النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ باب ٢٦ كتاب الفتن ٢٦ - باب ذِكْر الدَّجّال قوله: ((باب ذِكْر الدَّجّال)) هو فَعّال - بفتح أوَّله والتَّشديد - من الدَّجَلِ: وهو التَّغْطية، ٩١/١٣ وسُمّيَ الكذّابُ دَجّالاً، لأنَّه يُغَطّي الحقَّ بباطلِه، ويُقال: دَجَلَ البعيرَ بالقَطِران: إذا غَطّاه، والإناءَ بالذَّهَبِ: إذا طَلَاه، وقال ثَعْلَب: الدَّجّال الممَوَّه: سيف مُدَجَّل إذا طُليَ. وقال ابن دُرَيدِ: سُمّيَ دَجّالاً لأنَّه يُغَطّي الحقّ بالكذب، وقيل: لضَرْبِه نواحي الأرض، يُقال: دَجَلَ مُخُفَّفاً ومُشدَّداً: إذا فعل ذلك، وقيل: بل قيل ذلك لأنَّه يُغَطّي الأرض، فَرَجَعَ إلى الأوَّل. وقال القُرْطُبِيّ في ((التَّذكرة): اختُلِفَ في تَسْميَتَه دَجّالاً على عَشَرة أقوال. وممّا يُحتاج إليه في أمر الدَّجّال أصلُه وهل هو ابن صَيّاد أو غيره، وعلى الثّاني فهَلْ كان موجوداً في عَهْد رسول الله وَ ◌ّ أو لا، ومتى يَخْرُج، وما سببُ خروجه، ومن أينَ يَخْرُج، وما صِفَتُه، وما الذي يَدَّعيه، وما الذي يَظهَر عندَ خروجه من الخوارق حتَّى يكثر أتباعُه، ومتى يَهلِك ومَن يقتله؟ فأمّا الأوَّل: فيأتي بيانه في كتاب الاعتصام (٧٣٥٥) في شرح حديث جابر: أنَّه كان يَحَلِفِ أنَّ ابنَ صَيّاد هو الدَّجّال، وأمّا الثّاني: فمُقتَضى حديث فاطمة بنت قيس في قصَّة تَميم الدّاريِّ الذي أخرجه مسلم (٢٩٤٢) أنَّه كان موجوداً في العَهْد النبويّ، وأنَّه محبوس في بعض الجزائر، وسيأتي بيان ذلك عندَ شرح حديث جابر أيضاً، وأمّا الثّالث: ففي حديث النَّاس عند مسلم (٢٩٢٠) أنَّه يَخْرُج عند فتح المسلمين القُسْطَنطينيّةَ. وأمّا سبب خروجه، فأخرج مسلم (٢٩٣٢) في حديث ابن عمر عن حَفْصة: أنَّه يَخرُج من غَضْبةٍ يَغْضَبها. وأمّا من أينَ يَخْرُجُ؟ فمن قِبَل المشرق جَزْماً، ثمَّ جاءَ في رواية: أنَّ يَخْرُج من خُراسان، أخرج ذلك أحمد (١٢) والحاكم (٤/ ٥٢٧) من حديث أبي بكر (١)، وفي أُخرى: أنَّه يَخْرُج من أصبَهانَ، أخرجها مسلم (٢٩٤٤)(٢). (١) وأخرجه أيضاً ابن ماجه (٤٠٧٢)، والترمذي (٢٢٣٧) وغيرهما، وحسّنه الترمذي. (٢) ليس في حديث أنس هذا عند مسلم ذكرُ مكان خروج الدجال، وإنما فيه أنه يتبعه من يهود أصبهان سبعون ألفاً. ١٨٢ باب ٢٦ فتح الباري بشرح البخاري وأمّا صِفَتُه فمذكورة في أحاديث الباب. وأمّا الذي يَدَّعيهِ، فإِنَّه يَخْرُجِ أوَّلاً فيَدَّعي الإيمان والصَّلاح، ثمَّ يَدَّعي النُّبوّة، ثمَّ يَدَّعي الإلهيّة كما أخرج الطَّبَرانيُّ من طريق سليمان بن شهاب قال: نَزَلَ عليَّ عبد الله بن المعتَمِر(١) وكان صحابيّاً، فحدَّثْني عن النبيّ وَّ أنَّه قال: ((الدَّجّال ليس به خَفاءٌ، يَجيء من قِبَل المشرق فَيَدْعو إلى الدِّين فيُتَّبَعِ ويَظهَر، فلا يزال حتَّى يَقدَم الكوفة فيُظهِر الدِّين ويعمل به، فيُتَّبَع ويَحُثّ على ذلك، ثمَّ يَدَّعي أنَّه نبيّ فِيَفزَع من ذلك كلُّ ذي لُبّ ويُفارِقه، فيَمكُث بعدَ ذلك فيقول: أنا الله، فتُغْشَى عَينُهُ، وتُقَطَع أُذُنُه، ويُكتَب بينَ عَيْنَه كافر، فلا يَخْفَى على كلّ مسلم، فيقارِقه کلّ أحد من الخلق في قلبهمثقال حبة من خردل من إیمان» وسنده ضعيف. تنبيه: اشْتَهَرَ السُّؤال عن الحِكْمة في عَدَم التَّصريح بذِكْر الدَّجّال في القرآن، مع ما ذُكِر عنه من الشّ وعِظَم الفِتْنة به وتحذير الأنبياء منه والأمر بالاستعاذةِ منه حتَّى في الصلاة، وأُجيبَ بأجوبةٍ: أحدها: أنَّه ذُكِرَ في قوله: ﴿يَوْمَ بَأْتِ بَعْضُ ءَايَتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيَتُهَا﴾ [الأنعام: ١٥٨]، فقد أخرج التِّرمِذيّ (٣٠٧٢) وصَحَّحَه عن أبي هريرة رَفَعَه: ((ثلاث إذا خَرَجنَ لم يَنفَعْ ٩٢/١٣ نفساً/ إيمانُها لم تكنْ آمَنَتْ من قبل: الدَّجّال، والدّابّة، وطلوع الشمس من مَغرِبها))(٢). الثّاني: قد وَقَعَت الإشارةُ في القرآن إلى نزول عيسى ابن مريم في قوله تعالى: ﴿ وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، قَبْلَ مَوْنِهِ،﴾ [النساء: ١٥٩] وفي قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٦١]، وصَحَّ أنَّه الذي يقتُّل الدَّجّال، فاكتَفَى بذِكْر أحد الضِّدَّين عن الآخَر، ولكَوْنِه يُلقَّب المسيحَ كعيسى، لكنَّ الدَّجّال مسيحُ الضَّلالة، وعیسی مسيحُ الهُدى. الثالث: أنَّه تَرَكَ ذِكرَه احتقاراً، وتُعقِّب بذِكْر يَأْجوج ومَأْجوج وليست الفِتْنَةُ بهم بدون الفِتْنة بالدَّجّالِ والذي قبله. (١) في (ع): المعتم. وكلاهما صحيح فقد اختلف في اسم أبيه على غير ما وجهٍ. (٢) قصَّر الحافظ ابن حجر في عزوه الحديثَ للترمذي فقط، فإنه في ((صحيح مسلم)) أيضاً برقم (١٥٨). ١٨٣ باب ٢٦ كتاب الفتن وتُعقِّبَ بأنَّ السُّؤال باقٍ وهو: ما الحِكمةُ في ترك التَّنصيص عليه؟ وأجابَ شيخنا الإمام البُلْقِينِيُّ: بأنَّه اعتَبَرَ كلَّ مَن ذُكِرَ في القرآن مِن المفسِدِينَ فوَجَدَ كلَّ مَن ذُكِرَ إنَّما هم مَّن مضى وانقَضَى أمره، وأمّا مَن لم يَجِئْ بَعْدُ، فلم يَذكُر منهم أحداً. انتهى، وهذا يَنْتَقِض بيأجوج ومأجوج. وقد وَقَعَ في ((تفسير البَغَويِّ)): أنَّ الدَّجّال مذكور في القرآن في قوله تعالى: ﴿ لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧]، وأنَّ المراد بالناسِ هنا الدَّجّال من إطلاق الكلِّ على البعض. وهذا إنْ ثَبَتَ أحسَنُ الأجوبة، فيكون من جملة ما تَكَفَّلَ النبيُّ وَّ ببيانه، والعِلمُ عندَ الله تعالى. وأمّا ما يَظهَر على يده من الخوارق فسيُذكَرُ هنا، وأمّا متى يَهَلِكُ ومَن يقتلُه؟ فإنَّه يَهَلِك بعدَ ظُهوره على الأرض كلّها إلّا مكّةَ والمدينة، ثمَّ يَقْصِد بيت المقدس، فینزِل عیسی فيقتلُهُ، أخرجه مسلم أيضاً (٢٩٣٧/ ١١١)، وسأذكرُ لفظه. وفي حديث هشام بن عامر: سمعت رسول الله وَ له يقول: ((ما بينَ خَلْق آدم إلى قيام السّاعة فِتْنَةٌ أعظَمَ من الدَّجّال)) أخرجه الحاكم (٥٢٨/٤)(١). وعندَ الحاكم (٤/ ٥٢٩ - ٥٣٠) من طريق قَتَادة عن أبي الطُّفَيل عن حُذيفة بن أَسيدٍ رَفَعَهُ(٢): «أَنَّه يَخْرُج - يعني الدَّجّال - في نَقْص من الدُّنيا، وخِفّة من الدِّين، وسوءِ ذاتِ بَيْنٍ، فَيَرِدُ كُلَّ مَنْهَل، وتُطْوى له الأرض)) الحديث. وأخرج نُعيم بن حَمَّاد في كتاب ((الفتن)) (١٥٢٦) من طريق كَعْب الأحبار قال: يَتَوجَّه الدَّجّال فيَنزِل عندَ باب دمشق الشَّرْقِيّ، ثمَّ يُلْتَمس فلا يُقدَر عليه، ثمَّ يُرَى عند المياه التي عند نهر الكُسْوة، ثمَّ يطلَب فلا يُدْرى أينَ تَوجَّهَ، ثمَّ يَظهَر بالمشرقِ فُيُعْطَى الخلافة، ثمَّ يُظهِرِ السِّحْرِ، ثمَّ يَدَّعي النُّبوّة فَتَتَفرَّق الناس عنه، فيأتي النَّهرَ فيأمره أن يسيل إليه فيسيل، (١) فات الحافظَ أنه مخرَّج عند مسلم أيضاً برقم (٢٩٤٦) (١٢٦) وأحمد (١٦٢٦٥). (٢) بل هو عنده موقوف، وإن كان مثله لا يقال من قِبَل الرأي. ١٨٤ باب ٢٦ / ح ٧١٢٢ فتح الباري بشرح البخاري ثُمَّ يأمره أن يَرجِع فيَرجِع، ثمَّ يأمُرُه أن يَيْبَس فيَيْبَس، ويأمر جبل طُورٍ وجبل زَيْتا (١) أن يَنْتَطِحا فيَنْتَطِحا، ويأمر الرّيح أن تُثير سحاباً من البحر فتُمطِر الأرض، ويخوض البحر في يوم ثلاث خَوْضات فلا يَبلُغْ حَقْوَيْهِ، وإحدى يَدَيْه أطول من الأُخرى، فَيَمُدّ الطَّويلة في البحر فتبلُغ قَعْرَه فيُخرِج من الحيتان ما یرید. وأخرج أبو نُعيم في ترجمة حسَّان بن عَطيّة أحد ثقات التّابعينَ من ((الِحِلْية)) (٦/ ٧٧) بسندٍ حسن صحيح إليه قال: لا يَنجُو من فِتْنة الدَّجّال إلّا اثنا عشرَ ألف رجل وسبعة آلاف امرأة، وهذا لا يُقال من قِبَل الرَّأْي، فيحتمل أن يكون مرفوعاً أرسَلَه، ويحتمل أن يكون أخَذَه عن بعض أهل الكتاب(٢). وذكر المصنِّف في الباب أحدَ عشرَ حديثاً: الحديث الأول: ٧١٢٢ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، حدَّثنا إسماعيلُ، حذَّثني قيسٌ، قال: قال ليِ المُغِيرةُ ابنُ شُعْبَةَ: ما سَأَلَ أحدٌ النبيَّ نَّهِ عن الدَّجّال أكثرَ ما سألتُه، وإنَّه قال لي: ((ما يَضُرُّكَ منه؟)) قلتُ: لأنَّهم يقولون: إنَّ معه جبلَ خُبْزِ ونهرَ ماءٍ، قال: ((بَلْ هو أَهوَنُ على الله مِن ذلكَ)). قوله: ((يحيى)) هو القَطّان، وإسماعيل: هو ابن أبي خالد، وقيس: هو ابن أبي حازم. قوله: ((قال لي المغيرة بن شُعْبة)) عند مسلم (٢٩٣٩) من رواية إبراهيم بن حُميدٍ عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم: عن المغيرة بن شُعْبة. قوله: ((ما سَأْلَ أحدٌ النبيَّ ◌َِّ عن الذَّجّال أكثرَ ما سَألتُه)» في رواية مسلم: أكثر ممّا سَأَلتُه. (١) في كتاب ((الفتن)) لنعيم (١٥٢٦): ويأمر جبل ثور وجبل طور زيتا ... إلخ، وهذا الأثر مع كونه من قول كعب الأحبار، فإن إسناده إليه لا يصحُّ، لما فيه من الجهالة. وجبل ثور جنوب مكة على بضعة أكيال منها، أما جبل زَيْتا أو طور زيتا: أحد جبال القدس ويقع شرق مدينة القدس. (٢) وسواء كان هذا أو ذاك، فإن الاحتمال والظن لا يُغني من الحق شيئاً، ولا يُقبَل في أبواب المغيَّبات إلا ما كان من قرآن أو حديثٍ مسندٍ إسناداً صحيحاً إلى النبي (ێۇ. ١٨٥ باب ٢٦ / ح ٧١٢٢ كتاب الفتن قوله: ((وإنَّه قال لي: ما يَضُرُّك منه)) في رواية مسلم قال: ((وما يُنْصِبُك منه)) بنون وصاد مُهمَلة ثمَّ موحّدة: من النَّصَب بمعنى التَّعَب، ومِثْله عنده (٢١٥٢ و٢٩٣٩) من روایة یزید ابن هارون عن إسماعيل، وزاد: فقال لي: ((أي بُنيّ، وما يَنصِبك منه))، وعندَه من طريق هُشَيم عن إسماعيل: (وما سؤالُك عنه)) أي: وما سببُ سؤالك عنه. وقال أبو نُعيم في (المستخرج)): معنى قوله: ((ما يَنصِبك))، أي: ما الذي يَغُمّك منه - من الغَمّ - حتَّى يَهُولَك أمُرُه، قلت: وهو تفسير باللّازِم، وإلّا فالنَّصَب: التَّعَب، وَزْنَه ومعناه، / ويُطلَق على المرض ٩٣/١٣ لأَنَّ فيه تَعَباً، قال ابن دُرَيدِ: يقال: نَصَبَه المرضُ وأنصَبَه: وهو تَغيُّرُ الحال من تَعَب أو وَجَع. قوله: (قلت: لأنَّهم يقولون)) هو مُتعلِّق بمحذوفٍ تقديره: الخَشْية منه مَثَلاً، في رواية المُستَمْلي: إنَّهم يقولون، وهي رواية مسلم، والضَّمير في (أنَّهم)) للنّاسِ أو لأهلِ الكتاب. قوله: ((جبل خُبْز) بضمِّ الخاء المعجمة وسكون الموحّدة بعدها زاي، والمراد أنَّ معه من الخبز قَدْرَ الجبل، وأطلَقَ الخبز وأرادَ به أصلَه وهو القَمْح مَثَلاً، زاد في رواية هُشَيم عند مسلم: ((معه جبال من خُبْز ولحم ونهر من ماء))، وفي رواية إبراهيم بن حُميدٍ: ((إنَّ معه الطَّعام والأنهار))، وفي رواية يزيد بن هارون: ((إنَّ معه الطَّعام والشَّراب))(١). قوله: «ونهر ماء)» بسكون الهاء وبفتحها. قوله: ((قال: بل هو أهونُ على الله من ذلك)) سَقَطَ لفظ ((بل)) من روايات مسلم(٢). وقال عِيَاض: معناه: هو أهونُ من أن يجعل ما يَخْلُقْه على يَدَيهِ مُضِلَّا للمؤمنينَ ومُشَكِّكاً لقلوبٍ الموقِنين، بل ليزدادَ الذينَ آمنوا إيماناً ويَرْتابَ الذينَ في قلوبهم مرض، فهو مِثْل قول الذي (١) لم يسق مسلم في كتاب الفتن (٢٩٣٩) لفظ رواية يزيد بن هارون، وساقه في كتاب الأدب برقم (٢١٥٢) من روايته بلفظ: ((أنّ معه أنهار الماء وجبال الخبز))، أما اللفظ المذكور فهو في رواية وكيع عن إسماعيل عند ابن أبي شيبة ١٢٩/١٥ وابن ماجه (٤٠٧٣)، وفي رواية عبدة بن سليمان ومحمد بن عبيد عن إسماعيل عند الطبراني في ((الكبير)) ٩٥٦/٢٠. (٢) وكذلك سقط من النسخة اليونينية والروايات المعتمدة فيها على ما في الطبعة السلطانية، ولعله ثبت فقط في نسخة الحافظ من (الصحيح))، والله تعالى أعلم. ١٨٦ باب ٢٦ / ح ٧١٢٢ فتح الباري بشرح البخاري يقتله: ما كنتُ أشدَّ بصيرةً منِّي فيك(١)، لا أنَّ قوله: ((هو أهونُ على الله من ذلك)) أنَّه لیس شيء من ذلك معه، بل المراد: أهونُ من أن يجعل شيئاً مِن ذلك آيةً على صِدْقه، ولا سيّما وقد جَعَلَ فيه آيَةً ظاهرة في كَذِبِه وكُفْرِهِ، يَقرؤُها مَن قرأ ومَن لا يَقرأ، زائدةً على شواهد كذبه من حَدَثه ونَقْصه. قلت: الحامل على هذا التَّأويل أنَّه وَرَدَ في حديث آخَر مرفوع: ((ومعه جبل من خُبْز ونهر من ماء)) أخرجه أحمد (٢٣٦٨٥) والبيهقيُّ في ((الْبَعْث)) من طريق جُنَادة بن أبي أُميّة عن مجاهد(٢) قال: انطَلَقْنا إلى رجل من الأنصار فقلنا: حَدِّثْنا بما سمعتَ من رسول الله وَليه في الدَّجّال، ولا تُحدِّثنا عن غيره، فذكر حديثاً فيه: «يُمطِرِ المطرَ(٣) ولا يُنِبِت الشَّجرَ، ومعه جَنّة ونار، فنارُه جَنّة، وجَنَته نار، ومعه جبل خُبْز)) الحديث بطولِه، ورجاله ثقات. ولأحمدَ (٢٣٠٩٠) من وجه آخَرَ عن جُنَادة عن رجل من الأنصار: ((معه جبال الخبز وأنهار الماء))، ولأحمد (١٤٩٥٣) من حديث جابر: «معه جبال من خُبْز، والناس في جَهْد إِلَّ مَن تَبِعَه، ومعه نَهرانٍ)) الحديث، فدَلَّ ما ثَبَتَ من ذلك على أنَّ قوله: ((هو أهونُ على الله من ذلك)) ليس المراد به ظاهره، وأنَّه لا يَجَعَل على يَدَيه شيئاً من ذلك، بل هو على التَّأويل المذكور، وسيأتي في الحديث الثّامن أنَّ معه جَنّة وناراً، وغَفَلَ القاضي ابنُ العربيّ فقال في الكلام على حديث المغيرة عند مسلم (٢٩٣٩) لما قال له: ((لن يَضُرَّك)) قال: إنَّ معه ماء وناراً. قلت: ولم أرَ ذلك في حديث المغيرة (٤). قال ابن العربيّ: أخَذَ بظاهرِ قوله: «هو أهونُ على الله من ذلك)) مَن رَدَّ من المبتَدِعة الأحاديثَ الثّابتة أنَّ معه جَنّة وناراً وغير ذلك، قال: وكيف يَرُدّ بحديثٍ مُتمَل ما ثَبَتَ (١) لا بدَّ هنا من زيادة لفظ ((اليوم)) أو ((الآن)) كما عند البخاري (٧١٣٢) ومسلم (٢٩٣٨)، فبذلك تستقيم العبارة. (٢) انقلب هذا الإسناد على الحافظ أو الناسخ، والصواب: مجاهد عن جنادة بن أبي أمية. (٣) في (ع) و(س): ((تمطر الأرض))، والمثبت من (أ)، وهو الموافق لما في ((مسند أحمد)). (٤) وجاء هذا في حديث حذيفة مرفوعاً عند مسلم برقم (٢٩٣٤)، وأخرجه البخاري فيما يأتي رقم (٧١٣٠). ١٨٧ باب ٢٦ / ح ٧١٢٣ كتاب الفتن في غيره من الأحاديث الصَّحيحة؟! فلعلَّ الذي جاءَ في حديث المغيرة جاءَ قبلَ أن يُبيِّن النبيُّ وَّهِ أَمرَه، ويحتمل أن يكون قوله: «هو أهون)) أي: لا يُجُعَل له ذلك حقيقة، وإنّما هو تخييل وتشبيه على الأبصار، فيَتْبُت المؤمن ويَزِلّ الكافر، ومالَ ابنُ حِبّان في ((صحيحه)) (٦٨٠٠) إلى الآخَر فقال: هذا لا يُضادّ خبرَ أبي مسعود، بل معناه: أنَّه أهون على الله من أن یکون معه نهر ماء يجري، فإنَّ الذي معه یُرَی أنَّه ماء ولیس بماءٍ. الحديث الثاني: ٧١٢٣ - حدَّثْنَا سَعْدُ بنُ حَفْصٍ، حدَّثنا شَيْبانُ، عن يحيى، عن إسحاقَ بنِ عبدِ الله بنِ أبي طَلْحةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: قال النبيُّ ◌َّ: ((يَجِيءُ الدَّجَالُ حتَّى يَنْزِلَ في ناحيةِ المدينةِ، ثمَّ تَرجُفُ المدينةُ ثلاثَ رَجَفاتٍ، فَيَخرُجُ إليه كلَّ كافٍ ومُنافقٍ)). قوله: ((حدَّثنا سَعْد بن حَفْص)) بسكونِ العَين، وفي بعض النَّسخ بكسرها وزيادة ياء وهو تحريفٌ. قوله: ((شَيْيانُ)) هو ابن عبد الرَّحمن، نَسَبَه عبّاس الدُّوريُّ عن سعد بن حَفْص شيخِ البخاريّ فیه، أخرجه الإسماعيليّ، ویحیی: هو ابن أبي کثیر. قوله: «یجيء الذَّجّالُ حتَّی یَنزِلَ في ناحیة المدینة» في حدیث أبی سعید الآتي بعد بابٍ (٧١٣٢): ((يَنزِل بعضَ السِّباخ التي في المدينة))، وفي رواية حمّاد بن سَلَمة عن إسحاق عن أنس(١): ((فيأتي سَبَخة الجُرُف فيَضرِب رِوَاقه، فيَخرُج إليه كلّ مُنافق ومُنافقة))، والجُرُف بضمِّ الجيم والرَّاء بعدَها فاء: مكان بطريق المدينة من جهة الشّام على مِيل، وقيل: على ثلاثة أميال، والمراد بالرِّوَاق الفُسْطاط، ولابن ماجَهْ (٤٠٧٧) من حديث أبي أمامةَ: «نَزَلَ عندَ الطَّريق / الأحمر عندَ مُنقَطَعِ السَّبَخة)). قوله: ((تَرجُف ثلاثَ رَجَفات)) في رواية الدُّوريّ: ((فَتَرجُف)) وهي أوجَهُ، وقد تقدَّم في آخر كتاب الحجّ (١٨٨١) من طريق الأوزاعيِّ عن إسحاق أتمّ من هذا، وفيه: «ليس من بلد ٩٤/١٣ (١) عند مسلم (٢٩٤٣)، وأحمد (١٢٩٨٦). ١٨٨ باب ٢٦ / ح ٧١٢٤-٧١٢٥ فتح الباري بشرح البخاري إلّا سيَطَؤُه الدَّجّال، إلّا مكّة والمدينة))، وتقدَّم شرحه هناك والجمعُ بينَ قوله: ((تَرجُف ثلاث رَجَفات)) وبينَ قوله في الحديث الذي يَلي هذا: ((لا يَدخُل المدينةَ رُعْبُ المسيح الدَّجّال)). وفي حديث مِحْجَن بن الأدرَع عند أحمد (١٨٩٧٥) والحاكم (٥٤٣/٤) رَفَعَه: ((يَجِيءُ الدَّجّالِ فِيَصْعَد ◌ُحُداً فيَتَطَلَّع فيَنظُر إلى المدينة، فيقول لأصحابِه: ألا تَرَوْنَ إلى هذا القَصْرِ الأبيض؟ هذا مسجد أحمد، ثمَّ يأتي المدينة فيَجِد بكلِّ نَقَب من نِقابها مَلَكاً مُصلِتاً سيفه، فيأتِي سَبَخة الجُرُف فيَضرِب رِواقَه، ثمَّ تَرجُف المدينة ثلاث رَجَفات فلا يَبقَى مُنافق ولا مُنافقة، ولا فاسِق ولا فاسِقة، إلّا خَرَجَ إليه فتَخلُص المدينة، فذلك يومُ الخَلَاص))، وفي حديث أبي الطُّفَيل عن حُذَيفة بن أَسيدِ الذي تقدَّمَت الإشارة إليه أوَّل الباب(١): وتُطْوى له الأرض طَيَّ فَرْوة الكَبْش، حتَّى يأتي المدينة فيَغلِب على خارجها ويُمنَعِ داخلَها، ثمَّ يأتي إِيلِيَاءَ فُيُحاصر عِصابة من المسلمين. وحاصل ما وَقَعَ به الجمعُ أنَّ الرُّعْب المنفيَّ هو الخوف والفَزَع، حتَّى لا يَحَصُل لأحدٍ فيها بسببٍ نزوله قُربَها شيءٌ منه، أو هو عبارة عن غايته وهو غَلَبَتَه عليها، والمراد بالرَّجْفة الإرفاق، وهو إشاعة مَجَيئِه وأنَّه لا طاقة لأحدٍ به، فيُسارع حينئذٍ إليه مَن كان يَنَّصِف بالنِّفاق أو الفِسْق، فيَظهَر حينَئِذٍ تمامُ أنَّها تَنفي خَبَئها. الحديث الثالث: ٧١٢٤ - حدّثنا عبد العزِيزِ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا إبراهيم بن سعدٍ، عن أبيه، عن جدِّه، عن أبي بَكْرة، عن النبي ◌َّه قال: «لا يَدخُلُ المدينةَ رُعْبُ المَسِيح الدَّجّال، ولها يومئذٍ سبعةُ أبوابٍ، على كلِّ بابٍ مَلَكانٍ)). ٧١٢٥ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا محمَّدُ بنُ بِشْرِ، حدَّثْنا مِسعَرٌ، حدَّثنا سَعْدُ بنُ إبراهيمَ، عن أبيه، عن أبي بَكْرةَ، عن النبيِّ ◌ََّ، قال: «لا يَدخُلُ المدينةَ رُعْبُ المَسِيحِ، لها يومَئذٍ سبعةُ أبوابٍ، لكلِّ بابٍ مَلَكانٍ)). (١) وأخرجه الحاكم في ((المستدرك)) ٥٢٩/٤- ٥٣٠، ورجاله ثقات. ١٨٩ باب ٢٦ / ح ٧١٢٤ -٧١٢٥ كتاب الفتن قال: وقال ابنُ إسحاقَ: عن صالح بنِ إبراهيمَ، عن أبيه، قال: قَدِمْتُ البَصْرَةَ فقال لي أبو بَكْرةَ: سمعتُ النبيَّ ◌َِّ ... بهذا. قوله: ((حدَّثْنا عبد العزيز بن عبد الله ... )) إلى آخره، ثَبَتَ هذا للمُستَمْلِي وحدَه هنا وسَقَطَ السائرِهم، وقد مضى في آخر كتاب الحجّ (١٨٧٩) سنداً ومَتْناً. وإبراهيم بن سعد، أي: ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عَوْفٍ، وسعد هو الذي روى عنه محمَّد بن بِشْر في السَّند الثّاني(١). قوله: «لا يَدخُل المدينةَ رُعْبُ المَسيح الدَّجّال)) تقدَّم ضَبْط المسيح في باب الدُّعاء قبلَ السَّلام من كتاب الصلاة (٨٣٢) وهو قُبيل كتاب الجُمُعة، وتقدَّم فيه أيضاً أنَّ مَن قاله بالخاءِ المعجَمةِ صَخَّفَ، والقولُ في سبب تَسْميَتْه المسيحَ بما يُغْني عن إعادته هنا. وحكى شيخنا مجد الدّين الشِّيرازيّ صاحب ((القاموس في اللُّغة)) أنَّه اجتَمَعَ له من الأقوال في سبب تسمية الدَّجّال المسيح خمسونَ قولاً، وبالَغَ القاضي ابن العربيّ فقال: ضَلَّ قومٌ فَرَوَوْه المسيخ بالخاءِ المعجَمة، وشَدَّدَ بعضهم السّين ليُفرِّقوا بينَه وبينَ المسيح عيسى ابن مريم بزَعْمِهِم، وقد فَرَّقَ النبيُّ ◌َّه بينهما بقولِه في الدَّجّال: ((مسيح الضَّلالة))(٢)، فدَلَّ على أنَّ عيسى مسيح الهُدَى، فأرادَ هؤلاءِ تعظيمَ عيسى، فحَرَّفوا الحَديث. قوله: (لها يومَئذٍ سبعة أبواب)) قال عِيَاض: هذا يُؤْيِّد أنَّ المراد بالأنقابِ في حديث أبي هريرة - يعني: ثاني أحاديث الباب الذي يليه (٧١٣٣) - الأبوابُ وفُوَّهات الطَّريق. قوله: (علی کلّ باب مَلَكان)» کذا في رواية إبراهيم بن سعد، وفي رواية محمَّد بن بِشْر (٧١٣٣): ((لِكلِّ باب مَلَكان))، وأخرجه الحاكم (٤/ ٥٤١) من رواية الزُّهْريّ عن طَلْحة بن عبد الله بن عَوْف عن عِيَاض بن مُسافِع عن أبي بَكْرة قال: أكثرَ الناسُ في شَأْن مُسَيلِمة، فقال النبيّ وَّ: ((إنَّه كذّاب من ثلاثينَ كذّاباً قبل الدَّجّال، وإنَّه ليس بلد إلّا يَدخُله رُعْبُ الدَّجّال إلّا المدينة، على كلّ نَقْب من أنقابها مَلَكان يَذُبَان عنها رُعْب المسيح)). (١) كذا قال الحافظ رحمه الله، وهو ذهولٌ منه أو أنه قد وقع في نسخته سقط، فإن محمد بن بشر إنما رواه عن سعد بواسطة مِسعَر بن کِدَام. (٢) أخرجه أحمد (٧٩٠٥) و(٩٦٣٣) من حديث أبي هريرة، وهو حديث صحيح. ١٩٠ باب ٢٦ / ح ٧١٢٦ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وقال ابن إسحاق)) هو محمَّد صاحبُ المغازي. قوله: ((عن صالح بن إبراهيم)) أي: ابن عبد الرَّحمن بن عَوْف، وهو أخو سعد بن إبراهيم. قوله: ((عن أبيه، قال: قَدِمْتُ البَصْرَةَ)) أرادَ بهذا التَّعليق ثُبُوتَ لقاء إبراهيم بن عبد الرَّحمن ابن عَوْف لأبي بَكْرة؛ لأنَّ إبراهيم مَدَنيّ، وقد تُستَنكَر روايته عن أبي بَكْرة، لأنَّه نَزَلَ البصرة من عَهْد عمر إلى أن ماتَ. قوله: ((فقال لي أبو بَكْرة: سمعتُ النبيَّ ◌ََِّ ... بهذا)) هذا التَّعليق وَصَلَه الطََّرَانيُّ في ((الأوسط)) (١٠٧٤) من رواية محمَّد بن مَسْلَمةَ الحرّانيِّ عن محمّد بن إسحاق بهذا السَّند وبَقيَّته بعد قوله: ((فَلَقيت أبا بَكْرة): فقال: أَشهَدُ لَسمعتُ رسول اللهِ وَ لَه يقول: ((كلّ قرية يَدخُلها فَزَعُ الدَّجّال إلّا المدينة، يأتيها ليَدخُلَها فِيَجِد على بابها مَلَكاً مُصْلِتَاً بالسَّيف، فيَرُدّه عنها)). قال الطَّبَرانيُّ: لم يَرْوِه عن صالح إلّا ابن إسحاق. قلت: وصالح المذكور ثقة مُقِلٌّ أخرَجاله في ((الصحيحين)) حديثاً واحداً غير هذا(١)، وقوله: ((بهذا)) يريد أصل الحديث، وإلّا فبينَ لفظ صالح بن إبراهيم ولفظ سعد بن إبراهيم مُغايَرات تَظهَر من سياقهما. الحديث الرابع: ٧١٢٦- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حذَّثنا وُهَيبٌ، حدَّثنا أيوبُ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، أُراه عن النبيِّ وَّةِ، قال: ((أعوَرُ العَينِ الْيُمنَى، كأنَّهَا عِنَبَةٌ طافيةٌ)). قوله: ((حدَّثْنَا وُهَيب)) بالتَّصغير، وأيوب: هو السَّخْتِيانيُّ. قوله: ((عن ابن عمر؛ أُراه عن النبيّ وٍَّ)) القائل ((أُراه عن النبيّ وَّ) هو البخاريّ، وقد سَقَطَ قوله: ((أراه ... )) إلى آخره، للمُستَمْلِي ولأبي زيد المَرْوزيِّ وأبي أحمد الجُرْجانيِّ فصارتْ صورته موقوفاً، وبذلك جَزَمَ الإسماعيليّ، فقال بعدَ أن أورَدَه من رواية أحمد بن منصور الرَّمَاديّ عن موسى بن إسماعيل شيخ البخاريّ بسندِه إلى ابن عمر أنَّ رسول الله وَّة؛ قال: (١) وهو حديثه عن أبيه عن جدِّه عبد الرحمن بن عوف في قصة بدرٍ، وهي عند البخاري مقطَّعة بالأرقام (٢٣٠١) و(٣١٤١) و(٣٩٦٤) و(٣٩٧١)، وعند مسلم برقم (١٧٥٢). ١٩١ باب ٢٦ / ح ٧١٢٧ كتاب الفتن رواه البخاريّ عن موسى، فلم يَذكُر فيه النبيَّ وَّةِ، ورواه أبو نُعيم في ((المستخرج)) عن الطَّبَرانيِّ عن أحمد بن داود المكِّيّ عن موسى / وصَرَّحَ بَرَفعِه أيضاً، واقتَصَرَ المِّيُّ على ما ٩٥/١٣ وَقَعَ في رواية السَّرَخْسيّ وغيره بلفظ: أُراه. .. والحديث في الأصل مرفوع، فقد أخرجه مسلم (٢٩٣٢/ ١٠٠) من رواية حمّاد بن زيد عن أيوب فقال فيه: عن النبيّ وَّهِ، وقد تقدَّم في أحاديث الأنبياء في ترجمة عيسى ابن مريم (٣٤٣٩) من طريق موسى بن عُقْبةَ عن نافع قال: قال عبد الله - هو ابن عمر -: ذكر النبيُّ وَّ بِينَ ظَهْراني الناس المسيحَ الدَّجّال، فذكر هذا الحديث، وسياقه هناك أتمُّ. قوله: ((أعورُ العَينِ اليُمنَى)) في رواية غير أبي ذَرّ: ((أعورُ عَيْن الْيُمنَى)) بغير ألف ولام، ومِثْلُه في رواية الطَّبَرانيّ، وقد تقدَّم في ترجمة عيسى (٣٤٣٩) بلفظ: ((أعور عينِه اليُمنَى))، وتقدّم توجيهُه والبحث في إعرابه. قوله: ((كأنَّهَا عِنَبة طافية)) يأتي الكلام عليه في الحديث السّادس، هكذا وَقَعَ في هذا الموضع عند الجميع لم يُذكَر الموصوف بذلك، ومِثْله في رواية الإسماعيليّ، لكن قال في آخره: ((يعني الدَّجّال))، ووَقَعَ في رواية الطَّبَرانيِّ في أوَّله: ((الدَّجّال أعورُ عَيْنِ اليُمنَى)). الحديث الخامس: ٧١٢٧- حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا إبراهيمُ، عن صالحِ، عن ابنِ شِهابٍ، عن سالم بنِ عبدِ الله، أنَّ عبدَ الله بنَ عمر رضي الله عنهما قال: قامَ رسولُ اللهَوَّه في الناسِ، فَأَثْنَى على الله بما هو أهله، ثمَّ ذكرَ الدَّجّالَ، فقال: ((إنِّي لَأُنْذِرُ كُمُوه، وما مِن نبيٌّ إلّا وقد أَنذَرَه قومَه، ولكنّي سأقولُ لكم فيه قولاً لم يَقُلْه نبيٌّ لقومِه، إنَّه أعوَرُ، وإنَّ الله ليس بأعوَرَ)). قوله: ((حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله)) هو الأُويْسِيّ، وإبراهيم: هو ابن سعد، وصالح: هو ابن كَيْسانَ، وابن شهاب: هو الزُّهْريّ. قوله: ((قامَ رسول الله وَّه في الناس، فأثْنَى على الله بما هو أهلُه، ثمَّ ذكر الدَّجّال)) هكذا أورَدَه هنا، وطَوَّلَه في كتاب الجهاد (٣٠٥٥ - ٣٠٥٧) من طريق مَعمَر عن الزُّهْريّ بهذا السَّند، ١٩٢ باب ٢٦ / ح ٧١٢٧ فتح الباري بشرح البخاري وأوَّله: أنَّ عمر انطَلَقَ مع النبيّ وَّهَ فِي رَهْط قِبَلَ ابن صَيّاد، القصَّة بطولها، وفيه: ((خَبَأْتُ لك خَبيئاً)، وفيه: فقال عمر: دَعْني يا رسول الله أضرِبْ عُنقَه، ثمَّ ذكر بعدَه: قال ابن عمر: انطَلَقَ بعدَ ذلك رسول الله وَّهِ وأُبيّ بن كَعْب إلى النَّخْل التي فيها ابن صَيّاد، فذكر القصّة الأُخرى، وفيها: وهو مُضْطَجِع في قَطِيفة، وفيها: ((لو تَرَكَته بيَّنَ)) ثمَّ ذكر بعدَه: قال ابن عمر: ثمَّ قامَ النبيُّ ◌َ﴿ في الناس، الحديث. فجَمَعَ هذه الأحاديث الثَّلاثة في أواخر كتاب الجهاد في ((باب كيف يُعرَض الإسلام على الصبيّ)) (٣٠٥٥ - ٣٠٥٧)، وكذا صَنَعَ في كتاب الأدب (٦١٧٣ -٦١٧٥) أو رَدَه فيه من طريق شُعَيب بن أبي حمزة عن الزّهْريّ، واقتَصَرَ في أواخر كتاب الجنائز (١٣٥٤ و١٣٥٥) على الأوَّلَيْنِ ولم يَذْكُرِ الثّالث، أورَدَه فيه من طريق يونس بن يزيد عن الزُّهْريّ، وكذا صَنَعَ في الشَّهادات (٢٦٣٨) أورَدَه فيه من طريق شُعَيب، وقد شرحتُهما هناك، وأورَدَه مسلم (٩٦/٢٩٣٠) من رواية يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه بسنده في هذا الباب بتمامه مُشْتَمِلاً على الأحاديث الثَّلاثة. قوله: ((وما من نبيٍّ إلّا وقد أنذَرَه قومَه)) زاد في رواية مَعمَر (٣٠٥٧): ((لقد أَنذَرَه نوح قومه))، وفي حديث أبي عُبيدة بن الجرّاح عند أبي داود (٤٧٥٦) والتِّرمِذيّ (٢٢٣٤) وحَسَّنَه: (لم يكن نبيّ بعدَ نوح إلّا وقد أَنذَرَ قومَه الدَّجّالَ))، وعندَ أحمد (٦١٨٥): ((لقد أَنذَرَه نوٌ أمَّتَه، والنبيّونَ من بعدِه)) أخرجه من وجه آخَرَ عن ابن عمر. ٩٦/١٣ وقد استُشكِلَ إنذارُ نوح قومه بالدَّجّال، مع أنَّ الأحاديث قد/ ثَبَتَتْ أنَّه يَخْرُجِ بعدَ أُمور ذُكِرَت، وأنَّ عيسى يقتله بعدَ أن يَنزِل من السماء فيَحْكُمْ بالشَّريعة المحمَّديّة، والجواب: أنَّه كان وقتُ خُروجِه أُخفِيَ على نوحِ ومَن بعدَه، فكأنَّهم أُنْذِروا به ولم يُذكَر لهم وقتُ خروجه، فحَذَّروا قومهم من فِتْنَتِهِ، ويُؤْيِّده قولُهُ وَّه في بعض طرقه: ((إنْ يَخْرُجْ وأنا فيكم فأنا حَجِيجُه))(١)، فإنَّه محمول على أنَّ ذلك كان قبلَ أن يَتَبِيَّن له وقتُ خروجه وعلاماته، (١) أخرجه مسلم من حديث النواس بن سمعان برقم (٢٩٣٧) (١١٠). ١٩٣ باب ٢٦ / ح ٧١٢٧ كتاب الفتن فكان يُوِّز أن يخرج في حياته بَِّ ثمَّ بُيِّن له بعدَ ذلك حالُه ووقتُ خروجه فأخبَرَ به، فبذلك تجتمع الأخبار. وقال ابنُ العربيّ: إنذارُ الأنبياء قومَهم (١) بأمرِ الدَّجّال تحذيرٌ من الفتن، وطُمَأْنينة لها حتَّى لا يُزَعْزِعها عن حُسْنِ الاعتقاد، وكذلك تقريب النبيّ وَّ له زيادة في التَّحذير، وأشارَ مع ذلك إلى أنَّهم إذا كانوا على الإيمان ثابتينَ، دَفَعوا الشُّبَه باليقين. قوله: ((ولكنّي سأقولُ لكم فيه قولاً لم يَقُلْه نبيٌّ لقومِه)) قيل: إنَّ السِّرّ في اختصاص النبيّ وَه بالتَّنبيه المذكور، مع أنَّه أوضَحَ الأدلَّةَ في تكذيب الدَّجّال: أنَّ الدَّجّال إنَّما يَخْرُج في أمَّته دونَ غيرها مَمَّن تقدَّم من الأُمَم، ودَلَّ الخبر على أنَّ عِلمَ كَوْنه يَخْتَصّ خروجُه بهذه الأُمّة كان طُوِيَ عن غير هذه الأُمّة، كما طُوِيَ عن الجميع عِلمُ وقتِ قيام السّاعة. قوله: ((إنَّه أعورُ وإِنَّ الله ليس بأعورَ)) إنَّما اقتَصَرَ على ذلك مع أنَّ أدلَّة الحُدوث في الدَّجّال ظاهرة لكَوْنِ العَوَر أثَر محسوس يُدرِكه العالِمُ والعامِّيّ، ومَن لا يهتدي إلى الأدلَّة العَقْلِيّة، فإذا اذَّعَى الرُّبوبيّة وهو ناقص الخِلقة، والإلهُ يتعالى عن النَّقْص عُلِمَ أنَّه كاذب، وزاد مسلم (٢٩٣١) في رواية يونس، والتِّرمِذيّ (٢٢٣٥) في رواية مَعمَر: قال الزّهْريّ: فأخبَرني عُمر(٢) بن ثابت الأنصاريّ، أنَّه أخبَرَه بعض أصحاب النبيّ ◌َِّ: أنَّ النبيّ ◌َِّ قال يومَئذٍ للنّاسِ وهو يُحذِّرهم: (تعلمونَ أنَّه لن يَرَى أحدٌ منكم رَبَّ حتَّى يموت))، وعندَ ابن ماجَهْ (٤٠٧٧) نحو هذه الزّيادة من حديث أبي أمامةَ، وعندَ البزَّار (٢٦٨١) من حديث عُبادة بن الصّامت، وفيه تنبيه على أنَّ دَعْواه الرُّبويّة كَذِبٌ؛ لأنَّ رُؤْية الله تعالى مُقِيَّدة بالموتِ، والدَّجّالُ يَدَّعي أنَّه الله ويراه الناس مع ذلك، وفي هذا الخبر رَدُّ على مَن يَزِعُم أنَّه يَرَى الله تعالى في اليَقَظة، تعالى الله عن ذلك، ولا يَرِدُ على ذلك رُؤْية النبيّ وَّ له ليلة الإسراء، لأنَّ ذلك من خصائصه ◌َ له، فأعطاه الله تعالى في الدُّنيا القوّة التي يُنعِم بها على المؤمنينَ في الآخرة(٣). (١) لو قال هنا: أقوامهم، بالجمع لكان أَوجه ليستقيم العطفُ عليه بعدُ بضمير التأنيث. (٢) تحرف في (س) إلى: عمرو. (٣) في هذه المسألة خلاف طويل، سلف الكلام عليها في كتاب التفسير عند الحديث (٤٨٥٥). ١٩٤ جاب ٢٦ / ح ٧١٢٨ فتح الباري بشرح البخاري الحديث السادس: ٧١٢٨- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن عُقَيل، عن ابنِ شِهابٍ، عن سالم، عن عبدِ الله بنِ عمرَ، أنَّ رسولَ الله وَِّ قال: ((بَيْنا أنا نائمٌ أَطُوفُ بالكَعْبةِ، فإذا رجلٌ آدمُ سَبِطُ الشَّعَرِ، يَنْطُفُ - أو يُهَراقُ - رأسُه ماءً، قلتُ: مَن هذا؟ قالوا: ابنُ مريمَ، ثمَّ ذهبتُ الْتَفِتُ فإذا رجلٌ جَسِيمٌ أحمرُ، جَعْدُ الرَّأْسِ، أعوَرُ العَينِ، كأنَّ عَيْنَه عِنَبَةٌ طافيةٌ، قالوا: هذا الدَّجّالُ؛ أقرَبُ الناسِ به شَبَهاً ابنُ قَطَنِ)) رجلٌ مِن خُزَاعةَ. قولُه: ((عن عُقَيل)) بالضَّمِّ: هو ابن خالد. قوله: «بينا أنا نائم أطوفُ بالگَعْبةِ) زاد في ذِكْر عيسى من أحاديث الأنبياء (٣٤٤١) عن أحمد بن محمَّد المكِّيّ عن إبراهيم بن سعد بهذا السَّند إلى ابن عمر قال: لا والله ما قال النبيُّ وَالّ لعيسى: أحمر، ولكنْ قال: ((بينما ... )) الحديث، وزاد في رواية شُعَيب عن ابن شِهاب (٧٠٢٦): ((رأيتُني)) قبل قوله: ((أطوف)) وهو بضمِّ المثنّة، وتقدَّم في التَّعبير (٦٩٩٩) من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر: ((أَراني اللَّيلةَ عند الكَعْبة)) وهو بفتح الهمزة، وكلّ ذلك يَقْتَضِي أَنَّهَا رُؤْيا منام، والذي نَفَاه ابنُ عمر في هذه الرِّواية جاءَ عنه إثباتُه في رواية مجاهد عنه قال: ((رأيت عيسى وموسى وإبراهيم، فأمّا عيسى فأحمرُ جَعْد عريض الصَّدْر، وأمّا موسى)) فذكر الحديث، وتقدَّم القول في ذلك في ترجمته مُستَوقّى (٣٤٣٨)، وأنَّ الصَّواب أنَّ مجاهداً إنَّما روى هذا عن ابن عبّاس. قوله: ((فإذا رجلٌ آدمُ)) بالمدّ، في رواية مالك: «فرأيت رجلاً آدمَ كأحسَنِ ما أنتَ راءٍ من أُدْم الرِّجال» بضمِّ الهمزة وسكون الدّال. قوله: ((سَبِطِ الشَّعر)) بفتح المهمَلة وكسر الموحَّدة وسكونها أيضاً. قوله: ((يَنطِفِ)) بكسر الطّاء المهمَلة ((أو يُهراق)) كذا بالشكَّ، ولم يَشُكّ في رواية شُعَیب (٧٠٢٦)، وزاد في رواية مالك (٦٩٩٩): ((له لِمَّة)) بكسر اللّام وتشديد الميم ((كأحسَنِ ما أنتَ راءٍ من اللِّمَم))، وفي رواية موسى بن عُقْبةَ عن نافع (٣٤٤٠): «تَضِرِب لِمَّتُهُ بينَ مَنْكِبَيه، رَجِلِ الشَّعر يَقْطُر رأسُه ماءً)). ١٩٥ باب ٢٦ / ح ٧١٢٨ كتاب الفتن قوله: ((قد رَجَّلَها)) بتشديد الجيم ((يَقْطُر ماء)) ووَقَعَ في رواية شُعَيب: ((بین رجلَينِ))، وفي رواية مالك: «مُتَّكِئاً على عَوَاتق رجلَينِ يطوف/ بالبيتِ))، وفي حديث ابن عبّاس(١): ((ورأيت ٩٧/١٣ عيسى ابن مريم مَرْبوعَ الخَلْق إلى الحُمْرة والبياض سَبِط الرَّأُس))، زاد في حديث أبي هريرة بنحوِهِ: ((كأنَّمَا خَرَجَ من دِيَاسٍ)) يعني: الحمّام(٢)، وفي رواية حَنْظَلة عن سالم عن ابن عمر: ((يَسْكُب رأسُه أو يَقْطُر))(٣)، وفي حديث جابر عند مسلم (١٦٧): «فإذا أقرَبُ مَن رأيتُ به شَبَهاً عُرْوةُ بن مسعود)). قوله: ((قلت: مَن هذا؟ قالوا: ابنُ مريم)) في رواية مالك: «فسَألْتُ مَن هذا؟ فقيلَ: المسيح ابن مريم)»، وفي رواية حَنْظَلة: ((فقالوا: عيسى ابن مريم)). قوله: ((ثُمَّ ذهبتُ أَلْتَفِتُ، فإذا رجلٌ جَسِيمٌ أحمرُ جَعْدُ الرَّأْس أعْورُ العَین» زاد في رواية مالك: ((جَعْدٌ قَطَطُ أعور))، وزاد شُعَيب: ((أعور العَين اليُمنَى))، وقد تقدَّم القول فيه أوَّل الباب، وفي رواية حَنْظَلة: ((ورأيت وراءَه رجلاً أحمر، جَعْد الرَّأْس، أعور العَين اليُمنَى))، ففي هذه الطّرق أنَّه أحمر، ووَفَعَ في حديث عبد الله بن مُغفَّل عندَ الطََّرانيّ: أنَّه آدم جَعْد(٤)، فيُمكِن أن تكون أُدمتُه صافية، ولا يُنافي أن يُوصَف مع ذلك بالحُمْرة؛ لأنَّ كثيراً من الأُدْم قد تَحَمَرُّ وَجْنَتَه. ووَقَعَ في حديث سَمُرة عند الطََّرانيِّ (٦٧٩٩)، وصَخَّحَه ابن حِبّان (٢٨٥٦) والحاكم (٣٢٩/١-٣٣١): ((ممسوح العَين اليُسرَى كأنَّها عين أبي تِحْيَى)) شيخ من الأنصار. انتهى، وهو بكسر المثنّة الفَوْقانيّة، ضَبَطَه ابنُ ماكولا عن جعفر المستَغْفِريّ، ولا يُعرَف إلّا من هذا الحديث(٥). (١) سلف عند البخاري برقم (٣٢٣٩). (٢) سلف برقم (٣٤٣٧). (٣) عند مسلم (١٦٩). (٤) أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) برقم (٤٥٨٠). (٥) وإسناده ضعيف لجهالة ثعلبة بن عِبَاد راويه عن سمرة. ١٩٦ باب ٢٦ / ح ٧١٢٨ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((كأنَّا عِنَبة طافية)) بياءٍ غير مهموزة، أي: بارزة، ولبعضِهم بالهمز، أي: ذهب ضَوْؤُها، قال القاضي عِيَاض: رُوِّيناه عن الأكثر بغير همز، وهو الذي صَحَّحَه الجُمهور وجَزَمَ به الأخفَش، ومعناه: أنَّها ناتئة نُتُوءَ حَبّة العِنَب من بين أخواتها، قال: وضَبَطَه بعض الشُّيوخ بالهمز، وأنكَرَه بعضُهم ولا وَجْهَ لإنكارِهِ، فقد جاءَ في آخَرَ: أَنَّه ممسوح العين مطموسة وليست جَحْراءَ ولا ناتئة، وهذه صِفَة حَبّة العِنَب إذا سالَ ماؤها، وهو يُصحِّح رواية الهمز. قلت: الحديث المذكور عند أبي داود (٣٤٢٠) يوافقه حديث عبادة بن الصّامت ولفظه: ((رجل قصير أفحَجُ)) بفاءٍ ساكنة ثمَّ مُهمَلة مفتوحة ثمَّ جيم من الفَحَج: وهو تباعُد ما بينَ السّاقَينِ أو الفَخِذَين، وقيل: تَداني صُدور القدمَينِ مع تَبَاعُد العَقِبين، وقيل: هو الذي في رِجْله اعوِ جاجٌ، وفي الحديث المذكور: ((جَعْدٌ أعورُ مطموسُ العَين، ليست بناتئة)) بنونٍ ومُثنّاة ((ولا جَحْراءَ)) بفتح الجيم وسكون المهمَلة ممدود، أي: عميقة، وبتقديم الحاء، أي: ليست مُتَصَلِّبة، وفي حديث عبد الله بن مُغفَّل: ((ممسوح العَين))، وفي حديث سَمُرة مِثْله، وكلاهما عندَ الطَّبَرانيّ، ولكن في حديثهما: ((أعور العين اليُسرَى))، ومِثْله لمسلم (١٠٥/٢٩٣٤) من حديث حُذَيفة(١)، وهذا بخِلَاف قوله في حديث الباب: ((أعورُ العَينِ اليُمنَى)). وقد اتَّفَقا عليه من حديث ابن عمر فيكون أرجَحَ، وإلى ذلك أشارَ ابن عبد البَرّ، لكن جَمَعَ بينهما القاضي عِيَاض فقال: تُصَحَّح الرِّوايتان معاً بأن تكون المطموسة والممسوحة هي العَوْراء الطّافئة بالهمز، أي: التي ذهب ضَوْؤُها، وهي العين اليُمنَى كما في حديث ابن عمر، وتكون الجاحظة التي كأنّها كوكب، وكأنَّهَا نُخَاعة في حائط هي الطّافئة بالهمز(٢)، وهي العين اليُسرَى كما جاءَ في الرِّواية الأُخرى، وعلى هذا فهو أعور العين اليُمنَى واليُسرَى معاً، فكلّ واحدة منهما عَوْراء، أي: مَعِيبة، فإنَّ الأعور من كلّ شيءٍ: المَعِيب، وكِلا عَيْنَي الدَّجّال مَعِيبة، فإحداهما مَعِيبة بذهاب ضَوْئِها حتَّی ذهب إدراكها، والأُخری بنُوئها، انتهى. (١) وكذا لأحمد (١٢١٤٥) من حديث أنس، و(٢٠٤٠١) من حديث أبي بكرة، بإسنادين قويًّين، وفي إسناد كلٌّ من حديثي عبد الله بن مغفَّل وسمرة مقال. (٢) كذا وقع للحافظ، وهو ذهول، والصواب في هذا الموضع كما في شرح القاضي عياض على ((مسلم)) وشرح النووي نقلاً عنه: هي الطافية بغير همز. ١٩٧ باب ٢٦ / ح ٧١٢٨ كتاب الفتن قال النَّوويّ: هو في نهاية الحُسْن. وقال القُرْطُبيّ في ((المفهِم)): حاصل كلام القاضي أنَّ كلَّ واحدة من عَينَي الدَّجّال عَوْراء، إحداهما بما أصابها حتَّى ذهب إدراكُها، والأُخرى بأصلِ خَلْقِها مَعِيبة، لكنْ يُعِد هذا التَّأويل أنَّ كلّ واحدٍ من عَينَهِ قد جاءَ وصَفُها في الرِّواية بِمِثْلِ ما وُصِفَتْ به الأُخرى من العَوَرِ، فَتَأْمَّلْه. وأجابَ صاحبه القُرْطُبيّ في ((التَّذكرة)) بأنَّ الذي تَأوَّلَه القاضي صحيح، فإنَّ المطموسة وهي التي ليست ناتئة ولا جَحْراءَ هي التي فَقَدَت الإدراك، والأُخرى وُصِفَتْ بأنَّ/ عليها ٩٨/١٣ ظَفَرة غليظة: وهي جِلْدة تَغْشَى العين، وإذا لم تُقْطَعِ عَمِيَت العين، وعلى هذا فالعَوَرُ فيهما، لأَنَّ الظَّفَرة مع غِلَظها تمنع الإدراك أيضاً، فيكون الدَّجّال أعمى أو قريباً منه، إلّا أنَّه جاءً ذِكرُ الظَّفَرة في العين اليُمنَى في حديث سَفينة، وجاءَ في العين الشِّمال في حديث سَمُرةٍ(١)، فالله أعلم. قلت: وهذا هو الذي أشارَ إليه شيخه بقولِه: إنَّ كلّ واحدة منهما جاءَ وصفُها بِمِثْلِ ما وُصِفَتِ الأُخرى، ثمَّ قال في (التَّذكرة)): يحتمل أن تكون كلّ واحدة منهما عليها ظَفَرة، فإنَّ في حديث حُذَيفة: أنَّه ممسوح العين عليها ظَفَرة غليظة، قال: وإذا كانت الممسوحة عليها ظَفَرة، فالتي ليست كذلك أَولَى، قال: وقد فُسِّرَت الظَّفَرة بأنَّها لحمة كالعَلَقة. قلت: وَقَعَ في حديث أبي سعيد عندَ أحمد (١١٧٥٢): ((وعينه اليُمنَى عَوْراءُ جاحظة لا تَخْفَى، كأنَّهَا نُخاعةٌ في حائطٍ مُجُصَّص، وعينه اليُسرَى كأنَها كوكب دُرِّيّ))، فوَصَفَ عَيْنَهِ معاً، ووَقَعَ عند أبي يَعْلى (١٠٧٤) من هذا الوَجْه: ((أعور ذو حَدَقة جاحظة لا تَخْفَى، كأنّها كوكب دُرّيّ))(٢) ولعلَّها أبيَنُ، لأنَّ المراد بوَصْفِها بالكوكبِ شِدّة اتِّقادها، وهذا بخلاف (١) حديث سفينة عند أحمد برقم (٢١٩٢٩)، وفيه ضعفٌ كما هو مبيَّن في تعليقنا عليه، وحديث سمرة عند أحمد أيضاً برقم (٢٠١٥١) وفي إسناده مقال، لكن يشهد له حديثا أنس وحذيفة وكلاهما عند أحمد (١٢١٤٥) و(٢٣٢٧٩) بإسنادین صحیحین، وحديث حذيفة عند مسلم (٢٩٣٤) (١٠٥) لکن دون تعيين العين التي عليها الظفرة. إذاً فالصواب أن الظفرة على عينه اليسرى، والله تعالى أعلم. (٢) الذي عند أبي يعلى: ((وعينه اليسرى كأنها كوكب دري)) كالذي عند أحمد، وإسناد حديث أبي سعيد هذا ضعيف. ١٩٨ باب ٢٦ / ح ٧١٢٨ فتح الباري بشرح البخاري وصفها بالطَّمْس، ووَقَعَ في حديث أَبِيِّ بن كَعْب عندَ أحمد (٢١١٤٥) والطَّبَرانيّ(١): ((إحدى عَيْنَيَه كأنَّها زجاجة خَضْراء)) وهو يوافق وصفَها بالكوكب، ووَقَعَ في حديث سَفينة عندَ أحمد (٢١٩٢٩) والطََّرانيِّ (٦٤٤٥): «أعورُ عينِهِ اليُسرَى، بعَينِه اليُمنَى ظَفَرة غليظة)». والذي يَتَحَصَّل من مجموع الأخبار أنَّ الصَّواب في ((طافية)) أنَّه بغير همز، فإنَّهَا قُيِّدَتْ في رواية الباب بأنَّها اليُمنَى، وصَرَّحَ في حديث عبد الله بن مُغفَّل وسَمُرة وأبي بَكْرة بأنَّ عينَه اليُسرَى ممسوحة، والطّافية هي البارزة وهي غير الممسوحة، والعَجَب مَمَّن يُجُوِّز روايةً الهمز في ((طافية)) وعَدَمه مع تَضادّ المعنى في حديث واحد، فلو كان ذلك في حديثَيْنِ لَسَهُلَ الأمر، وأمّا الظَّفَرة فجائز أن تكون في كلا عَينَيَه، لأنَّه لا يُضادُّ الطَّمْسَ ولا التُّوء، وتكون التي ذهب ضَوْؤُها هي المطموسة، والمَعِيبة مع بقاء ضَوْئِها هي البارزة، وتشبيهها بالتُّخاعِةِ في الحائط المجَصَّص في غاية البلاغة، وأمّا تشبيهها بالزُّجاجة الخضراء وبالكوكبِ الدُّرِّيّ فلا يُنافي ذلك، فإنَّ كثيراً مَمَّن يَحدُث له في عينِهِ النُّتوءُ يَبقَى معه الإدراك، فيكون الدَّجّال من هذا القَبيل، والله أعلم. قال ابن العربيّ: في اختلاف صفات الدَّجّال بما ذُكِرَ من النَّقْص بيانُ أنَّه لا يَدْفَعَ النَّقْصَ عن نفسه كيف كان، وأنَّه محکومٌ عليه في نفسه. وقال البيضاويّ: الظَّفَرة: لحمة تَنْبُت عند الماقِ(٣)، وقيل: جِلْدة تَّخْرُج في العین من الجانب الذي يَلي الأنفَ، ولا يَمنَع أن تكون في العين السّالمة بحيثُ لا تُواري الحَدَقةَ بأسرها، بل تکون على حدتها. قوله: ((هذا الدَّجّال)) في رواية شُعَيب: ((قلت: مَن هذا؟ قالوا)) وكذا في رواية حَنْظَلة، وفي رواية مالك: ((فقيلَ: المسيح الدَّجّال))، ولم أقِفْ على اسم القائل مُعيَّنَاً. قوله: ((أقرَبُ الناس به شَبَهاً ابنُ قَطَن)) زاد في رواية شُعَيب (٧٠٢٦): ((وابن قَطَن رجل من بني المُصطَلِقِ من خُزَاعة))، وفي رواية حَنْظَلة: ((أشبَهُ مَن رأيت به ابنُ قَطَن))، وزاد (١) لم ينسبه أحد إلى الطبراني غير الحافظ هنا، ولعله انتقال نظرٍ من حديث سفينة التالي عنده. (٢) الماق، والمأق: طرف العين مما يلي الأنف، وهو مجرى الدمع، جمعه: آماق، وأمْآق. ١٩٩ باب ٢٦ / ح ٧١٢٩ - ٧١٣٠ كتاب الفتن أحمد بن محمَّد المكِّيّ في روايته (٣٤٤١): قال الزّهْريّ: هَلَكَ في الجاهليّة، وقَدَّمتُ هناك سياق نَسَبه إلى خُزاعة من ((فوائد الدِّمْياطيّ))، وسأذكرُ اسمه في آخر الباب مع بقيَّة صِفَته إن شاء الله تعالى. واسْتُشْكِلَ كَوْنُ الدَّجّالِ يَطُوف بالبيتِ وكَوْنُه يَتْلو عيسى ابن مريم، وقد ثَبَتَ أنَّه إذا رَآه يَذُوب، وأجابوا عن ذلك بأنَّ الرُّؤْيا المذكورة كانت في المنام، ورُؤْيا الأنبياء وإن كانت وَحْياً لكنْ فيها ما يَقبَل التَّعبير. وقال عِيَاض: لا إشكالَ في طواف عيسى بالبيت، وأمّا الدَّجّال فلم يقعْ في رواية مالك (٦٩٩٩) أنَّه طافَ، وهي أثبتُ مَمَّن روى طوافه. وتُعقِّبَ بأنَّ التَّرجيح مع إمكان الجمع مردود، لأنَّ سكوت مالك عن نافع عن ذِكْرِ الطَّواف لا يَرُدّ رواية الزُّهْريّ عن سالم، وسواءٌ ثَبَتَ أنَّه طافَ أم لم يَطُفْ، فُرُؤْيته إيّاه بمكّةَ مُشكِلة مع ثُبُوت أنَّه لا يَدخُل مكّة ولا المدينة، وقد انفَصَلَ عنه القاضي عِيَاض بأنَّ مَنْعَه من دخولها إنَّما هو عند خروجه في آخر/ الزّمان. ٩٩/١٣ قلت: ويُؤيِّده ما دارَ بينَ أبي سعيد وبينَ ابن صَيّاد فيما أخرجه مسلم (٢٩٢٧)، وأنَّ ابن صَيّاد قال له: ألم يَقُل النبيّ وَّهِ: ((إنَّه لا يَدخُل مكّةً ولا المدينةَ))؟ وقد خرجتُ من المدينة أُريد مكّة؛ فتَأوَّلَه مَن جَزَمَ بأنَّ ابن صَيّاد هو الدَّجّال، على أنَّ المنع إنَّما هو حيثُ يَخْرُج، وكذا الجوابُ عن مَشْبِهِ وراءَ عيسى عليه السلام. ٧١٢٩- حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن صالحٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُرْوةَ، أنَّ عائشةَ رضي الله عنها قالت: سمعتُ رسولَ الله وَلاَ يَستَعِيذُ في صلاتِه مِن فِتْنةِ الَّجّال. ٧١٣٠ - حدَّثنا عَبْدانُ، أخبرني أبي، عن شُعْبةَ، عن عبدِ الملِكِ، عن رِبْعيٍّ، عن حُذَيفةً، عن النبيِّ وَّ قال في الدَّجّال: ((إنَّ معه ماءً وناراً، فنارُه ماءٌ باردٌ، وماؤه نارٌ)). قال أبو مسعودٍ: أنا سمعتُه مِن رسولِ الله وَآل. ٢٠٠ باب ٢٦ / ح ٧١٢٩ - ٧١٣٠ فتح الباري بشرح البخاري الحديث السابع: حديث عائشة: سمعت رسول الله وَّي يستعيذ في صلاته من فِتْنة الدَّجّال، وهو مُختصَر من حديثٍ تقدَّم بتمامه في ((باب الدُّعاء قبل السَّلام)) (٨٣٢ ٨٣٣)، وهو قُبَيل كتاب الجُمُعة، أورَدَه من طريق شُعَيب عن الزُّهْريّ بهذا السَّند مُطوَّلاً، ثمَّ قال: وعن الزُّهْريّ، فذكر هذا الحديث هنا(١). الحديث الثامن: قوله: ((أخبرني أبي)) هو عثمان بن جَبَةَ - بفتح الجيم والموحّدة - بن أبي رَوّادٍ، بفتح الراء وتشديد الواو. قوله: ((عن عبد الملك)) هو ابن عُمَير، ونُسِبَ عند مسلم (١٠٦/٢٩٣٤) في رواية محمَّد ابن جعفر عن شُعْبة فقال: عن عبد الملك بن عُمَير. قوله: ((رِبْعَيّ)) بكسر الرَّاء وسكون الموحّدة وكسر العين المهمَلة: اسمٌ بلفظِ النَّسَب، وهو ابن حِرَاش بمُهمَلةٍ وآخره مُعجَمة، وحُذَيفة: هو ابن اليَمَان. قوله: ((عن النبيّ وَ ل﴿ قال في الدَّجّال: إنَّ معه)) كذا ذكره شُعْبة مُختصَراً، وتقدَّم في أوَّل ذِكْر بني إسرائيل (٣٤٥٠) من طريق أبي عَوَانة عن عبد الملك عن رِبْعيٍّ قال: قال عُقْبة بن عَمْرو لحُذَيفةَ: ألا تُحدِّثُنا ما سمعتَ من رسول الله ◌ِّه، فقال: سمعتُه يقول: ((إنَّ مع الدَّجّال إذا خَرَجَ))، وكذا لمسلمٍ (٢٩٣٤/ ١٠٧) من طريق شُعَيب بن صَفْوان عن عبد الملِك. قوله: ((إنَّ معه ماءً وناراً) عندَ مسلم (١٠٨/٢٩٣٥) من طريق نُعيم بن أبي هِنْد(٢) عن رِبْعِيِّ: اجتَمَعَ حُذَيفة وأبو مسعود فقال حُذيفة: لَأنا بما مع الدَّجّال أعلمُ منه، وفي رواية أبي مالك الأشجَعيِّ عن رِبْعيٍّ عن حُذَيفة (١٠٥/٢٩٣٤) قال: قال رسول الله وَّةِ: (لَأَنا أعلمُ بما مع الدَّجّال منه، معه نهرانِ يَجْريانٍ، أحدهما رأي العين ماءً أبيض، والآخَر رأيَ العين نارٌ تَأْجَّجُ))، وفي رواية شُعَيب بن صَفْوان: «فأمّا الذي يراه الناسُ ماءً فنارٌ تُحِرِق، وأمّا الذي يراه الناس ناراً فماءٌ بارد)) الحديث، وفي حديث سَفينة عندَ أحمد (٢١٩٢٩) (١) في (أ) و(ع): فذكر هذا المذكور هنا، والمثبت من (س). (٢) في (س): نعيم بن أبي نعيم بن أبي هند، بزيادة أبي نعيم، وهو خطأ، فأبو هند هو والد نعيم، واسمه النعمان بن أَشْیم.