النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
باب ١٧ / ح ٧٠٩٨
كتاب الفتن
الحديث الثالث:
٧٠٩٨ - حدَّثني بِشرُ بنُ خالٍ، أخبرنا محمَّدُ بنُ جعفرٍ، عن شُعْبةَ، عن سليمانَ، سمعتُ
أبا وائلٍ قال: قيل لأسامةَ: أَلَا نُكلِّمُ هذا؟ قال: قد كَلَّمتُه ما دونَ أنْ أَفْتَحَ باباً أكونُ أَوَّلَ مَن
يَفْتَحُه، وما أنا بالذي أقولُ لرجلٍ - بعدَ أن يكونَ أميراً على رجلَينِ -: أنتَ خيرٌ، بعدَما سمعتُ
مِن رسولِ اللهِ وَّه يقولُ: ((يُجاءُ برجلٍ فَيُطْرَحُ في النار، فَيَطْحَنُ فيها كطَحْنِ الحِمَارِ بَرَحَاهُ،
فيُطِيفُ به أهلُ النار، فيقولون: أيْ فلانُ، ألستَ كنتَ تأمُرُ بالمعروفِ وتَنهَى عن المنكَّرِ؟
فيقولُ: إنّي كنتُ آمُرُ بالمعروفِ ولا أفعَلُه، وأنهَى عن المنكَرِ وأفعَلُه)).
قوله: ((عن سليمان)) هو الأعمَش، وفي رواية أحمد (٢١٨١٩) عن محمَّد بن جعفر عن
شُعْبة عن سليمان ومنصور، وكذا للإسماعيليِّ عن القاسم بن زكريّا عن بِشْر بن خالد شیخ
البخاريّ فيه، لكنَّه ساقَه على لفظ سليمان، وقال في آخره: قال شُعْبة: وحدَّثني منصور عن
أبي وائل عن أُسامة نحواً منه، إلّا أنَّه زاد فيه: ((فَتَنْدَلِقِ أقتابُ بَطْنِهِ)).
قوله: ((قيلَ لأَسامةَ: ألا تُكلِّمُ هذا؟)) كذا هنا بإبهام القائل وإبهام المشار إليه، وتقدَّم في
صِفَة النار من بَدْء الخلق (٣٢٦٧) من طريق سفيان بن عُيَينةَ عن الأعمَش بلفظ: لو أتَيتَ
فلاناً فكَلَّمتَه، وجزاءُ الشَّرْط محذوف، والتَّقدير: لكان صواباً، ويحتمل أن تكون (لو))
للتَّمنّي، ووَقَعَ اسم المشار إليه عندَ مسلم (٥١/٢٩٨٩) من رواية أبي معاوية عن الأعمَش
عن شَقِيق عن أسامة: قيلَ له: ألا تَدخُل على عثمان فتُكلِّمَه، ولأحمدَ (٢١٧٨٤) عن يَعْلى
ابن عُبيد عن الأعمَش: ألا تُكلِّم عثمان.
قوله: ((قد كَلَّمْتُهُ ما دونَ أنْ أفتَحَ باباً)) أي: كَلَّمتُه فيما أشَرْتُم إليه، لكنْ على سبيل المصلحة
والأدب في السِّ بغير أن يكون في كلامي ما يُثير فِتْنَةً أو نحوها. و((ما)) موصوفة ويجوز أن
تکون موصولة.
قوله: ((أكون أوَّل مَن يَفتَحُه)) في رواية الكُشمِيهَنِيّ: فَتَحَه، بصيغة الفِعْل الماضي وكذا
في رواية الإسماعيليّ، وفي رواية سفيان: قال: إنَّكم لَتُرَوْنَ - أي: تَظُنّونَ - أنّ لا أُكلِّمه إلّا

١٠٢
باب ١٧ / ح ٧٠٩٨
فتح الباري بشرح البخاري
أُسمِعكم (١)؛ أي: إلّا بحضورِكم، وسَقَطَت الألف من بعض النُّسَخ، فصارَ بلفظِ المصدَر،
أي: إلّا وقتَ حضوركم حيثُ تَسْمَعونَ، وهي رواية يَعْلى بن عُبيد المذكورة.
وقوله في رواية سفيان: إنّ أُكلِّمه في السِّ دونَ أن أفتَحَ باباً لا أكون أوَّل مَن فَتَحَه؛
عندَ مسلم مِثْله، لكنْ قال بعدَ قوله: ((إلّا أُسمعكم))(١): والله لقد كَلَّمْته فيما بيني وبينَه دونَ
أن أفتَح أمراً لا أُحِبّ أن أكون أوَّل مَن فتَحَه؛ يعني: لا أُكلِّمه إلّا مع مراعاة المصلحة
بكلامٍ لا يُهيج به فِتْنة.
قوله: ((وما أنا بالذي أقول لرجلٍ - بعدَ أن يكون أميراً على رجلَينِ -: أنتَ خَيْر)» في رواية
الكُشمِيهَنيّ: إيتِ خيراً، بصيغةِ فِعْل الأمر من الإيتاء، ونَصْب ((خيراً)) على المفعوليّة،
والأوَّل أولَى، فقد وَقَعَ في رواية سفيان: ولا أقول لأميرٍ إنْ كان عليَّ أميراً، هو بكسر همزة
٥٢/١٣ ((إنْ)) ويجوز فتحها، وقوله: ((كان عليَّ) بالتَّشديد «أميراً إنَّه خير الناس))، وفي/ رواية أبي
معاوية عندَ مسلم: يكون عليَّ أميراً، وفي رواية يَعْلى: وإن كان عليَّ أميراً.
قوله: ((بعدَما سمعتُ من رسول اللهَ وَ لَّ يقول: يُجاء برجلٍ)) في رواية سفيان: بعدَ شيء
سمعته من رسول الله وَ لّ، قالوا: وما سمعتَه يقول؟ قال: سمعته يقول: ((يجاء بالرجلِ»،
وفي رواية عاصم بن بَهَدَلةَ عن أبي وائل عندَ أحمد (٢١٧٩٤): ((يُجاء بالرجلِ الذي كان
يُطاع في مَعاصي الله فيُقَذَف في النار)).
قوله: «فيطحن فيها کطخْنِ الحمار» في رواية الگُشمِیھنيّ: ((کما یَطْحَن الحمار)) كذا رأيت
في نُسْخة مُعتمَدة: ((فيُطْحَن)) بضمِّ أوَّله على البناء للمجهول، وفي أُخرى بفتح أوَّله وهو
أو جَهُ، فقد تقدَّم في رواية سفیان وأبي معاوية: ((فتَنْدَلِقِ أقتابُه فیدور کما یدور الحمار))، وفي
رواية عاصم: ((يَستَدير فيها كما يستدير الحِمار))، وكذا في رواية أبي معاوية.
والأقتاب: جمع قِتْب، بكسر القاف وسكون المثنّاة بعدَها موحّدة: هي الأمْعاء، واندِلاقُها:
خروجها بسُرْعةٍ، يُقال: اندَلَقَ السَّيفُ من غِمْده: إذا خَرَجَ من غير أن يَسُلَّه أحد، وهذا
(١) في الأصلين و(س): أسمعتكم، بزيادة التاء، والمثبت من رواية سفيان السالفة برقم (٣٢٦٧)، وهو ما
يقتضيه كلامُ الحافظ هنا من سقوط الألف من هذا الحرف في بعض النسخ.

١٠٣
باب ١٧ / ح ٧٠٩٨
كتاب الفتن
يُشعِر بأنَّ هذه الزّيادة كانت أيضاً عندَ الأعمش، فلم يسمعها شُعْبة منه، وسَمِعَ معناها من
منصور كما تقدَّم.
قوله: ((فيُطِيف به أهلُ النار)) أي: يَجْتَمِعونَ حَوْلَه، يقال: أطافَ به القومُ: إذا حَلَّقوا
حَوْلَه حَلْقَةً وإن لم يدوروا، وطافوا: إذا دارُوا حَوْلَه، وبهذا التَّقرير يَظهَر خطأ مَن قال:
إنَّهما بمعنَّى واحد، وفي رواية سفيان وأبي معاوية: ((فَيَجتَمِع عليه أهل النار))، وفي رواية
عاصم: «فیأتي علیه أهلُ طاعته من الناس)).
قوله: ((فيقولون: أيْ فلان)) في رواية سفيان وأبي معاوية: ((فيقولون: يا فلان)) وزادا:
((ما شَأْنُك))، وفي رواية عاصم: ((أَيْ فُلُ، أينَ ما كنتَ تأمُرُنا به؟».
قوله: ((ألستَ كنتَ تأمُرُ بالمعروفِ وتَنْهَى)) في رواية سفيان: ((أليس كنت تأمُرُنا بالمعروفِ
وتَنْهانا؟)).
قوله: ((إنّ كنتُ آمرُ بالمعروفِ ولا أفعَلُه، وأنهَى عن المنكَر وأفعَلُه)» في رواية سفيان:
((آمُرُكم وأنهاكم))، وله ولأبي معاوية: ((وآتيه ولا آتيه)) وفي رواية يَعْلى: ((بل كنتُ آمُر»، وفي
رواية عاصم: ((وإنّ كنت آمُركم بأمرٍ وأُخالِفكم إلى غيره))، قال المهلَّب: أرادوا من أُسامة
أن يُكلِّمَ عثمان - وكان من خاصَّته وممَّن يَخِفُّ عليه - في شَأْن الوليد بن عُقْبةَ، لأنَّه كان
ظَهَرَ عليه ريحُ نَبِيذٍ وشُهِرَ أمرُه، وكان أخا عثمان لأُمِّه وكان يستعملُه، فقال أُسامة: قد
كَلَّمتُهُ سِرّاً دونَ أن أفتَحَ باباً؛ أي: باب الإنكار على الأئمّة عَلانيةً خَشْبةَ أن تَفْتَرِق الكلمة،
ثمَّ عَرَّفَهم أنَّه لا يُداهِن أحداً ولو كان أميراً، بل يَنصَح له في السِّرّ جُهْدَه، وذكر لهم قصَّة
الرجل الذي يُطرَح في النار، لكَوْنِه كان يأمر بالمعروفِ ولا يفعله، ليَتَبَرَّأْ مَمَّا ظنُّوا به من
سكوته عن عثمان في أخيه، انتهى ملخَّصاً.
وجَزْمُه بأنَّ مُراد مَن سَألَ أُسامةَ الكلامَ مع عثمان أن يُكلِّمَه في شَأْن الوليد، ما عَرَفتُ
مُستندَه فيه، وسياق مسلم (٢٩٨٩/ ٥١) من طريق جَرير عن الأعمَش يَدْفَعُه، ولفظه: عن
أبي وائل: كنّا عندَ أُسامة بن زيد فقال له رجل: ما يَمنَعُك أن تَدخُل على عثمان فتُكلِّمَه فيما

١٠٤
باب ١٧ / ح ٧٠٩٨
فتح الباري بشرح البخاري
يَصْنَع، قال: وساقَ الحديث بمِثْلِهِ، وجَزَمَ الكِرْمانيُّ بأنَّ المراد أن يُكلِّمَه فيما أنكَرَه الناسُ
على عثمان من تَوْلية أقاربه وغير ذلك مما اشتَهَر.
وقوله: إنَّ السّبب في تحديث أُسامة بذلك لِيَتَبَرَّأ ممّا ظنّوه به، ليس بواضحٍ، بل الذي
يَظهَر أنَّ أُسامة كان يَخْشَى على مَن وَلِيَ وِلايةً - ولو صَغُرَتْ - أنَّه لا بُدَّ له من أن يأمرَ
الرَّعيّة بالمعروفِ ويَنْهاهم عن المنكر، ثمَّ لا يأمَن من أن يقعَ منه تقصير، فكان أُسامة يَرَى
أَنَّه لا يَتَأمَّر على أحد، وإلى ذلك أشارَ بقولِه: لا أقول للأميرِ: إنَّه خير الناس، أي: بل غايته
أن يَنْجوَ كَفافاً.
وقال عِيَاض: مُراد أُسامة أنَّه لا يَفتَح بابَ المجاهَرة بالنَّكيرِ على الإمام لما يُحْشَى من
عاقبة ذلك، بل يَتَلَطَّف به ويَنصَحُه ◌ِرّاً، فذلك أجدَرُ بالقَبُول.
وقوله: ((لا أقول لأحدٍ يكون عليَّ أميراً: إنَّه خير الناس)) فيه ذُّ مُداهَنة الأُمراء في الحقّ
وإظهار ما يُبطِن خِلَافَه كالمتَمَلِّقِ بالباطل، فأشارَ أُسامة إلى المداراة المحمودة والمداهنة
٥٣/١٣ المذمومة، وضابطُ المداراة: أن/ لا يكون فيها قَدْحٌ في الدِّين، والمداهنة المذمومة: أن يكون
فيها تَزْبين القَبيح وتصويب الباطل ونحو ذلك.
وقال الطَّبَرِيُّ: اختَلَفَ السَّلَف في الأمر بالمعروف، فقالت طائفة: يجب مُطلَقاً، واحتَجُّوا
بحديثٍ طارق بن شِهاب رَفَعَه: ((أفضلُ الجهاد كلمة حقٌّ عند سلطان جائر))(١)، وبعموم
قوله: ((مَن رَأى منكم مُنكَراً فلْيُغيِّرْه بَيَدِه)) الحديث(٢).
وقال بعضهم: يجب إنكارُ المنكر، لكنَّ شَرْطَه أن لا يَلْحَقَ المنكِرَ بلاءٌ لا قِبَلَ له به من
قتلٍ ونحوه.
وقال آخرونَ: يُنكِرِ بقلِهِ، لحديث أمّ سَلَمة مرفوعاً: «يُستَعمَل عليكم أُمراء بَعْدي،
فمَن كَرِهَ فقد بَرِئَّ، ومَن أنكَرَ فقد سَلِمَ، ولكنْ مَن رَضِيَ وتابَعَ)) الحديث(٣)، قال: والصَّواب
(١) أخرجه أحمد (١٨٨٣٠)، والنسائي (٤٢٠٩)، ورجاله ثقات.
(٢) أخرجه مسلم (٤٩) وغيره من حديث أبي سعيد الخدري.
(٣) أخرجه مسلم (١٨٥٤).

١٠٥
باب ١٨ / ح ٧٠٩٩
كتاب الفتن
اعتبار الشَّرْط المذكور، ويَدُلّ عليه حديث: ((لا يَنبَغِي لمؤمنٍ أن يُذِلَّ نفسه))(١) ثمَّ فَسَّرَه بأنْ
يَتعرَّض من البلاء لما لا يُطيق، انتهى ملخَّصاً.
وقال غيره: يجب الأمرُ بالمعروفِ لمن قَدَرَ عليه، ولم يَخَفْ على نفسه منه ضَرَراً ولو كان
الآمِرُ مُتَلَبِّساً بالمعصية، لأنَّه في الجملة يُؤْجَر على الأمر بالمعروف، ولا سيَّما إنْ كان مُطاعاً، وأمّا
إثمه الخاصُّ به فقد يَغْفِرِه الله له، وقد يؤاخذه به، وأمّا مَن قال: لا يأمر بالمعروفِ إلّا مَن ليست
فيه وَصْمة، فإنْ أرادَ أنَّه الأَولى فجيِّد، وإلّا فِيَستَلِزِم سَدَّباب الأمر إذا لم يكن هناك غيره.
ثمّ قال الطَّبَرُّ: فإنْ قيل: كيف صارَ المأمورونَ بالمعروف في حديث أُسامة المذكور في
النار؟ والجواب: أنَّهم لم يَمَثِّلوا ما أُمِروا به فعُذِّبوا بمَعصيَتِهم، وعُذِّبَ أميرهم بكَوْنِه كان
يفعل ما ینْهاهم عنه.
وفي الحديث تعظيمُ الأمراء والأدبُ معهم، وتبليغهم ما يقول الناسُ فيهم، ليَكُفّوا
ويأخذوا حِذْرَهم بلُطْفٍ وحُسْن تَأْدَية، بحيثُ يَبلُغ المقصودَ من غير أذيّة للغير.
١٨ - بابٌ
٧٠٩٩ - حدَّثنا عُثمانُ بنُ الهَيَم، حدَّثنا عَوْفٌ، عن الحسنِ، عن أبي بَكْرةَ، قال: لقد نَفَعَني
الله بكلمةٍ أيامَ الجَمَلِ، لمَّا بَلَغَ النبيَّ نَّهِ أَنَّ فارساً مَلَّكوا ابنةَ كِسِرَى، قال: ((لَنْ يُفْلِحَ قومٌ
وَلَّوْا أمرَهم امَرَأةً)».
قوله: ((بابٌ)) كذا للجميع بغير ترجمة، وسقط لابن بطّال، وذكر فيه ثلاثة أحاديث ٥٤/١٣
تتعلق بوقعة الجمل، ثالثها من رواية ثلاثة، وتعلَّقة بما قبله ظاهر، فإنها كانت أولَ وقعة
تقاتل فيها المسلمون.
الحديث الأول: قوله: ((عَوْف)) هو الأعرابيّ، والحسن: هو البصريّ، والسَّند كلّه بصريُّونَ،
وقد تقدَّم القولُ في سماع الحسن من أبي بَكْرة في كتاب الصُّلْح(٢) (٢٧٠٤)، وقد تابَعَ عَوْفاً
(١) أخرجه أحمد (٢٣٤٤٤)، وابن ماجه (٤٠١٦)، والترمذي (٢٢٥٤) من حديث حذيفة، وحسَّنه الترمذي.
(٢) ليس فيه هناك تفصيل في هذه المسألة، وسيأتي الكلام بأطول مما هناك في شرح آخر الحديث (٧١٠٩).
٠

١٠٦
باب ١٨ / ح ٧٠٩٩
فتح الباري بشرح البخاري
حُميدٌ الطّويل عن الحسن أخرجه البزَّار (٣٦٤٧ - ٣٦٥٠) وقال: رواه عن الحسن جماعة،
وأحسنها إسناداً رواية حُميدٍ.
قوله: ((لقد نَفَعَني الله بكلمةٍ أيامَ الجَمَّل)) في رواية حُميدٍ (١): عَصَمَني الله بشيءٍ سمعتُه
من رسول الله لته.
وقد جَمَعَ عمرُ بن شَبّة في كتاب «أخبار البصرة)» قصَّة الجمل مُطوَّلة، وها أنا أُلْخِّصُها
وأقتَصِر على ما أورَدَه بسندٍ صحيح أو حسن وأُبيِّن ما عَدَاه، فأخرج من طريق عَطيّة بن
سفيان الثَّقْفيّ عن أبيه قال: لمَّا كان الغَدُ من قتل عثمان أقبَلْتُ مع عليّ فدَخَلَ المسجد، فإذا
جماعة على طلحةً(٢)، فخَرَجَ أبو جَهْم بن حُذَيفة فقال: يا عليّ، ألا تَرَى؟ فلم يتكلّم،
ودَخَلَ بِيتَه فأُتي بثَريدٍ فأكَلَ ثمَّ قال: يُقتَل ابن عمّي ونُغلَب على مُلْكه! فخَرَجَ إلى بيت المال
ففَتَحَه، فلمَّا تَسامَعَ الناسُ تَرَكوا طَلْحة.
ومن طريق مُغِيرة عن إبراهيم عن عَلْقمة قال: قال الأشتَر: رأيتُ طَلْحةَ والزُّبَيرِ بايَعا
عليّاً طائعَينٍ غير مُكْرَهَين.
ومن طريق أبي نَضْرة قال: كان طَلْحة يقول: إنَّه بايعَ وهو مُكْرَه.
ومن طريق داود بن أبي هِنْد عن الشَّعْبيّ قال: لمَّا قُتِلَ عثمان أتى الناسُ عليّاً وهو في
سوق المدينة فقالوا له: ابسُطْ يدَك نُبابِعْك، فقال: حتَّى يَتَشاورَ الناس، فقال بعضهم: لَئِنْ
رَجَعَ الناس إلى أمصارِهم بقَتلِ عثمان ولم يَقُم بعدَه قائم، لم يُؤْمَن الاختلاف وفساد الأُمّة،
فأخَذَ الأشتَر بیدِه فبايعوه.
ومن طريق ابن شهاب قال: لمَّا قُتِلَ عثمان وكان عليٌّ خَلَا بينَهم، فلمَّا خَشِيَ أنَّهم
يُبَايِعونَ طَلْحَةَ دَعَا الناسَ إلى بَيْعَته، فلم يَعْدِلوا به طَلْحَةً ولا غيره، ثمَّ أرسَلَ إلى طَلْحة
والزُّبَيرِ فبايَعاه.
(١) عند البزار (٣٦٤٩).
(٢) في (س): جماعة علي وطلحة، وهو تحريف.

١٠٧
باب ١٨ / ح ٧٠٩٩
كتاب الفتن
ومن طريق ابن شِهاب أنَّ طَلْحة والزُّبَيرِ استَأْذَنا عليّاً في العُمْرة، ثمَّ خَرَجا إلى مكّة
فِلَقِيا عائشة، فاتَّفَقوا على الطََّب بدَمِ عثمان حتَّى يقتلوا قَتَلتَه.
ومن طريق عَوْف الأعرابيّ قال: استَعمَلَ عثمانُ يَعْلى بن أُميّة على صَنْعاء/ وكان عظيمَ ٥٥/١٣
الشَّأْن عندَه، فلمَّا قُتِلَ عثمان وكان يَعْلى قَدِمَ حاجّاً فأعانَ طَلْحَةَ والزُّبَير بأربع مئة ألف،
وَلَ سبعينَ رجلاً من قُرَيش، واشتَرَى لعائشةَ جَمَلاً يُقال له: عَسْكَر، بثمانينَ ديناراً.
ومن طريق عاصم بن كُلَيب عن أبيه قال: قال عليّ: أتَدْرونَ بمَن بُلِيتُ؟ أطوعِ الناسِ
في الناس عائشة، وأشدِّ الناس الزُّبَير، وأدهَى الناس طَلْحة، وأيسَرِ الناس يَعْلى بن أَميّة.
ومن طريق ابن أبي ليلى قال: خَرَجَ عليٌّ في آخر شهر رَبيع الآخِر سنة ستٍّ وثلاثين.
ومن طريق محمَّد بن عليّ بن أبي طالب قال: سارَ عليٌّ من المدينة ومعه تسعُ مئةِ راكب
فنَزَلَ بذي قارٍ.
ومن طريق قيس بن أبي حازم قال: لمَّا أقبَلَتْ عائشةُ فَنَزَلَتْ بعضَ مِياه بني عامر،
نَبَحَتْ عليها الكِلاب، فقالت: أيُّ ماء هذا؟ قالوا: الحَوْأب - بفتح الحاء المهمَلة وسكون
الواو بعدَها همزة ثمَّ موخَّدة - قالت: ما أظُنُّني إلّا راجِعة، فقال لها بعض مَن كان معها:
بل تَقْدَمينَ فيَرَاكِ المسلمون فيُصلِحِ الله ذاتَ بينهم، فقالت: إنَّ النبيّ ◌َ﴿ قال لنا ذاتَ يوم:
((كيف بإحداكُنَّ تَنْبَحُ عليها كِلابُ الحَوْأب)). وأخرج هذا أحمد (٢٤٢٥٤) وأبو يَعْلى
(٤٨٦٨) والبزَّار(١)، وصَخَّحَه ابن حِبّان (٦٧٣٢) والحاكم (١٢٠/٣) وسنده على شَرْط
الصَّحيح، وعندَ أحمد (٢٤٦٥٤): فقال لها الزُّبَير: تَقْدَمين، فذكره.
ومن طريق عِصام بن قُدَامةَ عن عِكْرمة عن ابن عبّاس أنَّ رسول الله وَ ◌ّل قال لنسائه:
((أيَّيْكُنَّ صاحبةُ الجمل الأدَبَب - بهمزةٍ مفتوحة ودال ساكنة ثمَّ موخَّدتَينِ الأولى مفتوحة -
تَخْرُج حتَّى تَنبَحها كلاب الحَوْأب، يُقتَل عن يمينها وعن شِمالها قَتْلَى كثيرة وتَنْجو من
بعدما کادَتْ»، وهذا رواه البزَّار (٤٧٧٧) ورجاله ثقات.
(١) ((كشف الأستار عن زوائد البزار)) (٣٢٧٥).

١٠٨
باب ١٨ / ح ٧٠٩٩
فتح الباري بشرح البخاري
وأخرج البزَّار (٢٨١٠) من طريق زيد بن وَهْب قال: بَيْنا نحنُ حولَ حُذَيفة إذ قال:
كيفَ أنتم وقد خَرَجَ أهلُ بيت نبيِّكم فِرْقَتَينِ، يَضرِب بعضكم وجوه بعض بالسَّيفِ؟ قلنا:
يا أبا عبد الله، فكيفَ نَصنَعُ إذا أدرَكْنا ذلك؟ قال: انظُرُوا إلى الفِرْقة التي تَدْعو إلى أمر عليّ
ابن أبي طالب، فإنَّها على الهُدَى(١).
وأخرج الطََّرانيُّ (١٠٧٣٨) من حديث ابن عبّاس قال: بَلَغَ أصحابَ عليّ حينَ ساروا
معه أنَّ أهل البصرة اجتَمَعوا بطَلْحةَ والزُّبَيرِ، فشَقَّ عليهم ووَقَعَ في قلوبهم، فقال عليّ:
والذي لا إله غيرُه، لنَظْهَرَنَّ على أهل البصرة ولَنَقْتُلَنَّ طَلْحة والزُّبَير ... الحديث، وفي سنده
إسماعيل بن عَمْرو البَجَلُّ وفيه ضَعْف(٢).
وأخرج الطََّرانيُّ من طريق محمَّد بن قيس قال: ذُكر لعائشةَ يومُ الجمل، قالت: والناس
يقولون: يوم الجمل؟ قالوا: نَعَم، قالت: وَدِدْتُ أنّي جَلَستُ كما جَلَسَ غيري، فكان أحَبَّ
إليَّ من أن أكون وَلَدْتُ من رسول الله وَّرْ عَشَرَةً كلّهم مِثلُ عبد الرّحمن بن الحارث بن
هشام. وفي سنده أبو مَعْشَر نَجِیح المَدَنيّ، وفيه ضَعْف.
وأخرج إسحاق بن راهويه من طريق سالم المراديٍّ: سمعتُ الحسن يقول: لمَّا قَدِمَ عليّ
البصرةَ في أمر طَلْحة وأصحابه، قامَ قيس بن عُبَاد وعبد الله بن الكَوّاء فقالا له: أخبِرْنا عن
مَسِيرك هذا، فذكر حديثاً طويلاً في مُبایَعَته أبا بَكْر ثمَّ عمر ثمَّ عثمان، ثمَّ ذکر طَلْحة والزُّبَير
فقال: بايَعاني بالمدينة وخالَفاني بالبصرة، ولو أنَّ رجلاً مَمَّن بايعَ أبا بكر خَلَعَه(٣) لَقاتَلْناه،
وكذلك عمر.
(١) وفي إسناده لِينٌ، فيه راوٍ اسمه عمرو بن حريث، ترجم له الحافظ ابن حجر في ((لسان الميزان)) ٣٥٩/٤
وقال فيه: شیخ، ونقل عن ابن عديّ أنه جهَّله، وسيأتي في شرح الحافظ للحديث (٧١٢١) تجويد إسناد
حديث حذيفة هذا، وهو تساهلٌ منه، والله تعالى أعلم.
(٢) ورواه إسماعيل هذا عن نوح بن درّاج، ونوح متروك وقد كذّبه يحيى بن معين كما قال الحافظ ابن حجر
في «التھذیب».
(٣) في (س): خالفه، والمثبت من الأصلين.

١٠٩
باب ١٨ / ح ٧٠٩٩
كتاب الفتن
وأخرج أحمد (٢٧١٩٨) والبزَّار (٣٨٨١) بسندٍ حسن(١) من حديث أبي رافع: أنَّ
رسول الله وَّ قال لعليِّ بن أبي طالب: ((إنَّه سيكونُ بينَك وبينَ عائشة أمرٌ)) قال: فأنا
أشقاهم يا رسول الله؟ قال: ((لا، ولكنْ إذا كان ذلك، فاردُدْها إلى مَأْمَنها».
وأخرج إسحاق من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن عبد السَّلام - رجل من حَيّه - قال:
خَلَا عليٌّ بالزُّبَيرِ يومَ الجمل فقال: أنشُدُك اللهَ هل سمعت رسول الله وَلَه يقول وأنتَ لاوي
يَدِي: «لَتُقاتِلَنَّ وأنتَ ظالم له، ثمَّ لَيُنصَرَنَّ عليك؟)) قال: قد سمعتُ، لا جَرَمَ لا أُقاتلُك (٢).
وأخرج أبو بكر بن أبي شَيْبة (٢٦٥/١٥ -٢٦٦) من طريق عمر بن الهَجَنَّع - بفتح الهاء
والجيم وتشديد النُّون بعدَها مُهمَلة - عن أبي بَكْرة، وقيل له: ما مَنَعَك أن تُقاتلَ مع أهل
البصرة يومَ الجمل؟ فقال: سمعتُ رسول الله وَلَه يقول: ((يَخَرُج قوم هَلْكَى لا يُفلِحونَ،
قائدُهم امرأة في الجنَّة))(٣)، فكأنَّ أبا بَكْرة/ أشارَ إلى هذا الحديث فامتَنَعَ من القتال معهم، ٥٦/١٣
ثمَّ استَصْوَبَ رأيه في ذلك التَّرك لمَّا رَأى غَلَبَةَ عليّ.
وقد أخرج التِّرمِذيّ (٢٢٦٢) والنَّسائيُّ (٥٣٨٨) الحديثَ المذكور من طريق حُميدٍ
الطّويل عن الحسن البصريّ عن أبي بَكْرة بلفظ: عَصَمَني اللهُ بشيءٍ سمعتُه من رسول الله وَّهه
فذكر الحديث(٤) قال: فلمَّا قَدِمَت عائشةُ ذكرتُ ذلك فعَصَمَني الله.
وأخرج عمر بن شَبّة من طريق مُبارَك بن فَضَالة عن الحسن: أنَّ عائشة أرسَلَتْ إلى
أبي بَكْرة فقال: إِنَّكِ لَأَمّ، وإنَّ حَقّكِ لَعظيم، ولكن سمعت رسول الله وَ ◌ّه يقول: (لَنْ
يُفلح قوم تَلِکهم امرأة)».
(١) فيه فضيل بن سليمان، والراجح ضعفُه وعنده مناکیر.
(٢) وأخرجه من هذا الطريق أيضاً ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ١٥/ ٢٨٣، والعقيلي في ترجمة عبد السلام من
((الضعفاء)) ٣/ ٦٥، وعبد السلام هذا جهّله الذهبي في كتابيه ((المغني في الضعفاء)) و((ميزان الاعتدال)).
(٣) وأخرجه أيضاً البزار في («مسنده)) (٣٦٨٨)، قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) ٢٣٤/٧: وفيه عمرُ بن
الهجنَّع ذكر الذهبيُّ في ترجمته هذا الحديث في منكراته، وعبدُ الجبار بن العباس قال أبو نعيم: لم يكن
بالكوفة أكذبَ منه، ووثّقه أبو حاتم (يعني ابن حبان).
(٤) يعني حديث: ((لن يفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة)».

١١٠
باب ١٨ / ح ٧٠٩٩
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((لمّا بَلَغَ النبيَّ ◌ِّهِ أَنَّ فارساً) قال ابن مالك: كذا وَقَعَ مصروفاً، والصَّواب عَدَم
صَرْفه، وقال الكِرْمانيُّ: هو يُطلَق على الفُرْس وعلى بلادهم، فعلى الأوَّل يُصرَف إلّا أن
يُراد القبيلة، وعلى الثّاني يجوز الأمرانِ كسائرِ البلاد. انتهى، وقد جَوَّزَ بعض أهل اللُّغة
صَرْفَ الأسماء كلّها.
قوله: ((مَلَّكوا ابنة كِسَرَى)) في رواية حُميدٍ: لمَّا هَلَكَ كِسِرَى قال النبيّ وَّ: ((مَن اسْتَخْلَفوا؟»
قالوا: ابنته.
قوله: ((لن يُفلِح قوم وَلَّوْا أمرهم امرأةً)» بالنَّصب على المفعوليّة، وفي رواية حُميدٍ: ((وَلِيَ
أمرهم امرأةٌ)) بالرَّفع على أنَّها الفاعل، وكِسرَى المذكور هو شِيرويه بن أبرويز بن هُرْمُز، واسم
ابنته المذكورة بُورانُ. وقد تقدَّم في آخر المغازي في ((باب كتاب النبيّ وَّ إلى كِسْرَى))
(٤٤٢٥) شرح ذلك.
وقوله: ((وَلَّوْا أمرهم امرأة)) زاد الإسماعيليّ من طريق النَّصْر بن شُمَيلٍ عن عَوْف في
آخره: قال أبو بَكْرة: فعَرَفْتُ أنَّ أصحاب الجمل لن يُفلِحوا. ونَقَلَ ابن بَطّال عن المهلَّب
أنَّ ظاهر حديث أبي بَكْرة يُوهِم تَوْهينَ رأي عائشة فيما فَعَلَتْ، وليس كذلك، لأنَّ
المعروف من مَذهَب أبي بَكْرة أنَّه كان على رأي عائشة في طلب الإصلاح بينَ الناس، ولم
يكن قَصْدُهم القتال، لكنْ لمَّ انتَشَبَت الحربُ لم يكن لمن معها بُدُّ من المقاتلة، ولم يَرجِعْ
أبو بَكْرة عن رأي عائشة، وإنَّما تَفرَّسَ بأَّهم يُغلَبونَ لمَّا رَأى الذينَ مع عائشة تحتَ أمرها
لِمَا سَمِعَ في أمر فارس، قال: ويَدُلّ لذلك أنَّ أحداً لم يَنقُل أنَّ عائشة ومَن معها نازَعوا
عليّاً في الخِلافة، ولا دَعَوْا إلى أحد منهم ليُولُّوه الخِلافة، وإنَّما أنكَرَتْ هي ومَن معها على
عليٍّ منعَه مِن قتل قَتَلةِ عثمان وتَرْك الاقتصاص منهم، وكان عليٌّ يَنتَظِرِ من أولياء عثمان أن
يَتَحاكموا إليه، فإذا ثَبَتَ على أحد بعَيْنِهِ أنَّه مَمَّن قتل عثمان، اقتَصَّ منه، فاختَلَفوا بحَسَبٍ
ذلك، وخَشِيَ مَن نُسِبَ إليهم القتل أن يَصْطَلِحوا على قتلهم، فأنشَبُوا الحربَ بينَهم إلى أن
كان ما كان، فلمَّ انتَصَرَ عليٌّ عليهم ◌َدَ أبو بَكْرة رأيه في ترك القتال معهم، وإن کان رأيه

١١١
باب ١٨ / ح ٧١٠٠
كتاب الفتن
كان موافقاً لرَأْي عائشة في الطَّب بدَم عثمان. انتهى كلامه، وفي بعضه نظرٌ يَظْهَر ممّا ذكرتُه
وهمّا سأذكرُه.
وتقدَّم قريباً في ((باب إذا التَّقَى المسلمان بسيفَيِهِما)) (٧٠٨٣) من حديث الأحنف: أنَّه
كان خَرَجَ لِيَنصُرَ عليّاً، فَلَقِيَه أبو بَكْرة فنَهاه عن القتال، وتقدَّم قبلَه ببابٍ (٧٠٧٨) من قول
أبي بَكْرة لمَّا حُرِّق ابن الحَضْرَميّ ما يَدُلّ على أنَّه كان لا يَرَى القتال في مِثْل ذلك أصلاً،
فليس هو على رأي عائشة ولا على رأي عليّ في جواز القتال بينَ المسلمين أصلاً، وإنّما كان
رأيه الكَفَّ وِفاقاً لسعدِ بن أبي وقّاص ومحمَّد بن مَسْلَمةَ وعبد الله بن عمر وغيرهم، ولهذا
لم يَشْهَدِ صِفِّينَ مع معاوية ولا عليّ.
قال ابن القِّين: احتَجَّ بحديثٍ أبي بَكْرة مَن قال: لا يجوز أن تُوَلَّى المرأةُ القضاء، وهو
قول الجُمهور، وخالَفَ ابنُ جَرير الطَّبَرِيُّ فقال: يجوز أن تَقْضى فيما تُقبَل شهادتُها فيه،
وأطلَقَ بعض المالكيّة الجواز، وقال ابن التِّين أيضاً: كلام أبي بَكْرة يَدُلّ على أنَّه لولا عائشة
لكان مع طَلْحة والزُّبَير؛ لأنَّه لو تَبيَّن له خَطَؤُهما لكان مع عليّ. كذا قال، وأغْفَلَ قِسْماً
ثالثاً، وهو أنَّه كان يَرَى الكَفَّ عن القتال في الفِتْنة كما تقدَّم تقريره، وهذا هو المعتمَد، ولا
يَلْزَمُ من كَوْنه تَرَكَ القتال مع أهل بلده للحديثِ المذكور، أن لا يكون مانعَه من القتال
سببٌ آخَر، وهو ما تقدَّم من نَهِه الأحنفَ عن القتال واحتجاجِه بحديث: ((إذا/ الْتَّقَى ٥٧/١٣
المسلمان بسيفَيهِما)) كما تقدَّم قريباً (٧٠٨٣).
٧١٠٠ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حذَّثنا يحيى بنُ آدَمَ، حدَّثنا أبو بَكْرِ بنُ عيَّاشٍ، حدَّثنا
أبو حَصِينٍ، حدَّثنا أبو مريمَ عبدُ الله بنُ زيادِ الأسَدِيُّ، قال: لمَّ سارَ طَلْحةُ والزُّبَيرُ وعائشةُ إِلى
البَصْرةٍ، بَعَثَ عليٌّ عَّارَ بنَ ياسرٍ وحسنَ بنَ عليٍّ فقَدِما علينا الكوفةَ، فصَعِدا المِبرَ، فكان
الحسنُ بنُ عليٍّ فوقَ المِبرِ في أعلاهُ، وقامَ عَّارٌ أسفلَ منَ الحسنِ، فاجتَمَعْنا إليه فسمعتُ عمَّراً
يقولُ: إنَّ عائشةَ قد سارَتْ إلى البَصْرةِ، ووالله إنَّها لَزوجةُ نبِّكُمْ وَّ فِي الدُّنيا والآخرةِ، ولكنَّ الله
تَبَارَكَ وتعالى ابتَلاكم، لِيَعلَمَ إيّاه تُطِيعونَ أم هي؟

١١٢
باب ١٨ / ح ٧١٠٠-٧١٠١
فتح الباري بشرح البخاري
٧١٠١- حدَّثنا أبو نُعيم، حدَّثنا ابنُ أبي غَنِيَةَ، عن الحَكَم، عن أبي وائلٍ: قامَ عَّارٌ على
مِنْرِ الكوفةِ، فَذَكَرَ عائشةَ وذَكَرَ مَسِيرَها، وقال: إنَّها زوجةُ نبيِّكمِ نََّ فِي الدُّنيا والآخرةِ،
ولكنَّها ممّا ابْتُلِيُم.
الحديث الثاني: حديث عَّار في حَقّ عائشةَ، أخرجه من وَجْهَينِ مُطوَّلاً ومُختصَراً.
قوله: ((حدَّثْنا عبد الله بن محمَّد)) هو الجُعْفيُّ المُسنَديّ، وأبو حَصِين بفتح أوَّله: هو عثمان
ابن عاصم، وأبو مريم المذكور أسَديّ كوفيّ هو وجميع رواة الإسناد إلّا شيخَه وشيخَ البخاريّ،
وقد وَتَّقَ أبا مريم المذكور العِجْلِيُّ والدّارَ قُطْنيّ، وما له في البخاريّ إلّا هذا الحديثُ.
قوله: ((لمّا سارَ طَلْحَةَ والزُّبَير وعائشة إلى البَصْرة)) ذكر عمر بن شَبّة بسندٍ جيِّد: أنَّهم
تَوجَّهوا من مكّة بعدَ أن أهَلَّت السَّنة، وذكر بسندٍ له آخَر: أنَّ الوَقْعة بينَهم كانت في
النِّصْف من جمادى الآخرة سنة ستّ وثلاثين، وذكر من رواية المدائنيّ عن العلاء أبي محمَّد
عن أبيه قال: جاءَ رجل إلى عليّ وهو بالزّاويةِ فقال: علامَ تقاتلُ هؤلاءِ؟ قال: على الحقّ،
قال: فإنَّهم يقولون: إنَّهم على الحقّ، قال: أُقاتلهم على الخروج من الجماعة ونَكْث البيعة.
وأخرج الطَّبَريُّ(١) من طريق عاصم بن كُلَيب الجَرْميّ عن أبيه قال: رأيتُ في زمن
عثمان أنَّ رجلاً أميراً مَرِضَ وعندَ رأسه امرأة والناسُ يريدونَه، فلو نَهَتْهم المرأة لانتَهَوْا،
ولكنَّها لم تفعل فقَتَلوه، ثمَّ غَزَوْتُ تلك السَّنة فبَلَغَنا قتلُ عثمان، فلمَّا رَجَعْنا من غَزَاتنا
وانتَهَيْنا إلى البصرة قيل لنا: هذا طَلْحة والزُّبَير وعائشة، فتَعَجَّبَ الناسُ وسَألوهم عن
سبب مَسِيرهم، فذَكَروا أنَّهم خَرَجوا غَضَباً لعثمانَ، وتَوْبَةً ممَّا صَنَعوا من خِذْلانه، وقالت
عائشة: غَضِبْنا لكم على عثمان في ثلاث: إمارة الفُتِيِّ وضَرْب السَّوط والعصا، فما أنصَفْناه
أنْ لم نَغْضَب له في ثلاث: حُزْمة الدَّم والشَّهر والبلد.
قال: فسِرْتُ أنا ورجلان من قومي إلى عليّ وسَلَّمْنا عليه وسَألْناه، فقال: عَدَا الناسُ
على هذا الرجل فقَتَلوه وأنا مُعتَزِل عنهم ثمَّ وَلَّوْني، ولولا الخَشْيَةُ على الدّين لم أُجِبْهم، ثمّ
(١) في ((تاريخه)) ٤٩٠/٤.

١١٣
باب ١٨ / ح ٧١٠٠-٧١٠١
كتاب الفتن
اسْتَأْذَنَني الزُّبَير وطَلْحة في العُمْرة فأخَذْتُ عليهما العُهود، وأذِنْت لهما، فعَرَّضا أمّ المؤمنينَ
لما لا يَصلُح لها فبَلَغَني أمرهم، فخَشِيتُ أن يَنفَتِقِ في الإسلامِ فَتْقٌ فَأَتْبَعْتهم، فقال أصحابه:
والله ما نريد قتالهم إلّا أن يقاتلوا، وما خَرَجْنا إلّا للإصلاح. فذكر القصَّة، وفيها: أنَّ أوَّل
ما وَقَعَت الحرب أنَّ صِبْيان العسكَرَينِ تَسأبُّوا ثمَّ تَرامَوْا، ثمَّ تَبِعَهم العبيد ثمَّ السُّفَهاء
فَنَشِبَت الحرب، وكانوا خَنْدَقوا على البصرة فَقُتِلَ قوم وجُرِحَ آخَرونَ، وغَلَبَ أصحابُ
عليّ ونادَى مُنادِيه: لا تَتَبُعوا مُدِراً، ولا تُجْهِزوا جَريحاً، ولا تَدخُلوا دار أحد، ثمَّ جَمَعَ
الناس وبايعَهم، واستَعمَلَ ابنَ عبَّاس على البصرة ورَجَعَ إلى الكوفة.
وأخرج ابن أبي شَيْبة (٢٨٤/١٥ -٢٨٥) بسندٍ جيِّد عن عبد الرّحمن بن أبزَى قال:
انتهى عبد الله بن بُدَيْل بن وَرْقاء الخُزَاعِيُّ إلى عائشة يومَ الجمل وهي في الهَوْدَج فقال: يا أمّ
المؤمنينَ، أتعلمينَ أَنّي أتيتُك عندَما قُتِلَ عثمان فقلتُ: ما تأمُريني؟ فقلتِ: الْزَمْ عليّاً، فسَكَتَتْ،
فقال: اعقِروا الجمل، فعَقَروه، فنَزَلْتُ أنا وأخوها محمَّد فاحتَمَلْنا هَوْدَجها، فَوَضَعْناه بینَ
يَدَيْ عليّ، فأمَرَ بها فأُدخِلَتْ بيتاً.
وأخرج أيضاً (٢٨٦/١٥) بسندٍ صحيح عن زيد بن وَهْب قال: فَكَفَّ عليٌّ يده حتَّى
بدؤُوه بالقتال فقاتَلهم بعد الظُّهر، فما غَرَبَت الشمس وحولَ الجمل أحدٌ، فقال عليّ: لا
تُتَمِّموا جَريحاً ولا تَقتُلُوا مُدِراً، ومَن أغلق بابه وألقَى سلاحه فهو آمِنٌ.
وأخرج الشافعيّ (٢٢٩/٤) من رواية عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، قال:
دخلتُ على مروان بن الحَكَم فقال: ما رأيتُ أحداً أكرَمَ غَلَبةً من أبيك - يعني عليّاً - ما
هو إلّا أن وَلَّينا يومَ الجمل فنادَى مُناديهِ: لا يُقتَلُ مُدبِر ولا يُذفَّفُ على جَريح.
وأخرج الطَّبَرَيُّ(١) وابن أبي شَيْبة (٢٧٠/١٥-٢٧٤) وإسحاق من طريق عُمر(٢) بن
جاوان عن الأحنَف قال: حَجَجْتُ سنة قُتِلَ عثمان، فدخلتُ المدينة، فذکر کلام عثمان في
(١) في ((تاريخه)) ٤٩٨/٤.
(٢) في (ع) و(س): عَمرو، والمثبت من (أ)، وكلاهما صواب فقد قيل في اسمه: عُمر وعمرو.

١١٤
باب ١٨ / ح ٧١٠٠ -٧١٠١
فتح الباري بشرح البخاري
تذكيرهم بمناقبِهِ، وقد تقدَّم في ((باب إذا التَّقَى المسلمان بسيفَيهِما)) (٧٠٨٣)، ثمَّ ذكر اعتزالَه
الطّائفتَينِ قال: ثمَّ التَّقَوْا، فكان أوَّل قتيل طَلْحة، ورَجَعَ الزُّبَيرِ فَقُتِلَ.
وأخرج الطَّبَرَيُّ (١) بسندٍ صحيح عن عَلْقمة قال: قلت للأشتَر: قد كنتَ كارهاً لقَتلِ
٥٨/١٣ عثمان فكيفَ قاتَلْتَ يومَ الجمل؟ قال: إنَّ هؤلاءِ بايعوا عليّاً ثمَّ/ نَكَثُوا عَهْده، وكان ابن(٢)
الزُّبَيرِ هو الذي حَرَّكَ عائشة على الخروج، فدَعَوْتُ الله أن يُلقَِّنِهِ(٣)، فلَقِيَنِي كَفّةً لِكَفّةٍ (٤) فما
رضيتُ لِشِدّةِ ساعدي أن قُمْتُ في الرِّكاب فضَرَبْته على رأسه ضَرْبة فصَرَعْته، فذكر القصَّة
في أنّهما سلِما.
قوله: ((بَعَثَ عليٌّ عَّار بن ياسر وحسن بن عليّ فقَدِما علينا الكوفة)) ذكر عمر بن شَبّة
والطَّبَرِيُّ (٥) سبب ذلك بسندِهما إلى ابن أبي ليلى قال: كان عليٍّ أَقَرَّ أبا موسى على إمرة
الكوفة، فلمَّا خَرَجَ من المدينة أرسَلَ هاشم بن عُتْبَةَ بن أبي وقّاص إليه: أن أنِضْ مَن قِبَلَك
من المسلمين وكُنْ من أعواني على الحقّ، فاستَشارَ أبو موسى السّائبَ بن مالك الأشعريّ
فقال: أَتَّبِعْ ما أمَرَك به، قال: إنّ لا أرَى ذلك، وأخَذَ في تخذيل الناس عن النُّهوض، فكَتَبَ
هاشم إلى عليّ بذلك، وبَعَثَ بكتابِهِ مع مُحِلِّ بن خليفة الطّائِيّ، فَبَعَثَ عليٌّ عَّارَ بنَ ياسر
والحسنَ بنَ عليّ يَستَنِفِران الناس، وأمَّرَ قَرَظة بن كَعْب على الكوفة، فلمَّا قرأ کتابه على أبي
موسى اعتَزَلَ، ودَخَلَ الحسنُ وعَّارٌ المسجدَ.
وأخرج ابن أبي شَيْبة (٢٨٦/١٥- ٢٨٧) بسندٍ صحيح عن زيد بن وَهْب قال: أقْبَلَ
طَلْحَةُ والزُّبَيرِ حتَّى نَزَلا البصرة فقَبَضا على عامل عليٍّ عليها ابنِ حُنيف، وأقبَلَ عليٌّ حَتَّى
نَزَلَ بذي قارٍ، فأرسَلَ عبدَ الله بن عبَّاس إلى الكوفة فأبطَؤُوا عليه، فأرسَلَ إليهم عمَّراً
فخَرَ جوا إلیه.
(١) في ((تاريخه)) ٤/ ٥٢٠.
(٢) لفظ ((ابن)) سقط من (ع) و(س).
(٣) تحرف في (أ) و(س) إلى: يكفینیه.
(٤) أي: مواجهةً كأنّ كفَّه مسَّت كفَّه.
(٥) الطبري في «تاريخه)) ٤٩٩/٤-٥٠٠، وفي سنده لین.

١١٥
باب ١٨ / ح ٧١٠٠ -٧١٠١
كتاب الفتن
قوله: («فصَعِدَ الِبَرَ، فكان الحسن بن عليّ فوقَ الِبَرَ في أعلاه، وقامَ عَّار أسفلَ من الحسن،
فاجتَمَعْنا إليه فسمعت عمَّاراً يقول)) زاد الإسماعيليّ من وجه آخَر عن أبي بكر بن عيَّاش:
صَعِدَ عَّار الِنِبَرَ، فحَضَّ الناسَ في الخروج إلى قتال عائشة، وفي رواية إسحاق بن راهويه
عن يحيى بن آدم بالسَّندِ المذكور: فقال عمَّار: إنَّ أمير المؤمنينَ بَعَثَنَا إليكم لنَسْتَنِفِركم، فإنَّ أُمَّنا
قد سارَتْ إلى البصرة، وعندَ عمر بن شَبّة عن حِبّان بن بِشْر عن يحيى ابن آدم في حديث
الباب: فكان عمَّار تَخْطُب والحسن ساكت.
ووَفَعَ في رواية ابن أبي ليلى في القصَّة المذكورة: فقال الحسن: إنَّ عليّاً يقول: إنّي ◌ُذكِّر الله
رجلاً رَعَى الله حقّاً إلّا نَفَرَ، فإنْ كنتُ مظلوماً أعانَني وإن كنت ظالماً أخذَ منِّي(١)، والله إنَّ
طَلْحة والزُّبَيرِ لَأوَّلُ مَن بايَعَنِي ثُمَّ نَكَثا، ولم أستأْثِر بمالٍ ولا بَدَّلتُ حُكْماً، قال: فخَرَجَ إليه
اثنا عشرَ ألف رجل.
قوله: ((إنَّ عائشة قد سارَتْ إلى البَصْرة، ووالله إنَّا لَزوجةُ نبيّكم في الدُّنيا والآخرة، ولكنَّ
الله ابتَلاكم ليعلمَ إيّاه تُطيعونَ أم هي)) في رواية إسحاق: ليَعلَمَ انُطيعُه أم إيّاها، وفي رواية
الإسماعيليّ من طريق أحمد بن يونس عن أبي بكر بن عيَّاش بعد قوله: قد سارَتْ إلى
البصرة: ووالله إنّي لَأقولُ لكم هذا، ووالله إنَها لَزوجةُ نبيكم، زاد عمر بن شَبّة في روايته:
وإنَّ أمير المؤمنينَ بَعَثَنا إلیکم وهو بذي قارٍ.
ووَقَعَ عندَ ابن أبي شَيْبة (٢٦٤/١٥) من طريق شِمْر بن عَطيّة عن عبد الله بن زياد
قال: قال عمّار: إِنَّ أُمّنا سارَتْ مَسِيرَها هذا، وإنَّها والله زوجُ محمَّد ◌َلّهِ فِي الدُّنيا والآخرة،
ولكنَّ الله ابتَلانا بها ليعلمَ إيّاهِ نُطيع أو إيّاها. ومُراد عَّار بذلك أنَّ الصَّواب في تلك القصَّة كان
مع عليّ، وأنَّ عائشة مع ذلك لم تَخْرُج بذلك عن الإسلام، ولا أن تكون زوجةَ النبيِّ ◌َليه في
الجنَّة، فكان ذلك يُعَدّ من إنصاف عمَّار وشِدّة وَرَعه ونَحْرِّيه قول الحقّ.
وقد أخرج الطََّرُّ(٢) بسندٍ صحيح عن أبي يزيد المَدِينيّ قال: قال عَّار بن ياسر لعائشةً
(١) قوله: ((أخذ مني)) تحرف في (س) إلى: أخذلني.
(٢) في ((تاريخه)) ٥٤٥/٤-٥٤٦.

١١٦
باب ١٨ / ح ٧١٠٠-٧١٠١
فتح الباري بشرح البخاري
لمَّا فَرَغوا من الجمل: ما أبعَدَ هذا المَسِيرَ من العَهْد الذي عُهِدَ إليكم - يشير إلى قوله
تعالى: ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] - فقالت: أبو اليَقْظان؟ قال: نَعَم، قالت: والله
إِنَّك ما عَلِمْتُ لَقَوّال بالحقّ، قال: الحمد لله الذي قَضَى لي على لسانِك.
وقوله: ((ليعلمَ إيّاه تُطيعونَ أم هي)) قال بعض الشُّرّاح: الضَّمير في ((إيّاه) لعليٍّ، والمناسِب
أن يُقال: أم إيّاها لا هي، وأجابَ الكِرْمانيُّ بأنَّ الضَّمائر يقوم بعضُها مَقامَ بعض. انتهى،
وهو على بعض الآراء.
وقد وَقَعَ في رواية إسحاق بن راهويه في ((مُسنَده)) عن يحيى بن آدم بسندٍ حديث الباب:
٥٩/١٣ ولكنَّ الله ابتَلانا بها ليعلمَ أَنُطيعُه أم إيّاها؛ فظَهَرَ أنَّ ذلك من تَصرُّف الرُّواة،/ وأمّا قوله: إنَّ
الضَّمير في («إيّاه) لعليٍّ، فالظّاهر خِلَافُه، وأنَّه لله تعالى، والمراد إظهار المعلوم كما في نظائره.
قوله: ((عن ابن أبي غَنِيّة)) بفتح الغَيْن المعجَمة وكسر النُّون وتشديد التَّحتانيّة: هو
عبد الملك بن ◌ُميدٍ، ما له في البخاريّ إلّ هذا الحديث، وصَرَّحَ بذلك أبو زُرعة الدِّمَشقيّ في
روايته عن أبي نُعيم شيخ البخاريّ فيه، أخرجه أبو نعيم الأصبهانيُّ في (مُستَخرَجه))، والحَكَم:
هو ابن عُيَينةَ، والسَّندُ كلُّه كوفيّونَ.
قوله: ((قامَ عَّر على مِنبَرَ الكوفة)) هذا طَرَفٌ من الحديث الذي قبله، وأرادَ البخاريّ
بإيرادِه تقويةَ حديث أبي مريم لكَوْنِهِ ممَّ انفَرَدَ به عنه أبو حَصينٍ، وقد رواه أيضاً عن الحكم
شُعْبةُ، أخرجه الإسماعيليّ، وزاد في أوَّله قال: لمَّ بَعَثَ عليٌّ عَمَّاراً والحسنَ إلى الكوفة
يَستَنَفِرهم خَطَبَ عَّار، فذكره.
قال ابن هُبَيرة: في هذا الحديث أنَّ عَّاراً كان صادِقَ اللَّهْجة، وكان لا تَستَخِفُّه الخصومةُ
إلى أن يَنْتَقِص خَصْمَه، فإنَّه شَهِدَ لعائشةَ بالفَضْلِ التّامّ مع ما بينهما من الحرب، انتهى.
وفيه جواز ارتفاع ذي الأمر فوقَ مَن هو أسَنُّ منه وأعظَم سابقةً في الإسلام وفَضْلاً،
لأنَّ الحسن وَلدُ أمير المؤمنين، فكان حينئذٍ هو الأمير على مَن أرسَلهم عليّ، وعَّر من ◌ُلَتهم،
فصَعِدَ الحسن أعلى المِنِبَرَ، فكان فوقَ عَّار وإن كان في عَّار من الفَضْلِ ما يَقتَضي رُجْحانَه

١١٧
باب ١٨ / ح ٧١٠٢ -٧١٠٧
كتاب الفتن
فضلاً عن مُساواته. ويحتمل أن يكون عَّار فعل ذلك تَواضُعاً مع الحسن، وإكراماً له من
أجل جَدّه ◌َّ، وفَعَلَه الحسن مُطاوَعةً له لا تَكَبُراً عليه.
٧١٠٢، ٧١٠٣، ٧١٠٤ - حدَّثْنا بَدَلُ بنُ المُحيَِّ، حدَّثنا شُعْبةُ، أخبرني عَمْرٌو، سمعتُ أبا
وائلٍ يقولُ: دَخَلَ أبو موسى وأبو مسعودٍ على عنَّار حَيْثُ بَعَثَه عليٍّ إلى أهلِ الكوفةِ يَستَنِفِرُهُم،
فقالا: ما رأيناكَ أتَيْتَ أمراً أكْرَهَ عندَنا مِن إسراعِكَ في هذا الأمرِ منذُ أسلَمْتَ، فقال عمّارٌ: ما
رأيتُ منكما منذُ أسلَمْتُما أمراً أكْرَهَ عِنْدي مِن إِبطائِكما عن هذا الأمرِ! وكَسَاهما حُلّةً، ثمَّ راحُوا
إلى المسجدِ.
٧١٠٥، ٧١٠٦، ٧١٠٧ - حذَّثنا عَبْدانُ، عن أبي حمزةَ، عن الأعمَشِ، عن شَقِيقِ بنِ
سَلَمَةَ: كنتُ جالساً مع أبي مسعودٍ وأبي موسى وعمَّار، فقال أبو مسعودٍ: ما مِن أصحابِكَ أحدٌ
إلا لو شئتُ لَقلتُ فيه غيرَكَ، وما رأيتُ منكَ شيئاً منذُ صَحِبْتَ النبيَّ ◌َّهِ أَعيَبَ عِنْدي مِن
اسْتِسْراعِكَ في هذا الأمرِ، قال عَّارٌ: يا أبا مسعودٍ، وما رأيتُ منكَ ولا مِن صاحبِكَ هذا شيئاً
مِنْذُ صَحِبْتُها النبيَّ ◌َّهِ أَعْيَبَ عِنْدي مِن إِبطائِكما في هذا الأمرِ، فقال أبو مسعودٍ - وكان مُوسِراً -:
يا غلامُ، هاتِ حُلَّتَيْنِ، فأعطَى إحداهما أبا موسى والأُخرى عمَّاراً، وقال: رُوحا فيه إلى الجُمُعةِ.
الحديث الثالث: حديث أبي موسى وأبي مسعود وعمَّار بن ياسر فيما يَتَعلَّقُ بوَقْعة الجمل
أخرجه من طریقین.
قوله: ((أخبَرني عَمْرو)) هو ابن مُرّةَ، وصَرَّحَ به في رواية أحمد بن حَنبَل عن محمَّد بن
جعفر(١)، وكذا الإسماعيليّ في روايته من طريق عبد الله بن المبارك، كلاهما عن شُعْبة.
قوله: ((حيثُ بَعَثَه عليٌّ إلى أهل الكوفة يَستَنِفِرُهم)) في رواية الكُشمِيهَنِيّ: حين، بَدَل:
حيثُ، وفي رواية الإسماعيليّ: يَستَنِفِر أهل الكوفة إلى أهل البصرة.
(١) ورواية محمد بن جعفر - وهو غُندَر - أيضاً رواها عنه كذلك ابن أبي شيبة في «مصنفه)) ١٥/ ٧٣ و٢٨٧،
وصرَّح به أيضاً في رواية آدم بن أبي إياس عند الحاكم في ((المستدرك)) ٣/ ١١٧، وحجّاج الأعور عند ابن
عساكر في ((تاريخ دمشق)» ٤٥٧/٤٣، كلاهما عن شعبة، على أن بدل بن المحبَّر - شيخ البخاري - قد
صرَّح به أيضاً في رواية ابن أبي مسرّة عنه، أخرجه الحاكم ٤٦٦/٣.

١١٨
باب ١٨ / ح ٧١٠٢ -٧١٠٧
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((ما رأيناك أتيتَ أمراً أكْرَهَ عندَنا من إسراعك في هذا الأمر منذُ أسلَمْتَ)) زاد في
الرِّواية الثّانية: أنَّ الذي تَولَّ خِطابَ عَّر ذلك هو أبو مسعود، وهو عُقْبة بن عَمْرو
الأنصاريّ، وکان يومئذٍ يَلي لعليٍّ بالكوفةِ کما كان أبو موسى يَلي لعثمانَ.
قوله: ((وكَسَاهما حُلّة)) في رواية الإسماعيليّ: فكَسَاهما حُلّة حُلّة، وبيَّن في الرِّواية التي
تَلي هذه أنَّ فاعل («كَسَا)) هو أبو مسعود، وهو في هذه الرِّواية مُحْتَمَل، فيُحمَّلُ على ذلك.
قوله: ((ثمَّ راحوا إلى المسجد)) في رواية الإسماعيليّ: ثمَّ خَرَجوا إلى الصلاة يومَ الجُمُعة،
وفي رواية محمَّد بن جعفر: فقامَ أبو مسعود فبَعَثَ إلى كلّ واحد منهما حُلّة.
قال ابن بَطّال: فيما دارَ بينَهم دلالة على أنَّ كلَّ من الطّائفتَينِ كان مُجْتَهِداً ويَرَى أنَّ
الصَّواب معه، قال: وكان أبو مسعود مُوسِراً جَواداً، وكان اجتماعهم عندَ أبي مسعود في
يوم الجُمُعة فكَسَا عَّاراً حُلّة لَيَشْهَدَ بها الجُمُعة؛ لأنَّه كان في ثياب السَّفَر وهَيْئة الحرب،
فكَرِهَ أن يَشهَد الجُمُعة في تلك الثّياب، وکرِه أن يَكْسوَه بحضرة أبي موسى ولا يَكْسو أبا
موسى، فكَسَا أبا موسى أيضاً.
وقوله: ((أعيَبَ)) بالعينِ المهمَلة والموخَّدة، أفعَل تفضيل من العَيْب، وجَعَلَ كلٌّ منهم
الإبطاءَ والإسراعِ عَيْباً بالنّسبة لِمَا يَعتَقِدُه، فعمَّارٌ لِمَا في الإبطاء من مُخَالَفة الإمام وترك
امتثال: ﴿فَقَائِلُواْ الَّتِى تَبْغِى﴾ [الحجرات: ٩]، والآخَران لِمَا ظَهَرَ لهما من ترك مُباشَرة القتال في
الفِتْنة، وكان أبو مسعود على رأي أبي موسى في الكَفّ عن القتال تَسُّكاً بالأحاديثِ
الواردة في ذلك، وما في حَمْل السِّلاح على المسلم من الوعيد، وكان عَّار على رأي عليٍّ في
قتال الباغِينَ والناكِثين، والتَّمَسُّك بقولِه تعالى: ﴿فَقَئِلُواْ الَّتِى تَبْغِى﴾، وحَمَلَ الوعيد الوارد في
القتال علی من کان متعدّیاً على صاحبه.
تنبيه: وَقَعَ في رواية النَّسَفيِّ وكذا الإسماعيليّ قبلَ سياق سند ابن أبي غَنّة: ((باب)) بغير
ترجمة، وسَقَطَ للباقينَ وهو الصَّواب؛ لأنَّ فيه الحدیثَ الذي قبله، وإن كان فيه زيادة في
القصّة.

١١٩
باب ١٩ / ح ٧١٠٨
كتاب الفتن
٦٠/١٣
١٩ - بابٌ إذا أنزلَ الله بقوم عذاباً
٧١٠٨- حدَّثْنا عبدُ الله بنُ عُثمانَ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا يونسُ، عن الزُّهْريِّ، أخبرني
حمزةُ بنُ عبدِ الله بنِ عمرَ، أَنَّه سَمِعَ ابنَ عمرَ رضي الله عنهما يقولُ: قال رسولُ الله ◌َّةِ: ((إذا
أَنزَلَ الله بقوم عذاباً، أصابَ العذابُ مَن كان فيهم، ثمَّ بُعِثوا على أعمالهِم)).
قوله: (بابٌ إذا أَنزَلَ الله بقومٍ عذاباً)) حُذِفَ الجوابُ اكتِفاءَ بما وَقَعَ في الحديث.
قوله: ((عبد الله بن عُثمان)) هو عَبْدان، وعبد الله شيخه: هو ابن المبارك، ويونس: هو ابن
یزیدَ.
قوله: ((إذا أنزَلَ الله بقوم عذابا) أي: عُقوبةً لهم على سَيِّئ أعمالهم.
قوله: ((أصابَ العذابُ مَن كان فيهم)) في رواية أبي النُّعْمان عن ابن المبارك: «أصابَ به
مَن بينَ أظهرهم)) أخرجه الإسماعيليّ، والمراد: مَن كان فيهم ممَّن ليس هو على رأيهم.
قوله: ((ثُمَّ بُعِثوا على أعمالهم)) أي: بُعِثَ كلّ واحد منهم على حَسَب عمله، إنْ كان صالحاً
فعُقْباه صالحة، وإلّا فسَيِّئَة، فيكون ذلك العذاب طُهْرة للصالحين ونِقْمة على الفاسقين.
وفي ((صحيح ابن حِبّان)) (٧٣١٤) عن عائشة مرفوعاً: ((إنَّ الله إذا أنزَلَ سَطْوته بأهلِ
نِقْمَته وفيهم الصالحونَ، قُبِضوا معهم، ثمَّ بُعِثوا على نِيّاتهم وأعمالهم))(١)، وأخرجه البيهقيُّ
في ((الشُّعَب)) (٧٥٩٩)، وله (٧٥٩٩م) من طريق الحسن بن محمّد بن عليّ بن أبي طالب
عنها مرفوعاً: ((إذا ظَهَرَ السّوءُ في الأرض، أنزَلَ الله بأسَه فيهم)) قيلَ: يا رسول الله، وفيهم
أهل طاعته؟ قال: ((نَعَم، ثمَّ يُبعَثونَ إلى رحمة الله تعالى)).
قال ابن بَطّال: هذا الحديث يُبيِّن حديثَ زينب بنت جَحْش حيثُ قالت: أتَهلِكُ وفينا
الصالحونَ؟ قال: ((نَعَم إذا كَثُرَ الخَبَث)»(٢)، فيكون إهلاك الجميع عندَ ظُهور المنكر والإعلان
بالمعاصي.
(١) انظر ما سلف برقم (٢١١٨).
(٢) سلف برقم (٣٣٤٦).

١٢٠
باب ١٩ / ح ٧١٠٨
فتح الباري بشرح البخاري
قلت: الذي يُناسِب كلامَه الأخير حديثُ أبي بكر الصِّدّيق: سَمِعَ رسولَ الله
يقول: ((إنَّ الناس إذا رَأَوا المنكَرَ فلم يُغيِّروه، أوشَكَ أن يَعُمَّهم الله بعِقابٍ)) أخرجه
الأربعة(١)، وصَحَّحَه ابن حِبّان (٣٠٤)، وأمّا حديث ابن عمر في الباب وحديث زينب
بنت جَحْش فمُتَنَاسِبان، وقد أخرجه مسلم (٢٨٨٠) عَقِبَه، ويَجَمَعُهما أنَّ الهلاك يَعُمّ
الطّائعَ مع العاصي، وزاد حديثُ ابن عمر أنَّ الطّائع عندَ البَعْث يُجازَى بعَمَلِهِ، ومِثْلُه
حديث عائشة مرفوعاً: ((العَجَبُ، إنَّ ناساً من أمَّتِي يَؤُمّونَ هذا البيت حتَّى إذا كانوا
بِالبَيْداءِ خُسِفَ بهم)) فقلنا: يا رسول الله، إنَّ الطَّريق قد تَجمَع الناس، قال: ((نَعَم، فيهم
المستَبَصِر والمجبور وابن السَّبيل، يَهلِكونَ مَهْلَكاً واحداً ويَصدُرونَ مَصادرَ شَتَّى، يَبعَثهم
الله علی نیّاتهم)) أخرجه مسلم (٢٨٨٤).
وله (٢٨٨٢) من حديث أمّ سَلَمة نحوه، ولفظه: فقلت: يا رسول الله، فكيف بمَن
کان کارهاً؟ قال: ((مُسَف به معهم، ولكنَّه يُبعَث يومَ القيامة على نيّته))، وله (٢٨٧٨) من
حديث جابر رَفَعَه: ((يُبعَث كلُّ عبدٍ علی ما ماتَ علیه)).
وقال الدَّاوُوديُّ: معنى حديث ابن عمر: أنَّ الأُمَم التي تُعَذَّب على الكفر، يكون
بينَهم أهل أسواقهم ومَن ليس منهم، فيُصاب جميعهم بآجالهِم ثمَّ يُبعَثونَ على أعمالهم،
ويُقال: إذا أرادَ الله عذابَ أمّة أعقَمَ نساءَهم خمس عَشْرةَ سنةً قبلَ أن يُصابوا، لئلّا يُصابَ
الوِلدانُ الذينَ لم يَجْرِ عليهم القَلَم. انتهى، وهذا ليس له أصل، وعموم حديث عائشة
يَرُدّه، وقد شُوهِدَت السَّفينةِ مَلْأى من الرِّجال والنِّساء والأطفال تَغْرَق فيَهلِكونَ جميعاً،
ومِثْلِه الدّار الكبيرة تَحَرَّقُ، والرُّفْقة الكثيرة يَخرُج عليها قُطّاع الطَّريق، فيَهلِكونَ جميعاً أو
أكثرهم، والبلد من بلاد المسلمين يَهْجُمها الكفَّارُ فَيَبْذُلونَ السَّيف في أهلها، وقد وَقَعَ ذلك
من الخوارج قديماً، ثمَّ من القَرامطة، ثمَّ من الطَّطَر أخيراً، والله المستعان.
قال القاضي عِيَاض: أورَدَ مسلم حديث جابر: ((يُبعَث كلُّ عبد على ما ماتَ عليه))
٦١/١٣ عَقِبَ حديث جابر أيضاً رَفَعَه: ((لا يموتَنَّ أحدكم إلّ وهو يُحسِن الظَّنّ بالله)) يشير إلى أنَّه
(١) أبو داود (٤٣٣٨)، وابن ماجه (٤٠٠٥)، والترمذي (٢١٦٨)، والنسائي في ((الكبرى)) (١١٠٩٢).