النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ باب ٢٦ / ح ٧١٧٦- ٧١٧٧ كتاب الأحكام قوله: ((مَن أذِنَ فيكم)) في رواية الكُشمِيهَنيّ: ((منكم)) وكذا للنَّسائيِّ والإسماعيليّ. قوله: ((فأخبروه أنَّ الناس قد طَّوا وأذِنوا)) تقدَّم في غَزْوة حُنَينٍ ما يُؤْخَذ منه أنَّ نِسبة الإذنِ وغيره إليهم حقيقة، ولكنَّ سببَ ذلك مُخْتَلِفٍ، فالأغلَب الأكثر طابَت أنفُسُهم أن يَرُدّوا السَّبي لأهلِه بغير عِوَض، وبعضهم رَدَّه بشَرطِ التَّعويض، ومعنى ((طَيِّوا)) وهو بالتَّشديد: حَمَلُوا أنفُسَهم على ترك السَّبايا حتَّى طابَت بذلك، يُقال: طَيِّبتُ نفسي بكذا: إذا حَمَلَتَها على السَّماح به من غير إكراه، فطابَت بذلك، ويُقال: طَيِّيتُ بنفسِ فلان: إذا كَلَّمْتَه بكلامٍ يوافقه، وقيل: هو من قولهم: طابَ الشيء: إذا صارَ حلالاً، وإنَّما عَدّاه بالتَّضعيف، ويُؤيِّده قوله: ((فمَن أحَبَّ أن يُطيِّب ذلك)) أي: يجعله حلالاً. وقولهم: طَيَّبنا، فيُحمَل عليه قولُ العُرَفاء أنَّهم طَيِّوا. قال ابن بَطّال: في الحديث مشروعيَّةُ إقامة العُرَفاء؛ لأنَّ الإمام لا يُمكِنه أن يُباشِر جميع الأُمور بنفسِه، فيَحتاجُ إلى إقامة مَن يُعاونه ليَكفيَه ما يُقيمه فيه، قال: والأمر والنَّهي إذا تَوجَّهَ إلى الجميع يقعُ التواكُلُ فيه من بعضهم، فُرُبَّمَا وَقَعَ التَّفريطِ، فإذا أقامَ على كلٍّ قومٍ عَريفاً لم يَسَع كلَّ أحدٍ إلّ القيامُ بما أُمِرَ بِه. وقال ابن المنيِر في ((الحاشية)): يُستَفاد منه جوازُ الحُكم بالإقرار بغير إشهاد، فإنَّ العُرَفاء ما أشهَدوا على كلٍّ فردٍ فردٍ شاهدَينِ بالرِّضا، وإنَّما أقَرَّ الناسُ عندَهم وهم نوّابٌ للإمام، فاعتُبرَ ذلك. وفيه أنَّ الحاكم يرفع حُكمَه إلى حاكم آخَر مُشافَهَةً، فيُنِذُه إذا كان كلٌّ منهما في مَحَلِّ ولا يته. قلت: وَقَعَ في («سِيَرَ الواقديِّ» أنَّ أبا رُهْمِ الغِفَاريّ كان يَطوف على القبائل حتَّى جَمَعَ العُرَفاء، واجتَمَعَ الأُمَناء على قول واحد. وفيه أنَّ الخبر الوارد في ذَمّ العُرَفاء لا يَمنَعُ(١) إقامةَ العُرَفاء، لأَنَّه محمولٌ - إن ثَبَتَ - على أنَّ الغالب على العُرَفاء الاستِطالة، ومُجَاوَزةُ الحدّ، وتركُ الإنصاف المفضي إلى الوقوع في المعصية، (١) تحرفت في (س) إلى: يمنح. ٣٤٢ باب ٢٧ / ح ٧١٧٨ فتح الباري بشرح البخاري والحديث المذكور أخرجه أبو داود من طريق المقدام بن مَعِدِي كَرِبَ رَفَعَه: «العِرافَة حَقٌ، ولا بُدَّ للنّاسِ من عَرِيف، والعُرَفاءُ في النار))(١) ولأحمدَ (٨٦٢٧) وصَحَّحَه ابن خُزَيمةَ(٢) من طريق عبَّاد بن أبي عليّ عن أبي حازمٍ عن أبي هريرةَ رَفَعَه: ((ويل للأُمراء، ويل للعُرَفاء). قال الطِّييُّ: قوله: ((والعُرَفاء في النار)) ظاهرٌ أُقيمَ مَقامَ الضَّمير يُشعِرِ بأنَّ العِرافَة على خَطَر، ومَن باشَرَها غيرُ آمِنٍ من الوقوع في المحذور المفضي إلى العذاب، فهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَتَمَى كُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارً﴾ [النساء: ١٠] فَيَنبَغي للعاقلِ أن يكون على حَذَر منها؛ لئلا يَتَورَط فيما يُؤَدّيه إلى النار. قلت: ويُؤيِّد هذا ١٧٠/١٣ التَّأويلَ الحديثُ الآخَر، حيثُ تَوعَّدَ الأُمراء بما تَوعَّدَ به العُرَفاء،/ فدَلَّ على أنَّ المراد بذلك الإشارةُ إلى أنَّ كَلَّ مَن يَدخُل في ذلك لا يَسلَم، وأنَّ الكلَّ على خَطَر، والاستثناء مُقدَّر في الجميع. وأمّا قوله: ((العِرافَة حَقّ)) فالمراد به أصلُ نَصْبهم، فإنَّ المصلَحَة تَقتَضيه لما يَحتاج إليه الأمير من المعاوَنَة على ما يَتَعاطاه بنفسِه، ويَكفي في الاستدلال لذلك وجودُهم في العهد النبويّ، کما دَلَّ علیه حديث الباب. ٢٧ - باب ما يُكرَه مِن ثَناءِ السُّلطان، وإذا خَرَجَ قال غيرَ ذلك ٧١٧٨- حدَّثنا أبو نُعيمٍ، حدَّثنا عاصمُ بنُ محمَّدِ بنِ زيدِ بنِ عبدِ الله بنِ عمرَ، عن أبيه: قال أُناسٌ لابنِ عمرَ: إنّا نَدخُلُ على سُلْطانِنا، فنقولُ لهم خِلَافَ ما نَتكلَّمُ إذا خَرَجْنا مِن عِنْدِهِم، قال: كنَّا نَعُدُّها نِفاقاً. قوله: ((ما يُكرَه من ثَناء السُّلطان)) الإضافَة فيه للمَفعول، أي: من الثَّناء على السُّلطان بحَضرَتِه، بقَرِينةِ قوله: وإذا خَرَجَ - أي: مِن عنده - قال غيرَ ذلك. ووَقَعَ عند ابن بَطّال: من الثَّناء على السُّلطان، وكذا عند أبي نُعَيم عن أبي أحمد الجُرْجانيِّ عن الفِرَبريّ، وقد تقدَّم (١) هو قطعة من حديث مطول عند أبي داود (٢٩٣٤) من رواية غالب القطان عن رجل عن أبيه عن جده، يلي حديث المقدام بن مَعدِي كَرِبَ (٢٩٣٣) ولفظ حديث المقدام: «أفلحت يا قُديمُ إن مُتَّ ولم تكن أميراً ولا كاتباً ولا عريفاً». (٢) في السياسة من ((صحيحه)) كما في ((إتحاف المهرة)) لابن حجر ١٥/ ٥٢. ٣٤٣ باب ٢٧ / ح ٧١٧٨ كتاب الأحكام معنى هذه التَّرجمة في أواخر: كتاب الفتن (٧١١١): ((إذا قال عند قوم شيئاً، ثمَّ خَرَجَ فقال بِخِلَافه)) وهذه أخَصّ من تلكَ. قوله: ((قال أُناسٌ لابنِ عمر)» قلت: سُمّيَ منهم عُروَة بن الزُّبَير ومجاهد وأبو إسحاق الشَّيبانيّ، ووَقَعَ عند الحسن بن سفيان من طريق مُعاذ عن عاصم عن أبيه: دَخَلَ رجل على ابن عمر، أخرجه أبو نُعَیم من طريقه. قوله: ((إنّا نَدخُل على سُلْطانِنا)) في رواية الطَّالِسِيِّ (١٩٥٥) عن عاصم: سَلاطينِنا، بصيغة الجمع. قوله: ((فنقولُ لهم)) أي: نُثْني عليهم، في رواية الطَّيَالِسيّ: فتَتكلّم بين أيديهم بشيءٍ، ووَفَعَ عند ابن أبي شيبة من طريق أبي الشَّعثاء قال: دَخَلَ قوم على ابن عمر فوَقَعوا في يزيد ابن معاوية، فقال: أتقولون هذا في وجوههم؟ قالوا: بل نَمدَحُهم ونُثْني عليهم. وفي رواية عُرُوَة بن الزُّبَير عند الحارث بن أبي أُسامَةٍ(١)، والبَيْهَقيِّ (١٦٥/٨-١٦٦) قال: أتيتُ ابن عمر فقلت: إنّا نَجلِس إلى أئمَّتنا هؤلاء، فيتكلَّمونَ في شيءٍ نَعلمُ أنَّ الحقّ غيرُه فنُصَدِّقهم، فقال: كنَّا نَعُدّ هذا نِفاقاً، فلا أدري كيف هو عندكم. لفظ البَيْهَقيِّ، وفي رواية الحارث: يا أبا عبد الرّحمن، إنّا نَدخُل على الإمام يقضِي بالقضاءِ نَراه جَوراً، فنقول: تَقَبَّل الله (٢)، فقال: إنّا نحنُ مُعاشر [أصحاب](٣) محمَّد، فذكر نحوه. وفي كتاب ((الإيمان)) لعبدِ الرَّحمن بن عمر الأصبَهانيِّ بسَنَدِه عن عَرِيب الهَمْدانيّ: قلت لابنِ عمر، فذكر نحوه، وعَرِيب بمُهمَلةٍ وموحّدة وزن عظیم. (١) كما في ((بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث)) (١٠٩٥)، و((إتحاف الخيرة)) للبوصيري ٧/ ٤٥٠، و((المطالب العالية)) لابن حجر ٤٥٨/١٣. وأخرجه أيضاً أبو يعلى (٥٦٧٩)، وابن بطة في ((الإبانة الكبرى)) (٩٢٠). (٢) كذا في الأصلين و(س)، وهو خطأ، صوابه: ((وفّقَكَ الله)) كما في ((مسند الحارث)) وسائر مصادر التخريج المذكورة آنفاً. (٣) ما بين معقوفين سقطت من الأصلين و(س)، وهي ثابتة في هامش (ع)، والعبارة في ((مسند الحارث)) ومصادر التخريج: أما نحن معشر أصحاب رسول الله وَلهم. ٣٤٤ باب ٢٧ / ح ٧١٧٨ فتح الباري بشرح البخاري وللخَرائطيِّ في ((المساوئ)) (٢٨٨) من طريق الشَّعْبيّ: قلت لابنِ عمر: إنّا نَدخُل على أُمرائنا فَنَمدَحُهم، فإذا خَرَجْنا قلنا لهم خِلَاف ذلك، فقال: كنّا نَعُدّ هذا على عَهِدِ رسول الله وَ﴿ نِفاقاً (١). وفي (مُسنَد مُسدَّد))(٢) من رواية يزيد بن أبي زياد عن مجاهد: أنَّ رجلاً قَدِمَ على ابن عمر فقال له: كيف أنتم وأبو أُنَيس الضَّحّاك بن قيس قال: إذا لَقيناه قُلنا له ما يُحِبّ، وإذا ولَينا عنه قُلنا له غير ذلك، قال: ذاكَ ما كنَّا نَعُدّه مع رسول اللهِوَ ◌ّهِ مِن النَّفاق. وفي («الأوسط)) (٧٧٨٩) للطَّبَرانيِّ من طريق الشَّيبانيّ يعني: أبا إسحاق سليمان بن فيروز الكوفيّ. قوله: ((كنَّا نَعُدّها)) بضمِّ العين من العَدّ، هكذا اختَصَرَه أبو ذَرّ(٣)، وله عن الكُشمِيھَنيّ: نَعُدُّ هذا، وعند غير أبي ذرِّ مِثله، وزادوا: نِفاقاً، وعند ابن بَطّال: «ذلك)) بَدَل ((هذا)، ومثله للإسماعيليِّ من طريق يزيد بن هارون عن عاصم بن محمَّد، وعنده: من النِّفاق، وزاد: قال ١٧١/١٣ عاصم: فسَمِعَني / أخي - يعني عمر - أُحدِّث بهذا الحديث: فقال: قال أبي: قال ابن عمر: على عهد رسول الله وَآلآ. وكذا أخرجه الطَّالِسيُّ في «مُسنَده)) (٢٠٦٧) عن عاصم بن محمَّد إلى قوله: ((نِفاقاً) قال عاصم(٤): فحَدَّثَني أخي عن أبي أنَّ ابن عمر قال: كنَّا نَعُدّه نِفاقاً على عهد رسول الله ◌ِ له. ووَقَعَ في ((الأطراف)) للمِزّيِّ ما نَصّه: خ في الأحكام عن أبي نُعَيم عن عاصم بن محمَّد ابن زيد عن أبيه به، قال: ورواه معاذ بن مُعاذ عن عاصم، وقال في آخره: فحَدَّثت به أخي (١) من قوله: وللخرائطي، إلى هنا لم يرد في الأصلين، وهو في (س) فقط. (٢) كما في («إتحاف الخيرة)) للبوصيري ٧/ ٣٧٣ (٧١٠٤)، وأخرجه من طريق مسدد: الطبراني في ((الكبير)) (١٣٤٨٩)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق)» ٢٨٨/٢٤. (٣) يعني بإسقاط لفظة ((نفاقا))، والذي في اليونينية والقسطلاني وسائر شروح ((الصحيح)) بإثباتها لأبي ذر دون خلاف، والله تعالى أعلم. (٤) في مطبوع الطيالسي القائل هو العمري شيخ الطيالسي الراوي عن عاصم بن محمد بن زيد، ففيه: قال العمري: فحدثني أخي أن ابن عمر قال ... إلى آخره، ليس فيه ((عن أبي)»، والله أعلم. ٣٤٥ باب ٢٧ / ح ٧١٧٩ كتاب الأحكام عمر فقال: إنَّ أباك كان يزيد فيه: في عَهدِ رسول الله وَّةِ، ومن قوله: وقال مُعاذ .. إلى آخره، لم يَذْكُره أبو مسعود، فيحتمل أن يكون نَقَلَه من كتاب خَلَف، ولم أرَه في شيءٍ من الرِّوايات التي وقَعَت لنا عن الفِرَبريّ، ولا غيره عن البخاريّ، وقد قال الإسماعيليّ عَقِبَ الزّيادة المذكورة: ليس في حديث البخاريّ: على عَهدِ رسول الله. ٧١٧٩ - حدَّثْنَا قُتَبةُ، حَدَّنا اللَّيثُ، عن يزيدَ بنِ أبي حَبِيبٍ، عن عِراكِ، عن أبي هُرَيرةَ، أنَّه سَمِعَ رسولَ الله ◌َ له يقولُ: ((إنَّ شَرَّ الناسِ ذو الوَجْهَينِ، الذي يأتي هؤلاء بوجهٍ وهؤلاءِ بوَجٍ)). قوله: ((عن يزيد بن أبي حَبِيب)) هو المِصريّ من صِغار التّابعينَ. قوله: ((عن عِراك)) بكسر العين المهمَلة وتخفيف الرَّاء وآخرُه كاف: هو ابنُ مالكِ الغِفَارِيُّ المَدَنيّ، فالسَّند دائرٌ بينَ مِصرِيٍّ ومَدَنيّ. قوله: ((إنَّ شَرّ الناس ذو الوَجْهَينِ)) تقدَّم في ((باب ما قيل في ذي الوجهَينِ)) من کتاب الأدب (٦٠٥٨) من وجهٍ آخَر عن أبي هريرةَ بلفظ: ((من شَرّ الناس)) وتقدَّم شرحُه وسائر فوائده هناك. وتَعرَّضَ ابنُ بَطّال هنا لِذِكر ما يعارضُ ظاهرُه من قوله وَ ه لِلَّذِي استَأْذَنَ عليه: (بِئْسَ أخو العشيرة)) فلمَّا دَخَلَ ألانَ له القول. وتَكلَّمَ على الجمع بينهما، وحاصلُه أنَّه حيثُ ذَقَّه كان لقَصدِ التَّعريف بحالِهِ، وحيثُ تَلَقّاه بالبِشِرِ كان لتَأليفِه أو لاتِّقاءِ شَرّه، فما فَصَدَ بالحالتَينِ إلّا نَفعَ المسلمين، ويُؤْيِّده أنَّه لم يَصِفه في حال لقائه بأنَّه فاضلٌ ولا صالح، وقد تقدَّم الكلام عليه أيضاً في ((باب لم يَكُن النَّبِيّ ◌َّر فاحشاً)) من كتاب الأدب (٦٠٣٢) وتقدَّم فيه أيضاً بيانُ ما يجوز من الاغتياب في بابٍ آخَر بعدَ ذلك (٦٠٥٤). ٢٨ - باب القضاءِ على الغائب ٧١٨٠- حدَّثنا محمَّدُ بنُ كَثير، أخبرنا سفيانُ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ هِنْدَ قالت للنبيِّ وََّ: إِنَّ أبا سفيانَ رجلٌ شَحِيحٌ، فأحتاجُ أنْ آخُذَ مِن مالِه؟ قال: ((خُذی ما یَكْفِيكِ ووَلَدَكِ بالمعروفِ». ٣٤٦ باب ٢٨ / ح ٧١٨٠ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((بابُ القضاءِ على الغائب)» أي: في حقوق الآدميّينَ دون حقوق الله بالاتّفاق، حتَّى لو قامت البيِّنة على غائبٍ بسَرِقٍ مَثَلاً، حُكِمَ بالمالِ دونَ القَطع. قال ابن بَطّال: أجازَ مالكٌ واللَّيث والشافعيُّ وأبو عُبَيد وجماعةٌ الحُكمَ على الغائب، واستثنى ابنُ القاسم عن مالك ما يكون للغائبِ فيه حُجَجٌ كالأرضِ والعَقار، إلّا إن طالَت غَيِبَتْه أو انقَطَعَ خبره، وأنكَرَ ابن الماحِشُون صِحَّة ذلك عن مالك وقال: العمل بالمدينةِ على الحُكم على الغائب مُطلَقاً، حتَّى لو غابَ بعدَ أن تَوجّه علیه الحُكم قُضِيَ علیه. وقال ابنُ أبي ليلى وأبو حنيفة: لا يُقضَى على الغائب مُطلَقاً، وأمّا مَن هَرَبَ أو استَتَرَ بعدَ إقامة البيِّنة فينادي القاضي عليه ثلاثاً، فإن جاءَ وإلّا أنفَذَ الحُكم عليه. وقال ابن قُدامَةَ: أجازَه أيضاً ابن شُبرُمَةَ والأوزاعيُّ وإسحاق، وهو أحد الرِّوایتَينِ عن أحمد، ومَنَعَه أيضاً الشَّعْبِيّ والثَّوريّ وهي الرّواية الأُخرى عن أحمد، قال: واستثنى أبو حنيفةَ مَن له وكيلٌ مَثَلاً، فيجوز الحُكم عليه بعدَ الدَّعوَى على وكيله، واحتَجَّ مَن مَنَعَ بحديثٍ عليٍّ رَفَعَه: ((لا تَقضي لأحدِ الخَصمَينِ حتَّى تَسمَع من الآخَر)) وهو حديث حسن، أخرجه أبو داود (٣٥٨٢) والتِّرمِذيّ (١٣٣١) وغيرهما(١)، وبحديث: الأمر بالمساواة بين ١٧٢/١٣ الخَصمَينِ(٢)، وبأنَّه لو حَضَرَ لم تُسمَع بيِّنة المدَّعي حتَّى يُسأل/ المدَّعَى عليه، فإذا غابَ فلا تُسمَع، وبأنَّه لو جازَ الحُكم مع غَيِبَته لم يَكُن الحضور واجباً عليه. وأجابَ مَن أجازَ: بأنَّ ذلك كلّه لا يَمنَعِ الحُكم على الغائب، لأنَّ حُجَّته إذا حَضَرَ قائمَة فتُسمَع ويُعمَل بمُقتَضاها، ولو أدَّى إلى نَقْضِ الحُكم السّابق، وحديث عليٍّ محمولٌ على الحاضِرَين. (١) وأخرجه أحمد في ((المسند)) (٦٩٠)، وانظر تمام تخريجه فيه. (٢) هو حديث عبد الله بن الزبير عند أبي داود (٣٥٨٨): قضى رسول الله و القر أن الخصمين يقعدان بين يدي الحكم، وهو حديث ضعيف، في إسناده مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير الراوي عن عبد الله بن الزبير، وهو ضعيف، ثم إنه لم يدرك جده عبد الله بن الزبير فهو أيضاً منقطع. وأخرج الحارث بن أبي أسامة في ((مسنده)) كما في ((بغية الباحث)) (٤٦٠) أن أبا هريرة قال لأحد الخصمين: قم فاجلس مع خصمك، فإنها سنة أبي القاسم وَّر. وفي إسناده محمد بن عمر الواقدي شيخ الحارث متروك، وشيخه محمد بن نعيم المجمر مجهول. ٣٤٧ باب ٢٩ / ح ٧١٨١ - ٧١٨٢ كتاب الأحكام وقال ابن العربيّ: حديث عليٍّ إنَّما هو مع إمكان السَّماع، فأمّا مع تَعذَّره بمَغيبٍ فلا يَمنَع الحُكم، كما لو تَعذَّرَ بإغماءٍ أو جنون أو حَجْرٍ أو صِغَر، وقد عَمِلَ الحنفيَّة بذلك في الشُّفعَة، والحُكم على مَن عندَه للغائبِ مالٌ أن يَدِفَع مِنه نَفَقة زوج الغائب. ثمَّ ذكر المصنِّف حديث عائشة في قصَّة هِند، وقد احتَجَّ بها الشافعيُّ وجماعةٌ لجوازِ القضاء على الغائب، وتُعقِّبَ بأنَّ أبا سفيان كان حاضراً في البلد، وتقدَّم بيانُ ذلك مُستَوفَّى في كتاب النَّفَقات (٥٣٥٩) مع شرح الحديث المذكور، ولله الحمد. وذكر ابنُ التِّين فيه من الفوائد غيرَ ما تقدَّم: خروجُ المرأة في حوائجها، وأنَّ صوتها ليس بعَورَةٍ. قلت: وفي كلٍّ منهما نَظَر، أمّا الأوَّل فلأنَّه جاءَ أنَّ هِنداً كانت جاءَت للبَيْعةِ فَوَقَعَ ذِكر النَّفَقة تَبَعاً، وأمّا الثّاني فحال الضَّرورَة مُستَئِنَّى، وإنَّما النِّزاع حيثُ لا ضَرُورة. ٢٩ - بابٌ مَن قُضِيَ له بحَقِّ أخيه فلا يأخُذْه، فإنَّ قضاءَ الحاكم لا يُحِلُّ حَراماً ولا يُحُرِّمُ حلالاً ٧١٨١- حدّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن صالحٍ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني عُرْوةُ بنُ الزُّبَير، أنَّ زينبَ ابنةَ أبي سَلَمَةَ أخبَرَتْه، أنَّ أَمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النبيِّ وَّ أخبَرَتْها، عن رسولِ اللهِ وَلِّ: أنَّهِ سَمِعَ خُصومةً بباب حُجْرَتِه، فخَرَجَ إليهم، فقال: ((إنَّما أنا بَشَرٌّ، وإنَّه يأتيني الخَصْمُ، فلعلَّ بعضَكم أن يكونَ أبلَغَ مِن بعضٍ، فأحسَبُ أنَّه صادِقٌ فأقضي له بذلك، فمَن قَضَيْتُ له بحَقٌّ مُسلِمٍ فإنَّما هي قِطْعَةٌ منَ النار، فلْيأخُذْها أو ليَترُكْها)). ٧١٨٢ - حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُرْوةَ بنِ الزُّبَير، عن عائشةَ زَوْجِ النِبِّ ◌ََّ، أَنَّهَا قالت: كان عُنْبةُ بنُ أبي وَقّاصٍ عَهِدَ إلى أخيه سَعْدِ بنِ أبي وَقّاصٍ: أنَّ ابنَ وليدةِ زَمْعةَ منّي، فاقِضْه إليكَ، فلمَّا كان عامُ الفَتْحِ أخَذَه سَعْدٌ، فقال: ابنُ أخي، قد كان عَهِدَ إليَّ فيه، فقامَ إليه عبدُ بنُ زَمْعةَ، فقال: أخي، وابنُ وليدةِ أبي، وُلِدَ على فِراشِه، فَتَساوقا إلى رسولِ الله وَّهِ، فقال سَعْدٌ: يا رسولَ الله، ابنُ أخي كان عَهِدَ إليَّ فیه، وقال عبدُ ابْنُ زَمْعَةَ: أخي، وابنُ وليدةِ أبي، وُلِدَ على فِراشِه، فقال رسولُ الله ◌ِّ: «هو لكَ يا عبدُ بنَ زَمْعةَ)) ٣٤٨ باب ٢٩ / ح ٧١٨١ -٧١٨٢ فتح الباري بشرح البخاري ثمّ قال رسولُ الله ◌ِّ: ((الولدُ للِفِراشِ، وللْعاهرِ الحجرُ)) ثمَّ قال لسودةَ بنتِ زَمْعةَ: ((احتَجِبي منه)) لِمَا رأى مِن شَبَهِه بعُتْبَةَ، فما رَآها حتَّى لَقِيَ الله تعالى. قوله: ((بابٌ)) بالتّنوينِ ((مَن قُضِيَ له)) بضمٌّ أوَّله: ((بحَقِّ أخيهِ) أي: خَصْمِه، فهي أُخوَّةٌ ١٧٣/١٣ بالمعنى الأعمّ وهو / الجِنس؛ لأنَّ المسلم والذِّمّيَّ والمعاهد والمرتَدّ في هذا الحُكم سواء، فهو مُطَّرِدٍ في الأخ من النَّسَب ومن الرَّضاع، وفي الدّين وغير ذلك، ويحتمل أن يكون تَخصيصُ الأُخوَّة بالذِّكرِ من باب التَّهيج، وإِنَّا عَبَّرَ بقولِه: ((بحَقِّ أخيه)» مُراعاةً للفظِ الخبر، ولذلك قال: ((فلا يَأْخُذْه)) لأنَّه بَقِيَّة الخبر، وهذا اللَّفظ وَقَعَ في رواية هشام بن عُروَة عن أبيه، وقد تقدَّم في ترك الحيل (٦٩٦٧) من طريق الثَّوريّ عنه. قوله: ((فإنَّ قضاء الحاكم لا يُحِلّ حَراماً ولا يُحُرِّم حلالاً)) هذا الكلام أخَذَه من قول الشافعيّ، فإنَّه لمَّا ذكر هذا الحديث قال: فيه دلالةٌ على أنَّ الأُمَّة إنَّما كلِّفوا القضاء على الظّاهر، وفيه: أنَّ قضاء القاضي لا يُحرِّم حلالاً ولا يُحِلّ حَراماً. قوله: ((عن صالح)) هو ابن کَیْسانَ، وصرَّحَ به في رواية الإسماعيليّ. قوله: ((سَمِعَ خُصومَةً)) في رواية شُعَيب عن الزّهْرِيّ (١): سَمِعَ جَلَبة خِصام، والجَلَبة بفتح الجيم واللّم: اختلاط الأصوات، ووَقَعَ في رواية يونس عند مسلم (٥/١٧١٣): جَلَبَة خَصْمٍ، بفتح الخاء وسكون الصّاد، وهو اسم مَصدَر يَستَوي فيه الواحدُ والجمع والمثنَّى، مُذكَّراً ومُؤَنَّئاً، ويجوز جمعه وتَثنيَته كما في رواية الباب: خصوم، وكما في قوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ [الحج: ١٩]، ولمسلم (٦/١٧١٣) من طريق مَعمَر عن هشام: لَجَبة، بتقديم اللّام على الجيم، وهي لُغة فيها. فأمّا الخُصوم فلم أقِف على تعيينهم، ووَفَعَ التَّصريح بأنَّهما كانا اثنَيْنِ في رواية عبد الله ابن رافع عن أمّ سَلَمَةَ عند أبي داود (٣٥٨٤)، ولفظه: أتى رسولَ الله وَ ◌ّهِرجلان يَخْتَصِمان. وأمّا الخُصومَة فبيَّن في رواية عبد الله بن رافع أنَّها كانت في مَواريثَ لهما، وفي لفظ عنده (٣٥٨٥): في مَواريثَ وأشياءَ قد دَرَسَت. (١) ستأتي برقم (٧١٨٥). ٣٤٩ باب ٢٩ / ح ٧١٨١ -٧١٨٢ كتاب الأحكام قوله: ((بابٍ حُجْرَته)) في رواية شُعَيب ويونس عند مسلم: عند بابه، والحُجرَة المذكورة هِي مَنْزِلُ أمّ سَلَمَةَ، ووَقَعَ عند مسلم في رواية مَعمَر: ببابٍ أمّ سَلَمةَ. قوله: ((إنَّما أنا بَشَر)) البَشَر: الخَلْق، يُطلَق على الجماعة والواحد، بمعنى أنَّه منهم، والمراد: أنَّه مُشاركٌ للبَشَرِ في أصل الخِلقة، ولو زاد عليهم بالمَزايا التي اختُصَّ بها في ذاته وصفاته، والحَصْر هنا تَجَازيّ؛ لأنَّه يَخْتَصّ بالعِلمِ الباطن ويُسمَّى ((قَصْر قلب)) لأنَّه أتى به رَدّاً على مَن زَعَمَ أنَّ مَن كان رسولاً فإنَّه يَعلم كلَّ غَيب، حتَّى لا يَخْفَى عليه المَظلوم. قوله: ((وإنَّه يأتيني الخَصْم، فلعلَّ بعضَكم أن يكون أبلَغَ من بعض)) في رواية سفيان الثَّوريّ في ترك الحِيل: ((وإِنَّكم تَّخْتَصِمونَ إليَّ، ولعلَّ بعضَكم أن يكون ألحَن بحُجَّتِه من بعض))، ومثله لمسلمٍ (٤/١٧١٣) من طريق أبي معاوية، وتقدَّم البحث في المراد بقولِه: ء ((أَحَن)) في ترك الحيل. قوله: ((فأحسَب أَنَّه صادِقٍ)) هذا يُؤذِن أنَّ في الكلام حَذفاً تقديرُه: وهو في الباطن كاذب، وفي رواية مَعمَر (١): ((فأظُنُّه صادِقاً). قوله: ((فأَقضي له بذلك)) في رواية أبي داود (٣٥٨٣) من طريق الثّوريّ: «فأقضي له عليه على نحوٍ ممَّا أسمَع))(٢)، ومثله في رواية أبي معاوية، وفي رواية عبد الله بن رافع: ((إنّ إنَّما أقضي بينَكم برأيي فيما لم يَنْزِل عليَّ فيه))(٣). قوله: ((فمَن قَضَيْت له بحَقِّ مسلم)) في رواية مالك(٤) ومَعمَر: «فمَن قَضَيتُ له بشيءٍ من حَقّ أخيه))، وفي رواية الثَّوريّ: ((فمَن قَضَيتُ له من أخيه شيئاً) وكأنَّه ضَمَّنَ قَضَيت معنى ((أعطَيت)). (١) عند أحمد في ((المسند)) (٢٦٦٢٦)، وهي عند مسلم لكن لم يسق تمام لفظها وعَطَفها على رواية يونس عنده. (٢) كذا وقعت العبارة في ((الفتح))، وتبعه عليها العيني في ((عمدة القاري))، أما في ((سنن أبي داود)) فهي: ((فأقضي له على نحو ما أسمع)). (٣) عند أبي داود (٣٥٨٥). (٤) سلفت برقم (٧١٦٩). ٣٥٠ باب ٢٩ / ح ٧١٨١ -٧١٨٢ فتح الباري بشرح البخاري ووَقَعَ عند أبي داود (٣٥٨٣) عن محمَّد بن كثير شيخ البخاريّ فيه: «فمَن قَضَيتُ له من حَقّ أخيه بشيءٍ فلا يَأْخُذه))، وفي رواية عبد الله بن رافع عند الطَّحَاويِّ(١)، والدّارَ قُطنيّ (٤٥٨٠): ((فمَن قَضَيت له بقضيَّةٍ أُراها، يَقطَع بها قِطعَةً ظُلماً، فإنَّما يَقْطَعُ (٢) بها قِطعَةً من نار، إسطاماً يأتي بها في عُنُقُه يوم القيامة)) والإسطام بكسر الهمزة وسكون المهمَلة والطّاء المهمَلة: القِطعَة، فكأنَّها للتَّأكید. قوله: ((فإنَّما هيَ)) الضَّمير للحالةِ أو القصّة. قوله: ((قِطْعَةٌ من النار)) أي: الذي قَضَيت له به بحَسَبِ الظّاهر، إذا كان في الباطن لا يَستَحِقُه فهو عليه حَرامِ يَؤولُ به إلى النار، وقوله: ((قِطعة من النار)) تَثيلٌ يُفهَم منه شِدَّة التَّعذيب على مَن يَتَعاطاه، فهو من مَجَاز التَّشبيه كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِ بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠]. ١٧٤/١٣ قوله: ((فلْيأخُذْها أو ليَترُكْها)» في رواية يونس: «فليَحمِلْها/ أو ليَذَرْها)» وفي رواية مالك عن هشام: ((فلا يَأْخُذه، فإِنَّما أقطَعُ له قِطعة من النار)) قال الدّارَ قُطنيُّ: هشام وإن كان ثقة لكنَّ الزُّهْريّ أحفَظ منه، وحكاه الدّارَ قُطنيُّ عن شيخه أبي بكر النَّيسابوريّ. قلت: ورواية الزُّهْريّ تَرجِع إلى رواية هشام، فإنَّ الأمر فيه للتَّهديدِ لا لحقيقةِ التَّخيير، بل هو كقوله: ﴿فَمَنْ شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَنْ شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]. قال ابن التِّين: هو خِطاب للمَقضي له، ومعناه: أنَّه أعلمُ من نفسه، هل هو مُحِقٌّ أو مُبطِل؟ فإن كان يُحِقّاً فليَأخُذ، وإن كان مُبطِلاً فليَترُك، فإنَّ الحُكم لا يَنْقُل الأصل عمَّا كان عليه. تنبيه: زاد عبد الله بن رافع في آخر الحديث: فبَكَى الرجلان، وقال كلٌّ منهما: حَقّي لك، فقال لهما النَّبِيّ وَّ: ((أما إذا فعَلتُما فاقتَسِما وتَوَّيا الحقّ، ثمَّ استَهِما، ثمَّ تَحَالَلا)). وفي هذا الحديث من الفوائد: إثمُ مَن خاصَمَ في باطلِ حتَّى اسْتَحقَّ به في الظّاهر شيئاً هو في الباطن(٣) خَرامٌ علیه. (١) في ((شرح مشكل الآثار)) (٧٥٦) و(٧٥٧) بهذا اللفظ، وبنحوه في ((شرح المعاني)) ١٥٤/٤. (٢) زاد هنا في (أ) و(س) لفظة ((له))، ولم ترد في (ع) ولا في مصدري التخريج المشار إليهما. (٣) تحرفت في (س) إلى: الباطل. ٣٥١ باب ٢٩ / ح ٧١٨١ -٧١٨٢ كتاب الأحكام وفيه أنَّ مَن الدَّعَى مالاً ولم يَكُن له بَيِّنَة، فحَلَفَ الدَّعَى عليه وحَكَمَ الحاكمُ ببراءَة الحالِف، أنَّه لا يَبْرأُ في الباطن، وأنَّ المدّعي لو أقامَ بيِّنَة بعدَ ذلك تُنافي دَعواه سُمِعَت وبَطَّلَ الحُكم. وفيه أنَّ مَن احتالَ لأمرٍ باطلٍ بوجهٍ من وجوه الحيَل، حتَّى يَصيرَ حقّاً في الظّاهر وُكَم له به، أنَّه لا يَحِلُّ له تَناوُله في الباطن، ولا يَرتَّفِع عنه الإثم بالحُكمِ. وفيه أنَّ المجتَهِد قد يُخْطِئِ، فيُردُّ به على مَن زَعَمَ أنَّ كلّ مُجْتَهِدٍ مُصيبٌ. وفيه أنَّ المجتَهِد إذا أخطأ لا يَلحَقُه إثمٌّ، بل يُؤْجَر، كما سيأتي. وفيه أنَّه ◌َ ﴿ كان يقضي بالاجتهادِ فيما لم يَنزِل عليه فيه شيء، وخالَفَ في ذلك قومٌ، وهذا الحديث من أصرَح ما يُتَجّ به عليهم. وفيه أنَّه ربَّما أدّاه اجتهادُه إلى أمرٍ فيَحكمُ به، ويكونُ في الباطن بخِلَاف ذلك، لكنَّ مِثْل ذلك لو وَقَعَ لم يُقَرَّ عليهِ﴿ لِتُبُوتِ عِصمَته، واحتَجَّ مَن مَنَعَ مُطلَقاً بأنَّه لو جازَ وقوع الخطأ في حُكمه لَلَزِمَ أمرَ المكلَّفينَ بالخطأ لُبوت الأمر باتِّباعِه في جميع أحكامه، حتَّى قال تعالى: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾ الآية [النساء: ٦٥]، وبأنَّ الإجماع مَعصومٌ من الخطأ، فالرَّسول أولى بذلك لعُلوِّ رُتبته. والجواب عن الأوَّل: أنَّ الأمر إذا استَلزَمَ إيقاع الخطأ لا محذورَ فيه، لأَنَّه موجودٌ فِي حَقِّ المقَلِّدين، فإنَّهم مَأمورونَ باتِباع المفتي والحاكم ولو جازَ عليه الخطأ. والجواب عن الثّاني: أنَّ الملازَمَة مردودة، فإنَّ الإجماع إذا فُرِضَ وجودُه دلَّ على أنَّ مُستَنَدهم ما جاءَ عن الرَّسول، فَرَجَعَ الاتِباع إلى الرَّسول لا إلى نفسِ الإجماع، والحديث حُجَّة لمن أثبَتَ أنَّه قد يَكُم بالشيءٍ في الظّهر، ويكونُ الأمر في الباطن بخِلَافه، ولا مانعَ من ذلك إذ لا يَلَم منه مُحالٌّ عَقلاً ولا نَقْلاً. وأجابَ مَن مَنَعَه بأنَّ الحديث يَتَعلَّق بالحكومات الواقعَة في فصل الخُصومات المَبنِيَّة على الإقرار أو البيّنة، ولا مانعَ من وقوع ذلك فيها، ومع ذلك فلا يُقَرُّ على الخطأ، وإنّما الممتَنِعَةُ أن يقع فيه الخطأ أن يُخْبِرِ عن أمرٍ بأنَّ الحُكم الشَّرعيَّ فيه كذا، ويكونُ ذلك ناشِئاً عن اجتهاده، فإنَّه لا يكونُ إلّا حقّاً، لقولِه تعالى: ﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْمَوَىَ﴾ الآية [النجم: ٣]. ٣٥٢ باب ٢٩ / ح ٧١٨١ -٧١٨٢ فتح الباري بشرح البخاري وأُجيبَ بأنَّ ذلك يَستَلزِم الحُكمَ الشّرعيّ فيعودُ الإشکال کما کان. ومن حُجَج مَن أجازَ ذلك قولُهُ وَّهِ: ((أُمِرت أن أُقاتل الناس حتَّى يقولوا: لا إله إلّا الله، فإذا قالوها عَصَموا منِّي دِماءَهم))(١) فيُحكَم بإسلام مَن تَلَفَّظَ بالشَّهادتَينِ - ولو كان في نفسِ الأمر يَعتَقِدْ خِلَاف ذلك - والحِكمَةُ في ذلك مع أنَّه كان يُمكِن إطلاعُه بالوَحي على كلِّ حُكومَة أنَّه لمَّا كان مُشَرِّعاً، كان يَحِكم بما شَرَعَ للمُكلَّفين، ويَعتَمِدُه الحُّام بعده، ومن ثَمَّ قال: ((إنَّما أنا بَشَر)) أي: في الحُكم بمِثلِ ما كُلِّفوا به، وإلى هذه النُّكتَة أشارَ المصنِّف بإيرادِهِ حديثَ عائشة في قصَّة ابنِ وليدَة زَمعَة حيثُ حَكَمَ وَلَهَ بِالولِدِ لعبدٍ بن زَمعَة، ١٧٥/١٣ وألحَقَه بزَمعَةَ، ثمَّ لمَّا رأى شَبَهَه بعُتبةَ أمَرَ سَوْدَةَ أن/ تَحَتَجِبَ منه احتياطاً، ومِثلُه قوله في قصَّة المتَلَاعِنَينِ لمَّا وضَعَت التي لوعِنَت ولداً يُشِهِ الذي رُمَيَت به: «لولا الإيمانُ لكان لي ولها شَأنٌ))(٢) فأشارَ البخاريّ إلى أنَّهِ وَلِّ حَكَمَ في ابنٍ وليدَة زَمعَة بالظّاهر، ولو كان في نفسِ الأمر ليس من زَمعَة، ولا يُسمَّى ذلك خطأً في الاجتهاد، ولا هو من مَواردِ الاختلاف في ذلك. وسَبَقَه إلى ذلك الشافعيّ؛ فإنَّه لمَّا تَكلَّمَ على حديث الباب، قال: وفيه أنَّ الحُكم بين الناس يقع على ما يُسمَع من الْخَصمَينِ بما لَفَظوا به، وإن كان يُمكِن أن یکونَ في قلوبهم غيرُ ذلك، وأنَّه لا يُقضَى على أحدٍ بغير ما لَفَظَ به، فمَن فعلَ ذلك فقد خالَفَ كتاب الله وسُنَّة نبيّه، قال: ومِثل هذا قَضاؤه لعبدٍ بن زَمعَة بابنِ الوليدَة، فلمَّا رأى الشَّبَه بَيِّناً بعُنبةَ قال: «احتجبي منه یا سودة)) انتهى. ولعلَّ السّرّ في قوله: ((إنَّما أنا بَشَر)) امتثالُ قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَأْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف: ١١٠] أي: في إجراء الأحكام على الظّاهر الذي يَستَوي فيه جميع المكلَّفين، فأُمِرَ أن يَحِكُم بِمِثلِ ما أُمِروا أن يَحِكُموا به، لِيَتِمَّ الاقتداء به، وتَطيبَ نفوسُ العباد للانقيادِ إلى الأحكام الظّاهرة من غير نَظَرٍ إلى الباطن. (١) سلف برقم (٢٥) من حديث ابن عمر، وبرقم (٣٩٢) من حديث أنس، وبرقم (١٣٩٩) من حديث أبي هريرة عن عمر، وبرقم (٢٩٤٦) من حديث أبي هريرة. (٢) سلف برقم (٤٧٤٧). ٣٥٣ باب ٢٩ / ح ٧١٨١ - ٧١٨٢ كتاب الأحكام والحاصل أنَّ هنا مَقامَينِ: أحدُهما: طريق الحُكم، وهو الذي كُلَّفَ المجتَهِدُ بالتَّبُّرِ فيه، وبه يَتَعلَّق الخطأ والصَّواب، وفيه البحث. والآخَر: ما يُبطِنُهُ الخَصم، ولا يَطَّلِعِ عليه إلّا الله ومَن شاءَ من رُسُله، فلم يقع التَّكليف به. قال الطَّحَاوِيُّ: ذهب قوم إلى أنَّ الحُكم بتَمليكِ مالٍ، أو إزالة مِلكِ، أو إثبات نِكاحٍ، أو فُرقةٍ، أو نحو ذلك، إن كان في الباطن كما هو في الظّاهر نَفَذَ على ما حُكِمَ به، وإن كان في الباطن على خِلَاف ما استَنَدَ إليه الحاكم من الشَّهادة أو غيرها لم يَكُن الحُكمُ موجِباً للتَّمليكِ ولا الإزالةَ ولا النِّكاحَ ولا الطَّلاق ولا غيرَها، وهو قول الجمهور، ومعهم أبو يوسف، وذهب آخرونَ إلى أنَّ الحُكم إن كان في مالٍ، وكان الأمرُ في الباطن بخِلَاف ما استَندَ إليه الحاكم من الظّاهر، لم يَكُن ذلك موجِباً لِحِلِّه لمحكوم له، وإن كان في نكاح أو طلاقٍ فإنَّه يَنفُذ باطناً وظاهراً، وحَمَلوا حديث الباب على ما وَرَدَ فيه وهو المال، واحتَجُّوا لما عَداه بقصَّة المتَلاعِنَين، فإنَّه ◌َِّ فَرَّقَ بينَ المتَلاِنَينِ مع احتمال أن يكونُ الرجلُ قد صَدَقَ فيما رَماها به. قال: فيُؤْخَذ من هذا أنَّ كلَّ قضاءٍ ليس فيه تَليك مالٍ أنَّه على الظّاهر، ولو كان الباطن بخِلَافه، وأنَّ حُكمَ الحاكم يُحدِث في ذلك التَّحريمَ والَّحليل، بخِلَاف الأموال. وتُعقّبَ بأنَّ الفُرقة في اللِّعان إنَّما وقَعَت عُقوبةً للعِلم بأنَّ أحدَهما كاذبٌ، وهو أصلٌ بَرَأْسِه، فلا يُقاسُ علیه. وأجابَ غيرُه من الحنفيَّة بأنَّ ظاهرَ الحديث يَدُلّ على أنَّ ذلك مخصوصٌ بما يَتَعلَّق بسماع كلام الخصم، حيثُ لا بيِّنّةَ هناك ولا يمين، وليس النّزاع فيه، وإنَّما النِّراع في الحُكم المرتَّب على الشَّهادة، وبأنَّ((مَن)) في قوله: ((فمَن قَضَيتُ له) شَرطيَّة - وهي لا تَستَلِزِم الوقوع - فيكونُ مِن فَرْضِ ما لم يَقَع، وهو جائز فيما تَعلَّقَ به غَرَضٌ، وهو هنا مُحْتَمِل لأن يكونَ للتَّهديدِ والنَّجرِ عن الإقدام على أخذِ أموال الناس باللَّسَنِ والإبلاغ في الخُصومَة، وهو وإن جازَ أن يَسْتَلِزِم عَدَم نُفوذ الحُكم باطناً في العُقود والفُسوخ، لكنَّه لم يُسَق لذلك، فلا يكونُ فيه حُجَّةٌ لمن مَنَعَ، وبأنَّ الاحتجاج به يَستَلِزِمِ أنَّه وَيُقَرّ على الخطأ، لأنَّه لا يكونُ ٣٥٤ باب ٢٩ / ح ٧١٨١ -٧١٨٢ فتح الباري بشرح البخاري ما قَضَى به ((قِطعَة من النار)) إلّا إذا استَمرَّ الخطأ، وإلّا فمَتَى فُرِضَ أنَّه يَطَّلِعِ عليه فإنَّه يَجِبُ أن يُبطِلِ ذلك الحُكم، ويَرُدّ الحقّ لمستَحِقُّه، وظاهرُ الحديث يُخَالِف ذلك، فإمّا أن يَسقُط الاحتجاج به ويُؤَوَّل على ما تقدَّمَ، وإمّا أن يَستَلزِم استمرار التَّقرير على الخطأ وهو باطل. والجواب عن الأوَّل: أنَّ خِلَاف الظّاهر، وكذا الثّاني، والجواب عن الثّالث: أنَّ الخطأ الذي لا يُقَرّ عليه هو الحكم الذي صَدَرَ عن اجتهاده فيما لم يُوحَ إليه فيه، وليس النِّراع فيه، وإنَّما النِّراع في الحُكم الصّادر منه بناءً على شَهادة زورٍ أو يمينٍ فَاجِرَة، فلا يُسمَّى خطأً؛ ١٧٦/١٣ للاتِّفاق على وجوب العمل / بالشَّهادةِ وبالأيمان، وإلّا لكان الكثيرُ من الأحكام يُسمَّى خطأً وليس كذلك، كما تقدَّمَت الإشارة إليه في حديث: ((أُمِرتُ أن أُقاتل الناس حتَّى يقولوا: لا إله إلّا الله)) وحديث: ((إنّي لم أومَر بالَّنقيبِ عن قلوب الناس))(١)، وعلى هذا فالحُجَّة من الحديث ظاهرةٌ في شُمول الخبر الأموالَ والعُقودَ والفُسوخ، والله أعلم. ومِن ثَمَّ قال الشافعيّ: إنَّه لا فرقَ في دَعوَى حِلِّ الَّوجة لمن أقامَ بتَزويجِها بشاهدَي زورٍ وهو يَعلم بكذِهِما، وبينَ مَن اذَّعَى على حُرِّ أنَّه في مِلكِهِ، وأقامَ بذلك شاهدي زورٍ، وهو يَعلم حُرّيَّته، فإذا حَكَمَ له الحاكم بأنَّه مِلكَه لم يَحِلّ له أن يَستَرِقّه بالإجماع. قال النَّوَويّ: والقول بأنَّ حُكمَ الحاكم يُحِلُّ ظاهراً وباطناً مُخالِفٍ لهذا الحديث الصَّحيح، وللإجماع السّابق على قائلِه(٢)، ولقاعدَةٍ أجمَعَ العلماء عليها ووافَقَهم القائل المذكور، وهي أنَّ الأبضاع أولى بالاحتياطِ من الأموال(٣). وقال ابنُ العربيّ: إن كان حاكماً نَفَذَ على المحكوم له أو عليه، وإن كان مُفتياً لم يَحِلَّ، فإن كان المفتَى له مُتَهِداً يَرَى بخِلَاف ما أفتاه به لم يَجُز، وإلّا جازَ، والله أعلم. قال: ويُستَفاد من قوله: ((وتَوَخَّيا الحقّ)) جوازُ الإبراء من المجهول، لأنَّ التَّوَخّي لا يكونُ في المعلوم. (١) سلف برقم (٤٣٥١). (٢) تصحفت في (س) إلى: قائلةٍ، ومعنى العبارة: أن هذا القول مخالفٌ لإجماع مَن قَبلَهُ، كما جاءت في ((شرح النووي)) على مسلم (١٧١٣). (٣) من بعد قوله ((لهذا)) إلى هنا سقط من (أ). ٣٥٥ باب ٢٩ / ح ٧١٨١ -٧١٨٢ كتاب الأحكام وقال القُرطُبيّ: شَنَّعوا على مَن قال ذلك قديماً وحديثاً؛ لمُخالَفَة الحديث الصَّحيح، ولأنَّ فيه صيانة المال وابتذالَ الفُروج، وهي أحقُّ أن يُحتاط لها وتُصان، واحتَجَّ بعضُ الحنفيَّة بما جاءَ عن عليّ: أنَّ رجلاً خَطَبَ امرأة فأبَت، فادَّعَى أنَّه تزوَّجَها، وأقامَ شاهدین، فقالت المرأة: إنَّهما شَهِدا بالزّور، فَزَوِّ جني أنتَ منه فقد رضيتُ، فقال: شَاهِداكِ زَوَّجاك، وأمضى عليها النِّكاح. وتُعقّبَ بأنَّه لم يَثْبُت عن عليّ، واحتَجَّ المذكور من حيثُ النَّظَر بأنَّ الحاكم قَضَى بحُجَّةٍ شَرعيَّة فيما له ولايةُ الإنشاء فيه، فجَعَلَ الإنشاء تَحُرُّزاً عن الحرام، والحديث صريحٌ في المال وليس النِّزاع فيه، فإنَّ القاضي لا يَملِك دفع مالِ زيد إلى عمرو، ويَملِك إنشاء العُقود والفُسوخ، فإِنَّه يَملِك بَيع أمَة زيد مَثَلاً من عمرٍو حالَ خَوف الهلاك للحِفظِ وحالَ الغيبة، ويَملِك إنشاء النِّكاح على الصَّغيرة، والفُرقة على العِنِّين، فيجعل الحُكم إنشاءً احترازاً عن الحرام، ولأنَّه لو لم يَنفُذ باطناً فلو حَكَمَ بالطَّلاق لَبِقِيَت حلالاً للَّوج الأوَّل باطناً، وللثّاني ظاهراً، فلو ابتُليَ الثّاني مِثلما ابتُليَ الأَوَّل حَلَّت للثّالث، وهكذا فتَحِلّ لجمعٍ متعدِّدٍ في زمنٍ واحد، ولا يَخْفَى فُحشُه، بخِلَاف ما إذا قُلنا بنَفَاذِه باطناً فإنَّهَا لا تَحِلّ إلّا لواحدٍ. انتهى، وتُعقّبَ بأنَّ الْجُمهور إنَّما قالوا في هذا: تَحُرُم على الثّاني مَثَلاً إذا عَلِم أنَّ الحُكم تَرَتَّبَ على شَهادةِ الزُّور، فإذا اعتَمَدَ الحُكم وتَعَمَّدَ الدُّخول بها فقد ارتَكَبَ مُحُرَّماً، كما لو كان الحُكم بالمالِ فأكَلَه، ولو ابتُليَ الثّاني كان حُكمُ الثّالث كذلك، والفُحُ إِنَّا لَزِمَ من الإقدام على تعاطي المحرَّم، فكان كما لو زَنَوا ظاهراً واحداً بعدَ واحد. وقال ابن السَّمعانيّ: شَرط صِحَّة الحُكم وجودُ الحُجَّة وإصابة المحَلّ، وإذا كانت البيّنة في نفسِ الأمر شُهودُ زورٍ لم تَحصُل الحُجَّة، لأنَّ حُجَّة الحُكم هي البيّنة العادِلة، فإنَّ حقيقة الشَّهادة إظهار الحقّ، وحقيقة الحُكم إنفاذُ ذلك، وإن كان الشُّهود كذَبَةً لم تكن شَهادتهم حقّاً. قال: فإن احتَجّوا بأنَّ القاضيَ حَكَمَ بِحُجَّةٍ شَرعيَّة أمَرَ الله بها، وهي البيّنّةُ العادِلة في عِلمه، ولم يُكلَّف بالإطلاع على صِدقِهم في باطن الأمر، فإذا حَكَمَ بشَهادِتِهِم فقد امتَثَلَ ما أُمِرَ به، فلو قلنا: لا يَنْفُذ في باطنِ الأمر لَلَزِمَ إيطالُ ما وجَبَ بالشَّرع؛ لأنَّ صيانة الحُكم عن الإبطال مطلوبة، فهو بمَنزِلة القاضي في مسألةٍ اجتهاديَّةٍ على مُجْتَهِدٍ لا يَعتَقِد ذلك، فإنَّه يجب ٣٥٦ باب ٢٩ / ح ٧١٨١ -٧١٨٢ فتح الباري بشرح البخاري عليه قَبُول ذلك، وإن كان لا يَعتَقِده صيانَة للحُكمِ. وأجابَ ابنِ السَّمعانيّ: بأنَّ هذه الحُجَّة للنُّفُوذ، ولهذا لا يَأْثَم القاضي، وليس من ضَرُورةٍ وجوب القضاء نُفوذُ القضاء حقيقةً في ١٧٧/١٣ باطن الأمر، وإنَّما يَجِبُ صيانة القضاء عن الإبطال إذا/ صادَفَ حُجَّةً صحيحَة، والله أعلم. فرع: لو كان المحكومُ له يَعتَقِدْ خِلَافَ ما حَكَمَ له به الحاكم، هل يَحِلّ له أخذُ ما حَكَمَ له به أو لا؟ كمَن ماتَ ابنُ ابنِهِ وَتَرَكَ أخاً شَقِيقاً، فَرَفَعَه لقاضٍ يَرَى في الجدِّ رأي أبي بكر الصِّدِّيق، فحَكَمَ له بجميع الإرث دونَ الشَّقيق، وكان الجدُّ المذكور يَرَى رأي الجمهور، نَقَّلَ ابنُ المنذِر عن الأكثر أنَّه يَجِبُ على الجدِّ أن يُشاركَ الأخ الشَّقيق عملاً بمُعتَقَدِهِ، والخِلَافُ في المسألة مشهور. واستُدِلَّ بالحديث لمن قال: إنَّ الحاكم لا يحكمُ بعِلمِه، بدليلِ الحَصر في قوله: ((إنّما أقضي له بما أسمَعُ)) وقد تقدَّم البحث فيه قبلُ (٧١٦١). وفيه أنَّ التَّعَمُّق في البلاغة بحيثُ يَحَصُل اقتدارُ صاحبها على تَزيينِ الباطل في صورة الحقّ وعَكسِه مذمومٌ، فإنَّ المراد بقولِه: ((أبلَغ)) أي: أكثرُ بلاغةً، ولو كان ذلك في التَّوصُّل إلى الحقّ لم يُذَمّ، وإِنَّمَا يُذَمّ من ذلك ما يُتَوَصَّل به إلى الباطل في صورة الحقّ، فالبلاغة إذَن لا تُذَمّ لذاتها، وإِنَّمَا تُلَمّ بحَسَبِ المتعلِّقِ الذي قد يُمدَحُ بسبِهِ، وهي في حَدِّ ذاتها ممدوحة، وهذا كما يُذَمّ صاحبها إذا طَرَأ عليه بسببها الإعجابُ وتَحقيرُ غيره ثمّن لم يَصِل إلى دَرَجَتِهِ، ولا سيَّما إن كان الغير من أهل الصَّلاح، فإنَّ البلاغة إنَّما تُذَمّ من هذه الحَيَّة بحَسَبِ ما نَشَأ عنها من الأُمور الخارجيَّة عنها، ولا فرقَ في ذلك بينَ البلاغة وغيرها، بل كلُّ فتنة تُوصِل إلى المطلوب محمودَةٌ في حَدِّ ذاتها، وقد تُذَمّ أو تُدَح بحَسَبٍ مُتعلَّقها. واختُلِفَ في تَعريف البلاغة، فقيلَ: أن يُبلِّغ بعِبَارَةٍ لسانه كُنْهَ ما في قلبه. وقيل: إيصالُ المعنى إلى الغير بأحسَنِ لفظ. وقيل: الإيجاز مع الإفهام، والتَّصَرُّف من غير إضمار. وقيل: قليلٌ لا يُبهَم وكثيرٌ لا يُسأم. وقيل: إجمال اللَّفظ واتِّساع المعنى. وقيل: تَقليلُ اللَّفظ وتَكثيرُ المعنى. وقيل: حُسنُ الإيجاز مع إصابة المعنى. وقيل: سُهولةُ اللَّفظ مع البديهة. وقيل: لَمحَةٌ دالَّة أو كَلِمةٌ تَكشِف عن البُغية. وقيل: الإيجازُ من غير عَجزِ والإطنابُ من غير خَطَأً. ٣٥٧ باب ٣٠ / ح ٧١٨٣ -٧١٨٤ كتاب الأحكام وقيل: النُّطْق في موضعه والسُّكوت في موضعه. وقيل: مَعرِفَة الفَصْل والوَصْل. وقيل: الكلام الدّالُّ أوَّلُه على آخره وعَكسُه. وهذا كلّه عن المتقدِّمينَ. وعَرَّفَ أهل المعاني والبيان البلاغةَ: بأنَها مُطابقة الكلام لمُقْتَضى الحال، مع الفَصاحَة، وهي خُلوّه عن التَّعقيد، وقالوا: المراد بالمطابقة: ما يحتاج إليه المتَكلُّم بحَسَبِ تَفاوت المقامات، كالتَّأكيدِ وحَذفه، والحذفِ وعَدمِه، أو الإيجاز والإسهاب ونحو ذلك، والله أعلم. وفيه الردّ على مَن حَكَمَ بما يقع في خاطِرِه، من غير استِنادٍ إلى أمرٍ خارجيٍّ من بيِّئَةٍ ونحوِها، واحتَجَّ بأنَّ الشّاهد المتَّصِل به أقوى من المنفَصِل عنه، ووجه الردّ عليه كَونِه وَلِيل أعلى في ذلك من غيره مُطلَقاً، ومع ذلك فقد دَلَّ حديثُه هذا على أنَّه إنَّما يَحكم بالظّاهِرِ في الأُمور العامَّة، فلو كان المدَّعَى صحيحاً لكان الرَّسولُ أحقَّ بذلك، فإنَّه أعلَمَ أنَّه تَجري الأحكامُ على ظاهرِها ولو كان يُمكِن أنَّ الله يُطلِعِه على غَيبٍ كلّ قضيَّة، وسبب ذلك أنَّ تَشريع الأحكام واقعٌ على يدِه، فكأنَّه أرادَ تعليم غيره من الحُكّام أن يَعتَمِدوا ذلك. نَعَم، لو شَهِدَت البِّنَة مَثَلاً بخِلَاف ما يَعلَمِهِ عِلماً حِسّاً بمُشاهَدَةٍ أو سماع، يقينيّاً أو ظنّاً راجحاً لم يَجُز له أن يحكم بما قامت به البيّنة، ونَقَلَ بعضهم الاتِّفاق وإن وَقَعَ الاختلاف في القضاء بالعِلم، كما تقدَّم في «بابِ الشَّهادة تكونُ عند الحاكم في ولايته القضاء» (٧١٧٠). وفي الحديث أيضاً: مَوعِظَهُ الإمام الخصومَ ليَعتَمِدوا الحقّ، والعملُ بالظّنِّ(١) الرَّاجح وبناءُ الحُكم عليه، وهو أمرٌ إجماعيّ للحاكمِ والمفتي، والله سبحانه وتعالى أعلم. ٣٠- باب الحُکم في البئرِ ونحوِها ٧١٨٣- حدَّثنا إسحاقُ بنُ نَصْرِ، حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، أخبر نا سفيانُ، عن منصورٍ والأعمَشِ، عن أبي/ وائلٍ، قال: قال عبدُ الله: قال النبيُّ نَّهِ: ((لا يَحِلِفُ على يَمِينِ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ مالاً وهو فيها ١٧٨/١٣ فاجِرٌ، إلا لَقِيَ الله وهو عليه غَضْبانُ)) فأَنْزَلَ الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَّا قَلِيلًا﴾ الآيةَ [آل عمران: ٧٧]. (١) تحرفت في (س) إلى: بالنظر. ٣٥٨ باب ٣١ / ح ٧١٨٥ فتح الباري بشرح البخاري ٧١٨٤- فجاءَ الأشعَثُ - وعبدُ الله يُحدِّثُهُم - فقال: فيَّ نَزَلَتْ وفي رجلٍ خاصَمْتُه في بثْرٍ، فقال النبيُّ ◌َّهِ: ((أَلَكَ بِيِّئَةٌ؟)) قلتُ: لا، قال: ((فلْيَحلِفِ)) قلتُ: إذاً يَحَلِفُ، فَنَزَّلَت: ﴿ إِنَّالَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ﴾ الآيَةَ. قوله «بابُ الحُكم في البتر ونحوها)» ذکر فیه حدیث عبد الله - وهو ابن مسعود - في نزول قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَّقَلِيلًا﴾ وفيه قولُ الأشعَث: فيَّ نَزَلَت، وفي رجلٍ خاصَمتُه في بئر، وقد تقدَّم شرحه مُستَوّى في كتاب الأيمان والنُّذُور (٦٦٧٦). قال ابن بَطّل: هذا الحديث حُجَّةٌ في أنَّ حُكم الحاكم في الظاهر لا يُحِلُّ الحَرام، ولا يُبيح المحظور، لأَنَّه ◌ِِّ حَذَّرَ أمَّته عُقوبة مَن اقتَطَعَ من حَقّ أخيه شيئاً بيمينٍ فَاجِرَة، والآية المذكورة من أشدِّ وعيدٍ جاءَ في القرآن، فيُؤخَذ من ذلك أنَّ مَن تَحَيَّلَ على أخيه وتَوَصَّلَ إلى شيءٍ من حَقّه بالباطل، فإنَّه لا يَحِلّ له؛ لِشِدَّة الإثم فيه. قال ابن المنيِر: وجه دخول هذه التَّرجمة في القصّة، مع أنَّه لا فرق بينَ البِئر والدّار والعبد حتَّى تَرجَمَ على البِئر وحدَها، أنَّه أرادَ الردّ على مَن زَعَمَ أنَّ الماء لا يُملَك، فحَقَّقَ بالتَّرجمةِ أنَّه يُملَك لوقوع الحُكم بينَ المتَخاصمَينِ فيها. انتهى، وفيه نَظَر من وجهَينِ، أحدهما: أنَّه لم يَقتَصِر في التَّرجمة على البِئر، بل قال: ونحوها، والثّاني: لو اقتَصَرَ لم يَكُن فيه حُجَّة على مَن مَنَعَ بَيع الماء؛ لأنَّه يجوز بيع البِئر ولا يَدخُل الماء، وليس في الخبر تصريحٌ بالماءِ فکیف یصِحّ الردّ. ٣١ - بابٌ القضاءُ في قَليلِ المال وكثيرِه سواء وقال ابنُ عُبَينَةَ، عن ابنِ شُبْرُمةَ: القضاءُ في قليلِ المال وكثيرِه سواءٌ. ٧١٨٥ - حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، أخبرني عُرْوةُ بنُ الزُّبَيرِ، أنَّ زينبَ بنتَ أبِي سَلَمَةَ أخبَرَتْه، عن أَمِّها أمّ سَلَمَةَ، قالت: سَمِعَ النبيُّ ◌َّرَ جَلَبَةَ خِصامٍ عندَ بابه، فخَرَجَ عليهم، فقال: ((إِنَّا أنا بَشَرٌّ، وإِنَّه يأتيني الخَصْمُ، فلعلَّ بعضاً أن يكونَ أبلَغَ مِن بعضٍ، أقضي له بذلك وأحسَبُ أَنَّه صادِقٌ، فَمَن قَضَيْتُ له بحَقٌّ مُسلِمٍ، فإِنَّا هي قِطْعَةٌ منَ النار، فلْيأخُذْها أو ليَدَعْها)). ٣٥٩ باب ٣٢ / ح ٧١٨٦ كتاب الأحكام قوله: ((بابٌ)) بالتَّنوينِ ((القضاءُ في قليل المال وكَثيرِه سواءٌ)) قال ابن المنيِّر: كأنَّه خَشِيَ غائلةَ التَّخصيص في التَّرجمة التي قبل هذه، فتَرجَمَ بأنَّ القضاء عامٌّ في كلّ شيءٍ قَلَّ أو جَلَّ. ثَّ ذكر فيه حديث أمّ سَلَمةَ المذكور قبلُ بباب، لقولِه فيه: ((فمَن قَضَيتُ له بحَقِّ مسلم)) وهو يَتَنَاوَل القليلَ والكثير، وكأنَّه أشارَ بهذه التَّرجمة إلى الردّ على مَن قال: إنَّ للقاضي أن يَسْتَنِيب بعضَ مَن يريدُ في بعض الأُمور دونَ بعض، بِحَسَبٍ قَوَّة مَعرِفَتَه ونَفَاذِ کَلِمَته في ذلك، وهو منقولٌ عن بعض المالكيَّة، أو على مَن قال: لا يجب اليمين إلّا في قَدْرٍ مُعيَّن من المال، ولا تَجِب في الشيء/ النّافه، أو على مَن كان من القُضاةِ لا يَتَعاطَى الحُكم في الشيء التّافه، بل إذا رُفِعَ ١٧٩/١٣ إليه رَدَّه إلى نائبه مَثَلاً، قاله ابن المنيِّر، قال: وهو نَوعٌ من الكِبر، والأوَّل أليَق بمُرادِ البخاريّ. قوله: ((وقال ابن عُبَينَ)) هو سفيانُ الهلالِيّ ((عن ابن شُبْرُمَةَ)) هو عبد الله الضَّبيُّ («القضاء في قليل المال وكَثيرِه سواء» وَلم يقع لي هذا الأثَر موصولاً (١). ٣٢ - باب بَيعِ الإمامِ على الناسِ أموالهَم وضِیاعَهُم وقد باعَ النبيُّ ◌َلَّ مُدَبَّراً مِن نُعيمِ بنِ النَّحّام. ٧١٨٦ - حدَّثنا ابنُ نُمَيٍ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ بِشْرِ، حدَّثنا إسماعيلُ، حَدَّثنا سَلَمَةُ بنُ كُهَيلِ، عن عطاءٍ، عن جابرٍ، قال: بَلَغَ النبيَّ ◌َّهِ أَنَّ رجلاً مِن أصحابه أعتَقَ غلاماً له عن دُبُرٍ، لم یکن له مالٌّ غيرَه، فباعَه بثمان مئةِ دِرْهَمِ، ثمَّ أرسَلَ بِثَمَتِهِ إليه. قوله: ((بابُ بَيعِ الإمام على الناس أموالهم وضِياعَهم) قال ابن المنيِر: أضافَ البَيع إلى الإمام ليُشيرَ إلى أنَّ ذلك يقع في مال السَّفيه، أو في وفاء دَينِ الغائب، أو مَن يمتنع، أو غیر ذلك، لِيَتَحقَّق أنَّ للإمام التَّصَرُّفَ في عُقود الأموال في الجملة. قوله: ((وقد باعَ النَّبِيُّ ◌َلهَ هُدَبَّراً من نُعيم بن النَّحام)) قال ابن المنيِر: ذكر في التَّرجمة الضّياع ولم يَذكُر إلّا بَيع العبد، فكأنَّه أشارَ إلى قياس العَقار على الحيوان. (١) قال في ((تغليق التعليق))٣٠٥/٥: هكذا رُوِّيناه في ((جامع سفيان بن عيينة)) رواية سعيد بن عبد الرحمن المخزومي عنه. ٣٦٠ باب ٣٣ / ح ٧١٨٧ فتح الباري بشرح البخاري ثُمَّ أَسنَدَ حديث جابر قال: بَلَغَ النَّبيَّ ◌َ ل﴿ أَنَّ رجلاً من أصحابه أعتَقَ غلاماً له عن دُبُر لم یکُن له مالٌ غیرہ، فباعَه بثمان مئةِ دِرِهَم، ثمَّ أرسَلَ بثَمَنِه إلیه. وقد مضى شرحه في كتاب العتق (٢٥٣٤). ووَقَعَ هنا للكُشميهَنِيّ: ((عن دَينٍ)) بفتح الدّال وسكون التَّحتانيَّة بعدَها نون، بَدَل قوله: ((عن دُبُر)) بضمِّ الدّال والموخَّدة بعدها راء، والثّاني هو المعروف والمشهور في الرِّوايات كلّها، والأوَّل تصحيف. قال المهلَّب: إنَّما يبيع الإمامُ على الناس أموالهم إذا رأى منهم سَفَهاً في أموالهم، وأمّا مَن ليس بسَفيهِ فلا يُباع عليه شيءٌ من ماله إلّا في حَقٌّ يكون عليه، يعني: إذا امتَنَعَ من أداء الحقّ. وهو كما قال، لكن قصَّة بَيع المدَبَّر تَرُدُّ على هذا الخَصر، وقد أجابَ عنها: بأنَّ صاحب المدَبَّر لم يَكُن له مال غيره، فلمَّا رَآه أنفَقَ جميع ماله، وأنَّه تَعرَّضَ بذلك للتَّهِلُكَةِ نَقَضَ عليه فعله، ولو كان لم يُنفِقِ جميع ماله لم يَنقُض فعله، كما قال للَّذي كان يُدَع في البيوع: ((قُل: لا خِلابة)) (١) لأنَّه لم يُفوِّت على نفسه جميع ماله. انتهى، فكأنَّه كان في حُكم السَّفيه، فلذلك باعَ عليه ماله، والله أعلم. ٣٣- باب مَن لم يَكْتَرِث بطَعْن مَن لا يَعلَمُ في الأمراءِ ٧١٨٧ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ مُسلِمٍ، حدَّثنا عبدُ الله بنُ دِینارٍ، قال: سمعتُ ابنَ عمرَ رضي الله عنهما يقولُ: بَعَثَ رسولُ اللهِوََّ بَعْثاً وأمَّرَ عليهم أُسامةَ بنَ زيدٍ، فطُعِنَ في إمارَتِهِ، وقال: ((إنْ تَطْعُنُوا في إمارَتِه فقد كنتُم تَطْعُنُونَ في إمارةِ أبيه مِن قبلِهِ، وائْمُ الله! إنْ كان تَخَلِيقاً للإِمْرةِ، وإنْ كان لَمِن أحَبِّ الناسِ إليَّ، وإنَّ هذا لَمِن أحَبِّ الناسِ إليَّ بعدَهُ)). قوله: ((بابُ مَن لم يَكثَرِث بطَعْنِ مَن لا يَعلمُ في الأمراء)» أي: لم يَلتَفِت، وزنه ومعناه، ١٨٠/١٣ وهو افتعال من / ((الكَرْث)) بفتح أوَّله وسكون ثانيه وآخره مُثَلَّثة، وهو المشَقَّة، ويُستَعمَل نَفيُه في موضع عَدَم المبالاة. (١) سلف برقم (٢١١٧).