النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
باب ١٩ / ح ٧١٠٨
كتاب الفتن
مُفسِّر له، ثمَّ أعقَبَه بحديث: ((ثمَّ بُعِثوا على أعمالهم)) مُشيراً إلى أنَّه وإن كان مُفسِّراً لما قبلَه
لكنَّه ليس مقصوراً عليه، بل هو عامٌّ فيه وفي غيره، ويُؤيِّده الحديث الذي ذكره بعده: ((ثُمَّ
يَبعَثهم الله على نيّاتهم))، انتهى ملخَّصاً.
والحاصل أنَّه لا يَلزَمُ من الاشتراك في الموت الاشتراكُ في الثَّواب أو العقاب، بل
يُجازَى كلُّ أحد بعَمَلِه على حَسَب نَّته.
وجَنَحَ ابنُ أبي جَمْرة إلى أنَّ الذينَ يقعُ لهم ذلك إنَّما يقع بسببٍ سكوتهم عن الأمر
بالمعروفِ والنَّهي عن المنكر، وأمّا مَن أمَرَ وَهَى فهم المؤمنونَ حقّاً لا يُرسِلُ الله عليهم
العذاب بل يَدْفَعُ بهم العذاب، ويُؤيِّده قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِ الْقُرَى إِلَّا
وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩](١)، وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمَّ
وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣]، ويَدُلّ على تَعْميم العذاب لمن لم يَنهَ
عن المنكر وإن لم يَتَعاطاه قولُه تعالى: ﴿فَلَ نَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَقَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِنْ إِنَّكُمْ إِذَا
مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠].
ويُستَفاد من هذا مشروعيّةُ الهَرَب من الكفَّار ومن الظَّلَمة، لأنَّ الإقامة معهم من
إلقاء النَّفْس إلى التَّهْلُكة، هذا إذا لم يُعِنْهم ولم يَرْضَ بأفعالهِم، فإنْ أعانَ أو رَضِيَ فهو منهم،
ويُؤْيِّده أمرُه ◌َّرِ بالإسراع في الخروج من ديار ثَمُود.
وأمّا بَعْثُهم على أعمالهم فحُكْمٌ عَدْل؛ لأنَّ أعمالهم الصالحة إنَّما يُجازَوْنَ بها في الآخرة،
وأمّا في الدُّنيا فمهما أصابهم من بلاء كان تكفيراً لما قَدَّموه من عمل سَيِّئ، فكان العذاب
المرسَل في الدُّنيا على الذينَ ظَلَموا يَتناول مَن كان معهم ولم يُنكِرِ عليهم، فكان ذلك جزاءً
لهم على مُداهَنَتهم، ثمَّ يومَ القيامة يُبعَث كلَّ منهم فيُجازَى بعَمَلِهِ.
وفي الحديث تحذير وتخويف عظيم لمن سَكَتَ عن النَّهي، فكيفَ بمَن داهَنَ، فكيف
بِمَن رَضِيَ، فكيف بمَن عاوَنَ؟ نسأل الله السَّلامة.
(١) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧].

١٢٢
باب ٢٠ / ح ٧١٠٩
فتح الباري بشرح البخاري
قلت: ومُقتَضى كلامه أنَّ أهل الطّاعة لا يصيبهم العذابُ في الدُّنيا بجَرِيرة العُصاة،
وإلى ذلك جَنَحَ القُرْطُبيّ في ((التَّذكرة)، وما قَدَّمْناه قريباً أشبَهُ بظاهرِ الحديث، وإلى نحوه
مالَ القاضي ابن العربيّ، وسيأتي ذلك في الكلام على حديث زينب بنت جَحْش: أنَهلِكُ
وفينا الصالحونَ؟ قال: ((نَعَم، إذا كَثُرَ الْخَبَث)» في آخر كتاب الفتن (٧١٣٥).
٢٠ - باب قولِ النبيِّ ◌َّ للحسن بن عليٍّ:
(إنَّ ابني هذا لَسَيِّدٌ، ولعلَّ الله أنْ يُصلِحَ به بينَ فِئَتَينٍ منَ المسلمين))
٧١٠٩- حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا إسرائيلُ أبو موسى - ولَقِيتُه بالكوفةِ،
وجاءَ إلى ابنِ شُبْرُمةَ فقال: أدخِلْني على عيسى فأعِظَه، فكأنَّ ابنَ شُبْرُمةَ خافَ عليه فلم يفعل -
قال: حدّثنا الحسنُ قال: لمَّا سارَ الحسنُ بنُ عليٍّ رضي الله عنهما إلى معاويةَ بالكتائبِ، قال
عَمْرو بنُ العاصِ لمعاويةَ: أَرَى كَتِيبةً لا تُوَلّ حتَّى تُدِرَ أُخراها، قال معاويةُ: مَن لِذَرَاريِّ
المسلمينَ؟ فقال: أنا، فقال عبدُ الله بنُ عامٍ وعبدُ الرَّحمنِ بنُ سَمُرةَ: نَلْقاه فنقولُ له: الصُّلْحَ.
قال الحسنُ: ولقد سمعتُ أبا بَكْرةَ قال: بينما النبيُّ ◌َهِ يَخْطُبُ جاءَ الحسنُ، فقال النبيُّ
وَله: ((ابني هذا سَيِّدٌ، ولعلَّ اللهَ أنْ يُصلِحَ به بينَ فِئَتَنِ منَ المسلمينَ)».
٦٢/١٣
قوله: ((باب قول النبيّ ◌َّ﴿ للحسنِ بن عليّ: إنَّ ابني هذا ◌َسَيِّد)) في رواية المَرْوزيِّ
والكُشمِيهَنيّ: ((سَيَِّ)) بغير لام، وكذا لهم في مِثْل هذه التَّرجمة في كتاب الصُّلْح، وبحَذْفٍ
((إِنَّ)، وساقَ المتن هناك بلفظ: ((إنَّ ابني هذا سَيِّد)) وساقَه هنا بحَذْفِها، فأشارَ في كلٍّ من
الموضعَين إلى ما وَقَعَ في الآخَر، وقد أخرجه هناك (٢٧٠٤) عن عبد الله بن محمَّد عن
سفيان بتمامه، ثمَّ نَقَلَ عن عليّ بن عبد الله ما يَتَعلَّق بسماع الحسن من أبي بَكْرة، وساقَه هنا
عن عليّ بن عبد الله فلم يَذكُر ذلك، ولم أرَ في شيء من طرق المتن (لَسَيِّد)» باللّام كما وَقَعَ في
هذه التَّرجمة(١).
(١) وقع بلفظ ((لسيِّد) باللام في ((مسند أحمد)) (٢٠٤٧٣) عن عبد الرزاق عن معمر عمن سمع الحسن
يحدِّث عن أبي بكرة، وهو في (مصنف عبد الرزاق)) برقم (٢٠٩٨١) لكن بلفظ ((سيد)» بلا لام!

١٢٣
باب ٢٠ / ح ٧١٠٩
كتاب الفتن
وقد أخرجه الإسماعيليّ من رواية سبعة أنفُس عن سفيان بن عُيَينةً، وبيَّن اختلاف
ألفاظهم، وذكر في الباب الحديث المذكور وحديثاً لأُسامة بن زيدٍ.
قوله: ((حدّثنا إسرائيل أبو موسى)) هي كُنْية إسرائيل، واسم أبيه موسى، فهو مَمَّن وافَقَتْ
كُنْيَتُهُ اسمَ أبيه، فيُؤْمَن فيه من التَّصحيف، وهو بَصْريّ كان يسافر في التِّجارة إلى الهِنْد،
وأقامَ بها مُدّةً.
قوله: ((ولَقِيته بالكوفةِ» قائل ذلك هو سفيان بن عُيَينةَ، والجملة حاليّةٌ.
قوله: ((وجاءَ إلى ابن شُبْرُمةَ)) هو عبد الله قاضي الكوفة في خلافة أبي جعفر المنصور،
وماتَ في زَمانِه سنة أربع وأربعينَ ومئة، وكان صارماً عَفيفاً ثقة فقيهاً.
قوله: ((فقال: أدخِلْني على عيسى فأَعِظَه)) بفتح الهمزة وكسر العَين المهمَلة وفتح الظّاء
المُشَالَة، من الوَعْظ، وعيسى: هو ابن موسى بن محمَّد بن عليّ بن عبد الله بن عبَّاس ابنُ
أخي المنصور، وكان أميراً على الكوفةِ إذ ذاكَ.
قوله: (فكأنَّ) بالتَّشديد ((ابنَ شُبْرُمةَ خافَ عليه)) أي: على إسرائيل ((فلم يفعل)) أي: فلم
يُدخِلْه على عيسى بن موسى، ولعلَّ سببَ خوفه عليه أنَّه كان صادِعاً بالحقّ، فخَشِيَ أنَّه لا
يَتَلَطَّف بعيسى فيَبْطِش به لما عندَه من غِرّة الشَّباب وغِرّة المُلْك، قال ابن بَطّال: دَلَّ ذلك
من صنيع ابن شُبْرُمةَ على أنَّ مَن خافَ على نفسه سَقَطَ عنه الأمرُ بالمعروفِ والنّهي عن
المنكر. وكانت وفاة عيسى المذكور في خِلَافة المهديّ سنة ثمانٍ وستّينَ ومئة.
قوله: ((قال: حدَّثنا الحسن)) يعني: البصريّ، والقائل ((حدَّثنا)) هو إسرائيل المذكور.
قال البزَّار في «مُسنَده)) (٣٦٥٥) بعدَ أن أخرج هذا الحديث عن خَلَف بن خليفة عن
سفيان بن عُيَينَةَ (٣٦٥٥): لا نعلمُ رواه عن إسرائيل غير سفيان. وتَعقَّبَه مُغَلْطاي بأنَّ
البخاريّ أخرجه في علامات النُّبّة (٣٦٢٩) من طريق حُسَين بن عليّ الجُعْفيِّ عن أبي
موسى، وهو إسرائيل هذا، وهو تَعقُّب جيّد، ولكنْ لم أرَ فيه القصّة، وإنَّما أخرج فيه
الحديثَ المرفوعَ فقط.

١٢٤
باب ٢٠ / ح ٧١٠٩
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((لمّا سارَ الحسن بن عليّ إلى مُعاويةَ بالكتائبِ)) في رواية عبد الله بن محمَّد عن
سفيان في كتاب الصُّلْح (٢٧٠٤): استَقبَلَ والله الحسنُ بن عليّ معاويةَ بكتائبَ أمثالٍ
الجبال، والكتائب بمُثّاةٍ وآخره موخَّدة: جمع كَتيبة، بوَزْنِ عَظِيمة، وهي طائفة من الجیش
تجتمع، وهي فَعِيلة بمعنى مفعولة؛ لأنَّ أمير الجيش إذا رَتَّبَهم وجَعَلَ كلَّ طائفة على حِدَة،
كَتَبَهم في ديوانه كذلك، ذكر ذلك ابنُ التِّين عن الدَّاوُوديّ، ومنه قيلَ: مَكتَبُ بني فلان،
قال: وقوله: ((أمثال الجبال)) أي: لا يُرَى لها طَرَفٌ لكَثْرتِها كما لا يرى مَن قَابَلَ الجبلَ طَرَفَه،
ويحتمل أن یرید شِدّة البأس.
وأشارَ الحسن البصريّ بهذه القصَّة إلى ما اتَّفَقَ بعد قتل عليّ ﴾، وكان عليٌّ لمَّ انقَضَى
أمرُ التَّحكيم ورَجَعَ إلى الكوفة، تَجَهَّزَ لقتالِ أهل الشّام مرَّةً بعد أُخرى، فشَغَلَه أمرُ الخوارج
بالنَّهْرَوان كما تقدَّم وذلك في سنة ثمانٍ وثلاثين، ثمَّ تَجَهَّزَ في سنة تسع وثلاثين، فلم يَتَهِيَّأ
٦٣/١٣ ذلك لافتِراقِ آراء أهل العراق عليه، ثمَّ وَقَعَ الجِدُّ منه في ذلك في سنة أربعین، فأخرج /
إسحاق من طريق عبد العزيز بن سِيَاءٍ - بكسر المهمَلة وتخفيف الياء آخر الحروف - قال:
لمَّا خَرَجَ الخوارج قامَ عليّ فقال: أتَسيرونَ إلى الشّام أو تَرجِعونَ إلى هؤلاءِ الذينَ خَلَفوكم في
دياركم؟ قالوا: بل نَرجِعُ إليهم، فذكر قصَّة الخوارج، قال: فَرَجَعَ عليٌّ إلى الكوفة، فلمَّا قُتِلَ
واستُخْلِفَ الحسن وصالَحَ معاويةَ، كَتَبَ إلى قيس بن سعد بذلك فَرَجَعَ عن قتال معاوية.
وأخرج الطَّبَرِيُّ(١) بسندٍ صحيح عن يونس بن يزيد عن الزُّهْريّ قال: جَعَلَ عليٌّ على
مُقدِّمة أهل العراق قيس بن سعد بن عُبادة، وكانوا أربعينَ ألفاً بايعوه على الموت، فقُتِلَ
عليٌّ فبايعوا الحسن بن عليّ بالخِلافة، وكان لا يُحِبّ القتال، ولكنْ كان يريد أن يَشتَرِط على
معاوية لنفسِه، فعَرَفَ أنَّ قيس بن سعد لا يُطاوِعُه على الصُّلْحِ فَنَزَعَه وأمَّرَ عبدَ الله بن
عبَّاس، فاشتَرَطَ لنفسِه كما اشتَرَطَ الحسن.
وأخرج الطَّبَرِيُّ (١٥٩/٥) والطََّرانيُّ (١٦٨) من طريق إسماعيل بن راشد قال: بَعَثَ
الحسنُ قيسَ بن سعد على مُقدِّمَته في اثنَيْ عشرَ ألفاً - يعني: من الأربعينَ - فسارَ قيس إلى
(١) في ((تاريخه)) ١٥٨/٥.

١٢٥
باب ٢٠ / ح ٧١٠٩
كتاب الفتن
جهة الشّام، وكان معاوية لمَّا بَلَغَه قتلُ عليّ خَرَجَ في عساكره من الشّام، وخَرَجَ الحسن بن
عليّ حتَّى نَزَلَ المدائن، فوَصَلَ معاوية إلى مَسْكَنَ.
وقال ابن بَطّل: ذكر أهل العِلم بالأخبار: أنَّ عليّاً لمَّا قُتِلَ سارَ معاوية يريد العراق،
وسارَ الحسن يريد الشّام، فالتَقَيا بمَنْزِلٍ من أرض الكوفة، فَنَظَرَ الحسن إلى كَثْرة مَن معه
فنادَى: يا معاوية، إنّي اختَرْتُ ما عندَ الله، فإنْ يكن هذا الأمر لك، فلا يَنبَغي لي أن أُنَازِعَك
فيه، وإن يكن لي فقد تَرَكتُه لك، فكَبَّرَ أصحابُ معاوية، وقال المغيرة عندَ ذلك: أشهَدُ أنّي
سمعت النبيّ وَّه يقول: ((إنَّ ابني هذا سَيِّد)) الحديث، وقال في آخره: فجَزَاكَ الله عن
المسلمين خيراً، انتهى.
وفي صِحّة هذا نظرٌ من أوجُه:
الأوَّل: أنَّ المحفوظ أنَّ معاوية هو الذي بَدَأ بطَلَبِ الصُّلْح كما في حديث الباب.
الثّاني: أنَّ الحسن ومعاوية لم يَتَلَاقَيا بالعَسْكَرَين، حتَّى يُمكِّن أن يَتَخاطَبا وإِنَّمَا تَراسَلا،
فيُحمَل قوله: فنادى: يا معاوية، على المراسلة، ويُجمَع بأنَّ الحسن راسَلَ معاويةَ بذلك
سِرّاً، فراسَلَه معاويةٍ جَهْراً، والمحفوظ أنَّ كلام الحسن الأخير إنَّا وَقَعَ بعدَ الصُّلْح
والاجتماع، كما أخرجه سعيد بن منصور والبيهقيُّ في ((الدَّلائل))(١) (٦/ ٤٤٤) من طريقه
ومن طريق غيره بسندِهِما إلى الشَّعْبِيّ قال: لمَّا صالَحَ الحسنُ بن عليّ معاوية، قال له
معاوية: قم فتَكلَّم، فقامَ فحَمِدَ الله وأثنَى عليه ثمَّ قال: أمّا بَعْدُ، فإنَّ أكْيَسَ الكَيْس التُّقَى،
وإنَّ أعجَزَ العَجْزِ الفُجور، ألا وإنَّ هذا الأمر الذي اختَلَفْتُ فيه أنا ومعاوية حَقّ لامِرِئٍ
كان أحقّ به منِّي، أو حَقّ لي تَرَكتُه لإرادةِ إصلاح المسلمين وحَقْن دِمائهم، وإنْ أدري لعلَّه
فِتْنَة لكم ومَتاع إلى حينٍ، ثمَّ استَغْفَرَ ونَزَلَ.
وأخرج يعقوب بن سفيان، ومن طريقه أيضاً البيهقيُّ في ((الدَّلائل)) (٤٤٤/٦-٤٤٥)
من طريق الزُّهْريّ، فذكر القصّة وفيها: فخَطَبَ معاويةُ ثمَّ قال: قم يا حسنُ فَكَلِّم الناس،
(١) انظرہ فیه ٦/ ٤٤٢ -٤٤٥.

١٢٦
باب ٢٠ / ح ٧١٠٩
فتح الباري بشرح البخاري
فَتَشَهَّدَ ثمّ قال: أيّها الناس، إنَّ الله هَذَاكم بأوَّلِنا وحَقَنَ دِماءَكم بآخِرِنا، وإنَّ لهذا الأمر مُدّةً
والدُّنيا دُوَل؛ وذكر بقيّة الحديث.
والثّالث: أنَّ الحديث لأبي بَكْرة لا للمُغيرة، لكنَّ الجمع مُمكِن بأن يكون المغيرةُ حَدَّثَ
به عندَما سَمِعَ مُراسَلةَ الحسن بالصُّلْح، وحَدَّثَ به أبو بَكْرة بعد ذلك، وقد روی أصلَ
الحديث جابر، أورَدَه الطََّرانيُّ (٢٥٩٧) والبيهقيُّ في ((الدَّلائل)) (٤٤٣/٦-٤٤٤) من
((فوائد يحيى بن مَعِين)) بسندٍ صحيح إلى جابر، وأورَدَه الضِّياء في ((الأحاديث المختارة ممّاً
ليس في الصحیحین»، وعَجِبْتُ للحاكم في عدم استدراکه مع شِدّة حِرْصه علی مِثْله.
قال ابن بَطّال: سَلَّمَ الحسنُ لمعاويةَ الأمرَ وبايعَه على إقامة كتاب الله وسُنّة نبيّه،
ودَخَلَ معاوية الكوفة وبايعَه الناس، فسُمّيَتْ سَنَةَ الجماعة لاجتماع الناس وانقطاع الحرب.
وبايعَ معاويةَ كلّ مَن كان مُعتَزِلاً للقتالِ كابنِ عمر وسعد بن أبي وقّاص ومحمَّد بن مَسْلَمَةَ،
وأجازَ معاوية الحسنَ بثلاثِ مئة ألفٍ وألفِ ثَوْب وثلاثينَ عبداً ومئة جَمَل، وانصَرَفَ إلى
٦٤/١٣ المدينة، وولَّ معاوية الكوفةَ المغيرةَ بن شُعْبة، والبصرةَ/ عبدَ الله بن عامر، ورَجَعَ إلى دمشق.
قوله: ((قال عَمْرو بن العاص لمعاويةَ: أَرَى كَتيبةً لا تُولِّي)) بالتَّشديد، أي: لا تُدِرُ.
قوله: ((حتَّى تُدبِرَ أُخراها)) أي: التي تُقابِلها، ونَسَبَها إليها لتَشارُكِهما في المحاربة، وهذا
على أنّ (يُذْبِرِ) مَن: أدبَرَ رُباعيّاً، ويحتمل أن يكون من: دَبُرَ يَدُبُر، بفتح أوَّله وضمّ الموحّدة،
أي: يقوم مَقامها، يُقال: دَبَرْتُه: إذا بَقِيت بعدَه، وتقدَّم في رواية عبد الله بن محمَّد في الصُّلْح
(٢٧٠٤): إنّ لَأَرَى كَتائبَ لا تولّي حتَّى تَقْتُل أقرانها؛ وهي أبيَّن، قال عِيَاض: هي الصَّواب،
ومُقتَضاه أنَّ الأُخرى خَطَأ، وليس كذلك بل توجيهها ما تقدَّم.
وقال الكِرْمانيُّ: يحتمل أيضاً أن تُرادَ الكتيبةُ الأخيرة التي هي من جملة تلك الكتائب،
أي: لا يَنْهَزِمونَ بأنْ تَرجِعَ الأُخرى أُولَى.
قوله: ((قال معاوية: مَن لذَرَاريِّ المسلمين)) أي: مَن يَكفُلهم إذا قُتِلَ آبَاؤُهم؟ زاد في
الصُّلْحِ: فقال له معاوية وكان والله خيرَ الرجلينِ - يعني: معاوية -: أَيْ عَمْرو، إنْ قتل

١٢٧
باب ٢٠ / ح ٧١٠٩
كتاب الفتن
هؤلاءِ هؤلاءِ، وهؤلاءِ هؤلاءِ، مَن لي بأمورِ الناس، مَن لي بنسائهم، مَن لي بضَيْعَتِهِم؛ يشير
إلى أنَّ رجال العَسْكَرَينِ مُعظَم مَن في الإقليمَين، فإذا قُتِلوا ضاعَ أمر الناس، وفَسَدَ حال
أهلهم بعدهم وذَرارِّهم.
والمراد بقولِه: ((ضَيْعَتهم)) الأطفال والضُّعَفاء، سُمّوا باسم ما يؤُولُ إليه أمرهم؛ لأنَّهم
إذا تُرِكوا ضاعوا لعَدَمِ استقلالهم بأمرِ المعاش، وفي رواية الحميديِّ عن سفيان في هذه
القصّة: مَن لي بأُمورِهم، مَن لي بدِمائهم، مَن لي بنسائهم(١).
وأمّا قوله هنا في جواب قول معاوية: مَن لذَراريِّ المسلمين؟ فقال: أنا، فظاهره يُوهِم
أنَّ المجيب بذلك هو عَمْرو بن العاص، ولم أرَ في طرق الخبر ما يَدُلّ على ذلك، فإن كانت
محفوظة فلعلَّها كانت: ((فقال: أَنَّى)) بتشديد النُّون المفتوحة قالها عَمْرو على سبيل الاستبعاد.
وأخرج عبد الرَّزّاق في ((مُصنَّفه)) (٩٧٧٠) عن مَعمَر عن الزُّهْريّ قال: بَعَثَ رسول الله
وَلّ عَمَرَو بن العاص في بَعْث ذات السَّلاسِل، فذكر أخباراً كثيرة من التّاريخ إلى أن قال:
وكان قيس بن سعد بن عُبادة على مُقدِّمة الحسن بن عليّ، فأرسَلَ إليه معاويةُ سِجِلًّا قد
خُتِمَ في أسفلِه فقال: اكتُبْ فيه ما تريد فهو لك، فقال له عَمْرو بن العاص: بل نُقاتِله،
فقال معاوية - وكان خيرَ الرجلينِ -: على رِسْلِك يا أبا عبد الله، لا تَخْلُّص إلى قتلِ هؤلاءِ
حتَّى يُقتَل عَدَدُهم من أهل الشّام، فما خيرُ الحياة بعدَ ذلك؟ وإنّي والله لا أُقاتل حتَّى لا
أجِدَ من القتال بُدّاً.
قوله: ((فقال عبد الله بن عامر وعبد الرَّحمن بن سَمُرة: نَلْقاه فنقول له: الصُّلْحَ)) أي: نُشير
عليه بالصُّلْح، وهذا ظاهره أَّهما بَدَآ بذلك، والذي تقدَّم في كتاب الصُّلْح (٢٧٠٤): أنَّ
معاوية هو الذي بَعَثَّهُما، فيُمكِن الجمعُ بأنَّهما عَرَضا أنفُسَهما فوافَقَهما، ولفظُه هناك: فَبَعَثَ إليه
رجلَينِ مِن قُرَيش من بني عبد شَمْس، أي: ابن عبد مناف بن قُصَيّ: عبد الرَّحمن بن سَمُرة
(١) أخرجه من طريق الحميديِّ الحاكم في ((مستدركه)) ٣/ ١٧٤. وسيأتي قريباً عزوُ الحافظ روايةَ الحميدي
هذه لمسنَده، ولم نقف عليها في المطبوع منه.

١٢٨
باب ٢٠ / ح ٧١٠٩
فتح الباري بشرح البخاري
- زاد الحُميديُّ في ((مُسنَده))(١) عن سفيان: ابن حبيب بن عبد شَمْس، قال سفيان: وكانت
له صُحْبة، قلت: وهو راوي حديث: ((لا تَسْأل الإمارة)) (٢)، وسيأتي شيء من خبره في
کتاب الأحكام (٧١٤٦ و ٧١٤٧) - وعبد الله بن عامر بن كُرَیْز؛ بکافٍ وراء ثمّ زاي
مُصغَّر، زاد الحميديُّ: ابن حبيب بن عبد شَمْس، وقد مضى له ذِكْر في كتاب الحجّ وغيره(٣)،
وهو الذي ولّاه معاوية البصرة بعد الصُّلْح، وبنو حبيب بن عبد شَمْس بنو عَمّ بني أُميّة
ابن عبد شَمْس، ومعاوية: هو ابن أبي سفيان صَخْر بن حَرْب بن أُميّة.
((فقال معاوية: اذهبا إلى هذا الرجل فاعرضا عليه)) أي: ما شاءَ من المال ((وقُولا له)) أي:
في حَقْن دِماء المسلمين بالصُّلْح ((واطْلُبًا إليه)) أي: اطْلُبا منه خَلْعَه نفسَه من الخِلافة وتسليم
الأمر لمعاويةَ، وابذُلا له في مُقابلة ذلك ما شاءَ ((قال: فقال لهما الحسن بن عليّ: إنّا بنو
عبد المُطَّلِّب قد أصَبْنا من هذا المال، وإنَّ هذه الأُمّة قد عائَتْ في دِمائها، قالا: فإنَّه يَعرِضُ
عليك كذا وكذا، ويَطلُب إليك ويَسْألك، قال: فمَن لي بهذا؟ قالا: نحنُ لك به، فما سَأَلَما شيئاً
إلّا قالا: نحنُ لك به، فصالحَه)»(٤).
٦٥/١٣
قال ابن بَطّال: هذا يَدُلّ على أنَّ معاوية كان هو الرَّاغِبَ في / الصُّلْح، وأنَّه عَرَضَ على
الحسن المال ورَغَّبَه فیه، وحثّه علی رَفْع السّيف، وذَكَّرَه ما وَعَدَه به جَدُّه ێۇ من سيادته في
الإصلاح به، فقال له الحسن: إنّ بنو عبد المطَّلِب أصَبْنا مِن هذا المال، أي: إنّا جُبِلنا على
الكَرَم والتَّوسِعة على أتباعنا من الأهل والموالي، وكنّا نتمكَّن من ذلك بالخِلافة حتَّى صارَ
ذلك لنا عادةً.
(١) سبق في التعليق السابق أن ذكرنا أننا لم نقف عليه في المطبوع من ((مسند الحميدي))، وهذه الرواية بتسمية
الرجلين أخرجها من طريق الحميدي عبدُ الله بن أحمد في زياداته على كتاب ((العلل ومعرفة الرجال))
(٦٠٠٠).
(٢) سلف عند البخاري برقم (٦٦٢٢).
(٣) لم نقف على ذِكرِ له في كتاب الحج، وقد مضى له ذِكرٌ في المغازي برقم (٤٣٧٨).
(٤) كلام معاوية والحسن الذي في هذه الفقرة ليس في هذا الموضع من ((الصحيح))، وإنما هو في الحديث
السالف في كتاب الصلح برقم (٢٧٠٤).

١٢٩
باب ٢٠ / ح ٧١٠٩
كتاب الفتن
وقوله: ((إنَّ هذه الأُمّة))، أي: العَسْكَرَينِ الشّاميَّ والعراقيّ ((قد عائَت)) بالمثلَّثِةِ، أي:
قتل بعضُها بعضاً، فلا يَكُفُّونَ عن ذلك إلّا بالصَّفْحِ عمَّا مضى منهم والتَّلُّف بالمال، وأرادَ
الحسن بذلك كلّه تسكينَ الفِتْنة وتَفرِقة المال على مَن لا يُرْضيه إلّا المال، فوافَقَاه على ما
شَرَطَ مِن جميع ذلك والتَزَما له من المال في كلّ عام والّياب والأقوات ما يحتاج إليه لكلِّ
مَن ذُكِرَ.
وقوله: ((مَن لي بهذا)) أي: مَن يَضْمَن لي الوفاءَ من معاوية؟ فقالا: نحنُ نَضْمَن، لأنَّ
معاوية كان فَوَّضَ لهما ذلك، ويحتمل أن يكون قوله: ((أصَبْنا من هذا المال)) أي: فَرَّقْنا منه
في حياة عليّ وبعدَه ما رأينا في ذلك صلاحاً، فنَبَّه على ذلك خَشْيةَ أن يَرجِع عليه بما
تَصرَّفَ فيه.
وفي رواية إسماعيل بن راشد عندَ الطَّبَريّ (١٥٩/٥): فبَعَثَ إليه معاويةُ عبدَ الله بن
عامر وعبد الله بن سَمُرة بن حبيب، كذا قال: عبد الله، وكذا وَقَعَ عندَ الطَّبَرانيّ (١٦٨)،
والذي في ((الصَّحيح)) أصحُّ، ولعلَّ عبد الله كان مع أخيه عبد الرّحمن، قال: فقَدِما على
الحسن بالمدائنِ فأعطَياه ما أرادَ، وصالحاه على أن يأخُذَ من بيت مال الكوفة خمسة آلاف
ألف في أشياءَ اشتَرَطَها.
ومن طريق عَوَانة بن الحَكَم نحوه وزاد: وكان الحسن صالَحَ معاويةً على أن يجعل له
ما في بيت مال الكوفة، وأن يكون له خَرَاجُ دَرَابجِرْد، وذكر محمَّد بن قُدامةَ في ((كتاب
الخوارج)) بسندٍ قويّ إلى أبي نَضْرة: أنَّه سَمِعَ الحسن بن عليّ يقول في خُطْبته عندَ معاوية:
إنّي اشتَرَطْتُ على معاوية لنفسي الخِلافة بعدَه.
وأخرج يعقوب بن سفيان بسندٍ صحيح إلى الزُّهْريّ قال: كاتَبَ الحسنُ بن عليّ
معاويةَ واشتَرَطَ لنفسِهِ، فَوَصَلَت الصَّحيفة لمعاويةَ، وقد أرسَلَ إلى الحسن يَسْأله الصُّلْحَ
ومع الرَّسول صحيفة بيضاء مختوم على أسفلها وكَتَبَ إليه: أنِ اشتَرِطْ ما شئت فهو لك،
فاشتَرَطَ الحسنُ أضعاف ما كان سَألَ أوَّلاً، فلمَّا الْتَقَيا وبايعَه الحسن، سَألَه أن يُعْطِيَه ما

١٣٠
باب ٢٠ / ح ٧١٠٩
فتح الباري بشرح البخاري
اشتَرَطَ في السِّجِلّ الذي خَتَمَ معاوية في أسفله، فتَمسَّكَ معاويةُ إلّا ما كان الحسن سَأَلَه
أوَّلاً، واحتَجَّ بأنَّه أجابَ سؤالَه أوَّلَ ما وَقَفَ عليه، فاختَلَفا في ذلك، فلم يَنفُذ للحسنِ من
الشَّرْطَينِ شيءٍ.
وأخرج ابن أبي خَيْئمةَ من طريق عبد الله بن شَوْذَبٍ قال: لمَّا قُتِلَ عليٌّ سارَ الحسنُ بن
عليّ في أهل العراق ومعاويةُ في أهل الشّام فالتَّقَوْا، فكَرِهَ الحسن القتال، وبايعَ معاويةَ على
أن يجعل العَهْد للحسنِ من بعدِه، فكان أصحاب الحسن يقولون له: يا عارَ المؤمنين،
فيقول: العارُ خير من النار.
قوله: ((قال الحسن)) هو البصريّ، وهو موصول بالسَّندِ المتقدِّم، ووَقَعَ في رجال البخاريّ
لأبي الوليد الباجيّ في ترجمة الحسن بن عليّ بن أبي طالب ما نَصُّه: أخرج البخاريّ قول
الحسن: سمعتُ أبا بَكْرة، فتَأوَّلَه الدّارَقُطْنِيُّ وغيرُه على أنَّه الحسن بن عليّ، لأنَّ الحسن
البصريّ عندَهم لم يسمع من أبي بَكْرة، وحَلَه ابن المَدِيني والبخاريّ على أنَّه الحسن
البصريّ.
قال الباحِيُّ: وعندي أنَّ الحسن الذي قال: سمعتُ هذا من أبي بَكْرة، إنَّما هو الحسن
ابن عليّ. انتهى، وهو عجيب منه، فإنَّ البخاريّ قد أخرج متنَ هذا الحديث في علامات
النُّة (٣٦٢٩) مُجرَّداً عن القصَّة من طريق حُسَين بن عليّ الجُعْفيِّ عن أبي موسى - وهو
إسرائيل بن موسى - عن الحسن عن أبي بَكْرة، وأخرجه البيهقيُّ في ((الدَّلائل)) (٤٤٣/٦)
من رواية مُبارَك بن فَضَالة ومن رواية عليّ بن زيد، كلاهما عن الحسن عن أبي بكرة، وزاد
في آخره: قال الحسن: فلمَّا وُلِّيَ ما أُهْرِيقَ في سببه مِحْجَمةُ دم، فالحسن القائل: هو
البصريّ، والذي وُلِّ: هو الحسن بن عليّ، وليس للحسن بن عليّ في هذا رواية، وهؤلاءِ
الثَّلاثة - إسرائيل بن موسى ومُبارَك بن فضالة وعليّ بن زيد - لم يُدرِك واحد منهم الحسنَ
٦٦/١٣ ابن عليّ، وقد صَرَّحَ إسرائيل بقولِه: سمعتُ الحسن، وذلك/ فيما أخرجه الإسماعيليّ عن
الحسن بن سفيان عن الصَّلْت بن مسعود عن سفيان بن عُيَينةَ عن أبي موسى - وهو

١٣١
باب ٢٠ / ح ٧١٠٩
كتاب الفتن
إسرائيل -: سمعتُ الحسن سمعت أبا بَكْرة، وهؤلاءِ كلّهم من رجال ((الصَّحيح))، والصَّلْت
من شیوخ مسلم.
وقد استَشعَرَ ابنُ التِّينِ خَطَأ الباجيّ فقال: قال الدَّاوُودُّ: الحسن مع قُرْبه من النبيّ وَل
بحيثُ تُوُلِّ النبيُّ ◌َّ وهو ابن سبع سنين، لا يُشَكّ في سماعه منه وله مع ذلك صُحْبة.
قال ابن التِّين: الذي في البخاريّ إنَّما أرادَ سماعَ الحسن بن أبي الحسن البصريّ من أبي بَكْرة.
قلت: ولعلَّ الدَّاوُوديَّ إِنَّما أرادَ رَدَّ تَوهُم مَن يَتَوهَّم أنَّه الحسن بن عليّ، فدَفَعَه بما ذُكِرَ،
وهو ظاهر، وإنَّما قال ابن المَدِيني ذلك لأنَّ الحسن كان يُرسِل كثيراً عمَّنْ لم يَلْقَهم بصيغةٍ
((عن))، فخَشِيَ أن تكون روايته عن أبي بَكْرة مُرسَلة، فلمَّا جاءَتْ هذه الرّواية مُصرِّحة
بسماعِه من أبي بَكْرة، ثَبَتَ عندَه أنَّه سَمِعَه منه.
ولم أرَ ما نَقَلَه الباجيُّ عن الدّارَ قُطْنِيِّ مِن أنَّ الحسن هنا هو ابن عليّ في شيءٍ من
تصانيفه، وإنَّما قال في ((الَّتُّع لما في الصحيحين)): أخرج البخاريّ أحاديثَ عن الحسن عن
أبي بَكْرة، والحسن إنَّما روى عن الأحتَف عن أبي بَكْرة؛ وهذا يَقتَضي أنَّه عندَه لم يسمع من
أبي بَكْرة، لكنْ لم أرَ مَن صَرَّحَ بذلك ثمّن تَكلَّمَ في مَراسيل الحسن، كابنِ المَدينيّ وأبي
حاتم وأحمد والبزَّار وغيرهم، نعم كلامُ ابن المَدِيني يُشعِر بأنَّهم كانوا يَحِمِلونَه على
الإرسال حتَّى وَقَعَ هذا التَّصريح.
قوله: ((بينَمَا النبيُّ ◌َهِ يَخِطُب جاءَ الحسن فقال)) وَقَعَ في رواية عليّ بن زيد عن الحسن في
((الدَّلائل)) للبيهقيِّ (٤٤٣/٦): يَخْطُب أصحابَه يوماً إذ جاءَ الحسن بن عليّ فصَعِدَ إليه
المِنْبَرَ، وفي رواية عبد الله بن محمَّد المذكورة(١): رأيت رسول الله وَ له على المِنْبَرَ والحسن بن
عليّ إلى جَنْبه وهو يُقبِل على الناس مرَّةً وعليه أُخرى ويقول ... ومِثْله في رواية ابن أبي عمر
عن سفيان(٢)، لكنْ قال: وهو يَلتَفِت إلى الناس مرَّةً وإليه أُخرى.
(١) في الصلح برقم (٢٧٠٤).
(٢) وأخرجها البيهقي في ((دلائل النبوة)) ٦/ ٤٤٢، ومثلها رواية الحميدي عن سفيان وهي في ((مسنده)) برقم
(٧٩٣).

١٣٢
باب ٢٠ / ح ٧١٠٩
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((ابني هذا سَيِّد)) في رواية عبد الله بن محمَّد: ((إنَّ ابني هذا سَيِّد))، وفي رواية مُبارَك
ابن فَضَالة(١): رأيت رسول الله وَ ◌ّهِ ضَمَّ الحسن بن عليّ إليه وقال: ((إنَّ ابني هذا سَيِّد)»،
وفي رواية عليّ بن زيد: فضَمَّه إليه وقال: ((ألا إنَّ ابني هذا سَيِّد)).
قوله: ((ولعلَّ اللهَ أنْ يُصلِحَ به)) كذا استَعمَلَ ((لعلَّ)) استعمالَ (عسى)) لاشتراكهما في
الرَّجاء، والأَشهَر في خبر ((لعلَّ)) بغير ((أن))، كقوله تعالى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ﴾ [الطلاق: ١].
قوله: ((بينَ فِتَتَنِ من المسلمين)) زاد عبد الله بن محمَّد في روايته: ((عظيمَتَينِ))، وكذا في رواية
مُبارَك بن فَضَالة وفي رواية عليّ بن زيد كلاهما عن الحسن عندَ البيهقيّ (٤٤٢/٦ و ٤٤٣).
وأخرج من طريق أشعَث بن عبد الملك عن الحسن كالأوَّلِ لكنَّه قال: ((وإنّي لَأرجو
أن يُصلِحَ الله به))، وجَزَمَ في حديث جابر ولفظه عندَ الطََّرانيِّ (٢٥٩٧) والبيهقيِّ
(٤٤٣/٦ -٤٤٤): قال الحسن: ((إنَّ ابني هذا سَيِّد يُصلِحِ الله به بينَ فِئَتَينٍ من المسلمین))،
قال البَزَّار (٢): رُوي هذا الحديث عن أبي بَكْرة وعن جابر، وحديث أبي بَكْرة أشهَرُ وأحسَنُ
إسناداً، وحديث جابر غريب.
وقال الدّارَ قُطْنِيُّ: اختُلِفَ على الحسن فقيلَ: عنه عن أمّ سَلَمة، وقيل: عن ابن عُيَينَةً
عن أيوب عن الحسن، وكلَّ منهما وهمٌّ، ورواه داودُ بن أبي هِنْد وعَوْف الأعرابيّ عن
الحسن مُرسَلاً.
وفي هذه القصَّة من الفوائد: عَلَمٌّ مِن أعلام النُّبوّة، ومَنْقَبة للحسنِ بن عليّ، فإنَّه تَرَكَ
المُلْك لا لِقِلّةٍ ولا لِذِلّةٍ ولا لِعِلّةٍ، بل لرَغْبَتِه فيما عندَ الله لِمَا رَآه من حَقْن دِماء المسلمين،
فراعَى أمرَ الدِّين ومَصْلَحةِ الأُمّة.
وفيها رَدُّ على الخوارج الذينَ كانوا يُكفِّرونَ عليّاً ومَن معه ومعاويةَ ومَن معه بشَهَادة
النبيّ وَّه للطّائفتَينِ بأنَهم من المسلمين، ومِن ثَمَّ كان سفيان بن عُيَينةَ يقول عَقِبَ هذا
(١) عند البيهقي في ((الدلائل)) ٤٤٢/٦، و کذا رواية علي بن زيد.
(٢) في ((مسنده)) بإثر الحديث رقم (٣٦٥٦).

١٣٣
باب ٢٠ / ح ٧١٠٩
كتاب الفتن
الحديث: قوله: ((من المسلمين)) يُعجِبنا جدّاً، أخرجه يعقوب بن سفيان في ((تاريخه))(١) عن
الحمیديِّ وسعید بن منصور عنه.
وفيه فضيلة الإصلاح بينَ الناس ولا سيَّما في حَقْن دِماء المسلمين، ودلالةٌ على رَأْفة
معاوية بالرَّعيّة، وشَفَقَته على المسلمين، وقوّة نَظَرَه في تدبير المُلْك، / ونَظَرَه في العواقب. ٦٧/١٣
وفيه ولايةُ المفضول الخلافةَ مع وجود الأفضل؛ لأنَّ الحسن ومعاوية وليَ كلٍّ منهما
الخِلافة وسعدُ بن أبي وقّاص وسعيد بن زيد في الحياة، وهما بَدْريّان، قاله ابن التِّين.
وفيه جواز خَلْع الخليفة نفسَه إذا رأى في ذلك صلاحاً للمسلمين، والتُّزول عن الوظائف
الدِّينيّة والدُّنيَويّة بالمال، وجواز أخذ المال على ذلك وإعطائه بعدَ استيفاء شَرَائطه بأن
يكون المنزول له أَولى من النازِل، وأن يكون المبذولُ من مال الباذِل، فإنْ كان في ولاية
عامّة وكان المبذول من بيت المال، اشتُرِطَ أن تكون المصلحة في ذلك عامّة، أشار إلى ذلك
ابن بطّال قال: يُشتَرَط أن يكون لكلٍّ من البازِل والمبذول له سببٌ في الولاية يُستَنَد إليه،
وعَقْدٌ من الأُمور يُعوَّل عليه.
وفيه أنَّ السِّيادة لا تَخْتَصّ بالأفضل، بل هو الرَّئيس على القوم، والجمع: سادَةٌ، وهو
مُشْتَقّ من السُّودَد وقيل: من السَّوَاد لكَوْنِهِ يَرْأس على السَّواد العظيم من الناس، أي:
الأشخاص الكثيرة. وقال المهلَّب: الحديث دالٌّ على أنَّ السِّيادة إنَّما يَستَحِقّها مَن يَنتَفِع به
الناس، لكَوْنِه عَلَّقَ السّيادةَ بالإصلاح.
وفيه إطلاق الابنِ على ابن البنت، وقد انعَقَدَ الإجماعُ على أنَّ امرأة الجدِّ والدِ الأُمّ
مُحُرَّمة على ابن بنته، وأنَّ امرأة ابن البنت مُحرَّمة على جَدّه، وإن اختَلَفوا في التَّوارُث.
واستُلِلَّ به على تصويب رأي مَن قَعَدَ عن القتال مع معاوية وعليّ، وإن كان عليّ أحقّ
بالخِلافة وأقرَبَ إلى الحقّ، وهو قول سعد بن أبي وقّاص وابن عمر ومحمَّد بن مَسْلَمةَ
وسائر مَن اعتَزَلَ تلك الحروب، وذهب جمهورُ أهل السُّنّة إلى تصويب مَن قاتَلَ مع عليّ
(١) وأخرجه من طريقه البيهقي في ((السنن الكبرى)) ١٧٣/٨، و((الاعتقاد)) ص٣٧٦.

١٣٤
باب ٢٠ / ح ٧١١٠
فتح الباري بشرح البخاري
لامتثالِ قوله تعالى: ﴿وَإِن طَيِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ آَقْنَتَّلُواْ ﴾ الآية [الحجرات: ٩] ففيها الأمر بقتالِ
الفئة الباغية، وقد ثَبَتَ أنَّ مَن قاتَلَ عليّاً كانوا بُغاةً، وهؤلاءِ مع هذا التَّصويب مُتَّفِقونَ على
أنَّه لا يُذَمّ واحدٌ من هؤلاءِ يقولون: اجْتَهَدوا فأخطؤُوا، وذهب طائفة قليلة من أهل
السُّنّة - وهو قول كثير من المعتَزِلة - إلى أنَّ كلَّا من الطّائفتَينِ مُصِيب، وطائفة إلى أنَّ المصيب
طائفةٌ لا بعَيْنِها.
الحديث الثاني:
٧١١٠ - حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، قال: قال عَمْرٌو: أخبَرَني محمَّدُ بنُ عليٍّ، أنَّ
حَرْمَلَةَ قال - قال عَمْرٌو: قد رأيتُ حَرْمَةَ -: أرسَلَني أسامةُ إلى عليٍّ، وقال: إنَّه سيَسْألُكَ الآنَ
فيقولُ: مَا خَلَّفَ صاحبَكَ؟ فقُلْ له: يقولُ لكَ: لو كنتَ في شِدْقِ الأسَدِ لَأَحَبَتُ أنْ أكونَ
مَعَكَ فيه، ولكنَّ هذا أمرٌ لم أرَه. فلم يُعطِنِي شيئاً، فذهبتُ إلى حسنٍ وحُسَينٍ وابنِ جعفرٍ،
فَأَوْقَروا لي راحلتي.
قوله: ((سُفْيان)) هو ابنُ عُيَينَةَ.
قوله: ((قال: قال عَمْرو)» هو ابن دینار.
قوله: ((أخبَرَني محمَّد بن عليّ)) أي: ابنِ الحُسين(١) بن عليّ، وهو أبو جعفر الباقرُ، وفي
رواية محمَّد بن عبّاد عندَ الإسماعيليّ عن سفيان: عن عَمْرو عن أبي جعفر.
قوله: ((أنَّ حَرْمَلة قال)) في رواية محمَّد بن عبَّاد: أنَّ حَرْمَلة مولى أُسامة أخبَرَه(٢)، وحَرْمَلة
هذا في الأصل مولی أُسامة بن زيد، وکانیُلازِم زيد بن ثابت حتَّى صار يُقال له: مولی زید بن
ثابت، وقيل: هما اثنان. وفي هذا السَّند ثلاثة من التّابعينَ في نَسَقِ: عَمْرو وأبو جعفر وحَرْمَلة.
قوله: ((أنَّ عَمْرو بن دِينارٍ قال: قد رأيتُ حَرْمَلة)) فيه إشارة إلى أنَّ عَمْراً كان يُمكِنه
الأخذ عن حَرْمَلة، لكنَّه لم يسمع منه هذا.
(١) تحرف في (س) إلى: الحَسَن.
(٢) كذا قال الحافظ، وهذه رواية ((الصحیح)) نفسه كما في النسخة الیونینیة بلا خلاف بين رواته!

١٣٥
باب ٢٠ / ح ٧١١٠
كتاب الفتن
قوله: ((أرسَلَني أُسامة)) أي: من المدينة ((إلى عليّ) أي: بالكوفة، لم يَذكُر مضمون الرِّسالة،
ولكنْ دَلَّ مضمونُ قوله: ((فلم يُعطِني شيئاً)) على أنَّه كان أرسَلَه يَسْأل عليّاً شيئاً من المال.
قوله: ((وقال: إنَّه سيَسألُك الآنَ، فيقول: ما خَلَّفَ صاحبَك ... )) إلى آخره، هذا هَيَّاه
أُسامة اعتذاراً عن تَّخُلُّفه عن عليّ، لعِلمِه أنَّ عليّاً كان يُنكِرِ على مَن تَخَلَّفَ عنه، ولا سيّما
مِثْلِ أُسامة الذي هو من أهل البيت، فاعتَذَرَ بأنَّه لم يَتَخلَّف ضَنَانةً(١) منه بنفسِه عن عليّ
ولا كراهةً له، وأنَّه لو كان في أشدّ الأماکن مولاً لأحبّ أن یکون معه فیه ویُواسِیه بنفسِه،
ولكنَّه إِنَّمَا تَخَلَّفَ لأجلِ كراهيته في قتالِ المسلمين، وهذا معنى قوله: ولكنَّ هذا أمرٌ لم أرَه.
قوله: ((لو كنتَ في شِدْق الأسَد)) بكسر المعجَمة - ويجوز فتحُها - وسكون الدّال المهمَلة
بعدَها قاف، أي: جانب فمِه من داخل، ولكلِّ فم شِدْقان إليهما يَنْتَهي شِقُّ الفَم، وعندَ
مُؤَخَّرهما ينتهي الحَنَكُ الأعلى والأسفل، ورجلٌ أشَدْقُ: واسِعِ الشِّدْقَين، ويَتَشَدَّق في كلامه:
إذا فَتَحَ فمَه وأكثرَ القولَ فيه واَّسَعَ فيه، وهو كِناية عن الموافقة حتَّى في حالة الموت، لأنَّ
الذي / يَفْتَرِسه الأسدُ بحيثُ يجعله في شِدْقه في عِداد مَن هَلَكَ، ومع ذلك فقال: لو وصلتَ ٦٨/١٣
إلى هذا المَقَام لَأحببتُ أن أكون مَعَك فيه مُواسِياً لك بنفسي، ومن المناسَبات اللَّطيفة
تمثيل أُسامة بشيءٍ يَتَعلَّق بالأسَد.
ووَقَعَ في ((تنقيح الَّرْكَشِيّ)): أنَّ القاضيَ - يعني عِيَاضاً - ضَبَطَ الشِّدْق بالذّالِ المعجَمة،
قال: وكلام الجَوْهريّ يَقتَضي أنَّه بالدّالِ المهمَلة، وقال لي بعض مَن لَقِيته من الأئمّة: إنَّه
غَلَطٌ على القاضي. قلت: وليس كذلك، فإنَّه ذكره في ((المشارق)) في الكلام على حديث
سَمُرة الطَّويل في الذي يُشَرْشَرِ شِدْقه، فإنَّه ضَبَطَ الشِّدْق بالذّالِ المعجَمة، وتَبِعَه ابن قُرْقولٍ
في ((المطالع))، نَعَم هو غَلَطٌ فقد ضُبِطَ في جميع كتب اللُّغة بالدّالِ المهمَلة، والله أعلم.
قال ابن بَطّال: أرسَلَ أُسامة إلى عليّ يَعتَذِر عن تَخَلَّه عنه في حُروبه، ويُعلِمه أنَّه من
أحَبّ الناس إليه، وأَنَّه ◌ُحِبّ مُشارَكَته في السَّاء والضَّرّاء، إلّا أنَّه لا يَرَى قتال المسلم، قال:
(١) في (س): ضنّاً منه، والمثبت من الأصلين.

١٣٦
باب ٢١
فتح الباري بشرح البخاري
والسَّبب في ذلك أنَّه لمَّا قَتَل ذلك الرجل - يعني: الماضي ذِكره في ((باب ومَن أحياها)) في
أوائل الدّيات (٦٨٧٢) - ولامَه النبيُّ ◌َله بسببِ ذلك، آلَى على نفسه أن لا يقاتل مسلماً،
فذلك سبب تَخُلُّفه عن عليّ في الجمل وصِفّينَ، انتهى ملخَّصاً.
وقال ابن التِّين: إنَّما مَنَعَ عليّاً أن يُعْطِيَ رسولَ أُسامة شيئاً، لأنَّه لعلَّه سَألَه شيئاً من
مالِ الله فلم يَرَ أن يُعْطِيَه لتَخلَّفِه عن القتال معه، وأعطاه الحسنُ والحسين وعبد الله بن
جعفر، لأنَّهم كانوا يَرَوْنَه واحداً منهم، لأنَّ النبيّ وَلَّ كان يُجِلِسه على فَخِذه وتُجلِس
الحسن على الفَخِذ الآخَر ويقول: «اللهُمَّ إنّي أُحِبُّهما)) كما تقدَّم في مناقبه (٣٧٤٧).
قوله: ((فلم يُعطِني شيئاً) هذه الفاء هي الفصيحة، والتَّقدير: فذهبتُ إلى عليّ فبلَّغْتُه
ذلك فلم يُعطِني شيئاً. ووقع في رواية ابن أبي عمر عن سفيان عند الإسماعيليّ: فجِئْت بها
- أي: المَقَالة - فأخبَرْته فلم يُعطِنِي شيئاً.
قوله: ((فذهبتُ إلى حسن وحُسَين وابن جعفر فأوْقَروا لي راحلتي)) أي: حَمَلوا لي على
راحلتي ما أطاقَتْ حملَه، ولم يُعِّن في هذه الرِّواية جِنْسَ ما أعطَوْه ولا نَوْعَه، والرَّاحلة(١):
التي صَلَحَتْ للُّكوبِ من الإبل ذَكَراً كان أو أُنثَى، وأكثر ما يُطلَق الوِقْر - وهو بالكسر -
على ما يَحمِل الْبَغْل والحمار، وأمّا حِمْل البعير فيُقال له: الوَسْق. وابنُ جعفر: هو عبد الله بن
جعفر بن أبي طالب، وصَرَّحَ بذلك في رواية محمَّد بن عبَّاد وابن أبي عمر المذكورة، وكأنَّهم
لمَّا عَلِموا أنَّ عليّاً لم يُعطِه شيئاً، عَوَّضوه من أموالهم من ثياب ونحوها قَدْرَ ما تَحمِلُه
راحلته التي هو رائبها.
٢١ - بابٌ إذا قال عندَ قومٍ شيئاً ثمَّ خَرَجَ فقال بخِلَافه
قوله: «بابٌ إذا قال عندَ قوم شیئاً ثمَّ خَرَجَ فقال بخلافه» ذکر فیه حدیث ابن عمر:
((يُنصَب لكلِّ غادر لواء)) وفيه قصَّة لابنِ عمر في بَيْعة يزيد بن معاوية، وحديث أبي بَرْزة
٦٩/١٣
(١) في (أ) و(ع): ((الراحلة الناقة)) بزيادة لفظ ((الناقة))، وسقط هذا اللفظ من (س) وهو أوجَهُ، فإن الناقة لا
تقال إلا للأنثى من الإبل، أما الراحلة فتقال للذكر والأنثى.

١٣٧
باب ٢١
كتاب الفتن
في إنكاره على الذينَ يتقاتلونَ على المُلْك من أجل الدُّنيا، وحديث حُذَيفة في المنافقين،
ومُطابقة الأخير للتَّرجمةِ ظاهرة، ومُطابقة الأوَّل لها من جهة أنَّ في القول في الغَيْبة بخِلَاف
ما في الحضور نَوْعَ غَدْر، وسيأتي في كتاب الأحكام (٧١٧٨) ترجمة: ((ما يُكرَه من ثَناء
السُّلطان فإذا خَرَجَ قال غيرَ ذلك))، وذكر فيه قولَ ابن عمر لمن سأله عن القول عندَ الأُمراء
بخِلَاف ما يُقال بعد الخروج عنهم: كنَّا نَعُدُّه نِفاقاً، وقد وَقَعَ في بعض طرقه أنَّ الأمير
المسؤول عنه يزيدُ بن معاوية كما سيأتي في الأحكام، ومُطابقة الثّاني من جهة أنَّ الذينَ
عابَهم أبو بَرْزة كانوا يُظهِرونَ أنَّهم يقاتلونَ لأجلِ القيام بأمرِ الدّين ونَصْر الحقّ، وكانوا في
الباطن إنَّما يقاتلونَ لأجلِ الدُّنيا.
ووَقَعَ لابنِ بَطّال هنا شيءٌ فيه نَظَر، فقال: وأمّا قول أبي بَرْزة، فوَجْهُ مُوافَقَته للتَّرجمةِ
أنَّ هذا القول لم يَقُلْه أبو بَرْزة عندَ مروان حينَ بايعَه، بل بايعَ مروانَ وانَّبَعَه ثمَّ سَخِطَ
ذلك لمَّا بَعُدَ عنه، ولعلَّه أرادَ منه أن يَترُكُ ما نُوزِعَ فيه طَلَباً لما عندَ الله في الآخرة، ولا
يقاتل عليه كما فعل عثمان، يعني: من عَدَم المقاتلة لا مِن ترك الخلافة، فلم يقاتل مَن
نازَعَه، بل تَرَكَ ذلك، وكما فعل الحسن بن عليّ حينَ تَرَكَ قتال معاوية حينَ نازَعَه الخلافة،
فسَخِطَ أبو بَرْزة على مروان تَمسُّكَه بالخِلافة والقتال عليها، فقال لأبي المنهال وابنه بخِلاف
ما قال لمروانَ حینَ بایعَ له.
قلت: ودَعْواه أنَّ أبا بَرْزة بايعَ مروانَ ليس بصحيح، فإنَّ أبا بَرْزة كان مُقيماً بالبصرةِ
ومروانُ إِنَّمَا طَلَبَ الخِلافة بالشّام، وذلك أنَّ يزيد بن معاوية لمَّا ماتَ دَعَا ابنُ الزُّبَير إلى
نفسه وبايعوه بالخِلافة، فأطاعَه أهل الحرمَينِ ومِصْر والعراق وما وراءَها، وبايعَ له
الضَّحّاك بن قيس الفِهْريّ بالشّام كلِّها، إلّ الأُردُنّ ومَن بها من بني أُميّة ومَن كان على
هَوَاهم، حتَّى هَمَّ مروان أن يَرْحَل إلى ابن الزُّبَيرِ ويُبابِعه، فمَنَعوه وبايعوا له بالخِلافة،
وحارَبَ الضَّحّاكَ بن قيس / فهَزَمَه وغَلَبَ على الشّام، ثمَّ تَوجَّهَ إلى مِصرَ فغَلَبَ عليها، ثمَّ ٧٠/١٣
ماتَ في سَنَتِهِ فبايعوا بعده ابنَه عبد الملك، وقد أخرج ذلك الطَّبَرِيُّ واضحاً ..

١٣٨
باب ٢١ / ح ٧١١١
فتح الباري بشرح البخاري
وأخرج الطََّرانيُّ (١٤٨١٣) بعضَه من رواية عُرْوة بن الزُّبَير وفيه: أنَّ معاوية بن يزيد بن
معاوية لمََّ ماتَ دَعًا مروان لنفسِه فأجابَه أهل فِلَسطين وأهل حمص، فقاتَلَه الضَّحّاك بن
قيس بمَرْجِ راهطٍ، فَقُتِلَ الضَّحّاك ثمَّ ماتَ مروان وقامَ عبد الملك، فذكر قصَّة الحجّاج في
قتاله عبدَ الله بن الزُّبَيرِ، وقَتْلَه.
ثمّ قال ابن بَطّال: وأمّا يمينُه - يعني: أبا بَرْزة - على الذي بمكّةَ - يعني: ابن الزُّبَير -
فإنَّه لمَّا وَثَبَ بمكّةَ بعد أن دَخَلَ فيما دَخَلَ فيه المسلمون، جَعَلَ أبو بَرْزة ذلك نَكْثاً منه
وحِرْصاً على الدُّنيا وهو - أي: أبو بَرْزة - في هذه - أي: قصَّة ابن الزُّبَير - أقوى رأياً منه في
الأولى - أي: قصَّة مروان - قال: وكذلك القُرّاء بالبصرة، لأنَّ أبا بَرْزة كان لا يَرَى قتال
المسلمين أصلاً، فكان يَرَى لصاحبِ الحقّ أن يَترُك حَقَّه لمن نازَعَه فيه لِيُؤْجَرَ على ذلك،
ويُمدَحَ بالإيثار على نفسه، لئلا يكون سبباً لسَفْكِ الدِّماء، انتهى ملخَّصاً.
ومُقتَضى كلامه: أنَّ مروان لمَّ وليَ الخِلافةَ بايعَه الناس أجمَعونَ، ثمَّ نَكَثَ ابنُ الزُّبَير
بَيْعتَه ودَعَا إلى نفسه، وأنكَرَ عليه أبو بَرْزة قتاله على الخلافة بعد أن دَخَلَ في طاعته وبایعَه،
وليس كذلك، والذي ذكرتُه هو الذي تَوارَدَ عليه أهل الأخبار بالأسانيدِ الجيِّدة، وابن
الزُّبَير لم يُبابِع لمروانَ قَطُّ، بل مروانُ هَمَّ أن يُبايع لابنِ الزُّبَير، ثمَّ تَرَكَ ذلك ودَعَا إلى نفسه.
الحديث الأول:
٧١١١- حدَّثْنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا حَّاهُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، عن نافع، قال: لمَّا
خَلَعَ أهلُ المدينةِ يزيدَ بنَ معاويةَ، جَمَعَ ابنُ عمرَ حَشَمَه ووَلَدَه، فقال: إنّ سمعتُ النبيَّ وَه
يقولُ: ((يُنصَبُ لكلِّ غادرٍ لواءٌ يومَ القيامةِ))، وإنّا قد بايَعْنا هذا الرجلَ على بَيْعِ الله ورسولِهِ،
وإنّي لا أعلَمُ غَدْراً أعظَمَ مِن أَنْ يُبابَعَ رجلٌ على بَيْعِ الله ورسولِه ثمَّ يَنصِبُ له القتالَ، وإنّي لا
أعلَمُ أحداً منكم خَلَعَه ولا تابَعَ في هذا الأمرِ، إلا كانت الفَيْصَلَ بيْني وبينَه.
قوله: ((لَّا خَلَعَ أهلُ المدينة يزيدَ بن مُعاوية)» في رواية أبي العبّاس السَّاج في ((تاريخه)) عن
أحمد بن مَنيع وزياد بن أيوب عن عَفّانَ عن صَخْر بن جُوَيْرِيَة عن نافع: لمَّ انتَزَى أهلُ
المدينة مع عبد الله بن الزُّبَيرِ وخَلَعوا يزيد بن معاوية، جَمَعَ عبدُ الله بن عمر بنیهِ.

١٣٩
باب ٢١ / ح ٧١١١
كتاب الفتن
ووَقَعَ عندَ الإسماعيليّ من طريق مُؤمَّل بن إسماعيل عن حَمَّاد بن زيد في أوَّله من الزّيادة
عن نافع: أنَّ معاوية أرادَ ابنَ عمر على أن يُبايع ليزيدَ فأَبى وقال: لا أُبَايِع لأميرَين، فأرسَلَ
إليه معاويةُ بمئةِ ألف دِرْهَم فأخَذَها، فدَسَّ إليه رجلاً فقال له: ما يَمنَعك أن تُبايع؟ فقال:
إِنَّ ذاكَ لذاكَ - يعني عطاء ذلك المال لأجلِ وقوع المبايعة - إنَّ ديني عندي إذاً لَرَخِيصٌ،
فلمَّا ماتَ معاوية كَتَبَ ابنُ عمر إلى يزيد بَيْعَتِه، فلمَّا خَلَعَ أهل المدينة، فذكره.
قلت: وكان السَّبب فيه ما ذكره الطََّريُّ مُسنَداً: أنَّ يزيد بن معاوية كان أمَّرَ على المدينة
ابنَ عمّه عثمان بن محمَّد بن أبي سفيان، فأوفَدَ إلى يزيد جماعة من أهل المدينة منهم عبد الله
ابن غَسيل الملائكة حَنْظَلة بن أبي عامر وعبد الله بن أبي عَمْرو بن حَفْص المخزوميّ في
آخرينَ فأَكْرَمَهم وأجازَهم، فرجعوا فأظهَروا عَيْبَه ونَسَبوه إلى شُرْب الخمر وغير ذلك، ثمَّ
وَثَبوا على عثمان فأخرَ جوه، وخَلَعوا يزيد بن معاوية، فَلَغَ ذلك يزيدَ فَجَهَّزَ إليهم جيشاً مع
مسلم بن عُقْبةَ المُرِّيّ، وأمَرَه أن يَدْعوَهم ثلاثاً فإنْ رجعوا وإلّا فقاتِلْهم، فإذا ظَهَرتَ فَأَبِحْها
للجيشِ ثلاثاً ثمَّ اكفُفْ عنهم، فَتَوجَّهَ إليهم فوَصَلَ في ذي الحِجّة سنةَ ثلاث وستين فحارَبوه،
وكان الأميرُ على الأنصار عبد الله بن حَنْظَلة، وعلى قُرَيش عبد الله بن مُطِيع، وعلى غيرهم
من القبائل مَعِقِل بن سِنَان(١) الأشجَعيُّ، وكانوا اتَّخِذوا خَندَقاً، فلمَّا وَقَعَت الوَقْعة انهَزَمَ
أهل المدينة، فقُتِلَ ابنُ حَنْظَلة، وفَرَّ ابن مُطيع، وأباحَ مسلم بن عُقْبةَ المدينة ثلاثاً، فَقُتِلَ
جماعة صَبْراً، منهم مَعقِل بن سِنان ومحمَّد بن أبي الجَهْم بن حُذيفة ويزيد بن عبد الله بن
زَمْعَةَ، وبايعَ الباقينَ على أنَّهم خَوَلٌ ليزيدَ(٢).
وأخرج أبو بكر بن أبي خَيْثمةَ بسندٍ صحيحٍ إلى جُوَيْرية بن أسماء: سمعتُ أشياخ أهل
المدينة يَتَحدَّثونَ أنَّ معاوية لمَّ احتُضِرَ دَعَا يزيد فقال له: إنَّ لك من أهل المدينة يوماً، فإنْ
فَعَلوا فارْمِهِم بمسلم بن عُقْبةَ فإنّي عرفتُ نصيحتَه، فلمَّا وليَ يزيدُ وَفَدَ عليه عبد الله بن
(١) تحرف في (ع) و(س) إلى: يسار.
(٢) أي: أتباع أذلاء.

١٤٠
باب ٢١ / ح ٧١١١
فتح الباري بشرح البخاري
حَنْظَلة وجماعة فأكْرَمَهم وأجازَهم، فَرَجَعَ فحَرَّضَ الناسَ على يزيد وعابَه ودَعاهم إلى
خَلْع يزيد، فأجابوه، فَبَلَغَ يزيدَ فجَهَّزَ إليهم مسلم بن عُقْبةَ، فاستقبلهم أهل المدينة بجُموعِ
٧١/١٣ كثيرة،/ فهابَهم أهل الشّام وكَرِهوا قتالهم، فلمَّا نَشِبَ القتالُ سَمِعوا في جَوْف المدينة التَّكبير،
وذلك أنَّ بني حارثة أدخلوا قوماً من الشّاميّينَ من جانب الخندق، فَتَرَكَ أهلُ المدينة القتال
ودخلوا المدينة خَوْفاً على أهلهم، فكانت الهزيمة، وقُتِلَ مَن قُتِلَ، وبايعَ مسلمٌ الناسَ على
أنَّهم خَوَلٌ ليزيدَ يَحكم في دِمائهم وأموالهم وأهلهم بما شاءَ.
وأخرج الطََّرانيُّ (١٤٨١٠) من طريق محمَّد بن سعيد بن رُمّانة(١): أنَّ معاوية لمَّا
حَضَرَه الموتُ قال ليزيدَ: قد وطَّأْتُ لك البلاد، ومَهَّدْتُ لك الناس، ولست أخاف عليك
إلّا أهل الحجاز، فإنْ رابَك منهم رَيْبٌ فوجِّه إليهم مسلم بن عُقْبةَ، فإنّي قد جَرَّتُه وعَرَفتُ
نصیحته، قال: فلمَّا کان من خِلَافهم علیه ما كان، دَعَاه فوجَّهَه فأباحَها ثلاثاً، ثمَّ دعاهم
إلى بَيْعة يزيد وأنَّهم أعبُدٌ له قِنُّ (٢)، في طاعة الله ومعصيته.
ومن رواية عُرْوة بن الزُّبَيرِ (١٤٨١٣) قال: لمَّا ماتَ معاوية أظهَرَ عبدُ الله بن الزُّبَير
الخِلاف على يزيد بن معاوية، فوجَّهَ يزيد مسلم بن عُقْبةَ في جيش أهل الشّام، وأمَرَه أن
يَبْدَأ بقتالِ أهل المدينة ثمَّ يسير إلى ابن الزُّبَير بمكّةَ، قال: فدَخَلَ مسلم بن عُقْبَ المدينة وبها
بقايا من الصحابة فأسرَفَ في القتل، ثمَّ سارَ إلى مكّة فماتَ في بعض الطَّريق.
وأخرج يعقوب بن سفيان في ((تاريخه)) بسندٍ صحيح عن ابن عبّاس قال: جاءَ تأويل
هذه الآية على رأس ستّينَ سنة ﴿ وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ الْفِتْنَةَ لَتَوَّهَا﴾
[الأحزاب: ١٤]، يعني: إدخال بني حارثة أهل الشّام على أهل المدينة في وَفْعة الحَرّة، قال
يعقوب: وكانت وَقْعة الحرّة في ذي القَعْدة سنة ثلاث وستّينَ.
(١) ابن رمّانة هذا في عداد المجاهيل.
(٢) القِنّ: هو العبد إذا مُلِك هو وأبواه، يستوي فيه الاثنان والجمع والمؤنث، وربما قالوا: عبيد أقنان، ثم
يجمع على أقنّة.