النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
باب ٢٤ / ح ٧١١٩
كتاب الفتن
قوله: ((قال عُقْبة)) هو ابن خالد، وهو موصول بالسَّندِ المذكور، وقد أخرجه هو والذي
قبلَه الإسماعيليّ عن الحسن بن سفيان وأبي القاسم البَغَويِّ والفَضْل بن عبد الله المَخْلَديّ،
ثلاثتهم عن أبي سعيد الأشَجِّ عن الشَّيخَين(١).
قولُه ((وحدّثنا عبيد الله)) هو ابن عمر المذكور.
قوله: ((قال: حدَّثنا أبو الزِّناد)) يعني: أنَّ لعُبيدِ الله في هذا الحدیث إسنادین.
قوله: ((يَحسِر جبلٌ من ذهب)) يعني: أنَّ الرِّوايتَيْنِ اتَّفَقَتا إلّا في قوله: كَنْزِ، فقال الأعرَج:
جبل، وقد ساقَ أبو نُعيم في ((المستَخرَج)) الحديثَينِ بسندٍ واحد من رواية بَكْر بن أحمد بن
مُقْبِل عن أبي سعيد الأشَجّ، وفَرَّقَهما ولفظهما واحد إلّا لفظ كَنْزِ وجبل، وتَسْمَيَتْه كَنْزاً
باعتبار حاله قبلَ أن يَنكَشِف، وتَسْميَته جبلاً للإشارةِ إلى كَثْرته، ويُؤْيِّده/ ما أخرجه مسلم ٨١/١٣
(١٠١٣) من وجه آخَر عن أبي هريرة رَفَعَه: «تَقيءُ الأرضُ أفلاذ كَبِدها أمثالَ الأُسْطوان
من الذَّهَب والفِضّة، فيَجيء القاتل فيقول: في هذا قَتَلتُ، ويَجيء السّارق فيقول: في هذا
قُطِعَتْ يَدِي، ثمَّ يَدَعونَه فلا يأخُذونَ منه شيئاً)).
قال ابن التِّين: إنَّما نَهَى عن الأخذ منه لأنَّه للمسلمينَ فلا يُؤْخَذ إلّا بحَقِّه، قال: ومَن
أَخَذَه وكَثُرَ المال نَدِمَ لأخذِه ما لا يَنفَعُه، وإذا ظَهَرَ جبل من ذهب كَسَدَ الذَّهب ولم يُرَدْ.
قلت: وليس الذي قاله ببيِّنٍ، والذي يَظهَر أنَّ النَّهي عن أخذه لما يَنشَأ عن أخذه من
الفِتْنة والقتال عليه، وقوله: ((وإذا ظَهَرَ جبل من ذهب ... )) إلى آخره، في مَقام المنع، وإنَّما
يَتِمّ ما زَعَمَ من الكَسَاد أن لو اقتَسَمَه الناسُ بينَهم بالسَّوِيّةِ ووَسِعَهم كلَّهم، فاستَغْنَوْا
أجمعينَ فحينئذٍ تَبْطُل الرَّغْبة فيه، وأمّا إذا حَوَاه قوم دونَ قوم، فحِرْصُ مَن لم يَحصُل له منه
شيء باقٍ على حاله، ويحتمل أن تكون الحِكْمة في النَّهي عن الأخذ منه لكَوْنِه يقع في آخر
الَّمان عندَ الحَشْر الواقع في الدُّنيا، وعندَ عَدَم الظَّهر(٢) أو قِلَّته فلا يَنْتَفِعُ بما أخَذَ منه، ولعلَّ
هذا هو السِّرّ في إدخال البخاريّ له في ترجمة خروج النار.
(١) الظاهر أنه يريد شيخَي عبيد الله بن عمر، وهما: خبيب بن عبد الرحمن وأبو الزناد، والله أعلم.
(٢) في (س): الظّهور. والظّهر: الرَّكوبة أو الداّة يركبها الإنسان.

١٦٢
باب ٢٥ / ح ٧١٢٠
فتح الباري بشرح البخاري
ثمَّ ظَهَرَ لي رُجْحانُ الاحتمال الأوَّل، لأنَّ مسلماً أخرج هذا الحديث أيضاً (٢٩/٢٨٩٤)
من طريق أُخرى عن أبي هريرة بلفظ: ((يَحسِرِ الفُراتُ عن جبل من ذهب فيقتل عليه الناس،
فيُقْتَل من كلّ مئة تسعة وتسعونَ، ويقول كلّ رجل منهم: لعلّ أكون أنا الذي أنجو))، وأخرج
مسلم أيضاً (٣٢/٢٨٩٥) عن أبيّ بن كَعْب قال: لا يزال الناس مُخْتَلِفةً أعناقُهم في طلب الدُّنيا،
سمعت رسول الله وَله يقول: ((يُوشِك أن يَحسِرِ الفُرات عن جبل من ذهب، فإذا سَمِعَ به
الناسُ ساروا إليه، فيقول مَن عندَه: لَئِن تَرَكْنا الناس يأخُذونَ منه ليُذْهَبَنَّ به كلّه، قال:
فِيَقْتَتِلونَ عليه، فيُقتَل من كلّ مئة تسعة وتسعونَ))، فبَطَلَ ما تَخيَّلَه ابن التِّين، وتَوجَّهَ
التَّعَقُّب عليه، ووَضَحَ أنَّ السَّبب في النَّهي عن الأخذ منه ما يترتَّب على طلب الأخذ منه
من الاقتتال فَضْلاً عن الأخذ، ولا مانع أن يكون ذلك عندَ خروج النار للمَحْشَر، لكن
ليس ذلك السَّببَ في النَّهي عن الأخذ منه.
وقد أخرج ابن ماجَهْ (٤٠٨٤) عن ثَوْبانَ رَفَعَه قال: ((يُقتَل عندَ كَنْزكم ثلاثةٌ كلّهم ابن
خليفة)) فذكر الحديث في المهديّ(١)، فهذا إنْ كان المراد بالكَنْزِ فيه الكَنْزَ الذي في حديث
الباب، دَلَّ على أنَّه إنَّما يقع عندَ ظُهور المهديّ، وذلك قبلَ نزول عيسى وقبلَ خروج النار
جَزْماً، والله أعلم.
تنبيه: وَقَعَ عندَ أحمد (٧٥٥٤) وابن ماجَهْ (٤٠٤٦) من طريق محمَّد بن عَمْرو عن أبي
سَلَمة عن أبي هريرة مِثْلُ حديث الباب إلى قوله: ((من ذهبٍ فِيَقْتَتِّل عليه الناس، فيُقْتَل من كلّ
عشرة تسعة)) وهي رواية شاذّة، والمحفوظ ما تقدَّم من عند مسلم، وشاهدُه من حديث أُبيِّ بن
گَعْب: «من کلّ مئة تسعةٌ وتسعون)»، ویُمكِن الجمع باختلاف تقسیم الناس إلى قسمين.
٢٥- بابٌ
٧١٢٠ - حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن شُعْبةَ، حدَّثْنا مَعبَدٌ، سمعتُ حارثةَ بنَ وَهْب،
قال: سمعتُ رسولَ اللهِوَ لَه يقولُ: ((تَصَدَّقوا، فسيأتي على الناسِ زمانٌ يمشي بصَدَقَتِهِ فلا يَجِدُ مَن
يقبلُها».
(١) وفي إسناده مقال على ما هو مبيَّن في تعليقاتنا على ((سنن ابن ماجه)) و((مسند أحمد)) (٢٢٣٨٧).
٠

١٦٣
باب ٢٥ / ح ٧١٢٠
كتاب الفتن
قال مُسدَّدٌ: حارثةُ أخو عُبيدِ الله بنِ عمرَ لأُّه.
قوله: ((بابٌ)) كذا للجميع بغير ترجمة، لكن سقط من ((شرح ابن بطّال)) وذكر أحاديثَه ٨٢/١٣
في الباب الذي قبله، وعلى الأول فهو كالفَصْل من الذي قبله، وتعلّقه به من جهة الاحتمال
الذي تقدم، وهو أن ذلك يقعُ في الزمان الذي يستغني فيه الناسُ عن المال، إما لاشتغال
كلّ منهم بنفسه عند طُروق الفتنة، فلا يَلْوي على الأهل فَضْلًا عن المال، وذلك في زمن
الدجّال، وإما بحصول الأمن المُفرِط والعدل البالغ، بحيثُ يستغني كلَّ أحدٍ بما عنده عما
في يد غيره، وذلك في زمن المهديِّ وعيسى ابن مريم، وإما عند خروج النار التي تَسُوقهم
إلى المحشر فيَعِزُّ حينئذٍ الظَّهْرُ، وتُباع الحديقة بالبعير الواحد، ولا يَلتِفِتُ أحدٌ حينئذٍ إلى ما
يُتْقِلِه من المال، بل يَقصِد نجاةَ نفسه ومَن يَقدِرُ عليه من ولده وأهله، وهذا أظهرُ
الاحتمالات، وهو المناسبُ لصَنِيع البخاري، والعلمُ عند الله تعالى.
وذكر ابن بطَّل من طريق عبيد الله بن عمر العُمَري عن نافع عن ابن عمر عن كعبٍ
الأحبار قال: تخرج نارٌ تَحَشُر الناسَ، فإذا سمعتُم بها فاخرُجوا إلى الشام(١)، قال: وفي حديث
أبي سَرِيحة - بمُهمَلاتٍ وزن عَظِيمة، واسمه حُذيفة بن أَسِيد بفتح أوله ـ: أن آخر الآيات
المؤْذِنة بقيام الساعة خروج النار. قلت: ولفظه عند مسلم (٣٩/٢٩٠١) في بعض طرقه: الطّلِعَ
النبي ◌َّ ونحن نتذاكرُ، فقال: ((ما تَذَاكَرون؟)) قالوا: نذكر الساعة، قال: ((إنها لن تقومَ حتى
تَرَوْا قبلها عشرَ آيَات)) فذكر الدُّخَان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول
عيسى ابن مريم، ويَأْجُوج ومَأْجُوج، وثلاثةَ خُسوف: خَسْفٌ بالمشرق، وخسفٌ بالمغرب،
وخسفٌ بجزيرة العرب، وآخر ذلك نارٌ تخرج من اليمن فتَطْرُد الناسَ إلى مَشِرِهم.
قلت: وهذا في الظاهر يُعارِض حديث أنس المشار إلیه في أول الباب، فإن فیه : أن أول
أشراط الساعة نارٌ تَحشرُهم من المشرق إلى المغرب، وفي هذا أنها آخر الأشراط، ويُجمَع بينهما
بأن آخريَّتها باعتبار ما ذُكِرَ معها من الآيات، وأوّلِيَّتها باعتبار أنها أول الآيات التي لا شيءَ
(١) أخرجه ابن أبي شيبة ١١٦/١٥، ونعيم بن حماد في ((الفتن)) (١٧٥٤)، والدارقطني في ((العلل))
١٢/ ٢٩٤، وأبو عمرو الداني في ((السنن الواردة في الفتن)) (٥٣٤)، وهو موقوف علی کعب.

١٦٤
باب ٢٥ / ح ٧١٢٠
فتح الباري بشرح البخاري
بعدها من أمور الدنيا أصلاً، بل يقعُ بانتهائها النفعُ في الصُّور، بخلاف ما ذُكِرَ معها، فإنه
يبقى بعد كلِّ آية منها أشياءُ من أمور الدنيا.
قوله: ((حدَّثْنا مُسدَّد، حدَّثنا يحيى)) هو ابن سعيد القَطّان ((عن شُعْبة))، ولمسدَّدٍ فيه شیخ
آخَر، أخرجه أبو نُعيم في ((المستخرج)) من طريق يوسف بن يعقوب القاضي عن مُسدّد:
حدَّثنا بِشْر بن المفضَّل حدَّثنا شُعْبة.
قوله: ((حدَّثْنا مَعبَد)) يعني: ابنَ خالد، تقدَّم في الَّكاة (١٤١١) عن آدمَ: حدَّثْنا شُعْبة
حدّثنا معبد بن خالد.
قوله: ((حارثة بن وَهْب)) أي: الخُزَاعِيّ.
قوله: ((تَصَدَّقوا، فسيأتي على الناس زمان)) تقدَّم الكلام على ألفاظه في أوائل الزَّكاة.
٨٣/١٣
قوله: ((يمشي الرجل بصَدَقَتِهِ فلا يَجِدُ مَن يَقبَلها)» يحتمل / أن يكون ذلك وَقَعَ كما ذُكر في
خِلَافة عمر بن عبد العزيز، فلا يكون من أشراط السّاعة، وهو نَظير ما وَقَعَ في حديث
عَديّ بن حاتم الذي تقدَّم في علامات النَُّّة (٣٥٩٥) وفيه: ((ولَئِنْ طالَتْ بك حياة لَتَرَيَنَّ
الرجل يَخْرُج بمِلْءِ كَفّه ذهباً يَلتَمِس مَن يَقبله، فلا يَجِدُ»، وأخرج يعقوب بن سفيان في ((تاريخه)»
(٥٩٩/١) من طريق عمر بن أَسِيد بن عبد الرَّحمن بن زيد بن الخطّاب بسندٍ جيّد قال: لا
والله ما ماتَ عمر بن عبد العزيز حتَّى جَعَلَ الرجلُ يأتينا بالمالِ العظيم فيقول: اجعَلوا هذا
حيثُ تَرَوْنَ في الفقراء، فما يَبْرَحِ حتَّى يَرجِع بمالِهِ يَتَذَكَّر مَن يَضَعُه فيهم فلا تَجِد، فيَرجِع
به، قد أغْنَى عمرُ بن عبد العزيز الناسَ.
قلت: وهذا بخلاف حديث أبي هريرة الذي بعده كما سيأتي البحث فيه، وقد تقدَّم في
ترجمة عيسى عليه السلام من أحاديث الأنبياء (٣٤٤٨) حديث: ((لَيُوشِكَنَّ أن یَنزِل فيكم
ابنُ مريم)» وفيه: ((ويَفيض المالُ))، وفي رواية أُخرى(١): ((حتَّى لا يَقبَله أحد)»، فيحتمل أن
(١) بل هو في الرواية نفسها التي في أحاديث الأنبياء، ومثلها أيضاً سلف في البيوع برقم (٢٢٢٢) وفي المظالم
برقم (٢٤٦٧).

١٦٥
باب ٢٥ / ح ٧١٢٠ - ٧١٢١
كتاب الفتن
يكون المرادَ، والأوَّل أرجَح، لأنَّ الذي رواه عَديّ ثلاثة أشياء: أَمْن الطّرق، والاستيلاء على
كُنوز كِسرَى، وفَقْد مَن يَقبَل الصَّدَقة من الفقراء، فذكر عَدِيٌّ أنَّ الأوَّلَينِ وَقَعا وشاهدهما،
وأنَّ الثّالث سيقعُ، فكان كذلك لكنْ بعد موت عَديّ في زمن عمر بن عبد العزيز، وسبيه
بَسْطُ عمر العَدْل وإيصالُ الحقوق لأهلِها حتَّى اسْتَغْنَوا، وأمّا فَيْض المال الذي يقعُ في زمن
عيسى عليه السلام، فسببه كَثْرة المال وقِلّة الناس واستِشْعارهم بقيام السّاعة، وبيان ذلك
في حديث أبي هريرة الذي بعده.
وقوله: ((قال مُسَّد)) هو شيخه في هذا الحديث.
قولُه: ((حارثة)) يعني: ابنَ وَهْب صحابيَّ هذا الحديث.
قولُهُ: ((أخو عُبيد الله بن عمر)) بالتَّصغير.
قوله: ((لأُمِّه)) هي أمّ كُلْثوم بنت جَرْوَل بن مالك بن المسيّب بن ربيعة بن أصرَمَ
الخُزَاعِيّة، ذكرها ابن سعد قال: وكان الإسلام فرَّقَ بينَها وبينَ عمر. قلت: وقد تقدَّم ذِكْر
ذلك في كتاب الشُّروط في آخر ((باب الشُّروط في الجهاد)) (٢٧٣٣)، وقد أخرج الطَّبَرانيّ
(٣٢٤٣) من طريق زُهَير بن معاوية عن أبي إسحاق حدَّثنا حارثة بن وَهْب الخُزَاعِيُّ
- وكانت أمُّه تحتَ عمر فولدَتْ له عُبيد الله بن عمر - قال: صَلَّيْتُ خَلْفَ رسول اللهِوََّه
يعني في حَجّة الوداع، الحديث، وأصله عندَ مسلم (٢١/٦٩٦) وأبي داود (١٩٦٥) من
رواية زُهَير، وتقدَّم للبُخاريِّ (١٤١١) من طريق شُعْبة عن أبي إسحاق(١) بدون الزّيادة.
٧١٢١- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبَرَنا شُعَيبٌ، حدَّثنا أبو الزِّنادِ، عن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبي
هُرَيرةَ، أنَّ رسولَ الله ◌َِّ قال: ((لا تقومُ السّاعةُ حتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانٍ عَظِيمَتانِ، يكونُ بينهما مَقْتَلةٌ
عظيمةٌ، دَعْوَتُهما واحدةٌ، وحتَّى يُبعَثَ دَجّالونَ كَذّابونَ قريبٌ مِن ثلاثينَ، كلُّهم يَزْعُمُ أنَّه
رسولُ الله، وحتَّى يُقبَضَ العِلمُ، وَكَثُرَ الزَّازِلُ، ويَتَقَارَبَ الزَّمانُ، وَتَظهَرَ الفِتَنُ، ويَكثُرُ الهَرْجُ،
(١) كذا وقع للحافظ، وهو سبقُ قلمٍ، فإن أبا إسحاق في هذا الحديث إنما هو شيخ زهير بن معاوية لا شعبة،
وشيخ شعبة فيه هو معبد بن خالد.

١٦٦
باب ٢٥ / ح ٧١٢١
فتح الباري بشرح البخاري
وهو القتلُ، وحتَّى يَكثُرَ فيكمُ المالُ، فَيَفِيضَ حتَّى يُهِمَّ رَبَّ المالِ مَن يَقبَلُ صَدَقتَه، وحَتَّى
يَعرِضَه فيقولَ الذي يَعِرِضُه عليه: لا أَرَبَ لي به، وحتّى يَتَطَاوَلَ الناسُ في البُنيان، وحتَّى يَمُرَّ
الرجلُ بقَيْرِ الرجلِ فيقولُ: یا لَيْتَني مكانه، وحتَّى تَطلُعَ الشمسُ مِن مَغرِبها، فإذا طَلَعَتْ وَرَآها
الناسُ - يعني - آمنوا أجمعونَ، فذلكَ حينَ ﴿لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيَمَنُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ
كَسَبَتْ فِيَ إِيَنِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] ولَتَقُومَنَّ السّاعةُ وقد نَشَرَ الرجلانِ ثوبَهما بينهما، فلا
يَتَبَايعانِهِ ولا يَطْوِيَانِهِ، ولَتَقُومَنَّ السّاعةُ وقدِ انصَرَفَ الرجلُ بلَبَنِ لِقْحَتِهِ فلا يَطْعَمُه، ولَتَقُومَنَّ
السّاعةُ وهو يَلِيطُ حَوْضَه فلا يَسْقي فيه، ولَتَقُومَنَّ السّاعةُ وقد رَفَعَ أُكْلَتَه إلى فيه فلا يَطْعَمُها)».
قوله: ((عن عبد الرّحمن)) هو الأعرَج، ووَقَعَ في رواية الطَّبَرانيِّ لهذه النُّسْخة (١): عن
الأعرَج، وكذا تقدَّم في الاستِسْقاء (١٠٣٦) بعضُ هذا الحديث بهذا الإسناد، وفيه: عن
عبد الرَّحمن الأعرَج.
قوله: ((لا تقوم السّاعة حتَّى تَقْتَتِل فِئَتان)) الحديث ((وحتَّى يُبعَث دَجّالونَ)) الحديث
((وحتَّى يُقبَض العِلم ... )) إلى آخره، هكذا ساقَ هذه الأشراط السَّبْعة مَساقَ الحديث
الواحد هنا، وأورَدَه البيهقيُّ في «البَعْث)) من طريق شُعَيب بن أبي حمزة عن أبيه فقال في كلّ
واحد منها: وقال رسول الله وَل﴿، ثمّ قال: أخرج البخاريّ هذه الأحاديث السَّبعة عن أبي
اليَمَان عن شُعَيب.
قلت: فسَمّاها سبعةً مع أنَّ في بعضها أكثر من واحد كقوله: ((حتَّى يُقْبَض العِلم،
وتَكثُرُ الزَّلازِل، ويَتَقَارَبِ الزّمان، وتَظهَر الفتن، ويَكثُر الهَرْجِ))، فإذا فُصِّلَتْ زادتْ على
العَشَرة، وقد أفرَدَ البخاريُّ من هذه النُّسْخة حديث قَبْض العلم، فساقَه كالذي هنا في
كتاب الاستِسْقاء (١٠٣٦)، ثمَّ قال: ((وحتَّى يَكثُر فيكم المال فيَفيض)) اقتَصَرَ على هذا
القَدْر منه، ثمَّ ساقَه في كتاب الزّكاة (١٤١٢) بتمامه، وذكر في علامات النُّبّة (٣٥٨٧) بهذا
السَّند حديث: ((لا تقوم السّاعة حتَّى تُقاتِلوا قوماً نِعالهم الشَّعر)) الحديث، وفيه أشياء غير
(١) في «مسند الشاميين)) له (٣٢٣٧).

١٦٧
باب ٢٥ / ح ٧١٢١
كتاب الفتن
ذلك من هذا النَّمَط، وهذه المذكورات وأمثالها ممَّا أخبَرَ وَّ بأنَّه سيقعُ بَعْدُ قبلَ أن تقوم
السّاعة، لكنَّه على أقسام:
أحدها: ما وَقَعَ على وَفْق ما قال.
والثّاني: ما وَقَعَتْ مَبادِيهِ ولم يَستَحكِم.
والثّالث: ما لم يقعْ منه شيء ولكنَّه سيقعُ.
فالنَّمَط الأوَّل تقدَّم مُعظَمُه في علامات النُّبوّة، وقد استَوقَى البَيهقيُّ في ((الدَّلائل))
(٣٣٦/٦ و٤١٨) ما وَرَدَ من ذلك بالأسانيدِ المقبولة، والمذكور منه هنا اقتتالُ/ الفِئَتَينِ ٨٤/١٣
العظيمَتَين، وظُهور الفتن، وكَثْرة الهَرْجِ، وتَطاول الناس في البُنيان، وتَمنّي بعض الناس
الموت، وقتالُ التُّرك، وتَنّي رُؤْيته وَّةِ، وممّاً وَرَدَ منه حديث المقبُريِّ عن أبي هريرة أيضاً:
((لا تقوم السّاعة حتَّى تأخُذ أمَّتي بأخْذِ القُرون قبلَها)) الحديث، وسيأتي في الاعتصام (٧٣١٩)،
وله شواهد.
ومن النَّمَط الثّاني: تَقارُبُ الزَّمان، وكثرة الَّلازِل، وخروج الدَّجّالينَ الكذّابين، وقد
تقدَّمَت الإشارة في شرح حديث أبي موسى في أوائل كتاب الفتن(١) إلى ما وَرَدَ في معنى
تَقارُب الزَّمان، ووَقَعَ في حديث أبي موسى عندَ الطَّبَرانيّ: «يَتَقَارَب الزَّمان، وتَنقُص السُّنونَ
والثَّمراتُ))(٢).
وتقدَّم في ((باب ظُهور الفتن)): ((ويُلقَى الشُّحّ))(٣)، ومنها حديث ابن مسعود: ((لا تقوم
السّاعة حتَّى لا يُقْسَمَ ميراث ولا يُفرَح بغَنيمةٍ)) أخرجه مسلم (٢٨٩٩)، وحديث حُذَيفة
ابن أَسيدِ الذي نَبَّهتُ عليه آنِفاً لا يُنافي أنَّ قبلَ السّاعة يقعُ عَشْرُ آيَات، فذكر منها: ((وثلاثة
◌ُسوف: خَشْف بالمشرق، وخَسْف بالمغرب، وخَسْف بجزيرة العرب)) أخرجه مسلم
(١) بل في شرح حديث أبي هريرة برقم (٧٠٦١).
(٢) وأخرجه ابن أبي الدنيا في ((العقوبات)) (٣٤٠)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ٢٧٤/٢١ و١١/٢٢
من طريقين عن عبد الرحمن بن غَنْم عن أبي موسى الأشعري، وفي الإسنادين ضعفٌ.
(٣) تقدم برقم (٧٠٦١) من حديث أبي هريرة.

١٦٨
باب ٢٥ / ح ٧١٢١
فتح الباري بشرح البخاري
(٢٩٠١)، وذكر منها الدُّخان وقد اختُلِفَ فيه، وتقدَّم ذلك في حديث ابن مسعود في سورة
الدُّخان (٤٨٢١)، وقد أخرج أحمد (١٥٩٥٦) وأبو يَعْلى (٦٨٣٤) والطَّبَرانيُّ (٧٤٠٤) من
حديث صُحَارَ(١) - بضمٌّ الصّاد وتخفيف الحاء المهمَلتَينِ - حديث: ((لا تقوم السّاعة حتَّى
يُحْسَف بقبائلَ من العرب)) الحديث(٢)، وقد وُجِدَ الخَسْف في مواضع، ولكنْ يحتمل أن يكون
المراد بالخُسوفِ الثَّلاثة قَدْراً زائداً على ما وُجِدَ، كأن يكون أعظَمَ منه مكاناً أو قَدْراً.
وحديث ابن مسعود: ((لا تقوم السّاعة حتَّى يَسُود كلَّ قبيلة مُنافقوها)) أخرجه الطَّبَرانيُّ
(٩٧٧١)، وفي لفظ: «رُذّالها)»، وأخرج البزَّار عن أبي بَكْرة نحوه (٣)، وعندَ التِّرمِذيّ (٢٢١١)
من حديث أبي هريرة: ((وكان زَعيم القوم أرذَهم، وسادَ القبيلةَ فاسِقُهم)»، وقد تقدَّم في
كتاب العِلم (٥٩) حديثُ أبي هريرة: ((إذا وُسِّدَ الأمرُ إلى غير أهله، فانتَظِرِ السّاعة)).
وحديث ابن مسعود: ((لا تقوم السّاعة حتَّى يكون الولد غَيْظاً، والمطر قَيْظاً، ويَفِيض
اللِّئام(٤) فيضاً)) أخرجه الطَّبَرَانيُّ (١٠٥٥٦)، وعن أمّ الضَّرّاب(٥) مِثْله وزاد: ((وتَجَرِئ
الصَّغير على الكبير، واللَّثيم على الكريم، ويُرَّب عُمْران الدُّنيا، ويُعَمَّر خَرابها».
ومن النَّمَط الثّالث: طلوعُ الشمس من مَغرِبها، وقد تقدَّم (٤٦٣٥ و٤٦٣٦) من طرق
أُخرى عن أبي هريرة، وفي بَدْء الخلق (٣١٩٩) من حديث أبي ذرٍّ.
وحديثُ: ((لا تقوم السّاعة حتَّى يقاتل المسلمون اليهود، فيَقتُلهم المسلمون حتَّى يَخْتَبِئِ
اليهوديُّ وراءَ الحجر)) الحديث، أخرجه مسلم (٢٩٢٢) من رواية سُهَيل بن أبي صالح عن
(١) تحرف في (س) إلى: صحارى.
(٢) إسناده ضعيف، وانظر تمام الكلام عليه في ((المسند)).
(٣) حديث أبي بكرة أخرجه الطبراني في «الأوسط)) (٧٧١٥)، أما البزار فقد أخرج في ((مسنده)) (١٤٣٤)
حديث ابن مسعود، وأسانيد الأحاديث الثلاثة التى ذكرها الحافظ هنا في هذا المعنى ضعيفة وبعضها
شديد الضعف.
(٤) لفظ ((اللئام)) تحرف في (س) إلى: الأيام.
(٥) حديث أم الضراب هذا إنما هو عن عائشة، وأخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (٦٤٢٧) دون قوله
((ويخرب عمران ... )) إلخ، وهذا الحرف في حديث ابن مسعود السابق، وإسناد الحديثين ضعيف جدّاً.

١٦٩
باب ٢٥ / ح ٧١٢١
كتاب الفتن
أبي هريرة، وقد تقدَّم في علامات النُّبوّة(١) من رواية أبي زُرْعة عن أبي هريرة، واتَّفَقا عليه
من حديث الزّهْريّ عن سالم عن ابن عمر، ومضى شرحه في علامات النُّبُوّة (٣٥٩٣) وأنَّ
ذلك يقعُ قبلَ الدَّجّال كما وَرَدَ في حديث سَمُرة عندَ الطََّرانيِّ (٦٧٩٧)(٢).
وحديث أنس: «أَنَّ أمام الدَّجّال سُنونَ خَدّاعات، يُكذَّب فيها الصّادِقُ، ويُصدَّق فيها
الكاذبُ، ويُحُوَّن فيها الأمين، ويُؤتمن فيها الخائن، ويتكلَّم فيها الرُّوَنِضة)) الحديث، أخرجه
أحمد (١٣٢٩٨) وأبو يَعْلى (٣٧١٥) والبزَّار (٢٧٤٠)، وسنده جيِّد، ومِثله لابنٍ ماجَهْ (٤٠٣٦)
من حديث أبي هريرة، وفيه: قيلَ: وما الرُّوَيْبِضة؟ قال: ((الرجل التافه يتكلّم في أمر العامّة)).
وحديث سَمُرة: ((لا تقوم السّاعة حتَّى تَرَوْا أُموراً عِظاماً لم تُحدِّثوا بها أنفُسَكم))، وفي
لفظ: ((يَتَفَاقَم شَأْتُها في أنفسكم وتَسْألُونَ: هل كان نبيّكم ذكر لكم منها ذِكْراً)) الحديث،
وفيه: ((وحتَّى تَرَوا الجبال تزول عن أماكنها))، أخرجه أحمد (٢٠١٧٨) والطَّبَرانيُّ (٦٧٩٧)
في حديث طويل، وأصله عندَ التِّرمِذيّ (٥٦٢) دونَ المقصود منه هنا.
وحديث عبد الله بن عَمْرو: ((لا تقوم السّاعة حتَّى يُتَسافَدَ في الطَّريق تَسافُدَ الحُمُر))
أخرجه البزَّار (٢٣٥٣) والطََّرَانيُّ (١٤١٨٠) وصَحَّحَه ابن حِبّان (٦٧٦٧) والحاكم
(٤٥٥/٤- ٤٥٦)، ولأبي يَعْلى (٦١٨٣) عن أبي هريرة: ((لا تَقْنَى هذه الأُمّة حتَّى يقومَ
الرجل إلى المرأة فيَقَرِشها في الطَّريق، فيكون خيارُهم يومَئذٍ مَن يقول: لو وارَيناها وراءَ
هذا الحائط))، وللطَّبَرانيّ في ((الأوسط)) (٤٨٦٠) من حديث أبي ذرِّ نحوه، وفيه: ((يقول
أمثَلُهم: لو اعتَزَلْتُم الطَّريق))، وفي حديث أبي أمامةَ/ عندَ الطََّرانيِّ (٧٨٠٧) قوله: ((وحتَّى ٨٥/١٣
تَمُرَّ المرأة بالقوم، فيقومَ إليها أحدُهم فيرفع بذَيْلِها كما يرفعُ ذَنَبَ النَّعْجة، فيقول بعضهم:
(١) بل في الجهاد برقم (٢٩٢٦).
(٢) وأخرجه أيضاً أحمد في («مسنده)) (٢٠١٧٨)، وقد ذهل الحافظ رحمه الله هنا إذ قال: إن ذلك يقع قبل
الدجال، فالذي في حدیث سمرة أنه يقع زمن الدجال عندما يهلکه اللهُ وجنوده، فاليهود في ذلك الزمان
من جنوده وشيعته، وقد جاء تقرير ذلك على الصواب عنده فيما سلف في علامات النبوة.

١٧٠
باب ٢٥ / ح ٧١٢١
فتح الباري بشرح البخاري
ألا وارَيتَها وراءَ الحائط، فهو يومئذٍ فيهم مِثُل أبي بكر وعمر فيكم))(١).
وحديث حُذيفة بن اليَمَان عندَ ابن ماجَهْ (٤٠٤٩): ((يَدُرُس الإسلامُ كما يَدْرُس وَشْيُ
الثَّوب، حتَّى لا يُدرَى ما صيام ولا صلاة ولا نُسُك ولا صَدَقة، ويَبقَى طوائفُ من
الناس: الشَّيخ الكبير والعجوز الكبيرة، ويقولون: أدرَكْنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلّا
الله، فنحنُ نقولها))، وحديث أنس: ((لا تقوم السّاعة حتَّى لا يُقالَ في الأرض: لا إله إلّا
الله)) أخرجه أحمد (١٣٨٣٣) بسندٍ قويّ، وهو عندَ مسلم (١٤٨) بلفظ: ((الله الله))، وله من
حديث ابن مسعود: ((لا تقوم السّاعة إلّا على شِرار الناس))، ولأحمدَ (١٦٠٧١) مِثْله من
حديث عِلْباءَ السُّلَميِّ - بكسر العَين المهمَلة وسكون اللّام بعدَها موحّدة خفيفة ومَدّ -
بلفظ: ((حُثَالة)) بَدَلَ ((شِرار))، وقد تقدَّمَتْ شواهده في ((باب إذا بَقِيَ حُثالة من الناس))
(٧٠٨٦)، وللطََّرانيِّ من وجه آخَر عنه: ((لا تقوم السّاعة على مؤمن))(٢)، ولأحمدَ (٦٩٦٤)
بسندٍ جيّد عن عبد الله بن عمرو: ((لا تقوم السّاعة حتَّى يأخُذ اللهُ شَرِيطَته من أهل
الأرض، فَيَبقَى عَجَاجٌ لا يَعِرِفونَ معروفاً ولا يُنكِرِونَ مُنكَرًا)(٣)، وللطَّيالسيِّ (٢٥٠١) عن
أبي هريرة: ((لا تقوم السّاعة حتَّى يَرجِع ناس من أمَّتي إلى الأوثان يَعبُدونَها من دونِ الله))،
وقد تقدَّم حديثه في ذِكْر ذي الخَلَصة قريباً (٧١١٦)، ولابنِ ماجَهْ (٤٠٤٩) من حديث
حُذَيفة: ((ويَبقَى طوائفُ من الناس الشَّيخُ الكبير والعجوز، يقولون: أدرَكْنا آباءَنا على هذه
الكلمة: لا إله إلّ الله، فنحنُ نقولها)).
ولمسلمٍ (٤) وأحمد (٢٢٤٥٢) من حديث ثَوْبانَ: ((ولا تقوم السّاعة حتَّى تَلْحَق قبائلُ
من أمَّتي بالمشركين، وحتَّى تَعبُد قبائلُ من أمَّتي الأوثان))، ولمسلم أيضاً (٢٩٠٧) عن
(١) وإسنادا حديث أبي ذر وأبي أمامة ضعيفان جدّاً.
(٢) أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (٤٣٩١)، وإسناده واهٍ، لكن معنى الحديث صحيح فقد جاء في غير ما
حديث عن النبي ◌ٍّ في ((الصِّحاح)) وغيرها أنه لا تبقى نفسٌ فيها ذرة من إيمان إلا قُبضت قبل قيام
الساعة، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق.
(٣) الشّريطة: يعنى أهل الخير والدِّين، والعَجَاج: الغوغاء والأراذل ومَن لا خير فيه.
(٤) برقم (٢٨٨٩) لكن دون اللفظ المذكور، وهو عند ابن ماجه (٣٩٥٢).

١٧١
باب ٢٥ / ح ٧١٢١
كتاب الفتن
عائشة: ((لا تذهبُ الأيام واللَّيالي حتَّى تُعبَد اللّاتُ والعُزَّى من دونِ الله)) الحديث، وفيه:
((ثُمَّ يَبعَث الله ريحاً طيِّية، فيُتَوَى بها كلُّ مؤمن في قلبه مِثْقال حَبّة من إيمان، فيَبقَى مَن لا
خير فيه، فيَرَجِعونَ إلى دين آبائهم))، وفي حديث حُذَيفة بن أَسيدٍ شاهده(١)، وفيه أنَّ ذلك
بعد موت عیسی ابن مریم.
قال البيهقيُّ وغيره: الأشراط منها صِغارٌ وقد مضى أكثرها، ومنها كِبارٌ ستأتي.
قلت: وهي التي تَضَمَّنَها حديث حُذيفة بن أَسيدٍ عندَ مسلم (٢٩٠١) وهي: الدَّجّال،
والدّابَّة، وطُلوع الشمس من مَغرِبها كالحاملِ المُتِمّ (٢)، ونزول عيسى ابن مريم، وخروج
يَأْجوج ومأجوج، والرّيح التي تَهُبّ بعدَ موت عيسى فتَقْبِض أرواح المؤمنينَ(٣).
وقد استَشكَلوا على ذلك حديثَ: ((لا تَزالُ طائفة من أمَّتي ظاهرينَ على الحقّ حتَّى
يأتي أمر الله))(٤)، فإنَّ ظاهر الأوَّل أنَّه لا يَبقَى أحد من المؤمنينَ فَضْلاً عن القائم بالحقّ،
وظاهر الثّاني البَقَاء، ويُمكِن أن يكون المراد بقوله: ((أمرُ الله)) هُبوبَ تلك الرّيح، فيكون
الظُّهور قبلَ هُبوبها، فبهذا الجمع يَزُول الإشكالُ بتوفيق الله تعالى، فأمّا بعدَ هُبوبها فلا
يَبقَى إلّ الشِّرار وليس فيهم مُؤمِن، فعليهم تقومُ السّاعة، وعلى هذا فآخِرُ الآيات المؤذِنة
بقيام السّاعة هُبوبُ تلك الرّيح، وسأذكرُ في آخر الباب قول عيسى عليه السلام: ((إنَّ
السّاعة حينئذٍ تكون كالحاملِ المتِمّ لا يَدْري أهلُها متى تَضَعُ».
(١) كذا قال، وحديث حذيفة ليس فيه معنى ما تقدَّم، ولعله أراد حديث النّاس بن سِمعان، وهو عند
مسلم برقم (٢٩٣٧).
(٢) قوله: ((كالحامل المتم)) جاء في حديثٍ لابن مسعود، وسيأتي تخريجه في آخر الباب.
(٣) حديث حذيفة تضمن عشرة أشراط، وهي: الدُّخَان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها،
ونزول عيسى ابن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب،
وخسف بجزيرة العرب، وآخر العشرة نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم، أما الريح التي
تقبض أرواح المؤمنين فهي في غیر حديث حذيفة كما سبق.
(٤) سيأتي برقم (٧٣١١).

١٧٢
باب ٢٥ / ح ٧١٢١
فتح الباري بشرح البخاري
فصل
وأمّا قوله: ((حتَّى تَقتَتِل فِئَتَان)) الحديث، تقدَّم في كتاب الرِّقاق (٦٥٠٦) أنَّ المراد
بالفِئْتَينِ عليٌّ ومَن معه ومعاوية ومَن معه، ويُؤخَذ من تَسْمَيَتَهم مسلمينَ ومن قوله:
((دَعْوتُهما واحدة))، الردّ على الخوارج ومَن تَبِعَهم في تكفيرهم كلَّ من الطّائِفتَين.
ودَلَّ حديث: (تَقتُل عمَّاراً الفِئَةُ الباغية))(١) على أنَّ عليّاً كان المصيب في تلك الحرب
لأنَّ أصحاب معاوية قَتَلوه، وقد أخرج البزَّار (٢٨١٠) بسندٍ جيّد عن زيد بن وَهْب قال: كنّا
عندَ حُذَيفة فقال: كيف أنتم وقد خَرَجَ أهل دينكم (٢) يَضِرِب بعضهم وجوه بعض بالسَّيفِ؟
قالوا: فما تأمرنا؟ قال: انظُرُوا الفِرْقة التي تَدْعو إلى أمر عليٍّ فالزَموها، فإنَّها على الحقّ.
وأخرج يعقوب بن سفيان بسندٍ جيّد عن الزُّهْريّ قال: لمَّا بَلَغَ معاويةَ غَلَبةُ عليّ على
٨٦/١٣ أهل الجمل، دَعَا إلى الطََّب بدَمِ عثمان، فأجابَه أهل الشّام، فسارَ إليه عليّ/ فالتَّقَيا بصِفِّينَ.
وقد ذكر يحيى بن سليمان الجُعْفيُّ - أحد شيوخ البخاريّ - في كتاب ((صِفّينَ)) من تأليفه
بسندٍ جيّد عن أبي مسلم الخَوْلانيّ أنَّه قال لمعاويةَ: أنتَ تُنازِع عليّاً في الخلافة، أوَ أنتَ
مِثْلُه؟ قال: لا، وإنّي لَأعلمُ أنَّه أفضل منِّي وأحقّ بالأمر، ولكن ألستُم تعلمونَ أنَّ عثمان
قُتِلَ مظلوماً وأنا ابن عمّه ووليُّه أطلُب بدَمِه؟ فائتُوا عليّاً فقولوا له يَدِفَع لنا قَتَلَةَ عثمان،
فأَتَوْه فكَلَّموه فقال: يَدخُل في البيعة ويُحاكِمهم إليّ، فامتَنَعَ معاويةُ فسارَ عليٌّ في الجيوش
من العراق حتَّى نَزَلَ بصِفّين، وسارَ معاوية حتَّى نَزَلَ هناك، وذلك في ذي الحِجّة سنة
ستّ وثلاثين، فتَراسَلوا فلم يَتِمَّ لهم أمر، فوَقَعَ القتال إلى أن قُتِلَ من الفَريقَينِ فيما ذكر ابن
أبي خَيْئمةَ في ((تاريخه)) نحوُ سبعين ألفاً، وقيل: كانوا أكثر من ذلك، ويقال: كان بينَهم أكثر
من سبعينَ زَحْفاً، وقد تقدَّم في تفسير سورة الفَتْح (٤٨٤٤) مّا زادها أحمد وغيره في
(١) سلف عند البخاري برقم (٤٤٧) من حديث أبي سعيد الخدري، وقد ذكر الحافظ في شرحه هناك
شواهده عن غير واحدٍ من الصحابة.
(٢) كذا وقع هنا، والصواب: أهل بيت نبيكم، كما في ((مسند البزار))، وقد سلف عند الحافظ على الصواب في
شرح الحديث (٧٠٩٩)، وقوله هنا: سنده جيد، فيه تساهل كما أشرنا إليه هناك.

١٧٣
باب ٢٥ / ح ٧١٢١
كتاب الفتن
حديث سَهْل بن حُنَيف المذكور هناك من قصَّة التَّحكيم بصِفّينَ، وتشبيه سَهْل بن حُنَيف
ما وَقَعَ لهم بها بما وَقَعَ يومَ الحُدَيبية.
وأخرج ابن أبي شَيْبة (٢٨٩/١٥) بسندٍ صحيح عن أبي الوَضِيء(١): سمعت عمَّراً يومَ
صِفّينَ يقول: مَن سَرَّه أن يَكْتَنِفِه الحُورُ العِينُ فَلْيَتقدَّم بينَ الصَّفَّيْنِ مُخْتَسِباً، ومن طريق زياد
ابن الحارث: كنت إلى جَنْب عمّار فقال رجل: كَفَرَ أهلُ الشّام، فقال عمَّار: لا تقولوا ذلك،
نبيُّنا واحد، ولكنَّهم قوم حادُوا عن الحقّ، فحَقَّ علينا أن نقاتلَهم حتَّى يَرجِعوا.
وذكر ابن سعد: أنَّ عثمان لمَّا قُتِلَ وبُويِعَ عليٌّ، أشارَ ابن عبّاس عليه أن يُقِرَّ معاوية
على الشّام حتَّى يأخُذ له البيعة ثمَّ يفعل فيه ما شاءَ، فامتَنَعَ، فَبَلَغَ ذلك معاوية فقال: والله
لا أَلي له شيئاً أبداً، فلمَّا فَرَغَ عليٌّ من أهل الجمل أرسَلَ جرير بن عبد الله البَجَليَّ إلى
معاوية يَدْعوه إلى الدُّخول فيما دَخَلَ فيه الناس فامتَنَعَ، فأرسَلَ أبا مسلم - كما تقدَّم - فلم
يَنتَظِم الأمرُ، وسارَ عليّ في الجنود إلى جهة معاوية فالتَقَيا بصِفّينَ في العشر الأُوَل من
المحرَّم، وأوَّل ما اقتَتَلوا في غُرّة صَفَر، فلمَّا كادَ أهلُ الشّام أن يُغلَبوا رَفَعوا المصاحف
بمَشُورةٍ عَمْرو بن العاص ودَعَوْا إلى ما فيها، فَأَلَ الأمرُ إلى الحَكَمَينِ، فجَرَی ما جَرَی من
اختلافهما واستِبْداد معاوية بمُلْكِ الشّام، واشتغالٍ عليّ بالخوارج.
وعندَ أحمد (١٥٩٧٥) من طريق حبيب بن أبي ثابت: أتيْتُ أبا وائل فقال: كنَّا بصِفّين،
فلمَّا استَحرَّ القتل بأهلِ الشّام قال عَمْرو لمعاويةَ: أرسِلْ إلى عليّ المصحَفَ فادعُه إلى كتاب الله،
فإنَّه لا يَأْبِى عليك، فجاءَ به رجل فقال: بينا وبينكم كتابُ الله ﴿أَرْ تَرَ إلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا
مِّنَ الْكِتَبِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَبِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ﴾ [آل عمران: ٢٣]
(١) في (س): عن أبي الرضا، وهو خطأ، وما أثبتناه من (أ) و(ع)، إلا أنّ الواو في (أ) أقرب إلى الراء، وقد سقطت
هذه الكنية من طبعات ((مصنَّفَ ابن أبي شيبة)) غير المحقَّقة، وثبت في الطبعات المحقَّقة منه: ((الوضيء)) اسماً
لا كنيةً، وهو الذي ذكر البخاري في ((تاريخه)) ١٩١/٨، وابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) ٤٩/٩ حيث
قال: الوضيء روى عن علي وروى عنه أبو مَسلَمة؛ وهو الراوي عنه في ((المصنَّف))، ولعلّ الحافظ ابن حجر
ظنَّ أنّ لفظ ((أبي)) سقط من أصل ((المصنَّف))، فأضافه ظناً منه أنه أبو الوضيء عبّاد بن نسيب، فهو ممن شهد
حروب عليٍّ رضي الله عنه وكان من فرسانه، والله تعالى أعلم.

١٧٤
باب ٢٥ / ح ٧١٢١
فتح الباري بشرح البخاري
فقال عليّ: نَعَم، أنا أَولى بذلك، فقال القُرّاء الذينَ صاروا بعدَ ذلك خوارجَ: يا أمير المؤمنينَ،
ما ننتظرُ بهؤلاءِ القوم، ألا نَمْشي عليهم بسُيوفِنا حتَّى يَحْكمَ الله بيننا؟ فقال سَهْل بن حُنَيف:
يا أيّها الناس، التَّهِموا أنفُسَكم، فقد رأيتُنا يومَ الحُدَيبية، فذكر قصَّة الصُّلْح مع المشركين، وقد
تقدَّم بيان ذلك من هذا الوَجْه عن سَهْل بن حُنَيف، وقد أشَرْتُ إلى قصَّة التَّحكيم في
((باب قتل الخوارج والملحِدينَ)) من كتاب استتابة المرتدِّينَ (٦٩٣٠).
وقد أخرج ابن عساكر في ترجمة معاوية من طريق ابن مَندَهْ ثمَّ من طريق أبي القاسم
ابن أخي أبي زُرْعة الرَّازيِّ قال: جاءَ رجل إلى عَمّي فقال له: إنّ أُبغِض معاوية، قال له:
لمَ؟ قال: لأنَّه قاتَلَ عليّاً بغير حَقّ، فقال له أبو زُرعة: رَبُّ معاوية رَبُّ رحيم، وخَصْم
معاویة خَضْمٌ کریم، فما دخولُك بينهما؟
قوله: ((وحتَّى يُبعَث دَجّالونَ)) جمعُ دَجّال، وسيأتي تفسيره في الباب الذي بعده، والمراد
بَبَعْثِهم إظهارُهم، لا البَعْث بمعنى الرِّسالة. ويُستَفاد منه أنَّ أفعال العباد مخلوقة لله تعالى،
وأنَّ جميع الأُمور بتقديرِه.
قوله: ((قريبٌ من ثلاثينَ)) وقع في بعض الأحاديث بالجَزْم، وفي بعضها بزيادةٍ على ذلك
٨٧/١٣ وفي بعضها بتحريرِ ذلك؛ فأمّا الجَزْم ففي حديث ثَوْبانَ: ((وأنَّه سيكونُ في أمَّتي كذّابونَ/
ثلاثونَ، كلُّهم يَزِعُم أنَّه نبيّ، وأنا خاتَمُ النبيّينَ، لا نبيَّ بَعْدي)) أخرجه أبو داود (٤٢٥٢)
والتِّرمِذيّ (٢١٧٦) وصَخَّحَه ابن حِبّان (٦٧١٤)، وهو طرفٌ من حديث أخرجه مسلم
(٢٨٨٩) ولم يَسُقْ جميعه، ولأحمدَ (٥٦٩٤) وأبي يَعْلى (٥٧٠٦) من حديث عبد الله بن
عُمَرَ(١): ((بينَ يَدَي السّاعة ثلاثونَ دَجَالاً كذّاباً»، وفي حديث عليّ عندَ أحمد (٧٦٥) نحوه، وفي
حديث ابن مسعود عندَ الطََّرانيِّ نحوه، وفي حديث سَمُرة المصَدَّر أوَّلُه بالُسوفِ وفيه: ((ولا
تقوم السّاعة حتَّى يَخْرُج ثلاثونَ كذّاباً آخرُهم الأعور الدَّجّال)) أخرجه أحمد (٢٠١٩٨)
والطََّرانيُّ (٦٧٩٧ ,٦٧٩٩)، وأصله عندَ التِّرمِذيّ (٥٦٢) وصَحَّحَه، وفي حديث ابن الزُّبَيرِ(٢):
(١) وقع في الأصلين و(س) هنا وفي الموضع الآتي: عبد الله بن عمرو، والصواب أن هذا الحديث من رواية
ابن عمر لا ابن عمرو.
(٢) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (١٤٩٠٤)، وإسناده ضعيف.

١٧٥
باب ٢٥ / ح ٧١٢١
كتاب الفتن
((إِنَّ بينَ يَدَي السّاعة ثلاثينَ كذّاباً، منهم الأسود العَنْسُّ صاحب صَنْعَاءَ، وصاحب
اليَمامة)) يعني: مُسَيلِمةَ.
قلت: وخَرَجَ في زمن أبي بكر طُلَيحة - بالتَّصغير - بن خُوَيلٍ واذَّعَى النُّبوّة، ثمَّ تابَ
ورَجَعَ إلى الإسلام، وتَبَّت أيضاً سَجَاحِ ثمَّ تزوَّجَها مُسَيلِمة ثمَّ رَجَعَتْ بعده.
وأمّا الزّيادة، ففي لفظ لأحمدَ وأبي يَعْلى في حديث عبد الله بن عمر: «ثلاثونَ كذّابونَ
أو أكثر)) قلت: ما آيتُهم؟ قال: ((يَأْتونَكم بسُنّةٍ لم تكونوا عليها يُغيِّرونَ بها سُنَّتكم، فإذا
رأيتُموهم فاجتَنِبوهم))(١)، وفي رواية عبدِ الله بن عَمْرو عندَ الطَّبَرانيّ (١٤٤٧٤): ((لا تقوم
السّاعة حتَّى يَخْرُج سبعون كذاباً)» وسندها ضعيف، وعند أبي یعلی (٤٠٥٥) من حديث أنس
نحوه، وسنده ضعيف أيضاً، وهو محمول - إنْ ثَبَتَ - على المبالَغة في الكَثْرة لا على التَّحدید.
وأمّا التَّحرير، ففيما أخرجه أحمد (٢٣٣٥٨) عن حُذَيفة بسندٍ جيِّد: ((سيكونُ في أمَّتي
كذّابونَ دَجّالونَ سبعة وعِشْرونَ منهم أربع نِسْوة، وإنّ خاتم النبيّينَ، لا نبيَّ بَعْدي»،
وهذا يَدُلّ على أنَّ رواية الثَّلاثينَ بالجَزْمِ على طريق جَبْر الكسر، ويُؤيِّده قوله في حديث
الباب: ((قريبٌ من ثلاثينَ)).
قوله: ((كلّهم يَزعُم أنَّه رسول الله)) ظاهر في أنَّ كلَّ منهم يَدَّعي النُّبوّة، وهذا هو السِّرُّ في
قوله في آخر الحديث الماضي: ((وإنّ خاتَمُ النبيّينَ))، ويحتمل أن يكون الذينَ يَدَّعونَ النُّبوّة
منهم ما ذُكِرَ من الثَّلاثينَ أو نحوها، وأَنَّ مَن زاد على العَدَد المذكور يكون كذّاباً فقط، لكنْ
يَدْعو إلى الضَّلالة، كغُلَاة الرَّافضة والباطنيّة وأهل الوَحْدة والحُلُوليّة، وسائر الفِرَق الدُّعاة
إلى ما يُعلَم بالضّرورةِ أنَّ خِلَاف ما جاءَ به محمَّد رسول الله وَّةِ، ويُؤيِّده أنَّ في حديث عليّ
عندَ أحمد (٢): فقال عليٌّ لعبدِ الله بن الكَوّاء: وإِنَّك لَمِنهم؛ وابنُ الكَوّاء لم يَدَّعِ النَّبَّة، وإنَّما
كان يَغْلُو في الرَّفْض.
(١) من قوله: ((قلت: ما آيتهم)) إلى هنا هذا لم يقع لأحمد وأبي يعلى، وإنما هو عند الطبراني في ((الكبير))
(١٣٩٠٤).
(٢) لم نقف عليه في «مسنده)).

١٧٦
باب ٢٥ / ح ٧١٢١
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وحتَّى يُقبَض العِلمُ)) تقدَّم في كتاب العِلم (٨٥) ويأتي أيضاً في كتاب الأحكام(١).
قوله: ((وتَكثُر الزَّلازِل)) قد وَقَعَ في كثير من البلاد الشَّماليّة والشَّرْقيّة والغَرْبِيّة كثير من
الزَّلازِل، ولكنَّ الذي يَظهَر أنَّ المراد بكَثْرتِها شُمولُها ودَوامها، وقد وَقَعَ في حديث سَلَمة
ابن نُفَيلِ عند أحمد (١٦٩٦٤): ((وبين يَدَي السّاعة سَنَوات الزَّلازِل))، وله (١١٦٢٠) عن
أبي سعيد: ((تَكثُرِ الصَّواعِقِ عندَ اقتراب السّاعة)).
قوله: ((ويَتَقَارَب الزَّمان، وتَظهَر الفِتَن، ويَكثُر الهَرْج)) تقدَّم البحث في ذلك قريباً (٢).
قوله: ((وحتَّى يَكثُر فيكم المال فيَفيض)) تقدَّم شرحه في كتاب الزَّكاة (١٤١٢). والتَّقييد
بقولِه: ((فيكم)) يُشعِر بأنَّه محمول على زمن الصحابة، فيكون إشارة إلى ما وَقَعَ من الفُتوح
واقتسامهم أموال الفُرْس والرُّوم، ويكون قوله: ((فيَفيض حتَّى يُهِمّ رَبَّ المال)) إشارة إلى ما
وَقَعَ في زمن عمر بن عبد العزيز، فقد تقدَّم أنَّه وَقَعَ في زَمَنه أنَّ الرجل كان يَعرِض مالَه
للصَّدَقِةِ فلا يَجِدُ مَن يَقبَل صَدَقَتَه، ويكون قوله: ((وحتَّى يَعِرِضَه فيقول الذي يَعِرِضه
علیه: لا أَرَبَ لي به)) إشارة إلى ما سیقعُ في زمن عيسى ابن مريم.
فيكون في هذا الحديث إشارة إلى ثلاثة أحوال:
الأولى: إلى كَثْرة المال فقط، وقد كان ذلك في زمن الصحابة، ومن ثَمَّ قيل فيه: «یَكثُر
فيكم))، وقد وَقَعَ في حديث عَوْف بن مالك الذي مضى في كتاب الجِزْية (٣١٧٦) ذكرُ
علامة أُخرى مُباينة لعلامة الحالة الثّانية في حديث عَوْف بن مالك رَفَعَه: ((اعدُدْ ستّاً بينَ
يَدَي السّاعة: موتي، ثمَّ فتح بيت المقدس، ومُوتَان، ثمَّ اسِتِفاضة المال حتَّى يُعْطَى الرجل
٨٨/١٣ منه مئة دينار فيَظَلّ ساخطاً)) الحديث، وقد أشَرْتُ إلى شيء من هذا عندَ/ شرحه.
الحالة الثّانية: الإشارة إلى فَيضِه من الكَثْرة بحيثُ أن يَحصُل استغْناء كلِّ أحد عن أخذ
(١) كذا قال، والذي سيأتي في هذا المعنى لكن في كتاب الاعتصام برقم (٧٣٠٧) هو حديث عبد الله بن
عمرو لا حديث أبي هريرة.
(٢) تحت ((باب ظهور الفتن))، وأول حديث فيه رقمه (٧٠٦١).

١٧٧
باب ٢٥ / ح ٧١٢١
كتاب الفتن
مال غيره، وكان ذلك في آخر عَصْر الصحابة، وأوَّل عَصْر مَن بعدَهم، ومن ثَمَّ قيل: ((يُهِمّ
رَبَّ المال))، وذلك يَنْطَبِقِ على ما وَقَعَ في زمن عمر بن عبد العزيز.
الحالة الثّالثة: فيه الإشارة إلى فَيْضه وحصول الاستغناء لكلِّ أحد حتَّى يَهتَمّ صاحب
المال بكَوْنِهِ لا يَجِد مَن يَقبَل صَدَقَتَه، ويَزْداد بأنَّه يَعرِضه على غيره، ولو كان مَمَّن لا يَسْتَحِقّ
الصَّدَقة، فَيَأْبى أخذَه فيقول: لا حاجة لي فيه، وهذا في زمن عيسى عليه السلام. ويحتمل
أن يكون هذا الأخيرُ خروجَ النار واشتغال الناس بأمرِ الحشْر، فلا يَلتَفِتُ أحد حينئذٍ إِلى
المال، بل يَقْصِد أن يَتَخَفَّف ما استَطاعَ.
قوله: ((وحتَّى يَتَطاولَ الناس في البُنيان)) تقدَّم في كتاب الإيمان (٥٠) من وجه آخَر عن
أبي هريرة في سؤال جِبْريل عن الإيمان قولُه في أشراط السّاعة: ويَتَطاول الناسُ في البُنيان،
وهي من العلامات التي وَقَعَتْ عن قُرْب في زمن النُّبوّة، ومعنى التَّطاوُل في البُنيان أنَّ كلَّا
مَّن كان يَبْني بيتاً يريد أن يكون ارتفاعهُ أعلى من ارتفاع الآخَر، ويحتمل أن يكون المراد
المباهاةَ به في الزِّينة والَّخْرَفة، أو أعمَّ من ذلك، وقد وُچِدَ الکثیر من ذلك وهو في ازدياد.
قوله: ((وحتَّى يَمُرَّ الرجل بقَيْرِ الرجل» تقدَّم شرحه قبلُ بیابین.
قوله: ((وحتَّى تَطلُع الشمس من مغربها)» تقدَّم شرحه في أواخر كتاب الرِّقاق (٦٥٠٦)،
وذكرتُ هناك ما أبداه البيهقيُّ ثمَّ القُرْطُبيّ احتمالاً: أنَّ الَّمَن الذي لا يَنفَع نفساً إيمانُها،
يحتمل أن يكون وقتَ طُلوع الشمس من المغرب، ثمَّ إذا تَمَادَت الأيّامِ وبَعُدَ العَهْدُ بتلكَ
الآية عادَ نَفْعُ الإيمان والتَّوبة، وذكرتُ مَن جَزَمَ بهذا الاحتمال، وبيَّنت أوجُهَ الردّ عليه.
ثمَّ وَقَفْتُ على حديث لعبدِ الله بن عَمْرو ذكر فيه طلوع الشمس من المغرب، وفيه:
فمن يومِئذٍ إلى يوم القيامة ﴿لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَتُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ﴾ الآية [الأنعام: ١٥٨]،
أخرجه الطَّبَرَانيُّ والحاكم (٥٠٠/٤-٥٠١)(١)، وهو نَصِّ في موضع النِّراع، وبالله التَّوفيق.
(١) اللفظ المذكور هو للحاكم، والحديث عند الطبراني في ((الكبير)) برقم (١٤٣٩٤) لكن بنحوه. والحاكم
ساقه من طريق عبد الرزاق، وهو في ((مصنفه)) برقم (٢٠٨١٠).

١٧٨
باب ٢٥ / ح ٧١٢١
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((ولَتقومَنَّ السّاعةُ وقد نَشَرَ الرجلان ثوبهما بينهما فلا يَتَبايعانِهِ ولا يَطْویانِهِ)) وَقَعَ
عندَ مسلم (٢٩٥٤) من رواية سفيان عن أبي الزِّناد: ((ويتبايعان الثَّوب، فلا يتبایعانِه حتَّی
تقوم))، وللبيهقيِّ في ((البَعْث)) من طريق محمَّد بن زياد عن أبي هريرة: ((ولَتقومَنَّ السّاعة
على رجلَينِ قد نَشَرا بينهما ثوباً يَتَبَايعانه، فلا يَتَبايعانه ولا يَطْويانه))(١)، ونِسْبة الثَّوب إليهما
في الرِّواية الأولى باعتبار الحقيقة في أحدهما، والمجاز في الآخَر، لأنَّ أحدهما مالكٌ والآخَر
مُسْتَامٌ.
وقوله في الرواية الأخرى: «یتبایعانِه)) أي: يَتَساومان فيه مالگُه والذي یرید شِراءَه، فلا
يَتِمّ بينهما ذلك من بَغْتَة قيام السّاعة فلا يَتَبايعانِه ولا يَطْويانِه، وعندَ عبد الرَّزّاق (٢٠٨٤٩)
عن مَعمَر عن محمَّد بن زياد عن أبي هريرة رَفَعَه: «إنَّ السّاعة تقوم على الرجلينِ وهما يَنشُران
الثَّوبَ فما يَطْويانِهِ))، ووَقَعَ في حديث عُقْبَةَ بن عامر عندَ الحاكم (٥٣٩/٤) لهذه القصّة وما
بعدَها مُقدِّمة قال: قال رسول الله وَله: («تَطلُع عليكم قبل السّاعة سحابة سوداء من قِبَل
المغرِب مِثْل التُّرس، فما تزال تَرتَفِع حتَّى تَملَأ السماء، ثمَّ ينادي مُنادٍ: يا أيها الناس - ثلاثاً
يقول في الثّالثة -: أتى أمر الله، قال: والذي نفسي بيده إنَّ الرجلينِ لَيَنشُران الثَّوب بينهما فما
يَطْويانه)) الحديث(٢).
قوله: ((ولَتقومَنَّ السّاعةُ وهو)) أي: الرجل.
قوله: ((يَلِيطَ حَوْضَه)) بفتح أوَّله من الثَّلاثيّ وبضمِّه من الرُّباعيّ، والمعنى: يُصلِحِه بالطّينِ
والمَدَر فيَسُدُّ شُقوقه لِيَمْلأه ويَسْقِيَ منه دَوابَّه، يُقال: لاطَ الحوضَ يَلِيطه: إذا أصلَحَه بالمَدَرِ
ونحوه، ومنه قيل: اللّائطُ لمن يفعل الفاحشة، وجاءَ في مُضارِعه: يَلُوط، تَفِرِقَةً بينَه وبينَ
(١) وأخرجه من هذا الطريق أيضاً ابن حبان في ((صحيحه)) (٦٨٤٦).
(٢) وأخرجه أيضاً بالإسناد نفسه الطبراني في ((الكبير)) ١٧/ (٨٩٩)، وصحح الحاكم إسناده على شرط
مسلم، فأخطأ، فإن في إسناد محمد بن عبد الله مولى المغيرة لم يخرج له مسلم شيئاً وهو مجهول فالإسناد
ضعيف، وفيه أيضاً أبو بكر بن عياش وقد روى له مسلم في مقدمة ((صحيحه)) ولم يرو له شيئاً في
((الصحيح)) فليس من شرطه. وأخرجه أيضاً ابن أبي الدنيا في ((الأهوال)) (٢٥) بإسناد آخر لكن فيه
محمد بن عمر الواقدي، وهو متروك الحديث.

١٧٩
باب ٢٥ / ح ٧١٢١
كتاب الفتن
الحوض، وحكى القَزّاز في الحوض أيضاً: يَلُوط، والأصل في اللَّوْط: اللَّصوق، ومنه: كان
عمر يليط أهلَ الجاهليّة بمَن ادَّعاهم في الإسلام(١)، كذا قال، والذي يَتَبَادَر أنَّ فاعل
الفاحشة نُسِبَ إلى قوم لوط، والله أعلم.
ووَقَعَ في حديث عُقْبةَ بن عامر المذكور: ((وإنَّ الرجل لَيَمدُر حوضَه فما يَسْقي فيه
شيئاً)، وفي حديث عبد الله بن عَمْرو عند الحاكم/ (٥٤٣/٤-٥٤٤) وأصله في مسلم (٢٩٤٠): ٨٩/١٣
(ثُمَّ يُنْفَخ في الصّور، فيكون أوَّلَ مَن يسمعه رجل يَلُوط حوضه فيَصْعَق)»، ففي هذا بيان
السَّبب في كَوْنه لا يَسْقي من حوضه شيئاً، ووَقَعَ عند مسلم (٢٩٥٤): ((والرجل يَليط في
حوضه فما يَصدُر - أي: يَفْرُغ أو يَنفَصِل عنه - حتَّى تقوم)).
قوله: ((فلا يُسْقَى فيه)) أي: تقوم القيامة من قبل أن يُستَقَى منه.
قوله: ((ولَتقومَنَّ السّاعة وقد رَفَعَ أُكْلَتَه)) بالضَّمّ، أي: لُقْمَته إلى فيه «فلا يَطْعَمُها)) أي:
تقوم السّاعة من قبل أن يَضَعِ لُقْمتَه في فيه، أو من قبل أن يَمْضَغها، أو من قبل أن يَبْتَلِعها،
وقد أخرجه البيهقيُّ في ((البَعْث)) من طريق محمَّد بن زياد عن أبي هريرة رَفَعَه: ((تقوم السّاعة
على رجل أُكْلتُه في فيه يَلُوكها فلا يُسيغها ولا يَلْفِظها))(٢)، وهذا يُؤيِّد الاحتمال الأخير،
وتقدَّم في أواخر كتاب الرِّقاق في ((باب طلوع الشمس من مَغرِبها)) (٦٥٠٦) بسندٍ حديث
الباب طَرَفٌ منه، وهو من قوله: ((لا تقوم السّاعة حتَّى تَطلُع الشمس من مَغرِبها)) وذكر
بعدَه: ((وَلَتقومَنَّ السّاعة وقد نَشَرَ الرجلان ثوبَهما)، وبعدَه: ((ولَتقومَنَّ السّاعة وقد انصَرَفَ
الرجل بَبَنِ لِقْحَته فلا يَطْعَمُه))، وبعدَه: ((ولَتقومَنَّ السّاعة وهو يَليط حوضَه))، وبعدَه:
((وَلَتقومَنَّ السّاعة وقد رَفَعَ أُكْلَتَه)) فزاد واحدةً وهي الحَلْب، وما أدري لمَ حَذَفَها هنا مع
أنَّه أورَدَ الحديث هنا بتمامه إلّ هذه الجملة، وقد أورَدَها الطَّبَرانيُّ(٣) في جملة الحديث على
(١) أخرجه مالك في ((الموطأ)) ٢/ ٧٤٠ عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار: أن عمر بن الخطاب كان
يليط أولادَ الجاهلية بمن ادّعاهم في الإسلام، ورجاله ثقات إلا أن سليمان بن يسار لم يدرك عمر.
(٢) وأخرجه أيضاً من هذا الطريق ابنُ أبي حاتم في «تفسيره)) ٤/ ١٢٨٠، وإسناده قوي.
(٣) في ((مسند الشاميين)) برقم (٣٢٣٧).

١٨٠
باب ٢٥ / ح ٧١٢١
فتح الباري بشرح البخاري
التَّفصيل الذي ذكرتُه في أوَّل الكلام على هذا الحديث، ثمَّ وجدتُها ثابتة في الأصل في رواية
كَرِيمة والأَصِيلِيِّ وسَقَطَتْ لأبي ذرٍّ والقاِسيّ.
وقد أخرجه البيهقيُّ(١) من رواية بِشْر بن شُعَيب عن أبيه بلفظ: ((بَبَنِ لِقْحَته من تحتها
لا يَطْعَمه)) وأخرج معه الثَّلاثة الأُخرى. واللَّقْحة، بكسر اللّام وسكون القاف بعدَها مُهمَلة:
الناقة ذات الدَّرّ، وهي إذا نُتِجَتْ: لَقُوح شهرَينٍ أو ثلاثة، ثمَّ لَبُون، وهذا كلّه إشارة إلى أنَّ
القيامة تقوم بَغْتَةً، وأسرعُها رفعُ اللَّقْمة إلى الفم.
وقد أخرج مسلم (٢٩٥٤) منه في آخر كتاب الفتن هذه الأُمور الأربعة إلّا رَفْعَ اللُّقْمة
من طريق سفيان بن عُيَينةَ عن أبي الزناد بسندِه هذا، ولفظه: ((تقوم السّاعة والرجل يَحَلُب
اللِّقْحة فما يَصِلُ الإناء إلى فيهِ حتَّى تقوم، والرجلان يتبايعان الثَّوب، والرجل يَلِيط في
حوضه)) وقد ذكرتُ لفظه فيهما.
وقد جاءَ في حديث عبد الله بن عَمْرو ما يُعرَف منه المراد من الثَّمثيل بصاحبٍ
الحوض، ولفظه: ((ثمَّ يُنْفَخ في الصّور فلا يسمعه أحد إلّا أصغَى، وأوَّل مَن يسمعه رجل
يَلُوط حوضَ إبله فيَصْعَق)) أخرجه مسلم (٢٩٤٠)، وأخرج ابن ماجَهْ (٤٠٨١) وأحمد
(٣٥٥٦) وصَحَّحَه الحاكم (٤٨٨/٤-٤٨٩ و٥٤٥) عن ابن مسعود قال: لمَّا كان ليلة
أُسْريَ برسولِ الله ◌ِ لَهَ لَقِيَ إبراهيمَ وموسى وعيسى فتذاكَروا السّاعة، فبدؤوا بإبراهيمَ
فسَألوه عنها، فلم يكن عندَه منها عِلْم، ثمَّ سَألوا موسى فلم يكن عندَه منها عِلم، فُرُدَّ
الحديث إلى عيسى فقال: قد عُهِدَ إليَّ فيما دونَ وَجْبَتها، فأمّا وَجْبَتها فلا يَعلَمها إلّا الله،
فذكر خروجَ الدَّجّال، قال: فَأُنزَلُ إليه فأقتله، ثمَّ ذكر خروج يأجوج ومأجوج، ثمَّ دعاءَه
بموتِهِم، ثمَّ بإرسالِ المطر، فيُلْقي جِيَقهم في البحر، ثمَّ تُنسَف الجبال وتُمَدّ الأرض مَدَّ
الأديم، فعُهِدَ إليَّ إذا كان ذلك كانت السّاعة من الناس كالحاملِ المُتِمّ، لا يَدْري أهلُها
متی تَفْجَؤُهم بوِلادَتِها ليلاً كان أو نهاراً(٢).
(١) وأخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٢٥٥).
(٢) وفي إسناده ضعفٌ.