّ، عن سالم، عن أبيه، قال: بَعَثَ النبيُّ
﴿مِّ خالدَ بنَ الوليدِ إلى بني جَذِيمةً، فلم يُحْسِنوا أن يقولوا: أسلَمْنا، فقالوا: صَبَأْنَا صَبَأْنًا،
فجَعَلَ خالدٌ يقتلُ ويَأْسِرُ، ودَفَعَ إلى كلِّ رجلٍ مِنّا أسِيرَه، فأمَرَ كلَّ رجلٍ مِنّا أنْ يقتُلَ أَسِيرَه،
فقلتُ: والله لا أقتُلُ أسِيري، ولا يقتلُ رجلٌ مِن أصحابي أسِيرَه، فَذَكَرْنا ذلك للنبيِّ ◌َِّ،
فقال: ((اللهُمَّ إنِّي أبرَأُ إليكَ ممَّ صَنَعَ خالدُ بنُّ الوليدِ)) مرَّتَينِ.
قوله: ((باب إذا قَضَی الحاکم بجوْرٍ أو خِلاف أهل العلم فهو ردّ» أي: مردود.
قوله: ((حَدَّثَنا محمود)» هو ابن غَيلان.
وقوله: ((وحَدَّثَني أبو عبد الله نُعَيم بن حَمَّاد)) كذا لأبي ذرِّ (٣)، ولغيرِه: قال أبو عبد الله - وهو
المصنِّف -: حَدَّثَني نُعَيم. وساقَ غير أبي ذرِّ أيضاً السَّند إلى قوله: عن ابن عمر بَعَثَ النَّبِيّ ◌َله
خالداً.
(١) هو عنده بهذا اللفظ من حديث ابن عباس برقم (١١٠٣٢)، وأخرجه الترمذي من حديثه أيضاً برقم
(١٩٩٤) وإسناده ضعيف أيضاً، فیه ابن وهب بن منبه وهو مجهول.
أما حديث أبي أمامة فهو عند الطبراني برقم (٧٦٥٩) مقروناً به أبو الدرداء وواثلة بن الأسقع وأنس بن
مالك ضمن حديث مطول جداً في المراء، وفيه: ((فكفاك إثماً أن لا تزال ممارياً».
(٢) هو ابن المبارك.
(٣) أقحم هنا في (أ) و(س) عبارة: ((عن ابن عمر))، ولم ترد في (ع)، وهو الصواب حيث لا وجه لها هنا.

٣٦٥
باب ٣٦ / ح ٧١٩٠
كتاب الأحكام
ووَقَعَ في رواية / عبد الرَّزّاق بسَنَدِه إلى سالم - وهو ابن عبد الله بن عمر -: عن أبيه(١).
وقد تقدَّم شرح هذا الحديث في المغازي في ((باب بَعث خالد إلى بني جَذِيمة)) (٤٣٣٩)،
والغرض منه قوله وَّه: «اللهُمَّ إِنّ أبرأ إليك ممّا صَنَعَ خالد)) يعني: مِن قَتلِهِ الذينَ قالوا:
صَبَأْنا، قبلَ أن يَستَفسِرهم عن مُرادِهم بذلك القول، فإنَّ فيه إشارة إلى تَصويب فعلِ ابن
عمر ومَن تَبِعَه في تركهم مُتَابَعَة خالد على قَتل مَن أمَّرَهم بقَتلِهِم من المذكورِين.
وقال الخطَّبيُّ: الحِكمَة في تَبرُّتِه ◌ِ لّهِ من فعل خالد مع كونه لم يُعاقبه على ذلك لكَونِه
مُجْتَهِداً: أن يُعرِّفَ أنَّه لم يَأْذَن له في ذلك، خشية أن يَعتَقِد أحدٌ أَنَّه كان بإذنِهِ، ولَيَنْزَجِر غیرُ
خالد بعدَ ذلك عن مِثل فعله، انتهى ملخَّصاً.
وقال ابن بَطّال: الإثمُ وإن كان ساقطاً عن المجتَهِد في الحُكم إذا تَبيَّن أنَّه بخِلَاف
جماعة أهل العِلم، لكنَّ الضَّمان لازِمٌ للمُخطِئِ عند الأكثَر، مع الاختلاف: هل يَلَزَم ذلك
عاقلةَ الحاكم أم بيتَ المال؟ وقد تقدَّمَت الإشارة إلى شيءٍ من ذلك في كتاب الدّيات
(٦٨٦٥ و٦٨٧٢)، والذي يَظهَر أنَّ التَّبرُّؤْ من الفعل لا يَستَلِزِم إثمَ فاعله ولا إلزامه
الغرامَة، فإنَّ إثم المخطِئ مرفوعٌ وإن كان فعلُه لیس بمحمودٍ.
٣٦ - باب الإمام يأتي قوماً فيُصلِحُ بينَهم
٧١٩٠- حذَّثنا أبو التُّعْمان، حدَّثنا حَمَّدٌ، حدَّثنا أبو حازمِ المَدِينِيُّ، عن سَهْلِ بنِ سعد
السّاعِدِيِّ، قال: كان قتالٌ بينَ بني عَمْرٍو، فَلَغَ ذلك النبيَّ ◌َّةِ، فصَلَى الظّهرَ، ثمَّ أتاهم ◌ُصلِحُ
بينَهم، فلمَّا حَضَرَتْ صلاةُ العصرِ، فأَذَّنَ وأقامَ، وأمَرَ أبا بَكْرٍ فتقدَّمَ، وجاءَ النبيُّ ◌َِّ وأبو بكرٍ
في الصلاةِ، فشَقَّ الناسَ حتَّى قامَ خَلْفَ أبي بكرٍ، فتقدَّم في الصَّفِّ الذي يَلِيه، قال: وصَفَّحَ
القومُ، وكان أبو بكرٍ إذا دَخَلَ في الصلاةِ لم يَلتَفِتْ حَتَّى يَفْرُغَ، فلمَّا رأى النَّصِفِيحَ لا يُمْسَكُ
عليه التَفَتَ، فرأى النبيَّ ◌ََّ خَلْفَه، فَأَوْمَأْ إليه النبيُّ ◌َّهِ أَنِ امضِهْ، وأوْمَأْ بَيَدِه هكذا، ولَبِثَ أبو
(١) كذا وقعت العبارة هنا في (أ) و(س)، ولم ترد لفظة ((ووقع)) في (ع)، والصواب أن ذلك وقع في رواية
عبد الله بن المبارك، أما عبد الرزاق فقال في روايته: عن سالم عن ابن عمر، والله أعلم.
١٨٢/١٣

٣٦٦
باب ٣٦ / ح ٧١٩٠
فتح الباري بشرح البخاري
بكرٍ هُنَيّةً يَحْمَدُ الله على قولِ النبيِّوَّةِ، ثُمَّ مَشَى القَهْقَرَى، فلمَّا رأى النبيُّ نَّهِ ذلك تقدَّمَ،
فصَلَّى النبيُّ نَّهِ بِالناسِ، فلمَّا قَضَى صلاتَه قال: ((يا أبا بَكْرِ ما مَنَعَكَ إذ أوْمَأْتُ إليكَ أنْ لا
تكونَ مَضَيْتَ؟)) قال: لم يكن لابنِ أبي قُحَافَةَ أنْ يَؤُمَّ النبيَّ وَّةِ، وقال للقومِ: ((إذا نابَكم أمرٌ
فَلْيُسبِّحِ الرِّجالُ، ولْيُصَفِّحِ النِّساءُ)).
قوله: ((بابُ الإمامِ يأتي قوماً فيُصلِحُ بينَهم)) في رواية الكُشمِيهَنِيّ: ليُصلِحِ، باللّم بَدَل
الفاء.
قوله: ((كان قتالٌ بين بني عَمْرو)) في رواية مالك عن أبي حازم الماضية في أبواب الإمامة
(٦٨٤): أنَّ النَّبِيّ ◌َ هِ ذهب إلى بني عَمرو بن عَوف ليُصلِحِ بينَهم، وقد تقدَّم شرحه
مُستَوفَّى هناك، وذكره هناك بلفظ: ((فليُصَفِّق، والتَّصفيق)) ووَقَعَ هنا بلفظ: («فليُصَفِّح،
والتَّصفيح)) وهما بمعنَّى.
وقوله في هذه الطَّريق: ((فلمَّا حَضَرَتْ صلاةُ العصر فأذَّنَ وأقامَ)) قال الکِرمانيُّ: جواب
الفاء في قوله: ((فلمَّا)) محذوف، سواءٌ كانت «لمَّا)) شَرطيَّة أو ظَرفيَّة، والتَّقدير: جاءَ المؤَذِّن.
قلت: إنَّما اختَصَرَه البخاريّ، وقد أخرجه أبو داود (٩٤١) عن عمرو بن عَوْن (١) عن حمّاد،
فقال فيه بعدَ قوله: ثمَّ أتاهم ليُصلِحِ بينَهم: فقال لبِلالِ: ((إن حَضَرَت صلاةُ العصر ولم
آتِك فمُر أبا بكر فليُصَلِّ بالناس» فلمَّا حَضَرَت العصر أذَّنَ بلالٌ ثمّ أقامَ ... فذكره.
وقوله: ((أنِ امْضِهْ)) فعل أمر بالمضيِّ، والهاء للسَّكت.
وقوله: «هكذا» أي: أشار إليه بالمکثِ في مکانه.
١٨٣/١٣
وقوله: (يَحمَدُ الله)) في رواية الكُشمِيهَنِيّ: فحَمِدَ الله، بالفاءِ بَدَلَ التَّحتانيَّة.
وفي قوله: (لم يكن لابنِ أبي قُحَافَةٍ)) هَضمٌ لنفسِه وتَواضُع، حيثُ لم يَقُل: لي، ولا لأبي
بكر، وعادةُ العرب إذا عَظَّمَت الرجل ذكرته باسمِه وكُنيَته أو لَقَبِهِ، وفي غير ذلك تَنسُبُه
إلى أبيه ولا تُسمّیه.
(١) تحرفت في (ع) و(س) إلى: عوف.

٣٦٧
باب ٣٧ / ح ٧١٩١
كتاب الأحكام
قال ابن المنيِر: فِقه التَّرجمة التَّبِيهُ على جواز مُبَاشَرَة الحاكم الصُّلحَ بينَ الخصوم، ولا
يُعَدُّ ذلك تصحيفاً في الحُكم، وعلى جواز ذهاب الحاكم إلى موضع الخصوم للفَصلِ بينَهم
إمّا عندَ عِظَم الخَطب، وإمّا لِيَكشِفَ ما لا يُحاط به إلّا بالمعاينة، ولا يُعَدُّ ذلك تَخصيصاً ولا
تَميزاً ولا وهَناً.
تنبيه: وَقَعَ في نُسخَة الصَّغَانيِّ في آخر هذا الحديث: قال أبو عبد الله: لم يَقُل هذا الحرف:
((يا بلال فمُر أبا بكر)) غير حمّاد.
٣٧- بابٌ يُستَحَبُّ للكاتبِ أن يكونَ أمِيناً عاقلاً
٧١٩١- حدَّثنا محمَّدُ بنُ عُبيدِ الله أبو ثابتٍ، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن
عُبيدِ بنِ السَّاق، عن زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: بَعَثَ إليّ أبو بكرٍ لمَقْتَلِ أهلِ اليَمَامَةِ وعندَه عمرُ،
فقال أبو بكرٍ: إنَّ عمرَ أتاني فقال: إنَّ القتلَ قد استَحرَّ يومَ الَمَامَةِ بِقُرَاءِ القرآنِ، وإنّ أخشَى أنْ
يَسْتَجِرَّ القتلُ بقُرَّاءِ القرآنِ في المَواطِنِ كلِّها، فيذهبَ قرآنٌ كَثِيرٌّ، وإنّي أَرَى أنْ تأمُّرَ بجمعٍ
القرآنِ، قلتُ: كيفَ أفعَلُ شيئاً لم يفعلْه رسولُ الله وَّةِ؟ فقال عمرُ: هو والله خيرٌ، فلم يزلْ
عمرُ يُراجِعُني في ذلك، حتَّى شَرَحَ الله صَدْري للَّذِي شَرَحَ له صَدْرَ عمرَ، ورأيتُ في ذلك
الذي رأى عمرُ.
قال زيدٌ: قال أبو بكر: وإِنَّكَ رجلٌ شابٌّ عاقلٌ لا نَّهِمُكَ، قد كنتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لرسولِ الله
وََّ، فَتَبَّعِ القرآنَ فاجمَعْه، قال زيدٌ: فوالله لو كَلَّفَنِي نَقْلَ جبلٍ منَ الجبال ما كان بأثْقَلَ عليَّ مََّ
كُلََّني مِن جمعِ القرآنِ، قلتُ: كيفَ تَفْعَلان شيئاً لم يفعلْه رسولُ الله ◌َلَّ؟ قال أبو بكرٍ: هو والله
خيرٌّ، فلم يزلْ يَحُثُّ مُراجَعَتي حتَّى شَرَحَ الله صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ الله له صَدْرَ أبي بكرٍ وعمرَ،
ورأيتُ في ذلك الذي رأَيًا، فتَبَّعْتُ القُرآنَ أجمَعُه منَ العُسُبِ والرّقاع واللِّخاف وصُدورِ الرِّجال،
فَوَجَدْتُ آخِرَ سورةِ التَّوبةِ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوكُ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] إلى
آخِرِها مع خُزَيمَةَ، أو أبي خُزَيمَةَ، فَأَلْحَقْتُها في سورَتِها، وكانت الصُّحُفُ عندَ أبي بكرٍ حياتَه
حتَّى تَوَفّه الله عزَّ وجلَّ، ثمَّ عندَ عمرَ حياتَه حتَّى تَوَفّاه الله، ثمَّ عندَ خَفْصةَ بنتِ عمَرَ.

٣٦٨
باب ٣٧ / ح ٧١٩١
فتح الباري بشرح البخاري
قال محمَّدُ بنُ عُبيدِ الله: اللِّخافُ يعني: الخَزَفَ.
قوله: ((بابٌ يُستَحَبّ للكاتبِ أن يكون أميناً عاقلاً)) أي: كاتب الحُكمِ وغيره.
ذكر فيه حديثَ زيد بن ثابت في قِصَّته مع أبي بكر وعمر في جمع القرآن، وقد تقدَّم
شرحه مُستَوقّ في فضائل القرآن (٤٩٨٦)، والغرض منه قول أبي بكر لزيدٍ: إنَّك رجلٌ
شابٌّ عاقل لا نَتَّهِمك.
وقوله في آخره: (( قال محمَّد بن عُبيد الله)) بالتَّصغيرِ، وهو شيخ البخاريّ الذي رَوَى
عنه هذا الحديث، فَسَّرَ اللِّخاف التي ذُكِرَت في هذا الحديث - وهي بكسر اللّام وتخفيف
الخاء المعجَمَة - بالخَزَف، وهي بفتح الخاء المعجَمَة والزّاي بعدَها فاء، وقد تقدَّم بيان
الاختلاف في تفسيرها هناك.
وحكى ابن بَطّال عن المهلَّب في هذا الحديث: أنَّ العَقل أصلُ الخِلال المحمودَة؛ لأنَّه
لم يَصِف زيداً بأكثرَ من العَقل، وجعله سبباً لائتِمانه ورَفْع التُّهمَة عنه. قلت: وليس كما
١٨٤/١٣ قال، فإنَّ أبا بكر ذكر عَقِبَ الوصف المذكور: وقد كنتَ تَكتُبُ الوَحِيَ / لرسولِ اللهِ وَّله
فِمِن ثَمَّ اكتَفَى بوصفِه بالعَقلِ؛ لأنَّه لو لم تَتْبُت أمانته وكِفايته وعَقْلُه لمَا استَكتبَه النَّبِيُّ ◌َله
الوَحي، وإنَّما وصَفَه بالعَقلِ وعَدَمِ الاتّهام دونَ ما عَدَاهما إشارةً إلى استمرار ذلك له، وإلّا
فمُجرَّد قوله: لا نَتَّهِمك، مع قوله: عاقل، لا يَكفي في ثُبُوتِ الكِفاية والأمانَة، فكم من
بارعٍ في العَقل والمعرِفَة وُجِدَت منه الخيانَة.
قال: وفيه اتّخاذ الكاتب للسُّلطان والقاضي، وأنَّ مَن سَبَقَ له عِلمُ بأمرٍ يكون أولى به
من غيره إذا وَقَعَ، وعند البَيْهَقيِّ (١٢٦/١٠) بسَنَدٍ حسن عن عبد الله بن الزُّبَيرِ: أنَّ النَّبِيّ
وَّ اسْتَكْتَبَ عبد الله بنَ الأرقَم، فكان يَكتُب له إلى الملوك، فبَلَغَ من أمانَته عندَه أنَّه كان
يَأْمُرُه أن يَكتُب ويَخْتِمٍ ولا يُقرِؤُه، ثمَّ استَكتَبَ زيد بن ثابت، فكان يَكتُب الوَحِي ويَكتُب
إلى الملوك، وكان إذا غابا كَتَبَ جعفر بنُ أبي طالب، وكَتَبَ له أيضاً أحياناً جماعةٌ من
الصَّحابة، و(٢٠٤/٩) من طريق عِيَاض الأشعَريّ عن أبي موسى: أنَّه استَكتَبَ نَصرانيّاً

٣٦٩
باب ٣٨ / ح ٧١٩٢
كتاب الأحكام
فانتَهَرَه عمر، وقرأ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَّخِذُواْ أَلْيَهُودَ وَالنَّصَرَّ أَوْلِيَّةَ ﴾ الآية [المائدة: ٥١]،
فقال أبو موسى: والله ما تَوَلَّيته، وإنَّما كان يَكتُب، فقال: أما وَجَدت في أهل الإسلام مَن
يَكتُب، لا تُدنِهِم إذ أقصاهم الله، ولا تَأْتمنهم إذ خَوَّنَهم الله، ولا تُعِزَّهم بعدَ أن ذَهَّم الله.
٣٨- باب كتابٍ الحاكمِ إلى عُّاله، والقاضي إلى أُمَنائِهِ
٧١٩٢ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن أبي ليلى (ح)
حدَّثنا إسماعيلُ، حدَّثني مالكٌ، عن أبي ليلَى بنِ عبدِ الله بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ سَهْلٍ، عن
سَهْلٍ بنِ أبي حَثْمَةَ، أَنَّه أخبَرَه هو ورجالٌ مِن كُبراءِ قومِه: أنَّ عبد الله بنَ سَهْلٍ ومُحَيِّصةَ
خَرَجا إلى خَيْبَرَ مِن جَهْدِ أصابَهُم، فأُخبِرَ مُحيِّصةُ أنَّ عبد الله قُتِلَ وطُرِحَ في فِقِيرٍ - أو عَيْنٍ -
فأتى يهودَ فقال: أنتم والله قَتلْتُموه، قالوا: ما قَتلْناه والله، ثمَّ أقبَلَ حتَّى قَدِمَ على قومِه فذَكَر
لهم، وأقبَلَ هو وأخوه خُويِّصةُ - وهو أكبرُ منه - وعبدُ الرَّحمنِ بنُ سَهْلٍ، فذهب ليتكلَّمَ وهو الذي
كان بِخَيْرَ، فقال النبيُّ ◌َّه لِمُحَيِّصَةَ: ((كَبِّرْ كَبِّ)) يُرِيدُ السِّنَّ، فتكلَّمَ حُويِّصُ، ثمَّ تَكلَّمَ مُحيِّصةُ،
فقال رسولُ الله ◌َّهِ: ((إمّا أنْ يَدُوا صاحبَكم، وإمّا أنْ يُؤْذِنوا بحَرْبٍ)) فَكَتَبَ رسولُ الله ◌َّ إليهم
به، فكُتِبَ: ما قَتَلْناه، فقال رسولُ الله ◌َّهِ لحَوَيِّصَةَ ومُحيِّصةَ وعبدِ الرّحمنِ: ((أَتَّخْلِفُونَ وتَستَحِقْونَ
دَمَ صاحبِكُمْ؟)) قالوا: لا، قال: ((أفَتَحْلِفُ لكم يهود؟)) قالوا: لَيْسوا بِمُسلِمِينَ، فَوَدَاهُ رسولُ الله
وَّهُ مِن عِنْدِهِ مَئِّةَ ناقةٍ، حتَّى أُدخِلَتِ الدّارَ، قال سَهْلٌ: فَرَكَضَتْني منها ناقٌ.
قوله: ((بابُ كتابِ الحاكم إلى عُمَّاله)) بضمِّ العين وتشديد الميم: جمع عامل، وهو الوالي
على بلد مَثَلاً لجمع خَرَاجها أو زَكَواتها، أو الصلاةِ بأهلِها، أو التَّأميرِ على چِهاد عدوِّها.
قوله: ((والقاضي إلى أُمَنائِهِ)) أي: الذينَ يُقيمهم في ضَبط أُمور الناس.
ذكر فيه حديث سَهْل بن أبي حَثْمَة في قصَّة عبد الله بن سَهلِ، وقَتلِه بخَيْبِرَ، وقيامِ
حُوِيِّصَة ومَن معه في ذلك، والغرض منه قوله فيه: فكَتَبَ رسول الله وَلّه إليهم - أي: إلى
أهل خَيْبِرَ - به، أي: بالخيرِ الذي نُقِلَ إليه، وقد تقدَّم بيانه مع شرح الحديث في ((باب
القَسامَة)» (٦٨٩٨).

٣٧٠
باب ٣٩ / ح ٧١٩٣ -٧١٩٤
فتح الباري بشرح البخاري
١٨٥/١٣
وقوله هنا: «فکتَبَ: ما قَتلْناه)» في/ رواية الكُشمِیھَنيّ: فكتبوا، بصيغة الجمع، وهو أولى،
ووَجَّهَ الكِرمانيُّ الأوَّل بأنَّ المراد به: الحميّ المسَمَّى باليهود، قال: وفيه تَكلّف. قلت: وأقرَب
منه أن يُراد الكاتب عنهم، لأنَّ الذي يُباشِر الكتابة إنَّما هو واحد، فالتَّقدير: فَكَتَبَ كاتِبُهم(١).
قال ابن المنيِّر: ليس في الحديث أنَّه وَ لِ﴿ كَتَبَ إلى نائبه ولا إلى أمينِهِ، وإِنَّمَا كَتَبَ إلى
الخصوم أنفُسِهم، لكن يُؤخَذ من مشروعيَّة مَكاتَبة الخصوم والبناءِ على ذلك: جوازُ مُكاتبة
النّاب والكُتّاب في حَقّ غيرهم بطريق الأَوْلى.
٣٩- بابٌ هل يجوزُ للحاكم أنْ يَبعَثَ رجلاً وحدَهُ
و
للتَّظَرِ في الأمورِ؟
٧١٩٣ و٧١٩٤- حذَّثنا آدمُ، حدَّثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ، حدَّنا الزُّهْريُّ، عن عُبيدِ الله بنِ
عبدِ الله، عن أبي هُرَيرةَ وزيدِ بنِ خالدِ الجُهَنيِّ، قالا: جاءَ أعرابٌّ فقال: يا رسولَ الله، اقضِ
بينَنا بكتاب الله، فقامَ خَصْمُه، فقال: صَدَقَ، فاقضِ بيتَنَا بكتاب الله، فقال الأعرابُّ: إنَّ ابني
كان عَسِيفاً على هذا، فَزَنَى بامرَأتِه، فقالوا لي: على ابنِكَ الرَّجْمُ، فَفَدَيتُ ابني منه بمئةٍ منَ
الغنمِ ووَلِيدَةٍ، ثمَّ سألتُ أهلَ العِلم، فقالوا: إنَّا على ابنِكَ جَلْدُ مئةٍ وتَغْرِيبُ عامِ، فقال النبيُّ
وَلّ: (الأقضِيَنَّ بينَكما بكتاب الله، أمّا الوليدةُ والغنمُ فَرَةٌّ عليكَ، وعلى ابنِكَ جَلْدُ مئةٍ وتَغْرِيبُ
عامٍ، وأمّا أنتَ يا أَنَيسُ - لرجلٍ - فاغدُ على امرأةٍ هذا فارُها)» فغَدا عليها أُنَيسٌ فَرَجَمَها.
قوله: ((بابٌ هل يجوزُ للحاكم أنْ يَبعَث رجلاً وحدَه للنَّظَرِ في الأُمور؟» كذا للأكثَرِ، وفي
رواية المُستَملي والكُشمِیھَنيّ: يَنظُر، وكذا عند أبي نُعَیم.
ذَكَرَ فيه حديث أبي هريرةَ وزيدِ بن خالدٍ في قصَّة العَسِيف، وقد مضى شرحه مُستَوفَّى
(٦٨٢٧)، والغرض منه قوله عليه الصلاة والسَّلام: ((واغدُ يا أُنَيَسُ على امرأة هذا)) وقد
تقدَّم الاختلاف في أنَّ أُنَيساً كان حاكماً أو مُستَخِراً، والحِكمَةُ في إيراده التَّرجمة بصيغة
(١) قال القسطلّاني: فكُتِب، بضم الكاف في الفرع كأصله، وفي غيرهما بفتحها. وقال العيني: والأولى أن
یکون گُتِب علی صیغة المجهول.

٣٧١
باب ٤٠ / ح ٧١٩٥ -٧١٩٦
كتاب الأحكام
الاستفهام: الإشارةُ إلى خِلاف محمَّد بن الحسن، فإنَّه قال: لا يجوز للقاضي أن يقول: أقَرَّ
عندي فلانٌ بكذا لشيءٍ يقضي به عليه من قَتلِ أو مالٍ أو عِتق أو طلاق، حتَّى يَشهَد معه
على ذلك غيرُه، واذَّعَى أنَّ مِثل هذا الحُكم الذي في حديث الباب خاصٌّ بالنَّيِّ وَّهُ.
قال: ويَنبَغي أن يكون في مَجَلِس القاضي أبداً عَدلان يَسمَعان مَن يُقِرّ ويَشهَدان على ذلك،
فِيُنفِّذ الحُكمَ بشَهادَتِهِما. نَقَلَه ابن بَطّال.
وقال المهلَّب: فيه حُجَّةٌ لمالكٍ في جواز إنفاذ الحاكم رجلاً واحداً في الإعذار، وفي أن
يَتَّخِذ واحداً يَثِقِ به يَكشِف له عن حال الشُّهود في السِّ، كما يجوز قَبُول الفَرد فيما طريقُه
الخبر لا الشَّهادة. قال: وقد استَدَلَّ به قومٌ في جواز تنفيذ الحُكم دون إعذارٍ إلى المحكوم
عليه، قال: وهذا ليس بشيءٍ، لأنَّ الإعذار يُشتَرَط فيما كان الحُكم فيه بالبيِّنة، لا ما كان
بالإقرار كما في هذه القصَّة، لقوله: ((فإن اعتَرَفت)). قلت: وقد تقدَّم شيءٌ من مسألة الإعذار
عندَ شرح هذا الحديث.
٤٠ - باب ترجمةِ الحُكّامِ، وهل يجوزُ تَرجمانٌ واحد؟
٧١٩٥- وقال خارجةُ بنُ زيدِ بنِ ثابتٍ، عن زيدِ بنِ ثابتٍ: إنَّ النبيَّ ◌َّهِ أَمَرَه أنْ يَتَعَلَّمَ
كتابَ / اليهودِ، حتَّى كَتَبَتُ للنبيِّ وَّ كُتُبَه، وأقرَأْتُه كُتُبَهم إذا كَتَبوا إليه.
١٨٦/١٣
وقال عمرُ - وعندَه عليٍّ وعبدُ الرَّحمنِ وعُثمانُ -: ماذا تقولُ هذه؟ قال عبدُ الرَّحمنِ بنُ
حاطِبٍ: فقلتُ: تُخْبُِكَ بصاحبِها الذي صَنَعَ بها.
وقال أبو جَمْرةَ: كنتُ أُتَرجِمُ بينَ ابنِ عبَّاسٍ وبينَ الناسِ.
وقال بعضُ الناسِ: لا بُدَّ للحاكمِ مِن مُتَرجَينِ.
٧١٩٦- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، أخبرني عُبيدُ الله بنُ عبدِ الله: أنَّ
عبد الله بنَ عبّاسٍ أخبَرَه: أنَّ أبا سفيانَ بنَ حَرْبٍ أخبَرَه: أنَّ هِرَقْلَ أرسَلَ إليه في رَكْبٍ مِن
قُرَيشٍ، ثمَّ قال لتَرجمانه: قُلْ لهم: إنّ سائلٌ هذا، فإنْ كَذَبني فكَذِّبوهُ ... فذكر الحديثَ، فقال
للتَّرجُمان: قُلْ له: إنْ كان ما تقولُ حقّاً، فسَيَمْلِكُ موضعَ قَدَمَيَّ هاتَينِ.

٣٧٢
باب ٤٠ / ح ٧١٩٥ -٧١٩٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: «باب ترجمة الحُگّام» في رواية الگُشمِیھنيّ: الحاكم، بالإفراد.
قوله: ((وهَلْ يجوز تَرْجُمانٌ واحد؟» يشير إلى الاختلاف في ذلك؛ فالاكتِفاء بالواحِدِ قولُ
الحنفيّة ورواية عن أحمد، واختارَها البخاريّ وابن المنذر وطائفة، وقال الشافعيّ - وهي
الرِّواية الرَّاجحَة عندَ الحَنابِلة -: إذا لم يَعرِف الحاكمُ لسان الخَصم، لم يَقبَل فيه إلّا عَدلَین،
لأَنَّه نَقلُ ما خَفِيَ على الحاكم إليه فيما يَتَعلَّق بالحُكومَةِ، فيُشْتَرَط فيه العَدَد(١) كالشَّهادة،
ولأنَّه أخبَرَ الحاكم بما لم يَفْهَمه، فكان كَنَقلِ الإقرار إليه من غير مَجلِسه.
قوله: «وقال خارِ جة بنُ زيد بن ثابت، عن زیدِ بنِ ثابت)» هو أبوه.
قوله: ((إِنَّ النَّبِّ وَّهِ أَمَرَه أنْ يَتَعلَّم كتابَ اليهود)) في رواية الكُشمِيهَنيّ: اليهوديّة، بزيادة
النِّسبة، والمراد بالكتابِ: الخطُّ.
قوله: ((حتَّى كَتَبتُ لِلنَّبِيِّ ◌َِّ كُبه)) يعني: إليهم ((وأقرَأْته كُتُبهم)) أي: التي يَكتُبُونَها إليه،
وهذا التَّعليق من الأحاديث التي لم يُخرِّجها البخاريّ إلّا مُعلَّقة، وقد وَصَلَه مُطوَّلاً في
كتاب ((التّاريخ)) (٣/ ٣٨٠) عن إسماعيل بن أبي أويس، حَدَّثَني عبد الرَّحمن بن أبي الزِّناد
عن أبيه عن خارجة بن زيد بن ثابت عن زيدٍ قال: أُتِي بِي النَّبِيَّ ◌َّهِ مَقْدَمَه المدينةَ فَأُعجِبَ
بي، فقيلَ له: هذا غلامٌ من بني النَّجّار قد قرأ فيما أنزلَ الله عليك بِضِعَ عَشْرَةَ سورة،
فاستَقرَأني فقرأت ((ق))، فقال لي: (تَعلَّم كتابَ يهود، فإنّ ما آمَن يهودَ على كتابي)) فتَعلَّمته
في نصف شَهر، حتَّى كَتَبتُ له إلى يهود، وأقرَأُ له إذا كَتَبوا إليه.
ووَقَعَ لنا بعُلوٍّ في ((فوائد الفاكهيّ)) (٧٨) عن ابن أبي مَيسَرَةَ، حدَّثنا يحيى بن قَزَعَة
حدَّثنا عبد الرَّحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه، فذكره،
وفيه: فما مرَّ بي سوى خمسَ عَشرَةَ ليلةً حتَّى تَعلَّمتُه. وأخرجه أبو داود (٣٦٤٥) والتِّرمِذيّ
(٢٧١٥) من رواية عبد الرَّحمن بن أبي الزِّناد، قال التِّرمِذيّ: حسن صحيح، وقد رواه
الأعمش عن ثابت بن عُبَيد عن زيد بن ثابت: أنَّ النَّبِيّ وَهَ أمَرَه أن يَتَعلَّم السُّريانيَّة.
(١) تحرفت في (س) إلى: العدل.

٣٧٣
باب ٤٠ / ح ٧١٩٥ -٧١٩٦
كتاب الأحكام
قلت: وهذه الطَّريق وقَعَت لي بعُلوٍّ في ((فوائد هلال الحَفّار)) قال: حدَّثنا الحسين بن
عيَّاش(١)، حدَّثنا يحيى (٢) بن السَّرِيّ، حدَّثنا جَرير عن الأعمَش ... فذكره، وزاد: فتَعلَّمتُها
في سبعةَ عشرَ يوماً.
وأخرجه أحمد (٢١٥٨٧) وإسحاق في ((مُسنَدَيهِما)) وأبو بكر بن أبي داود في كتاب
((المصاحف)) (ص٧) من طريق الأعمش، وأخرجه أبو يَعلى من طريقه، وعنده: ((إنّ أكتُب إلى
قومٍ فأخافُ أن يزيدوا عليَّ ويَنقُصوا، فتَعلَّم السُّريانيّة)) فذكره، وله طريق أُخرى أخرجها ابن
سعد (٢ / ٣٥٨)، وفي كلّ ذلك رَدٌّ على مَن زَعَمَ أنَّ عبد / الرَّحمن بن أبي الزناد تفرَّد به، نَعَم لم ١٨٧/١٣
يَروِه عن أبيه عن خارجة إلّا عبدُ الرَّحمن فهو تَفُرُّدُ نِسبيّ، وقصَّة ثابت يُمكِن أن تَتَّحِد مع
قصّة خارجة، بأنَّ من لازِم تَعلُّم كتابة اليهوديّة تَعلُّمَ لسانِهِم، ولسائُهم السُّريانيَّة، لكنَّ
المعروف أنَّ لسانهم العِبرانيَّة، فيحتَمل أنَّ زيداً تَعلَّمَ اللُّسانَينِ لاحتياجِه إلى ذلك.
وقد اعتَرَضَ بعضُهم على ابن الصَّلاح ومَن تَبِعَه في أنَّ الذي يَجِزِم به البخاريُّ يكون
على شَرط (الصَّحيح))، وقد جَزَمَ بهذا مع أنَّ عبد الرّحمن بن أبي الزِّناد قد قال فيه ابن مَعِين:
ليس ثمَّن يَحْتَجّ به أصحاب الحديث، ليس بشيءٍ، وفي رواية عنه: ضعيف، وعنه: هو دونَ
الدَّراوَرديِّ. وقال يعقوب بن شَبَّة: صَدُوق، وفي حديثه ضَعف، سمعت عليَّ بن المديني
يقول: حديثه بالمدينةِ مُقارب، وبالعراق مُضطَرِب. وقال صالح بن أحمد عن أبيه: مُضطَرِب
الحديث. وقال عمرو بن عليّ نحو قول عليّ، وقالا: كان عبد الرّحمن بن مَهديّ يَخُطّ على
حديثه. وقال أبو حاتم والنَّسائيُّ: لا يُحْتَجّ بحديثه. ووثَّقه جماعةٌ غيرُهم كالعِجلِّ والتِّرمِذيّ،
فيكون غايةُ أمره أنَّه مُتَلَف فيه، فلا يَتَّجِه الحُكم بصِخَّةِ ما يَنفَرِد به، بل غايته أن يكون
حسناً، وكنت سألت شيخَيَّ الإمامَينِ العراقيَّ والبُلقينيّ عن هذا الموضع، فَكَتَبَ لي كلٍّ
(١) هو الحسين بن يحيى بن عياش أبو عبد الله القطان، توفي سنة ٣٣٤هـ، روى عن يحيى بن السري، وعنه
هلال بن محمد الحفار. ((سير أعلام النبلاء)) ٣١٩/١٥.
(٢) أقحم هنا في الأصلين و(س): ((بن أيوب))، وهو خطأ، بل هو يحيى بن السري بن يحيى أبو محمد الضرير،
انظر ترجمته في ((تاريخ بغداد)» للخطيب ٢١٣/١٤.

٣٧٤
باب ٤٠ / ح ٧١٩٥ -٧١٩٦
فتح الباري بشرح البخاري
منهما بأنَّهما لا يَعرِفان له مُتابعاً، وعَوَّلا جميعاً على أنَّه عند البخاريّ ثقة، فاعتَمَدَه، وزاد
شيخنا العراقيّ أنَّ صِحَّة ما يَجِزِم به البخاريّ لا يَتَوقَّف أن يكون على شَرطِه، وهو تَنقيب
جَيِّدٌ هنا، ثمّ ظَفِرِتُ بعد ذلك بالمتابع الذي ذَكَرته فانتَفَى الاعتراضُ من أصله، ولله الحمد.
قوله: ((وقال عمر)) أي: ابن الخطّاب ((وعِنْده عليٌّ) أي: ابن أبي طالب ((وعبدُ الرَّحمن)) أي:
ابن عَوف ((وعثمان)) أي: ابن عَفّانَ ((ماذا تقول هذه؟)) أي: المرأةُ التي وُجِدَت حُبلى ((قال
عبد الرَّحمن بنُ حاطِب: فقلت: تُخْبِرِك بصاحبها الذي صَنَعَ بها)) وَصَلَه عبد الرَّزّاق (١٣٦٤٤
و١٣٦٤٥) وسعيد بن منصور من طرق عن يحيى بن عبد الرَّحمن بن حاطِب عن أبيه نحوَه.
قوله: (وقال أبو جَمْرَة: كنت ◌ُتَرچِمُ بینَ ابن عبّاس وبینَ الناس)) هذا طَرَف من حديث
أخرجه المؤلّف في ((العِلم)) (٨٧) من رواية شُعْبة عن أبي جَرَة فذكره، وبعدَه فقال: إنَّ وفد
عبد القيس أتَوا النَّبِيّ وَلَّ، فذكر الحديث في قِصَّتهم، وهو عندَ النَّسائيِّ (٥٦٩١) بزيادةٍ
بعدَ قوله: وبينَ الناس: فأتَته امرأةٌ فسَألَته عن نبيذ الجرّ فنَهَى عنه وقال: إنَّ وفد عبد القيس ...
الحدیث.
قوله: ((وقال بعضُ الناس: لا بُدَّ للحاكم من مُتَرجَينَ)) نَقَلَ صاحب ((المطالِعِ)) أنَّهَا رويَت
بصيغة الجمع وبصيغة التَّينية، ووجه الأوَّل: بأنَّ الألسِنَة قد تَكثُر فيُحتاج إلى تَكثير المتَرجِمِينَ.
قلت: والثّاني هو المعتمد.
والمراد ببعضِ الناس: محمَّد بن الحسن، فإنَّه الذي اشتَرَطَ أن لا بُدَّ في التَّرجمة من اثنَينِ،
ونَزَّلَها مَنْزِلة الشَّهادة، وخالَفَ أصحابَه الكوفيِّين، ووافَقَه الشافعيّ، فَتَعلَّقَ بذلك مُغَلطاي
فقال: فيه رَدُّ لقولٍ مَن قال: إنَّ البخاريّ إذا قال: قال بعض الناس يريد الحنفيّة، وتَعقَّبَه
الكِرمانيُّ فقال: يُحِمَل على الأغلب، أو أرادَ هنا بعض الحنفيّة، لأنَّ محمَّداً قائلٌ بذلك، ولا
يَمنَع ذلك أن يوافقه الشافعيّ، كما لا يَمنَع أن يوافق الحنفيَّةَ في غير هذه المسألة بعضُ الأئمّة.
ثم ذكر طرفاً من حديث أبي سفيان في قصَّة هِرَقَلَ، وقد أخرجه في بَدء الوَحي (٧)
بهذا السَّند مُطوَّلاً، والغرض منه قوله: ثمَّ قال لتَرجُمانه: قُل له ... إلى آخره.

٣٧٥
باب ٤٠ / ح ٧١٩٥ -٧١٩٦
كتاب الأحكام
قال ابن بَطّال: لم يُدخِل البخاريّ حديث هِرَقل حُجَّةً على جواز التَّرجُمان المشتَرَك،
لأنَّ تَرجُمان هِرَقل كان على دين قومه، وإنَّما أدخَلَه ليَدُلّ على أنَّ التَّرجُمان كان يَجري عندَ
الأُمَم مَجَرَى الخبر لا مَجَرَى الشَّهادة.
وقال ابن المنيِر: وجه الدَّليل من قصَّة هِرَقل مع أنَّ فعله لا يُحتَجّ به: أنَّ مِثل هذا صوابٌ
من رأيه؛ لأنَّ كثيراً مَّا أورَدَه في هذه القصَّة صوابٌ موافقٌ للحَقّ، فموضعُ الدَّليل تَصويب
حَمَلَة الشَّريعة لهذا وأمثاله من رأيه وحُسنٍ تَفَطُّنْه ومُناسَبةِ استدلاله، وإن كان غَلَبَت عليه
الشَّقاوَة. انتهى، وتَكمِلة هذا أن يُقال: / يُؤخَذ من صِحَّة استدلاله فيما يَتَعلَّق بالنبوَّةِ ١٨٨/١٣
والرّسالة أنَّه كان مُطَّلِعاً على شَرائع الأنبياء، فتُحمَل تَصرُّفاته على وَفْق الشَّريعة التي كان
مُتَمسِّكاً بها، کما سأذكرُه من عندِ الکرمانيّ.
والذي يَظهَر لي أنَّ مُستَنَد البخاريّ تقريرُ ابن عبّاس، وهو من الأئمَّة الذينَ يُقْتَدَى
بهم على ذلك، ومن ثَمَّ احتَجَّ باكتِفائه بترجمةِ أبي جَرَة له، فالأثَران راجِعان لابنِ عبَّاس،
أحدهما من تَصرُّفه والآخَر من تقريره، وإذا انضَمَّ إلى ذلك فعلُ عمر ومَن معه من الصَّحابة،
ولم يُنقَل عن غيرهم خِلَافُه قويَت الحُجَّة، ولمَّا نَقَلَ الكِرمانيُّ كلام ابن بَطّل تَعقَّبَه بأن
قال: أقول: وجه الاحتجاج أنَّه كان - يعني هِرَقل - نَصرانيّاً، وشَرْعُ مَن قبلَنَا حُجَّةٌ لنا ما لم
يُنسَخ. قال: وعلى قول مَن قال: إِنَّه أسلَمَ، فالأمر ظاهر. قلت: بل هو أشدُّ إشكالاً؛ لأنَّه لا
حُجَّة في فعله عند أحد، إذليس صحابيّاً، ولو ثَبَتَ أنَّه أسلَمَ فالمعتمَد ما تقدَّمَ، والله أعلم.
قال ابن بَطّال: أجازَ الأكثر ترجمة واحد، وقال محمَّد بن الحسن: لا بُدَّ من رجلَينٍ أو
رجلٍ وامرأتين، وقال الشافعيّ: هو كالبيِّنة، وعن مالك روايتان، قال: وحُجَّة الأوَّل ترجمة
زيد بن ثابتٍ وحدَه للنَّبِّ وَّهِ وأبِي ◌َرَة لابنِ عبَّاس، وأنَّ التَّرجُمان لا يحتاج إلى أن يقول:
أَشهَد، بل يَكفيه ◌ُجرَّد الإخبار، وهو تفسيرُ ما يَسمَعه من الذي يُتَرجِم عنه.
ونَقَلَ الكَرابيسُّ عن مالك والشافعيّ الاكتِفاءَ بتَرجُمانٍ واحد، وعن أبي حنيفة: الاكتِفاءَ
بواحدٍ، وعن أبي يوسف: اثنين، وعن زُفَر: لا يجوز أقلّ من اثنَينِ.

٣٧٦
باب ٤٠ / ح ٧١٩٥ -٧١٩٦
فتح الباري بشرح البخاري
وقال الكِرمانيُّ: الحقّ أنَّ البخاريّ لم يُحرِّر هذه المسألة، إذ لا نزاع لأحدٍ أنَّه يَكفي
تَرجُمانٌ واحد عندَ الإخبار، وأنَّه لا بُدَّ من اثنَينِ عند الشَّهادة، فيَرجِع الخِلاف إلى أنَّها إخبار
أو شَهادة، فلو سَلَّمَ الشافعيّ أنَّها إخبار لم يشترط العَدَد، ولو سَلَّمَ الحَنَفيّ أنَّهَا شَهادة لَقال
بالعَدَد، والصُّوَر المذكورة في الباب كلَّها إخبارات. أمّا المكتوبات فظاهر، وأمّا قصَّة المرأة
وقول أبي جَرَة فأظهَرَ، فلا مَحَلّ لأن يُقال على سبيل الاعتراض، وقال بعض الناس: بل
الاعتراضُ عليه أوجَه، فإنَّه نَصَبَ الأدلَّة في غير ما تَرجَمَ عليه، وهو ترجمة الحاكم إذ لا
حُكمَ فيما استَدَلَّ به. انتهى، وهو أولى بأن يُقال في حَقّه: إنَّه ما حَرَّر، فإنَّ أصل ما احتَجَّ به
اكتِفَاءُ النَّبِيّ ◌َّ بترجمةِ زيد بن ثابت، وحدَه(١)، وإذا اعتَمَدَ عليه في قراءة الكتب التي تَرِد، وفي
كتابة ما يُرسِله إلى مَن يُكاتبه، التَحَقَ به اعتمادُه عليه فيما يُتَرجِم له عمَّن حَضَرَ من أهل ذلك
اللِّسان، فإذا اكتَفَى بقولِه في ذلك، وأكثرُ تلك الأُمور تَشتَمِل على تلك الأحكام، وقد يقع فيما
طريقه منها الإخبار ما يَترتَّب عليه الحُكم، فكيف لا تَتَّجِه الحُجَّةُ به للبخاريّ؟ وكيف يُقال:
إنّه ما حَرَّرَ المسألة؟! وقد تَرجَمَ المحِبّ الطََّرِيُّ في ((الأحكام)): ذِكرُ التّخاذ مُتَرجِمٍ والاكتِفاء
بواحدٍ، وأورَدَ فيه حديث زيد بن ثابت، وما عَلَّقَه البخاريّ عن عمر، وعن ابن عبّاس، ثمَّ
قال: احتَجَّ بظاهرِ هذه الأحاديث مَن ذهب إلى جواز الاقتصار على مُتَرجِمٍ واحد، ولم يَتَعقَّبه.
وأمّا قصَّة المرأة مع عمر، فظاهر السّياق أنَّها كانت فيما يَتَعلَّق بالحُكم، لأنَّه دَرَأ الحدّ
عن المرأة لجَهلِها بتحريمِ الزّنى بعد أن ادَّعَى عليها وكادَ يُقيم عليها الحدّ، واكتَفَى في ذلك
بإخبارٍ واحدٍ يُتَرجم له عن لسانها.
وأمّا قصَّة أبي جَرَة مع ابن عبّاس وقصَّة هِرَقل، فإنَّهما وإن كانا في مَقامِ الإخبار
المحض، فلعلَّه إنَّما ذكرهما استِظهاراً وتأكيداً.
وأمّا دَعواه أنَّ الشافعيّ لو سَلَّمَ أنَّها إخبارٌ لمَا اشتَرَطَ العَدَد ... إلى آخره، فصحيح،
ولكن ليس فيه ما يَمنَع من نَصْب الخِلاف مع مَن يَشتَرِطِ العَدَد، وأقلُّ ما فيه أنَّه إطلاقٌ
(١) العبارة في (أ) و(س): ((فإن أصل ما احتج به اكتفاءُ النبي ◌َّ بترجمة زيد بن ثابت، واكتفائه به وحده))
بزيادة عبارة ((واكتفائه به))، ولم ترد هذه الزيادة في (ع)، وهي تكرار لا داعي له، والله أعلم.

٣٧٧
باب ٤١ / ح ٧١٩٧
كتاب الأحكام
في موضع التَّقييد، فيَحتاج إلى التَّنبيه عليه، وإلى ذلك يشير البخاريّ بتقييدِه بالحاكم، فيُؤخَذ
منه أنَّ غير الحاكم يَكتَفي بالواحِدِ؛ لأنَّه إخبارٌ مَحَض وليس النِّزاع فيه، وإنَّما النِّراع فيما يقع
عندَ الحاكم، فإنَّ غالبه يَؤولُ إلى الحُكم، ولا سيّما عندَ مَن يقول: إنَّ تَصرُّف الحاكم
بمُجرَّدِه حُكْم.
وقد قال ابن المنذر: القياس يَقتَضي اشتراطَ العَدَد / في الأحكام، لأنَّ كلَّ شيءٍ غابَ ١٨٩/١٣
عن الحاكم لا يُقبَل فيه إلّ البيّنة الكاملة، والواحد ليس بيِّةً كاملة حتَّى يُضَمّ إليه كمال
النِّصاب، غيرَ أنَّ الحديث إذا صَحَّ سَقَطَ النَّظَر، وفي الاكتفاء بزيد بن ثابت وحدَه حُجَّة
ظاهرة لا يجوز خلافها، انتهى.
ويُمكِن أن يُجاب: ليس غيرُ النَّبِيّ وَّ من الحُكّام في ذلك مِثله، لإمكان اطلاعه على
ما غابَ عنه بالوَحْي، بخِلَاف غيره، بل لا بُدَّ له من أكثر من واحد، فمَهما كان طريقُه
الإخبار يُكتَفى فيه بالواحد، ومَهما كان طريقه الشَّهادة لا بُدَّ فيه من استيفاء النِّصاب، وقد
نَقَلَ الكَرابيسيُّ أنَّ الخلفاء الرَّاشِدينَ والملوك بعدهم لم يَكُن لهم إلّا تَرجُمانٌ واحد، وقد نَقَلَ
ابن التِّين من رواية ابن عبد الحَكَم: لا يُتَرجِم إلّا حُرُّ عَدل، وإذا أقَرَّ المتَرجِم بشيءٍ فأحَبُّ
إليَّ أن يَسمَع ذلك منه شاهدان ويرفعان ذلك إلى الحاكم.
٤١ - باب مُحاسَبةِ الإمام عُمَالَه
٧١٩٧- حدَّثنا محمَّدٌ، حدَّثنا عبْدةُ، حذَّثنا هشامُ بنُ عُرْوةَ، عن أبيه، عن أبي مُميدٍ
السّاعِدِيِّ: أنَّ النبيَّ وَّهِ اسْتَعمَلَ ابنَ الأَتَبِّةِ على صَدَقات بني سُلَيْم، فلمَّا جاءَ إلى النَّبِّ لَه
وحاسَبَه، قال: هذا الذي لكم، وهذه هَدِيّةٌ أُهْدِيَتْ لِي، فقال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((فَهَلَا جَلَسْتَ في
بيتِ أبِيكَ وبَيتِ أمِّكَ حَتَّى تَأْيَكَ هَدِيَّتُكَ إنْ كنتَ صادِقاً؟)) ثمَّ قامَ رسولُ الله وَّةِ، فخَطَبَ
الناسَ وحَمِدَ الله وأثنَى عليه، ثمَّ قال: «أمّا بَعْدُ، فإنّي أستَعمِلُ رجالاً منكم على أُمورٍ ممّاً ولّاني
الله، فيأتي أحدُكم فيقولُ: هذا لكم وهذه هَدِيّةٌ أُهدِيَتْ لِي، فَهَلَّا جَلَسَ في بيتٍ أبيه وبَيتِ أمّه
حَتَّى تَأْيَه هَدِيَّتُه إنْ كان صادِقاً؟ فوالله لا يأخُذُ أحدُكم منها شيئاً - قال هشامٌ: بغيرِ حَقِّه - إلا

٣٧٨
باب ٤٢ / ح ٧١٩٨
فتح الباري بشرح البخاري
جاءَ الله تَحِمِلُهُ يومَ القيامةِ، ألا فلأعرِ فَنَّ ما جاءَ الله رجلٌ بَبَعِيرٍ له رُغاءٌ، أو ببقرةٍ لها خوارٌ، أو
شاةٍ تَيْعَرُ)). ثمَّ رَفَعَ يَدَيه حتَّى رأيتُ بياضَ إِبِطَيُّه ((ألا هل بَلَّغْتُ؟)).
قوله: ((باب مُحاسَبة الإمام عُمَّاله)) ذكر فيه حديث أبي حُميدٍ في قصَّة ابن اللُّبيَّة، وقد
مضى شرحُه مُستَوَقَى في ((باب هَدايا العُمّال)) (٧١٧٤).
وقوله: ((حَدَّثَنَا محمَّدٌ، حَدَّثَنَا عبدَةُ)) محمَّد: هو ابن سَلَامِ، وعبْدَة: هو ابن سُليمان.
وقوله: ((فَهَلّا)) في رواية غير الكُشمِيهَنيِّ في الموضعين: ((ألا)) بفتح الهمزة، وهما بمعنّى.
والمقصود هنا قوله: فلمَّا جاءَ إلى النَّبِيّ ◌َّهِ وحاسَبَه، أي: على ما قَبَضَ وصَرَفَ.
٤٢ - باب بطانةِ الإمامِ وأهلِ مَشورَتِهِ
البِطانةُ: الدُّخَلاءُ.
٧١٩٨ - حدَّثنا أصبَغُ، أخبرنا ابنُ وَهْب، أخبرني يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ، عن أبي سَلَمةَ،
عن أبي سعيدِ الخُذْريِّ، عن النبيِّ وَّ، قال: ((ما بَعَثَ الله مِن نبيٍّ ولا استَخْلَفَ مِن خَلِیفةٍ، إلا
كانت له بطانَتان: بطانةٌ تأمُرُه بالمعروفِ وتَحُضُّه عليه، وبطانةٌ تأمُرُه بالشرِّ وتَحُضُّه عليه،
فالمعصومُ مَن عَصَمَ اللهُ تعالى)).
وقال سليمانُ، عن يحيى: أخبرني ابنُ شِهابٍ، بهذا. وعن ابنِ أبي عَتِيقٍ وموسى، عن ابنِ
شِهاب، مِثْلَهُ.
١٩٠/١٣ وقال/ شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ: حدَّثني أبو سَلَمَةَ، عن أبي سعيدٍ، قولَه.
وقال الأوزاعيُّ ومعاويةُ بنُ سَلّامٍ: حدَّثني الزُّهْرِيُّ، حدَّثني أبو سَلَمةَ، عن أبي هُرَيرةَ،
عن النبيِّ ◌َلد.
وقال ابنُ أبي حُسَينٍ وسعيدُ بنُ زيادٍ، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي سعيدٍ، قولَه.
وقال عُبيدُ الله بنُ أبي جعفرٍ: حدَّثني صَفْوانُ، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي أيوبَ، قال: سمعتُ
النبيَّ ◌َلُ.
!

٣٧٩
باب ٤٢ / ح ٧١٩٨
كتاب الأحكام
قوله: ((باب بطانَةِ الإمامِ وأهلِ مَشُورَتِه )) بضمِّ المعجَمَة وسكون الواو وفتح الرَّاء: مَن
يستشيرُه في أُمورِه.
قوله: ((البِطانَة: الدُّخَلاء)) هو قول أبي عُبِيدَة، قال في قوله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن
دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران: ١١٨]: البِطانَة: الدُّخَلاء، والخَبَال: الشّ. انتهى،
والدُّخَلاء بضمٌّ ثمَّ فتح جمع دَخِيل: وهو الذي يَدخُل على الرَّئيس في مكان خَلْوَته، ويُفضِي
إليه بسِرِّه، ويُصدِّقه فيما يُخبِرِه به ممّا يَخَفَى عليه من أمر رَعيَّته، ويَعمَل بمُقتَضاه، وعَطْفُ
((أهل مَشُورَته)) على البِطانَة من عَطْف الخاصِّ على العامّ، وقد ذَكَرتُ حُكم المَشُورَة في
((باب متى يَستَوجِب الرجل القضاء))(١).
وأخرج أبو داود في ((المَراسيل)) (٤٨٣) من رواية عبد الله بن عبد الرَّحمن بن أبي
حسين: أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله ما الحَزْم؟ قال: ((أن تُشاوِر ذا لُبّ ثمّ تُطيعَه))، ومن
رواية خالد بن مَعدانَ (٤٨٤) مِثله، غيرَ أنَّه قال: ((ذا رأي)). قال الكِرمانيُّ: فَسَّرَ البخاريّ
البِطانَة: بالدُّخَلاءِ، فجعله جمعاً. انتهى، ولا محذور في ذلك.
قوله: ((ما بَعَثَ الله من نبيٍّ ولا استَخْلَفَ من خليفة)) في رواية صَفوان بن سُلَيم: ((ما
بَعَثَ الله من نبيٍّ ولا بعدَه من خليفة))، والرِّواية التي في الباب تُفسِّر المراد بهذا، وأنَّ المراد
بَبَعْث الخليفة: استِخلافه، ووَقَعَ في رواية الأوزاعيِّ ومعاوية بن سَلّامٍ: ((ما مِن والٍ)) وهي
أعمّ.
قوله: ((بطانَةٌ تأمُرُه بالمعروفِ)) في رواية سليمان: ((بالخيرِ))، وفي رواية معاوية بن سَلّامٍ:
((بطانَةٌ تَأْمُرُه بالمعروفِ وتَنهاه عن المنكر)) وهي تُفسِّر المراد بالخير.
قوله: ((وتَحُضُّه عليه)) بالحاءِ المهمَلة وضاد مُعجَمة ثقيلة، أي: تُرغِّبه فيه وتُؤَكِّدُه عليه.
قوله: ((وبِطانَةٌ تأمُّرُه بالشرِّ)) في رواية الأوزاعيّ: ((وبِطانَة لا تَألوه خَبالاً)). وقد استُشكلَ
هذا التَّقسيم بالنّسبة للنَّبِّ وَِّ؛ لأنَّه وإن جازَ عَقلاً أن يكون فيمَن يُداخلُه مَن يكون من
(١) بعد الحديث رقم (٧١٦٢).

٣٨٠
باب ٤٢ / ح ٧١٩٨
فتح الباري بشرح البخاري
أهل الشّ، لكنَّه لا يُتَصَوَّر منه أن يُصغِي إليه ولا يَعمَل بقولِه، لوجودِ العِصمَة، وأُجيبَ
بأنَّ في بَقيَّة الحديث الإشارة إلى سَلامَة النَّبِيّ وََّ من ذلك بقوله: ((فالمعصوم مَن عَصَمَ اللهُ
تعالى) فلا يَلْزَم من وجود مَن يشير على النَّبِيّ ◌َّهِ بالشرِّ أن يَقبَل منه. وقيل: المراد بالبِطانَتَيْنِ
في حَقّ النَّبِيّ الملَك والشَّيطان، وإليه الإشارة بقولِه ◌ِوَّ: ((ولكنَّ الله أعانَني عليه فأسلَم))(١).
وقوله: ((لا تَألوه خَبالاً) أي: لا تُقَصِّرُ في إفساد أمره لعَمَلِ مَصلَحَتهم، وهو اقتباسٌ من
قوله تعالى: ﴿لَا يَأْلُونَّكُمْ خَبَالًا ﴾ [آل عمران: ١١٨].
ونَقَلَ ابن الِّين عن أشهَب: أنَّه يَنبَغي للحاكم أن ینَّخِذ مَن يَستَکشِف له أحوال الناس
في السِّ، وليَكُن ثقةً مَأموناً فطِناً عاقلاً، لأنَّ المصيبة إنَّما تَدخُل على الحاكم المأمون من
قَبُوله قول مَن لا يَوثُقَ به إذا كان هو حسَنَ الظَّنّ به، فيجب عليه أن يَّتَ في مثل ذلك.
قوله: ((فالمعصومُ مَن عَصَمَ الله)) في رواية بعضهم: ((مَن عَصَمَه الله)) بزيادة الضَّمير وهو
مُقدَّر في الرِّواية الأُخرى. ووَقَعَ في رواية الأوزاعيِّ ومعاوية بن سَلّامٍ: ((ومَن وُفِيَ شَرَّها
فقد وُقِيَ)) وهو من الذي غَلَبَ عليه منهما، وفي رواية صفوان بن سُلَيم: ((فمَن وُقِيَ بطانَة
السّوء فقد وُقِيَ)) وهو بمعنى الأوَّل، والمراد به إثباتُ الأُمور كلِّها لله تعالى، فهو الذي
يَعصِم مَن شاءَ منهم، فالمعصوم مَن عَصَمَه الله لا مَن عَصَمَته نفسه، إذ لا يُوجَد مَن
تَعصِمه نفسه حقيقةً إلّا إن كان الله عَصَمَه.
١٩١/١٣
وفيه إشارة إلى أنَّ ثَمَّ قِسماً ثالثاً: وهو أنَّ/ مَن يَلي ◌ُمور الناس قد يَقبَل مِن بطانة الخير
دون بطانَة الشّ دائماً، وهذا اللّائق بالنَّبِيّ، ومن ثَمَّ عَبَّرَ في آخر الحديث بلفظَةِ ((العِصمَة))،
وقد يَقبَل من بطانَة الشّ دونَ بطانَة الخير، وهذا قد يُوجَد ولا سيَّما مَمَّن يكون كافراً، وقد
يَقبَل من هؤلاءِ تارَة ومن هؤلاءِ تارَة، فإن كان على حَدٍّ سواء، فلم يَتعرَّض له في الحديث
لوُضوحِ الحال فيه، وإن كان الأغلَب عليه القَبُول من أحدهما فهو مُلحَقٌ به، إن خيراً فخير
وإن شَرّاً فشَرّ.
(١) أخرجه أحمد (٣٦٤٨)، ومسلم (٢٨١٤) من حديث ابن مسعود، وأحمد (١٤٣٢٤)، والترمذي (١١٧٢)
من حديث جابر، وقد رواه غير صحابي، وانظر تخريج حديث ابن مسعود في («المسند».