النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ باب ١٦ كتاب الأحكام قوله: ((وقال مُزاحِم)) بضمِّ الميم وتخفيف الزّاي وبَعد الألف حاء مُهمَلة ((ابن زُفَر)) بزاي وفاء وزن عُمَر: هو الكوفيّ، ويُقال: مُزاحِم بن أبي مُزاحِم، ثقةٌ أخرج له مسلم. قوله: ((قال لنا عمرُ بن عبد العزيز)) أي: الخليفةُ المشهور العادِل. قوله: ((خمس إذا أخطأ القاضي منهنَّ خُطَّةٍ)) بضمِّ الخاء المعجَمَة وتشديد الطّاء، كذا لأبي ذرِّ عن غيرِ الكُشمِيهَنيّ، وله عنه: ((خَصْلة)) بفتح أوَّله وسكون الصّاد المهمَلة، وكذا في رواية الباقين، وهما بمعنّی. قوله: ((وصْمَة)) بفتح الواو وسكون الصّاد المهمَلة، أي: عَيْباً. قوله: ((أن يكون)) تفسير لحالِ القاضي المذكور. قوله: ((فِهِماً)) بفتح الفاء وكسر الهاء، وهو من صِيَغ المبالَغة، ويجوز تَسكينُ الهاء أيضاً، ووَقَعَ في رواية المستَمليّ: ((فقيهاً)) والأوَّل أولى لأنَّ خَصْلة الفقه داخلٌ في خَصْلة العِلم، وهي مَذكورَةٌ بعدُ. قوله: ((حَليماً)) أي: يُغضي(١) على مَن يُؤذيه، ولا يُبادِر إلى الانتقام، ولا يُنافي ذلك قولَه بعدَ ذلك: صَليباً؛ لأنَّ الأوَّل في حَقّ نفسه، والثّاني في حَقّ غیرِهِ. قوله: ((عَفيفا)) أي: يَعِفّ عن الحرام، فإنَّه إذا كان عالماً ولم يكُن عَفيفاً كان ضَرَره أشدَّ من ضَرَر الجاهل. قوله: ((صَلیباً)) بِصادٍ مُهمَلة وباء موحّدة، من الصَّلابة، بوزنِ عظيم، أي: قويّاً شديداً يَقِف عندَ الحقّ ولا يَميل مع الهَوَى، ويَستَخلِصِ حَقّ المحِقّ من المبطِلِ ولا يُحابيه. قوله: ((عالماً سَؤولاً عن العِلم)) هي خَصلةٌ واحدة، أي: يكون مع ما يَستَحِضِره من العِلم مُذاكِراً له غيرَه، لاحتمالِ أن يَظهَر له ما هو أقوى ممّا عندَه. وهذا الأثَر وَصَلَه سعيد بن منصور في ((السُّنَن)) عن عبَّاد بن عبَّاد، ومحمَّد بن سعد في ((الطَّقات)) (٣٦٩/٥) عن عَفّانَ، كلاهما(٢) قال: حدَّثنا مُزاحِم بنُ زُفَر قال: قَدِمنا على (١) يغضي: بمعنی یصبر. (٢) رواية ابن سعد في المطبوع من ((الطبقات)): عن عفان، عن عباد بن عباد، عن مزاحم. ٣٠٢ باب ١٧ / ح ٧١٦٣ -٧١٦٤ فتح الباري بشرح البخاري عمرَ بن عبد العزيز في خِلَافَتِه وفدٌ من أهل الكوفة، فسَألَنا عن بلادِنا وقاضِينا وأمرِه، وقال: خمس إذا أخطأً ... ورواه يحيى بن سعيد الأنصاريّ عن عمر بن عبد العزيز بلفظٍ آخَر، أخرجه أيضاً محمَّد بن سعد في ((الطَبقات)) (٣٦٩/٥-٣٧٠) عن محمَّد بن عبد الله الأسَديّ هو أبو أحمد الزُّبَيريُّ، عن سفيان هو الثَّوريّ، عن يحيى بن سعيد، عن عمر بن عبد العزيز قال: لا يَنْبَغي للقاضي أن يكون قاضياً حتَّى يكون فيه خمسُ خِصالٍ: عَفيفٌ، حَلیمٌ، عالمٌ بما كان قبلَه، يستشيرُ ذَوي الرَّأي، لا يُبالي بمَلامَة الناس. وجاءَ في استحباب الاستشارة آثارٌ جیاد. وأخرج يعقوب بن سفيان (١/ ٤٥٧) بسَنَدٍ جيّد عن الشَّعْبيّ قال: مَن سَرَّه أن يَأْخُذ بالوثيقةِ من القضاء فليأخذ بقضاءِ عمر، فإنَّه كان يستشير. ١٧ - باب رِزْقِ الحاكِمِ والعامِلِينَ عليها وكان شُرَيحٌ القاضي يأْخُذُ على القضاءِ أجراً. وقالت عائشةُ: يَأْكُلُ الوَصِيُّ بقَدْرٍ عُمَالَتِهِ. وأكَلَ أبو بكرٍ وعمرُ. ١٥٠/١٣ ٧١٦٣ - حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْرِيِّ، أخبرني السّائبُ بنُ يزيدَ ابن أُختِ نَمٍِ، أَنَّ حوَيْطِبَ بنَ عبدِ العُزَّى أخبَرَه، أنَّ عبد الله بنَ السَّعْدِيِّ أخبره: أنَّه قَدِمَ على عمرَ في خِلَافَتِهِ، فقال له عمرُ: أَم أُحدَّثْ أَنَّكَ تَليَ مِن أعمال الناسِ أعمالاً، فإذا أُعْطِيتَ العُمالةَ كَرِهْتَها؟ فقلتُ: بَلَى، فقال عمرُ: ما تريدُ إلى ذلك؟ فقلتُ: إنَّ لي أفراساً وأعبداً وأنا بخَيْرٍ، وأُرِيدُ أنْ تكونَ عُمَالَتِي صَدَقَةً على المسلمينَ، قال عمرُ: لا تَفْعَل، فإنّي كنتُ أُرَدْتُ الذي أُرَدْتَ فكان رسولُ الله ◌ِيه يُعْطيني العطاءَ، فأقولُ: أعطِهِ أفقَرَ إليه منّي، حتَّى أعطاني مرَّةً مالاً، فقلتُ: أعطِهِ أفقَرَ إليه منّي، فقال النبيُّ ◌َّ: ((خُذْه فتَمَوَّلْه، وتَصَدَّقْ به، فما جاءَكَ مِن هذا المال وأنتَ غيرُ مُشْرِفٍ ولا سائلٍ فخُذْه، وإلا فلا تُشْبِعْه نفسَكَ)). ٣٠٣ باب ١٧ / ح ٧١٦٣ -٧١٦٤ كتاب الأحكام ٧١٦٤ - وعن الزُّهْريِّ، قال: حدَّثْني سالمُ بنُ عبدِ الله، أنَّ عبدَ الله بنَ عمرَ قال: سمعتُ عمرَ يقولُ: كان النبيُّ نَّهَ يُعْطيني العطاءَ فأقولُ: أَعطِهِ أَفقَرَ إليه منّي، حتَّى أعطاني مرَّةً مالاً، فقلتُ: أعطِهِ مَن هو أفقَرُ إليه منّي، فقال النبيُّ ◌َ: ((خُذْه فَتَمَوَّلْه وتَصَدَّقْ به، فما جاءَكَ مِن . هذا المال وأنتَ غيرُ مُشْرِقٍ ولا سائلٍ فخُذْه، وما لا فلا تُشْبِعْه نفسَكَ)). قوله: ((باب رِزَّقِ الحاكم(١) والعامِلينَ عليها)) هو من إضافة المصدر إلى المفعول، والرِّزق: ما يُرتِبه الإمام من بيت المال لمن يقوم بمصالح المسلمين . وقال المطرِّزيُّ: الرِّزق: ما يُخْرِجه الإمام كلَّ شَهر للمُرتَزِقةِ من بيت المال، والعطاء: ما يُجْرِجه كلَّ عام. ويَحَتَمِل أن يكون قوله: ((والعاملينَ عليها)) عَطفاً على الحاكم، أي: ورِزق العاملينَ عليها، أي: على الحكومات، ويَحْتَمِل أن يكون أورَدَ الجملة على الحكاية يريد الاستدلالَ على جواز أخذ الرِّزق بآية الصَّدَقات، وهم من جملة المستَحِقّينَ لها؛ لعَطِفِهِم على الفقراء والمَساكين بعدَ قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ﴾ [التوبة: ٦٠]. قال الطَّبَريُّ: ذهب الجمهور إلى جواز أخذ القاضي الأجرَة على الحُكم، لگونِه يَشغَله الحُكم عن القيام بمصالحِه، غيرَ أنَّ طائفةً من السَّلَف ◌َرِهَت ذلك ولم يُرِّموه مع ذلك. وقال أبو عليّ الكرابيسيُّ: لا بأس للقاضي أن يَأْخُذ الرِّزق على القضاء عند أهل العِلم قاطِبةً من الصَّحابة ومَن بعدَهم، وهو قول قُتَهاء الأمصار، لا أعلم بينهم اختلافاً، وقد كَرِهَ ذلك قومٌ، منهم مسروق، ولا أعلم أحداً منهم حَرَّمَه. وقال المهلَّب: وجه الكراهَة أنَّه في الأصل محمولٌ على الاحتساب، لقولِه تعالى لنبيِّه: ﴿قُل لَّآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الأنعام: ٩٠]، فأرادوا أن يَجري الأمرُ فيه على الأصل الذي وَضَعَه الله لنبيِّه، ولئلا يَدخُلَ فيه مَن لا يَسْتَحِقُّه فِيَتَحَيَّلَ على أموال الناس. (١) كذا في النسخة التي شرح عليها الحافظ، والذي في النسخة اليونينية: ((الحكام)) دون إشارة إلى فروق بين نسخها، وكذا في نسختي العيني والقسطلاني، ولكن العيني أشار إلى أنه في بعض النسخ: ((الحاكم)) بالإفراد. ٣٠٤ باب ١٧ / ح ٧١٦٣ - ٧١٦٤ فتح الباري بشرح البخاري وقال غيره: أخذُ الرِّزق على القضاء إذا كانت جِهَة الأخذ من الحلال جائزٌ إجماعاً، ومَنْ تَرَكَه إنَّمَا تَرَكَه تَوَرُّعاً، وأمّا إذا كانت هناك شُبهَةٌ فالأولى التَّرك جَزماً، ويَحُرُم إذا كان المال يُؤخَذ لبيت المال من غير وجهه، واختُلِفَ إذا كان الغالب حَراماً، وأمّا مِن غير بيت المال ففي جواز الأخذ من المتَحاكمَينِ خِلاف، ومَن أجازَه شَرَطَ فيه شُروطاً لا بُدَّ منها، وقد جَرَّ القولُ بالجوازِ إلى إلغاء الشُّروط، وفَشا ذلك في هذه الأعصار بحيثُ تَعذَّرَ إزالة ذلك، والله المستعان. قوله: ((وكان شُرَيحٌ القاضي يأخذ على القضاء أجراً» هو شُرَيح بن الحارث بن قيس ١٥١/١٣ النَّخَعُّ الكوفيُّ قاضي الكوفَة، ولّاه عمر، ثمَّ قَضَى لمن بعده بالكوفَةِ دَهراً طويلاً،/ وله مع عليّ أخبار في ذلك، وهو ثقة مُخُضرَم أدرَكَ الجاهليَّة والإسلام، ويُقال: إنَّ له صُحبة، ماتَ قبلَ الثَّانينَ وقد جاوَزَ المئة. وهذا الأثَر وَصَلَه عبد الرَّزّاق (١٥٢٨٣) وسعيد بن منصور من طريق تَجَالِد عن الشَّعْبِيّ بلفظ: كان مسروقٌ لا يَأْخُذ على القضاء أجراً، وكان شُرَیحٌ يأخذ. قوله: ((وقالت عائشة: يَأْكُل الوَصِيّ بقَدْرِ عُمالَتَهُ (١)) قلت: وَصَلَه ابن أبي شيبة (٣٨٢/٦) من طريق هشام بن عُروَة عن أبيه عن عائشة في قوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ فَقِيْرًا فَلْيَأْكُلّ بِلْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] قالت: أنزلَ الله ذلك في والي مال اليتيم، يقومُ عليه بما يُصلِحِه إن کان محتاجاً أن یأكُل مِنه. قوله: ((وأكَلَ أبو بكر وعمر)) أمّا أثَر أبي بكر فوَصَلَه أبو بكر بن أبي شيبة(٢) من طريق ابن شِهاب عن عُروَة عن عائشة قالت: لمَّا استُخلِفَ أبو بكر قال: قد عَلِم قومي أنَّ حِرفَتي (١) في الأصلين: ((عمله))، والمثبت من (س) والنسخة اليونينية ولم يُشَر فيها إلى فروق بين نسخها ورواياتها، وكذا ضبطها العيني والقسطلاني بالحروف بضم العين وتخفيف الميم، دون الإشارة إلى اختلاف النسخ، والله أعلم. (٢) لم نقع عليه في المطبوع من ((مصنف ابن أبي شيبة))، ولكن أخرجه البيهقي ٣٥٣/٦ و١٠٧/١٠ من طريق يونس عن الزهري، بهذا الإسناد، وفيه قصة عمر، قال بأثره في الموضع الثاني: وروينا عن الحسن: أن أبا بكر خطب الناس ... فذكره وذكر قصة عمر وقوله لأبي بكر: قد جاءك ما يشغلك عن السوق. إلى آخره. ٣٠٥ باب ١٧ / ح ٧١٦٣ -٧١٦٤ كتاب الأحكام لم تكن تَعجِز عن مُؤنَة أهلي، وقد شُغِلت بأمرِ المسلمين ... الحديث، وفيه قصَّة عمر، وقد أسنَدَه البخاريّ في البُوع (٢٠٧٠) من هذا الوجه، وبقيَّتَه: فسيأكلُ آلُ أبي بكر من هذا المال ويَحَتَرِف للمسلمينَ فيه. وفيه (١): أنَّ عمر لمَّا وليَ أكَلَ هو وأهله من المال، واحتَرَفَ في مال نفسه. وأمّا أَثَر عمر فَوَصَلَه ابن أبي شيبة (٣٢٤/١٢) وابن سعد (٢٧٦/٣) من طريق حارثَة ابن مُضَرِّب بضمِّ الميم وفتح الضّاد المعجَمَة وتشديد الرَّاء بعدَها موحّدة، قال: قال عمر: إنّي أَنزَلتُ نفسي من مال الله بمَنزِلةٍ قَيِّم اليتيم، إن استَغنَيتُ عنه تَرَكت، وإن افتَقَرتُ إليه أكَلتُ بالمعروف. وسَنَده صحيح. وأخرج الكَرابيسيُّ بسَنَّدٍ صحيح عن الأحنَف قال: كنَّا ببابٍ عمر، فذكر قصَّةً، وفيها: فقال عمر: أنا أُخِيركم بما أستَحِلّ: ما أحُجّ عليه وأعتَمِر، وحُلَّتَي الشِّتاء والقَيظ، وقُوْتي وقُوْتَ عيالي كَرجلٍ من قُرَيش ليس بأعلاهم ولا أسفلهم(٢). ورَخَّصَ الشافعيُّ وأكثر أهل العِلّم، وعن أحمد: لا يُعجِبني، وإن كان فِقَدرٍ عمله مِثل وليّ اليتيم، واتَّفَقوا على أنَّه لا يجوز الاستئجار علیه. قوله: ((ابن أُخت نَمِر)) بفتح الُّون وكسر الميم بعدها راء، هو الصَّحابيّ المشهور، تقدَّم ذِكره مِراراً، من أقرَبها في الحدود (٦٧٧٩)، وأدرَكَ من زمان النَّبِيِّ وَِّ ستَّ سنين وحَفِظَ: عنه، وهو من أواخر الصَّحابة مَوتاً، وآخِرُ مَن ماتَ منهم بالمدينة، وقيل: محمود بن الرَّبيع، وقيل: محمود بن لبید. قوله: ((أنَّ حوَيْطِب بنَ عبد العُزَّى)) أي: ابن أبي قيس بن عبد شَمس القُرَشيّ العامريّ، كان من أعيان قُرَيش، وأسلَمَ في الفَتح، وكان حَميد الإسلام، وكانت وفاته بالمدينةِ سنة أربع وخمسينَ من الهِجْرة وهو ابن مئةٍ وعشرينَ سنة، وهو مَمَّن أُطلِقَ عليه أنَّه عاشَ ستّيْنَ في الجاهليَّة وستّينَ في الإسلام تَجوُّزاً، ولا يَتِمّ ذلك تَحقيقاً، لأنَّه إن أُريدَ بزمان الإسلام (١) ليست في البخاري، ولعله يقصد في ((المصنف)) لابن أبي شيبة، وعلى أية حال فهو في البيهقي كما أشرنا. (٢) وهو عند ابن أبي شيبة ٣٢٣/١٢. ٣٠٦ باب ١٧ / ح ٧١٦٣ -٧١٦٤ فتح الباري بشرح البخاري أوَّل البَعثَة فيكون عاشَ فيها سبعاً وستّين، أو الهِجْرة فيكون عاشَ فيه أربعاً وخمسين، أو زمن إسلامه هو فيكون ستّاً وأربعين، والأوَّل أقرب إلى الإطلاق على طريقة جَبْر الكسر تارَةً وإلغائه أُخرى. قوله: ((أنَّ عبد الله بن السَّعْديّ) هو عبد الله بن وَقْدان بن عبد شَمْس، ويُقال: اسم أبيه: عمر، ووَقْدان جَدُّه، ويُقال: قُدامَةُ بَدَل وقدان، وعبد شَمس: هو ابن عبد وُدِّ بن نصر بن مالك بن حِسْل بن عامر، وهو أيضاً من بني عامر بن لُؤَيّ من قُرَيش، وإنَّما قيل له: ابن السَّعديّ؛ لأنَّ أباه كان مُستَرضَعاً في بني سعد، وماتَ عبد الله بالمدينةِ سنةَ سبعٍ وخمسينَ بعدَ حَوَيطِبِ الرَّاوي عنه بثلاثٍ سنين، ويُقال: بل ماتَ في خِلَافة عمر، والأوَّل أقوَى، وليس له في البخاريّ إلّا هذا الحديث الواحد. ووَقَعَ عند مسلم (١٠٤٥/ ١١٢) في رواية اللَّيث عن بُكَيرِ بن الأشَجّ عن بُسر بن سعيد: عن ابن السّاعديّ، وخالَفَه عَمْرو بن الحارث عن بُكَيرٍ فقال: عن ابن السَّعديّ، وهو المحفوظ. تنبيه: أخرج مسلمٌ أيضاً هذا الحديث (١٠٤٥/ ١١١) من طريق عَمْرو بن الحارث عن الزُّهْريّ عن السّائب بن يزيد عن عبد الله بن السَّعديّ عن عمر، فلم يَسُق لفظه، بل أحالَ على سياق رواية سالم بن عبدِ الله بنِ عمر عن أبيه، وسَقَطَ من السَّند حوَيطِب بن عبد ١٥٢/١٣ العُزَّى / بين السّائب وابن السَّعديّ، ووَهِمَ الِّيُّ في ((الأطراف)) تَبَعاً لخَلَفٍ فأثبَتَ حُوَيطِب بن عبد العُزَّى في السَّند في رواية مسلم، وزَعَمَ أنَّه وَقَعَ في روايته: ابن السّاعديّ، بزيادةِ ألِفٍ، وليس ذلك في شيءٍ من نُسَخ ((صحيح مسلم)) لا إثبات حوَيطِب ولا الألف في السّاعديّ، وقد نبّه على سُقُوط حُوَيطِبٍ من سَنَد مسلم أبو عليّ الجَّانيّ والمازَرِيّ وعِیَاض وغيرهم، ولكنَّه ثابت في رواية عمرو بن الحارث في غیر کتاب مسلم كما أخرجه أبو نُعَيم في ((المستَخرَج))، ووَقَعَ عندَ ابن خُزَيمةَ (٢٣٦٥) من طريق سَلَامَة عن عُقَيل عن ابن شِهاب: حَدَّثَني السّائب أنَّ حُوَيطِباً أخبَرَه أنَّ عبد الله بن سعد بن أبي سَرْحٍ أخبَرَه، فذكره، وهو وهمٌّ من سَلَامة، قاله الرُّهَاويّ. ٣٠٧ ٢ باب ١٧ / ح ٧١٦٣-٧١٦٤ كتاب الأحكام قوله: ((أَنَّ قَدِمَ على عمر في خِلَافَتَه، فقال له عمر: ألَمَ أَحدَّث)) بضمٍّ أوَّله وفتح المهمَلة وتشدید الدّال. قوله: ((أنَّك تَلي مِن أعمال الناس)) أي: الولايات؛ من إمرَةٍ أو قضاء، ووَقَعَ في رواية بُشْر ابن سعيد عند مسلم: استَعمَلَني عمر على الصَّدَقة، فعَيَّنَ الولايةَ. قوله: ((العُمالة)) بضمِّ المهمَلة وتخفيف الميم، أي: أُجرَة العمل، وأمّا العَمالة بفتح العين فهي نفس العمل. قوله: ((ما تُريدُ إلى ذلك)) أي: ما غاية قَصدِك بهذا الردّ. وقد فَسَّرَه بقولِه: وأُريد أن تكون عُمَالَتِي صَدَقَةً على المسلمين. قوله: ((فقلت: إنَّ لي أفراسا)، بِفاءٍ ومُهمَلة: جمع فَرَس. قوله: ((وأعبداً)) للأكثر بضمِّ الموخَّدة، وللكُشميهَنيّ بِمُثنّةٍ بَدَل الموحّدة جمع عَتِید، وهو المال المدَّخَر، وقد تقدَّم تفسيره في كتاب الزَّكاة(١). ووَفَعَ عند ابن حِبّان في (صحيحه)) (٣٤٠٣) من طريق قَبِيصَة بن ذُؤَيب: أنَّ عمر أعطَى ابن السَّعديّ ألف دينار، فذكر بَقيَّة الحديث نحو الذي هنا، ورُوِّيناه في الجزء الثّالث من ((فوائد أبي بكر النَّيسابوريّ)) الزّيادات من طريق عطاء الخُراسانيّ عن عبد الله بن السَّعديّ قال: قَدِمتُ على عمر فأرسَلَ إليَّ ألف دينار، فَرَدَدتها وقلت: أنا عنها غَنِيّ، فذكره أيضاً بنحوِه، واستُفِيدَ منه قَدر العمالة المذكورة. قوله: ((فإِنّي كنت أرَدْتُ الذي أرَدْتَ)) بالفَتح على الخِطاب. قوله: ((يُعْطيني العطاء)) أي: المال الذي يَقسِمه الإمام في المصالح، ووَقَعَ في رواية بُشْر ابن سعيد عند مسلم: فإنّ عَمِلتُ على عهد رسول الله وَله، فعَمَّلَني - بتشديد الميم، أي: أعطاني أُجرَة عملي - فقلت مِثلَ قولك. قوله: ((فأقول: أعطِه أفقَرَ إليه منِّي)) في رواية سالم: فأقول: يا رسول الله، والباقي سواء. (١) بين يدي الحديث رقم (١٤٤٨). ٣٠٨ باب ١٧ / ح ٧١٦٣ -٧١٦٤ فتح الباري بشرح البخاري قال الكِرِمانيُّ: جازَ الفَصلَ بينَ أَفعَل التَّفضيلِ وبينَ كَلِمة ((مِن)) لأنَّ الفاصل لیس أجنبيّاً بل هو ألصَقُّ به مِن الصِّلة؛ لأنَّه يَحتاج إليه بحَسَبٍ جَوهَر اللَّفظ، والصِّلة مُحتاجُ إليها بِحَسَبِ الصّيغة. قوله: ((فقال النَّبِيُّ ◌َّهِ: خُذْه فَتَمَوَّلْه وَتَصَدَّقْ به)) في رواية سالم بن عبد الله: ((أو تَصَدَّق به)) بلفظ: ((أو)) بَدَل الواو، وهو أمرُ إرشادٍ على الصَّحيح. قال ابن بَطّال: أشارَ وَ لّ على عمر بالأفضل، لأنَّه وإن كان مأجوراً بإيثاره لعطائِه عن نفسه مَن هو أفقَر إليه منه، فإنَّ أخذه للعطاءِ ومُبَاشَرَتَه للصَّدَقِةِ بنفسِه أعظَمُ لأجرِه، وهذا/ يَدُلّ على عظيم فضل الصَّدَقة بعدَ التَّمَوُّل، لما في النُّفُوس من الشُّحّ على المال. قوله: ((غير مُشْرِفٍ)) بضمٍّ أوَّله وسكون المعجَمَة وكسر الرَّاء بعدها فاء، أي: مُتَطَلِّعَ إليه، يُقال: أَشَرَفَ الشيءَ: عَلَاهُ، وقد تقدَّم بيانه في كتاب الزَّكاة في ((باب من أعطاه الله شيئاً من غير مسألة)) (١٤٧٣). ٠ قوله: ((ولا سائلٍ)) أي: طالِب، قال النَّوَويّ: فيه النَّهي عن السُّؤال، وقد اتَّفَقَ العلماء على النَّهي عنه لغيرِ الضَّرورَة، واختُلِفَ في مسألة القادر على الكَسب، والأصحُّ التَّحريم، وقيل: يُباح بثلاثةِ شُروط: أن لا يُذِلّ نفسه، ولا يُلحّ في السُّؤال، ولا يُؤذي المسؤول، فإن فُقِدَ شَرطٌ من هذه الشُّروط فهي حَرامٌ بالاتّفاق. قوله: «فخُذْه، وإلا فلا تُتبعه نفسَك» أي: إن لم يجئ إلیك فلا تَطلُبه، بل اترُكه، وليس المراد مَنعَه من الإيثار، بل لأنَّ أخذه ثمَّ مُبَاشَرَته الصَّدَقة بنفسِه أعظَمُ لأجرِه، كما تقدَّم. ١٥٣/١٣ قال النََّويّ: في هذا الحديث مَنْقَبةٌ/ لعمرَ وبيانُ فضله وزُهدِه وإيثاره. قلت: وكذا لابنِ السَّعديّ فقد طابَقَ فعلُه فعلَ عمر سواء. وفي سَنَد الزُّهْريّ عن السّائب أربعةٌ من الصَّحابة في نَسَق: السّائب وحُوَيطِب وابن السَّعديّ وعمر، وقد أشَرتُ إلى ذلك في الباب المذكور من كتاب الزَّكاة، وذَكَرت أنَّ مسلماً أخرجه من طريق عَمرو بن الحارث عن الزُّهْرِيّ، وأوهَمَ كلامُ المِّيّ في ((الأطراف)) أنَّ ٣٠٩ باب ١٧ / خ ٧١٦٣ - ٧١٦٤ كتاب الأحكام رواية شُعَيب وعمرو بن الحارث مُتَّفِقَتان، وليس كذلك، فإنَّ حوَيطِب بن عبد العُزَّى سَقَطَ من رواية عَمرو بن الحارث عند مسلم. وقدٍ وقَعَت المقارَضَة لمسلمِ والبخاريّ في هذَينِ الحديثَينِ الرُّباعيَّين، فأورَدَ مسلم الرُّباعيّ الذي في سَنَده أربعُ نِسوَة بتمام الأربع، وأورَدَه البخاريّ بنُقُصان واحدةٍ، كما تقدَّم في أوائل كتاب الفتن (٧٠٥٩)، وأورَدَ البخاريّ الرُّباعيّ الذُّي فِي سَنَده أربعةٌ رجالٍ بتمام الأربعة، وأورَدَه مسلمٌ بنُقصان رجل، وهذا من لطائفٍ ما اتَّفْقَ. وقد وافَقَ شُعَيباً على زيادة حوَيطِبٍ في السَّند الزُّبَيدِيُّ عند النَّسائيِّ (٢٦٠٦)، وسفيانُ ابن عُيَينة عنده (٢٦٠٥)، ومَعمَرٌ عند الْحُميديِّ في ((مُسنَده)) (٢١)، ثلاثتهم عن الزُّهْريّ، وقد جَزَمَ النَّسائيُّ وأبو عليّ بنُ السَّكَن بأنَّ السّائب لم يَسمَعه من ابن السَّعديّ. قال النَّوَويّ: رُوِّينا عن الحافظ عبد القادر الرُّهاويّ في كتابه ((الرُّباعيّات)) أنَّ الزُّبَيديّ وشُعَيب بن أبي (١) حمزة وعُقَيل بن خالد ويونس بن يزيد وعمرو بن الحارث رَوَوه عن الزُّهْريّ بذِكر حوَيطِب، ثمَّ ذكر طرقهم بأسانيدَ مُطوَّلة. قال: ورواه النُّعمان بن راشد عن الزّهْريّ فأسقَطَ ذِكر حوَيطِب، واختُلِفَ على مَعمَر، فرواه ابن المبارك عنه كالنُّعمان، ورواه سفيان بن عُيَينَةَ وموسى بنُ أعيَن عنه كالجماعة، ورواه عبد الرَّزّاق (٢٠٠٤٥) عن مَعمَر فأسقَطَ اثنين، جعله عن السّائب عن عمر، قال: والصَّحيح الأوَّل. قلت: ومُقتَضاه أن يكون سُقوط حُوَيطِب من رواية مسلم وهماً منه أو من شيخه، وإلّا فِذِكرُه ثابتٌ من رواية غيره كما تقدَّم، والله أعلم. وقد نَظَمَ بعضهم السَّند المذكور في بيتَينِ فقال: وفي العُمالة إسنادٌ بأربعةٍ من الصَّحابة فيه عنهم ظَهَرا السّائبُ بن يزيدَ عن حُوَيطِبٍ عَبـ ـدُ الله حدَّثه بذاكَ عن عُمَرا قوله: ((وعن الزُّهْريّ، قال: حَدَّثَني سالم)) هو موصول بالسَّندِ المذكور أوَّلاً إلى الزُّهْريّ، وقد أخرج النَّسائيُّ (٢٦٠٧) عن عمرو بن منصورٍ عن أبي اليَمَان شيخ البخاريّ فيه الحديثَيْنِ (١) لفظة ((أبي)) سقطت من (س). ٣١٠ باب ١٧ / ح ٧١٦٣ - ٧١٦٤ فتح الباري بشرح البخاري. المذكورينِ بالسَّندَينِ المذكورينِ إلى عمر، وأمّا مسلمٌ فإنَّه لمَّا أخرجه من طريق يونسَ عن ابن شِهابٍ ساقَه على رواية سالم عن أبيه، ثمَّ عَقَّبَه برواية ابن شهاب عن السّائب بن یزید، فقال مِثلَ ذلك، وليس بين السّياقَينِ تَفاوتٌ إلّا في قصَّة ابن السَّعديّ عن عمر، فلم يَسُقها مسلم، وإلّا ما بَّنته، وزاد سالم: فمن أجل ذلك كان ابنُ عمر لا يَسأل أحداً شيئاً، ولا يَرُدُ" شيئاً أُعطيَه. قلت: وهذا بعمومِه ظاهر في أنَّه كان لا يَرُدّ ما فيه شُبهَة، وقد ثَبَتَ أنَّه كان يَقبَل هدايا المختار بن أبي عُبَيد الثَّقفيّ وهو أخو صَفيَّة - زوجٍ ابن عمر - بنتِ أبي عُبَيد، وكان المختار غَلَبَ على الكوفَة وطَرَدَ عُمَال عبد الله بن الزُّبَير، وأقامَ أميراً عليها مُدَّةً في غير طاعة خليفة، وتَصَّفَ فيما يَتَحَصَّل منها من المال على ما يراه، ومع ذلك فكان ابنُ عمر يَقبَل هداياه، وكان مُستَنَده أنَّ له حقّاً في بيت المال، فلا يَضُرُّه على أيّ كيفيَّة وَصَلَ إليه، أو كان يَرَى أنَّ التَّبِعَة في ذلك على الآخِذ الأوَّل، أو أنَّ للمُعطي المذكور مالاً آخَر في الجملة وحَقّاً ما في المال المذكور، فلمَّا لم يَتَمَيَّز وأعطاه له عن طيب نفسٍ دَخَلَ في عموم قوله: ((ما أتاك من هذا المال من غيرِ سؤالٍ ولا استشرافٍ فخُذْه)) فرأى أنَّه لا يُستَنَى من ذلك إلّا ما ١٥٤/١٣ عَلِمَه / حَراماً محضاً. قال الطَّبَرُّ: في حديث عمر الدَّليلُ الواضح على أنَّ لمن شُغِلَ بشيءٍ من أعمال المسلمين أخْذَ الرِّزق على عمله ذلك، كالوُلاةِ والقُضاة وجُباةِ الفَيء وعُمَال الصَّدَقة وشَبَهِهم، لإعطاءِ رسول الله وَلّ عمر العُمالةَ على عمله. وذكر ابن المنذر (٦٥٣٣) أنَّ زيد بن ثابت كان يَأْخُذ الأجر على القضاء، واحتَّ أبو عُبيد في جواز ذلك بما فَرَضَ الله للعاملينَ على الصَّدَقة، وجَعَلَ لهم منها حقّاً لقيامهِم وسَعْيِهِم فيها. وحكى الطَّبَرِيُّ عن العلماء: هل الأمرُ في قوله في هذا الحديث: ((خُذْه وَتَمَوَّله)) للوجوبِ أو للنَّدب؟ ثالثها: إن كانت العَطِيَّة من السُّلطان فهي حَرامٌ أو مكروهةٌ أو مُباحَة، وإن كانت من غيره فمُستَحَبَّة. ٣١١ باب ١٧ / ح ٧١٦٣ -٧١٦٤ كتاب الأحكام قال النَّوَويّ: والصَّحيح أنَّه إن غَلَبَ الحرامُ حَرُمَت، وكذا إن كان مع عَدَم الاستحقاق، وإن لم يَغْلِب الحرام وكان الآخِذُ مُستَحِقّاً فيُباح، وقيل: يُندَب في عَطيَّة السُّلطان دون غيره، والله أعلم. وقال ابن المنذر: وحديث ابن السَّعديّ حُجَّةٌ في جواز أرزاق القُضاةِ من وجوهها. وقال ابن بَطّال: في الحديث أنَّ أخذ ما جاءَ من المال عن غير سؤالٍ أفضلُ من تركه، لأنَّه يقع في إضاعة المال، وقد ثَبَتَ النَّهي عن ذلك. وتَعقَّبَه ابن المنيِّر بأنَّه ليس من الإضاعة في شيءٍ، لأنَّ الإضاعة: التَّذیرُ بغير وجهٍ صحيح، وأمّا التَّرك توفيراً على المعطي تَنزِيهاً عن الدُّنيا وتَحُّجاً أن لا يكون قائماً بالوَظيفةِ على وجهها فليس من الإضاعة. ثمَّ قال: والوجهُ في تعليل الأفضليَّة: أَنَّ الآخِذ أعوَنُ في العمل، وألزَمُ للنَّصيحَةِ من التّارك، لأنَّه إن لم يَأْخُذ كان عند نفسه مُتَطَوِّعاً بالعمل، فقد لا يَجِدّ جِدَّ مَن أَخَذَ؛ رُكوناً إلى أنَّه غير مُلتَزِم، بخِلَاف الذي يَأْخُذ، فإنَّه ◌ِيكون مُستَشعِراً بأنَّ العمل واجبٌ علیه فیچِدُّ جِدَّه فيها. وقال ابن التِّين: وفي هذا الحديث كَراهَةُ أخذ الرِّزق على القضاء مع الاستغناء وأنَّ المال طيِّاً. كذا قال، قال: وفيه جواز الصَّدَقة بما لم يُقبَض إذا كان للمُتَصَدِّقِ واجباً. ولكنَّ قوله: ((خُذْه فَتَمَوَّله وتَصَدَّق به)) يَدُلّ على أنَّ التَّصَدُّق به إنَّما يكون بعد القبض، لأنَّ المال إذا مَلَكَه الإنسان وتَصَدَّقَ به طيّة به نفسُه كان أفضلَ من تَصَدُّقه به قبل قَبضه، لأنَّ الذي يَحَصُّل بَيَدِه هو أخرَصُ عليه ممّا لم يَدخُل في يده، فإن استَوَت عند أحدٍ الحالان فمَرتَبته أعلى، ولذلك أمَرَه بأخذِه وبيَّن له جواز تَمَّوُّله إن أحَبَّ أو التَّصَدُّق به. قال: وذهب بعض الصّوَفيَّة إلى أنَّ المال إذا جاءَ بغير سؤالٍ فلم يَقبَله، فإنَّ الرَّادّ له يُعاقَب بحِرمان العطاء. وقال القُرْطُبِيّ في (المفِهِم) فيه ذَمُّ التَّطَلَّع إلى ما في أيدي الأغنياء والتَّشَوُّفِ إلى فُضوله وأخذِه منهم، وهي حالةٌ مذمِومَةٌ تَدُلّ على شِدَّة الرَّغبة في الدُّنيا والُّكون إلى التوسُّع فيها، فنَهَى الشّارع عن الأخذ على هذه الصّورَة المذمومة قَمعاً للنَّفْسِ ومُخالَفةً لها في هَوَاها، انتهى. وتقدَّمت سائر مباحثه وفوائده في الباب المذكور من كتاب الزكاة، ولله الحمد. ٣١٢ باب ١٨ / ح ٧١٦٥ - ٧١٦٦ فتح الباري بشرح البخاري ١٨ - باب مَن قَضَى ولا عَنَ في المسجدِ ولا عَنَ عمرُ عندَ مِنْتَرِ النبيِّ ◌َّه. وقَضَى مروانُ على زيدِ بنِ ثابتٍ باليَمِينِ عندَ المنبر. وقَضَى شُرَيحٌ والشَّعْبِيُّ ويحيى بنُ يَعْمَرَ في المسجدِ. وكان الحسنُ وزُرارةُ بنُ أوْفَى يَقْضِيان في الرَّحَبةِ خارجاً منَ المسجد. ٧١٦٥ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، قال الزُّهْريُّ، عن سَهْلِ بنِ سعدٍ، قال: شَهِدْتُ المَلاعنَينِ وأنا ابنُ خمسَ عَشْرةَ سَنةً، فُرِّقَ بينهما. ٧١٦٦- حدَّثنا يحيى، حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، أخبرنا ابنُ جُرَيج، أخبرني ابنُ شِهابٍ، عن ١٥٥/١٣ سَهْلِ أخي بني ساعدةَ: / أنَّ رجلاً منَ الأنصار جاءَ إلى النبيِّ وَّهِ، فقال: أرأيتَ رجلاً وَجَدَ مع امرَأتِهِ رجلاً، أيقتلُه؟ فتَلاعَنا في المسجدِ، وأنا شاهدٌ. قوله: ((بابُ مَن قَضَى ولا عَنَ في المسجد)) الظَّرِفِ يَتَعَلَّق بالأمرَينِ، فهو من تنازُع الفعلَين، ويَحَتَمِلِ أن يَتَعلَّق بـ((قَضَى)) لدخولِ ((لاعَنَ)) فيه، فإنَّهِ مِن عَطفِ الخاصّ على العامّ، ومعنى قوله: ((ولا عَنَ)): حَكَمَ بإيقاع التَّلامُن بين الَّوجَينِ، فهو مَجَاز، ولا يُشتَرَط أن يُباشِر تَلقينَهما ذلك بنفسِه. قوله: ((ولا عَنَ عمر عِنْد مِنبَرَ النَّبِيّ ◌ِ﴾ هذا أَبلَغْ فِي التَّمَسُّك به على جواز اللِّعان في المسجد، وإِنَّمَا خَصَّ عمرُ المِبَر لأنَّه كان يَرَى التَّحليف عند المِبَرَ أبلَغَ في التَّغليظ، ووَرَدَ في التَّحليف عنده حديث جابر: ((لا يَحَلِفُ عند مِنبَرَي)) الحديث(١)، ويُؤْخَذ منه التَّغليظ في الأيمان بالمكان، وقاسُوا عليه الزّمان، وإنَّما كان كذلك مع أنَّ المحلوف به عظيم، لأنَّ للمُعظّمِ الذي يُشاهده الحالِف تأثيراً في التوقّي عن الكذب. قوله: ((وقَضَى مروانُ على زيد بن ثابتٍ باليمينِ عِنْدِ المِنِبَ)) في رواية الكُشمِيهَنيّ: على (١) أخرجه أبو داود (٣٢٤٦)، وابن ماجه (٢٣٢٥)، والنسائي في ((الكبرى)) (٥٩٧٣). ٣١٣ باب ١٨ / ح ٧١٦٥ - ٧١٦٦ كتاب الأحكام الِنِبَرَ، وهذا طَرَف من أثَرِ مضى في كتاب الشَّهادات(١) وذَكَرتُ هناك مَن وَصَلَه، وهو في ((الموطَّأ)) (٧٢٨/٢)، ولفظه: على المنبر، کما في رواية الگُشمِیھنيّ. قوله: ((وقَضَى شُرَيحٌ والشَّعْبيّ ويحيى بن يَعْمَرَ في المسجد)) أمّا أَثَر شُرَیحِ فَوَصَلَه ابن أبي شَيبة (٥١٣/٦) ومحمَّد بن سعد (٦/ ١٤٠) من طريق إسماعيل بن أبي خالدٍ قال: رأيتُ شُرَيحاً يقضي في المسجد وعليه بُرُنُس خَزّ. وقال عبد الرَّزّاق (١٧٣١): أخبرنا مَعمَر عن الْحَكَم بن عُتَيبة أنَّه رأى شُرَيحاً يقضي في المسجد. وأمّا أثَرِ الشَّعْبِيّ فوَصَلَه سعيد بن عبد الرَّحمن المخزوميّ في ((جامع سفيان)) من طريق عبد الله بن شُبْرُمةَ: رأيتُ الشَّعْبيّ جَلَدَ يهوديّاً في فِرْيَةٍ (٢) في المسجد، وكذا أخرجه عبد الرَّزّاق (١٧٠٤) عن سفيان(٣). وأمّا أَثَر يحيى بن يَعمَرَ فوَصَلَه ابن أبي شيبة (٦/ ٥١٣) من روایة عبد الرَّحمن بن قیس قال: رأيتُ يحيى بن يَعمَرَ یقضي في المسجد. وأخرج الكرابيسيُّ في ((أدب القضاء)) من طريق أبي الزناد قال: كان سعد بن إبراهيم وأبو بكر بن محمَّد بن عَمرو بن حَزم وابنه ومحمَّد بن صَفوان ومحمَّد بن مُصعَب بن شُرَ حبيل يَقضونَ في مَسجِد رسول الله ◌َ ﴿. وذكر ذلك عن جماعةٍ آخَرین(٤). قوله: ((وكان الحسن وزُرارَةُ بن أوْفَى يَقْضيان في الرَّحَبة خارجاً من المسجد)) الرَّحَبة بفتح الرَّاء والحاء المهمَلة بعدَها موخَّدة: هي بناءٌ يكون أمام باب المسجد غيرُ مُنفَصِلٍ عنه، هذه رَحَبة المسجد، ووَقَعَ فيها الاختلاف، والرَّاجح أنَّ لها حُكمَ المسجد، فيَصِحّ فيها (١) بين يدي الحديث رقم (٢٦٧٣). (٢) تصحفت في (س) إلى: قرية. (٣) لكن بلفظ: رأيت الشعبي يجلد يهودياً حدّاً في المسجد. أما بلفظ ((في فِرية)) فقد أخرجه عبد الرزاق (١٩٢٢٤) عن معمر عن ابن شبرمة، لم يذكر سفيان. (٤) في (س): وذكر ذلك جماعةٌ آخَرون، والمثبت من الأصلين. ٣١٤ باب ١٨ / ح ٧١٦٥ -٧١٦٦ فتح الباري بشرح البخاري الاعتكاف وكلَّ ما يُشتَرَط له المسجد، فإن كانت الرَّحَبة مُنفَصِلةً فليس لها حُكم المسجد. وأمّا الرَّحْبة بسكونِ الحاء فهي مدينةٌ مشهُورَة. والذي يَظهَر من مجموع هذه الآثار أنَّ المراد بالرَّحَبةِ هنا الرَّحَبة المنسوبة للمَسجِد، فقد أخرج ابن أبي شيبة (٥١٣/٦) من طريق المثنَّى بن سعيد قال: رأيتُ الحسن وزُرارَة ابن أوفَى يقضيان في المسجد. وأخرج الكرابيسيُّ في ((أدب القضاء)) من وجهٍ آخَر: أنَّ الحسن وزُرارَة وإياس بن معاوية كانوا إذا دخلوا المسجد للقضاءِ صَلَّا رَكعَتَينِ قبلَ أن تَجلِسوا. ثمَّ ذكر حديث سَهْل بن سعد في قصَّة المتَلاعِنَينِ مُختصَراً من طريقين: إحداهما: رواية سفيان - وهو ابن عُيَينةَ - قال: قال الزُّهْريُّ، عن سهل بن سعد، فذكره مُختصَراً ولفظه: شَهِدتُ المتَلَاعِنَينِ وأنا ابنُ خمسَ عَشرَةَ سنةً فُرِّقَ بينهما، وقد أخرجه في كتاب اللِّعان مُطوَّلاً، وتقدَّمت فوائده هناك (٥٣٠٨ ٥٣٠٩). ثانيهما: رواية ابن جُرَيجِ، أخبَرني ابن شِهابَ وهو الزُّهْريّ، فذكره ◌ُختصَراً أيضاً، ولفظه: أنَّ رجلاً من الأنصار جاءَ، فذكره إلى قوله: أيقتلُه؟ فتَلاعَنا في المسجد، وقد تقدَّم مُطَوَّلاً، وشرحُه هناك أيضاً. ١٥٦/١٣ قال ابن بَطّال: اسْتَحَبَّ القضاءَ في المسجد طائفة، وقال مالك: / هو الأمرُ القديم، لأنَّه يَصِل إلى القاضي فيه المرأةُ والضَّعيف، وإذا كان في مَنزِله لم يَصِل إليه الناس لإمكان الاحتجاب، قال: وبه قال أحمد وإسحاق، وكَرِهَت ذلك طائفة، وكَتَبَ عمر بن عبد العزيز إلى القاسم بن عبد الرَّحمن: أن لا تَقضي في المسجد، فإِنَّه يأتيك الحائضُ والمشرِك. وقال الشافعيّ: أحَبُّ إليَّ أن يُقضَى في غير المسجد؛ لذلك. وقال الكرابيسيُّ: كَرِهَ بعضهم الحُكم في المسجد من أجل أنَّه قد يكون الحُكم بين مسلم ومُشِرِك، فيَدخُل المشرِك المسجد، قال: ودخولُ المشرِك المسجد مكروه، ولكنَّ الحُكم بينَهم لم يزل من صنيع السَّلَف في مَسجِد رسول الله وَِّ وغيره. ثمَّ ساقَ في ذلك آثاراً كثيرة. ٣١٥ باب ١٨ / ح ٧١٦٥ -٧١٦٦ كتاب الأحكام قال ابن بَطّال: وحديث سَهل بن سعد حُجَّةٌ للجواز (١). وإن كان الأولى صيانة المسجد، وقد قال مالك: كان مَن مضى يَجلِسونَ في رِحاب المسجد، إمّا في موضع الجنائز، وإمّا في رَحَبة دار مروان، قال: وإنّي لَأَستَحِبُّ ذلك في الأمصار، ليَصِلَ إليه اليهوديّ والنَّصرانيّ والحائض والضَّعيف، وهو أقرَب إلى التَّواضُع. وقال ابن المنيِر: لِرَحَبة المسجد حُكمُ المسجد إلّا إن كانت مُنفَصِلة عنه، والذي يَظهَر أنَّهَا كانت مُنفَصِلة عنه، ويُمكِن أن يكون جُلوس القاضي في الرَّحَبة المتَّصِلة وقيامُ الخصوم خارجاً عنها أو في الرَّحَبة المتَّصِلة، وكأنَّ التّابعيّ المذكور يَرَى أنَّ الرَّحَبة لا تُعطَى حُكمَ المسجد ولو اتَّصَلَت بالمسجد، وهو خِلَاف مشهور، فقد وَقَعَ للشّافعيَّةِ في حُكم رَحَبة المسجد اختلافٌ في التَّعريف مع اتّفاقهم على صِحَّة صلاة مَن في الرَّحَبة المتَّصِلة بالمسجدِ بصلاةٍ مَن في المسجد. قال: والفَرق بينَ الحَريم والرَّحَبة: أنَّ لكلِّ مَسجِدٍ حَريماً، وليس لكلِّ مَسجِد رَحَبة، فالمسجد الذي يكون أمامه قِطعَة من البُقعَة هي الرَّحَبة، وهي التي لها حُكم المسجد. والحريم: هو الذي يُحيط بهذه الرَّحَبة وبالمسجد، وإن كان سور المسجد مُحيطاً بجميع الْبُقْعَة فهو مَسجِد بلا رَحَبة، ولكن له حَريم كالدّورِ. انتهى ملخَّصاً، وسَكَتَ عمَّا إذا بَنَى صاحب المسجد قِطعَةً مُنفَصِلةً عن المسجد، هل هي رَحَبة تُعطَى حُكم المسجد؟ وعَّا إذا كان في الجانب(٢) القِبليّ مِن المسجد رِحابٌ، بحيثُ لا تَصِحُّ صلاة مَن صَلَّى فيها خَلف إمام المسجد هل تُعطَى حُكم المسجد؟ والذي يَظهَر أنَّ كلَّ منهما يُعطَى حُكْم المسجد فَتَصِحّ الصلاة في الأولى، ويَصِحّ الاعتكاف في الثّانية، وقد يفترق حُكم الرَّحَبة من المسجد في جواز اللَّغَط ونحوه فيها بخِلَاف المسجد، مع إعطائها حُكمَ المسجد في الصلاة فيها، فقد أخرج مالك في ((الموطَّأ)) من طريق سالم بن عبد الله بن عمر قال: بَنَى عمر إلى (١) انتهى هنا كلام ابن بطال. (٢) في (س): الحائط. . - ٣١٦ باب ١٩ / ح ٧١٦٧ -٧١٦٨ فتح الباري بشرح البخاري جانب المسجد رَحَبةً فسَمّاها البَطْحاء، فكان يقول: مَن أرادَ أن يَلغَط أو يُنشِد شِعراً أو يرفع صوتاً فليَخرُج إلى هذه الرَّحَبة (١). ١٩ - باب مَن حَكَمَ في المسجدِ حتَّى إذا أتَى على حَدٍّ أُمَرَ أن يُخْرَجَ منَ المسجدِ فيُقام وقال عمرُ: أخرِ جاه منَ المسجدِ، وضَرَبِه. ويُذكَرُ عن عليٍّ نحوُه. ٧١٦٧- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثني اللَّيثُ، عن عُقَيل، عن ابنِ شِهابٍ، عن أبي سَلَمَةَ وسعيدِ بنِ المسيّبٍ، عن أبي هُرَيرةَ، قال: أتى رجلٌ رسولَ الله وَله وهو في المسجدِ، فناداه فقال: يا رسولَ الله، إنّي زَنَيْتُ! فأعرَضَ عنه، فلمَّا شَهِدَ على نفسِه أربعاً، قال: ((أبِكَ جنونٌ؟)) قال: لا. قال: «اذهبوا به فارُوهُ». ٧١٦٨- قال ابنُ شِهابٍ: فأخبرني مَن سَمِعَ جابرَ بنَ عبدِ الله، قال: كنتُ فيمَن رَجَمَه بالمُصَلَّى. رواه يونسُ ومَعمَرُ وابنُ جُرَيج، عن الزُّهْريِّ، عن أبي سَلَمَةَ، عن جابرٍ عن النبيِّ وَّر ... في الرَّجْمِ. ١٥٧/١٣ قوله: ((بابُ مَن حَكَمَ في المسجد حتَّى إذا أتَى على حَدٍّ أُمَرَ أن يُخْرَج من المسجد فيُقام)) كأنَّه يشير بهذه التَّرجمة إلى مَن خَصَّ جواز الحُكم في المسجد بما إذا لم يَكُن هناك شيءٌ يَتَأْذَّى به مَن في المسجد، أو يقع به للمَسجِدِ نَقص کالتَّلویث. قوله: ((وقال عمر: أخرِجاه من المسجد، وضَرَبَه، ويُذكَر عن عليٍّ نحوُه)) أمّا أَثَر عمر فَوَصَلَه ابن أبي شيبة (٤٢/١٠) وعبد الرَّزّاق (١٧٠٦ و١٨٢٣٨) كلاهما من طريق طارق (١) كذا أخرجه مالك في ((الموطأ)) (٥٨١) رواية أبي مصعب الزهري عن أبي النضر، عن سالم بن عبد الله بهذا الإسناد. أما في رواية يحيي الليثي ١/ ١٧٥ فقد جاء على صورة البلاغ: عن مالك، أنه بلغه أن عمر ابن الخطاب بنى رحَبةً في ناحية المسجد ... إلى آخره. ٣١٧ باب ١٩ / ح ٧١٦٧ -٧١٦٨ كتاب الأحكام ابن شِهاب قال: أُتيَ عمر بن الخطّاب برجلٍ في حَدِّ، فقال: أخرِ جاه من المسجد ثمَّ اضِرِباه، وسَنَده على شَرْط الشَّيخَين. وأمّا أَثَر عليٍّ فَوَصَلَه ابن أبي شيبة (٤٢/١٠) من طريق ابن مَعقِل - وهو بمُهمَلةٍ ساكنة وقاف مكسورة - أنَّ رجلاً جاءَ إلى عليٌّ(١) فسارَّه، فقال: يا قَنبَر أخرجه من المسجد فأقِم عليه الحدّ، وفي سنده مَن فیه مقال. ثمَّ ذكر حديث أبي هريرةَ في قصَّة الذي أقَرَّ أَنَّه زَنَى، فأعرَضَ عنه، وَفِيطاً: ((أبِكَ جنون؟» قال: لا. قال: ((اذهبوا به فارُوه)) وهذا القَدْر هو المراد في التَّرجمة، ولكنَّه لا يَسلَم من خَدْش، لأنَّ الرَّجم يحتاج إلى قَدرٍ زائد من حَفِرٍ وغيره ممّا لا يُلائم المسجد، فلا يَلزَم مِن تركه فيه تركُ إقامة غيره من الحدود، وقد تقدَّم شرحه في ((باب رَجْم المحصَن)) (٢) من كتاب الحدود. قوله: ((رواه يونس ومَعمَر وابن جُرَيجٍ، عن الزُّهْريّ، عن أبي سَلَمةَ، عن جابر)) يريد أنَّهم خالَفوا عُقَيلاً في الصَّحَابِيّ، فإِنَّه جَعَلَ أصل الحديث من رواية أبي سَلَمَةَ عن أبي هريرةَ، وقول ابن شِهاب: أخبَرَني مَن سَمِعَ جابر بن عبد الله: كنت فيمَن رَجَمَه بالمصَلَّى، وهؤلاءٍ جعلوا الحدیث کلّه عن جابر. ورواية مَعمَر وَصَلَها المؤلِّف في الحدود (٦٨٢٠)، وكذلك رواية يونس (٦٨١٤)، وأمّا رواية ابن جُرَيجِ فَوَصَلَها [مسلم](٣) وتقدَّمَت الإشارة إليها هناك أيضاً، حيثُ قال عَقِبَ رواية مَعمَر: لم يَقُل يونس وابن جُرَيج فصَلَّى عليه، وتقدَّم شرحه مُستَوفَّى هناك، ولله الحمد. قال ابن بَطّال: ذهب إلى المنع من إقامة الحدود في المسجد الكوفيّونَ والشافعيُّ وأحمد وإسحاق، وأجازَه الشَّعْبيُّ وابنُ أبي ليلى، وقال مالك: لا بأس بالضَّربِ بالسّياطِ اليسيرة، فإذا كَثُرَت الحدود، فليَكُن ذلك خارجَ المسجد. قال ابن بَطّال: وقول مَن نَّهَ المسجد عن (١) تحرفت في (س) إلى: عمر. (٢) بل في الباب الذي يليه وهو ((باب لا يرجم المجنون والمجنونة)) (٦٨١٥). (٣) لفظة ((مسلم)) سقطت من الأصلين و(س)، واستدركناها من الموضع السالف (٦٨٢٠) حيث أشار إليها هناك، وهي عند مسلم برقم (١٦٩١) (١٦). ٣١٨ باب ٢٠ / ح ٧١٦٩ فتح الباري بشرح البخاري ذلك أولى، وفي الباب حديثان ضعيفان في النَّهي عن إقامة الحدود في المساجد. انتهى، والمشهور فيه حديثُ مَكحولٍ عن أبي الدَّرداء وواثِلة وأبي أُمامةَ مرفوعاً: ((جَنُِّوا مساجدَكم صِبيانكم ... )) الحديث، وفيه: ((وإقامةَ حُدودِكم)) أخرجه البَيهَقيُّ في الخِلافّات، وأصله في ابن ماجه (٧٥٠) من حديث واثلة فقط، وليس فيه ذِكر الحدود(١)، وسَنَده ضعيف. ولابنِ ماجَهْ (٧٤٨) من حديث ابن عمر رَفَعَه: ((خِصالٌ لا تَنبَغي في المسجد: لا يُتَّخَذ طريقاً ... )) الحديث، وفيه: ((ولا يُضرَب فيه حَدٌّ) وسَنَده ضعيف أيضاً. وقال ابن المنيِّرِ: مَن كَرِهَ إدخال المِيِّت المسجدَ للصلاةِ عليه خَشْيَةَ أن يَخْرُج منه شيءٌ أولى بأن يقول: لا يُقام الحدّ في المسجد، إذ لا يُؤمَن خروج الدَّم من المجلود، ويَنبَغي أن يكون في القتل أولى بالمنع. ٢٠ - باب مَوْعِظة الإمامِ الخُصومَ ٧١٦٩- حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، عن مالكِ، عن هشام، عن أبيه، عن زينبَ ابنةِ أبي سَلَمَةَ، عن أمّ سَلَمَةَ رضي الله عنها، أنَّ رسولَ الله ◌َِّ قال: ((إنَّما أنا بَشَرٌ، وإِنَّكمْ تَخْتَصِمونَ إليَّ، ولعلَّ بعضَكم أن يكونَ الْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِن بعضٍ، فأقضي نحوَ ما أَسْمَعُ، فمَن قَضَيْتُ له بحَقِّ أخيه شيئاً فلا يأخُذْه، فإنَّما أُقطَعُ له قِطْعةٌ منَ النار)). قوله: ((بابُ مَوْعِظَةِ الإمام الخُصومَ» ذكر فيه حديث أمّ سَلَمَ: ((ولعلَّ بعضكم أن يكون ألحَن بحُجَّتِه من بعض)) وسيأتي شرحه بعدَ سبعة أبواب (٧١٨١)، ومُناسَبتُه للتَّرجمةِ ظاهرة، وبالله التّوفيق. ١٥٨/١٣ ٢١- باب الشَّهادةِ تكونُ عندَ الحاكم في وِلا يتهِ القَضاء أوْ قبلَ ذلك للخَّصْمِ وقال شُرَيحُ القاضي - وسَأَلَه إنسانٌ الشَّهادةَ - فقال: انتِ الأميرَ حتَّى أَشهَدَ لكَ. وقال عِكْرمةُ: قال عمرُ لعبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوْفٍ: لو رأيتَ رجلاً على حَدٍّ - زِنَّى أو سَرِقٍ - وأنتَ أميرٌ؟ فقال: شَهادتُكَ شَهادةُ رجلٍ منَ المسلمينَ، قال: صَدَقْتَ. (١) بل ذكرت فيه. ٣١٩ باب ٢١ كتاب الأحكام قال عمرُ: لولا أنْ يقولَ الناسُ: زاد عمرُ في كتاب الله، لكَتَبتُ آيَةَ الرَّجْمِ بيَدِي. وأقَرَّ ماعزّ عندَ النبيِّ وَّ بالزّنى أربعاً، فأمَرَ بَرَْمِهِ، ولم يُذكَر أنَّ النبيَّ ◌َّهِ أَشْهَدَ مَن حَضَرَهُ. وقال حَمَّدٌ: إذا أقَرَّ مَرَّةً عندَ الحاكمِ رُجِمَ. وقال الحَكَمُ: أربعاً. قوله: ((باب الشَّهادة تكون عندَ الحاكم في ولايته القضاء أو قبلَ ذلك للخَصْم)» أي: هل ١٥٩/١٣ يقضي له على خَصمه بعِلمِه ذلك، أو يَشهَد له عندَ حاكم آخَر؟ هكذا أورَدَ التَّرجمة مُسَفِهِماً بغير ◌َزم لقوَّة الخِلاف في المسألة، وإن كان آخِرُ كلامه يَقتَضي اختيار أن لا يَحكم بعِلمِه فيها. قوله: ((وقال شُرَيحٌ القاضي)) هو ابن الحارث الماضي ذِكرُه قريباً. قوله: ((وسَأَله إنسانٌ الشَّهادةَ فقال: انتِ الأمير حتَّى أَشهَد لك)) وَصَلَه سفيان الثَّوريّ في ((جامعه)) عن عبد الله بن شُبرُمَةَ عن الشَّعْبيّ قال: أشهَدَ رجلٌ شُرَيحاً، ثم جاءَ فخاصَمَ إليه، فقال: ائتِ الأميرَ وأنا أشهَد لك(١). وأخرجه عبد الرَّزّاق (١٥٤٥٨) عن ابن عُيَينَةَ، عن ابن شُبرُمَةَ قال: قلت للشَّعبيّ: يا أبا عَمرو، أرأيتَ رجلَينِ استُشهِدا على شَهادة، فماتَ أحدهما واستُقُضِي الآخَر؟ فقال: أُتيَ شُرَيحُ فيها وأنا جالِس فقال: انت الأميرَ وأنا أشهَد لك. قوله: ((وقال عِكْرِمَة: قال عمرُ لعبدِ الرَّحمن بن عَوْف: لو رأيتَ رجلاً على حَدٍّ ... )) إلى آخره، وَصَلَه الثَّوريّ أيضاً عن عبد الكريم الجَزَريِّ عن عِكْرمة به، ووَقَعَ في الأصل: لو رأيتَ - بالفَتحِ - وأنتَ أمير، وفي الجواب: فقال: شَهادتُك، ووَقَعَ في ((الجامع))(٢) بلفظ: أرأيتَ - بالفَتحِ - لو رأيتُ - بالضَّمِّ - رجلاً سَرَقَ أو زَنَى، قال: أرَى شَهادَك، وقال: أصَبتَ، بَدَلَ قوله: صَدَقت. وأخرجه ابن أبي شيبة (١٠٧/١٠) عن شَرِيك عن عبد الكريم بلفظ: أرأيت لو كنتَ القاضي أو الوالي وأبصَرتَ إنساناً على حَدٍّ، أكنت تُقيمه عليه؟ قال: لا، حتَّى يَشهَد معي (١) وأخرجه عبد الرزاق في («مصنفه)) (١٥٤٥٩) عن الثوري ومعمر، كلاهما عن شبرمة، بهذا الإسناد. (٢) وفي ((مصنف عبد الرزاق)) (١٥٤٥٦) عن الثوري ومعمر، كلاهما عن عبد الكريم، به. ٣٢٠ باب ٢١ فتح الباري بشرح البخاري غيري، قال: أصَبتَ، لو قلتَ غير ذلك لم تُّجِدْ؛ وهو بضمِّ المثنّاة وكسر الجيم وسكون الدّال: من الإجادة. قلت: وقد جاءَ عن أبي بكر الصِّدّيق نحوُ هذا وسأذكرُه بعدُ، وهذا السَّند مُنْقَطِعِ بينَ عِكْرمة ومَن ذكره عنه؛ لأنَّه لم يُدرِك عبدَ الرَّحمن فضلاً عن عمر، وهذا من المواضع التي يُنَّه عليها مَن يَغتَرّ بتَعميم قولهم: إنَّ التَّعليق الجازِم صحيح، فيجب تقييدُ ذلك بأن يُزاد: إلى مَن عُلِّق عنه، ويَبقَى النَّظَر فيما فوقَ ذلك. قوله: ((وقال عمر: لولا أنْ يقول الناسُ: زاد عمرُ في كتاب الله، لكَتَبتُ آية الرَّجْمِ بيَدِي» هذا طَرَفُ من حديث آخَر أخرجه مالك في ((الموطَّأ)» (٨٢٤/٢) عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيّب عن عمر، كما تقدَّم التَّنبيه عليه في ((باب الاعتراف بالزّنى)) (٦٨٢٩) في شرح حديثه الطَّويل في قصَّة الرَّجم الذي هو طَرَفٌ من قصَّة بَيْعة أبي بكرٍ في سَقِيفة بني ساعدة. قال المهلَّب: استَشهَدَ البخاريُّ لقولٍ عبد الرَّحمن بن عَوف المذكور قبلَه بقولِ عمر هذا أنَّه كانت عنده شَهادةٌ في آية الرَّجم أنَّها من القرآن، فلم يُلحِقها بنَصِّ المصحَف بشَهادتِه وحدَه، وأفصَحَ بالعِلَّةِ في ذلك بقولِه: لولا أن يُقال: زاد عمر في كتاب الله. فأشارَ إلى أنَّ ذلك من قَطع الذَّرائع، لئلّا يَجِد حُكّامُ السّوء السَّبِيلَ إلى أن يَدَّعوا العِلم لمن أحَبّوا له الحُكمَ بشيءٍ. قوله: ((وأقَرَّ ماعِزٌ عِندَ النَّبِيّ ◌َ بالزّنى أربعاً، فأمَرَ بَرَْمِهِ، ولم يُذكَر أنَّ النَّبِّ وَ أَشْهَدَ مَن حَضَرَه)» هذا طَرَف من الحديث الذي ذُكِرَ قبلُ بباب، وقد تقدَّم موصولاً من حديث أبي هريرةَ، وحكايةُ الخِلاف على أبي سَلَمةَ في اسم صحابيّه (٦٨١٤ -٦٨١٦). قوله: ((وقال حَمَّاد)) هو ابن أبي سليمان، فقيه الكوفة. قوله: ((إذا أقَرَّ مَرَّةً عِندَ الحاكم رُجِمَ. وقال الحَكَم)) هو ابن عُتَيبة بمُثنّاةٍ ثمَّ موخَّدة مُصفَّر، وهو فقيه الكوفَة أيضاً. قوله: ((أربعاً)) أي: لا يُرجَم حتَّى يُقِرّ أربعَ مرَّات، كما في حديث ماعِز، وقد وَصَلَه ابن ١٦٠/١٣ أبي شيبة (٧٦/١٠) من طريق شُعْبة قال: سألتُ حَمَّداً/ عن الرجل يُقِرُّ بالزِّنى كم يُرَدُّ؟