النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
باب ١٤ / ح ٧١٦١
كتاب الأحكام
أحَبَّ إليَّ أَنْ يَعِزُّوا مِن أهلِ خِبائكَ، ثُمَّ قالت: إنَّ أبا سفيانَ رجلٌ مِسِّيكٌ، فَهَل عليَّ مِن حَرَجِ
أنْ أُطعِمَ الذي له عِيالَنا؟ قال لها: لا حَرَجَ عليكِ أنْ تُطْعِمِيهِم مِن معروفٍ)).
قوله: ((بابُ مَن رأى للقاضي أنْ يَحِكُم بعِلمِه في أمر الناس إذا لم يَخَفِ الظُنون والتُّهُمَة»
أشارَ إلى قول أبي حَنيفة ومَن وافَقَه: أنَّ للقاضي أن يحكُم بعِلمِه في حقوق الناس، وليس له
أن يقضي بعِلمِه في حقوق الله، كالحدودِ، لأنَّها مَبنيَّة على المسامحة، وله في حقوق الناس
تفصِيل؛ قال: إن كان ما علِمَه قبلَ ولايته لم يَحَكُم، لأنَّه بمَنزِلةِ ما سَمِعَه من الشُّهود وهو
غیر حاكم، بخلاف ما علمه في ولايته.
وأمّا قوله: ((إذا لم يَخَف الظَّنون والتُّهمَة)) فقَّدَ به قولَ مَن أجازَ للقاضي أن يقضي بعِلمِهِ؛
لأنَّ الذينَ مَنَعوا ذلك مُطلَقاً اعتَلّوا بأنَّه غير مَعصوم، فيجوز أن تَلحَقه التُّهمَة إذا قَضَى
بعِلمِه أن يكون حَكَمَ لصديقه على عدوِّه، فحُسِمَت المادّة، فجَعَلَ المصنّف مَحَلّ الجواز ما
إذا لم يَخَف الحاكم الظُّنون والتُّهمَة، وأشارَ إلى أنَّه يَلزَم من المنع من أجل حَسْم المادّة أن
يَسمَع مَثَلاً رجلاً طَلَّقَ امرأته طلاقاً بائناً، ثمَّ رَفَعته إليه فأنكَرَ، فإذا حَلَّفَه فحَلَفَ لَزِمَ أن
يُدِيمَه على فرجِ حَرامٍ فيَفسُق به، فلم يَكُن له بُدُّ من أن لا يَقبَل قوله ويَحَكُم عليه بعِلِمِه،
فإن خَشِيَ التُّهمَة فَلَه أن يَدِفَعه ويُقيم شَهادتَه عليه عندَ حاكمٍ آخَر، وسيأتي مزيدٌ لذلك في
((باب الشَّهادة تكون عند الحاكم)) (٧١٧٠).
وقال الكَرابِيسيُّ: الذي عندي أنَّ شَرط جواز الحُكم بالعِلمِ أن يكون الحاكم مشهوراً
بالصَّلاحِ والعَفاف والصِّدق، ولم يُعرَف بكبيرِ زَلَّة، ولم يُؤخَذ عليه خَرَبةٍ(١)، بحيثُ تكون
أسباب التُّقَى فيه موجودة، وأسباب التُّهَم فيه مَفقودَة، فهذا الذي يجوز له أن يَحَكُم بعِلمِه
مُطلَقاً. قلت: وكأنَّ البخاريّ أخَذَ ذلك عنه، فإنَّه من مشايخِه.
قوله: ((كما قال النَّبِيُّ ◌َالِهِنْدِ: خُذي ما يَكْفيك ووَلدَك بالمعروفِ)) هذا اللَّفظ وَصَلَه المؤلِّف
في النَّفَقات (٥٣٦٤) من طريق هشام بن عُروَة عن أبيه، وقد ساقَ القصَّة في هذا الباب
بغير هذا اللَّفظ من طريق الزُّهْريّ عن عُروَة.
(١) يعني: العيب والفساد في الدِّين.

٢٨٢
باب ١٤ / ح ٧١٦١
فتح الباري بشرح البخاري
وقوله: ((وذلك إذا كان أمراً مشهوراً)) هذا تفسير قول مَن قال: يَقضِي بعِلمِه مُطلَقاً.
ويحتمل أن يكون المرادُ بالمشهور: الشيءَ المأمورَ بأخذِه، ثم ذكر قصة هند بنت عتبة.
قوله: ((ما كان على ظَهْر الأرض أهلُ خِباء أحَبَّ ... )) إلى آخره، تقدَّم في السّيرة النبويَّة
في المناقب والكلام عليه (٣٨٢٥)، وتقدَّم شرح ما تَضَمَّنَه الحديث المذكور في كتاب النَّفَقات،
وفيه بيان استدلال مَن استَدَلَّ به على جواز حُكم الحاكم بعِلمِهِ، ورَدّ قول المستَدِلّ به على
الحُكم على الغائب.
قال ابن بَطّال: احتَجَّ مَن أجازَ للقاضي أن يَحِكُم بعِلمِه بحديثِ الباب، فإنَّه ◌َلِّ قَضَى
لها بوجوبِ النَّفَقة لها ولوَلَدِها، لعِلمِه بأنَّهَا زوجة أبي سفيان، ولم يَلتَمِس على ذلك بيِّنَة،
ومن حيثُ النَّظَرِ أنَّ عِلمه أقوى من الشَّهادة، لأَنَّه يَتَيقَّن ما عِلِمَه، والشَّهادةُ قد تكون كذِباً،
وحُجَّة مَن مَنَعَ: قولُه في حديث أمّ سَلَمَةَ: ((إنَّما أقضي له بما أسمَع)) (١) ولم يَقُل: بما أعلم،
وقال لَلحَضرَميّ: ((شاهِداكَ أو يمينُه)) وفيه: ((وليس لك إلّا ذلك))(٢)، ولما يُخْشَى من قُضاة
السّوء أن يَجِكُم أحدهم بما شاءَ ويُحيل على عِلمه.
واحتَجَّ مَن مَنَعَ مُطلَقاً بالُّهمَة، واحتَجَّ مَن فضَّلَ بأنَّ الذي عِلِمَه الحاكم قبلَ القضاء
كان على طريق الشَّهادة، فلو حَكَمَ به لَحَكَمَ بشَهادةِ نفسه، فصارَ بمَنِزِلةِ مَن قَضَى بدَعواه
على غيره، وأيضاً فيكون كالحاكم بشاهدٍ واحد، وقد تقدَّم له تعليل آخَر. وأمّا في حال
القضاء ففي حديث أمّ سَلَمةَ: ((فإنَّما أقضي له على نحو ما أسمَع)) ولم يُفرِّق بین سماعه من
شاهدٍ أو مُدَّعٍ، وسيأتي تفصيلُ المذاهب في الحُكم بالعِلْم في ((باب الشَّهادة تكون عندَ
الحاكم في ولاية القضاء)).
١٤٠/١٣
وقال ابن المنيِر: لم يَتعرَّض ابن بَطّال لمقصودِ الباب، وذلك أنَّ البخاريّ احتَجَّ لجوازِ
الحُكم بالعِلمِ بقصَّةِ هِنْد، فكان يَنْبَغِي للشّارحِ أن يَتَعقَّب ذلك بأنْ لا دليلَ فيه؛ لأنَّه خَرَجَ
(١) سلف برقم (٦٩٦٧).
(٢) أخرجه مسلم (١٣٩)، وأبو داود (٣٢٤٥)، والترمذي (١٣٤٠)، والنسائي في ((الكبرى)) (٥٩٤٩) من
حديث وائل بن حجر. وانظر حديث الأشعث بن قيس السالف برقم (٢٣٥٧).

٢٨٣
باب ١٥
كتاب الأحكام
تَخَرَج الفُتيا، وكلام المفتي يتنزّل على تقدير صِحَّة إنهاء المستفتي، فكأنَّه قال: إن ثَبَتَ أنَّه
يَمنَعَك حَقَّك جازَ لك استيفاؤه مع الإمكان. قال: وقد أجابَ بعضهم بأنَّ الأغلَب من
أحوال النَّبِيّ وَّه الحُكم والإلزام، فيجب تنزيل لفظِهِ عليه، لكن يَرِدُ عليه أنَّه وَّ ما ذكر
في قصَّة هِند أنَّه يَعلم صِدقها، بل ظاهر الأمر أنَّه لم يَسمَع هذه القصّة إلّا منها، فكيف يَصِحّ
الاستدلال به على حُكم الحاكم بعِلمِهِ؟
قلت: وما ادَّعَى نَفيَه بعيد، فإنَّه لو لم يَعلم صِدقَها لم يَأمُرُها بالأخذ، واطِّلاعه على
صِدِقِها تُمكِن بالوَحِي دونَ مَن سِواه، فلا بُدَّ مِن سَبق عِلم، ويُؤيِّد اطّلاعَه على حالها من
قبلٍ أن تَذكُرَ ما ذَكَرت من المصاهَرَة، ولأنَّ قَبِلَ قولها إنَّها زوجة أبي سفيان بغير بيِّنَة،
واكتَفَى فيه بالعِلم، ولأنَّه لو كانت فُتيا لَقال مَثَلاً: تَأْخُذ، فلمَّا أتى بصيغة الأمر بقولِه:
((خُذي)) دَلَّ على الحُكم، وسيأتي لهذا مزيدٌ في ((باب القضاء على الغائب)) (٧١٨٠).
ثمَّ قال ابن المنيِّر أيضاً: لو كان حُكماً لاستَدعَى مَعرِفَة المحكوم به، والواقع أنَّ المحكوم
به غير مُعيَّن. كذا قال، والله أعلم.
١٥ - باب الشَّهادةِ على الخطِّ المختوم
وما يجوزُ مِن ذلك وما يَضِيقُ عليه، وكتابِ الحاكمِ إلى عامِلِهِ، والقاضي إلى القاضي
وقال بعضُ الناس: كتاب الحاكمِ جائزٌ إلّا في الحدودِ، ثمَّ قال: إنْ كان القتلُ خَطَاً فهو
جائزٌ، لأنَّ هذا مالٌ بَزَعْمِهِ، وإنَّما صارَ مالاً بعدَ أنْ ثَبَت القتلُ، فالخطأُ والعَمْدُ واحدٌ.
وقد كَتَبَ عمرُ إلى عامِلِه في الحدودِ.
وَكَتَبَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ فِي سِنِّ كُسِرَتْ.
وقال إبراهيمُ: كتابُ القاضي إلى القاضي جائزٌ إذا عَرَفَ الكتابَ والخاتَمَ.
وكان الشَّعْبيُّ مُحِيزُ الكتابَ المختومَ بما فيه منَ القاضي.
ويُروَی عن ابنِ عمرَ نحوُه.

٢٨٤
باب ١٥
فتح الباري بشرح البخاري
وقال معاويةُ بنُ عبدِ الكِرِيمِ الثَّقَفيُّ: شَهِدْتُ عبدَ الملِك بنَ يَعْلِى قاضيَ البَصْرةِ، وإِیاسَ
ابنَ معاويةً، والحسنَ، وثُمامةَ بنَ عبدِ الله بنِ أنسٍ، وبلالَ بنَ أبي بُرْدةَ، وعبد الله بنَ بُرَيدةَ
الأسلَميَّ، وعامرَ بنَ عَبَدَةَ، وعبَّادَ بنَ منصورٍ يُحِيزونَ كُبَ القُضاةِ بغيرِ تَحْضَرٍ منَ الشُّهودِ،
فإنْ قال الذي جِيءَ عليه بالكتاب: إنَّه زورٌ، قيل له: اذهبْ فالتَمِسِ المَخرَجَ مِن ذلك.
وأوَّلُ مَن سَأَلَ على كتاب القاضي البيَّةَ ابنُ أبي ليلَى، وسَوّارُ بنُ عبدِ الله.
وقال لنا أبو نُعيم: حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ مُخْرٍِ: جئتُ بكتابٍ مِن موسى بنِ أنسٍ قاضي البَصْرةِ،
وأقَمْتُ عندَه البَيِّئَةَ: أنَّ لي عندَ فلانٍ كذا وكذا، وهو بالكوفةِ، فجِئتُ به القاسمَ بنَ عبدِ الرَّحمنِ
فأجازَهُ.
وكَرِهَ الحسنُ وأبو قِلَابَةَ أنْ يَشهَدَ على وصِيّةٍ حتَّى يَعلَمَ ما فيها، لأنَّه لا يَدْري لعلَّ فيها
جَوْراً.
وقد كَتَبَ النبيُّ وَّهِ إلى أهلِ خَيْرَ: ((إمّا أنْ تَدُوا صاحبَكم وإمّا أنْ تُؤْذِنوا بحَرْبٍ)).
وقال الزُّهْريُّ في الشَّهادةِ على المرأةِ مِن السِّرِ: إِنْ عَرَفْتَها فاشهَد، وإلّا فلا تَشْهَد.
١٤١/١٣
قوله: ((باب الشَّهادة على الخطّ المختوم)) كذا للأكثرِ بمُعجَمةٍ ثمَّ مُثنّاة، وفي رواية
الكُشمِيهَنيّ: المحكوم، بمُهمَلٍ ثمَّ كاف، أي: المحكوم به، وسَقَطَت هذه اللَّفظَة لابنِ
بَطّال. ومُرادُه: هل تَصِحُّ الشَّهادة على الخطّ، أي: بأنَّه خَطُّ فلان، وقُيِّدَ بالمختوم لأنَّه
أقرَبُ إلى عَدَم التَّزوير على الخطّ.
قوله: ((وما يجوزُ من ذلك وما يَضيقُ عليه)) يريد أنَّ القول بذلك لا يكون على التَّعميم
إثباتاً ونَفياً، بل لا يُمنَع ذلك مُطلَقاً فَتَضيعُ الحقوق، ولا يُعمَل بذلك مُطلَقاً فلا يُؤمَنُ فيه
التَّزوير، فيكون جائزاً بشُروطٍ.
قوله: ((وكتابٍ الحاكم إلى عامِلِهِ، والقاضي إلى القاضي)) يشير إلى الرّدِّ على مَن أجازَ
الشَّهادة على الخطّ ولم يُحِزْها في كتاب القاضي وكتاب الحاكم وسيأتي بيانُ مَن قاله والبحث
معه فیه.

٢٨٥
باب ١٥
كتاب الأحكام
قوله: «وقال بعضُ الناس: كتابُ الحاكم جائزٌ إلّا في الحدود، ثمَّ قال: إنْ كان القتل خَطَأ
فهو جائز، لأنَّ هذا مالٌّ بزَعْمِهِ، وإنَّما صارَ مالاً بعدَ أنْ ثَبَتَ القتل)) قال ابن بَطّال: حُجَّةُ البخاريّ
على مَن قال ذلك من الحنفيّة واضحة، لأنَّه إذا لم يُجِزِ الكتاب بالقتلِ فلا فرق بينَ الخَطأ
والعَمْد في أوَّل الأمر، وإنَّما يصيرُ مالاً بعدَ الثُبوت عندَ الحاكم، والعَمْد أيضاً ربَّما آلَ إلى
المال فاقتَضَى النَّظَرُّ النَّسويةَ.
قوله: ((وقد كَتَبَ عمر إلى عامِله في الحدود)) في رواية أبي ذرِّ عن المُستَملي والكُشمِيهَنيّ:
(في الجارود)) بجيم خفيفة وبعدَ الألف راء مضمومة، وهو ابن المعلَّى، ويُقال: ابن عَمرو بن
المعَّى العبديُّ، ويُقال: كان اسمُه بِشراً، والجارودُ لَقَبُه، وكان الجارود المذكور قد أسلَمَ وصَحِبَ
ثمَّ رَجَعَ إلى البحرَينِ فكان بها، وله قصَّةٌ مع قُدامَةَ بن مَظعُون عاملٍ عمرَ على البحرَينِ، أخرجها
عبد الرَّزاق (١٧٠٧٦) من طريق عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: استَعملَ عمرُ قُدامَةَ بنَ
مَظعون، فقَدِمَ الجارود سَيِّد عبد القَيس على عمر، فقال: إنَّ قُدامَةَ شَرِبَ فسَكِرَ، فَكَتَبَ عمر
إلى قُدامَةَ في ذلك ... ، فذكر القصَّة بطولها في قُدوم قُدامَةَ وشَهادة الجارود وأبي هريرةَ عليه،
وفي احتجاج قُدامَةَ بآية المائدة، وفي رَدِّ عمر عليه وجَلِدِه الحدَّ وسَنَدُها صحيح، وقد تقدَّم
في آخر الحدود(١)، ونزل(٣) الجارودُ البصرة بعدَ ذلك واستُشهِدَ في خِلَافة عمر سنة عِشرينَ.
قوله: ((وكَتَبَ عمرُ بن عبد العزيز في ◌ِنّ كُسِرَت)) وَصَلَه أبو بكر الخلال في کتاب
((القِصاص والدّيات)) من طريق عبد الله بن المبارَك عن حَكِيم بن رزيق(٣) عن أبيه قال:
كَتَبَ إليَّ عمرُ بن عبد العزيز كتاباً أجازَ فيه شَهادة رجل على سِنَّ كُسِرَت.
قوله: ((وقال إبراهيم: كتاب القاضي إلى القاضي جائز إذا عَرفَ الكتابَ والخاتَم)) وَصَلَه
ابن أبي شيبة (٧/ ٢٨١) عن عيسى بن يونس عن عُبَيدَة عن إبراهيم.
(١) انظر المغازي (٤٠١١) وشرح الحافظ عليه.
(٢) تحرفت في (س) إلى: ونزول، وفي (ع) إلى: وترك، والمثبت من (أ).
(٣) تصحفت في (س) إلى: زريق، والصواب ما أثبتنا بتقديم الراء على الزاي. انظر: ((المؤتلف والمختلف))
للدار قطني ١٠١٣/٢، و(الإكمال)) لابن ماكولا ٥٠/٤.

٢٨٦
باب ١٥
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وكان الشَّعْبيُّ يجيز الكتاب المختوم بما فيه من القاضي)» وَصَلَه أبو بكر بن أبي
شَيبة (٧/ ٢٨٠) من طريق عيسى بن أبي عَزَّة قال: كان عامرٌ - يعني: الشَّعْبِيَّ - يُجيز الكتاب
المَختوم يَيتُه من القاضي. وأخرج عبد الرَّزّاق (١٥٥١٧) من وجه آخَرَ عن الشَّعْبيّ
قال: لا يَشْهَد ولو عَرَفَ الكتاب والخاتَم حتَّى يَذكُر. ويُجمَع بينهما بأنَّ الأوَّل إذا كان من
القاضي إلى القاضي، والثّاني في حَقّ الشّاهد.
قوله: ((ويُروَى عن ابن عمر نحوه)) قلت: لم يقع لي هذا الأثَر عن ابن عمر إلى الآن.
قوله: ((وقال مُعاوية بنُ عبد الكريم الثَّقفيّ)) هو المعروف بالضّالِّ بضادٍ مُعجَمة ولام
ثقيلة، سُمّيَ بذلك لأنَّ ضَلَّ في طريق مكَّة، قاله عبد الغنيّ بنُ سعيدِ المِصريّ، ووَّقه أحمد
١٤٢/١٣ وابن مَعِين وأبو داود والنَّسائيُّ، وماتَ سنة ثمانينَ ومئة، وكان مُعمَّراً أدرَكَ أبا رَجاءٍ
العُطارديَّ، وقد وَصَلَ أثَرَه هذا وكيعٌ في ((مُصنَّفه)) عنه.
قوله: ((شَهِدْتُ)) أي: حَضَرتُ ((عبد الملك بن يَعْلى قاضي البَصْرَة)) هو اللَّيْثِيُّ، تابعيُّ ثقة،
وكان يزيد بنُ هُبَيرة ولّاه قضاء البصرة لّا وليَ إمارَتها من قِبَل يزيد بنِ عبد الملك بن
مروان، ذكر ذلك عمر بن شَبَّة في ((أخبار البصرة))، وقال: إنَّه ماتَ وهو على القضاء. وأرَّخَه
ابن حِبّان في «الثِّقات)) سنة مئةٍ، فوَهِم. وذكر ابن سعد أنَّه كان قاضياً قَبْل الحسن، وماتَ في
خِلَافة عمر بنِ عبد العزيز، والصَّواب بعد الحسن، وقولُ عمر بن شَبََّ هو المعتمَد، وأنَّ ابن
هُبَيرة هو الذي ولّاه، وماتَ على القضاء بعدَ ذلك بعدَ المئة بسنتَينٍ أو ثلاث، ويُقال: بل عاشَ
إلى خلافة هشام بن عبد الملك فعَزَلَه خالد بن عبد الله القَسْريّ ووَلَّى تُمامة بن عبد الله بن أنس.
قوله: ((وإياس بن معاوية)) بكسر الهمزة وتخفيف التَّحتانيَّة: هو المُزَنيُّ، المعروف بالذّكاء،
وكان قد وليَ قضاء البصرة في خِلَافة عمر بن عبد العزيز، ولّاه عَديُّ بن أرطاةَ عامل عمر
عليها بعدَ امتناعه منه، وله في ذلك أخبار، منها ما ذكره الكَرَابيسيُّ في ((أدب القضاء)) قال:
حدَّثنا عُبَيد الله ابن عائشة حدَّثني عبد الله بن عمرو (١) القيسيّ قال: قالوا لإياسٍ لمَّ امتَنَعَ
من الولاية: يا أبا واثِلة اختَرْ لنا، قال: لا أتقَلَّد ذلك، قيل له: لو وَجَدتَ رجلاً تَرْضاه
(١) تحرفت في (س) إلى: عمر، والمثبت من الأصلين.

٢٨٧
باب ١٥
كتاب الأحكام
أكنت تُشير به؟ قال: نَعَم، قيل: وتَرضَى له أن يَليَ إذا كان رِضاً؟ قال: نَعَم، قيل له: فإنَّك
خِيَارِ رِضاً، فلم يزالوا به حتَّى وَليَ(١).
قلت: ثمَّ وَقَعَ بينهما، فَرَكِبَ إِياسٌ إلى عمرَ بن عبد العزيز، فبادَرَ عَدِيٌّ فَوَلَّى الحسن
البصريَّ القضاء، فكَتَبَ عمر يُنكِرِ على عَديِّ ما ذكره عنه إياس ويوَفِّقْ صَنِيعه (٢) في تَولية
الحسن القضاء، ذكر ذلك عمر بن شَبَّة، وماتَ إياسٌ سنة اثنتَينِ وعِشرينَ ومئة، وهو ثقة
عند الجميع.
قوله: ((والحسن)) هو ابن أبي الحسن البصريّ الإمامُ المشهور، وكان وليَ قضاء البصرة
مُدَّةً لطيفة، ولّاء عَديٌّ أميرها لما ذَكَرنا، وماتَ الحسن سنة عَشرٍ ومئة.
قوله: ((وثُمامة بن عبد الله بن أنس)) هو الرَّاوي المشهور، وكان تابعيّاً ثقة، نابَ في القضاء
بالبصرةٍ عن أبي بُردَة، ثمَّ وليَ قضاءَ البصرة أيضاً في أوائل خِلَافة هشام بن عبد الملك،
ولّاه خالد القَسْريُّ سنة ستّ ومئة، وعَزَلَه سنة عَشر، وقيل: سنة تسع، ووَلَّى بلال بنَ أبي
بُردَة، وماتَ ثُمامة بعدَ ذلك.
قوله: ((وبلال بن أبي بُرْدَة)) أي: ابن أبي موسى الأشعريّ، وكان صديقَ خالد بن عبد الله
القَسْريّ، فَوَلَاه قضاء البصرة لمَّا وليَ إمرَتها من قِبَل هشام بنِ عبد الملك، وضمَّ إليه
الشُّرَطَة، فكان أميراً قاضياً، ولم يزل قاضياً إلى أن قتله يوسف بنُ عمر الثَّقفيّ لمَّا وليَ
الإمرَة بعدَ خالد، وعَذَّبَ خالداً وعُمَّاله ومنهم بلال، وذلك في سنة عِشرينَ ومئة، ويُقال:
إنَّه ماتَ في حَبس يوسف، وقد أخرج له التِّرمِذيّ حديثاً واحداً(٣)، ولم يكُن محموداً في
أحكامه، ويُقال: إنَّه كان يقول: إنَّ الرجلينِ لَيَخْتَصِمان إليَّ فأجِد أحدهما أخَفَّ على قلبي
فأقضِي له، ذكر ذلك أبو العبَّاس المبَرِّد في ((الكامل)).
(١) وأورد هذه القصة أيضاً مسندةً محمد بن خلف في ((أخبار القضاة)) ١/ ٣١٧، والدولابي في ((الكنى
والأسماء)) (١٩٥٢)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ٢٤/١٠.
(٢) في (أ) و(س): صُنعَه، والمثبت من (ع).
(٣) برقم (٣٢٥٢).

٢٨٨
باب ١٥
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وعبد الله بن بُرَيدَةَ الأسلَميّ)) هو التّابعيّ المشهور، وكان وليَ قضاء مَروِ بعدَ
أخيه سليمان سنة خمسَ عَشْرةَ ومئة إلى أن ماتَ وهو على قَضائها سنة خمسَ عَشْرةَ ومئة،
وذلك في ولاية أسد بن عبد الله القَسْريّ على خُراسان، وهو أخو خالد القَسْريّ. وحديثُ
عبد الله بن بُرَيدَةَ بن الحُصَيب(١) هذا في الكتب السَِّّة.
قوله: ((وعامر بن عَبَدَةَ)) هو بفتح الموحَّدة، وقيل: بسكونها، ذكره ابن ماكولا بالوجهَين،
وقيل فيه أيضاً: عَبِيدَةُ بكسر الموخَّدة وزيادة ياء، وجميع مَن في البخاريّ بالسُّكونِ إلّا
بَجالة بن عَبَدَة المقدَّم ذكره في كتاب الجِزية (٣١٥٦) فإنَّه بالتَّحريك، وعامر: هو البَجَليُّ
أبو إياس الكوفيّ، ووثَّقه ابن مَعِين وغيره، وهو من قُدَماء التّابعين، له رواية عن ابن
مسعود، وروى عنه المسيّب بن رافع وأبو إسحاق، وحديثه عند النَّسائيّ، وكان وليَ
القضاء بالكوفَةِ مرَّةً وعَمَّرَ.
١٤٣/١٣
قوله: ((وعبَّد بن منصور)) أي: الناجيّ/ - بالنّونِ والجيم - يُكْنى أبا سَلَمةَ، بصريّ، قال
أبو داود: وليَ قضاء البصرة خمس مرَّات، وذكر عمر بن شَبَّ أنَّه أوَّلَ ما وليَ سنة سبع
وعِشرينَ، ولّاه يزيد بن عَمْروَ (٢) بن هُبَيرة، فلمَّا عُزِلَ ووَلِيَ سَلْم(٣) بن قُتَيْبة عَزَلَه ووَلَّى
معاوية بنَ عمرو، ثمَّ استَعفَى فأعفاه سَلْم(٣)، وأعادَ عبَّاد بن منصور، وكان عبَّادٌ يُرمَى
بالقَدَرِ ويُدَلِّس فضَعَّفوه بسببٍ ذلك، ويُقال: إنَّه تَغيَّرَ، وحديثه في ((السُّنَن)) الأربعة،
وعَلَّقَ له البخاريّ شيئاً، وماتَ سنة اثنتَينِ وخمسينَ ومئة.
قوله: ((يُحيزونَ كتب القُضاة بغير تَحْضَر من الشُّهود ... )) إلى آخره، يعني: قوله: «فالتَمِس
المَخْرَج)) وهو بفتح الميم وسكون المعجَمَة وآخره جيم: أطلُب الخروج من عُهدَة ذلك،
إمّا بالقَدحِ في البِّنَة بما يُقبَل فتُبطِلِ الشَّهادة، وإمّا بما يَدُلّ على البراءَة من المشهود به.
(١) تصحفت في (أ) و(س) إلى: الخصيب، وجاءت على الصواب في (ع)، وانظر: ((تقريب التهذيب)) ترجمة
صخر بن عبد الله بن بريدة، و((تبصير المنتبه)) ١/ ٣٤٠ كلاهما للحافظ ابن حجر.
(٢) تحرفت في (س) إلى: عمر.
(٣) تحرفت في (س) إلى: مسلم، في الموضعين.

٢٨٩
باب ١٥
كتاب الأحكام
قوله: ((وأوَّل مَن سَأَلَ على كتاب القاضي البيّنة ابنُ أبي ليلى)) هو محمّد بن عبد الرّحمن بن
أبي ليلى قاضي الكوفَة، وأول ما (١) وليَها في زمن يوسف بن عمر الثَّقفيّ في خِلَافة الوليد
ابن يزيد، وماتَ سنة ثمانٍ وأربعينَ ومئة وهو صَدُوق، اتَّفقوا على ضعف حدیثه من قِبَل
سوء حِفظه. وقال السّاجيُّ: كان يُمدَح في قَضائه، فأمّا في الحديث فليس بحُجَّةٍ. وقال
أحمد: فِقهُ ابن أبي ليلى أحَبُّ إليَّ من حديثه.
وحديثه في (السُّنَن)) الأربعة، وأغفَلَ المُِّّ أن يُعلِّم له في ((التَّهذيب)) علامَة تعليق
البخاريّ، كما أغفَلَ أن يُتَرجِم لسوّار بن عبد الله المذكورِ بعدَه أصلاً، مع أنَّه أعلَمَ لكلِّ مَن
ذكره معاويةُ بنُ عبد الكريم هنا ثمّن لم يُخْرِّج له شيئاً موصولاً.
قوله: ((وسَوّار بن عبد الله)) بفتح المهمَلة وتشديد الواو، وهو العَنبَريّ، نسبة إلى بني
العَنبَرَ مِن بني تَميم، قال ابن حِبّان في ((الثِّقات)): كان فقيهاً، ولّاه المنصور قضاء البصرة
سنة ثمانٍ وثلاثينَ ومئة، فَبَقِيَ على قَضائها إلى أن ماتَ في ذي القَعدَة سنة ستٌّ وخمسين،
وحَفيدُهُ سَوّار بن عبد الله بن سَوّار بن عبد الله وليَ قضاء الرُّصافَة ببغداد والجانب الشَّرقيّ،
وحديثه في ((السُّنَن)) الثَّلاثة، وماتَ سنة خمسٍ وأربعينَ ومئتين.
قوله: ((وقال لنا أبو نُعيم)) هو الفَضل بن دُکَینٍ.
قوله: ((حَدَّثَنَا عُبيد الله)) بالتَّصغيرِ ((ابن تُخْرِز)) بضمِّ الميم وسكون المهمَلة وكسر الرَّاء
بعدَها زاي، هو كوفيّ، ما رأيت له راوياً غيرَ أبي نُعَيم، وما له في البخاريّ سوى هذا الأثَر،
ولم يَزِدِ المُِّّ في ترجمته على ما تَضَمَّنَه هذا الأثَر.
قوله: ((جِئْتُ بكتابٍ من موسى بن أنسٍ قاضي البَصْرَة)) أي: ابنِ مالك، التّابعيّ المشهور،
وكان وليَ قضاء البصرة في ولاية الْحَكَم بن أيوب الثَّقفيّ، وهو ثقة، حديثُه في الكتب السِّنَّة،
وقال ابن حِبّان في ((الثِّقات)): ماتَ بعدَ أخيه النَّضر بالبصرة، وكانت وفاة النَّضر قبل وفاة
الحسن البصريّ سنة ثمانٍ أو تسعٍ ومئة.
(١) عبارة ((وأول ما)) تحرفت في (س) إلى: وإمامها.

٢٩٠
باب ١٥
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فجِئْت به القاسم بنَ عبد الرَّحمن)» أي: ابن عبد الله بن مسعودٍ المسعوديّ، يُكْنی
أبا عبد الرَّحمن، وقال العِجليُّ: ثقة، وكان على قضاء الكوفَة زمن عمر بن عبد العزيز،
وكان لا يَأْخُذ على القضاء أجراً، وكان ثقةً صالحاً، وهو تابعيّ.
قال ابن المَدِينيّ: لم يَلقَ من الصَّحابة إلّا جابر بنَ سَمُرة، ويُقال: إنَّه ماتَ سنة ستَّ
عَشْرةَ ومئة.
قوله: («فأجازَ)» بجيمٍ وزاي، أي: أمضاه وعَمِلَ به.
تنبيه: وَقَعَ في ((المغني)) لابنِ قُدامَةَ: يُشتَرَط في قول أئمَّة الفَتَوَى أن يَشْهَد بكتابٍ
القاضي إلى القاضي شاهدان عَدلان، ولا تكفي مَعرِفَةُ خَطّ القاضي وخَتْمِه، وحُكي عن
الحسن وسوّار والحسن العَنبَريّ أنَّهم قالوا: إذا كان يَعرِف خَطّه وختمه قَبِلَه، وهو قول أبي
ثَور. قلت: وهو خِلاف ما نَقَلَه البخاريّ عن سَوّار أنَّه أوَّل مَن سَألَ البيِّنَة، ويَنضَمّ إلى مَن
ذكرهم ابنُ قُدامَةَ سائرُ مَن ذكرهم البخاريُّ من قُضاةِ الأمصار من التّابعينَ فمَن بعدَهم.
قوله: ((وكَرِهَ الحسن)) هو البصريّ، وأبو قِلَابةَ: هو الجَرْميّ بفتح الجيم وسكون الرَّاء.
قوله: ((أنْ يَشهَد)) بفتح أوَّله، والفاعلُ محذوف، أي: الشّاهُ.
قوله: ((على وصيَّةٍ حتَّى يعلم ما فيها)) أمّا أَثَر الحسن فوَصَلَه الدَّارِميُّ (٣٢٨٠) من رواية
١٤٤/١٣ هشام بن حسَّان/ عنه قال: لا تَشهَد على وصيَّةٍ حتَّى تُقرَأ عليك، ولا تَشهَد على مَن لا
تَعرِف. وأخرجه سعيد بن منصور من طريق يونس بن عُبَيد عن الحسن نحوه(١).
وأمّا أثَر أبي قِلَابةَ فَوَصَلَه ابن أبي شَيْبة (١١/ ١٨٢) ويعقوب بن سفيان(٢) جميعاً من
طريق حمّاد بن زيد عن أيوب قال: قال أبو قِلَابةَ في الرجل يقول: اشهَدوا على ما في هذه
الصَّحيفة، قال: لا، حتَّى يُعلَم ما فيها. زاد يعقوب: وقال: لعلَّ فيها جَوْراً. وفي هذه الزّيادة
بيانُ السَّبب في المنع المذكور.
(١) أخرجه يعقوب بن سفيان في ((المعرفة والتاريخ)) ٨٢١/٢ عن سعيد بن منصور، بهذا الإسناد إلى الحسن
أنه كان يكره شهادة الرجل على الوصية في صحيفة مختومة.
(٢) في ((المعرفة والتاريخ)) ٨٢١/٢.

٢٩١
باب ١٥ / ح ٧١٦٢
كتاب الأحكام
وقد وافقَ الدَّاووديُّ من المالكيَّة هذا القول فقال: هذا هو الصَّواب أنَّه لا يَشهَد على
وصيَّةٍ حتَّى يَعرِف ما فيها. وتَعقَّبَه ابن التِّين بأنَّها إذا كان فيها جَور لم يَمنَعَ التَّحَمُّل، لأنَّ
الحاكم قادرٌ على رَدِّه إذا أو جَبَ حُكُمُ الشَّرعِ رَدَّه، وما عداه یَعمَل به، فليس خشية الجور فيها
مانعاً من التَّحَمُّل، وإنَّما المانع الجَهل بما يَشهَد به. قال: ووجه الجَور أنَّ كثيراً من الناس يَرغَب
في إخفاء أمرِه، لاحتمالٍ أن لا يموت فيحتاط بالإشهاد، ويكون حاله مُستَمِرّاً على الإخفاء.
قوله: ((وقد كَتَبَ النَّبِيُّ ◌َّه إلى أهل خَيْبَرَ ... )) إلى آخره، هذا طَرَف من حديث سَهْل بن
أبِي حَثْمَة في قصَّة حُوَيِّصَة ومُحيِّصَة وقَتلِ عبد الله بن سَهلِ بخَيْبر، وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى
في الدّيات في ((باب القَسامَة)) (٦٨٩٨)، ويأتي بهذا اللَّفظ في ((باب كتابة الحاكم إلى عُمَاله))
بعد أحدٍ وعِشرينَ باباً (٧١٩٢).
قوله: ((وقال الزُّهْريّ في الشَّهادة على المرأة من السِّتْرِ)) أي: من ورائه.
قوله: ((إنْ عَرَفْتَها فاشهَد)) وَصَلَه أبو بكر بن أبي شيبة من طريق جعفر بن بُرقان عن
الزُّهْرِيّ بنحوِه، ومُقتَضاه أنَّه لا يُشتَرَط أن يراها حالةَ الإشهاد، بل يَكفي أن يَعرِفها بأيِّ
طريق فُرِضَ، وفي ذلك خِلاف أُشير إليه في كتاب الشَّهادات.
٧١٦٢ - حدَّثني محمَّدُ بنُ بِشَّارِ، حدَّثنا غُندَرٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، قال: سمعتُ قَتَادةَ، عن أنسِ
ابنِ مالكِ، قال: لمَّا أرادَ النبيُّ ◌َّهِ أَنْ يَكْتُبَ إلى الرّومِ، قالوا: إنَّهم لا يَقْرَؤُونَ كتاباً إلا مختوماً،
فَاتَّخَذَ النبيُّ وَِّ خَاتَمَاً مِن فِضّةٍ كَأَنّي أَنظُرُ إلى وبيصِه، ونَقْشُه: محمَّدٌ رسولُ الله.
قوله: ((لَمّا أرادَ النَّبيّ ◌َ ﴿ أَنْ یَکُّب إلى الرّوم» كان ذلك في سنة ستُّ، کما تقدَّم بيانه في
شرح حديث أبي سفيان الطّويل المذكور في بَدْء الوحي (٧).
قوله: ((قالوا: إنَّهم لا يَقرَؤُونَ كتاباً إلّا مختوماً)) لم أعرِف اسم القائل بعَينِه.
قوله: «فاَّخَذَ خاتَماً ... )) إلى آخره، تقدَّم شرحه مُستَوقّى في أواخر اللباس (٥٨٧٥)، وجملة
ما تَضَمَّنَتَه هذه التَرجمة بآثارها ثلاثةُ أحكام: الشَّهادة على الخطّ، وكتاب القاضي إلى القاضي،
والشَّهادة على الإقرار بما في الكتاب. وظاهر صَنِيعِ البخاريّ جوازٌ جميع ذلك.

٢٩٢
باب ١٥ / ح ٧١٦٢
فتح الباري بشرح البخاري
فأمّا الْحُكم الأوَّل: فقال ابن بَطّال: اتَّفَقَ العلماء على أنَّ الشَّهادة لا تجوز للشّاهِدِ إذا
رأى خَطّه إلّا إذا تَذَكَّرَ تلك الشَّهادة، فإن كان لا يَفَظُها فلا يَشْهَد، فإنَّه مَن شَاءَ انْتَفَشَ
خاتَماً ومَن شاءَ كَتَبَ كتاباً، وقد فُعِلَ مِثله في أيام عثمان في قصَّةٍ مَذكورَةٍ في سبب قتله، وقد
قال الله تعالى: ﴿إِلَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦]، وأجازَ مالكٌ الشَّهادة على
الخطّ، ونَقَلَ ابنُ شَعبان عن ابن وَهْبٍ أَنَّه قال: لا آخذ بقولِ مالك في ذلك. وقال الطَّحَاويُّ:
خالَفَ مالكاً جميعُ الفُقَهاء في ذلك وعَدّوا قوله في ذلك شُذوذاً، لأنَّ الخطّ قد يُشبِهِ الخطّ،
وليست شهادةً على قول منه ولا مُعاينة. وقال محمّد بن الحارث: الشَّهادة على الخطّ خَطَأ، فقد
قال مالك في رجل قال: سمعت فلاناً يقول: رأيت فلاناً قتل فلاناً أو طَلَّقَ امرأته أو قَذَفَ:
لا يَشْهَد على شَهادته إلّا إن أشهَدَه. قال: فالخطّ أبعد من هذا وأضعَف، قال: والشَّهادة
على الخطّ في الحقيقة استشهاد الموتَى، وقال محمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم: لا يُقضَى في
دَهرنا بالشَّهادةِ على الخطّ، لأنَّ الناس قد أحدثوا ضُروباً من الفُجور. وقد قال مالك: يَحَدُثُ
للنّاسِ أقضيَّةٌ على نحو ما أحدثوا من الفُجور. وقد كان الناس فيما مضى يُحِيزونَ الشَّهادة
على خاتم القاضي، ثمَّ رأى مالك أنَّ ذلك لا يجوز(١).
فهذه أقوال الجماعة من أئمّة المالكيَّة توافق الجمهور.
وقال أبو عليِّ الكَرابِيسيُّ في كتاب ((أدب القضاء)) له: أجازَ الشَّهادةَ على الخطّ قومٌ لا
نَظَر لهم، فإنَّ الكُتّاب يُشَبِّهونَ الخطّ بالخطّ، حتَّى يُشكِل ذلك على أعلَمهم. انتهى، وإذا
كان هذا في ذلك العصر فكيف بمَن جاءَ بعدَهم وهم أكثر مُسارَعَة إلى الشّ مَمَّن مضى
١٤٥/١٣ وأدَقْ نَظَراً فيه / وأكثر هجوماً عليه؟!
وأمّا الحُكم الثّاني: فقال ابن بَطّال: اختَلَفوا في كُتُب القُضاة؛ فذهب الجمهور إلى الجواز،
واستثنى الحنفيَّة الحدود، وهو قول الشافعيّ، والذي احتَجَّ به البخاريُّ على الحنفيَّة قويٌّ،
لأنَّه لم يَصِر مالاً إلّا بعدَ ثُبوت القتل. قال: وما ذكره عن القُضَاة من التّابعينَ من إجازة
ذلك حُجَّتُهم فيه ظاهرةٌ من الحديث، لأنَّ النَّبِيّ وَلَ كَتَبَ إلى الملوك، ولم يُنقَل أنَّه أشهَدَ
(١) انتهى هنا كلام ابن بطال، انظر ((شرحه)) ٢٣١/٨-٢٣٣.

٢٩٣
باب ١٥ / ح ٧١٦٢
كتاب الأحكام
أحداً على كتابه. قال: ثمَّ أجمَعَ فُقهاءُ الأمصار على ما ذهب إليه سَوّار وابن أبي ليلى من
اشتراط الشُّهود، لِمَا دَخَلَ الناسَ من الفساد، فاحتيطَ للدِّماءِ والأموال. وقد رَوَى عبد الله بنُ
نافعٍ عن مالكِ قال: كان من أمر الناس القديم إجازةُ الخَواتيم، حتَّى إنَّ القاضي لَيكتُب
للرجلِ الكتاب فما يزيد على خَتْمه فيَعمَل به، حتَّى اتُّهِموا، فصارَ لا يُقبَل إلّا بشاهدَين.
وأمّا الحُكم الثّالث: فقال ابن بَطّال: اختَلَفوا إذا أشهَدَ القاضي شاهدَينِ على ما كَتَبَه ولم
يَقرأه عليهما ولا عَرَّفَهما بما فيه، فقال مالك: يجوز ذلك، وقال أبو حنيفة والشافعيّ: لا يجوز،
لقولِه تعالى: ﴿وَمَا شَهِدْنَآ إِلَّا بِمَا عَلِّمْنَا﴾ [يوسف: ٨١]، قال: وحُجَّة مالك أنَّ الحاكم إذا أقَرَّ
أَنَّه كتابه فالغرض من الشَّهادة عليه أن يُعلِمَ القاضي المكتوبَ إليه أنَّ هذا كتابُ القاضي إلیه،
وقد يَثْبُت عندَ القاضي من أمور الناس ما لا يُحبّ أن يَعلَمه كلُّ أحد، كالوَصِيَّةِ إذا ذَكَر الموصِي
ما فَرَضَ(١) فيه مَثَلاً. قال: وقد أجازَ مالكٌ أيضاً أن يَشْهَدا على الوَصِيَّة المَختومَة وعلى
الكتاب المَطويّ، ويقولان للحاكم: نَشهَد على إقراره بما في هذا الكتاب، والحُجَّة في ذلك
كُتبُ النَّبِّ ◌َّه إلى عُمَاله من غير أن يقرأها على مَن ◌َمَلَها، وهي مُشتَمِلة على الأحكام والسُّنَن.
وقال الطَّحَاوُّ: يُستَفاد من حديث أنس أنَّ الكتاب إذا لم يكُن ◌َتوماً فالحُجَّة بما فيه
قائمَة، لِكَونِه ◌َ له أرادَ أن يَكتُب إليهم، وإِنَّا الَّخَذَ الخاتَم لقولِهِم إنَّهم لا يَقبَلونَ الكتاب إلّا
إذا كان ◌َتوماً، فدَلَّ على أنَّ كتاب القاضي حُجَّةٌ، مختوماً كان أو غير تَتوم.
واختُلِفَ في الحُكم بالخطِّ المجرَّد؛ كأن يَرَى القاضي خَطّه بالحكم فيَطلُب منه المحكومُ له
العملَ به، فالأكثر ليس له أن يَحكم حتَّى يَتَذَكَّرَ الواقعَة كما في الشّاهد، وهو قول الشافعيّ،
وقيل: إن كان المكتوبُ في حِرِزِ الحاكم أو الشّاهد منذُ حُكِمَ فيه، أو تحمّل (٢) إلى أن طُلِبَ
منه الحُكم أو الشَّهادة جازَ، ولو لم يَتَذَكَّر، وإلّا فلا، وقيل: إذا تَيقَّن أنَّه خَطّه ساغَ له الحُكم
وَالشَّهادة وإن لم يَتَذَكَّر، والأوسط أعدَل المَذاهب وهو قول أبي يوسف ومحمَّد ورواية
عن أحمد رَجَّحَها كثير من أتباعه، والأوَّل قول مالك ورواية عن أحمد.
(١) تحرفت في (س) إلى: فَرّط.
(٢) كذا وقعت هذه الكلمة في أصولنا الخطية، ولم نتبين المقصود منها، والله المستعان.

٢٩٤
باب ١٦
فتح الباري بشرح البخاري
قال ابن المنِّر: لم يَتعرَّض الشّارح لمقصودِ الباب، لأنَّ البخاريّ استدلَّ على الخطّ بكتاب
النَّبِيّ ◌َِّ إلى الرّوم، ولقائل أن يقول: إنَّ مضمُون الكتاب دعاؤُهم إلى الإسلام، وذلك
أمرٌ قد اشْتَهَرَ، لتُبوت المعجِزة والقَطعِ بصِدقِه فيما دَعًا إليه، فلم يَلْزَمهم بمُجرَّدِ الخطّ، فإنَّه
عندَ القائل به إنَّما يُفيد ظنّاً، والإسلام لا يُكتَفَى فيه بالظَّنِّ إجماعاً، فدَلَّ على أنَّ العِلم حَصَلَ
بمضمونِ الخطّ مَقروناً بالتَّواتُّرِ السّابق على الكتاب، فكان الكتاب كالتَّذكرَةِ والتَّوكيد في
الإنذار، مع أنَّ حامل الكتاب قد يُحتمل أن يكون الطَّلَعَ على ما فيه وأُمِرَ بتبليغِه، والحقّ أنَّ
العُمدَة على أمره المعلوم مع قَرائنِ الحال المصاحِبة لحاملِ الكتاب، ومسألةُ الشَّهادة على
الخطّ مَفروضةٌ في الاكتِفاء بمُجَّدِ الخطّ، قال: والفرق بين الشَّهادة على الخطّ وبین کتاب
القاضي إلى القاضي في أنَّ القائل بالأوَّلِ أقلُّ من القائل بالثّاني لتَطَرُّق(١) الاحتمال في الأوَّل،
ونُدوره في الثّاني لبُعدِ احتمال التَّزوير على القاضي، ولا سيَّما حيثُ تُمكِنُ المراجَعَة، ولذلك
شاعَ العمل به فيما بينَ القُضاة ونوابهم، والله أعلم.
١٤٦/١٣
١٦ - بابٌ متى يَستَوْجِبُ الرجلُ القضاء؟
وقال الحسنُ: أَخَذَ الله على الحُكّامِ أنْ لا يَتَّبِعوا الهَوَى، ولا يَخْشَوُا الناسَ، ولا يَشتَّروا
بآياتِ الله ثَمَناً قَلِيلاً، ثمَّ قرأ: ﴿يَدَاوُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةٌ فِ الْأَرَضِ فَأَخْلُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَنَّيعِ
اٌلْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الْحِسَابِ﴾
[ص: ٢٦]، وقرأ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَنَةَ فِيهَا هُدَى وَنُورٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَآ أَنْزَلَ
اَللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، ﴿بِمَا اُسْتُحْفِظُواْ﴾: استُودِعوا ﴿مِنْ كِتَبِ اللَّهِ ﴾
الآية، وقرأ: ﴿ وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِ الْحَثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا
◌ِحُكْمِهِمْ شَهِدِينَ ﴿ فَفَهَمْنَهَا سُلَيْمَنَّ وَكُلَّا ءَانَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨ - ٧٩]،
فحَمِدَ سليمانَ ولم يَلُم داودَ، ولولا ما ذَكَر اللهُ مِن أمرٍ هُذَينٍ لَرأيتُ أنَّ القُضاةَ هَلَكوا، فإِنَّه أَثْنَى
على هذا بعِلمِه وعَذَرَ هذا باجتهادِهِ.
(١) في (أ) و(س): تطرُّق، والمثبت من (ع).

٢٩٥
باب ١٦
كتاب الأحكام
وقال مُزاحمُ بنُ زُفَرَ: قال لنا عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ: خمسٌ إذا أخطأ القاضي منهنَّ خُطّةً
كانت فيه وصْمةٌ: أن يكونَ فِهِماً، حَلِيماً، عَفِيفاً، صَلِيباً، عالماً سَؤولاً عن العِلمِ.
قوله: ((بابٌ متى يَستَوْجِب الرجلُ القضاء؟)) أي: متى يَسْتَحِقّ أن يكون قاضياً.
قال أبو عليّ الكرابيسيُّ صاحب الشافعيّ في كتاب ((آداب القضاء)) له: لا أعلم بينَ العلماء
◌َمَّنْ سَلَفَ خِلَافاً أنَّ أحقّ الناس أن يقضي بينَ المسلمين مَن بانَ فضلُه وصِدقُهُ وعِلمُه ووَرَعُه،
قارئاً لكتابِ الله، عالماً بأكثرِ أحكامه، عالماً بسُنَنِ رسول الله، حافظاً لأكثَرِها، وكذا أقوال
الصَّحابة، عالماً بالوِفاق والِلَاف وأقوال فُقَهاء التّابعين، يَعرِف الصَّحيح من السَّقيم، يَتَّبع
في النَّوازِل الكتابَ، فإن لم يَجِد فالسُّنَن، فإن لم يَجِد عَمِلَ بما اتَّفَقَ عليه الصَّحابة، فإن اختَلَفوا
فما وَجَدَه أشبَهَ بالقرآن ثمَّ بالسُّنَّة ثمَّ بفَتَوَى أكابِرِ الصَّحابة عَمِلَ به، ويكون كثيرَ المذاكرة
مع أهل العِلم والمشاوَرَة لهم مع فضلٍ ووَرَع، ويكون حافظاً للسانِه وبطنِهِ وفَرجِه، فهِاً بكلام
الخصوم، ثمَّ لا بُدَّ أن يكون عاقلاً مائلاً عن الهَوَى، ثمَّ قال: وهذا وإن كنَّا نَعلم أنَّه ليس
على وجه الأرض أحدٌ يَجمَع هذه الصِّفات، ولكن يجب أن يُطلَب من أهل كلِّ زمان أكمَلُهم
وأفضلُهم.
وقال المھلَّب: لا يكفي في استحباب القضاء أن یَرَی نفسه أهلاً لذلك، بل أن يراه الناس
أهلاً لذلك.
وقال ابنُ حبيب عن مالك: لا بُدَّ أن يكون القاضي عالماً عاقلاً. قال ابنُ حبيب: فإن
لم يَكُن عِلمٌ فعَقلٌ ووَرَع، لأنَّه بالوَرَعِ يَقِف وبالعَقلِ يَسأل، وهو إذا طَلَبَ العِلم وَجَدَه،
وإذا طَلَبَ العَقل لم يَجِدِه.
قال ابن العربيّ: واتَّفَقوا على أنَّه لا يُشتَرَط أن يكون غَنِيّاً، والأصل قوله تعالى: ﴿وَلَمْ
يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِّ قَالَ إِنَّ اللَّهُ أَصْطَفَنَهُ عَلَيْكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٤٧]. قال: والقاضي
لا يكون في حُكم الشَّرع إلّا غَنّاً؛ لأنَّ غِناه في بيت المال، فإذا مُنِعَ من بيت المال واحتاجَ
كان تَوليةُ مَن يكون غَنِيّاً أولى من تَوليةِ مَن يكون فقيراً، لأنَّه يصير في مَظِنَّة مَن يَتعرَّض

٢٩٦
باب ١٦
فتح الباري بشرح البخاري
لتَنَاؤُلِ ما لا يجوز تَناوُله. قلت: وهذا قاله بالنّسبة إلى الزّمان الذي كان فيه، ولم يُدرِك
زماننا (١) هذا الذي صارَ مَن يَطلُب القضاء فيه يُصرِّح بأنَّ سبب طَلَبه الاحتياجُ إلى ما يقوم
بأوَدِهِ، مع العلم بأنَّه لا يَحَصُل له شيءٌ من بيت المال.
١٤٧/١٣
واتَّفَقوا على اشتراط الذُّكوريَّة في القاضي إلّا عن / الحنفيَّة، واستَئِنَوا الحدود، وأطلَقَ
ابنُ جَرِير، وحُجَّة الْجُمهور الحديث الصَّحيح: ((ما أفلَحَ قومٌ ولَّوا أُمورهم امرأة)» وقد تقدَّم
(٤٤٢٥)، ولأنَّ القاضي يَحتاجُ إلى كمال الرَّأي، ورأيُ المرأة ناقص، ولا سيَّما في مَحَافِلِ الرِّجال.
قوله: ((وقال الحسن)) هو البصريّ.
قوله: «أخَذَ الله على الحُكّام أنْ لا يَتَّبِعوا الهَوَى، ولا يَخْشَوْا الناسَ، ولا يَشَروا بآيات الله
ثَمَناً قليلاً ثمَّ قرأ: ﴿يَدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةٌ فِ اَلْأَرْضِ﴾ إلى ﴿يَوْمَ أْحِسَابِ﴾، وقرأ: ﴿ إِنّآ
أَنْزَلْنَا التَّوْرَنَةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ
اُلْكَفِرُونَ﴾)) قلت: فأرادَ من آيةٍ ﴿يَدَاوُدُ﴾ قوله: ﴿وَلَا تَنَّعِ الْهَوَىُ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾،
وأرادَ من آية المائدة بَقيَّةَ ما ذَكَر، وأطلَقَ على هذه المَناهي أمراً؛ إشارةً إلى أنَّ النَّهي عن
الشيء أمرٌ بضِدِّه، ففي النَّهي عن الهَوَى أمرٌ بالْحُكمِ بالحقّ، وفي النَّهي عن خَشية الناس أمرٌ
بخَشية الله، ومِن لازِمِ خَشيةِ الله الحُكمُ بالحقّ، وفي النَّهي عن بيع آياته الأمرُ باتِّباع ما دَلَّت
عليه، وإنَّما وُصِفَ الثَّمَن بالقِلَّةِ إشارةً إلى أنَّه وصفٌ لازِمٌ له بالنّسبة للعِوَض، فإنَّه أغلى
من جميع ما حَوَته الدُّنيا.
قوله: ((﴿بِمَا أُسْتُحْفِظُواْ﴾: استُودِعوا ﴿مِنْ كِتَبِ اللَّهِ﴾ الآية)) ثَبَتَ هذا للمُستَملي،
وهو تفسير أبي عُبَيَدَة، قال في قوله تعالى: ﴿بِمَا أُسْتُحْفِظُواْ مِنْ كِتَبِ اللَّهِ ﴾ أي: بما استُودِعوا،
استَحفَظْتُه کذا: استَودَعتَه إيّاه.
قوله: ((وقرأ)) أي الحسن البصريّ المذكور: ((﴿ وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِ الْحَثِ ... ﴾
إلى آخِرِها)) رُوِّيناه موصولاً في ((حلية الأولياء)) لأبي نُعَيم من رواية محمَّد بن إبراهيم الحافظ
(١) تحرفت في (س) إلى: زمانه.

٢٩٧
باب ١٦
كتاب الأحكام
المعروف بمُربَّع - بموخَّدةٍ ومُهمَلة وزن محمَّد - قال: حدَّثنا سعيدٌ هو ابن سليمان الواسِطيُّ
حدَّثنا أبو العَوّام هو عِمران القَطّان عن قَتَادةَ عن الحسن وهو ابن أبي الحسن البصريّ،
فذكره(١). ومعنى أخَذَ الله على الحُكّام: عَهِدَ إليهم.
قوله: ((فحَمِدَ سليمانَ ولم يَلُم داودَ، ولولا ما ذَكَر اللهُ من أمر هذَينٍ)) يعني: داودَ وسليمان.
وقوله: (لَرأيتُ)) في رواية الكُشمِيهَنِيّ: لَرَوَيت ((أنَّ القُضاة هَلَكوا)) يعني: لما تَضَمَّتَه
الآيتان الماضيتان أنَّ مَن لم يَحكم بما أنزلَ الله كافر، فدَخَلَ في عمُومِه العامدُ والمخطِئ، وكذا
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦] يَشمَل العامدَ والمخطِئ، فاستَدَلَّ
بالآية الأُخرى في قصّة الحَرث أنَّ الوَعيد خاصٌّ بالعامد، فأشارَ إلى ذلك بقولِه: فإنَّه أَثْنَى
على هذا بعِلمِه، أي: بسببٍ عِلمِه، أي: مَعرِفَته وفَهمه وَجْهَ الحُكم والحُكم به، وعَذَرَ - بفتح
الذّال المعجَمَة - هذا باجتهادِه.
ورُوِّينا بعضَه في ((تفسير ابن أبي حاتم))، وفي ((المجالَسَة)) (١٥٩٧) لأبي بكر الدِّينوريّ،
وفي ((أمالي الصّوليّ))(٢) جميعاً، يزيدُ بعضُهم على بعض، من طريق حَمَّد بن سَلَمةَ عن حُميدٍ .
الطَّويل قال: دَخَلنا مع الحسن على إياس بن معاوية حين استُقضيَ، قال: فبكَى إِياسٌ وقال:
يا أبا سعيد - يعني: الحسنَ البصريَّ المذكور - يقولون: القُضاة ثلاثة: رجل اجتَهدَ فأخطأً
فهو في النار، ورجل مالَ مع الهَوَى فهو في النار، ورجل اجتَهدَ فأصابَ فهو في الجنَّة. فقال
الحسن: إنَّ فيما قَصَّ الله عليك من نَبأ سليمان ما يَرُدّ على مَن قال هذا، وقرأ: ﴿وَدَاوُودَ
وَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِ الْحَثِ﴾ إلى قوله: ﴿شَهِدِينَ﴾ قال: فحَمِدَ سليمانَ لصوابِهِ ولم
يَذُمَّ داودَ لِخَطَئِهِ. ثمّ قال: إنَّ الله أخَذَ على الحُكّامِ عَهداً بأن لا يَشتَروا به ثَمَناً، ولا يَتَّبِعوا
فيه الهَوَى، ولا يَخْشَوا فيه أحداً، ثمَّ ثَلا: ﴿يَدَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةٌ﴾ إلى آخَر الآية. قلت:
والحديث الذي أشارَ إليه إياسُ أخرجه أصحاب ((السُّنَن)) من حديث بُرَيدةَ(٣)، ولكن
(١) لم نقع عليه في ((الحلية))، وإنما وصله الحافظ من طريق أبي نعيم في ((تغليق التعليق)) ٢٩٢/٥.
(٢) وأخرجه ابن أبي الدنيا أيضاً في ((الإشراف في منازل الأشراف)) (٢٥٤).
(٣) أخرجه أبو داود (٣٥٧٣)، والترمذي (١٣٢٢)، وابن ماجه (٢٣١٥)، والنسائي في ((الكبرى)) (٥٨٩١).

٢٩٨
باب ١٦
فتح الباري بشرح البخاري
عندَهم: الثّالثُ قَضَى بغير عِلم، وقد جَعتُ طرقه في جُزء مُفرَد، وليس في شيءٍ منها أنَّه
اجتَهدَ فأخطأ، وسيأتي حُكم مَن اجتَهدَ فأخطَأْ بعدَ أبواب.
واستُدِلَّ بهذه القصَّة على أنَّ للنَّبِّ أن يَتَهِد في الأحكام، ولا يَنْتَظِرِ نزول الوحي، لأنَّ
داود عليه السلام على ما وَرَدَ اجتَهَدَ في المسألة المذكورة قَطعاً، لأنَّه لو كان قَضَى فيها بالوحي
ما خَصَّ الله سليمانَ بفَهمِها دونَه.
وقد اختَلَفَ مَن أجازَ للنَبيِّ أن يَجْتَهِد: هل يجوز عليه الخطأُ في اجتهادِه؟ فاستَدَلَّ مَن
١٤٨/١٣ أجازَ/ ذلك بهذه القصَّة، وقد اتَّفَقَ الفَريقانِ على أنَّه لو أخطأ في اجتهادِه لم يُقَرّ على الخطأ،
وأجابَ مَن مَنَعَ الاجتهاد أنَّه ليس في الآية دليلٌ على أنَّ داود اجتَهَدَ ولا أخطأ، وإنّما ظاهرها
أنَّ الواقعَة اتَّفَقَت فعُرِضَت على داود وسليمان فقَضَى فيها سليمان؛ لأنَّ الله فهَّمَه حُكمها،
ولم يَقضِ فيها داودُ بشيءٍ، ويُردُّ على مَن تَسَّكَ بذلك بما ذكره أهلُ النَّقل في صورة هذه
الواقعَة، وقد تَضَمَّنَ أثَر الحسن المذکور أنَّهما جميعاً حگما.
وقد تَعقَّبَ لبن المنيِّر قولَ الحسن البصريّ: ((ولم يَذُمّ داود))، بأنَّ فيه نَقصاً لَحِقَ داود،
وذلك أنَّ الله تعالى قد قال: ﴿وَكُلّ ءَانَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ فجَمَعَهما في الحُكم والعِلم،
ومَيَّز سليمان بالفَهم، وهو عِلمٌ خاصٌّ زاد على العامّ بفَصلِ الخصومَة. قال: والأصحّ في
الواقعَة أنَّ داود أصابَ الحكم، وسليمان أرشَدَ إلى الصُّلح، ولا يخلو قوله تعالى: ﴿وَكُلًا
ءَنَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ أن يكون عامّاً، أو في واقعَة الحَرث فقط، وعلى التَّقديرَينِ يكون أثنَى
على داود فيها بالحُكمِ والعِلم، فلا يكون من قَبيل عُذر المجتَهِد إذا أخطأ، لأنَّ الخطأ ليس
حُكماً ولا عِلماً وإنَّما هو ظنٌّ غير مُصيب، وإن كان في غير الواقعَة، فلا يكون تعالى أخبَرَ
في هذه الواقعة بخُصوصِها عن داود بإصابةٍ ولا خَطَا، وغايته أنَّه أخبَرَ بتَفھیم سلیمان،
ومفهومُه لَقَبٌ والاحتجاجُ به ضعيف، فلا يُقال: فهِمَها سليمان دونَ داود، وإِنَّمَا خُصَّ
سليمانُ بالتَّفهيمِ لِصِغَرِ ◌ِنِّه فُيُستَغرَب ما يأتي به.
قلت: ومَن تَأمَّلَ ما نُقِلَ في القصَّةِ ظَهَرَ له أنَّ الاختلاف بينَ الحُكمَينِ كان في الأولَويَّة
لا في العَمْد والخطأ، ويكون معنى قول الحسن: حَمِدَ سليمانَ، أي: لموافَقَتِهِ الطَّريق الأرجح،

٢٩٩
باب ١٦
كتاب الأحكام
ولم يَذُمَّ داودَ لاقتصاره على الطَّريق الرَّاجح، وقد وَقَعَ لعمرَ ﴾ قريبٌ مَّا وَقَعَ لسليمانَ،
وذلك أنَّ بعض الصَّحابة ماتَ وخَلَّفَ مالاً له نَماءٌ ودُيوناً، فأرادَ أصحابُ الدُّیون بَيعَ المال
في وفاء الدَّين لهم، فاستَرْضاهم عمرُ بأن يُؤَخِروا النَّقاضيَ حتَّى يَقِضوا دُيونَهم من النَّاء،
ويَتَوفََّ لأيتام المتَوَلَّ أصلُ المال، فاستُحسِنَ ذلك مِن نَظَرِهِ، ولو أنَّ الخُصوم امتَنَعوا لمَا
مَنَعَهم من البيع، وعلى هذا التَّفصيل يُمكِن تنزيلُ قصَّة أصحاب الحَرْث والغنم، والله أعلم.
وتقدَّم في أحاديث الأنبياء (٣٤٢٧) شرحُ القصَّة التي وقَعَت لداودَ وسليمان في
المرأتَيْنِ اللَّتَيْنِ أَخَذَ الذِّئبُ ابنَ إحداهما، واختلافُ حُكْم داود وسليمان في ذلك، وتوجيهُ
حُكْم داود بما يَقرُّبِ مَّا ذُكِرَ هِنا في هذه القصَّة.
ووَقَعَت لهما قِصَّةٌ ثالثة في التَّفْرِقة بينَ الشُّهود في قصَّة المرأة التي اتُّهِمَت بأنّها تَحمِلُ على
نفسها، فشَهِدَ عليها أربعةٌ بَذلك، فأمَرَ داودُ بَرَجِمِها، فعَمَدَ سليمانُ - وهو غلام - فصَوَّرَ
مِثْلَ قِصَّتها بينَ الغِلمان، ثمَّ قَرَّقَ بينَ الشُّهود وامتَحَنَهم فتَخالَفوا فدَرَأْ عنها.
ووَقَعَت لهما رابعةٌ في قصَّة المرأة التي صُبَّ في دُبُرها ماء البيض وهي نائمَة، وقيل: إنَّها
زَنَتْ، فأمَرَ داودُ بَرَجِها، فقال سليمان: يُشَوَى ذلك الماء فإن اجتَمَعَ فهو بَيض، وإلّا فهو
مَنِيّ، فشُويَ فاجتَمَعَ.
وأخرج عبد الرَّزّاق (١٨٤٣٣) بسَنَدِ صحيح عن مسروق قال: كان حَرتُهم عِنَباً نَفَشَت
فيه الغنم - أي: رَعَت - ليلاً، فقَضَى داودُ بالغنمِ لهم، فمَرُّوا على سليمان فأخبَروه الخبر،
فقال سليمان: لا، ولكن أقضي بينَهم أن يَأْخُذوا الغنم فيكون لهم لَبَتُها وصوفُها ومَنفَعتُها،
ويقوم هؤلاءِ على حَرْثهم، حتَّى إذا عادَ كما كان رَدّوا عليهم غَنَمهم،
وأخرجه الطََّرِيُّ (٥١/١٧) من وجهٍ آخَر لَيِّن، فقال فيه: عن مسروق(١) عن ابن مسعود،
وأخرجه ابن مَرَدَوَيه والبَيهَقيُّ من وجه آخَر عن ابن مسعود، وسَنَده حسن. وعن مَعمَر
(١) كذا في الأصلين و(س)، والذي في ((تفسير الطبري)): عن مَرَّةَ عن ابن مسعود. وكذا أخرجه البيهقي ١١٨/١٠
وفيه: عن مرة عن ابن مسعود، ولعل هذا الوجه هو الآخر الذي عزاه للبيهقي وابن مردويه، والله أعلم.

٣٠٠
باب ١٦
فتح الباري بشرح البخاري
عن قَتَادَةَ: قَضَى داودُ أن يَأْخُذوا الغنم، ففَهَّمَها الله سليمان، فقال: خُذوا الغنم فلَكم ما
خَرَجَ من رِسْلِها(١) وأولادها وصوفها إلى الحول(٢).
١٤٩/١٣
وأخرج عبد بن حُيدٍ (٣) من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد قال: أعطاهم داودُ رِقاب
الغنم بالحَرث، فحَكَمَ سليمان بجِزَّةِ(٤) الغنم وألبانها لأهلِ الحَرث، وعليهم رِعايتُها على أهل
الحرث(٥)، ويَحِرُث لهم أهل الغنم حتَّى يكون كهَيئَةِ يومٍ أُكِلَ، ثمَّ يُدفَع لأهلِهِ ويَأْخُذونَ غَمهم.
وأخرج الطَّبَريُّ (١٧/ ٥٢) القصّة من طريق عليّ بن/ زيد عن خليفة عن ابن عبّاس
نحوه، ومن طريق قَتَادةَ (٥٣/١٧) قال: ذُكِرَ لنا، فذكر نحوه. و(١٧ /٥٢) من طريق العَوفيِّ
عن عَطيَّة عن ابن عبّاس، ولكن قال فيها: قال سليمان: إنَّ الحَرث لا يَخْفَى على صاحبه ما
يَخْرُجُ منه كلّ عام، فلَه من صاحب الغنم أن يبيع من أولادَها وصُوفَها حتَّى يَستوفيَ ثَمَن
حرثه، فقال داودُ: قد أصَبت.
وأخرج ابن مَردَوَيه من طريق الحسن عن الأحنَف بن قيس نحو الأوَّل.
قال ابن التِّين: قيل: عَلِم سليمانُ أنَّ قيمة ما أفسَدَت الغنم مِثْلُ ما يصيرُ إليهم من لَبَنِها
وصوفها. وقال أيضاً: وَرَدَ في قصَّة ناقة البراء التي أفسَدَت في حائطٍ: أَنَّ النَّبِيّ ◌َِّ قَضَى
أنَّ على أهل الحوائط حِفظَها بالنَّهار، وأنَّ الذي أفسَدَت المواشي باللَّيلِ ضَانُه على أهلها،
أي: ضَمَانُ قِيمَته(٦)، هذا خِلَافُ شَرْع سليمان، قال: فلو تَراضَيا بالدَّفع عن قيمة ما أفسَدَت،
فالمشهور أنَّه لا يجوز حتَّى يَعرِفا القيمة. قلت: ورواية العَوفيِّ إن كانت محفوظَة تَرفَع الإشكال،
وإلّا فالجواب ما نَقَلَ ابن التِّين أوَّلاً، ولا يكونُ بين الشَّرعينِ مُخَالَفَة.
(١) أي: لبنها.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في («تفسيره)) ٢/ ٢٥، والطبري ١٧ / ٥٣.
(٣) وكذلك الطبري ١٧/ ٥٢.
(٤) أي: صوفها.
(٥) عبارة ((غلى أهل الحرث)) سقطت من (س)، وأثبتناها من الأصلين، وهي ثابتة في ((تفسير الطبري)).
(٦) أخرجه أبو داود (٣٥٧٠)، وابن ماجه (٢٣٣٢)، والنسائي في ((الكبرى)) (٥٧٥٣) و(٥٧٥٤) من
حديث البراء بن عازب.