النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
باب ٢١ / ح ٧١٧٠
كتاب الأحكام
قال: مرَّة. قال: وسألتُ الحَكَم فقال: أربع مرَّات. وقد تقدَّم البحث في ذلك في شرح قصَّة
ماعِز في أبواب الرَّجم(١).
٧١٧٠- حدَّثَنَا قُتَيةٌ، حدَّثنا اللَّثُ، عن يحيى، عن عمرَ بنِ كَثير، عن أبي محمَّدٍ مولى أبي
قَتَادَةَ، أَنَّ أبا قَتَادةَ قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ يومَ حُنَينٍ: ((مَن له بيَِّةٌ على قَتِيلٍ قَتَلَه فَلَه سَلَبُّه)»
فقُمْتُ لألْتَمِسَ بيَّةً على قَتِيل، فلم أرَ أحداً يَشهَدُ لي، فجَلَستُ، ثمَّ بَدا لي فذكرتُ أمرَه إلى
رسولِ اللهِ وَّ﴾، فقال رجلٌ مِن جُلَسائه: سِلاحُ هذا القَتِيلِ الذي يَذْكُرُ عِنْدِي، قال: ((فَأَرْضِه
منه)) فقال أبو بكرٍ: كلّا، لا يُعطِهِ أُصَيْبِغَ مِن قُرَيشِ ويَدَعَ أسَداً مِن أُسْدِ الله يقاتلُ عن الله
ورسوله، قال: فقامَ رسولُ الله ◌َّهِ فأدّاه إليّ، فاشترَيْتُ منه خِرافاً، فكان أوَّلَ مالٍ تَأَثَّلْتُه.
قال لي عبدُ الله، عن اللَّيثِ: فقامَ النبيُّ ◌ََّ فأدّاه إليَّ.
وقال أهلُ الحِجازِ: الحاكمُ لا يَقْضي بعِلمِه، شَهِدَ بذلك في وِلايتِهِ أو قبلَها، ولو أقَرَّ خَصْمٌ
عندَه لَآخَرَ بحَقٍّ في مَجلِسِ القضاءِ، فإنَّه لا يَقْضي عليه في قولِ بعضِهِم، حتَّى يَدْعوَ بشاهدَینِ
فيُحْضِرَهما إقرارَهُ.
وقال بعضُ أهلِ العراق: ما سَمِعَ أو رَآه في تَجلِسِ القضاءِ قَضَى به، وما كان في غَيرِه لم
يَقْضِ إلا بشاهدَينِ مُحْضِرُهما إقرارَه.
وقال آخَرونَ منهم: بل يَقْضي به لأَنَّه مُؤْتمَنٌ، وإنَّما يُرادُ منَ الشَّهادةِ معرفةُ الحقِّ، فعِلمُه
أكثرُ منَ الشَّهادةِ.
وقال بعضُهم: يَقْضي بعِلمِه في الأموال، ولا يَقْضِي فِي غَيرِها.
وقال القاسمُ: لا يَنبَغي للحاكمِ أنْ يَقْضِيَ قضاءً بعِلمِهِ دونَ عِلمٍ غَيرِهِ، مع أنَّ عِلمَه أكثرُ
مِن شَهادةٍ غَيرِه، ولكنَّ فيه تَعرُّضاً لتُهَمةِ نفسِه عندَ المسلمينَ، وإيقاعاً لهم في الظَّنونِ، وقد كَرِه
النبيُّ ◌ِّهِ الظَّنَّ فقال: ((إنَّما هذه صَفِيَةُ)).
(١) تقدمت الإحالة إليه قريباً.

٣٢٢
باب ٢١ / ح ٧١٧٠
فتح الباري بشرح البخاري
ثمَّ ذكر حديث أبي قَتَادةَ في قصَّة سَلَب القتيل الذي قتله في غَزْوة حُنَينٍ، وقد تقدَّم
شرحه مُستَوفَی هناك (٤٣٢١ و ٤٣٢٢).
وقوله هُنا: ((قال: فأرضِه منه)) هي رواية الأكثر، وعند الكُشمِيهَنيّ: منِّي.
وقوله: ((فقامَ رسولُ اللهِوَ لَ فأدّاه إليَّ) في رواية أبي ذرِّ عن غير الكُشمِيهَنِيّ: ((فَعَلِمَ)) بفتح
المهمَلة وكسر اللّام بَدَلَ ((فقامَ))، وكذا لأكثر رواة الفِرَبريّ، وكذا أخرجه أبو نُعَيم من رواية
الحسن بن سفيان عن قُتَيبة، وهو المحفوظ في رواية قُتَية هذه، ومن ثَمَّ عَقَّبَها البخاريّ
بقولِه: وقال لي عبد الله، عن اللَّيث: فقامَ رسولُ اللهِ وَّرِ فأدّاه إليَّ. ووَقَعَ في رواية كَرِيمة:
فأمَرَ، بفتح الهمزة والميم بعدَها راء. وعبدُ الله المذكور: هو ابن صالح أبو صالح، وهو كاتبُ
اللَّيث، والبخاريّ يَعْتَمِده في الشَّواهد، ولو كانت رواية قُتَيبة بلفظ: فقامَ، لم يَكُن لِذِكر
رواية عبد الله بن صالح معنّی.
قال المهلَّب: قوله في رواية قُتَيبة: فعَلِمَ النَّبِيّ ◌َّهِ، يعني: علمَ أنَّ أبا قَتَادةَ هو قاتل
القتيل المذكور، قال: وهي وهمٌّ، قال: والصَّحيح فيه رواية عبد الله بن صالح بلفظ: فقامَ،
قال: وقد رَدَّ بعضُ الناس الحُجَّة المذكورة فقال: ليس في إقرار ماعٍِ عند النَّبِيّ ◌ٍَّ ولا
حُكمِه بالرَّجمِ دونَ أن يُشهِد مَن حَضَرَه، ولا في إعطائه السَّلَب لأبي قَتَادَةَ حُجَّةٌ للقضاءِ
بالعِلمِ؛ لأنَّ ماعِزاً إنَّما كان إقراره عند النَّبِيّ ◌َهَ بِحَضرَة الصَّحابة، إذ معلومٌ أَنَّه كان ◌َه
لا يَقعُد وحدَه، فلم يَحَتَجِ النَّبِيّ ◌َّهِ أن يُشهِدهم على إقراره؛ لسماعِهِم منه ذلك، وكذلك
قصَّة أبي قَتَادةَ، انتھی.
وقال ابن المنِّر: لا حُجَّة في قصَّة أبي قَتَادةَ، لأنَّ معنى قوله: فعلمَ النَّبيُّ ◌َّ: علم
بإقرار الخَصم فحَكَمَ عليه، فهي حُجَّةٌ للمَذهَب، يعني: الصّائر إلى جواز القضاء بالعِلم
فيما يقع في مجلس الحكم.
وقال غيره: ظاهرُ أوَّل القصَّة يُخالِف آخرَها، لأنَّه شَرَطَ البيّنة بالقتلِ على استحقاق
السَّلَب، ثمَّ دَفَعَ السَّلَب لأبي قَتَادةَ بغير بيِّنَة، وأجابَ الكِرِمانيُّ بأنَّ الْخَصْم اعتَرَفَ، يعني:

٣٢٣
باب ٢١ / ح ٧١٧٠
كتاب الأحكام
فقامَ مَقام البيِّنة، وبأنَّ المال لرسولِ الله ◌َّهَ يُعطي منه مَن شاءَ ويَمنَع مَن شاءَ. قلت:
والأوَّل أولى، والبيِّنة لا تَنحَصِر في الشَّهادة، بل كلّ ما كَشَفَ الحقّ يُسمَّى بيِّنة.
قوله: ((وقال أهل الحجاز: الحاكم لا يَقْضي بعِلمِه، شَهِدَ بذلك في وِلايتِه أو قبلَها)» هو
قول مالك، قال أبو عليّ الكرابيسيُّ: لا يقضي القاضي بما عَلِم؛ لوجودِ التُّهمَة، إذ لا يُؤمَن
على التَّقَيّ أن يَتَطَرَّق إليه التُّهمَة، قال: وأظُنّه ذهب إلى ما رواه ابنُ شِهابٍ عن زُيَيد(١) بن
الصَّلت: أنَّ أبا بكر الصِّدّيق قال: لو وَجَدتُ رجلاً على حَدٍّ ما أقَمتُه عليه حتَّى يكون معي
غيري. ثمَّ ساقَه بسَنَدٍ صحيح عن ابن شِهاب، قال: ولا أحسَب مالكاً ذهب عليه هذا
الحديث، فإن كان كذلك فقد قَلَّدَ أكثرَ هذه الأُمَّة فضلاً وعلماً. قلت: ويحتمل أن يكون
ذهب إلى الأثَر المقدَّم ذِكره عن عمر وعبد الرَّحمن بن عَوف، قال: ويَلزَم مَن أجازَ للقاضي
أن يقضي بعِلمِهِ مُطلَقاً أنَّه لو عَمَدَ إلى رجلٍ مَستور لم يُعهَد منه فُجورٌ قَطُّ أن يَرِجُه ويَدَّعي
أنَّه رَآهَ يَزني، أو يُفرِّقَ بينَه وبينَ زوجته ويَزْعُم أنَّه سَمِعَه يُطلِّقها، أو بينَه وبينَ أمَته ويَزْعُم
أنَّه سَمِعَه يَعتِقها، فإنَّ هذا الباب لو فُتِحَ لوَجَدَ كُلُّ قاضِ السَّبيل إلى قَتل عدوّه وتَفسِيقِه،
والتَّفْرِيقِ بينَه وبينَ مَن يُحِبّ، ومن ثَمَّ قال الشافعيّ: لولا قُضاة السّوء لَقلت: إنَّ للحاكم
أن يحكم بعِلمِه، انتهى. وإذا كان هذا في الزَّمان الأوَّل فما الظَّنّ بالمتَأْخِّر، فيَتَعيَّن حَسمُ ماذَّة
تجويز القضاء بالعِلم في هذه الأزمان المتأخّرَة، لكَثَرَةٍ مَن يَتَولَّى الحُكم مَمَّن لا يُؤمَن على
ذلك، والله أعلم.
قوله: ((ولو أقَّ خَصْمٌ عِنْدہ لآخَرَ بحَقٍّ في ◌َجلِس القضاء، فإنَّه لا يَقْضي عليه في قول
بعضِهم حتَّى يَدْعو بشاهدَينِ فيُحضِرِهما إقرارَه)) قال ابن التِّين: ما ذُكِرَ عن عمر وعبد الرَّحمن
هو قول مالك وأكثر أصحابه، وقال بعضُ أصحابه: يَحكم بما عِلِمَه فيما / أقَرَّ به أحدُ الخَصمَينِ ١٦١/١٣
عندَه في مَجَلِس الحُكم.
(١) تصحفت في (س) إلى: زبيد، وتحرفت في (ع) إلى: زيد، والصواب ما أثبتنا - بياء تحتانية مكررة-، انظر:
((المؤتلف والمختلف)) للدار قطني ١١٤٥/٣، و((الإكمال)) لابن ماكولا ١٧١/٤، و((توضيح المشتبه))
لابن ناصر الدین ٤/ ٢٧٠.

٣٢٤
باب ٢١ / ح ٧١٧٠
فتح الباري بشرح البخاري
وقال ابنُ القاسم وأشهَب: لا يقضِي بما يقع عنده في مَجلِس الحُكم إلّا إذا شَهِدَ به عنده.
وقال ابن المنيِرِ: مَذْهَب مالك أنَّ مَن حَكَمَ بعِلمِه نُقِضَ(١) على المشهور، إلّا إن كان
عِلمُه حادثاً بعد الشُّروع في المحاكَمَة فقولان، وأمّا ما أقَرَّ به عنده في مجلِس الحُكم فيحكم
ما لم يُنكِرِ الخَصمُ بعد إقراره وقبل الحُكم عليه، فإنَّ ابن القاسم قال: لا يَحكمُ عليه حينئذٍ
ويكون شاهداً.
وقال ابن الماحِشُون: يَحِكُمُ بعِلمِه. وفي المَذهَبِ تَفاريعُ طويلةٌ في ذلك.
ثمّ قال ابن المنيِّر: وقول مَن قال: لا بُدَّ أن يَشهَد عليه في المجلِس شاهدان، يَؤُول إلى
الحُكم بالإقرار، لأنَّه لا يَخْلو أن يُؤَدّيا أو لا، إن أدَّيا فلا بُدَّ من الإعذار، فإن أُعذِر احتيجَ إلى
الإثبات وتَسَلسَلَت القضيَّة، وإن لم يَحَتَجْ رَجَعَ إلى الحُكم بالإقرار، وإن لم يُؤَدّيا فهي كالعَدَم.
وأجابَ غيرُه إنَّ فائدة ذلك رَدعُ الخَصم عن الإنكار، لأنَّه إذا عَرَفَ أنَّ هناك مَن
يَشْهَد امتَنَعَ من الإنكار خَشيةَ التَّعزير، بخلاف ما إذا أمِنَ ذلك.
قوله: ((وقال بعض أهل العراق: ما سَمِعَ أو رَآه في مَجلِس القضاء قَضَى به، وما كان في
غيره لم يَقْضِ إلّا بشاهدَينِ يُضِرُهما إقرارَه)) بضمٍّ أوَّله من الرُّباعيّ. قلت: وهذا قول أبي
حَنيفةَ ومَن تَبِعَه، ويوافقهم مُطرِّف وابن الماجِشُون وأصبَغ وسَحنُون من المالكيَّة.
قال ابن التِّين: وجَرَى به العمل، ويوافقه ما أخرجه عبد الرَّزّاق بسَنَدٍ صحيح عن ابن
سِيرِين قال: اعتَرَفَ رجلٌ عند شُرَيح بأمرٍ ثمَّ أنكَرَه، فقَضَى عليه باعترافه، فقال: أتَقضي عليّ
بغير بيِّنة؟! فقال: شَهِدَ عليك ابن أُخت خالَتك، يعني: نفسه(٢).
(١) تحرفت في (س) إلى: يقضي.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٥٣٠٢)، عن سفيان الثوري، عن ابن عون، عن إبراهيم النخعي، وليس عن ابن
سيرين، وكذا أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) ١٣٥/٤ من طريق عبد الرزاق عن معمر، والبيهقي ٨٤/٦ من
طريق سعيد بن منصور عن هشيم، كلاهما (معمر وهشيم) عن ابن عون عن إبراهيم النخعي.
أما رواية ابن سيرين فقد أخرجها ابن سعد في ((الطبقات)) ٢٥٦/٨ والبيهقي ٦ / ٨٤ من طريق هشيم
عن ابن عون، عنه. فالذي يظهر أن ابن عون رواه مرة عن النخعي ومرة عن ابن سيرين، والله أعلم.

٣٢٥
باب ٢١ / ح ٧١٧٠
كتاب الأحكام
قوله: ((وقال آخَرونَ منهم: بل يَقْضي به، لأنَّه مُؤْتَمَن)) بفتح الميم اسم مفعول، ((وإنَّما يُراد
بالشَّهادةِ مَعرِفَة الحقّ، فعِلمُه أكثرُ من الشَّهادة)) وهو قول أبي يوسف ومَن تَّبِعَه، ووافَقَهم
الشافعيّ.
قال أبو عليّ الكرابيسيُّ: قال الشافعيّ بمِصرَ فيما بَلَغَني عنه: إن كان القاضي عَدلاً لا
يَحكمُ بعِلمِه في حَدٍّ ولا قِصاص، إلّا ما أُفِرَّ به بينَ يَدَيهِ، ويحكم بعِلمِه في كلِّ الحقوق ممّاً
عِلِمَه قبلَ أن يَليَ القضاء أو بعدَما وليَ. فقَّدَ ذلك بكَونِ القاضي عَدلاً إشارةً إلى أنَّه ربَّما
وليَ القضاء مَن ليس بعَدلٍ بطريق التَّغَلُّب.
قوله: ((وقال بعضهم)) يعني: أهل العراق («يقضي بعِلمِه في الأموال ولا يقضي في غيرها)»
هو قول أبي حنيفة وأبي يوسف فيما نَقَلَه الكرابيسيُّ عنه، إذا رأى الحاكم رجلاً يَزني مَثَلاً لم
يَقضِ بعِلمِه حتَّى تكون بيِّةٌ تَشْهَد بذلك عندَه، وهي روايةٌ عن أحمد، قال أبو حنيفة: القياس
أنَّه يَحِكُم في ذلك كلِّه بعِلمِه، ولكن أدَعُ القياسَ وأستَحسِنُ أن لا يقضي في ذلك بعِلمِه.
تنبيه: اتَّفَقوا على أنَّه يقضي في قَبُول الشّاهد ورَدّه بما يَعلَمه منه من تَجريح أو تَزكية.
ومُحصَّل الآراء في هذه المسألة سبعة، ثالثها: في زمن قَضائه خاصَّةً، رابعها: في مَجلِس
حُكمِه، خامسُها: في الأموال دونَ غيرها، سادسها: مِثلُه وفي القَذف أيضاً، وهو عن بعض
المالكيَّة، سابِعها: في كلِّ شيء إلّا في الحدود، وهذا هو الرَّاجح عندَ الشافعيَّة.
وقال ابن العربيّ: لا يقضي الحاكمُ بعِلمِهِ، والأصل فيه عندَنا الإجماعُ على أنَّه لا يَحِكم
بعِلمِه في الحدود، ثمَّ أحدَثَ بعض الشافعيَّة قولاً مُخرَّجاً أنَّه يجوز فيها أيضاً حينَ رَأوا أنَّها
لازِمَة لهم. كذا قال، فجَرَى على عادته في التَّهويل والإقدام على نَقل الإجماع مع شُهرة
الاختلاف.
قوله: ((وقال القاسم: لا يَنْبَغي للحاكمِ أنْ يَقْضي قضاءً بعِلْمِه)» في رواية الكُشمِيهَنيّ: يَمْضي.
قوله: ((دونَ عِلم غيره)) أي: إذا كان وحدَه عالماً به لا غيرُه.
قوله: ((ولكنَّ) بالتَّشديد، وفي نُسخَة بالتَّخفيف و((تَعرُّضٌ)) بالرَّفع.

٣٢٦
باب ٢١ / ح ٧١٧١
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وإيقاعاً)) عَطف على تَعرُّضاً، أو نُصِبَ على أنَّه مفعول معه، والعاملُ فيه مُتَعلَّقُ
الظَّرِف.
والقاسمُ المذكور كنت أظُنُّ أنَّه ابنُ محمَّد بن أبي بكر الصِّدّيق أحدُ الفُقَهاء السَّبعة من
أهل المدينة؛ لأنَّه إذا أُطلِقَ في الفُروع الفقهيَّة انصَرَفَ الذِّهنُ إليه، لكن رأيتُ في روايةٍ عن
١٦٢/١٣ أبي ذرِّ أنَّه القاسم بن عبد الرَّحمن بن عبد الله بن مسعود، وهو الذي/ تقدَّم ذِكرُه قريباً في
((باب الشَّهادة على الخطّ))(١)، فإن كان كذلك فقد خالَفَ أصحابَه الكوفيّينَ، ووافَقَ أهلَ
المدينة في هذا الحُكم، والله أعلم(٢).
قوله: ((وقد كَرِهَ النَّبِيُّ ◌َيهِ الظَّنّ فقال: إنَّما هذه صَفيَّة)) هو طَرَف من الحديث الذي
وَصَلَه بعدُ.
٧١٧١- حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا إبراهيمُ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عليّ بنِ حُسَينِ: أنَّ
النبيَّ ◌َ أَتَتْهِ صَفِيَّةُ بنتُ حُبَيّ، فلمَّا رَجَعَتِ انطَلَقَ معها، فمَرَّ به رجلان منَ الأنصار فدعاهُما،
فقال: ((إنَّما هي صَفِيَّةُ)) قالا: سُبْحانَ الله! قال: ((إنَّ الشَّيطانَ يَخْرِي مِنِ ابنِ آدمَ تَجَرَى الدَّمِ)).
رواه شُعَيبٌ وابنُ مُسافِرٍ وابنُ أبي عَتِيقٍ وإسحاقُ بنُ يحيى، عن الزّهْريِّ، عن عليٍّ - يعني
ابنَ حُسَينٍ - عن صَفِيّةَ، عن النبيِّ وَّ.
وقوله في الطَّريق الموصولة: ((عن عليّ بن الحسين)) أي: ابن عليّ بن أبي طالب، وهو
الملَقَّب بزَينِ العابدينَ.
قوله: ((أنَّ النَّبِيّ ◌َّهِ أَتَتْه صَفيَّةُ بنت حُبِيّ) هذا صورته مُرسَل، ومن ثَمَّ عَقَّبَه البخاريّ
بقوله: ((رواه شُعَيبٌ وابن مُسافِرٍ وابن أبي عَتيق وإسحاق بنُ يحيى عن الزُّهْريّ عن عليّ، أي:
(١) بين يدي الحديث رقم (٧١٦٢).
(٢) تعقب العينيُّ الحافظَ على هذا الكلام بقوله: الكلام في صحة رواية أبي ذر، على أن هذه المسألة فقهية،
وعند الفقهاء إذا أُطلق القاسم يراد به القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، ولئن سلَّمنا صحة رواية أبي
ذر فإطباق الفقهاء على أنه إذا أُطلق يراد به ابن محمد بن أبي بكر أرجح من كلام غيرهم. انظر: ((عمدة
القاري)) ٢٤٩/٢٤.

٣٢٧
باب ٢١ / ح ٧١٧١
كتاب الأحكام
ابن الحسين، عن صَفيَّة)) يعني: فَوَصَلوه، فتُحمَل رواية إبراهيم بن سعد على أنَّ عليّ بن
حسين تَلَقّاه عن صَفيَّة، وقد تقدَّم مِثلُ ذلك في رواية سفيان عن الزُّهْريّ مع شرح حديث
صَفيَّة مُستَوفَّى في كتاب الاعتكاف (٢٠٣٩)، فإنَّه ساقَه هناك تامّاً وأورَدَه هنا مُختصَراً.
ورواية شُعَيب - وهو ابن أبي حمزة - وَصَلَها المصنّف في الاعتكاف أيضاً (٢٠٣٥)،
وفي كتاب الأدب (٦٢١٩).
ورواية ابن مُسافر - وهو عبدُ الرَّحمن بن خالد بن مُسافِرِ الفَهْمِيُّ - وَصَلَها أيضاً في
الصوم (٣٠٣٨)، وفي فرض الخُمُس (٣١٠١).
ورواية ابن أبي عَتيق - وهو محمَّد بنُ عبد الله بن محمَّد بن عبد الرَّحمن بن أبي بكر
الصِّدّيق - وَصَلَها المصنّف في الاعتكاف (٢٠٣٩) وأورَدَها في الأدب أيضاً مقرونةً بروايةٍ
شُعَيب.
وروايةُ إسحاق بن يحيى وَصَلَها الذُّهليُّ في ((الزُّهْرِيّات))، ورواه عن الزُّهْريّ أيضاً
مَعمَر، فاختُلِفَ عليه في وصله وإرساله؛ فتقدَّم موصولاً في صِفَة إبليس (٣٢٨١) من رواية
عبد الرَّزّاق عنه، ومُرسَلاً في فرض الخُمُس(١) من رواية هشام بن يوسف عن مَعمَر، وأورَدَها
النَّسائيُّ موصولةً (ك٣٣٢٠) من رواية موسى بن أعيَن عن مَعمَر، ومُرسَةً (ك٣٣٤٥) من
رواية ابن المبارَك عنه، ووَصَلَه أيضاً عن الزُّهْريّ عثمانُ بنُ عمر بن موسى النَّيميُّ عند ابن
ماجَهْ (١٧٧٩) وأبي عَوَانة في ((صحيحه))، وعبد الرَّحمن بن إسحاق عند أبي عَوانَة أيضاً،
وهُشَيمٌ عند سعيد بن منصور، وآخَرونَ.
ووجه الاستدلال بحديثٍ صَفيَّة لمن مَنَعَ الحُكم بالعِلمِ: أنَّه ◌َّ كَرِهَ أن يقع في قلب
الأنصاريَّينِ من وسوَسَة الشَّيطان شيء، فمُراعاةٌ نَفي التُّهمَة عنه مع عِصمَته تَقْتَضي مراعاةَ
نَفي التُّهمَة عمَّن هو دونَه، وقد تقدَّم في ((باب مَن رأى للقاضي أن يَحكم بعِلمِهِ)) (٧١٦١)
بيان حُجَّة مَن أجازَ ومَن مَنَعَ بما يُغني عن إعادته هنا.
(١) بل في الاعتكاف (٢٠٣٨) مقرونة برواية عبد الرحمن بن خالد.

٣٢٨
باب ٢٢ / ح ٧١٧٢
فتح الباري بشرح البخاري
٢٢ - باب أمرِ الوالي إذا وجَّهَ أميرَينِ إلى موضعٍ
أَنْ يَتَطاوَعا ولا يَتَعاصَیا
٧١٧٢ - حدَّثْنا محمَّدُ بنُ بِشَّارٍ، حَدَّثنا العَقَدِيُّ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن سعيدِ بنِ أبي بُرْدةَ، قال:
سمعتُ أبي، قال: بَعَثَ النبيُّ ◌َّه أبي ومُعاذَ بنَ جبلٍ إلى اليَمَنِ، فقال: ((يَسِّرا ولا تُعَسِّرا، وبَشِّرا
ولا تُنفِّرا، وتَطاوَعا)) فقال له أبو موسى: إنَّه يُصنَعُ بأرضِنا البِتْعُ؟ فقال: ((كلَّ مُسْكِرٍ حَراٌ)).
وقال النَّضْرُ وأبو داودَ ويزيدُ بنُ هارونَ ووَكِيعٌ: عن شُعْبةَ، عن سعيدٍ بن أبي بُردَة، عن
أبيه، عن جَدِّه، عن النبيِّ ◌ِل.
قوله: ((بابُ أمرِ الوالي إذا وَجَّهَ أميرَينٍ إلى موضعٍ أنْ يَتَطَاوَعا ولا يَتَعاصَيا)) بِمُهمَلَتینِ
وياء تحتانيَّة، ولبعضِهِم بِمُعجَمتَينِ وموحّدة. ذكر فيه حديث أبي بُردَة: بَعَثَ النَّبِيّ ◌َّ أَبي
- يعني: أبا موسى - ومُعاذَ بنَ جبل، وقد تقدَّم الكلام عليه في كتاب الدّيات (٦٩٢٣)،
وقبلَ ذلك في أواخر المغازي (٤٣٤١).
قوله: (يَسِّرًا (١)» تقدَّم شرحُه في المغازي.
قوله: ((وَتَطاوَعا)) أي: تَوافَقًا في الحُكم ولا تَخْتَلِفا، لأنَّ ذلك يُؤَدّي إلى اختلاف أتباعكما،
فيُفضي إلى العَداوَة ثمَّ المحارَبة، والمَرجِع في الاختلاف إلى ما جاءَ في الكتاب والسُّنَّة، كما
١٦٣/١٣ قال تعالى: ﴿فَإِن نَزَعْنُمْ فِ شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]،/ وسيأتي مزيدُ بيانٍ لذلك
في كتاب الاعتصام إن شاء الله تعالى.
قوله: ((وقال النَّضْرِ وأبو داودَ ويزيدُ بن هارون ووَكيعٍ: عن شُعْبة، عن سعيد بن أبي بُرْدَة،
عن أبيه، عن جَدّه)) يعني: موصولاً، ورواية النَّضر وأبي داود ووَكيع تقدَّم الكلام عليها في
أواخر المغازي في ((باب بَعثِ أبي موسى ومُعاذٍ إلى اليمن))، ورواية يزيد بن هارون وَصَلَها
أبو عَوانَة في «صحيحه)) (٧٩٥١) والبَيْهَقيُّ (٨٦/١٠).
(١) تحرفت في (س) إلى: بَشِّرا.

٣٢٩
باب ٢٢ / ح ٧١٧٢
كتاب الأحكام
قال ابن بَطّال وغيره: في الحديث الحَضُّ على الاتّفاق لما فيه من ثَبات المحبَّة والأُلْفَة
والتَّعاوُن على الحقّ، وفيه جواز نَصْب قاضيَينٍ في بلدٍ واحد، فيَقعُد كلّ منهما في ناحية.
وقال ابن العربيّ: كان النَّبِيّ ◌َّلِ أَشَرَكَهما فيما ولّاهما، فكان ذلك أصلاً في تَولية اثنَيْنِ
قاضيَينِ مُشتَرِكَينٍ في الولاية. كذا جَزَمَ به، قال: وفيه نَظَر، لأنَّ محلّ ذلك فيما إذا نَفَذَ حُكمُ
كلٍّ منهما فيه.
لكن قال ابن المنيِّر: يحتمل أن يكون ولّاهما ليَشتَرِكا في الحُكم في كلِّ واقعَة، ويحتمل أن
يَستَقِلّ كلّ منهما بما يَحكم به، ويحتمل أن يكون لكلٍّ منهما عملٌ يَخُصّه، والله أعلمُ كيف كان.
وقال ابن التِّين: الظّاهر اشتراكُهما، لكن جاءَ في غير هذه الرِّواية أنَّه أمَّرَ(١) كلّ منهما على
◌ِخِلاف، والمِخلاف: الكُورَة، وكان اليمن مِخلافَين.
قلت: وهذا هو المعتمَد، والرِّواية التي أشارَ إليها تقدَّمَت في غَزْوة حُنَين (٤٣٤١) بِاللَّفْظِ
المذكور، وتقدَّم في المغازي أنَّ كلَّ منهما كان إذا سارَ في عمله زارَ رفيقَه، وكان عمل مُعاذ
النُّجودَ وما تعالى من بلاد اليمن، وعَمَل أبي موسى التَّهائمَ وما انخَفَضَ منها، فعلى هذا
فأمْرُهُ وَ ◌َّلهما بأن يَتَطاوَعا ولا يَتَخالَفا محمولٌ على ما إذا اتَّفَقَت قضيَّةٌ يَحتاج الأمر فيها إلى
اجتماعهما، وإلى ذلك أشارَ في التَّرجمة، ولا يَلزَم من قوله: ((تَطاوَعا ولا تَخْتَلِفا)) أن يكونا
شَرِيكَينِ كما استَدَلَّ به ابن العربيّ.
وقال أيضاً: فإذا اجتَمَعا فإن اتَّفَقا في الحُكم وإلّا تَبَاحَثا حتَّى يَتَّفِقا على الصَّواب، وإلّا
رَفَعا الأمرَ لمن فوقَهما.
وفي الحديث الأمرُ بالتَّيسيرِ في الأُمور، والرِّفقِ بالرَّعيَّة، وتَحبيب الإيمان إليهم، وتركِ
الشِّدَّة لئلّا تَنِفِرَ قلوبهم، ولا سيّما فيمَن كان قريبَ العهد بالإسلام، أو قارَبَ حَدَّ التكليف
من الأطفال ليَتَمَكَّنَ الإيمان من قلبه ويَتَمَرَّن عليه، وكذلك الإنسانُ في تَدریبِ نفسه على
العمل إذا صَدَقَت إرادته لا يُشَدِّد عليها، بل يَأْخُذها بالتَّدريج والتَّيسير حتَّى إذا أنِسَت بحالةٍ
(١) تحرفت في (س) إلى: أقرّ.

٣٣٠
باب ٢٣ / ح ٧١٧٣
فتح الباري بشرح البخاري
ودامَتْ عليها نَقَلَها لحالٍ آخَرَ، وزاد عليها أكثر من الأُولى حتَّى يَصِل إلى قَدْر احتمالها، ولا
يُكلِّفها ما لعلّها تَعچِز عنه.
وفيه مشروعيَّة الزّيارة وإكرام الزّائر، وأفضليَّةٌ مُعاذٍ في الفقه على أبي موسى، وقد
جاءَ: ((أعلمُهم بالحلالِ والخَرام معاذ بن جبل)) أخرجه التِّرمِذيّ (٣٧٩٠ و ٣٧٩١) وغيره(١)
من حديث أنس.
٢٣ - باب إجابةِ الحاكم الدَّعْوةَ
وقد أجابَ عُثمانُ بن عفّان عبداً للمُغِيرةِ بنِ شُعْبةً.
٧١٧٣- حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن سفيانَ، حدَّثني منصورٌ، عن أبي وائلٍ،
عن أبي موسى، عن النبيِّ وََّ، قال: ((فُّوا العانيَ، وأجِيبوا الدّاعي)).
قوله: ((بابُ إجابة الحاكمِ الدَّعْوَة)) الأصل فيه عمومُ الخبر ووُرودُ الوَعيد في التَّرك من
قوله: ((ومَن لم يُجِب الدَّعوَة فقد عَصَى الله ورسوله))، وقد تقدَّم شرحه في أواخر النِّكاح
(٥١٧٧).
وقال العلماء: لا يُجيب الحاكم دَعوةَ شخصٍ بعينِهِ دونَ غيره من الرَّعيَّة، لما في ذلك
من كسر قلب مَن لم يُحِبِه، إلّا إن كان له عُذرٌ في ترك الإجابة كَرُؤية المنكَرِ الذي لا يُجَابُ
إلى إزالته، فلو كَثُرَت بحيثُ تَشغَله عن الحُكم الذي تَعَّنَ عليه ساغَ له أن لا يُحِيب.
قوله: ((وقد أجابَ عُثمان بن عَفّانَ عبداً للمُغيرةِ بن شُعْبة)) لم أقِف على اسم العبد المذكور،
١٦٤/١٣ والأثَر رُوِّيناه موصولاً في ((فوائد أبي محمَّد/بن صاعد)) وفي ((زَوائد البِرّ والصِّلة)) لابنِ المبارَك
بِسَنَدٍ صحيح إلى أبي عثمان النَّهديّ: أنَّ عثمان بن عَفّانَ أجابَ عبداً للمُغيرةِ بن شُعْبة دَعاه
وهو صائم فقال: أَرَدتُ أن أُجيب الدّاعي وأدعو بالبَرَكَة.
ثم ذكر حديث أبي موسى: ((فُكّوا العانيَ)) بِمُهمَلِةٍ ثمَّ نون: هو الأسير ((وأَجيبوا الدّاعيّ)»،
وهو طَرَف من حديثٍ تقدَّم في الوليمة (٥١٧٤)، وغيرها (٣٠٤٦) بأتمَّ من هذا.
(١) أخرجه ابن ماجه (١٥٤)، والنسائي في ((الكبرى)) (٨١٨٥) و(٨٢٢٩).

٣٣١
باب ٢٤ / ح ٧١٧٤
كتاب الأحكام
قال ابن بَطّالٍ عن مالك: لا يَنبَغي للقاضي أن يُجيب الدَّعوَة إلّا في الوليمة خاصَّة، ثمَّ
إن شاءَ أكَلَ وإن شاءَ تَرَكَ، والتَّركُ أحَبُّ إلينا لأَنَّه أنزَه، إلّا أن يكون لأخ في الله أو خالِصِ
قَرابةٍ أو مَوَدَّة. وكَرِهَ مالك لأهلِ الفَضل أن يُحسبوا كلَّ مَن دَعاهم. انتهى، وقد تقدَّم تفصيل
أحكام إجابة الدَّعوَة في الوليمة وغيرها بما يُغني عن إعادته.
٢٤ - باب هدایا العُمّال
٧١٧٤- حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، عن الزُّهْريِّ، أنَّه سَمِعَ عُرْوةَ، أخبرنا أبو
مُميدِ السّاعِدِيُّ، قال: استَعمَلَ النبيُّ ◌َ رجلاً مِن بني أسْدٍ يُقالُ له: ابنُ الأَتَبِّةِ على صَدَقةٍ،
فلمَّا قَدِمَ قال: هذا لكم وهذا أُهْدِيَ لي، فقامَ النبيُّ وَِّ على المِيرِ - قال سفيانُ أيضاً: فصَعِدَ
المِبرَ - فحَمِدَ الله وأثنَى عليه، ثمَّ قال: «ما بالُ العامِلِ نَبَعَتُهُ فيأتي فيقولُ: هذا لكَ وهذا لي،
فَهَلَا جَلَسَ في بيتِ أبيه وأُمِّه فيَنظُرُ أيُهدَى له أم لا؟ والذي نفسي بيده، لا يأتي بشيءٍ إلا جاءَ به
يومَ القيامةِ يَحِمِلُه على رَقَبْتِهِ، إنْ كان بَعِيراً له رُغاءٌ، أو بقرةً لها خوارٌ، أو شاةً تَيْعَرُ)). ثمَّ رَفَعَ
يَدَيه حتَّى رأينا عُفْرَتَي إبطَيه ((ألا هل بَلَّغْت؟)) ثلاثاً.
قال سفيانُ: قَصَّه علينا الزُّهْريُّ، وزادَ هشامٌ عن أبيه، عن أبي مُميدٍ، قال: سَمِعَ أُذُنِي
وأبصَرَتْه عَيْنِي، واسألُوا زيد بنَ ثابتٍ فإنَّه سَمِعَه مَعِي. وَلَمْ يَقُلِ الزُّهْريُّ: سَمِعَ أُذُنِي.
﴿خُوَارُ﴾: صوتٌ، والجُؤْارُ: مِن تَجْأرونَ كصوتِ البَقَر.
قوله: ((بابُ هَدايا العُمّال)) هذه التَّرجمة لفظ حديث أخرجه أحمد (٢٣٦٠١) وأبو عَوانَة
(٧٠٧٣) من طريق يحيى بن سعيد الأنصاريّ عن عُروَة عن أبي حُميدٍ رَفَعَه: ((هَدايا العُمّال
غُلول))، وهو من رواية إسماعيل بن عيَّاش عن يحيى، وهي من رواية إسماعيل عن الحجازيِّين،
وهي ضعيفة، ويُقال: إِنَّه اختَصَرَه من حديث الباب كما تقدَّم بيان ذلك في الهِبة (٢٥٩٧)، وأورَدَ
فيه قصَّة ابن اللُتبيَّة، وقد تقدَّم بعضُ شرحها في الهِبة، وفي الزَّكاة (١٥٠٠)، وفي ترك الحِيَل
(٦٩٧٩)، وفي الجُمُعة (٩٢٥)، وتقدَّم شيءٌ مَمَّ يَتَعلَّق بالغُلولِ في كتاب الجهاد (٣٠٧٣ و٣٠٧٤).
قوله: ((سُفْيان)) هو ابنُ عُيَينَ.

٣٣٢
باب ٢٤ / ح ٧١٧٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((عن الزُّهْريّ)) قد ذكر في آخره ما يَدُلُّ على أنَّ سفيان سَمِعَه من الزُّهْريّ؛ وهو
قوله: قال سفيان: قَصَّه علینا الزُّهْريّ. ووقع في رواية الحميديِّ في «مُسنَدہ)) (٨٤٠) عن
سفيان: حدَّثنا الزّهْريّ، وأخرجه أبو نُعَيم من طريقه، وعند الإسماعيليّ من طريق محمَّد
ابن منصورٍ عن سفيان قال: قَصَّه علينا الزُّهْرِيُّ وحَفِظناه.
قوله: ((أَنَّ سَمِعَ عُرْوَة)) في رواية شُعَيب عن الزُّهْريّ في الأيمان والنُّدور (٦٦٣٦):
أخبرني عُروَة.
قوله: ((استَعمَلَ النَّبِيُّ ◌ََّ رجلاً من بني أسْد)) بفتح الهمزة وسكون السّين المهمَلة، كذا
وَقَعَ هنا وهو يوهِم أنَّه بفتح السّين نسبةً إلى بني أسد بن خُزيمةَ القبيلة المشهورة، أو إلى
بني أسَد بن عبد العُزَّى بطن من قُرَيش، وليس كذلك، وإنَّما قلت: إنَّه يوهِمِه، لأنَّ الأزْد تُلازِمه
الألف واللام في الاستعمال أسماءً وأنساباً، بخلاف بني أسد فبغير ألف ولام في الاسم.
١٦٥/١٣ ووَقَعَ/ في رواية الأَصِيليِّ هنا: من بني الأسْد، بزيادة الألف واللام، ولا إشكال فيها مع سكون
السّين، وقد وَقَعَ في الهِبة: عن عبد الله بن محمَّدٍ الْجُعفيِّ عن سفيان: استَعمَلَ رجلاً من
الأزْد، وكذا قال أحمد (٢٣٥٩٨) والحُميديّ (٨٦٣) في ((مُسنَدَيِما)) عن سفيان، ومثله لمسلمٍ
(٢٨/١٨٣٢) عن أبي بكر بن أبي شيبةً وغيره عن سفيان، وفي نُسخَة بالسِّين المهمَلة بَدَل
الزّاي، ثمَّ وَجَدت ما يُزيل الإشكال إن ثَبَتَ، وذلك أنَّ أصحاب الأنساب ذَكَروا أنَّ في
الأزدِ بطناً يُقال لهم: بنو أَسَد - بالتَّحريكِ - يُنسَبونَ إلى أسَد بن شُرَيك - بالمعجَمَةِ مُصغَّراً -
ابن مالك بن عمرو بن مالك بن فَهْم، وبنو فَهْم: بطنٌ شهير من الأزد، فيحتمل أنَّ ابن
الأَتْبَيَّة كان منهم فيَصِحّ أن يُقال فيه: الأزديُّ، بسكونِ الزّاي، والأسديّ بسكونِ السّين
وبفتحِها من بني أسَد بفتح السّين، ومن بني الأزْدِ أو الأسْد بالسُّكونِ فيهما لا غيرُ،
وذَكَرُوا مَمَّن يَنْتَسِبُ كذلك مُسدَّداً شيخَ البخاريّ.
قوله: ((يُقال له: ابن الأَتَبيَّة)) كذا في رواية أبي ذرِّ بفتح الهمزة والمثّاة وكسر الموحَّدة، وفي
الهامش باللّم بَدَل الهمزة، كذلك ووَقَعَ كالأوَّلِ لسائرِهِم، وكذا تقدَّم في الهِبة، وفي رواية

٣٣٣
باب ٢٤ / ح ٧١٧٤
كتاب الأحكام
مسلم (٢٦/١٨٣٢) باللّام المفتوحة ثمَّ المثنّة السّاكنة، وبعضهم يَفتَحها، وقد اختُلِفَ على
هشام بن عُروَة عن أبيه أيضاً أنَّه باللّام أو بالهمزةِ، كما سيأتي قريباً (٧١٩٧) في ((باب
مُحَاسَبة الإمام عُمَاله)) بالهمزة، ووَقَعَ لمسلمٍ باللّم. وقال عِيَاض: ضَبَطَه الأَصِيليُّ بِخَطِّه في
هذا الباب بضمِّ اللّام وسكون المثنّاة، وكذا قَيَّدَه ابن السَّكَن، قال: وهو الصَّواب، وكذا
قال ابن السَّمعانيّ: ابن اللَّتَبَّة بضمِّ اللّام وفتح المثنّاة، ويُقال: بالهمز بَدَل اللّام، وقد تقدَّم
أنَّ اسمه عبد الله، واللُّتبيَّة أمُّه لم نَقِف على تَسميتها.
قوله: ((على صَدَقة)) وَقَعَ في الهِبة: ((على الصَّدَقة))، وكذا لمسلم، وتقدَّم في الزَّكاة تعيينُ
مَن استُعمِلَ عليهم.
قوله: ((فلمَّا قَدِمَ قال: هذا لكم وهذا أُهْدِيَ لي)) في رواية مَعمَر عن الزُّهْريّ عند مسلم:
فجاءَ بالمالِ فَدَفَعَه إلى النَّبِيّ ◌َّ فقال: هذا مالُكم وهذه هَديَّةٌ أُهديَت لي.
وفي رواية هشام الآتية قريباً (٧١٩٧): فلمَّا جاءَ إلى النَّبِيّ ◌َ لّهِ وحاسَبَه قال: هذا الذي
لكم، وهذه هَديَّةٌ أُهدیت لي.
وفي رواية أبي الزناد عن عُروَة عند مسلم (٢٩/١٨٣٢): فجاءَ بسوادٍ كثير - وهو بفتح
المهمَلة وتخفيف الواو - فجَعَلَ يقول: هذا لكم وهذا أُهديَ لي. وأوَّلُه عند أبي عَوانَة (٧٠٦٩):
بَعَثَ مُصَدِّقاً إلى اليمن، فذكره. والمراد بالسَّوادِ: الأشياء الكثيرة والأشخاص البارزة من
حيوانٍ وغيره، ولفظ السَّواد يُطلَق على كلِّ شخص. ولأبي نُعَيم في ((المستَخرَج)) من هذا
الوجه: فأرسَلَ رسول الله وَّهِ مَن يَتَوَى منه، وهذا يَدُلّ على أنَّ قوله في الرّواية المذكورة:
فلمَّا جاءَ حاسَبَه، أي: أمَرَ مَن يُحاسِبُه ويَقِضُ منه.
وفي رواية أبي نُعَيم أيضاً: فجَعَلَ يقول: هذا لكم وهذا لي، حتَّى مَيَّزه. قال: يقولون:
من أينَ هذا لك؟ قال: أُهديَ لي، فجاؤوا إلى النَّبِيّ ◌َّ بما أعطاهم.
قوله: ((فقامَ النَّبِّ وَِّ على المِنْبَرَ)) زاد في رواية هشام قبلَ ذلك: فقال: ((ألا جَلَست في
بيت أبيك وبيت أمّك حتَّى تأتيك هَديَّتُك إن كنت صادِقاً؟)) ثمَّ قامَ فخَطَبَ.

٣٣٤
باب ٢٤ / ح ٧١٧٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((قال سُفْيان أيضاً: فصَعِدَ الِنِبَرَ)) يريد أنَّ سفيان كان تارَة يقول: قامَ، وتارَة:
صَعِدَ، ووَقَعَ في رواية شُعَيب: ثمَّ قامَ النَّبِّ وَّهِ عَشِيَّةً بعدَ الصلاة، وفي رواية مَعمَر عند
مسلم: ثمَّ قامَ النَّبِيُّ ◌َله خطيباً، وفي رواية أبي الزِّناد عند أبي نُعَيم: فصَعِدَ المِنِبَر وهو مُغضَبٌ.
قوله: ((ما بالُ العامِلِ نَبْعَته فيأتي فيقول)) في رواية الكُشمِيهَنِيّ: ((يقول)» بحَذْفِ الفاء،
وفي رواية شُعَيب: ((فما بالُ العامل نَستَعمِله فيأتينا فيقول))، ووَقَعَ في رواية هشام بن عُروَة:
((فإنّي أستَعمِل الرجلَ منكم على أُمورٍ ممّا ولّاني الله)).
قوله: ((هذا لك وهذا لي)) في رواية عبد الله بن محمَّد: ((هذا لكم وهذا أُهديَ لي))، وفي
رواية هشام: ((فيقول: هذا الذي لكم، وهذه هَديَّةٌ أُهدَيَت لي)) وقد تقدَّم ما في رواية أبي
الزِّناد من الزّيادة.
قوله: «فَهَلَّ جَلَسَ في بيت أبيه وأُمّه فيَنظُرُّ أيُهدَى له أم لا؟» في/ رواية هشام: «حتَّى تأتيه
هَدیَّته إن كان صادقاً)).
١٦٦/١٣
قوله: ((والذي نفسي بيَلِهِ)) تقدَّم شرحُه في أوائل كتاب الأيمان والنُّذورِ (٦٦٢٨ -٦٦٤٥).
قوله: ((لا يأتي بشيءٍ إلّا جاءَ به يومَ القيامة)) يعني: لا يأتي بشيءٍ يَجوزُه لنفسِه، ووَقَعَ في
رواية عبد الله بن محمَّد: ((لا يَأْخُذ أحدٌ منها شيئاً)، وفي رواية أبي بكر بن أبي شَيبة: ((لا يَنالُ
أحدٌ منكم منها شيئاً)، وفي رواية أبي الزِّناد عند أبي عَوانَة: ((لا يَغُلّ منه شيئاً إلّا جاءَ به))(١)
وكذا وَقَعَ في رواية شُعَيب عند المصنِّف، وفي رواية مَعمَر عند الإسماعيليّ، كلاهما بلفظ: ((لا
يَغُلّ)) بضمِّ الغَين المعجَمَة من الغُلول، وأصله الخيانة في الغَنيمة، ثمَّ استُعمِلَ في كلِّ خيانة.
قوله: ((يَحِمِلُهُ على رَقَبِه)) في رواية أبي بكر: ((على عُنُقُه))، وفي رواية هشام: ((لا يَأْخُذ أحدُكم
منها شيئاً - قال هشام : - بغير حَقّه))، ولم يقع قوله: ((قال هشام)) عند مسلم (٢٧/١٨٣٢)
في رواية أبي أُسَامَة المذكورة، وأورَدَه (٢٨/١٨٣٢) من رواية ابن نُمَير عن هشام بدون
قوله: ((بغير حَقّه)) وهذا مُشعِرٌ بإدراجها.
(١) بل في رواية معمر عنده برقم (٧٠٦٣)، وفي رواية شعيب برقم (٧٠٦٦)، أما رواية أبي الزناد عنده
(٧٠٦٩) فليس فيها ما ذكره.

٣٣٥
باب ٢٤ / ح ٧١٧٤
كتاب الأحكام
قوله: ((إنْ كان)) أي: الذي غَلَّهُ ((بعيراً له رُغاء)» بضمِّ الرَّاء وتخفيف المعجَمَة مع المدّ: هو
صوت البعير.
قوله: ((خوار)) يأتي ضَبطُه.
قوله: ((أو شاةً تَيْعَر)) بفتح المثنّاة الفَوقائيّة وسكون التَّحتانيَّة بعدَها مُهمَلة مفتوحة
ويجوز كسرها، ووَقَعَ عندَ ابن التِّين: ((أو شاة لها يَعار)) ويُقال: ((يُعار)) قال: وقال القَزّاز:
هو يَعار بغير شَكّ - يعني: بفتح التَّحتائيَّة وتخفيف المهمَلة - وهو صوت الشّاة الشَّديد.
قال: واليُعار ليس بشيءٍ، كذا فيه، ولم أرَه هنا في شيء من نُسَخ ((الصَّحيح))، وقال غيره:
الْيُعار بضمٍّ أوَّله: صوت المَعْزِ، يَعَرَتِ العَنز تَيْعَر بالكسرِ وبالفَتح يُعاراً: إذا صاحَت.
قوله: ((ثُمَّ رَفَعَ يَدَيه حتَّى رأينا عُفْرَتَي إِيْطَيِهِ)) وفي رواية عبد الله بن محمَّد: ((عُفْرَةَ إِيطِهِ))
بالإفراد، ولأبي ذَرّ: ((عَفْر)) بفتح أوَّله، ولبعضِهِم: بفتح الفاء أيضاً بلا هاء، وكالأوَّلِ في
رواية شُعَيب بلفظ: ((حتَّى إنّا لنَنظُر إلى)) والعُفرَة بضمِّ المهمَلة وسكون الفاء تقدَّم شرحها
في كتاب الصلاة(١) وحاصله أنَّ العُفْر بياض ليس بالناصع.
قوله: ((ألا)) بالتَّخفيفِ ((هَلْ بَلَّغْت)) بالتَّشديد ((ثلاثاً) أي: أعادَها ثلاث مرَّات. وفي رواية
عبد الله بن محمَّد في الهِبة: ((اللهُمَّ هل بَلَّغْت، اللهُمَّ هل بَلَّغْت)) ثلاثاً. وفي رواية مسلم:
قال: ((اللهُمَّ هل بَلَّغت)) مرَّتَين، ومِثله لأبي داود (٢٩٤٦) ولم يَقُل: مرَّتَيْنِ، وصَرَّحَ في
رواية الْحُميديِّ بالثّالثَة: ((اللهُمَّ بَلَّغت))، والمراد بَلَّغتُ حُكمَ الله إليكم امتثالاً لقوله تعالى
له: ﴿بَلِّغْ﴾ [المائدة: ٦٧] وإشارةً إلى ما يقع في القيامة من سؤال الأَمَم: هل بَلَّغَهم أنبياؤُهم
ما أُرسِلوا به إليهم.
قوله: ((وزاد هشام)) هو من مَقُول سفيان وليس تعليقاً من البخاريّ، وقد وَقَعَ في رواية
الْحُميديِّ عن سفيان: حدَّثنا الزّهْرِيُّ وهشامُ بن عُرُوَة، قالا: حدَّثنا عُروَةُ بن الزُّبَيرِ، وساقَه
عنهما مساقاً واحداً، وقال في آخره: قال سفيان: زاد فيه هشام.
(١) بل تقدم شرحه في كتاب الهبة (٢٥٩٧)، وفي كتاب الرقاق (٦٥٢١).

٣٣٦
باب ٢٤ / ح ٧١٧٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((سَمِعَ أُذُّني)) بفتح السّين المهمَلة وكسر الميم، وأُذُني بالإفرادِ بقَرِينةِ قوله: ((وأبصَرَتْه
عَيْنِي)). قال عِيَاض: بسكونِ الصّاد المهمَلة والميم وفتح الرَّاء والعين للأكثَرِ (١). وحَكَى عن
سِيبويه قال: العرب تقول: سَمْعُ أُذُني زيداً بضمِّ العَين. قال عِيَاض: والذي في ترك الحيَل
وجهُهُ النَّصب على المصدر؛ لأنَّه لم يَذكُرِ المَفعول. وقد تقدَّم القولُ في ذلك في ترك الحيل.
وَقَعَ عند مسلم في رواية أبي أُسَامَة: (بَصْرُ وسَمْعُ)) بالسُّكونِ فيهما، والتَّنية في أُذُنَيَّ
وعَينَيَّ، وعنده في رواية ابن ثُمَير: بَصْرَ عَيناي وسَمِعَ أُذُناي، وفي رواية ابن جُرَيجٍ عن
هشام عند أبي عَوانَة (٧٠٥٩): بَصُرَ عَينا أبي حُميدٍ وسَمِعَ أُذُناه. قلت: وهذا يَتعيَّن أن يكون
بضمِّ الصّاد وكسر الميم.
وفي رواية مسلم من طريق أبي الزّناد عن عُرُوَة: قلت لأبي ◌ُيدٍ: أسَمِعتَه من رسول الله
وَلّه؟ قال: مِن فيه إلى أُذُني. قال النَّوَويّ: معناه: إنَّني أعلَمه عِلماً يقيناً لا أشُكّ في عِلمي به.
قوله: ((واسألُوا(٢) زيد بن ثابتٍ فإنَّه سَمِعَه معي)) في رواية الحُميديّ: فإنَّه كان حاضراً
١٦٧/١٣ معي، وفي رواية الإسماعيليّ/ من طريق مَعمَر عن هشام: يَشهَدُ على ما أقول زيد بن ثابت
يَحُكّ مَنكِبِه مَنكِبي، رأى مِن رسول الله وَ لَّهِ مِثْلَ الذي رأيت، وشَهِدَ مِثْلَ الذي شَهِدت.
وقد ذَكَرتُ في الأيمان والنُّذور أنّي لم أجده من حديث زيد بن ثابت.
قوله: ((ولم يَقُلِ الزُّهْرِيُّ: سَمِعَ أُذُنِي)) هو مَقُول سفيانَ أيضاً.
قوله: ((خوار: صوتٌ، والجُؤْار: من تَجْرونَ كصوتِ البَقَر(٣)» هكذا وَقَعَ هنا وفي رواية
أبي ذرِّ عن الكُشمِيهَنيّ، والأوَّل بضمِّ الخاء المعجَمَة يُفسِّر قولَه في حديث أبي حُميدٍ: (بَقَرَة
لها خوار)) وهو في الرِّواية بالخاءِ المعجَمَة، ولبعضِهِم بالجيم، وأشار إلى ما في سورة طَه ﴿عِجْلًا
جَسَدًا لَّهُ، خُوَارٌ﴾ [طه: ٨٨] وهو صوت العِجل، ويُستَعمَل في غير البقر من الحيوان. وأمّا
قوله: ((والجُؤَار)) فهو بضمِّ الجيم وواو مهموزة ويجوز تسهيلها، وأشارَ بقولِه: ((يَجأرونَ))
(١) يعني: سَمْعَ أذُنِي وبَصْرَ عَينِي.
(٢) في (س): وسلوا.
(٣) في (س): البقرة.

٣٣٧
باب ٢٤ / ح ٧١٧٤
كتاب الأحكام
إلى ما في سورة قد أفلَحَ ﴿بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْتَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٤]، قال أبو عُبَيدَة: أي:
يرفعونَ أصواتهم كما يَجأر الثَّور. والحاصل أنَّه بالجيم وبالخاءِ المعجَمَة بمعنَى، إلّا أنَّه بالخاءِ
للبقَرِ وغيرها من الحيوان، وبالجيم للبقَرِ والناس، قال الله تعالى: ﴿فَإِلَيْهِ تَجْثَرُونَ﴾ [النحل:
٥٣]، وفي قصَّة موسى: (له جُؤْارٌ إلى الله بالتَّلبيةِ)) أي: صوتٌ عالٍ، وهو عند مسلم (١٦٦) من
طريق داود بن أبي هِند عن أبي العاليَة عن ابن عبّاس، وقيل: أصله في البقر واستُعمِلَ في
الناس، ولعلَّ المصنِّف أشارَ أيضاً إلى قراءة الأعمش: ((عِجلاً جسداً له جُؤار)) بالجيم.
وفي الحديث من الفوائد: أنَّ الإمام يَخْطُب في الأُمور المهِمَّة، واستعمالُ ((أمّا بعدُ)) في
الخُطبة كما تقدَّم في الجُمُعة (٩٢٢)، ومشروعيَّةُ مُحاسَبة المؤتَمَن، وقد تقدَّم البحث فيه في
الزَّكاة (١٥٠٠)، ومَنعُ العُمّال من قَبُول الهديَّة مَّن لهم عليه حُكم، وتقدَّم تفصيل ذلك في
ترك الحيّل، ومحلُّ ذلك إذا لم يَأذَن له الإمام في ذلك، لما أخرجه التِّرمِذيّ (١٣٣٥) من
رواية قيس بن أبي حازم عن معاذ بن جبلِ قال: بَعَثَني رسولُ الله وَّه إلى اليمن فقال: ((لا
تُصيبَنَّ شيئاً بغير إذني، فإنَّه غُلول)).
وقال المهلَّب: فيه أنَّهَا إذا أُخِذت تُجُعَل في بيت المال، ولا يَخْتَصّ العامُّ منها إلّا بما أذِنَ
له فيه الإمام، وهو مبنيٌّ على أنَّ ابن اللُّبِيَّة أخَذَ منه ما ذَكَر أنَّه أُهديَ له وهو ظاهر السّياق،
ولا سيّما في رواية مَعمَر قبلُ، ولكن لم أرَ ذلك صريحاً.
ونحوه قولُ ابن قُدامَةَ في ((المغني)) لمَّا ذكر الرِّشوَة: وعليه رَدُّها لصاحبها، ويحتمل أن
تُجُعَل في بيت المال، لأنَّ النَّبِيّ وَّ لم يَأْمُر ابن اللُّتبيَّة بَرَدِّ الهديَّة التي أُهديَت له لمن أهداها.
وقال ابن بَطّال: يَلحَق بَهَديَّة العامل: الهديَّةُ لمن له دَين ممَّن عليه الدَّين، ولكن له أن
◌ُحاسب بذلك من دَینِهِ.
وفيه إيطال كلٌّ طريقٍ يَتَوصَّل بها مَن يَأْخُذ المال إلى محاباة المأخوذِ منه، والانفرادِ بالمأخوذ.
وقال ابن المنيِرِ: يُؤْخَذ من قوله: ((هَلّ جَلَسَ في بيت أبيه وأُمّه)) جوازُ قَبُولَ الهديَّة مَمَّن
كان يُهادِيهِ قبلَ ذلك. كذا قال، ولا يَخْفَى أنَّ مَحَلّ ذلك إذا لم يَزِد على العادة.

٣٣٨
باب ٢٥ / ح ٧١٧٥
فتح الباري بشرح البخاري
وفيه أنَّ مَن رأى مُتَأوَّلاً أخطأ في تَأويلِ يَضُرُّ مَن أَخَذَ به أن يُشهِر القولَ للنّاس، ويُبِّن
خَطَاه ليُحذَرَ من الاغترار به.
وفيه جوازٌ تَوبيخ المخطِئ، واستعمالِ المَفضول في الإمارةِ والإمامة والأمانَة مع وجود
مَن هو أفضلُ منه.
وفيه استِشهادُ الرَّاوي والناقل بقولِ مَن يوافقُه ليكونَ أوقَع في نفس السّامع وأبلَغَ في
طُمَأْنِينَته، والله أعلم.
٢٥ - باب استقْضاءِ المَوالي واستِعْمَالِم
٧١٧٥- حدَّثْنَا عُثمانُ بنُ صالح، حدَّثنا عبدُ الله بنُ وَهْب، أخبرني ابنُ جُرَيج، أنَّ نافعاً
أخبَرَه، أنَّ ابنَ عمرَ رضي الله عنهما، أخبَرَه قال: كان سالمٌ مولى أبي حُذَيفةَ يَؤُمُّ المهاجِرِينَ
الأَوَّلِينَ وأصحابَ النبيِّ وَّهِ في مسجدٍ قُباءٍ، فيهم أبو بكرٍ وعمرُ وأبو سَلَمَةَ وزيدٌ وعامرُ بنُ
رَبیعةً.
١٦٨/١٣ قوله: ((بابُ استقْضاء المَوالي)) أي: تَوليتهم القضاء ((واستعمالهِم)) أي: على إمرَةِ البلاد
حَرباً أو خَراجاً أو صلاة.
قوله: ((كان سالِمٌ مَوْلى أبي حُذَيفة)) تقدَّم التَّعريف به في الرَّضاع(١).
قوله: ((يَؤُمّ المهاجِرِينَ الأوَّلِينَ)) أي: الذينَ سَبَقوا بالهِجْرةِ إلى المدينة.
قوله: ((فيهم أبو بكرٍ وعمرُ وأبو سَلَمةَ)) أي: ابنُ عبد الأسَد المَخزوميّ زوجُ أمّ سَلَمَةَ
أمِّ المؤمنينَ قبلَ النَّبِيّ ◌َّهِ، وزيدٌ، أي: ابن حارثَة، وعامرُ بن رَبيعة، أي: العَنَزَيّ - بفتح
المهمَلة والنُّون بعدَها زاي - وهو مَولى عمر، وقد تقدَّم في كتاب الصلاة في أبواب الإمامة
(٦٩٢) من رواية عُبَيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: لمَّا قَدِمَ المهاجِرونَ الأوَّلونَ
العُصْبةَ موضعٌ بقُباءَ قبلَ مَقدَم النَّبِيّ ◌ََّ كان يَؤُمّهم سالمٌ مَولى أبي حُذَيفة، وكان أكثَرَهم
(١) بل سلف التعريف به في المناقب (٣٧٥٨)، أما في الرضاع فقد ورد ذكره في شرحه على ((باب من قال: لا
رضاع بعد حولين)) في قصته المشهورة في رضاعه من زوجة أبي حذيفة عند الحديث (٥١٠٢).

٣٣٩
باب ٢٥ / ح ٧١٧٥
كتاب الأحكام
قرآناً. فأفادَ سبب تقديمه للإمامة، وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى هناك في ((باب إمامة المَولى))
والجواب عن استشكال عَدِّ أبي بكر الصِّدّيق فيهم؛ لأنَّه إنَّما هاجَرَ صُحبةَ النَّبِيّ وََّ، وقد
وَقَعَ في حديث ابن عمر أنَّ ذلك كان قبلَ مَقْدَم النَّبِيِّ وَّهِ، وذَكَرتُ جواب البَيهَفيِّ بأنَّه
يحتمل أن يكون سالِمٌ استَمرَّ يَؤُمّهم بعدَ أن تَحوَّلَ النَّبِيّ ◌َّهِ إلى المدينة، ونَزَلَ بدارٍ أبي
أيوب قبل بناء مَسجِده بها، فيَحتَمِل أن يُقال: فكان أبو بكر يُصَلّي خَلفه إذا جاءَ إلى قُبَاءَ.
وقد تقدَّم في ((باب الهِجْرة إلى المدينة)) (٣٩٢٥) من حديث البراء بن عازِب: أوَّلُ مَن
قَدِمَ علينا مُصعَبُ بن عُمَير وابن أمّ مكتوم، وكانا يُقرِئان الناس، ثمَّ قَدِمَ بلالٌ وسعدٌ
وعمَّار، ثمَّ قَدِمَ عمرُ بن الخطّاب في عِشرين. وذَكَرتُ هناك أنَّ ابن إسحاق سَمَّى منهم
ثلاثةَ عشرَ نفساً، وأنَّ البَقيَّة يحتمل أن يكونوا من الذينَ ذكرهم ابن جُرَيج، وذَكَرتُ هناك
الاختلاف في أول مَن قَدِمَ مُهاجِراً من المسلمين، وأنَّ الرَّاجح أنَّه أبو سَلَمَةَ بنُ عبد الأسَد،
فعلى هذا لا يَدخُل أبو بكرٍ ولا أبو سَلَمَةَ في العِشرينَ المذكورينَ.
وقد تقدَّم أيضاً في أوَّل الهِجْرة أنَّ ابن إسحاق ذكر أنَّ عامر بن ربيعة أوَّل مَن هاجَرَ،
ولا يُنافي ذلك حديثَ الباب، لأنَّه كان يأتمُّ بسالمٍ بعدَ أن هاجَرَ سالم.
ومُناسَبة الحديث للتَّرجمةِ من جِهَة تقديم سالم وهو مَولّى على مَن ذُكِرَ من الأحرار في
إمامة الصلاة، ومَن كان رِضاً في أمر الدِّين فهو رِضاً في أُمور الدُّنيا، فيجوز أن يوَلَّى
القضاءَ، والإمرَةَ على الحرب، وعلى جِباية الخَراج، وأمّا الإمامةُ العُظمَى فمن شُروط
صِحَّتها أن يكون الإمام قُرَشيّاً، وقد مضى البحث في ذلك في أوَّل كتاب الأحكام
(٧١٣٩)، ويَدخُل في هذا ما أخرجه مسلم (٨١٧) من طريق أبي الطَّفَيل: أنَّ نافع بن
عبد الحارث لَقِيَ عمر بعُسْفانَ، وكان عمر استَعمَلَه على مكَّة فقال: مَن استَعمَلتَ
عليهم؟ فقال: ابنَ أَبزَى، يعني: ابنَ عبد الرَّحمن، قال: استَعمَلتَ عليهم مَولّى؟! قال: إنَّه
قارئٌ لكتابِ الله عالِمٌ بالفرائض، فقال عمر: إنَّ نبيّكم قد قال: ((إنَّ الله يرفعُ بهذا الكتاب
أقواماً ويَضَعُ به آخرین)).

٣٤٠
باب ٢٦ / ح ٧١٧٦ -٧١٧٧
فتح الباري بشرح البخاري
٢٦ - باب العُرَفاءِ للنّاسِ
٧١٧٦، ٧١٧٧ - حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبي أوَيْسٍ، حدَّثني إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، عن عمِّه
موسى بنِ عُقْبةَ، قال ابنُ شِهابٍ: حدَّثني عُرْوةُ بنُ الزُّبَير، أنَّ مروانَ بنَ الحَكَم والمِسوَرَ بنَ
تَرَمَةَ أخبَرَاه، أنَّ رسولَ اللهَ وَّقال حينَ أذِنَ لهم المسلمونَ في عِثْقِ سَبْيٍ هَوازِنَ: ((إنّي لا أدري
مَن أذِنَ فيكم مَّن لم يَأْذَن، فارجِعوا حتَّى يرفعَ إلينا عُرَفاؤكم أمرَكم)) فَرَجَعَ الناسُ فَكَلَّمَهم
عُرَفَاؤُهُم، فرجعوا إلى رسولِ الله وَّةِ، فأخبروه أنَّ الناسَ قد طَيِّوا وأذِنوا.
١٦٩/١٣
قوله: ((باب العُرَفاء للنّاسِ)) بالمهمَلِةِ والفاء: جمع عَرِيف بوَزنٍ عظيم، وهو القائم بأمرٍ
طائفةٍ من الناس، من عَرفتُ بالضَّمِّ وبالفَتحِ على القوم أعرُف بالضَّمّ، فأنا عارفٌ وعَرِيف،
أي: وُلِّيت أمرَ سياسَتِهِم وحِفظَ أُمورهم، وسُمّيَ بذلك لكَونِهِ يَتعرَّف أُمورهم حتَّى يُعرِّف
بها مَن فوقَه عندَ الاحتياج. وقيل: العَريف دونَ المَنكِب(١)، وهو دونَ الأمير.
قوله: ((إسماعيلُ بن إبراهيم)) هو ابن عُقبةَ، والسَّند كلُّه مدنيُّونَ.
قوله: ((قال ابنُ شِهاب)» في رواية محمَّد بن فُلَيح عن موسى بن عُقبةَ: قال لي ابن شِهاب،
أخرجها أبو نُعَیم.
قوله: ((حينَ أذِنَ لهم المسلمونَ في عِثْقِ سَبْي هَوازِن)» في رواية النَّسائيِّ (ك٨٨٢٥) من
طريق محمَّد بن فُلَيح: حين(٢) أذِنَ له، بالإفرادِ، وكذا للإسماعيليِّ وأبي نُعَيم، ووجه الأوَّل
أنَّ الضَّمير للنَّبِّ ◌َّهِ وَمَن تَبِعَه، أو مَن أقامَه في ذلك. وهذه القِطعَة مُقْتَطَعَة من قصَّة السَّبي
الذي غَنِمَه المسلمون في وقعة حُنَينٍ، ونُسِبوا إلى هَوازِن لأنَّهم كانوا رَأس تلك الوَقعَة، وقد
تقدَّمَت الإشارة إلى ذلك وتفصيلُ الأمر فيه في وقعة ◌ُنَينٍ (٤٣١٨)، وأخرجها هناك مُطوَّلة من
رواية عُقيل عن ابن شهاب، وفيه: ((وإنّ رأيت أن أرُدّ إليهم سَبْهم، فمَن أحَبَّ أن يُطيِّبَ ذلك
فليَفْعَل)) وفيه: فقال الناس: قد طَيَّبنا ذلك يا رسولَ الله، فقال: ((إنّا لا نَدري ... )) إلى آخره.
(١) قال ابن الأثير في ((النهاية)) ١١٣/٥: المناكِب: قوم دون العرفاء، واحدهم مَنكِب، وقيل: المنكِب: رأس
العرفاء، وقيل: أعوانه، والنِّكابة: كالعِرَافة والنِّقابة.
(٢) تحرفت في (س) إلى: حتى.