النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
باب ٢١ / ح ٧١١١
كتاب الفتن
قوله: ((حَشَمَه)) بفتح المهمَلة ثمَّ المعجَمة، قال ابن التِّين: الحَشَمة: العَصَبة، والمراد هنا:
خَدَمُه ومَن يَغْضَب له. وفي رواية صَخْر بن جُوَيْرية عن نافع عندَ أحمد (٥٠٨٨ و٥٧٠٩):
لمَّا خَلَعَ الناسُ يزيد بن معاوية، جَمَعَ ابنُ عمر بَنِيهِ وأهله ثمَّ تَشَهَّدَ ثمَّ قال: أمّا بَعْدُ.
قوله: ((يُنصَب لكلِّ غادرٍ لواءٌ يومَ القيامة)) زاد في رواية مُؤمَّل: «بقَدْرِ غَدْرته»، وزاد في
رواية صَخْر: ((يقال: هذه غَدْرة فلان)) أي: علامة غَدْرته، والمراد بذلك شُهْرَتُه، وأن
يَفْتَضِحَ بذلك على رؤوس الأشهاد. وفيه تعظيم الغَدْر سواء كان من قِبَل الآمِر أو المأمور،
وهذا القَدْر هو المرفوع من هذه القصَّة، وقد تقدَّم معناه في ((باب إثم الغادر للبَرِّ والفاجِر))
(٣١٨٦) في أواخر كتاب الجِزْية والموادَعة قُبَيَلَ بَدْء الخلق.
قوله: ((على بَيْعِ الله ورسوله)) أي: على شَرْط ما أمَرَ اللهُ ورسولُه به من بَيْعة الإمام،
وذلك أنَّ مَن بايعَ أميراً فقد أعطاه الطّاعة، وأخَذَ منه العَطيّة، فكان شَبِيهَ مَن باعَ سِلْعة
وأخَذَ ثَمَنَها، وقيل: إنَّ أصله أنَّ العرب كانت إذا تَبايعَتْ تَصافَقَتْ بالأكُفِّ عندَ العَقْد،
وكذا كانوا يفعلونَ إذا تَحَالَفوا، فسَمَّوْا مُعاهَدة الوُلاة والتّماسك فيه بالأيدي بَيعةً. ووَقَعَ
في رواية مُؤمَّل وصَخْر: ((على بَيْعة الله))، وقد أخرج مسلم (١٨٤٤) من حديث عبد الله بن
عَمْرو رَفَعَه: ((مَن بايعَ إماماً فأعطاه صَفْقَةَ يده وثَمَرةَ قلبه، فلْيُطِعْه ما استَطاعَ، فإنْ جاءَ
أحد يُنازِعه فاضْرِبوا عُنُقُ الآخَرِ)).
قوله: ((ولا غَدْرَ أعظَمُ)) في رواية صَخْر بن جُوَيْرية عن نافع المذكورة: وإنَّ من أعظَم
الغَدْرِ بعدَ الإشراك بالله، أن يُبَايِعَ رجلٌ رجلاً على بَيْعِ الله ثمَّ يَنكُث بَيْعتَه.
قوله: ((ثُمَّ يَنصِب له القتالَ)) بفتح أوَّله، وفي رواية مُؤْمَّل: نَصَبَ له يقاتله.
١
قوله: ((خَلَعَه)) في رواية مُؤْمَّل: خَلَعَ يزيدَ، وزاد: أو خَفَّ في هذا الأمر، وفي رواية
صَخْر بن جُوَيْرية: فلا يَخْلَعَنَّ أحد منكم يزيد، ولا يَسْعَى في هذا الأمر.
قوله: ((ولا تابَعَ في هذا الأمر)) كذا للأكثر بمُئنّةٍ فوقانيّة ثمَّ موحّدة، وللُشمِیھَنيّ
بموحّدةٍ ثمَّ تحتانیّة.

١٤٢
باب ٢١ / ح ٧١١٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((إلّا كانت الفَيْصَلَ بيني وبينَه)) أي: القاطِعة، وهي فَيْعَل من فَصَلَ الشَّيءَ: إذا
قَطَعَه، وفي رواية مُؤْمَّل: فيكون الفَيْصَل فيما بيني وبينَه، وفي رواية صَخْر بن جُوَيْرية: فيكون
صَيْلَاً بيني وبينَه؛ والصَّيلَم، بمُهمَلٍ مفتوحة وياءٍ آخرَ الحروف ثمَّ لام مفتوحة: القَطيعة.
وفي هذا الحديث وجوبُ طاعة الإمام الذي انعَقَدَتْ له البيعةُ، والمنع من الخروج
٧٢/١٣ عليه ولو / جارَ في حُكْمِه، وأنَّه لا يَنْخَلِعِ بالفِسْق، وقد وَقَعَ في نُسْخة شُعَيب بن أبي حمزة
عن الزُّهْريّ عن حمزة بن عبد الله بن عمر عن أبيه في قصَّة الرجل الذي سَألَه عن قول الله
تعالى: ﴿وَإِن طَيِفَنَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ آَقْنَتَلُواْ﴾ الآية [الحجرات: ٩] أنَّ ابن عمر قال: ما وَجَدتُ
في نفسي في شيء من أمر هذه الأُمّة، ما وَجَدتُ في نفسي أنّي لم أُقاتل هذه الفِئةَ الباغية كما
أمَرَ الله، زاد يعقوب بن سفيان في ((تاريخه)) من وجه آخَرَ عن الزُّهْريّ: قال حمزة: فقلنا له:
ومَن تَرَى الفئة الباغية؟ قال: ابن الزُّبَيرِ بَغَى على هؤلاءِ القوم - يعني بني أمّة - فأخرجهم
من ديارهم ونَکَثَ عَهْدَهم(١).
الحديث الثاني:
٧١١٢ - حدّثنا أحمدُ بنُ يونُسَ، حدَّثنا أبو شِهابٍ، عن عَوْفٍ، عن أبي المِنْهال، قال: لمَّا
كان ابنُ زيادٍ ومروانُ بالشَّامِ وَثَبَ ابنُ الزُّبَيرِ بمكّةَ، وَتَبَ القُرَّاءُ بالبَصْرةِ، فانطَلَقْتُ مع أَبي
إلى أبي بَرْزَ الأسلَميِّ، حتَّى دَخَلْنا عليه في داره وهو جالسٌ في ظِلِّ عُلِّيّةٍ له مِن قَصَبٍ،
فجَلَسْنا إليه، فأنشَأْ أَبي يَستطْعِمُه الحديثَ، فقال: يا أبا بَرْزةَ، ألا تَرَى ما وَقَعَ فيه الناسُ؟ فأَوَّلُ
شيءٍ سمعتُه تَكلَّمَ به: إنّ احْتَسَبْتُ عندَ الله أَنّي أصبَحْتُ ساخطاً على أحياءِ قُرَيشٍ، إِنَّكم يا مَعْشَرَ
العربِ كنتُم على الحال الذي عَلِمْتُم منَ الذُّلّةِ والقِلّةِ والضَّلالةِ، وإنَّ الله أنقَذَكم بالإسلامِ
وبمحمَّدٍ وَّةٍ، حَتَّى بَلَغَ بكم ما تَرَوْنَ، وهذه الدُّنيا التي أفسَدَتْ بينكم، إنَّ ذاكَ الذي بالشَّام
والله إنْ يُقاتِلُ إلّا على الدُّنيا، وإنَّ هؤلاءِ الذين بينَ أظهُرِكم والله إن يُقاتِلونَ إلّا على دُنيا، وإنَّ
ذلك الذي بمكّة والله إن يُقاتِلُ إلّا على الدُّنيا.
[طرفه في: ٧٢٧١]
(١) وأخرجها من طريقه البيهقي في ((السنن الكبرى)) ١٧٢/٨.

١٤٣
باب ٢١ / ح ٧١١٢
كتاب الفتن
قوله: ((أبو شِهاب)) هو عبد رَبِّه بن نافع، وعَوْف: هو الأعرابيّ، والسَّند كلّه بصريُّونَ
إلّ ابن يونس، وأبو المِنْهال: هو سَيّار بن سَلَامة.
قوله: ((لما كان ابنُ زياد ومروان بالشّامِ وَثَبَ ابنُ الزُّبَير بمكّةَ، وَثَبَ القُرَّاءُ بالبَصْرَةِ»
ظاهره أنَّ وُثوب ابن الزُّبَيرِ وَقَعَ بعد قيام ابن زياد ومروان بالشّام، وليس كذلك، وإنَّما
وَقَعَ في الكلامِ حَذْف، وتحريره ما وَقَعَ عندَ الإسماعيليّ من طريق يزيد بن زُرَيعِ عن عَوْف
قال: حدَّثنا أبو المِنْهال قال: لمَّا كان زمن أُخرِجَ ابن زياد - يعني: من البصرة - وَثَبَ مروان
بالشّام، ووَثَبَ ابن الزُّبَيرِ بمكّةَ، ووَثَبَ الذينَ يُدْعَوْنَ القُرّاءِ بالبصرة، غُمَّ أَبِي غَماً شديداً.
وكذا أخرجه يعقوب بن سفيان في ((تاريخه))(١) من طريق عبد الله بن المبارك عن عَوْف
ولفظه: وَثَبَ مروانُ بالشّامِ حيثُ وَثَبَ، والباقي مِثْلِه، ويُصحِّح ما وَقَعَ في رواية أبي
شِهاب بأنْ تُزادَ واو قبلَ قوله: وَثَبَ ابن الزُّبَير، فإنَّ ابن زياد لمَّا أُخرِجَ من البصرة تَوجَّهَ
إلى الشّام فقام مع مروان.
وقد ذكر الطَّبَرِيُّ بأسانيدِه ما ملخَّصُه: أنَّ عُبيد الله بن زياد كان أميراً بالبصرةِ ليزيدَ
ابن معاوية، وأنَّه لمَّا بَلَغَتْه وفاته خَطَبَ لأهلِ البصرة وذكر ما وَقَعَ من الاختلاف بالشّام،
فَرَضِيَ أهل البصرة أن يَسْتَمِرّ أميراً عليهم حتَّى يَجتَمِع الناس على خليفة، فمَكَثَ على ذلك
قليلاً، ثمَّ قامَ سَلَمة بن ذُؤَيْب بن عبد الله اليَرَبُوعيُّ يَدْعو إلى ابن الزُّبَيرِ فبايعَه جماعة، فَبَلَغَ
ذلك ابنَ زياد وأرادَ منهم كَفَّ سَلَمة عن ذلك فلم يُجيبوه، فلمَّا خَشِيَ على نفسه القتل
استَجارَ بالحارثِ بن قيس بن صُهْبان(٢)، فأردَفَه ليلاً إلى أن أتى به مسعودَ بن عَمْرو بن
عَديّ الأزديَّ فأجارَه، ثمَّ وَقَعَ بينَ أهل البصرة اختلاف فأمَّروا عليهم عبدَ الله بن الحارث بن
نَوْفَل بن الحارث بن عبد المطَّلِب الملَقَّب بَيَّة - بموحَّدتَينِ الثّانية ثقيلة - وأُمّه مِنْد بنت أبي
سفيان، ووَقَعَتِ الحربُ وقامَ مسعود بأمرِ عُبيد الله بن زياد، فقُتِلَ مسعود وهو على المِنْبَر
في شوَّال سنة أربع وستّين، فبَلَغَ ذلك عُبيدَ الله بن زيادٍ فَهَرَبَ، فَتَبِعِوَه وانتَهَبُوا ما وَجَدُوا له،
(١) وأخرجه من طريقه البيهقيُّ في ((سننه)) ١٩٣/٨.
(٢) تحرف في (س) إلى: سفيان، والتصويب من الأصلين و((تاريخ الطبري)) ٥٠٩/٥.

١٤٤
باب ٢١ / ح ٧١١٢
فتح الباري بشرح البخاري
وكان مسعود رَتَّبَ معه مئة نفس يَحرُسونَه، فقَدِموا به الشّام قبلَ أن يُبرِموا أمرهم، فوجدوا
مروان قد هَمَّ أن يَرْحَلَ إلى ابن الزُّبَيرِ لِيُبَايِعَه ويَستَأْمِنَ لبني أُميّة، فَثَنَى رأيُه عن ذلك، وَمَعَ
مَن كان يَهْوى بني أُميّة وتَوجَّهوا إلى دمشق، وقد بايعَ الضَّحّاكُ بن قيس بها لابنِ الزُّبَير، وكذا
النُّعْمان بن بَشِير بحِمْص، وكذا ناتل - بنونٍ ومُثنّة - بن قيس بفِلَسطين، ولم يَبْقَ على رأي
الأُمَوّينَ إلّا حسَّانَ بن بَحْدَل - بموخَّدةٍ ومُهمَلة وزن جعفر - وهو خال يزيد بن معاوية،
وهو بالأُردُنِّ فِيمَن أطاعَه، فكانت الوَقْعةُ بينَ مروان ومَن معه وبينَ الضَّحّاك بن قيس بمَرْجِ
راهط، فَقُتِلَ الضَّحّاكِ وتَفرَّقَ جمعُه وبايعوا حينَذٍ مروان بالخِلافة في ذي القَعْدة منها.
وقال أبو زُرْعة الدِّمَشْقيّ في ((تاريخه)) (١/ ١٩١ و١٩٢): حدَّثنا أبو مُسْهِر عبد الأعلى
ابن مُسْهِر قال: بُویعَ لمروان بن الحكم، بایعَ له أهل الأُردُنّ وطائفة من أهل دمشق، وسائر
الناس زُبَيْريّونَ، ثمَّ اقتَلَ مروان وشِيعةُ(١) ابن الزُّبَير بمَرْجِ راهط، فغَلَبَ مروانُ وصارتْ
له الشّام ومِصْر، وكانت مُدَّته تسعة أشهر فهَلَكَ بدمشقَ وعَهِدَ لعبدِ الملِك.
٧٣/١٣
وقال خليفة بن خَيّاط في ((تاريخه)): حدَّثنا الوليد بن هشام عن أبيه عن / جَدّه، وأبو اليَقْظان
وغيرهما قالوا: قَدِمَ ابنُ زياد الشّام، وقد بايعوا ابنَ الزُّبَير ما خَلا أهل الجابية، ثمَّ ساروا إلى مَرْج
راهط، فذكر نحوه، وهذا يَدْفَع ما تقدَّم عن ابن بَطّال: أنَّ ابن الزُّبَير بايعَ مروان ثمَّ نَکَثَ.
قوله: (ووَنَبَ القُرّاءُ بالبَصْرةِ» یرید الخوارج، وكانوا قد ثاروا بالبصرةِ بعدَ خروج ابن
زياد ورئيسهم نافع بن الأزرق، ثمَّ خَرَجوا إلى الأهواز، وقد استَوْفَى خبرَهم الطَّبَرِيُّ
وغيره، ويُقال: إنَّه أرادَ الذينَ بايعوا على قتال مَن قتل الحسين، وساروا مع سليمان بن صُرَد
وغيره من البصرة إلى جهة الشّام، فَلَقِيَهم عُبيد الله بن زياد في جيش الشّام من قِبَل مروان،
فَقُتِلوا بعينِ الوَرْدة، وقد قَصَّ قِصَّتَهم الطَّريُّ وغيره.
قوله: ((فانطَلَقْتُ مع أَبي إلى أبي بَرْزة الأسلَميِّ)) في رواية يزيد بن زُرَيعٍ: فقال لي أَبي
وكان يُثْني عليه خيراً: انطَلِقْ بنا إلى هذا الرجل من أصحاب رسول الله وَلَه إلى أبي بَرْزة
الأسلَميّ، فانطَلَقتُ معه حتَّى دَخَلْنا عليه، وفي رواية عبد الله بن المبارَك عن عَوْف: فقال
(١) تحرَّف في (أ) و(س) إلى: وشعبة، وفي (ع) إلى: وتبعه، والتصويب من ((تاريخ أبي زرعة)).

١٤٥
باب ٢١ / ح ٧١١٢
كتاب الفتن
أبي: انطَلِقْ بنا لا أبا لك إلى هذا الرجل من أصحاب رسول الله وَّه إلى أبي بَرْزة، وعندَ
يعقوب بن سفيان عن سُكَيْن(١) بن عبد العزيز عن أبيه عن أبي المِنْهال قال: دَخَلتُ مع أَبي
على أبي بَرْزة الأسلميّ، وإنَّ في أُذُنيَّ يومَئذٍ لِقُرْطَين، وإنّي لَغلامٌ.
قوله: ((في ظِلّ عُلِّيّة له من قَصَب)) زاد في رواية يزيد بن زُرَيِع: في يوم حارٍّ شديد الحرّ،
والعُلِّيّة بضمِّ المهمَلة وبكسرها وكسر اللّام وتشديد التَّحتانيّة: هي الغُرْفَةُ، وجمعها: عَلَالِّ،
والأصل: عُلِّيوَة، فأُبدِلَت الواو ياءَ وأُدْغِمَت، وفي رواية ابن المبارك: في ظِلّ عُلوٍ له (٢).
قوله: ((يَستطْعِمه الحديثَ)) في رواية الكُشمِيهَنيّ: بالحديث، أي: يَستَفْتِحُ الحديث،
ويَطلُب منه التَّحديث.
قوله: «إنّ احتسبتُ عندَ الله)) في رواية الگُشمِیھنیّ: أحتَسِبُ، و کذا في روایة یزید بن
زُرَيع، ومعناه: أنَّه يَطلُب بسُخْطِه على الطَّوائفِ المذكورينَ من الله الأجرَ على ذلك؛ لأنَّ
الحُبّ في الله والبغض في الله من الإيمان.
قوله: ((ساخطاً)) في روايةٍ سُكَين: لائماً.
قوله: ((إنَّكم يا مَعشَرَ العرب)» في رواية ابن المبارك: العُرَيب.
قوله: ((كنتُم على الحال الذي عَلَمْتُم)) في رواية يزيد بن زُرَيع: على الحال التي كنتم عليها
في جاهليّگُم.
قوله: ((وإنَّ الله قد أنقَذَكم بالإسلامِ وبمحمَّدٍ)) عليه أفضل الصلاة وأتمّ السلام، في
رواية يزيد بن زُرَيِعٍ: وإِنَّ الله نَعَشَكم، بفتح النُّون والمهمَلة ثمَّ مُعجَمة، وسيأتي في أوائل
الاعتصام (٧٢٧١) من رواية مُعتَمِر بن سليمان عن عَوْف أنَّ أبا المِنْهال حدَّثه أنَّه سَمِعَ أبا
بَرزةَ قال: إنَّ الله يُغنِيكم، قال أبو عبد الله - هو البخاريّ -: وَقَعَ هنا: يُغْنيكم - يعني: بضمِّ
أوَّله وسكون المعجَمة بعدَها نون مكسورة ثمَّ تحتانيّة ساكنة - قال: وإنَّما هو ((نَعَشَكم))،
(١) تحرف في الأصلين إلى: مسكين، بزيادة ميم في أوله.
(٢) تصحف قوله: ((علو له)) في (س) إلى: علولة.

١٤٦
باب ٢١ / ح ٧١١٣
فتح الباري بشرح البخاري
يُنظَر في أصل الاعتصام؛ كذا وَقَعَ عندَ المُستَمْلي، ووَقَعَ عندَ ابن السَّكَن: (نَعَشَكم)) على
الصَّواب، ومعنى نَعَشَكُم: رَفَعَكم، وَزْنَه ومعناه، وقيل: عَضَّدَكم وقَوّاكُم.
قوله: «إنَّ ذاك الذي بالشّام» زاد یزید بن زُریع: یعني مروان، وفي رواية سُكَين:
عبد الملك بن مروان، والأوَّل أولى.
قوله: ((وإنَّ هؤلاءِ الذينَ بينَ أظهُرِكم)» في رواية يزيد بن زُرَيعِ وابن المبارك نحوه: إنَّ
الذينَ حَوْلَكم الذینَ تَزْعُمونَ أنَّهم قُراؤكم، وفي رواية سُگین: وذكر نافع بن الأزرق، وزاد
في آخرِهِ: فقال أَبي: فما تأمُرني إذاً؟ فإنّ لا أراك تَرَكْتَ أحداً، قال: لا أرَى خير الناس
اليوم إلّا عِصابةً خماصَ البُطون من أموال الناس، خِفافَ الظُّهور من دمائهم، وفي رواية
سُكَين: إنَّ أحَبّ الناس إليَّ لهذه العِصابةُ الخَمِصة بُطوئُهم من أموال الناس، الخفيفةُ
ظُهورُهم من دِمائهم. وهذا يَدُلّ على أنَّ أبا بَرْزة كان يَرَى الانعِزال في الفِتْنة وتركَ
الدُّخول في شيءٍ(١) من قتال المسلمين، ولا سيّما إذا كان ذلك في طلب المُلْك.
وفيه استِشارةُ أهل العِلم والدّين عندَ نزول الفتن، وبَذْل العالم النَّصيحةَ لمن يستشيره،
وفيه الاكتِفاءُ في إنكار المنكر بالقول ولو في غَيْبة مَن يُنكِرِ عليه، ليَتَّعِظَ مَن يسمعه فيَحذَرَ
٧٤/١٣ من / الوقوع فيه.
قوله: ((وإنَّ ذاكَ الذي بمكّةَ)) زاد يزيد بن زُرَيع: يعني ابن الزُّبَير.
الحديث الثالث:
٧١١٣ - حدَّثنا آدمُ بنُ أبي إياسٍ، حدَّنا شُعْبةُ، عن واصلِ الأحدَبِ، عن أبي وائلٍ، عن
حُذَيفَةَ بنِ اليَمَان، قال: إنَّ المنافِقِينَ اليومَ شَرٌّ منهم على عَهْدِ النبيِّ وَِّ، كانوا يومَئذٍ يُسِرُّونَ،
واليومَ يَجِهَرونَ.
قوله: ((عن واصلِ الأحدَب)) هو ابن حَيّان، بمُهمَلةٍ ثمَّ تحتانيّة ثقيلة، أسَديّ کوفيّ،
يُقال له: بَيّاعِ السَّابِرِيّ، بمُهمَلةٍ وموخَّدة، من طَبَقَة الأعمَش، ولكنَّه قديم الموت.
(١) في (ع) و(س): في كل شيء، والمثبت من (أ) بإسقاط ((كل))، وهو أَوجَهُ.

١٤٧
باب ٢١ / ح ٧١١٣ -٧١١٤
كتاب الفتن
قوله: ((إنَّ المنافقينَ اليوم شَرّ منهم)) في رواية إبراهيم بن الحسين عن آدم شيخ البخاريّ
فيه: إنَّ المنافقينَ اليوم شَرّ منهم، أخرجه أبو نُعيمٍ.
قوله: ((على عَهْد رسول الله ◌ِّ) قال الكِرْ مانيُّ: هو مُتَعلِّق بمُقدَّرٍ نحو: ناسٍ، إذ لا يجوز أن
يُقال: إنَّه مُتعلِّق بالضَّميرِ القائم مَقامَ المنافقين، لأنَّ الضَّمير لا يعمل.
قال ابن بَطّل: إنَّما كانوا شَرّاً ممَّن قبلهم، لأنَّ الماضينَ كانوا يُسِرّونَ قولَهم فلا يَتَعدَّى
شَرُّهم إلى غيرهم، وأمّا الآخَرونَ فصاروا يَجْهَرونَ بالخروج على الأئمّة، ويُوقِعونَ الشّ
بينَ الفِرَق، فَيَتَعدَّى ضَرَرُهم لغيرِهم. قال: ومُطابقته للتَّرجمةِ من جهة أنَّ جَهْرهم بالنِّفاق،
وشَهْر السِّلاح على الناس، هو القول بخِلاف ما بَذَلوه من الطّاعة حينَ بايعوا أوَّلاً مَن
خرجوا علیه آخِراً، انتهى.
وقال ابن التِّين: أرادَ أنَّهم أظهَروا من الشّ ما لم يُظهِرْ أولئكَ، غير أنَّهم لم يُصرِّحوا
بالكفر، وإنَّما هو النَّفْث يُلقُونَه بأفواههم فكانوا يُعرَفونَ به. كذا قال، ويَشهَد لما قال ابنُ
بَطّال ما أخرجه البزَّار (٢٩٠٠) من طريق عاصم عن أبي وائل: قلت لخُذَيفةَ: النِّفاق اليومَ
شَرّ أم على عَهْد رسول الله وَّهَ؟ قال: فَضَرَبَ بَيَدِه على جَبْهَته وقال: أوَّه، هو اليومَ ظاهر،
إنَّهم كانوا يَستَخْفونَ على عَهْد رسول الله وَلهُ.
الحديث الرابع:
٧١١٤- حدَّثْنَا خَلَادٌ، حدَّثْنا مِسعَرٌ، عن حَبِيبٍ بنِ أبي ثابتٍ، عن أبي الشَّعْثاءِ، عن
حُذَيفةَ، قال: إنَّما كان النِّفَاقُ على عَهْدِ النبيِّ وَّةِ، فَأمّا اليومَ فإنَّما هو الكفرُ بعدَ الإيمانِ.
قوله: ((عن أبي الشَّعْثاء)) هو بفتح المعجَمة وسكون المهملة بعدَها مُثلَّثة، واسمه سُلَیم
ابن أسود المحاربيُّ.
قوله: ((عن حُذَيفة)) لم أرَ لأبي الشَّعْثاء عن حُذَيفة في الكتب السِّة إلّا هذا الحديث، ولم
أَرَه إلّا مُعَنعَناً، وكأنَّه تَسَمَّحَ فيه لأنَّه بمعنى حديث زيد بن وَهْب عن حُذَيفة، وهو المذكور
قبلَه، أو ثَبَتَ عندَه لُفِيَّه حُذَيفةَ في غير هذا.

١٤٨
باب ٢٢ / ح ٧١١٥
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((إنّما كان النِّفاق» أي: موجوداً على عهد رسول الله ێے، وفي روایة یحیی بن آدم
عن مِسعَر عندَ الإسماعيليّ: كان المنافقونَ على عَهْد رسول الله وَ له.
قوله: ((فأما اليوم فإنَّما هو الكفرُ بعدَ الإيمان)) كذا للأكثر، وفي رواية: فإنَّما هو الكفر أو
الإيمان، وكذا حكى الحُميديُّ في ((جمعه)) أنَّهما روايتان، وأخرجه الإسماعيليّ من طرق عن
مِسعَر: فإنَّما هو اليوم الكفرُ بعدَ الإيمان، قال: وزاد محمَّد بن بِشْر في روايته عن مِسعَر:
فَضَحِكَ عبد الله، قال حبيب: فقلت لأبي الشَّعْثاء: مِمَّ ضَحِكَ عبد الله؟ قال: لا أدري.
قلت: لعلَّه عَرَفَ مُرادَه فتَبَسَّمَ تَعَجُّباً من حِفْظه أو فَهْمه.
قال ابن التِّين: كان المنافقونَ على عَهْد رسول الله وَ لَآمنوا بالْسِنَتِهِم ولم تُؤمِن قلوبهم،
وأمّا مَن جاءَ بعدَهم، فإنَّه وُلِدَ في الإسلام وعلى فِطْرته، فمَن كَفَرَ منهم فهو مُرتَدٌ، ولذلك
اختَلَفَتْ أحكامُ المنافقينَ والمرتَدّينَ، انتهى.
والذي يَظْهَرِ أنَّ حُذَيفة لم يُرِدْ نَفْيَ الوقوع، وإنَّما أرادَ نَفْي اتَّفاق الْحُكْم، لأنَّ النِّفاق
إظهارُ الإيمان وإخفاءُ الكفر، ووجود ذلك تُمكِن في كلّ عَصْر، وإنَّما اختَلَفَ الحُكْم لأنَّ النبيّ
وَالثّ كان يَتَأَلَّفهم ويَقبَل ما أظهَروه من الإسلام، ولو ظَهَرَ منهم احتمالُ خِلَافه، وأمّا بعدَه فمَن
أظهَرَ شيئاً فإنَّه يُؤاخَذ به ولا يُترَك لمصلحة التَّالَّف لعَدَم الاحتياج إلى ذلك، وقيل: غَرَضُه أنَّ
الخروج عن طاعة الإمام جاهليّةٌ ولا جاهليّةَ في الإسلام، أو تفريق للجماعةِ فهو بخلاف قول
الله تعالى: ﴿وَلَا تَفَرَّقُواْ﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وكلّ ذلك غير مستور فهو كالكفرِ بعدَ الإيمان.
٢٢ - بابٌ لا تقومُ السّاعةُ حتَّى يُغبَطَ أهلُ القُبورِ
٧١١٥ - حدَّثنا إسماعيلُ، حدَّثني مالكٌ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هُرَيرةَ، عن
٧٥/١٣ النبيِّ وَّة، / قال: ((لا تقومُ السّاعةُ حتَّى يَمُزَّ الرجلُ بقَبْرِ الرجلِ، فيقولُ: يا لَيْتَني مكانَه)).
قوله: ((بابٌ لا تقوم السّاعة حتَّى يُغبَط أهل القُبور)) بضمٌ أوَّله وفتح ثالثه على البناء
للمجهولِ بغَيْنِ مُعجَمة ثمَّ موخَّدة ثمَّ مُهمَلة، قال ابن التِّين: غَبَطَه بالفتحِ، يَغِطه بالكسر،
غَبْطاً وغِبْطة بالسُّكون، والغِيْطة: تَنِّي مِثْلِ حال المغبوط مع بقائها له.

١٤٩
باب ٢٢ / ح ٧١١٥
كتاب الفتن
قوله: ((حدَّثنا إسماعيل)) هو ابن أبي(١) أُويسٍ.
قوله: ((عن أبي الزِّناد)) وافَقَ مالكاً شُعَيبُ بن أبي حمزة عنه كما سيأتي بعدَ بابَينِ (٧١٢١)
في أثناء حديث.
قوله: ((حتَّى يَمُرّ الرجلُ بقَبْرِ الرجل، فيقول: يا لَيْتَني مكانه)) أي: كنت ميِّاً. قال ابن
بَطّال: يُغْبَط أهل القبور وتَمنّي الموت عندَ ظُهور الفتن إنَّما هو خوف ذهاب الدِّين بغَلَبة
الباطل وأهله، وظُهور المعاصي والمنكَر، انتهى.
وليس هذا عامّاً في حَقّ كلّ أحد، وإنَّما هو خاصٍّ بأهلِ الخير، وأمّا غيرهم فقد يكون
لما يقعُ لأحدِهم من المصيبة في نفسه أو أهله أو دُنْياه، وإن لم يكن في ذلك شيء يَتَعلَّق بدينِهِ،
ويُؤَيِّده ما وقع في رواية أبي حازم عن أبي هريرة عندَ مسلم (٢٩٠٧/ ٥٤): ((لا تذهبُ الدُّنيا
حتَّى يَمُرَّ الرجل على القَبْرِ، فَيَتَمَرَّغ عليه ويقول: يا لَيْتَني مكانَ صاحب هذا القَبْر، وليس
به الدِّين إلّا البلاءُ»، وذِكرُ الرجل فيه للغالبِ، وإلّا فالمرأة يُتَصَوَّر فيها ذلك، والسَّبب في ذلك
ما ذُكِرَ في رواية أبي حازم أنَّه يَقَع البلاءُ والشِّدّة حتَّى يكون الموت الذي هو أعظَمُ المصائب
أهونَ على المَرْءِ، فَيَتَمِنَّى أهونَ المصيبتَينِ في اعتقاده، وبهذا جَزَمَ القُرْطُبيّ، وذكره عِیَاض
احتمالاً.
وأغْرَبَ بعضُ شُرّاح ((المصابيح)) فقال: المراد بالدِّينِ هنا العادة(٢)، والمعنى: أنَّه يَتَمَرَّغ
على القَبْر ويَتَمنَّى الموت في حالة ليس التَّمرِغُ فيها من عادته، وإنَّما الحاملُ عليه البلاء،
وتَعقَّبَه الطِّييُّ بأنَّ حمَلَ الدِّين على حقيقته أَولى، أي: ليس الثَّمنّي والتَّمُرُّغ لأمرٍ أصابَه من
جهة الدّين بل من جهة الدُّنيا.
وقال ابن عبد البَرّ. ظنَّ بعضهم أنَّ هذا الحديث مُعارِض للنَّهي عن تَمنّي الموت، وليس
كذلك، وإنَّما في هذا أنَّ هذا القَدْر سيكونُ لِشِدّةٍ تَنزِل بالناسِ من فساد الحال في الدِّين أو
(١) لفظ ((أبي)) سقط من (س).
(٢) تحرف في (س) إلى: العبادة.

١٥٠
باب ٢٢ / ح ٧١١٥
فتح الباري بشرح البخاري
ضَعْفه أو خَوْف ذهابه، لا لضَرَرٍ يَنْزِل في الجِسْم، كذا قال، وكأنَّه يريد أنَّ النَّهي عن تَمَنّي
الموت هو حيثُ يَتَعلَّق بضَرَرِ الجسم، وأمّا إذا كان لضَرَرٍ يَتَعلَّق بالدِّینِ فلا.
وقد ذكره عِيَاضْ احتمالاً أيضاً، وقال غيره: ليس بينَ هذا الخبر وحديث النَّهي عن
تَمَنّي الموت مُعارضة، لأنَّ النَّهي صريح، وهذا إنَّما فيه إخبار عن شِدّة ستَحصُلُ يَنشَأ عنها
هذا التَّمنّي، وليس فيه تَعرُّض لحُكمِه، وإنَّمَا سِيقَ للإخبار عَّا سيَقَعُ.
قلت: ويُمكِن أخذُ الحُكْم من الإشارة في قوله: ((وليس به الدّين إنَّما هو البلاء)) فإنَّه
سِيقَ مَساقَ الذَّمّ والإنكار، وفيه إيماءٌ إلى أنَّه لو فَعَلَ ذلك بسببِ الدّين لكان محموداً،
ويُؤْيِّده ثبوتُ تَمنّي الموت عندَ فساد أمر الدّين عن جماعة من السَّلَف، قال النَّوويّ: لا كراهةَ
في ذلك بل فعَلَه خلائقُ من السَّلَف منهم عمر بن الخطّاب وعيسى الغِفَاريّ وعمر بن
عبد العزيز وغيرهم.
ثُمَّ قال القُرْطُبيّ: كأنَّ في الحديث إشارة إلى أنَّ الفتن والمشقَّة البالغة ستَقَعُ حتَّى يَخِفَّ
أمرُ الدّين، ويَقِلّ الاعتناءُ بأمرِه، ولا يَبقَى لأحدٍ اعتناء إلّا بأمرِ دُنياه ومعاشِه ونفسه وما
يَتَعلَّق به، ومن ثَمَّ عَظُمَ قَدْرُ العبادة أيام الفِتْنة كما أخرج مسلم (٢٩٤٨) من حديث مَعِقِل
ابن يَسَار رَفَعَه: («العبادة في الھَرْج کھِجْرةٍ إليّ».
ويُؤخَذ من قوله: ((حتَّى يَمُرَّ الرجل بقبرِ الرجل)) أنَّ التَّمنّي المذكور إنَّما يَحَصُل عندَ رُؤْية
القبر، وليس ذلك مُراداً، بل فيه إشارة إلى قوّة هذا التَّمنّي، لأنَّ الذي يَتَمنَّى الموتَ بسبب
الشِّدّة التي تَحصُلُ عندَه، قد يذهب ذلك الثَّمنّي أو يَخِفّ عندَ مُشاهَدة القبر والمقبور، فيَتَذكَّر
هَوْلَ المَقَام فيَضعُف تَمنِّيه، فإذا تَادَى على ذلك، دَلَّ على تأكُّد أمر تلك الشِّدّة عندَه حيثُ لم
يَصرِ فه ما شاهده من وَحْشة القبر وتَذَكَّر ما فيه من الأهوال، عن استمراره على تَنّي الموت.
٧٦/١٣
وقد أخرج الحاكم (٥١٨/٤) من طريق / أبي سَلَمة قال: عُدْتُ أبا هريرة فقلت: اللهُمَّ
اشفِ أبا هريرة، فقال: اللهُمَّ لا تَرجِعْها، إن استطعتَ يا أبا سَلَمة فمُتْ، والذي نفسي
بَيَدِه لَيأتيَنَّ على العلماء زمانٌ الموتُ أحَبُّ إلى أحدهم من الذَّهَب الأحمر، ولَيأتيَنَّ أحدُهم

١٥١
باب ٢٣ / ح ٧١١٦
كتاب الفتن
قبر أخيه فيقول: لَيْتَني مكانه. وفي كتاب ((الفتن)) (١) من رواية عبد الله بن الصّامت عن أبي
ذرِّ قال: يُوشِك أن تَمُرَّ الجنازة في السّوق على الجماعة فيراها الرجل، فيهُزّ رأسه فيقول: يا
لَيْتَني مكان هذا، قلت: يا أبا ذَرّ، إنَّ ذلك لمن أمر عظيم، قال: أجَل.
٢٣ - باب تَغُُّ الزّمان حتَّى تُعبَد الأوْثانُ
٧١١٦- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْرِيِّ، قال: قال سعيدُ بنُ المسيّبِ:
أخبرني أبو هُرَيرةَ عُ، أَنَّ رسولَ الله وَِّ قال: ((لا تقومُ السّاعةُ حتَّى تَضْطَرِبَ أَلَيَاتُ نساءٍ
دَوْسٍ على ذِي الخَلَصةِ)). وذُو الخَلَصةِ: طاِيةُ دَوْسِ التي كانوا يَعْبُدُونَ في الجاهليّةِ.
قوله: ((باب تَغْتُرُ الزَّمان حتَّى تُعبَد الأوثان)) ذکر فیه حدیثین:
أحدهما: حديث أبي هريرة.
قوله: ((عن الزُّهْريّ) في إحدى روايتَي الإسماعيليّ: حدَّثْني الزُّهْرِيّ.
قوله: ((حتَّى تَضْطَرِب)) أي: يَضِرِب بعضُها بعضاً.
قوله: ((أَلَيَات)) بفتح الهمزة واللام جمع: ألْية، بالفتح أيضاً مِثْل: جَفْنة وجَفَنات، والأَلّيّةُ:
العَجِيزة، وجمعها: أعجاز.
قوله: ((على ذي الخَلَصة)) في رواية مَعمَر عن الزُّهْريّ عندَ مسلم (٢٩٠٦): ((حَوْل ذي
الخَلَصة».
قوله: ((وذو الخَلَصة طاغيةُ دَوْس)) أي: صَنَمُهم.
وقوله: ((التي كانوا يَعْبُدُونَ)) كذا فيه بحَذْفِ المفعول، ووَقَعَ في رواية مَعمَر: وكانت
صَنَا تَعبُدها دَوْس.
قوله: ((في الجاهليّة)) زاد مَعمَر: بتَبَالَةَ، وتَبَالة بفتح المثنّاة وتخفيف الموحّدة وبعد الألف
(١) كذا عزاه لكتاب ((الفتن)) ولم يبيَّن من هو مؤلّفه! وهذا الأثر أخرج نحوه ابن أبي الدنيا في كتابيه ((المتمنِّين))
(١٠٩)، و((النفقة على العيال)) (٤٤١)، وإسناده صحيح.
٠ ٠

١٥٢
فتح الباري بشرح البخاري
لام ثمَّ هاء تَأْنيث: قرية بينَ الطّائف واليَمَن بينهما ستّة أيام، وهي التي يُضَرَب بها المثَل
فيُقال: أهوَنُ من تَبالة على الحَجّاج، وذلك أنَّها أوَّل شيءٍ وَلِيَه، فلمَّا قَرُبَ منها سأل مَن
معه عنها فقال: هي وراء تلك الأَكَمة، فرَجَعَ فقال: لا خير في بلد يَستُرُها أكَمة.
وكلام صاحب ((المطالِع)) يَقتَضي أَّهما موضعان، وأنَّ المراد في الحديث غيرُ تَبالة الحجّاج،
وكلام ياقوت يَقتَضي أنَّها هي ولذلك لم يَذكُرها في ((المشتَرك))، وعندَ ابن حِبّان (٦٧٤٩)
من هذا الوَجْه: قال مَعمَر: إنَّ عليه الآنَ بيتاً مَبْنِيّاً مُغلَقاً. وقد تقدَّم ضَبْطُ ذي الخَلَصة في
أواخر المغازي (٤٣٥٥) وبيان الاختلاف في أنَّه واحد أو اثنان.
قال ابن التِّين: فيه الإخبار بأنَّ نساء دَوْس يَرْكَبْنَ الذَّوابَّ من البُلدان إلى الصَّنَم
المذكور، فهو المراد باضْطِرابٍ أَلَياتهنَّ.
قلت: ويحتمل أن يكون المراد أنَّهُنَّ يَتَزاحَمنَ بحيثُ تَضرِب عَجيزةُ بعضهنَّ الأُخرى
عندَ الطَّواف حولَ الصَّنَم المذكور، وفي معنى هذا الحديث ما أخرجه الحاكم (٤٧٥/٤
و٥٥٠) عن عبد الله بن عُمر(١) قال: لا تقومُ السّاعة حتَّى تَدَافَعَ مَناكِبُ نساء بني عامر على
ذي الخَلَصة، وابن عَديّ (٥٣/٧) من رواية أبي مَعْشَر عن سعيد عن أبي هريرة رَفَعَه: ((لا
تقوم السّاعة حتَّى تُعبَد الّاتُ والعُزَّى)).
قال ابن بَطّال: هذا الحديث وما أشبَهَه ليس المراد به أنَّ الدّين يَنقَطِع كلّه في جميع أقطار
الأرض حتَّى لا يَبقَى منه شيء، لأَنَّ ثَبَتَ أنَّ الإسلام يَبقَى إلى قيام السّاعة، إلّا أنَّه يَضعُف/
٧٧/١٣ ويعود غريباً كما بدأ، ثمَّ ذكر حديث: ((لا تزال طائفة من أمَّتي يقاتلونَ على الحقّ)) الحديث(٢)،
قال: فَتَبَيَّن في هذا الحديث تخصيصُ الأخبار الأُخرى، وأنَّ الطّائفة التي تَبقَى على الحقّ تكون
ببيت المقدس إلى أن تقوم السّاعة، قال: فبهذا تَأْتلِف الأخبار.
(١) هكذا في الأصلين و(س): عمر، وفي المطبوع من ((المستدرك)): عَمرو، وكذلك وضعه الحافظ ابن حجر
في «إتحاف المهرة)) (١١٨٨١) في مسند عبد الله بن عمرو بن العاص، وقد وقع في نسخة خطية متقنة من
(المستدرك)) عندنا: عمر، بلا واو، وهو الصواب إن شاء الله، فقد جاء عند الطبري في (تهذيب الآثار))
(مسند عمر) ٢/ ٨١٧ قولُ راوي الخبر لعمر: حدَّثنا ابنُك عبدُ الله بكذا.
(٢) يريد حديث عمران بن حصين الذي أخرجه أحمد (١٩٩٢٠)، وأبو داود (٢٤٨٤)، وإسناده صحيح.

١٥٣
باب ٢٣ / ح ٧١١٦
كتاب الفتن
قلت: ليس فيما احتَجَّ به تصريحٌ إلى بقاء أولئكَ إلى قيام السّاعة، وإنَّما فيه: (حتَّى يأتي
أمرُ الله))(١)، فيحتمل أن يكون المراد بأمرِ الله ما ذُكِرَ من قَبْض مَن بَقِيَ من المؤمنين، وظواهر
الأخبار تَقْتَضي أنَّ الموصوفينَ بكَوْنِهِم ببيت المقدس أنَّ آخرهم مَن كان مع عيسى عليه
السلام، ثمَّ إذا بَعَثَ الله الرّيحِ الطَّيِّة فقَبَضَت روحَ كلّ مؤمن، لم يَبْقَ إلّا شِرار الناس، وقد
أخرج مسلم (٢٩٤٩) من حديث ابن مسعود رَفَعَه: ((لا تقومُ السّاعة إلّا على شِرار الناس»،
وذلك إنَّما يقع بعدَ طُلوع الشمس من مَغرِبها، وخروجِ الدّابَّة وسائر الآيات العِظام، وقد ثَبَتَ
أنَّ الآيات العِظامِ مِثْلُ السِّلْك إذا انقَطَعَ تَنَاثَرَ الخرزُ بسرعة، وهو عندَ أحمد (٧٠٤٠) (٢)، وفي
مُرسَل أبي العالية: الآيات كلّها في سنّة أشهر(٣)، وعن أبي هريرة: في ثمانية أشهر (٤).
وقد أورَدَ مسلم (٢٩٠٧) عَقِبَ حدیثٍ أبي هريرة من حديث عائشة ما يشير إلى بيان
الَّمان الذي يقعُ فيه ذلك، ولفظه: ((لا يذهب اللَّيل والنَّهار حتَّى تُعبَد اللّاتَ والعُزَّى))،
وفيه: ((يَبعَث الله ريحاً طيِّة فَتَوَلَى كُلَّ مَن في قلبه مِثْقَالُ حَبّة من خَرْدَل من إيمان، فيَبقَى مَن
لا خير فيه، فيَرَجِعونَ إلى دين آبائهم)»، وعندَه (٢٩٤٠) في حديث عبد الله بن عَمْرو رَفَعَه:
(يَخْرُجِ الدَّجّال في أمَّتي)) الحديث، وفيه: ((فَيَبعَث اللهُ عيسى ابن مريم فيَطلُبه فيُهلِكه، ثمَّ
يَمكُث الناسُ سبع سنين، ثمَّ يُرسِل الله ريحاً باردة من قِبَل الشّام، فلا يَبقَى على وجه
الأرض أحد في قلبه مِثْقَالُ حَبّة من خير أو إيمان إلّا قَبَضَتْه))، وفيه: «فيَبقَى شِرارُ الناس في
خِفّة الطَّير وأحلام السِّباع، لا يَعرِفونَ معروفاً، ولا يُنكِرِونَ مُنكَراً، فيَتَمثَّل لهم الشَّيطان
فيأمُرُهم بعبادة الأوثان، ثمَّ يُنفَخ في الصُّور)).
(١) هذا في حديث معاوية الذي سلف عند البخاري برقم (٧١)، وحديث ثوبان عند مسلم (١٩٢٠)، أما
الحديث الذي ذكره ابن بطال في «شرحه)) ١٠ / ٦٠ في هذا الموضع، فهو حديث عمران بن حصين الذي
في آخره: ((حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال))، ومنه استنبط ما نقله عنه الحافظ.
(٢) وإسناده ضعيف.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ١٨٥/١٥، والفاكهي في ((أخبار مكة)) (٢٣٦١)، وهو من قول أبي
العالية.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١٥/ ١٨٢. وأبو عمرو الداني في ((السنن الواردة في الفتن)) (٥٣٠)، وهو من قول
أبي هريرة، والإسناد إليه لا يصحّ.

١٥٤
باب ٢٣ / ح ٧١١٦- ٧١١٧
فتح الباري بشرح البخاري
فِظَهَرَ بذلك أنَّ المراد بأمرِ الله في حديث: ((لا تزالُ طائفة)) وقوعُ الآيات العِظَام التي
يَعقُبها قيامُ السّاعة، ولا يَتَخلَّف عنها إلّا شيئاً يسيراً، ويُؤْيِّده حديث عِمْران بن حُصَينٍ
رَفَعَه: ((لا تزال طائفة من أمَّتي يقاتلونَ على الحقّ ظاهرينَ على مَن ناوأَهم، حتَّى يقاتل
آخرُهم الدَّجّال)) أخرجه أبو داود (٢٤٨٤) والحاكم (٧١/٢ و٤/ ٤٥٠)، ويُؤخَذ منه صِحّة ما
تَأوَّلْتُه، فإنَّ الذينَ يقاتلونَ الدَّجّال يكونونَ بعدَ قتلِه مع عيسى، ثمَّ يُرسَل عليهم الرِّيح
الطَّة، فلا يَبقَى بعدَهم إلّا الشِّرارُ كما تقدَّم.
وَوَجَدتُ في هذا مُناظَرة لعُقْبةَ بن عامر ومحمَّد بن مَسْلَمَةَ، فأخرج الحاكم (٤٥٦/٤-
٤٥٧) من رواية عبد الرَّحمن بن شَّاسة أنَّ عبد الله بن عَمْرو قال: لا تقوم السّاعةُ إلّا على
شِرار الخلق، هم شَرّ من أهل الجاهلية، فقال عُقْبة بن عامر: عبد الله أعلمُ بما يقول، وأمّا
أنا فسمعتُ رسول الله وَله يقول: ((لا تزالُ عِصابة من أمَّتي يقاتلونَ على أمر الله ظاهرين،
لا يَضُرُّهم مَن خالَفَهم، حتَّى تَأْتيَهم السّاعة وهم على ذلك)) فقال عبد الله: أجَلْ، ويَبعَث
الله ريحاً ريحُها ريح المِسْك ومَسُّها مَسّ الحَرير، فلا تَترُك أحداً في قلبه مِثْقال حَبّة من إيمان
إلّا قَبَضَتْه، ثمَّ يَبقَى شِرارُ الناس فعليهم تقوم السّاعة. فعلى هذا فالمراد بقوله في حديث
عُقْبَةَ: ((حتَّى تأتيَهم السّاعة))، ساعَتُهم هم، وهي وقت موتهم بهُوبِ الرّيح، والله أعلم.
وقد تقدَّم بيانُ شيء من هذا في أواخر الرِّقاق (٦٥٠٦) عندَ الكلام على حديث طُلوع
الشمس من المغرب.
الحديث الثاني:
٧١١٧ - حذَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، حدَّثني سليمانُ، عن ثَوْرٍ، عن أبي الغَيْثِ، عن أبي
هُرَيرةَ، أَنَّ رسولَ اللهِوَِّ قال: ((لا تقومُ السّاعةُ حتَّى يَخْرُجَ رجلٌ مِن قَحْطانَ، يَسوقُ الناسَ
بعَصَاهُ)).
قوله: «حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله)) هو الأونسيّ، وسليمان: هو ابن بلال، ونَوْر: هو
ابن زيدٍ، وأبو الغَيْث: هو سالم، والسَّند كلّه مدنيُّونَ.

١٥٥
باب ٢٣ / ح ٧١١٧
كتاب الفتن
قوله: ((حتَّى يَخْرُج رجل من قَحْطان)) تقدَّم شرحه في أوائل مناقب قُرَيش (٣٥١٧)، قال
القُرْطُبيّ في ((التَّذكرة): قوله: ((يَسُوق الناس بعَصَاه)) كِناية عن غَلَبَتَه علیهم وانقیادهم له،
ولم يُرِدْ نفسَ العصا، لكن في ذِكرها إشارة إلى خُشونَته عليهم وعَسْفه بهم، قال: وقد قيل:
إنَّه يَسُوقهم بعصاه حقيقةً كما تُساق الإبل والماشية لشِدّةِ عُنْفه وعُدْوانه، قال: ولعلَّه/ ٧٨/١٣
جَهْجاهٌ المذكور في الحديث الآخَر(١)، وأصل الجَهْجاه: الصَّاح، وهي صِفَة تُناسِب ذِكْر
العصا.
قلت: ويَرُدّ هذا الاحتمالَ إطلاقُ كَوْنه من قَحْطان، فظاهره أنَّه من الأحرار، وتقييدُه
في جَهْجاه بأنَّه من الموالي، ما تقدَّم أنَّه يكون بعدَ المهديّ وعلى سِيرَته وأنَّه لیس دونَہ. ثمَّ
وَجَدتُ في كتاب ((التّيجان)) لابنِ هشام ما يُعرَف منه - إنْ ثَبَتَ - اسمُ القَحْطانيّ وسيرته
وزمانه، فذكر: أنَّ عِمْران بن عامر كان مَلِكاً مُتَوَّجاً، وكان كاهناً مُعمَّراً، وأنَّه قال لأخيه
عَمْرو بن عامر المعروف بمُزَيْقِيَا (٢) لمَّا حَضَرَتْه الوفاة: إنَّ بلادكم ستَخَرَب، وإنَّ لله في أهل
اليَمَن سَخْطَتَيْنِ ورحمتَين: فالسَّخْطة الأولى: هَدْم سَدّ مَأْرِب، وتَخَرَب البلاد بسبِهِ، والثّانية:
غَلَبة الحَبَشة على أرض اليمن، والرَّحْمَة الأولى: بِعْثة نبيّ من تهامة اسمه محمَّد، يُرسَل بالرَّحْمَةِ
ويَغْلِب أهلَ الشِّرْك، والثّانية: إذا خَرِبَ بيتُ الله يَبعَث الله رجلاً يقال له: شُعَيب بن صالح،
فيُهلِك مَن خَرَّبَه ومُخرِ جهم حتَّی لا یکون بالُّنيا إِیمان إلّا بأرضٍ الیمن، انتهى.
وقد تقدَّم في الحجّ (١٥٩٣ و١٥٩٦) أنَّ البيت يُحَجّ بعدَ خروج يَأْجوجَ ومَأجوج،
وتقدَّم الجمع بينَه وبينَ حديث: ((لا تقوم السّاعة حتَّى لا يُحَجّ البيت)) و((أنَّ الكَعْبة ◌ُرِّبها
ذو السُّوَيقَتَينِ من الحَبَشة))، فيَنْتَظِم من ذلك أنَّ الْحَبَشة إذا خَرَّبَت البيت، خَرَجَ عليهم
القَحْطانيّ فأهلَكَهم، وأنَّ المؤمنينَ قبلَ ذلك يَحُجّونَ في زمن عيسى بعدَ خروج يأجوج
ومَأْجوج وهلاكهم، وأنَّ الرّيحِ التي تَقبِص أرواح المؤمنينَ تَبْدَأ بمَن بَقِيَ بعدَ عيسى،
(١) أخرجه مسلم (٢٩١١) من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((لا تذهبُ الأيامُ والليالي حتى يملك رجلٌ يقال
له: اجهجاہ».
(٢) لُقِّب بذلك لأنه كان يُمزِّق عنه كل يوم حُلَّة لئلا يلبَسَها أحدٌ بعده. ((الاشتقاق)) لابن دريد ص٤٣٥.

١٥٦
باب ٢٤ / ح ٧١١٨
فتح الباري بشرح البخاري
ويتأخّر أهلُ اليمن بعدَها، ويُمكِن أن يكون هذا ممّا يُفسَّر به قوله: ((الإيمان يَمَانٍ))(١) أي:
يَتَأخَّر الإيمان بها بعدَ فَقْده من جميع الأرض.
وقد أخرج مسلم (٢٩١٠) حديث القَحْطانيّ عَقِبَ حديث: ((يخرِّب الكَعْبة ذو
السُّويقَتَين))، فلعلَّه رَمَزَ إلى هذا، وسيأتي في أواخر الأحكام (٧٢٢٢ و٧٢٢٣) في الكلام
على حديث جابر بن سَمُرة في الخلفاء الاثْنَي عشرَ شيء يتعلَّق بالقَحْطانيّ.
وقال الإسماعيليّ هنا: ليس هذا الحديث من ترجمة الباب في شيء، وذكر ابن بَطّال: أنَّ
المهَلَّب أجابَ بأنَّ وَجْهه أنَّ القَحْطانيّ إذا قامَ وليس من بيت النُّبوّة، ولا من قُرَيش الذينَ
جَعَلَ الله فيهم الخِلافة، فهو من أكبر تَغُرُ الَّمان وتبديل الأحكام، بأنْ يُطاعَ في الدِّين مَن
لیس أهلاً لذلك، انتھی.
وحاصلُه أنَّه مُطابِقٍ لصَدْرِ التَّرجمة وهو تَغُّرُ الزّمان، وتَغُّره أعمُّ من أن يكون فيما
يَرجِع إلى الفِسْق أو الكفر، وغايته أن ينتهي إلى الكفر، فقصَّة القَحْطانيّ مُطابِقة للتغيُّرِ
بالفِسْقِ مَثَلاً، وقصَّة ذي الخَلَصة للتغُرِ بالكفر، واستُدِلَّ بقَصِّه القَحْطانيّ على أنَّ الخِلافة
يجوز أن تكون في غير قُريش، وأجابَ ابنُ العربيّ بأنَّه إنذار بما يكون من الشّ في آخر
الزَّمان من تَسوُّر العامّة على منازِل الاستقامة، فليس فيه حُجّة لأنَّه لا يَدُلّ على المدَّعى،
ولا يعارض ما ثَبَتَ من أنَّ الأئمّة من قُرَيش. انتهى، وسيأتي بَسْطُ القول في ذلك في ((باب
الأُمراء من قُرَيش)) (٧١٣٩) أوَّل كتاب الأحكام إن شاء الله تعالى.
٢٤- باب خروج النار
وقال أنسُ: قال النبيُّ ◌َيِ: ((أوَّلُ أشراطِ السّاعةِ نارٌ تَحْشُرُ الناسَ من المشرقِ إلى المغربِ)).
٧١١٨ - حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال سعيدُ بنُ المسيّبِ: أخبرني
أبو هُرَيرةَ، أنَّ رسولَ اللهِ وَِّ قال: ((لا تقومُ السّاعةُ حتَّى تَّخْرُجَ نارٌ مِن أرضِ الحِجازِ، تُضِيءُ
أعناقَ الإبلِ ینُصْرَى)).
(١) سلف برقم (٣٣٠٢).

١٥٧
باب ٢٤ / ح ٧١١٨
كتاب الفتن
٧٩/١٣
قوله: ((باب خروج النار)) أي: من أرضِ الحِجاز، ذكر فيه ثلاثة أحاديث:
الأوَّل: قوله: ((وقال أنس: قال النبيّ وَّ: أوَّلُ أشراط السّاعة نارٌ تَحْشُر الناس من المشرق
إلى المغرب)) وتقدَّم في أواخر «باب الهِجْرة)) (٣٩٣٨) في قصَّة إسلام عبد الله بن سَلَام
موصولاً من طريق حُميدٍ عن أنس ولفظه: ((وأمّا أوَّل أشراط السّاعة فنارٌ تَحَشُرهم من
المشرق إلى المغرب))، ووَصَلَه في أحاديث الأنبياء (٣٣٢٩) من وجه آخَر عن حُميدٍ بلفظ:
((نارٌ تَحْشُر الناس))، والمراد بالأشراط: العلامات التي يَعقُبها قيامُ السّاعة، وتقدَّم في ((باب
الحَشْر)) من كتاب الرِّقاق (٦٥٢٢) صِفَةُ حَشْر النار لهم.
الحديث الثاني: قوله: ((عن الزُّهْريّ، قال سعيد بن المسيّب)) في رواية أبي نُعيم في
((المستَخرَج)): عن سعيد بن المسيّب.
قوله: ((حَتَّى تَخْرُج نار من أرض الحجاز)) قال القُرْطُبيّ في ((الَّذكرة): قد خَرَجَت نار
بالحجازِ بالمدينة، وكان بَدْؤُها زلزلةً عظيمةً في ليلة الأربعاء بعدَ العَتَمة الثّالث من جمادى الآخرة
سنة أربع وخمسينَ وستِّ مئةٍ، واستَمرَّتْ إلى ضُحَى النَّهار يومَ الجُمُعة فسَكَنَت، وظَهَرَت النارُ
بِقُرَيظةَ بطَرَفِ الحَرّة تُرَى في صورة البلد العظيم، عليها سور محيط عليه شَرارِيف(١) وأبراج
ومآذن، وتُرَى رجال يقودونَها، لا تَمُرُّ على جبل إلّا دَكَّتْه وأذابَتْه، ويَخْرُج من مجموع ذلك
مِثْلِ النَّهر أحمر وأزرق له دَوِيٌّ كدَوِيِّ الَّعد، يأخذ الصُّخور بينَ يَدَيْه ويَنْتَهي إلى مَخَطّ الرَّكْب
العراقيّ، واجتَمَعَ من ذلك رَدْمٌ صارَ كالجبل العظيم، فانتهت النار إلى قُرْب المدينة، ومع ذلك
فكان يأتي المدينةَ نَسِيم بارد، وشوهِدَ لهذه النار غَلَيَان كغَلَيان البحر، وقال لي بعض أصحابنا:
رأيتها صاعدة في الهواء من نحو خمسة أيام، وسمعتُ أنَّهَا رُئِيَت من مكّة ومن جبال بُصْرَى.
وقال النَّوويّ: تواتَرَ العِلمُ بخروجٍ هذه النار عندَ جميع أهل الشّام.
وقال أبو شامة في ((ذَيْلِ الرَّوضَتَينِ)): وَرَدَتْ في أوائل شَعْبان سنة أربع وخمسينَ كتبٌ
من المدينة الشَّريفة فيها شرحُ أمرٍ عظيم حَدَثَ بها فيه تصديقٌ لما في ((الصحيحين))، فذكر
(١) جمع شُرَّافة، أي: الشُّرْفة: وهو البناء الناتئ من البيت ونحوه. واستخدام هذا اللفظ ((شُرّافة)) والجمع:
شراريف، مما غلَّطه ابن بَرِّي كما في (تاج العروس)) للزَّبيدي (شرف).

١٥٨
باب ٢٤ / ح ٧١١٨
فتح الباري بشرح البخاري
هذا الحديث، قال: فأخبَرَني بعضُ مَن أثِقُ به مَمَّن شاهَدَها: أنَّه بَلَغَه أنَّ كُتِبَ بَيْماء على
ضَوْئِها الكتب، فمن الكتب ... فذكر نحو ما تقدَّمَ، ومن ذلك أنَّ في بعض الكتب: ظَهَرَ
في أوَّل جمعة من جمادى الآخرة في شَرْقيِّ المدينة نار عظيمة بينَها وبينَ المدينة نصف يوم،
انْفَجَرَتْ من الأرض وسالَ منها وادٍ من نار حتَّى حاذَی جبلَ أُحُد.
وفي كتاب آخَر: انبَجَسَت الأرض من الحَرّة بنارٍ عظيمة يكون قَدْرُها مِثلَ مسجد
المدينة، وهي برَأْي العَين من المدينة، وسالَ منها وادٍ يكون مِقْداره أربع فراسخَ وعَرْضه
أربع أمیال، يجري على وجه الأرض ويخرج منه مِهادٌ وجبال صِغار.
وفي كتاب آخَر: ظَهَرَ ضَوْؤُها إلى أن رَأَوها من مكّة، قال: ولا أقدِرُ أصِفُ عِظَمَها،
ولها دَوِيّ. قال أبو شامة: ونَظَمَ الناس في هذا أشعاراً، ودامَ أمرها أشهراً، ثمَّ خَمَدَتْ.
والذي ظَهَرَ لي أنَّ النار المذكورة في حديث الباب هي التي ظَهَرَتْ بنواحي المدينة كما
فَهِمَه القُرْطُبيّ وغيره، وأمّا النار التي تَحَثُر الناس فنارٌ أُخرى، وقد وَقَعَ في بعض بلاد
الحِجاز في الجاهليّة نحوُ هذه النار التي ظَهَرَتْ بنواحي المدينة في زمن خالد بن سنان
العَبْسِيّ، فقامَ في أمرها حتَّى أخَدَها، وماتَ بعد ذلك في قصَّة له ذكرها أبو عبيدة مَعمَر بن
المثنَّى في كتاب ((الجَمَاجِم))، وأورَدَها الحاكم في ((المستدرَك)) (٥٩٨/٢-٥٩٩) من طريق
معلَّى بن مَهْديّ عن أبي عَوَانة عن أبي يونس عن عِكْرمة عن ابن عبّاس: أنَّ رجلاً من بني
٨٠/١٣ عَبْس يُقال له: خالد بن سِنان، قال/ لقومِه: إنّي أُطفئ عنكم نار الحَدَثان، فذكر القصّة،
وفيها: فانطَلَقَ وهي تَخْرُج من شَقّ جبل من حَرّة يقال لها: حَرّة أشجَعَ، فذكر القصَّة في
دخوله الشَّقَّ والنارُ كأَها خيلٌ شُقْرٌ (١)، فضَرَبَها بعَصاه حتَّى أدخَلَها وخَرَجَ(٢). وقد أورَدْتُ
لهذه القصَّة طَرَفاً في ترجمته من كتابي في الصحابة.
(١) في (أ): جبل سفر، وفي (ع): حبل مسعر، وفي (س): جبل سقر، وكل ذلك تصحيف والمثبت من مصادر
هذه القصة، وهو الصواب.
(٢) وأخرج هذه القصة أيضاً الطبراني في ((الكبير)) (١١٧٩٣)، من طريق معلَّ بن مهدي بهذا الإسناد. قال
الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) ٢١٤/٨: فيه المعلَّى بن مهدي ضعَّفه أبو حاتم وقال: يأتي أحياناً بالمناكير.
قلت (القائل الهيثمي): وهذا منها.

١٥٩
باب ٢٤ / ح ٧١١٨
كتاب الفتن
قوله: ((تُضيء أعناقَ الإبل ببُصْرَى)) قال ابن التِّين: يعني من آخرها يَبلُغ ضَوْؤُها إلى
الإبل التي تكون بُيُصْرَى، وهي من أرض الشّام، و((أضاءَ)) يَجيء لازِماً ومتعدّياً، يُقال:
أضاءَت النارُ، وأضاءَت النارُ غيرَها.
وبُصْرَى، بضمِّ الموحّدة وسكون المهملة مقصور: بلد بالشّام وهي حَوْران. وقال أبو
البَقَاءِ: ((أعناقَ) بالنَّصب على أنَّ ((تُضيء)) متعدٍّ والفاعل: النار، أي: تَجعَل على أعناق
الإبل ضَوْءاً، قال: ولو رُويَ بالرَّفع لكان مُتَّجِهاً، أي: تُضيء أعناقُ الإبل به، كما جاءَ في
حديث آخَر: ((أضاءَتْ له قُصور الشّام))(١)، وقد وَرَدَتْ في هذا الحديث زيادة من وجه
آخر أخرجه ابن عَديّ في ((الكامل)) (٦٣/٥) من طريق عمر بن سعيد التّنُوخيّ عن ابن
شِهاب عن أبي بكر بن محمّد بن عَمْرو بن حَزْم عن أبيه عن عمر بن الخطّاب يرفعه: ((لا
تقوم السّاعة حتَّى يسيلَ وادٍ من أودية الحِجاز بالنار، تُضيء له أعناقُ الإبل ببُصْرَى))،
وعمر ذكره ابن حِبّان في ((الثِّقات)) وليَّه ابن عَديّ والدّارَ قُطْنيّ، وهذا يَنطَبِقِ على النار
المذكورة التي ظَهَرَتْ في المئة السّابعة.
وأخرج أيضاً الطََّرانيُّ (٣٠٣٢) في آخر حديث حذيفة بن أَسيدِ الذي مضى التَّنبيه
عليه: وسمعتُ رسول الله وَ ﴿ يقول: ((لا تقوم السّاعة حتَّى تَخْرُج نارٌ من رُومان أو رَكُوبةَ
تُضيء منها أعناقُ الإبل بُيُصْرَى)). قلت: وَرَكُوبة: ثَنِيّة صَعْبة المرتَقَى في طريق المدينة إلى
الشّام، مرَّ بها النبيّ وَّهَ في غزوة تَبُوك، ذكره البَكْريّ، ورُومان لم يَذْكُرِهِ البَكْريّ، ولعلَّ
المراد رُومُ البترُ المعروفة بالمدينة، فجَمَعَ في هذا الحديث بينَ النارَين، وأنَّ إحداهما تقع قبلَ
قيام السّاعة مع جملة الأُمور التي أخبَرَ بها الصّادِقُ وَِّ، والأُخرى هي التي يَعقُبها قيامُ
السّاعة بغير تَخَلَّل شيء آخر، وتقدُّم الثّانية على الأولى في الذِّكْر لا يَضُرّ، والله أعلم.
(١) أخرجه أحمد (١٧١٦٣) من حديث العرباض بن سارية، و(١٧٦٤٨) من حديث عتبة بن عبد السُّلمي،
و(٢٢٢٦١) من حديث أبي أمامة الباهلي، ورابع عمَّن لم يسمَّ من أصحاب النبي نََّ، والحديث
بمجموع هذه الطرق صحيح.

١٦٠
باب ٢٤ / ح ٧١١٩
فتح الباري بشرح البخاري
الحديث الثالث:
٧١١٩ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ سعيدِ الكِنْدِيُّ، حدَّثنا عُقْبةُ بنُ خالدٍ، حدَّثنا عُبيدُ الله، عن
خُبَيْبٍ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عن جَدِّه حَفْصِ بنِ عاصمٍ، عن أبي هُرَيرةَ، قال: قال رسولُ الله ◌ِهِ:
((يُوشِكُ الفُراتُ أنْ يَحسِرَ عن كَنْزِ مِن ذهبٍ، فمَن حَضَرَه فلا يأخُذْ منه شيئاً».
قال عُقْبةُ: وحدَّثنا عُبيدُ الله، حدَّثنا أبو الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هُرَيرةَ، عن النبيِّ وَلـ
مِثلَه، إلا أنَّه قال: ((يَحِسِرُ عن جبلٍ مِن ذهبٍ)).
قوله: ((حدَّثنا عبد الله بن سعيد الكِنْديّ)) هو أبو سعيد الأشَجّ مشهور بكُنيَتِه وصِفَته،
وهو من الطَّقة الوُسْطى الثّالثة من شيوخ البخاريّ، وعاشَ بعد البخاريّ سنة واحدة،
وعُبيد الله: هو ابن عمر بن حَفْص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب العُمَريّ.
قوله: ((عن خُبَيبٍ بن عبد الرّحمن)) بمُعجَمٍ ومُوخَّدتَينٍ، مُصغَّر: وهو ابن عبد الرَّحمن
ابن خُبَيْبٍ بن یِسَاف الأنصاريّ.
قوله: ((عن جَدّه حَفْص بن عاصم)) أي: ابن عمر بن الخطّاب، والضَّمير لعُبيدِ الله بن
عمر لا لشيخه.
قولُه: (يُوشِك)) بكسر المعجَمة، أي: يَقرُب.
قوله: ((أنْ يَحسِر)) بفتح أوَّله وسكون ثانيه وكسر ثالثه والحاء والسّين مُهمَلَتان، أي:
ینگَشِف.
قوله: ((الفُرات)) أي: النَّهر المشهور، وهو بالتّاءِ المجرورة على المشهور، ويُقال: إنّه يجوز
أن يُكتَب بالهاءِ كالتّابوتِ والتّابُوه، والعَنكَبوت والعَنكَبوه، أفادَه الكمال بن العَديم في
(تاريخه)) نَقْلاً عن إبراهيم بن أحمد بن اللَّيث.
قوله: ((فمَن حَضَرَه فلا يأخُذْ منه شيئاً) هذا يُشعِر بأنَّ الأخذ منه مُمكِن، وعلى هذا
فيجوز أن يكون دنانير، ويجوز أن يكون قِطَعاً، ويجوز أن يكون تِبْراً.