النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ باب ٢٦ / ح ٧١٣١ كتاب الفتن والطَّبَرانيّ (٦٤٤٥): ((معه وادِيان: أحدُهما جَنَّةٌ والآخر نارٌ، فنارُه جَنَّةٌ وجَنَّتُه نار))، وفي حديث أبي أمامةَ عندَ ابن ماجَهْ (٤٠٧٧): ((وإنَّ من فِتْنته أنَّ معه جَنّة وناراً، فناره جَنّة وجَنَّه نار، فمَن ابتُليَ بناره فلْيَسْتَغِثْ بالله ولْيَقْرأُ فواتحَ الكهف، فتكون عليه بَرْداً وسَلاماً». قوله: ((فنارُه ماءٌ بارد، وماؤُه نار)) زاد محمّد بن جعفر في روايته: ((فلا تَهلِكوا))، وفي رواية أبي مالك: «فإنْ أدرَكَه أحد فلْيَأْت النَّهرَ الذي يراه ناراً، وليُغمِض ثمَّ لْيُطَأْطِئ رأسه . فيشرب))، وفي رواية شُعَيب بن صَفْوان: «فمَن أدرَكَ ذلك منكم فلْيَقَعْ في الذي يراه ناراً، فإنَّه ماءٌ عَذْب طيِّب))، وكذا في رواية أبي عَوَانة، وفي حديث أبي سَلَمة عن أبي هريرة: (وإنَّه يَجِيء معه مِثْلُ الجنَّة والنار، فالتي يقول: إنَّها الجنَّة، هي النار)) أخرجه أحمد(١)، وهذا كلّه يَرجِع إلى اختلاف المَرْئيّ بالنِّسبةِ إلى الرَّائي، فإمّا أن يكون الدَّجّال ساحراً، فيُخيِّل الشَّيءَ بصورةٍ عَكِه، وإمّا أن يجعل الله باطنَ الجنَّة التي يُسَخِّرِها الدَّجّال ناراً وباطنَ النار جَنّة، وهذا الرَّاجح، وإمّا أن يكون ذلك كِنايةً عن النِّعْمة والرَّحْمَة بالجنَّةِ، وعن الِحْنة والنِّقْمة بالنار، فمَن أطاعَه فأنعَمَ عليه بجَنَّتِهِ يَؤُولُ أمرُه إلى دخول نار الآخرة، وبالعَكْس، ويحتمل أن يكون ذلك من جملة الِحْنة والفِتْنة، فَيَرَى الناظرُ إلى ذلك من دَهْشَته النارَ فيَظنُّها جَنَّة، وبالعَكْس. الحديث التاسع: ٧١٣١ - حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن قَتَادةَ، عن أنسٍ ﴾، قال: قال النبيُّ ◌َل: ((ما بُعِثَ نبِيٌّ إلّا أَنذَرَ أَمَّتَه الأعوَرَ الكذَّابَ، ألَا إِنَّه أعوَرُ، وإنَّ رَبَّكم ليس بأعوَرَ، وإنَّ بينَ عَينَهِ مكتوبٌ: كافرٌ)). [طرفه في: ٧٤٠٨] قوله: ((عن قَتَادةَ، عن أنس)) يأتي في التَّوحيد (٧٤٠٨) عن حَفْص بن عمر عن شُعْبةٍ: أخبرنا قَتَادةُ سمعتُ أنساً. (١) كذا وقع للحافظ رحمه الله عزوه لأحمد، وهو ذهولٌ شديد، إذ ليس هو فيه وإنما قد سلف عند البخاري برقم (٣٣٣٨)، وهو عند مسلم أيضاً برقم (٢٩٣٦). ٢٠٢ باب ٢٦ / ح ٧١٣١ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((ما بُعِثَ نبيّ إلّا أَنْذَرَ أَمَّته الأعورَ الكذّاب)) في رواية حَفْص: ((ما بَعَثَ الله من نبيّ))، وقد تقدَّم بيانه في الحديث الخامس (٧١٢٧). قوله: ((ألا إنَّه أعورُ)) بتخفيف اللّام وهي حرفُ تنبيه. ١٠٠/١٣ قوله: ((وإنَّ رَبّكم ليس بأعورَ)) تقدَّم بيان الحِكْمة فيه في الحديث الخامس بما فيه مَقْنَع. قوله: ((وإنَّ بينَ عَینیهِ مکتوب كافر)» كذا/ للأكثر، وللجمهور: ((مكتوباً» ولا إشكالَ فیه، لأَنَّه إمّا اسم ((إنَّ) وإمّا حال، وتوجيه الأوَّل أنَّه حَذَفَ اسم إنَّ، والجملة بعدَه مُبتَدَأ وخَبَر في موضع خبر إنَّ، والاسم المحذوف إمّا ضمير الشَّأْن، أو يعود على الدَّجّال، ويجوز أن يكون «كافر)» مُبتَدَأ، والخبر ((بينَ عَينَه)). وعندَ مسلم (٢٩٣٣) من رواية محمَّد بن جعفر عن شُعْبة: ((مكتوب بينَ عَینیه: ك ف ر))، ومن طريق هشام عن قَتَادة حدَّثني أنس بلفظ: ((الدَّجّال مكتوب بين عَيْنَيَه: ك ف ر)) أي: كافر، ومن طريق شُعَيب بن الحَبْحابِ عن أنس: ((مكتوب بينَ عَينَه: كافر ثمَّ تَهَجّاها؛ ك ف ر، يَقرَؤُه كلُّ مسلم)»، وفي رواية عمر بن ثابت عن بعض الصحابة: «یَقرَؤُه کلّ مَن كَرِهَ عملَه)) أخرجه التِّرمِذيّ (٢٢٣٥) (١)، وهذا أخَصُّ من الذي قبلَه، وفي حديث أبي بَكْرة عند أحمد (٢٠٤٠١): ((يَقرَؤُه الأُمِّيُّ والكاتب))، ونحوه في حديث مُعاذ عند البزَّار (٢٦٥٣)، وفي حديث أبي أمامةَ عند ابن ماجَهْ (٤٠٧٧): ((يَقرَؤُه كلّ مؤمن، كاتبٍ وغيرِ كاتب))، ولأحمدَ (١٤٩٥٤) عن جابر: ((مكتوب بين عَيْنَه كافر)) مُهَجّاة، ومِثْله عند الطَّبَرانيّ (٤٠٢/٢٤) من حديث أسماء بنت عُمَيسٍ. قال ابن العربيّ: في قوله: ((ك ف ر)) إشارة إلى أنَّ فَعَلَ وفاعِل من الكُفْر إنَّما يُكتَب بغير ألِف، وكذا هو في رَسْم المصحَّف، وإن كان أهلُ الخطّ أثبتوا في فاعل ألفاً، فذاكَ لزيادة البيان، وقوله: ((يَقرَؤُه كلَّ مؤمن، كاتبٍ وغيرِ كاتب)) إخبار بالحقيقة، وذلك أنَّ الإدراك في البَصَرِ يَخْلُقه الله للعبدِ كيف شاءَ ومتى شاءَ، فهذا يراه المؤمن بعَينٍ (٢) بَصَره وإن كان (١) وفات الحافظ أن يخرّجه من ((صحيح مسلم))، فهو فيه بإثر الحديث رقم (٢٩٣١). (٢) تحرف في (س) إلى: بغیر. ٢٠٣ باب ٢٦ / ح ٧١٣١ كتاب الفتن لا يَعرِف الكتابة، ولا يراه الكافر ولو كان يَعرِف الكتابة، كما يَرَى المؤمن الأدلَّة بعينِ بَصِيرته ولا يراها الكافر، فيَخلُق الله للمؤمنِ الإدراكَ دونَ تَعلُّم، لأنَّ ذلك الزَّمان تَنخَرِق فيه العادات في ذلك، ويحتمل قوله: ((يَقرَؤُه مَن كَرِهَ عمله)) أن يُرادَ به المؤمنونَ عموماً، ويحتمل أن يَخْتَصَّ ببعضِهم ثمَّن قويَ إِيمانُه. وقال النَّوويّ: الصَّحيح الذي عليه المحقِّقونَ أنَّ الكتابة المذكورة حقيقةٌ، جعلها الله علامةً قاطِعةً بكذِبِ الدَّجّال، فيُظهِرُ الله المؤمن عليها ويُخفِيها على مَن أرادَ شَقاوَتَه. وحكى عِيَاض خلافاً، وأنَّ بعضهم قال: هي مجاز عن سِمَة الحُدوث عليه، وهو مَذْهَب ضعيف، ولا يَلزَم من قوله: ((يَقرَؤُه كلٍّ مؤمن، كاتب وغير كاتب)) أن لا تكون الكتابة حقيقة، بل يُقدِّر الله على غير الكاتب عِلمَ الإدراك، فيَقْرأ ذلك وإن لم يكن سَبَقَ له معرفةٌ الكتابة، وكأنَّ السِّرَّ اللَّطيف في أنَّ الكاتب وغير الكاتب يَقْرأ ذلك، لمناسَبةِ أنَّ كَوْنه أعورُ يُدرِكه كلُّ مَن رَآه، فالله أعلم. الحديث العاشر والحادي عشر: فيه أبو هُرَيرةَ وابنُ عبَّاسٍ، عن النبيِّ وَلّ .. قوله: ((فيه أبو هريرة وابنُ عبَّاس)) أي: يَدخُل في الباب حديثُ أبي هريرة وحديث ابن عبَّاس، فيحتمل أن يريد أصلَ الباب، فيَتناول كلامُه كلَّ شيءٍ وَرَدَ مِمَا يَتَعلَّق بالدَّجّالِ من حديث المذكورين، ويحتمل أن يريد خُصوصَ الحديث الذي قبلَه، وهو أنَّ كلّ نبيّ أنذَرَ قومَه الدَّجّال، وهو أقرَبُ، فممَّا وَرَدَ عن أبي هريرة في ذلك ما تقدَّم في ترجمة نوح من أحاديث الأنبياء (٣٣٣٨) من رواية يحيى بن أبي كثير عن أبي سَلَمة عن أبي هريرة: قال النبيُّ ◌َ: ((ألا أُحدِّثكم حديثاً عن الدَّجّال ما حَدَّثَ به نبيٌّ قومَه؟ إنَّه أعور، وإنَّه يَجِيء معه بمثال الجنَّة والنار، فالتي يقول: إنَّها الجنَّة هي النار، وإنّ أُنذِرُكم كما أنذَرَ به نوح قومَه))، وأخرج البَزَّار (٩٦٤٢) بسندٍ جيِّد عن أبي هريرة: سمعت أبا القاسم الصّادِقَ المصدوق يقول: ((يَخْرُج مسيحُ الضَّلالة فيَبلُغ ما شاءَ الله أن يَبلُغَ من الأرض في أربعينَ يوماً، فيَلْقَى المؤمنونَ منه شِدّة شديدة ... )) الحديث. ٢٠٤ باب ٢٦ / ح ٧١٣١ فتح الباري بشرح البخاري وممّاً وَرَدَ في ذلك من حديث ابن عبّاس ما تقدَّم أيضاً في الملائكة (٣٢٣٩) من طريق أبي العاليَة عن ابن عبّاس في ذِكْر صِفَة موسى عليه السلام وفيه: وذكر أنَّه رَأَى الدَّجّال، ووَقَعَ عندَ أحمد (٢١٤٨) والطَّبَرانيّ (١١٧١١) من طريق أُخرى عن ابن عباس عن النبيّ وَّ أنَّه قال في الدَّجَال: ((أعورُ هِجَانٌ - بكسر أوَّله وتخفيف الجيم، أي: أبيض أزهَر - كأنَّ رأسه أَصَلَة، أشبهُ الناس بعبدِ العُزَّى بن قَطَن، فإمّا هَلَكَ الهُلَّكُ، فإنَّ ربَّكم ليس ١٠١/١٣ بأعورَ))(١)، وفي لفظ للطَّبَرانيِّ (١١٨٤٣): ((ضَخْمٌ فَيلَمانيّ/ - بفتح الفاء وسكون التَّحتانيّة وفتح اللّام وبعدَ الألف نون، أي: عظيم الجُثّة - كأنَّ رأسه أغصان شجرة))(٢) يريد أنَّ شَعْر رأسه كثير مُتَفَرِّق قائم ((أشبَهُ الناس بعبدِ العُزَّى بن قَطَن رجل من خُزَاعة))، وفي حديث النَّاس بن سِمْعان عندَ مسلم (٢٩٣٧) والتِّرمِذيّ (٢٢٤٠) وابن ماجَهْ (٤٠٧٥): ((شابٌّ قَطَطٌّ، عَيْنُه قائمة)(٣)، ولابنِ ماجَهُ: ((كأنِّي أُشَبِّهه بعبدِ العُزَّى بن قَطَن))، وعند البزَّار (٣٦٩٨) من حديث الفَلَتان بن عاصم: «أجلَى الجَبْهة، عريض النَّحْر، ممسوح العين اليُسرَى، كأنَّه عبد العُزَّى بن قَطَن))، وقد تقدَّم في ترجمة عيسى (٣٤٤١) سياق نَسَب عبد العُزَّى بن قَطَن، ووَقَعَ في حديث أبي هريرة عندَ أحمدَ (٧٩٠٥) نحوه، لكن قال: ((كأنَّه قَطَن بن عبد العُزَّى)) وزاد: فقال: يا رسول الله، هل يَضُرّني شَبَهُه؟ قال: ((لا، أنتَ مؤمن وهو كافر))، وهذه الزّيادة ضعيفة، فإنَّ في سنده المسعوديّ وقد اختَلَطَ، والمحفوظ أنَّه عبد العُزَّى بن قَطَن وأنَّه هَلَكَ في الجاهليّة كما قال الزّهْريّ، والذي قال: هل يَضُرّني شَبَهُه؟ هو أكْثَم بن أبي الجَوْن، وإنَّما قاله في حَقّ عَمْرو بن لُحَيٍّ كما أخرجه أحمد (٤) (١) قوله: ((فإمّا هَلَكَ الهُلَّك ... )) إلى آخره، أي: وإن هلك به ناسٌ جاهلون وضلُّوا، فاعلموا أن الله ليس بأعور. (٢) ونحو هذا الحرف عند أحمد أيضاً برقم (٣٥٤٦) في حديث ابن عباس. (٣) عند مسلم والترمذي بلفظ: ((طافئة))، وأما ((قائمة)) فلفظ رواية ابن ماجه، وهي عند النسائي أيضاً في الكبرى» (١٠٧١٧). والعين القائمة: هي الباقية في موضعها صحيحة الصورة، وإنما ذهب نظرُها وإبصارُها، کذا في «النهاية» لابن الأثير. (٤) لم نقف علیه في («المسند» ولعل الحافظ وهم في نسبته إلیه، وربما أراد أن ینسبه إليه من حديث جابر فهو فیه برقم (١٤٨٠٠) بإسناد فیه لین. ٢٠٥ باب ٢٧ / ح ٧١٣٢ كتاب الفتن والحاكم (٤/ ٦٠٥) من طريق محمَّد بن عَمْرو عن أبي سَلَمة عن أبي هريرة رَفَعَه: ((عُرِضَتْ عليَّ النار فرأيت فيها عَمْرو بن لُحَيٍّ ... )) الحديث(١)، وفيه: ((وأشبهُ مَن رأيت به أكثَمُ بن أبي الجَوْن)) فقال أكْثَم: يا رسول الله، أيضُرُّني شَبَهُه؟ قال: ((لا، إنَّك مسلم وهو كافر)). فأمّا الدَّجّال فشَبَّهه بعبدِ العُزَّى بن قَطَن وشَبَّه عينه الممسوحة بعينِ أبي تِحيَى الأنصاريّ كما تقدَّم (٧١٢٨)، والله أعلم. وفي حديث حُذَيفة عند مسلم (١٠٤/٢٩٣٤): ((جُفَال الشَّعر))، وهو بضمِّ الجيم وتخفيف الفاء، أي: کثیرُه. ٢٧ - بابٌ لا يَدخُلُ الدَّجّالُ المدينةَ ٧١٣٢ - حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، أخبرني عبيدُ الله بنُ عبدِ الله بنِ عُتْبةَ بنِ مسعودٍ، أنَّ أبا سعيدٍ قال: حدَّثنا النبيُّ ◌َلّ يوماً حديثاً طويلاً عن الدَّجّال، فكان فيما يُحدِّثُنا به أنَّه قال: ((يأتي الدَّجّالُ وهو مُحرَّمٌ عليه أنْ يَدخُلَ نِقَابَ المدينةِ، فَيَنزِلُ بعضَ السِّبَاخ التي تَلي المدينةَ، فيَخرُجُ إليه يومَئذٍ رجلٌ وهو خَيرُ الناسِ - أو مِن خِيَار الناسِ - فيقولُ: أَشهَدُ أَنَّكَ الدَّجّالُ الذي حدَّثَنَا رسولُ اللهِ وَيِّ حديثَه، فيقولُ الدَّجّالُ: أرأيتُم إنْ قتلتُ هذا ثمّ أحيَيْتُه، هل تَشُكّونَ في الأمرِ؟ فيقولون: لا، فيقتلُه ثمَّ يُحْيِه، فيقولُ: والله ما كنتُ فيكَ أشدَّ بَصِيرةً منّي اليومَ، فيُرِيدُ الَّجّالُ أنْ يقتلَه فلا يُسَلَّطُ علیه)). قوله: ((بابٌ لا يَدخُل الدَّجّالُ المدينة)) أي: المدينة النبويّة، ذكر فيه ثلاثة أحاديثَ: الأوَّل: قوله: ((حدَّثنا النبيّ / وَلّ يوماً حديثاً طويلاً عن الدَّجّال)) كذا وَرَدَ من هذا الوَجْه ١٠٢/١٣ مُبھماً، وقد وَرَدَ من غیر هذا الوجه عن أبي سعيد ما لعلّه يُؤخذ منه ما لم يُذكر، کما في رواية أبي نَضْرة عن أبي سعيد أنَّه يهوديّ، وأنَّه لا يُولَدُ له، وأنَّه لا يَدخُل المدينة ولا مكّة، أخرجه مسلم (٨٩/٢٩٢٧ و٩٠)، وفي رواية عَطيّة عن أبي سعيد رَفَعَه في صِفَة عَيْن الدَّجّال كما تقدَّم، وفيه: ((ومعه مِثْل الجنَّة والنار، وبينَ يَدَيه رجلان يُنذِرانِ أهل القُرَى، كلَّما خَرَجا (١) وأخرجه أيضاً ابن حبان (٧٤٩٠) وإسناده حسن. وانظر تمام تخريجه فيه. ٢٠٦ باب ٢٧ / ح ٧١٣٢ فتح الباري بشرح البخاري من قرية دَخَلَ أوائله)) أخرجه أبو يَعْلى (١٠٧٤) والبزَّار(١)، وهو عندَ أحمد بن مَنيع مُطوَّل، وسنده ضعيف، وفي رواية أبي الوَدّاك عن أبي سعيد رَفَعَه في صِفَة عين الدَّجّال أيضاً، وفيه: ((معه من كلّ لسان، ومعه صورة الجنَّة خضراءُ يجري فيها الماء، وصورة النار سوداء تَدخُن))(٢). قولُه: ((يأتي الدَّجّال)) أي: إلى ظاهر المدينة. قوله: ((فَيَنْزِل بعضَ السِّبَاخ)) بكسر المهمَلة وتخفيف الموحَّدة: جمع سَبَخة بفتحَتَينِ: وهي الأرض الرَّمِلة التي لا تُنبِت لملوحَتِها، وهذه الصِّفة خارج المدينة من غير جهة الحَرّة. قوله: ((التي تَلي المدينة)) أي: من قِبَل الشّام. قوله: «فیَخرُج إلیه یومئذٍ رجلٌ هو خیرُ الناس، أو من خيار الناس» في رواية صالح عن ابن شهاب عند مسلم (١١٢/٢٩٣٨): «أو من خير الناس))، وفي رواية أبي الودّاك عن أبي سعيد عند مسلم (١١٣/٢٩٣٨): «فيَتَوجَّه قِبَله رجل من المؤمنين، فيَلْقاه مَسالِحُ الدَّجّال فيقولون: أو ما تُؤْمِن بَرَبِّنا؟ فيقول: ما برَبِّنا خَفاءٌ، فيَنْطَلِقونَ به إلى الدَّجّال بعدَ أن يريدوا قتله، فإذا رآه قال: يا أيّها الناس، هذا الدَّجّال الذي ذكره رسول الله وَّ)، وفي رواية عَطيّة(٣): ((فِيَدخُل القُرَى كلَّها غير مكّة والمدينة حُرِّمَتا عليه، والمؤمنونَ مُتَعْرِّقونَ في الأرض، فَيَجمَعُهم الله فيقول رجل منهم: والله لَأَنطَلِقَنَّ فَلَأَنظُرَنَّ هذا الذي أنذَرَناه رسولُ اللهِ وَّةِ، فَيَمنَعُه أصحابه خَشْيَةَ أن يُفتَتَن به، فيأتي حتَّى إذا أتى أدنَى مَسْلَحة من مَسالِحِه أخذوه، فسَألوه ما شَأْنُه، فيقول: أُريدُ الَّجّال الكذّاب، فيَكتُبُونَ إليه بذلك، فيقول: أرسِلوا به إليَّ، فلمَّا رآه عَرَفَه)). قوله: ((فيقول: أَشهَدُ أنَّك الدَّجّال الذي حدَّثنا رسولُ الله وَِّ حديثَه)) في رواية عَطيّة: ((أنتَ الدَّجّال الكذّاب الذي أنذَرَناه رسول الله وَلَ)) وزاد: «فيقول له الدَّجّال: لَتُطِيعني فيما آمرُك به، أو لَأَشُقَنَّكَ شِقَّتَين، فينادي: يا أيّها الناس، هذا المسيح الكذّاب)). (١) ((كشف الأستار عن زوائد البزار)) (٣٣٩٤). (٢) أخرجه أحمد في ((مسنده)) (١١٧٥٢) وإسناده ضعيف. (٣) عند أحمد بن منيع في روايته المطوّلة كما في ((المطالب العالية)) لابن حجر (٤٥٢٣)، وسبق للحافظ أن ضعَّف إسناده. ٢٠٧ باب ٢٧ / ح ٧١٣٢ كتاب الفتن قوله: («فيقول الدَّجّال: أرأيتم إنْ قتلتُ هذا ثمَّ أحبَبتُه، هل تَشُكّونَ في الأمر؟ فيقولون: لا)» في رواية عَطيّة: ((ثُمَّ يقول الدَّجّال لأوليائه)) وهذا يوضِّح أنَّ الذي يُحِيبه بذلك أتباعُه، ويَرُدّ قولَ مَن قال: إنَّ المؤمنينَ يقولون له ذلك تَقيّةً، أو مُرادهم: لا نَشُكّ، أي: في كُفْرك وبُطْلان قولك. قوله: ((فيقتله ثمَّ يُحِيه)) في رواية أبي الوَدّاك (١): «فيأمُر به الدَّجَالُ فَيُشْبَحِ، فَيُشْبَعِ ظهرُه وبطنُه ضرباً، فيقول: أما تُؤْمِن بي؟ فيقول: أنتَ المسيح الكذّاب، فيُؤْمَر به فيُوشَر بالمِيشار من مَفْرِقه حتَّى يُفرَق بينَ رِجْلَيهِ، ثمَّ يمشي الدَّجّال بينَ القِطْعتَينِ ثمَّ يقول: قُم، فَيَستَوي قائماً))، وفي حديث النَّاس بن سِمْعان عند مسلم (٢٩٣٧): ((فَيَدْعو رجلاً مُتَلِئاً شَباباً فيَضِرِبِه بالسَّيفِ فِيَقْطَعه جَزْلتَين، ثمَّ يَدْعوه، فيُقبِل ويَتَهَلَّل وجهُه يَضْحَك))، وفي رواية عَطيّة: ((فيأمُر به فيُمَدّ بِرِجْلَيْه ثمَّ يأمر بحديدةٍ فَتُوضَع على عَجْمٍ (٢) ذَنَبِه ثمَّ يَشُقّه شِقَّتَيْن، ثُمَّ قال الدَّجّال لأوليائه: أرأيتُم إنْ أحييتُ لكم هذا، ألستُم تعلمونَ أنّ رَبَّكُم؟ فيقولون: نَعَم، فيأخذ عَصاً فضَرَبَ أحد شِقَّيه فاستَوى قائماً، فلمَّا رأى ذلك أولياؤه صَدَّقوه وأحَبّوه وأيقَنوا بذلك أنَّه ربّهم))، وعَطيّة ضعيف. قال ابن العربيّ: هذا اختلاف عظيم؛ يعني: في قتله بالسَّيفِ وبالميشار، قال: فيُجمَع بأنَّهما رجلان يقتل كلّ منهما قِتْلةً غير قِتْلة الآخَر. كذا قال، والأصل عَدَم التعدُّد، ورواية المِيشار تُفسِّر رواية الضَّرْب بالسَّيف، فلعلَّ السَّيف كان فيه فُلول فصارَ كالميشار، وأرادَ المبالَغة في تعذيبه بالقِتْلة المذكورة، ويكون قوله: ((فضَرَبَه بالسَّيفِ)) مُفسِّراً لقوله: إنَّه نَشَرَه، وقوله: / ((فيَقْطَعه جَزْلتَينِ)) إشارة إلى آخر أمره لمَّا يَنْتَهي نَشْرُه. ١٠٣/١٣ قال ابن العربيّ: وقد وَقَعَ في قصَّة الذي قتله الخَضِرُ أنَّه وَضَعَ يده في رأسه فاقتَلَعَه، وفي ◌ُخری: فأضجعه بالسِّگّینِ فذبحه، فلم یکن بُدُّ من ترجیح إحدى الرِّوایتینِ على الأُخرى لكَوْنِ القصَّة واحدة. قلت: وقد تقدَّم في تفسير الكهف (٤٧٢٥) بيان التَّوفيق بينَ الرِّوايتَينِ أيضاً بحَمْدِ الله تعالى. (١) عند مسلم (٢٩٣٨) (١١٣). (٢) هكذا في (أ) و(ع)، وفي (س): عَجْب، بالباء، وكلاهما صحيح، وهو أصل الذَّنَب المسمَّى العُصْعُص. ٢٠٨ باب ٢٧ / ح ٧١٣٢ فتح الباري بشرح البخاري قال الخطَّبيُّ: فإنْ قيل: كيف يجوز أن يُجْرِيَ الله الآيةَ على يد الكافر؟ فإنَّ إحياء الموتَى آية عظيمة من آيات الأنبياء، فكيف يَنالها الدَّجّال وهو كذّاب مُفتَرٍ يَدَّعي الرُّبوبيّة؟ فالجواب: أنَّه على سبيل الفِتْنة للعبادِ، إذ كان عندَهم ما يَدُلّ على أنَّه مُبطِل غيرُ مُحِقّ فِي دَعْواه، وهو أنَّه أعورُ مكتوب على جَبْهَته: كافر، يَقرَؤُه كلّ مسلم، فدَعْواه داحضة مع وَسْم الكفر ونَقْص الذّات والقَدْر، إذ لو كان إلهاً لَأزالَ ذلك عن وجهه، وآيات الأنبياء سالمة من المعارضة، فلا يشتبهان. وقال الطَّبَرِيُّ: لا يجوز أن تُعْطَى أعلامُ الرُّسُل لأهلِ الكذب والإفك في الحالة التي لا سبيل لمن عايَنَ ما أتَى به فيها إلّ الفَصْل بين المُحِقّ منهم والمُبطِل، فأمّا إذا كان لمن عاينَ ذلك السَّبِيلُ إلى عِلْم الصّادق من الكاذب ممَّن(١) ظَهَرَ ذلك على يده، فلا يُنكَر إعطاء الله ذلك للكذّابين، فهذا بيان الذي أُعْطِيَه الدَّجّال من ذلك فِتْنَةً لمن شاهَدَه، ومِحْنَةً لمن عايَنَه، انتهى. وفي الدَّجّال مع ذلك دلالةٌ بيّنة لمن عَقَلَ على كَذِبه؛ لأَنَّه ذو أجزاءٍ مُؤَلَّفة، وتأثير الصَّنْعة فيه ظاهر مع ظُهور الآفة به من عَوَر عَينَهِ، فإذا دَعَا الناسَ إلى أنَّه ربُّهم فأسوأ حال مَن يراه من ذوي العقول أن يَعلَم أنَّه لم يكن ليُسوّيَ خَلْقَ غيرِهِ ويُعدِّلَه ويُحسِّنه، ولا يَدْفَعَ النَّقْصَ عن نفسه، فأقلُّ ما يجب أن يقول: يا مَن يَزعُم أنَّه خالق السماء والأرض، صَوِّرْ نفسَك وعَدِّها وأزِلْ عنها العاهة، فإنْ زَعَمتَ أنَّ الرَّبّ لا يُحدِثُ في نفسه شيئاً، فأزِلْ ما هو مكتوب بينَ عَيْنَكَ. وقال المهلَّب: ليس في اقتدار الدَّجّال على إحياء المقتول المذكور ما يُخالِفِ ما تقدَّم (٧١٢٢) من قوله وَّ: «هو أهونُ على الله من ذلك)) أي: من أن يُمكَّن من المعجِزات تمكيناً صحيحاً، فإنَّ اقتداره على قتل الرجل ثمَّ إحيائه لم يَستَمِرَّ له فيه ولا في غيره، ولا استَضَرَّ به المقتول إلّا ساعةَ تألَّه بالقتل مع حصول ثواب ذلك له، وقد لا يكون وَجَدَ للقتل ألَماً، لقدرة الله تعالى على دفع ذلك عنه. (١) تحرف في (س) إلى: فمن، بالفاء في أوله. ٢٠٩ باب ٢٧ / ح ٧١٣٢ كتاب الفتن وقال ابن العربيّ: الذي يَظهَر على يَدَي الدَّجّال من الآيات؛ من إنْزال المطر والخِصْب علی مَن يُصدِّقه والجدْب على مَن يُكذِّبه، واتباع كنوز الأرض له، وما معه من جنّة ونار ومياه تجري، كلُّ ذلك مِحْنة من الله واختبار ليَهلِكَ المرتابُ ويَنجُوَ المتيقِّن، وذلك كلّه أمر مَخُوف، ولهذا قال وَلِّ: ((لا فِتْنة أعظَمُ من فِتْنة الدَّجّال))(١)، وكان يستعيذ منها في صلاته تَشْرِيعاً لأُمَّتِه(٢). وأمّا قوله في الحديث الآخَر عند مسلم (٢٩٣٧): ((غيرُ الدَّجّال أخوَفُ لي عليكم)) فإنَّما قال ذلك للصحابة؛ لأنَّ الذي خافَه عليهم أقرَبُ إليهم من الدَّجّال، فالقريب المتَيقَّن وقوعُه لمن يُخاف عليه، يَشتَدّ الخوف منه على البعيد المظنونِ وقوعُه به ولو كان أشدَّ. قوله: ((فيقول: والله ما كنت فيك أشدَّ بصيرة منِّي اليومَ)) في رواية أبي الودّاك: «ما ازدَدْتُ فيك إلّا بصيرة، ثمَّ يقول: يا أيها الناس إنَّه لا يفعل بَعْدي بأحدٍ من الناس))، وفي رواية عَطيّة: ((فيقول له الدَّجّال: أما تُؤمِن بي؟ فيقول: أنا الآنَ أشدُّ بصيرةً فيك منِّي. ثمَّ نادَى في الناس: يا أيها الناس هذا المسيح الكذّاب، مَن أطاعَه فهو في النار، ومَن عَصَاه فهو في الجنَّة)). ونَقَلَ ابن التِّين عن الدَّاوُوديّ: أنَّ الرجل إذا قال ذلك للدَّجّالِ، ذابَ كما يَذُوب المِلْح في الماء؛ كذا قال، والمعروف أنَّ ذلك إنَّما يَحَصُل للدَّجّالِ إذا رأى عيسى ابن مريم (٣). قوله: «فيريد الدَّجّالُ أنْ يقتله فلا يُسلَّط عليه)» في رواية أبي الودّاك: «فيأخذه الدَّجّال لِيَذْبَحَه فيُجعَل ما بينَ رَقَبَته إلى تَرْقُوَته نُحاس، فلا يستطيع إليه سبيلاً))، وفي رواية عَطيّة: ((فقال له الدَّجّال: لَتُطيعُني أو لَأَذْبَحَنَّكَ، فقال: والله لا أُطيعك أبداً، فأمَرَ به فأُضْجِع فلا يَقدِرُ/ عليه ولا يَتَسَلَّط عليه مرَّة واحدة))، زاد في رواية عَطيّة: ((فأخَذَ يَدَيه ورِجْلَيْه فأَلْقِيَ ١٠٣/١٣ (١) روي نحو هذا في غير ما حديثٍ، انظر حديث هشام بن عامر الأنصاري عند أحمد (١٦٢٦٥) ومسلم - (٢٩٤٦) (١٢٦)، وحديث أبي أمامة عند ابن ماجه (٤٠٧٧)، وحديث جابر عند أحمد (١٤١١٢). (٢) انظر ما سلف عند البخاري برقم (٨٣٢) و(٨٣٣). (٣) كما في حديث أبي هريرة عند مسلم (٢٨٩٧)، وحديث أبي أمامة عند ابن ماجه (٤٠٧٧)، وحديث جابر عند أحمد (١٤٩٥٤). ٢١٠ باب ٢٧ / ح ٧١٣٢ فتح الباري بشرح البخاري في النار، وهي غَبْراء ذات دُخان))، وفي رواية أبي الودّاك: «فيأخُذ بيَدَیه ورِجْلَيْه فيَقْذِف به فَيَحسِب الناس أنَّه قَذَفَه إلى النار، وإنَّما أُلقيَ في الجنَّة))، زاد في رواية عَطيّة: قال رسول الله وَلّ: «ذلك الرجل أقرَبُ أمَّتي منِّي وأرفَعُهم درجة))، وفي رواية أبي الودّاك: «هذا أعظَمُ شَهادةً عندَ رَبّ العالمينَ». ووَقَعَ عندَ أبي يَعْلى (١٠٧٤) وعبد بن حُميدٍ (٨٩٧) من رواية حَجّاج بن أرطاةَ عن عَطيّة: أنَّه يُذْبَح ثلاث مرَّات ((ثمَّ يعود ليَذْبحَه الرَّابعةَ، فَيَضرِب الله على حَلْقه بصَفيحةٍ نُحاس فلا يستطيع ذَبْحه))(١) والأوَّل هو الصَّواب. ووَفَعَ في حديث عبد الله بن عَمْرو رَفَعَه في ذِكْرِ الدَّجّال(٢): ((يَدْعو برجلٍ لا يُسَلِّطه الله إلّا عليه)) فذكر نحو رواية أبي الودّاك، وفي آخره: ((فَيَهْوي إليه بسيفِه فلا يستطيعه، فيقول: أخِّروه عنِّي))، وقد وَقَعَ في حديث عبد الله بن مُعتَمِر: ((ثُمَّ يَدْعو برجلٍ فيما يَرَوْنَ فَيُؤْمَر به فيُقْتَل، ثمَّ يَقْطَع أعضاءَه كلّ عُضْو على حِدَة، فيُفرِّق بينَها حتَّى يراه الناس، ثمَّ يَجِمَعها، ثمَّ يَضرِب بعَصَاه فإذا هو قائم، فيقول: أنا الله الذي أُميت وأُخْبي، قال: وذلك كلّه سِحْر، سَحَرَ أعين الناس، ليس يعمل من ذلك شيئاً))، وهو سند ضعيف جدّاً(٣). وفي رواية أبي يَعْلى من الزّيادة: قال أبو سعيد: كنَّا نَرَى ذلك الرجلَ عمر بن الخطَّب لما نَعلَمُ من قوَّته وجَلَده. ووَفَعَ في ((صحيح مسلم)) (١١٢/٢٩٣٨) عَقِبَ رواية عُبيد الله بن عبد الله بن عُثْبةَ: قال أبو إسحاق: يُقال: إنَّ هذا الرجل هو الخَضِر؛ كذا أطلَقَ، فظنَّ القُرْطُبيّ أنَّ أبا إسحاق المذكور هو السَّبيعيُّ أحد الثِّقات من التّابعين، ولم يُصِبْ في ظنّه، فإنَّ السَّند المذكور لم يَخْرِ لأبي إسحاق فيه ذِكْر، وإنَّما أبو إسحاق الذي قال ذلك هو إبراهيم بن محمَّد بن سفيان (١) وإسناده ضعيف لا یصحُ. (٢) أخرجه الطبراني في «الكبير)) (١٤٢٩٢)، وإسناده ضعيف لجهالة بعض رواته، لكن له شواهد تقوِّيه. (٣) عزا حديثه في ((الإصابة)) في ترجمة عبد الله بن مغنم (٤٩٧٦) إلى البخاري في ((تاريخه)) وابن السكن والحسن بن سفيان والطبراني. قلنا: وقد رواه عن الطبرانيّ أبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (٤٥٤٢). ٢١١ باب ٢٧ / ح ٧١٣٣ كتاب الفتن الزّاهد راوي ((صحيح مسلم)) عنه، كما جَزَمَ به عِيَاض والنَّوويّ وغيرهما، وقد ذكر ذلك القُرْطُبيّ في (تذكرته)) أيضاً قبلُ، فكأنَّ قوله في الموضع الثّاني: السَّبيعيُّ، سَبْق قلمٍ. ولعلَّ مُستندَه في ذلك ما قاله مَعمَر في «جامعه)) (٢٠٨٢٤) بعدَ ذِكْر هذا الحديث: قال مَعمَر: بَلَغَني أنَّ الذي يقتل الدَّجّالَ الخَضِرُ، وكذا أخرجه ابن حِبّان (٦٨٠١) من طريق عبد الرَّزّاق عن مَعمَر قال: كانوا يَرَوْنَ أنَّه الخَضِر. وقال ابن العربيّ: سمعت مَن يقول: إنَّ الذي يقتله الدَّجّال هو الخَضِرِ، وهذه دَعْوى لا بُرْهانَ لها. قلت: وقد تَسَّكَ مَن قاله بما أخرجه ابن حِبّان في ((صحیحه)) (٦٧٧٨) من حديث أبي عُبيدة بن الجرَّاحِ رَفَعَه في ذِكْر الدَّجّال: (لعلَّه أن يُدرِكه بعضُ مَن رَآني أو سَمِعَ كلامي)) الحديث، ويُعكِّر عليه قولُه في رواية لمسلمٍ (١١٠/٢٩٣٧) تقدَّم التَّنبيه عليها: ((شابٌّ مُمْتَلِئ شَباباً))، ويُمكِن أن يجاب بأنَّ من جملة خصائص الخَضِر أن لا يزال شاباً، ويحتاج إلى دليل(١). ٧١٣٣ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، عن مالكٍ، عن نُعيمِ بنِ عبدِ الله المُجْمِرِ، عن أبي هُرَیرةَ، قال: قال رسولُ الله ◌َّ: ((على أنقاب المدينةِ ملائكةٌ، لا يَدخُلُها الطّاعونُ ولا الدَّجّالُ)). الحديث الثاني: حديث نُعيم عن أبي هريرة: ((على أنقاب المدينة ملائكة))، تقدَّم شرحه في فضائل المدينة (١٨٨٠) أواخر كتاب الحجّ. وتقدَّم هناك (١٨٨١) من حديث أنس: ((ليس من بلد إلّا سيَطَؤُه الدَّجّالُ إلَّا مكّة والمدينة)»، وكذا وَقَعَ في حديث جابر: ((يَسِيح في الأرض أربعينَ يوماً يَرِدُ كلّ بَلْدة، غير هاتَينِ البَلْدتَينِ مكّة والمدينة، حَرَّمَهما الله تعالى عليه، يوم من أيامه كالسَّنة، ويوم كالشَّهر، ويوم كالجُمعة، وبقيَّة أيامه كأيامكم هذه)) أخرجه الطَّبَرانيُّ(٢)، وهو عند أحمد (١٤٩٥٤) بنحوه بسندٍ جيّد، ولفظه(٣): «تُطْوَى له الأرض في أربعينَ يوماً إلّا ما كان من طَيْبة ... )) الحديث. (١) ولا دليل يصحُّ في ذلك، وانظر ما سلف في ج٦٠٧/٢-٦٠٨ و١٤٢/١٠-١٤٥. (٢) في ((المعجم الأوسط)) (٩١٩٩). (٣) في عزو هذا اللفظ لأحمد ذهولٌ من الحافظ رحمه الله، وإنما هو لأبي يعلى في ((مسنده)) برقم (٢١٦٤). ٢١٢ باب ٢٧ / ح ٧١٣٤ فتح الباري بشرح البخاري وأصله عند مسلم (٢٩٣٧/ ١١٠) من حديث النَّاس بن سِمْعان بلفظ: قلنا: يا رسول الله، فما لُبْئه في الأرض؟ قال: ((أربعونَ يوماً) فذكره، وزاد: قلنا: يا رسول الله، فذلك اليوم الذي كالسَّنةِ يَكْفينا فيه صلاةٌ يوم؟ قال: ((لا، اقدُروا له قَدْرَه)» قلنا: يا رسول الله، وما إسراعه في الأرض؟ قال: ((كالغَيْثِ استَدْبَرَتْه الرّيح)». وله (١١٦/٢٩٤٠) عن عبد الله بن عَمْرو: ((يَخْرُج الدَّجَالُ في أمَّتي فيَمكُث أربعين، لا أدري أربعينَ يوماً أو أربعينَ شَهْراً أو أربعينَ عاماً) الحديث، والجَزْم بأنَّها أربعونَ يوماً مُقدَّم على هذا التَّرديد، فقد أخرجه الطَّبَرانيُّ من وجه آخَر عن عبد الله بن عَمْرو بلفظ: ١٠٥/١٣ ((يَخْرُج - يعني/ الدَّجّال - فيَمكُث في الأرض أربعينَ صَباحاً يَرِدُ فيها كلَّ مَنْهَل إلَّ الكَعْبة والمدينة وبيت المقدس)) الحديث، ووَقَعَ في حديث سَمُرة المشار إليه قبلُ: ((يَظهَر على الأرض كلّها إلّا الحرمَينِ وبيت المقدس، فيَحصُر المؤمنينَ فيه ثمَّ يُهلِكه الله))(١). وفي حديث جُنَادة بن أبي أُميّة: أَتَينا رجلاً من الأنصار من الصحابة قال: قامَ فينا رسول الله وسلم فقال: ((أُنذِرُكم المسيح)) الحديث، وفيه: «يَمكُّث في الأرض أربعينَ صَباحاً، يَبلُغْ سُلْطانُه كلّ مَنْهَل، لا يأتي أربعة مساجد: الكَعْبة ومسجد الرَّسول ومسجد الأقصى والطُّور)) أخرجه أحمد (٢٣٠٩٠) ورجاله ثقات. الحدیث الثالث: حديث أنس. ٧١٣٤- حدَّثني يحيى بنُ موسى، حدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ، أخبرنا شُعْبةُ، عن قَتَادةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن النبيِّ ◌َّةِ، قال: ((المدينةُ يأتيها الدَّجّالُ، فَيَجِدُ الملائكةَ يَحْرُسونَهَا، فلا یَقرَبُها الدَّجّالُ)) قال: ((ولا الطّاعونُ إن شاءَ الله)). قوله: ((يأتيها الدَّجّال)) أي: المدينة ((فيَجِدُ الملائكة يَحِرُسوَها)» في حديث مِحْجَن بن الأدرَع عند أحمد (٢٠٣٤٧) والحاكم (٤/ ٤٢٦) في ذِكْر المدينة: ((ولا يَدخُلها الدَّجّال إن شاء الله، كلَّما أرادَ دخولها تَلَقّاه بكلِّ نَقْبٍ من أنقابها مَلَك مُصلِتٌ سيفَه يَمنَعُه عنها))، وعند الحاكم (١) أخرجه أحمد (٢٠١٧٨)، وإسناده ضعيف. ٢١٣ باب ٢٧ / ح ٧١٣٤ كتاب الفتن (٤ /٥٤٢) من طريق أبي عبد الله القَرّاظ سمعت سعد بن مالك وأبا هريرة يقولان: قال رسول الله وَيهِ: ((اللهُمَّ بارِكْ لأهلِ المدينة)) الحديث، وفيه: ((ألا إنَّ المدينة(١) مُشتَبِكة بالملائكة، على كلّ نَقْب من أنقابها مَلَكان يَجِرُسانها، لا يَدخُلها الطّاعون ولا الدَّجّال))(٢)، قال ابن العربيّ: يُجمَع بينَ هذا وبينَ قوله: ((على كلِّ نَقْب مَلَكان)) أنَّ سيف أحدهما مَسلُول، والآخر بخِلَافه. قوله: ((فلا يَقرَبُها الدَّجّال ولا الطّاعون إن شاء الله)) قيل: هذا الاستثناء مُحْتَمِل للتَّعليق ومُحْتَمِل للتَّبُرُّكِ وهو أَولى، وقيل: إنَّه يَتَعلَّق بالطّاعونِ فقط، وفيه نَظَر، وحديث مِحْجَن بن الأدرَع المذكور آنِفاً يُؤيِّد أنَّه لكلٍّ منهما. وقال القاضي عِيَاض: في هذه الأحاديث حُجّة لأهلِ السُّنّة في صِحّة وجود الدَّجّال، وأنَّه شخص مُعيَّن يَبْتَلي الله به العباد ويُقدِره على أشياء، كإحياءِ الميِّت الذي يقتله، وظُهور الخِصْب والأنهار، والجنَّة والنار، واتِّباع كُنوز الأرض له، وأمره السماءَ فتُمطِرٍ والأرضَ فتُنْبِت، وكلّ ذلك بمَشِيئة الله، ثمَّ يُعجِزه الله، فلا يَقدِر على قتل ذلك الرجل ولا غيره، ثمَّ يُبطِل أمره ویقتله عیسی ابن مریم. وقد خالَفَ في ذلك بعضُ الخوارج والمعتَزِلة والجَهْميّة، فأنكروا وجودَه ورَدُّوا الأحاديث الصَّحيحة، وذهب طوائفُ منهم كالجُبّائِيِّ إلى أنَّه صحيح الوجود، لكنْ كلَّ الذي معه تَحَاريق وخَيالات لا حقيقة لها، وألجأَهم إلى ذلك أنَّه لو كان ما معه بطريق الحقيقة لم يُوثَق بمُعجِزات الأنبياء، وهو غَلطٌ منهم، لأنَّه لم يَدَّعِ النَُّّةَ فتكون الخوارق تَدُلّ على صِدْقه، وإنَّما ادَّعَى الإلهيّة وصورةُ حاله تُكذِّبه لعَجْزِهِ ونَقْصه، فلا يَغْتَرّ به إلّا رَعَاعُ الناس، إمّا لِشِدّة الحاجة والفاقة، وإمّا تَقيّةً وخَوْفاً من أَذاه وشَرّه مع سُرْعة مُروره في الأرض، فلا يَمكُث حتَّى يَتَأمَّل الضُّعَفاءُ حاله، فمَن صَدَّقَه في تلك الحال لم يَلزَم منه بُطْلَانُ مُعجِزات الأنبياء، ولهذا يقول له الذي يُحِيبِهِ بعد أن يقتله: ما ازدَدْتُ فيك إلّا بصيرةً. (١) تحرف في (س) إلى: الملائكة. (٢) وأخرجه أيضاً أحمد (١٥٩٣)، وهو من هذا الوجه عند مسلم (١٣٨٧) (٤٩٥) إلا أنه لم يسق لفظه بتمامه، وانظر الحديث السابق عند البخاري. ٢١٤ باب ٢٨ / ح ٧١٣٥ فتح الباري بشرح البخاري قلت: ولا يُعكِّر على ذلك ما وَرَدَ في حديث أبي أمامةَ عندَ ابن ماجَهْ (٤٠٧٧): «أَنَّه يَبْدَأ فيقول: أنا نبيّ، ثمَّ يُثنّي فيقول: أنا ربُّكم))(١)، فإنَّه يُحمَل على أنَّه إنَّما يُظهِر الخوارق بعد قوله الثّاني. ووَقَعَ في حديث أبي أُمامةَ المذكور: ((وأنَّ من فِتْنته أن يقول للأعرابيّ: أرأيت إِنْ بَعَنتُ لك أباك وأُمّك أَتَشْهَدُ أنّي رَبّك؟ فيقول: نَعَم، فيُمَثَّل له شيطانان في صورة أبيه وأُمّه يقولان له: يا بُنيّ اتَِّعْه فإنَّه ربُّك، وإنَّ من فِتْنته أن يَمُرّ بالحيِّ فيُكذِّبونَه، فلا تَبقَى لهم سائمةٌ إلّا هَلَكَت، ويَمُرَّ بالحيِّ فِيُصدِّقونَه، فيأمُر السماء أن تُطِرِ والأرض أن تُنبِت، فتُمطِرِ وتُنِبِت، حتَّى تَرُوح مواشيهم من يومهم ذلك أسمَنَ ما كانت وأعظَمَ، وأمَدَّه خَوَاصِرَ وأدَرَّه ◌ُروعاً». ٢٨ - باب يأجوج ومأجوجَ ١٠٦/١٣ ٧١٣٥ - حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ (ح) وحدَّثنا إسماعيلُ، حدَّثني أخي، عن سليمانَ، عن محمَّدِ بنِ أبي عَنِيقٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُرْوةَ بنِ الزُّبَيرِ: أنَّ زينبَ بنتَ أبي سَلَمَةَ حَدَّثَتْه، عن أمِّ حَبِيبةَ بنتِ أبي سفيانَ، عن زينبَ بنتِ جَحْش: أنَّ رسولَ اللهِ وَالـ دَخَلَ عليها يوماً فَزِعاً يقولُ: ((لا إلهَ إلا الله! ويلٌ للعربِ مِن شرّ قد اقتَرَب، فُتِحَ اليومَ مِن رَدْمِ يأجوجَ ومَأْجوجَ مِثلُ هذه)» وحَلَّقَ بإصبَعَيهِ الإبهامِ والتي تَلِيها، قالت زينبُ بنتُ جَحْشٍ: فقلتُ: يا رسولَ الله، أنَهلِكُ وفينا الصالحونَ؟ قال: ((نَعَم، إذا كَثُرَ الخَبَثُ)). قوله: ((باب يأجوج ومأجوج)» تقدَّم شيء من خبرهم في ترجمة ذي القَرْنَينِ من أحاديث الأنبياء (٣٣٤٦)، وأنَّهم من بني آدم، ثمَّ بني يافثَ بن نوح، وبه جَزَمَ وَهْب وغيره، وقيل: إنَّهم من التُّرك، قاله الضَّحّاك، وقيل: يَأْجوج من التُّرك ومَأْجوج من الدَّيلَم، وعن كَعْب: هم من ولد آدم من غير حَوّاء، وذلك أنَّ آدم نامَ فاحتَلَمَ، فامتَزَجَتْ نُطْفْتُهُ بالتُراب، فخُلِقَ منها يَأْجوجُ ومَأْجوج، ورُدَّ بأنَّ النبيّ لا يَحَتَلِم(٢)، وأُجيبَ عنه بأنَّ المنفيّ أن يَرَى في (١) وإسناده ضعيف. (٢) انظر شرح الحديث السالف برقم (١٩٢٥)، ج٣٣١/٦ -٣٣٢. ٢١٥ باب ٢٨ / ح ٧١٣٥ كتاب الفتن المنام أنَّه يُجامِع، فيحتمل أن يكون دَفَقَ الماءَ فقط وهو جائز، كما يجوز أن يَبُول، والأوَّل المعتمَد، وإلّا فأينَ كانوا حينَ الطُوفان؟! وياجُوجُ وماجُوجُ بغير همزٍ لأكثرِ القُرّاء، وقرأ عاصم بالهمزة السّاكنة فيهما، وهي لُغة بني أسد، وقرأ العَجّاج وولده رُؤْبة: أَأُجُوج بهمزةٍ بَدَل الياء، وهما اسمان أعجميّان عند الأكثر مُنِعا من الصَّرْف للعَلَميّةِ والعُجْمة، وقيل: بل عربيّان، واختُلِفَ في اشتقاقهما: فقيلَ: من أَجِيج النار: وهو الْتِهابها، وقيل: من الأَجَّة - بالتَّشديد -: وهي الاختلاط أو شِدّة الحرّ، وقيل: من الأَجِّ: وهو سُرْعة العَدْو، وقيل: من الأُجَاج: وهو الماء الشَّديد الملوحة، ووَزْنهما يَفْعُول ومفعول، وهو ظاهر قراءة عاصم، وكذا الباقينَ إنْ كانت الألف مُسهَّلة من الهمزة، فقيلَ: فاعُول من يَجَّ ومَجَّ، وقيل: مَأْجوج من ماجَ: إذا اضطَرَبَ، ووَزْنه أيضاً مفعول، قاله أبو حاتم، قال: والأصل مَوجُوج، وجميع ما ذُكِرَ من الاشتقاق مُناسِب لحالهم. ويُؤيِّد الاشتقاقَ وقولَ مَن جعله مِن ماجَ: إذا اضطَرَبَ، قولُه تعالى: ﴿وَتَرَّكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَيِذٍ يَمُوُجُ فِى بَعْضٍ﴾ [الكهف: ٩٩]، وذلك حينَ يَخْرُجونَ من السَّدّ، وجاءَ في صِفَتهم ما أخرجه ابن عَديّ (١٦٩/٦) وابن أبي حاتم والطَّبَرانيُّ في «الأوسط)) (٣٨٥٥) وابن مَرْدويه من حديث حُذَيفة رَفَعَه قال: ((يَأْجوج أمّة ومَأْجوج أُمّة، كلّ أمّة أربعُ مئة ألف، لا يموت الرجل منهم حتَّى يَنظُر إلى ألف ذَكَرٍ من صُلْبه كلُّهم قد حَلَ السِّلاح)»، وهو من رواية يحيى بن سعيد العَطّار عن محمَّد بن إسحاق عن الأعمَش، والعَطّار ضعيف جدّاً، ومحمّد بن إسحاق قال ابن عَديّ: ليس هو صاحبَ المغازي بل هو العُكّاشيُّ، قال: والحديث موضوع، وقال ابن أبي حاتم: مُنگر. قلت: لكنْ لبعضِه شاهد صحيح أخرجه ابن حِبّان (٦٨٢٨) من حديث ابن مسعود رَفَعَه: ((إنَّ يَأْجوج ومأجوج أقلُّ ما يَترُك أحدهم لصُلْبِهِ ألفاً من الذُّرِّيّة)، وللنَّسائيِّ (ك١١٢٧١) من رواية عَمْرو بن أَوس عن أبيه رَفَعَه: ((إنَّ يَأْجوج ومَأْجوج يُجَامِعونَ ما شاؤوا، ولا يموت رجل منهم إلّا تَرَكَ من ذُرِّيَته ألفاً فصاعداً))، وأخرج الحاكم (٤/ ٤٩٠) وابن مَرْدويه من طريق عبد الله بن عَمْرو: أنَّ يأجوج ومأجوج من ذُرّيّة آدم،/ ووراءَهم ثلاث أمَم، ١٠٧/١٣ ٢١٦ باب ٢٨ / ح ٧١٣٥ فتح الباري بشرح البخاري ولَن يموت منهم رجل إلّا تَرَكَ من ذُرِّيَّته ألفاً فصاعداً، وأخرج عبد بن حُميدٍ بسندٍ صحيح عن عبد الله بن سَلَام ◌ِمِثْله. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن عَمْرو قال: الجِنّ والإنس عَشَرة أجزاء، فتسعة أجزاء يأجوج ومأجوج، وجُزْء سائرُ الناس. ومن طريق شُرَيح بن عُبيد عن كَعْب قال: هم ثلاثة أصناف: صِنْف أجسادهم كالأَرْز - بفتح الهمزة وسكون الرَّاء ثمَّ زاي: هو شجر - كِبار جدّاً، وصِنْف أربعةُ أذرُع في أربعة أذرُع، وصِنْف يَفتَرِشُونَ آذانهم ويَلتَحِفونَ بالأُخرى. ووَقَعَ نحو هذا في حديث حُذَيفة. وأخرج أيضاً هو والحاكم (٤/ ٥٢٧) من طريق أبي الجَوْزاء عن ابن عبّاس: يَأْجوج ومَأْجوج شِبْراً شِبْراً وشِبْرَينِ شِبْرَين، وأطولهم ثلاثة أشبار، وهم من ولد آدم، ومن طريق أبي هريرة رَفَعَه (١): «وُلِدَ لنوحِ سامٌ وحامٌ ويافِثُ، فوُلِدَ لسامِ العرب وفارس والرّومِ، وُلِدَ لحامِ القِبْط والبَرْبَر والسّودان، ووُلِدَ ليافثَ يَأْجوج ومَأْجوج والتُّرك والصَّقالِبة)»، وفي سنده ضعفٌ. ومن رواية سعيد بن بَشير عن قَتَادة قال: يَأْجوج ومَأْجوج ثِنْتان وعِشْرونَ قبيلة، بنی ذو القَرْنَينِ السَّدَّ على إحدى وعِشْرين، وكانت منهم قبيلة غائبة في الغَزْو وهم الأتراك فبَقُوا دونَ السَّدّ، وأخرج ابن مَرْدويه من طريق السُّدِّيِّ قال: التُرك سَرِيّة من سَرايا يَأْجوج ومَأْجوج خَرَجَتْ تُغير، فجاءَ ذو القَرْنَيْنِ فَبَنَى السَّدَّ فَبَقُوا خارجاً. ووَقَعَ في ((فتاوى الشَّيخ محبي الدِّين)): يَأجوج ومأجوج من أولاد آدم لا من حَوّاء عندَ جماهير العلماء، فيكونون إخوانَنا لأبٍ؛ كذا قال، ولم نَرَ هذا عن أحد من السَّلَف إلّا عن كَعْب الأحبار، ويَرُدّه الحديثُ المرفوع أنَّهم من ذُرِّيّة نوح، ونوح من ذُرِّيّة حَوّاء قَطْعاً. (١) نسبه إلى ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) السيوطيُّ في ((الدر المنثور)) (الصافات/ آية ٧٧)، وزاد نسبته إلى البزار، وهو في «مسنده)) برقم (٧٨٢٠) من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعاً، وفي سنده إلى ابن المسيب ضعفٌ، والصواب أنه من قول سعيد بن المسيب هكذا أخرجه ابن وهب في ((جامعه)) (٢٥)، ومن طريقه الحاكم في ((المستدرك)) ٤٦٣/٤. ٢١٧ باب ٢٨ / ح ٧١٣٥ كتاب الفتن قوله: ((وحدَّثنا إسماعيل)) هو ابن أبي أُوَيس عبد الله الأصبحيّ، وأخوه: هو أبو بكر عبد الحميد، وسليمان: هو ابن بلال، ومحمَّد بن أبي عَتيق نُسِبَ لجدِّه، وهو محمّد بن عبد الله ابن أبي عَتيق محمَّد بن عبد الرّحمن بن أبي بكرٍ (١)، وهذا السَّند كلّه مدنيُّونَ، وهو أَنزَلُ من الذي قبلَه بدَرَ جَتَين، ويُقال: إنَّه أطول سند في البخاريّ فإنَّه تُساعيّ، وَغَفَلَ الزَّرْكَشُّ فقال: فيه أربع نِسْوة صحابيّات، وليس كما قال، بل فيه ثلاثة كما قَدَّمتُ إيضاحه في أوائل الفتن في ((باب قول النبيّ وَّه: ويل للعرب)) (٧٠٥٩)، وذكرتُ هناك الاختلاف على سفيان بن عيينةً في زيادة حبيبة بنت أم حبيبة في الإسناد. قوله: ((إنَّ النبيّ ◌َهِ دَخَلَ عليها يوماً فَزِعاً)) بفتح الفاء وكسر الزّاي، في رواية ابن عُيَينَةَ: استَيقَظَ النبيُّ نَّه من النَّومِ مُحمَرّاً وجهُه يقول، فيُجمَع على أنَّه دَخَلَ عليها بعدَ أن استَقَظَ النبيّ پڼ فِعاً، وکانت ◌ُمرة وجهه من ذلك الفزع، و ◌ُمعَ بينهما في رواية سليمان بن کثیر عن الزّهْريّ عند أبي عَوَانة فقال: فَزِعاً مُحمَرّاً وجهه. قوله: ((ويلٌ للعرب من شَرّ قد اقتَرَب)» خُصَّ العرب بذلك لأنَّهم كانوا حينئذٍ مُعظَم مَن أسلَمَ، والمراد بالشرِّ ما وَقَعَ بعدَه من قتل عثمان، ثمَّ تَوالَت الفتن حتَّى صارت العرب بين الأُمَم كالقَصْعةِ بينَ الأَكَلة، كما وَقَعَ في الحديث الآخر: ((يُوشِك أن تَداعَى عليكم الأُمَمُ كما تَداعَى الأَكَلةُ على قَصْعَتها))(٢) وأَنَّ المخاطَب بذلك العرب، قال القُرْطُبيّ: ويحتمل أن يكون المراد بالشرِّ ما أشارَ إليه في حديث أمّ سَلَمة: ((ماذا أُنزِلَ اللَّيلةَ من الفتن؟ وماذا أُنزِلَ من الخزائن؟)) (٣) فأشارَ بذلك إلى الفُتوح التي فُتِحَتْ بعدَه فكَثُرَت الأموال في أيديهم، فوَقَعَ التَّنافسُ الذي جَرَّ الفتن، وكذلك التَّنَافسُ على الإمْرة، فإِنَّ مُعظَم ما أنكَروه على عثمان تَوْليةُ أقاربه من بني أُميّة وغيرهم، حتَّى أفضَى ذلك إلى قتلِه، وتَرَتَّبَ على قتله من القتال بينَ المسلمين ما اشتَهرَ واستَمرَّ. (١) تحرف في الأصلين و(س) إلى: بكرة. (٢) أخرجه أحمد (٢٢٣٩٧)، وأبو داود (٤٢٩٧) وغيرهما من حديث ثوبان وإسناده حسن. (٣) سلف عند البخاري برقم (١١٥). ٢١٨ باب ٢٨ / ح ٧١٣٥ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((فُتِحَ اليوم من رَدْم يَأْجوج ومَأْجوج)) المراد بالرَّدْم: السَّدُّ الذي بناه ذو القَرْنَين، وقد قَدَّمتُ صِفَتَه في ترجمته من أحاديث الأنبياء (٣٣٤٦). قوله: ((مِثلُ هذه، وحَلَّقَ بإصبَعَيهِ الإبهامِ والتي تليها)) أي: جعلهما مِثْل الحلقة، وقد تقدَّم في ١٠٨/١٣ رواية سفيان بن عُيَينَ (٧٠٥٩): وعَقَدَ سفيانُ تسعینَ أو مئة، وفي رواية/ سليمان بن کثیر عن الزُّهْريّ عند أبي عَوَانة وابن مَرْدويه: مِثْل هذه، وعَقَدَ تسعين، ولم يُعِّن الذي عَقَدَ أيضاً، وفي رواية مسلم (٢٨٨٠) عن عَمْرو الناقد عن ابن عُبَينَةَ: وعَقَدَ سفيان عَشَرَةً، ولابنِ حِبّان (٦٨٣١) من طريق سُرَيج بن يونس عن سفيان: وحَلَّقَ بَيَدِه عَشَرة، ولم يُعيِّن أنَّ الذي حَلَّقَ هو سفيان، وأخرجه (٣٢٧) من طريق يونس عن الزُّهْريّ بدون ذِكْر العَقْد، وكذا تقدَّم في علامات النُّبوّة (٣٥٩٨) من رواية شُعَيب، وفي ترجمة ذي القَرْنَينِ (٣٣٤٦) من طريق عُقَيل، وسيأتي في الحديث الذي بعده: وعَقَدَ وُهَيب تسعين، وهو عند مسلم أيضاً (٢٨٨١). قال عِيَاض وغيره: هذه الرِّوايات مُتَّفِقة إلّا قوله: عَشَرة. قلت: وكذا الشكُّ في المئة، لأنَّ صفاتها عند أهل المعرفة بعَقْدِ الحِساب مُخْتَلِفة، وإن انَّفَقَتْ في أنَّهَا تُشِبِهِ الحَلْقة، فعَقْد العَشَرة أن يَجَعَل طَرَفَ السَّابة اليُمنَى في باطن طَّ عُقْدة الإبهام العُلْيا، وعَقْد التِّسْعينَ أن يَجَعَل طَرَف السَّبّابَة اليُمنَى في أصلها، ويَضُمّها ضَمّاً مُحُكَماً بحيثُ تَنطَوي عُقْدتاها حتَّى تصير مِثْل الحيّة المطوِّقة، ونَقَلَ ابنُ التِّين عن الدَّاوُوديِّ: أنَّ صورته أن يجعل ظَهْر (١) السَّابة في وَسَط الإبهام، ورَدَّه ابن التِّين بما تقدَّم، فإنَّه المعروف، وعَقْد المئة مِثْل عَقْد التِّسْعينَ لكنْ بالخِنْصر اليُسرَى، فعلى هذا فالتِّسْعونَ والمئة مُتقارِبان، ولذلك وَقَعَ فيهما الشكّ، وأمّا العَشَرة فُمُغايرة لهما. قال القاضي عياض: لعلَّ حديث أبي هريرة متقدِّم، فزاد الفتحُ بعدَه القَدْرَ المذكور في حديث زينب. قلت: وفيه نَظَر؛ لأنَّه لو كان الوصفُ المذكور من أصل الرِّواية لاتَّجَهَ، ولكنَّ الاختلاف فيه من الرُّواة عن سفيان بن عُيَينةَ، ورواية مَن روى عنه تسعينَ أو مئة أتقَنُ (١) لفظ ((ظهر)) سقط من (س). ٢١٩ باب ٢٨ / ح ٧١٣٥ كتاب الفتن وأكثر من رواية مَن روى عَشَرة، وإذا اَّدَ مَخَرَجُ الحديث ولا سيّما في أواخر الإسناد، بَعُدَ الحملُ على التعدُّد جدّاً. قال ابن العربيّ: في الإشارة المذكورة دلالةٌ على أنَّه وَلِ﴿ كان يعلم عَقْدَ الحِساب حتَّى أشارَ بذلك لمن يَعرِفه، وليس في ذلك ما يعارض قولَه في الحديث الآخر: ((إنّا أُمّة لا نَحسُب ولا نَكتُب))(١)، فإنَّ هذا إنَّما جاءَ لبيان صورة مُعيَّنة خاصّة. قلت: والأولى أن يُقال: المراد بنَفْي الحِساب: ما يَتَعاناه أهل صِناعَته من الجمع والفَذْلَكة والضَّرْب ونحو ذلك، ومن ثَمَّ قال: ((ولا نَكتُب))، وأمّا عَقْد الحِساب فإنَّه اصطِلاحٌ للعرب تَوَاضَعُوه بينهم ليَستَغْنُوا به عن التلفَّظ، وكان أكثرُ استعمالهم له عند المساوَمة في البيع، فيَضَع أحدُهما يده في يد الآخَر، فيَفْهَمَان المراد من غير تلفُّظ، لقَصْدِ سَتْر ذلك عن غيرهما مَمَّن يَحَضُرُهما، فشَبَّهَ وَ﴿ قَدْرَ ما فُتِحَ من السَّدّ بصِفَةٍ معروفة عندهم، وقد أكثرَ الشُّعراء التَّشبيهَ بهذه العقود، ومن ظَريف ما وقفتُ عليه من النَّظْم في ذلك قول بعض الأُدَباء: وفُؤادي في قَبْضَةِ التِّسْعينِ رُبَّ بُرْغوثٍ ليلةً بِتُّ منهُ ذاقَ طَعْمَ الحِمامِ فِي السَّبْعینِ أسَرَتْه يَدُ الثَّلاثِينَ حتَّى وعَقْد الثَّلاثينَ أن يضمَّ طَرَف الإبهام إلى طَرَف السَّابة، مِثْل مَن يُمسِك شيئاً لطيفاً كالإبرة، وكذلك البُرْغوث، وعَقْد السَّبْعينَ أن يجعل طَرَف ظُفْر الإبهامِ بينَ عُقْدتَ السَّابة من باطنها، ويُلْوِى طَرَف السَّابة عليها مِثْل ناقد الدّينار عند النَّقد. وقد جاءَ في خبرٍ مرفوع: ((إنَّ يَأْجوج ومَأْجوج يَحِفِرونَ السَّدَّ كلَّ يوم)) وهو فيما أخرجه التِّرمِذيّ (٣١٥٣) وحَسَّنَه وابن حِبّان (٦٨٢٩) والحاكم (٤٨٨/٤) وصَخَّحاه من طريق قَتَادة عن أبي رافع عن أبي هريرة رَفَعَه في السَّدّ: «يَحِفِرونَه كلّ يوم، حتَّى إذا كادوا يَخِرِقونَه قال الذي عليهم: ارجِعوا فسَتَخْرِقونَه غَداً، فيُعيده الله كأشدِّ ما كان، حتَّى إذا بَلَغَ مُكَّتهم، وأرادَ الله أن يَبعَثهم، قال الذي عليهم: ارجِعوا فسَتَخْرِ قونَه غَداً إن شاء الله، واستثنى، قال: (١) سلف عند البخاري برقم (١٩١٣). ٢٢٠ باب ٢٨ / ح ٧١٣٥ فتح الباري بشرح البخاري ١٠٩/١٣ فيَرجِعونَ فيَجِدونَه كهَيْتِه/ حينَ تَرَكوه، فيَخرِقونَه فيَخرُجونَ على الناس ... )) الحديث. قلت: أخرجه التِّرمِذيّ والحاكم من رواية أبي عَوَانة، وعبد بن حُميدٍ من رواية حَمَّاد بن سَلَمة، وابن حِبّان من رواية سليمان الشَّمِيِّ، كلَّهم عن قَتَادة، ورجاله رجال الصَّحيح إلّا أَنَّ قَتَادة مُدلِّس، وقد رواه بعضهم عنه فأدخَلَ بينهما واسِطةً أخرجه ابن مَرْدويه، لكن وَقَعَ التَّصريحُ في رواية سليمان التَّيمِيِّ عن قَتَادة بأنَّ أبا رافع حدَّثه وهو في ((صحيح ابن حِبّان))، وأخرجه ابن ماجَهْ (٤٠٨٠) (١) من طريق سعيد بن أبي عَرُوبة عن قَتَادة قال: حَدَّثَ أبو رافع، وله طريق آخَر عن أبي هريرة، أخرجه عبد بن حُميدٍ من طريق عاصم عن أبي صالح عنه، لكنَّه موقوف. قال ابن العربيّ: في هذا الحديث ثلاث آيات: الأولى: أنَّ الله مَنَعَهم أن يُوَالُوا الحفرَ ليلاً ونهاراً. الثّانية: مَنَعَهم أن يُحاوِلوا الرُّقيَّ على السَّ بسُلَّم أو آلة فلم يُلْهِمهم ذلك، ولا عَلَّمَهم إيّاه، ويحتمل أن تكون أرضهم لا خَشَبَ فيها ولا آلات تَصلُح لذلك. قلت: وهو مردود، فإنَّ في خبرهم عندَ وَهْب في ((المبتدأ): أنَّ لهم أشجاراً وزُروعاً وغير ذلك من الآلات، فالأوَّل أولى. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مَرْدويه من طريق ابن عَمْرو بن أَوس عن جَدِّه رَفَعَه: «أنَّ يَأْجوج ومأجوج لهم نساء يُجامِعونَ ما شاؤوا، وشَجَر يُلقِحونَ ما شاؤوا» الحديث(٢). الثّالثة: أنَّه صَدَّهم عن أن يقولوا: إن شاء الله، حتَّى يَجَيءَ الوقتُ المحدود. قلت: وفيه أنَّ فيهم أهل صناعة وأهل ولاية وسَلَاطة ورَعيّة تُطيع مَن فوقَها، وأنَّ فيهم مَن يَعِرِف الله ويُقِرّ بِقُدْرتِهِ ومَشِيئته، ويحتمل أن تكون تلك الكلمة تَجْري على لسان ذلك الوالي من غير أن يَعرِفَ معناها، فَيَحصُل المقصود ببَرَكَتِها. (١) وكذا أحمد في «مسنده)) (١٠٦٣٢). (٢) وأخرجه النسائي أيضاً في ((الكبرى)) (١١٢٧١) من طريق ابن عمرو بن أوس عن أبيه عن جدِّه.