النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ باب ٤ / ح ٧٠٥٩ كتاب الفتن ٤- باب قول النبيِّ وَلّ: ((وَيْلٌ للعربِ مِن شرِّ قد اقْتَرَبَ)) ٧٠٥٩- حدَّثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا ابنُ عُبَينَةَ: أَنَّه سَمِعَ الزُّهْريَّ، عن عُرْوةَ، عن زينبَ بنتِ أمِّ سَلَمَةَ، عن أمِّ حَبِيبةَ، عن زينبَ ابنةِ جَحْشٍ رضي الله عنهنَّ، أنَّهَا قالت: استَيِقَظَ النبيُّ ◌َّهِ مِنَ النَّومِ مُحمَرّاً وجهُه يقولُ: ((لا إلهَ إلّا الله! ويلٌ للعربِ مِن شرّ قد اقتَرَبَ! فُتِحَ اليومَ مِن رَدْمٍ يَأْجوجَ ومَأْجوجَ مِثلُ هذه)» - وعَقَدَ سفيانُ تسعينَ أو مئةً - قيلَ: أَنَهلِكُ وفينا الصالحونَ؟ قال: («نَعَم، إذا كَثُرَ الخَبَثُ)). قوله: ((باب قول النبيّ رَّهِ: ويلٌ للعربِ من شَرّ قد اقتَرَبَ)) إِنَّمَا خَصَّ العربَ بالذِّكْرِ لأنَّهم أوَّل مَن دَخَلَ في الإسلام، وللإنذار بأنَّ الفتن إذا وَقَعَتْ كان الهلاك أسرعَ إليهم. وذکر فیه حدیثین: أحدهما: حديث زينب بنت جَحْش، وهو مُطابِقٍ للتَّرجمة، ومالك بن إسماعيل شيخُه فيه: هو أبو غسّان النّهديُّ، و کأنَّه اختار تخریج هذا الحديث عنه لتصريحه في روایته بسماع سفيان بن عُيَینةً له من الزُّهْريّ. قوله: ((عن عُرْوة)) هو ابن الزُّبَيرِ. قوله: ((عن زينب بنت أمّ سَلَمة)) في رواية شُعَيب عن الزُّهْريّ(١): حدَّثني عُرْوة أنَّ زينب بنت أبي سَلَمة حَدَّثَته. قوله: ((عن أمّ حبيبة)» في رواية شُعَيب: أنَّ أمّ حبيبة بنت أبي سفيان حَدَّثَتها، هكذا قال بعض أصحاب سفيان بن عُيَينةَ منهم مالك بن إسماعيل هذا، ومنهم عَمْرو بن محمَّد الناقدُ عندَ مسلم (١/٢٨٨٠)، ومنهم سعيد بن منصور في ((السُّنَن)) له، ومنهم قُتَيبة وهارون بن عبد الله عندَ الإسماعيليّ، والقَعْنبيّ عندَ أبي نُعيم، وكذا قال مُسدَّد في ((مُسنَده)). (١) سلفت عند البخاري برقم (٣٥٩٨). ٢٢ باب ٤ / ح ٧٠٥٩ فتح الباري بشرح البخاري قلت: وهكذا تقدَّم في أحاديث الأنبياء (٣٣٤٦) من رواية عُقيل، وفي علامات النُّبوّة ١٢/١٣ (٣٥٩٨) من رواية شُعَيب، ويأتي في أواخر كتاب الفتن (٧١٣٥) من رواية/ محمَّد بن أبي عَتيق، كلُّهم عن الزُّهْريّ، ليس في السَّند حبيبة، زاد جماعة من أصحاب ابن عُيَينةً عنه ذِكْر حبيبة فقالوا: عن زينب بنت أمّ سَلَمة عن حبيبة بنت أمّ حبيبة عن أمّها أمّ حبيبة، هكذا أخرجه مسلم (٢٨٨٠) عن أبي بكر بن أبي شيبة وسعيد بن عَمرو الأشعَتِيّ وزُهَير بن حَرْب ومحمَّد بن يحيى بن أبي عمر، أربعتهم عن سفيان عن الزّهْريّ، قال مسلم: زادوا فيه حبيبةَ، وهكذا أخرجه التِّرمِذيّ (٢١٨٧) عن سعيد بن عبد الرَّحمن المخزوميّ وغيرٍ واحد کلُّهم عن سفيان. قال التِّرمِذيّ: جَوَّدَ سفيانُ هذا الحديث، هكذا رواه الحُميديُّ وعليّ بن المَدِينيّ وغير واحد من الحُفّاظ عن سفيان بن عُيَينَةَ، قال الحُميديُّ: قال سفيان: حَفِظتُ عن الزُّهْريّ في هذا الحديث أربعَ نِسْوة: زينب بنت أمّ سَلَمة عن حَبيبة وهما رَبِيبَتَا النبيِّ وَِّ، عن أمّ حبيبة عن زينب بنت جَحْش وهما زَوْجا النبيّ وَّةِ، وأخرجه أبو نُعيم في ((المستَخرَج)) من طريق الحُميديِّ فقال في روايته: عن حبيبة بنت أمّ حبيبة عن أمّها أمّ حبيبة، وقال في آخره: قال الحُميديُّ: قال سفيان: أحفَظُ في هذا الحديث عن الزُّهْريّ أربع نِسْوة قد رأينَ النبيَّ وَّهِ، ثِنْتَينِ من أزواجه: أمّ حبيبة وزينب بنت جَحْش، وثِنتَيْنِ رَبيبَتَاه: زينب بنت أمّ سَلَمة وحبيبة بنت أمّ حبيبة، أبوها عُبيد الله بن جَحْش ماتَ بأرضِ الحَبَشة. انتهى كلامه. وأخرجه أبو نُعيم أيضاً من رواية إبراهيم بن بشَّار الرَّمَاديّ ونَصْر بن عليّ الجَهْضميّ، وأخرجه النَّسائيُّ (ك١١٢٤٩) عن عُبيد الله بن سعيد، وابن ماجَهْ (٣٩٥٣) عن أبي بكر بن أبي شَيْبة، والإسماعيليّ من رواية الأسود بن عامر، كلّهم عن ابن عُيَينَةَ بزيادةٍ حبيبة في السَّند، وساقَ(١) الإسماعيليّ عن هارون بن عبد الله قال: قال لي الأسود بن عامر: كيف يُحفَظ هذا عن ابن عُبَينَةَ؟ فذكره له بنَقْصٍ حبيبةَ، فقال: لكنَّه حدَّثنا عن الزُّهْريّ عن عُرْوة عن أربع نِسْوة كلّهنَّ قد أدرَكِنَ النبيَّ ◌َِّ، بعضهنَّ عن بعض. (١) في (ع): وزاد. ٢٣ باب ٤ / ح ٧٠٥٩ - ٧٠٦٠ كتاب الفتن قال الدّارَ قُطْنِيُّ: أظُنُّ سفيان كان تارةً يَذكُرها وتارةً يُسقِطها. قلت: ورواه سُرَيج(١) بن يونس عن سفيان، فأسقَطَ حبيبةَ وزينبَ بنت جَحْش، أخرجه ابن حِبّان (٦٨٣١)، ومِثْله لأبي عَوَانة عن اللَّيث عن الزُّهْريّ، ومن رواية سليمان بن كثير عن الزُّهْرِيّ وصَرَّحَ فيه بالإخبار، وسأذكرُ شرح المتن في آخر كتاب الفتن (٧١٣٥) إن شاء الله تعالى. وحَبيبة بنت عُبيد الله - بالتَّصغيرِ - بن جَحْش هذه ذَكَرها موسى بن عُقْبةَ فيمَن هاجَرَ إلى الحَبَشة، فَتَنصَّرَ عُبيد الله بن جَحْش وماتَ هناك، وثَبَتَتْ أمُّ حبيبة على الإسلام، فتزوَّجَها النبيّ وَّهِ وجَهَّزَها إليه النَّجاشيّ. وحكى ابن سعد: أنَّ حبيبة إِنَّا وُلِدَتْ بأرضٍ الحَبَشة، فعلى هذا تكون في زمن النبيّ وَّ صغيرة، فهي نَظِير التي رَوَت عنها في أنَّ كلَّا منهما رَبِيبة النبيّ وََّ، وفي أنَّ كلَّ منهما من صِغار الصحابة، وزينب بنت جَحْش هي عمّة حبيبة المذكورة، فَرَوَتْ حبيبةٌ عن أمّها عن عَمَّتها، وكانت وفاة زينب قبلَ وفاةٍ أمّ حبيبة. وزَعَمَ بعض الشّرّاح أنَّ رواية مسلم (٢٨٨٠) بذِكْر حبيبة تُؤذِن بانقطاع طريق البخاريّ، قلت: وهو كلام مَن لم يَطَّلِعْ على طريق شُعَيب (٣٥٩٨) التي نَّبَّهتُ عليها، وقد جَعَ الحافظ عبد الغنيّ بن سعيد الأزديُّ جُزْءاً في الأحاديث المسَلْسَلة بأربعةٍ من الصحابة، وجملة ما فيه أربعة أحاديث، وجَمَعَ ذلك بعدَه الحافظ عبد القادر الرُّهَاويّ، ثمَّ الحافظ يوسف بن خليل فزاد عليه قَدْرَها وزاد واحداً حُماسيّاً، فصارتْ تسعة أحاديث وأصخُها حديث الباب، ثمَّ حديث عمر في العُمالة، وسيأتي في كتاب الأحكام (٧١٦٣). الحديث الثاني: حديث أُسامة بن زيد. ٧٠٦٠- حدّثنا أبو نُعيم، حدَّثنا ابنُ عُبَينَةَ، عن الزُّهْريِّ. وحدَّثني محمودٌ، أخبرنا عبدُ الرَّزاق، أخبرنا مَعمٌَ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُرْوةَ، عن أسامةَ بنِ زيدٍ رضي الله عنهما، قال: أشَفَ النبيُّ وَّل على أُطُمِ مِن آطام المدينةِ، فقال: ((هل تَرَوْنَ ما أَرَى؟)) قالوا: لا، قال: ((فإنّي لَأَرَى الْفِتَنَ تَفَعُ خِلالَ بيوتِكم كوَفْعِ القَطْرِ». (١) تصحف في (س) إلى: شريح. ٢٤ باب ٤ / ح ٧٠٦٠ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((عن الزُّهْريّ)) في رواية الحُميديِّ في («مُسنَده)) (٥٤٢) عن سفيان بن عُيَينةَ: حذَّثنا الزّهْريّ، وأخرجه أبو نُعيم في ((مُستَخرَجه على مسلم)) من طريقِه. قوله: ((عن عُرْوة، عن أسامة بن زيد)) في رواية الحُميديِّ وابن أبي عمر في ((مُسنَده) عن ابن عُيَينَةَ عن الزُّهْريّ: أخبَرَني ◌ُرْوة أنَّه سَمِعَ أُسامة بن زيد. وقوله: ((حدَّثْنا محمود)) هو ابن غَيْلان. قوله: ((أشَرَفَ النبيُّ ◌َ)) عندَ الإسماعيليّ في رواية مَعمَر: أوفَى، وهو بمعنى: أشرَفَ، أي: الطَّلَعَ من عُلْوٍ. ١٣/١٣ قوله: ((على / أُطُم) بضمَّتَينِ: هو الحِصْن، وقد تقدَّم بيانه في آخر الحجّ (١٨٧٨). قوله: ((مِن آطام المدينة)) تقدَّم في علامات النُّبوّة (٣٥٩٧) عن أبي نُعيم بهذا السَّند بلفظ: على أُطُم من الآطام؛ فاقتَضَى ذلك أنَّ اللَّفظَ الذي ساقَه هنا لفظ مَعمَر. قوله: «هل تَرَوْنَ ما أَرَى؟ قالوا: لا)) وهذه الزيادة أيضاً لمعمَر، ولم أرَها في شيءٍ من الطُّرِق عن ابن عُيَينةَ. قوله: ((فإنّ لَأَرَى الفِتَنَ تقعُ خِلالَ بیوتِکم)» في رواية أبي بكر بن أبي شَيْبة عن سفيان(١). ((إنّي لَأَرَى مواقع الفتن))، والمراد بالمواقع: مواضع الشُّقوط، والخِلال: النَّواحي، قال الطِّيبي: تقع مفعول ثانٍ، ويحتمل أن يكون حالاً وهو أقرَبُ، والرُّؤْية بمعنى النَّظَر، أي: كُشِفَ لي فأبصرتُ ذلك عياناً. قوله: ((كوَقْعِ القَطْرِ)) في رواية المُستَمْلِي والكُشمِيهَنيّ: ((المطر))، وفي رواية علامات النُّبوّة: ((كمواقع القَطْر)) وقد تقدَّم الكلام على هذه الرِّواية في آخر الحجّ، وإنَّما اختَصَّت المدينةُ بذلك؛ لأنَّ قتلَ عثمان ﴾ه كان بها، ثمَّ انتَشَرَت الفتنُ في البلاد بعد ذلك، فالقتال بالجملِ وبصِفّينَ كان بسببٍ قتل عثمان، والقتال بالنَّهْرَوان كان بسببِ التَّحكيم بصِفّين، وكلّ قتال وَقَعَ في ذلك العصر إنَّمَا تَولَّدَ عن شيء من ذلك أو عن شيء تَوَلَّدَ عنه. (١) أخرجها مسلم (٢٨٨٥). ٢٥ باب ٥ / ح ٧٠٦١ كتاب الفتن ثَمَّ إِنَّ قَتْل عثمان كان أشدُّ أسبابه الطَّعْن على أُمرائه ثمَّ عليه بتَولِيَتِه لهم، وأوَّل ما نَشَأ ذلك من العراق وهي من جهة المشرق، فلا مُنافاة بينَ حديث الباب وبينَ الحديث الآتي (٧٠٩٢) أنَّ الِفِتْنة من قِبَل المشرق، وحَسُنَ التَّشبيه بالمطرِ لإرادة التَّعميم، لأنَّه إذا وَقَعَ في أرضٍ مُعيَّنة عَمَّها ولو وَقَعَ(١) في بعض چِهاتها. قال ابن بَطّال: أنذَرَ النبيُّ ◌َلَه في حديث زينب بقُرْبٍ قيام السّاعة كَيْ يتوبوا قبلَ أن تَجُم عليهم، وقد ثَبَتَ أنَّ خروج يَأْجوجَ ومَأْجوجَ قُرْبَ قيام السّاعة، فإذا فُتِحَ من رَدْمهم ذاكَ القَدْرِ فِي زَمَنه ◌َّهِ، لم يزل الفتحُ يَتَّسِع على مَرّ الأوقات، وقد جاءَ في حديث أبي هريرة رَفَعَه: ((ويلٌ للعربِ من شَرِّ قد اقتَرَبَ، موتوا إن استطعتُمْ))(٢)، قال: وهذا غايةٌ في التَّحذير من الفتن والخَوْض فيها، حيثُ جَعَلَ الموتَ خيراً من مُبَاشَرَتها، وأخبَرَ في حديث أُسامة بوقوع الفتن خِلالَ البيوت ليَتَأَهَّبوا لها، فلا يَخوضوا فيها ويَسْألوا الله الصَّبر والنَّجاة من شرّها. ٥ - باب ظُهورِ الفِتَن ٧٠٦١- حدَّثْنا عيَّاشُ بنُ الوليدِ، أخبرنا عبدُ الأعلى، حدَّثنا مَعمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن سعيدٍ، عن أبي هُرَيرةَ، عن النبيِّ وَّةِ، قال: ((يَتَقَارَبُ الزَّمانُ، ويَنقُصُ العِلمُ، ويُلقَى الشُُّّ، وتَظهَرُ الفِتَنُ، وَيَكُّرُ الهَرْجُ)) قالوا: يا رسولَ الله، أيُّما هو؟ قال: ((القتلُ، القتلُ)). وقال يونسُ وشُعَيبٌ واللَّيْثُ وابنُ أخي الزُّهْريِّ: عن الزّهْريِّ، عن مُميدٍ، عن أبي هُرَيرَ، عن النبيِّ ټچ. قوله: ((باب ظهور الفتن)) ذکر فیه ثلاثة أحاديث: الحديث الأول: حديث أبي هريرة. ١٤/١٣ (١) لفظ ((وقع)) هنا لم يرد في (س). (٢) أخرجه الحاكم ٤٣٩/٤-٤٤٠ وصححه على شرط مسلم، لكن في إسناده محمد بن عمرو بن علقمة روى له البخاري مقروناً بغيره ومسلم في المتابعات وليس احتجاجاً فلا يُعدُّ من شرطه، وهو صدوق له أوهام. ٢٦ باب ٥ / ح ٧٠٦١ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((حدَّثنا عيَّاش)) بتحتانيّةٍ ثقيلة ومُعجَمة، وشيخه عبد الأعلى: هو ابن عبد الأعلى السَّاميّ - بالمهمَلة - البصريّ، وسعيد: هو ابن المسيّب، ونَسَبَه أبو بكر بن أبي شَيْبة في روايته له عن عبد الأعلى المذكور، أخرجه ابن ماجَهْ (٤٠٥٢)، وكذا عندَ الإسماعيليّ من رواية عبد الأعلى وعبد الواحد وعبد المجيد بن أبي رَوّادٍ كلّهم عن مَعمَر، وهو عندَ مسلم (٢٦٧٢/ ١٢) عن أبي بكر، لكنْ لم يَسُقْ لفظه. قوله: ((يَتَقارَب الزّمان)) كذا للأكثر، وفي رواية السَّرَخْسيّ: ((الزَّمَنُ)) وهي لُغةٌ فيه. قوله: ((ويَنقُص العِلم)) كذا للأكثر، وفي رواية المُستَمْلِي والسَّرَخْسيّ: ((العمل))، ومِثْله في رواية شُعَيب عن الزُّهْريّ عن حُميدٍ بن عبد الرّحمن عن أبي هريرة عندَ مسلم (١١/٢٦٧٢)، وعندَه من رواية يونس عن الزُّهْريّ في هذه الطَّريق: ((ويُقبَض العِلم))، ووَقَعَ مِثْله في رواية الأعرج عن أبي هريرة كما سيأتي في أواخر كتاب الفتن (٧١٢١)، وهي تُؤْيِّد رواية مَن رواه بلفظ: ((ويَنقُص العمل))(١)، ويُؤيِّده أيضاً الحديث الذي بعده بلفظ: ((يَنزِل الجهل ويُرفَع العِلم)). قوله: ((وَيَكثُر الهَرْج، قالوا: يا رسول الله، أيَّما هو؟)) بفتح الهمزة وتشديد الياء الأخيرة بعدَها ميم خفيفة، وأصله: أيُّ شيءٍ هو، ووَقَعَتْ للأكثر بغير ألف بعدَ الميم، وضَبَطَه بعضهم بتخفيفِ الياء كما قالوا: أَيْشٍ؟ في موضع: أيّ شيء، وفي رواية الإسماعيليّ: وما هو؟ وفي رواية أبي بكر بن أبي شَيْبة(٢): قالوا: يا رسول الله، وما الهَرْج؟ وهذه رواية أكثر أصحاب الزُّهْريّ، وفي رواية عَنْبَسة بن خالد عن يونس عندَ أبي داود (٤٢٥٥): قيلَ: يا رسول الله، أيْشٍ هو؟ قال: ((القتل القتل))، وفي روايةٍ للطَّبَرانيِّ (١٠٢١٠) عن ابن مسعود: ((القتل والكذب))(٣). (١) كذا وقع في أصول ((الفتح)): ((وينقص العمل)) وسياق الكلام يأباه، ويغلب على ظننا أنه سبق قلمٍ من الحافظ رحمه الله، وأن الصواب: ((وينقص العلم))، وهو المؤيَّد من الروايات الأخرى. (٢) أخرجها ابن ماجه (٤٠٥٢)، كما أشار إليه الحافظ سابقاً. (٣) قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) ٢٢٢/٥: فيه وهب الله بن رزق ولم أعرفه. قلنا: وعلى قلّة ما روى فإنها غرائب مناكير. ٢٧ باب ٥ / ح ٧٠٦١ كتاب الفتن قوله: ((قال: القتلُ، القتلُ» صريح في أنَّ تفسير الهَرْج مرفوع، ولا يعارض ذلك مَجَيتُه في غير هذه الرّواية موقوفاً ولا كَوْنُه بلسان الحَبَشة، وقد تقدَّم في كتاب العِلم (٨٥) من طريق سالم بن عبد الله بن عمر: سمعتُ أبا هريرة، فذكر نحو حديث الباب دونَ قوله: (يَتَّقَارَب / الزَّمان)) ودونَ قوله: ((ويُلقَى الشُّحّ)) وزاد فيه: (ويَظهَر الجهل)) وقال في آخره: ١٥/١٣ قيلَ: يا رسول الله، وما الهَرْج؟ فقال هكذا بيَدِه، فحَرَّفَها كأنَّه يريد القتلَ؛ فيُجمَعِ بأَنَّه جَمَعَ بينَ الإشارة والنُّطْق، فحَفِظَ بعض الرُّواة ما لم يَحفَظ بعضٌ، كما وَقَعَ لهم في الأُمور المذكورة. وجاءَ تفسير أيام الهَرْج فيما أخرجه أحمد (١٦٨٢٠) والطَّبَرانيُّ (٣٨٤١) بسندٍ حسنٍ(١) من حديث خالد بن الوليد: أنَّ رجلاً قال له: يا أبا سليمان، اتَّقِ الله، فإنَّ الفتن ظَهَرَت، فقال: أمَا وابنُ الخطَّب حَيُّ فلا، إنَّما تكون بعدَه، فيَنظُر الرجل فيُفكِّر هل يَجِدُ مكاناً لم يَنِزِل به مِثْلُ ما نَزَلَ بمكانه الذي هو به من الفِتْنة والشرّ، فلا يَجِد، فتلكَ الأيام التي ذكر رسولُ اللهِ وَّهِ بِينَ يَدَي السّاعة أيام الهَرْج. قوله: ((وقال يونس)) يعني: ابن يزيد ((وشُعَيب)) يعني: ابن أبي حمزة ((واللَّيثُ وابن أخي الزُّهْريّ عن الزُّهْريّ عن مُميدٍ)) يعني: ابنَ عبد الرَّحمن بن عَوْف عن أبي هريرة، يعني: أنَّ هؤلاءِ الأربعة خالَفوا مَعمَراً في قوله: عن الزّهْريّ عن سعيد، فجَعَلوا شيخَ الزُّهْريّ حُميداً لا سعيداً، وصنيعُ البخاريّ يَقتَضي أنَّ الطَّريقَينِ صحيحان، فإنَّه وَصَلَ طريق مَعمَر هنا، ووَصَلَ طريق شُعَيب في كتاب الأدب (٦٠٣٧)، وكأنَّه رَأَى أنَّ ذلك لا يَقدَح، لأنَّ الزُّهْرِيّ صاحبُ حديث، فيكونُ الحديث عنده عن شيخَين، ولا يَلزَم من ذلك اطِّرادُه في كلّ مَن اختُلِفَ عليه في شيخه، إلّا أن يكون مِثلَ الزُّهْريّ في كَثْرة الحديث والشُّيوخ، ولولا ذلك لكانت رواية يونس ومَن تابَعَه أرجَحَ، وليست رواية مَعمَر مدفوعةً عن الصِّحّة لما ذكرتُه. فأمّا رواية يونس، فوَصَلَها مسلم (٢٦٧٢/ ١١) كما ذكرتُ من طريق ابْنٍ وَهْب عنه ولفظه: ((ويُقْبَض العِلم))، وقَدَّمَ ((وتَظهَر الفتن)) على ((ويُلقَى الشُّحّ)) وقال: قالوا: وما الهَرْج؟ (١) بل إسناده ضعيف، لجهالة الراوي عن خالد بن الوليد عزرةُ بن قيس. ٢٨ باب ٥ / ح ٧٠٦١ فتح الباري بشرح البخاري قال: ((القتل))، ولم يُكرِّر لفظ القتل، ومِثْله له (١٨/٢٨٨٨) من رواية سُهَيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رَفَعَه: ((لا تقوم السّاعة حتَّى يَكثُر الهَرْجِ)) فذكره مُقتَصِراً عليه، وأخرجه أبو داود (٤٢٥٥) من رواية عَنبَسةَ بن خالد عن يونس بن يزيد بلفظ: ((ويَنقُص العِلم)). وأمّا رواية شُعَيب، فَوَصَلَها المصنّف في كتاب الأدب (٦٠٣٧) عن أبي اليَمَان عنه وقال في روايته: ((يَتَقَارَبِ الَّمان ويَنقُص العمل)) وفي رواية الكُشمِيهَنيّ: ((العِلم))، والباقي مِثْل لفظ مَعمَر، وقال في روايتَيْ يونس وشُعَيب عن الزّهْريّ: حدَّثني ◌ُيدُ بن عبد الرَّحمن. وأمّا رواية اللَّيث، فوَصَلَها الطَّبَرانيُّ في («الأوسط)) (٨٦٨٢) من رواية عبد الله بن صالحِ عنه به ◌ِمِثْلَ رواية ابنِ وَهْب. وأمّا رواية ابنِ أخي الزُّهْريّ، فَوَصَلَها الطَّبَرانيُّ أيضاً في ((الأوسط)) (٤٥٢٢) من طريق صَدَقة بن خالد عن عبد الرَّحمن بن يزيد بن جابر عن ابنٍ أخي الزُّهْريّ، واسمه محمَّد بن عبد الله بن مُسِلم، وقال في روايته: سمعتُ أبا هريرة، ولفظه مِثْل لفظ ابن وَهْب إلّا أنَّه قال: قلنا: وما الهَرْج يا رسول الله؟(١) وأخرجه مسلم (٢٦٧٢/ ١٢) من رواية عبد الرَّحمن ابن يعقوب وهمَّام بن مُنبِّه وأبي يونس مولى أبي هريرة، ثلاثتهم عن أبي هريرة، قال بمِثْلِ حديث ◌ُميدٍ بن عبد الرَّحمن، غير أنَّهم لم يَذكُرُوا: ((ويُلقَى الشُّخُ)). قلت: وساقَ أحمد (٨١٣٥) لفظ همَّام وأوَّله: ((يُقْبَض العِلم ويَقتَرِب الزَّمَن)). وقد جاءَ عن أبي هريرة من طريق أُخرى زيادة في الأُمور المذكورة، فأخرج الطَّبَرانيُّ في («الأوسط)) (٣٧٦٧) من طريق سعيد بن جُبَير عنه رَفَعَه: ((لا تقومُ السّاعة حتَّى يَظهَر الفُحْش والبُخْل، ويُخوَّنُ الأمينُ ويُؤتَمن الخائن، وتَهلِك الوُعُول، وتَظهَر التُّحوت)) قالوا: يا رسول الله، وما التُّحوت والوُعول؟ قال: «الوُعول: وجوه الناس وأشرافُهم، والتُّحوت: الذينَ كانوا تحتَ أقدام الناس لیس یُعلَم بهم)). (١) لم تقع رواية ابن أخي الزهري باللفظ الذي أشار إليه الحافظ عند الطبراني في ((الأوسط)) في النسخ المطبوعة منه، وإنما وقع هذا له في كتابه ((مسند الشاميين)) برقم (٦٢٣). ٢٩ باب ٥ / ح ٧٠٦١ كتاب الفتن وله (٧٤٨) من طريق أبي عَلْقمة: سمعتُ أبا هريرة يقول: إنَّ من أشراط السّاعة، نحوَه، وزاد: أكذلكَ يا(١) عبدَ الله بن مسعود سمعتَه من حِبّي؟ قال: نَعَم، قلنا: وما التُّحوت؟ قال: فُسُول الرِّجال وأهل البيوت الغامضة، قلنا: وما الوُعول؟ قال: أهل البيوت الصالحة. قال ابن بَطّال: ليس في هذا الحديث ما يحتاج إلى تفسير غير قوله: / ((يَتَقَارَب الزَّمان»، ١٦/١٣ ومعناه والله أعلمُ: تَقارُب أحوال أهله في قِلّة الدِّين، حتَّى لا يكون فيهم مَن يأمُر بمعروفٍ ولا يَنهَى عن مُنكَر لغَلَبة الفِسْق وظُهور أهله، وقد جاءَ في الحديث: ((لا يزال الناسُ بخَيْرِ ما تَفاضَلوا، فإذا تَساوَوْا هَلَكوا))(٢) يعني: لا يزالونَ بخَيْرٍ ما كان فيهم أهل فضلٍ وصلاح وخَوْف من الله يُلْجَأ إليهم عند الشَّدائد، ويُستَشْفَى بآرائهم ويُتَبَرَّك بدعائهم، ويُؤخَذ بتقويمِهم وآثارِهم. وقال الطَّحَاويُّ: قد يكونُ معناه في ترك طلب العِلم خاصّةً والرِّضا بالجهل، وذلك لأَنَّ الناس لا يَتَساوَوْنَ في العِلم، لأنَّ دَرَج العِلم تَتَفاوت، قال تعالى: ﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِيرٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]، وإنَّما يَتَساوَوْنَ إذا كانوا جُهّالاً، وكأنَّه يريد غَلَبَةَ الجهل وکَثْرتَه بحيثُ يُفْقَد العِلم بفَقْدِ العلماء. قال ابن بَطّال: وجميع ما تَضَمَّنَه هذا الحديث من الأشراط قد رأيناها عِياناً، فقد نَقَصَ العِلم، وظَهَرَ الجهل، وأُلْقِيَ الشُُّّ في القلوب، وعَمَّت الفتن، وكَثُرَ القتل، قلت: الذي يَظهَر أنَّ الذي شاهَدَه كان منه الكثير مع وجود مُقابِله، والمراد من الحديث استِحْكامُ ذلك حتّى لا يَبْقَى ممّا يُقابِله إلّ النادر، وإليه الإشارة بالتَّعبيرِ بقَبْضِ العلم، فلا يَبقَى إلّ الجهل الصِّرْف، ولا يَمنَع من ذلك وجودُ طائفة من أهل العِلم، لأنَّهم يكونونَ حينَذٍ مَغْمورِينَ في أولئكَ. ويُؤيِّد ذلك ما أخرجه ابن ماجَهْ (٤٠٤٩) بسندٍ قويّ عن حُذيفة قال: ((يَدرُس الإسلامُ كما يَدْرُس وَشْيُ الثَّوب، حتَّى لا يُدرَى ما صيامٌ ولا صلاة ولا نُسُك ولا صَدَقة، ويُسرَى (١) قوله: ((أكذلك يا)) تحرف في (س) إلى: كذلك أنبأنا. (٢) ليس هذا بحديثٍ مُسنَدٍ إلى النبيِ وَّهِ، وإنما روي من قول الحسن البصري فيما أخرجه البيهقي في (شعب الإيمان)) (٩٠٨٤) بإسناد فيه مقال. ٣٠ باب ٥ / ح ٧٠٦١ فتح الباري بشرح البخاري على الكتاب في ليلة فلا يَبقَى في الأرض منه آية)) الحديث(١)، وسأذكرُ مزيداً لذلك في أواخر کتاب الفتن. وعند الطَّبَرانيّ (٨٦٩٨) عن عبد الله بن مسعود قال: ولَيُنزَعَنَّ القرآنُ من بين أظهُرِكم يُسرَى عليه ليلاً، فيذهب من أجواف الرِّجال، فلا يَبقَى في الأرض منه شيء، وسنده صحيح، لكنَّه موقوف، وسيأتي بيان مُعارِضُه ظاهراً في كتاب الأحكام والجمعُ بينهما، و کذا القول في باقي الصِّفات. والواقع أنَّ الصِّفات المذكورة وُجِدَتْ مَبادِيها من عَهْد الصحابة، ثمَّ صارتْ تَكثُر في بعض الأماكن دونَ بعض، والذي يَعقُبه قيامُ السّاعة استِحْكام ذلك كما قَرَّرتُه، وقد مضى من الوقت الذي قال فيه ابنٍ بَطّال ما قال نحو ثلاث مئة وخمسينَ سنة والصِّفات المذكورة في ازدياد في جميع البلاد، لكنْ يَقِلّ بعضها في بعض ويَكثُر بعضها في بعض، وكلَّما مَضَتْ طبقة ظَهَرَ النَّقْصُ الكثير في التي تليها، وإلى ذلك الإشارةُ بقوله في حديث الباب الذي بعده: «لا يأتي زمان إلّا والذي بعده شَرِّ منه)). ثمَّ نَقَلَ ابنُ بَطّال عن الخطَّبيّ في معنى تَقارُب الزّمان المذكور في الحديث الآخَر، يعني: الذي أخرجه التِّرمِذيّ (٢٣٣٢) من حديث أنس، وأحمد (١٠٩٤٣) من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((لا تقوم السّاعةُ حتَّى يَتَقَارَب الزَّمان، فتكونَ السَّنةُ كالشَّهر، والشَّهر كالجُمعة، والجمعة كاليوم، ويكونُ اليوم كالسّاعة، وتكونُ السّاعة كاحتراق السَّعَفة»، قال الخطَّبيُّ: هو من استِلْذاذ العَيش، يريد - والله أعلم - أنَّه يقع عند خروج المهديّ، ووقوع الأَمَنة في الأرض، وغَلَبةِ العَدْل فيها، فيُستَلذّ العيشُ عند ذلك، وتُستَقَصَر مُدَّته، وما زال الناس يَستَقْصِرونَ مُدّة أيام الرَّخاء وإن طالَتْ، ويستطيلونَ مُدّة المكروه وإن قَصُرَت. وتَعقَّبَه الكِرْمانيُّ: بأنَّه لا يُناسِب أخَواتِه من ظُهور الفتنِ وكَثْرة الهَرْج وغيرهما. وأقول: إنَّما احتاجَ الخطَّبيُّ إلى تأويله بما ذُكِرَ لأَنَّه لم يقع النَّقْصُ في زمانه، وإلّا فالذي تَضَمَّنَه الحديث (١) قوله: (يَدرُس الإسلام)) أي: تنمحي آثارُه وأحكامه، و ((وَشْي الثوب)) نقشُه وزخر فتُه. ٣١ باب ٥ / ح ٧٠٦١ كتاب الفتن قد وُجِدَ في زماننا هذا، فإنّا نَجِدُ مِن سُرْعة مرِّ الأيام ما لم نَكُنْ نَجِده في العصر الذي قبلَ عَصْرنا هذا، وإن لم يكن هناك عَيْش مُستَلَذّ، والحقّ أنَّ المراد نَزْعُ البَرَكة من كلّ شيء حتَّى من الزّمان، وذلك من علامات قُرْب السّاعة. وقال بعضهم: معنى تَقارُب الزّمان: استواءُ اللَّيل والنَّهار، قلت: وهذا ما قالوه في قوله: ((إذا اقتَرَبَ الزّمان لم تَكَدْ رُؤْيا المؤمن تَكذِب)) كما تقدَّم بيانه فيما مضى (٧٠١٧). ونَقَلَ ابن التِّين عن الدَّاوُوديّ: أنَّ معنى حديث الباب: أنَّ ساعات النَّهار تَقصُر قُربَ قيام السّاعة، ويَقرُب النَّهارُ من / اللَّيل. انتهى، وتخصيصه ذلك بالنَّهار لا معنى له، بل المراد ١٧/١٣ نَزْع الْبَرَكة من الزّمان ليله ونهارَه كما تقدَّم. قال النَّوويّ تَبَعاً لعِيَاضٍ وغيره: المراد بقِصَرِه عَدَمُ البَرَكة فيه، وأنَّ اليوم مَثَلاً يصير الانتفاع به بقَدْرِ الانتفاع بالسّاعة الواحدة، قالوا: وهذا أظهَرُ وأكثر فائدةً وأوفَقُ لبقيَّة الأحاديث. وقد قيل في تفسير قوله: ((يَتَقَارَب الزَّمان)) قِصَر الأعمار بالنِّسبةِ إلى كلّ طَبقة، فالطَّقة الأخيرة أقصَرُ أعماراً من الطّبقة التي قبلها، وقيل: تَقارُب أحوالهم في الشّ والفساد والجهل، وهذا اختيار الطَّحَاويّ، واحتجَّ بأنَّ الناس لا يَتساوَوْنَ في العِلم والفَهْم، فالذي جَنَحَ(١) إليه لا يُناسِبُ ما ذُكِرَ معه، إلّا أن نقول: إنَّ الواو لا تُرِّّب، فيكونُ ظهور الفتنِ أوَّلاً يَنشَأ عنها الهَرْجُ، ثُمَّ يَخرُج المهديّ فيَحصُل الأمْنُ. قال ابن أبي جَمْرة: يحتمل أن يكون المراد بتَقارُبِ الزّمان قِصَرَه على ما وَقَعَ في حديث: ((لا تقوم السّاعة حتَّى تكونَ السَّنة كالشَّهِ))(٢)، وعلى هذا فالقِصَر يحتمل أن يكونَ حِسِّيّاً ويحتمل أن يكون معنويّاً، أمّا الِحِسِّ فلم يَظهَر بَعْدُ، ولعلَّه من الأُمور التي تكونُ قُرْبَ قيام السّاعة، وأمّا المعنويّ فله مُدّة منذُ ظَهَرَ يَعرِف ذلك أهلُ العِلم الدِّينِيّ، ومَن له فِطْنة من (١) في (أ): احتجّ. (٢) أخرجه أحمد (١٠٩٤٣) من حديث أبي هريرة، وإسناده صحيح، والترمذي (٢٣٣٢) من حديث أنس ابن مالك، وإسناده ضعيف. ٣٢ باب ٥ / ح ٧٠٦١ فتح الباري بشرح البخاري أهل السَّبب الدُّنيَويّ، فإِنَّهم يَجِدونَ أنفُسَهم لا يَقدِرُ أحدهم أن يَبلُغ من العمل قَدْرَ ما كانوا يعملونَه قبلَ ذلك، ويَشْكونَ ذلك ولا يَدْرونَ العِلّة فيه، ولعلَّ ذلك بسببٍ ما وَقَعَ من ضَعْف الإيمان لظُهور الأُمور المخالفة للشَّرْع من عِدّة أوجُه، وأشدُّ ذلك الأقواتُ ففيها من الحرام المخْض ومن الشُّبَه ما لا يَخفَى، حتَّى إِنَّ كثيراً من الناس لا يَتَوقَّف في شيء، ومَهْما قَدَرَ على تحصيل شيء هَجَمَ عليه ولا يُبالي. والواقع أنَّ البَرَكة في الزّمان وفي الرِّزْق وفِي النَّبْت إنَّما يكونُ من طريق قوّة الإيمان واتِّباع الأمر واجتناب النَّهي، والشّاهد لذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىّ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْاْ لَفَنَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَتٍ مِنَ السَّمَآءِ وَاُلْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦]، انتهى ملخَّصاً. وقال البيضاويّ: يحتمل أن يكونَ المراد بتَقارُبِ الزَّمان تَسارُع الدُّوَل إلى الانقِضاء والقُرون إلى الانقراض، فيَتَقَارَب زمانُهم وتَتَدائَى أيامُهم، وأمّا قول ابنِ بَطّل: إنَّ بقيّة الحديث لا تحتاج إلى تفسير؛ فليس كما قال، فقد اختُلِفَ أيضاً في المراد بقوله: ((يَنقُص العِلم)) فقيلَ: المراد نَقْص عِلم كلِّ عالمٍ بأنْ يَطْرَأْ عليه النِّسيانُ مَثَلاً، وقيل: نَقْص العِلم بموتٍ أهله، فكلّما ماتَ عالمٌ في بلدٍ ولم يَخلُفه غيرُه، نَقَصَ العِلمُ من تلك البلد، وأمّا نَقْص العمل، فيحتمل أن يكونَ بالنّسبةِ لكلِّ فرد فرد، فإنَّ العامل إذا دَهَمتْه الخُطوبُ الْهَتْه عن أوراده وعبادته، ويحتمل أن يُرادَ به ظُهور الخيانة في الأمانات والصِّناعات. قال ابن أبي جَمْرة: نَقصُ العمل الحِسِّ يَنشَأ عن نَقْص الدِّين ضَرُورةً، وأمّا المعنويّ فبحَسَبِ ما يَدخُل من الخَلَل بسببٍ سوء المطعَم وقِلّة المساعد على العمل، والنَّفْس مَيّالة إلى الرَّاحة وتَحِنُّ إلى جِنْسها، ولكَثْرةِ شياطين الإنس الذينَ هم أضَرُّ من شياطين الجِنّ. وأمّا قَبْضُ العِلم، فسيأتي بَسطُ القول فيه في كتاب الاعتصام (٧٣٠٧) إن شاء الله تعالى. وأمّا قوله: ((ويُلقَى الشُُّ)) فالمراد إلقاؤُه في قلوب الناس على اختلاف أحوالهم، حتَّى يَبْخَل العالم بعِلمِه فيَترُكَ التَّعليم والفَتْوى، ويَبْخَلِ الصّانع بصِناعَتِهِ حتَّى يَتْرُك تعليم غيره، ويَبْخَل الغنيُّ بِمالِهِ حَتَّى يَهلِكَ الفقير، وليس المراد وجودَ أصلِ الشُّحّ؛ لأنَّه لم يَزَلْ موجوداً. ٣٣ باب ٥ / ح ٧٠٦١ كتاب الفتن والمحفوظ في الرِّوايات: ((يُلقَى)) بضمٍّ أوَّلِه من الرُّباعيّ، وقال الحُميديّ: لم تَضِط الرُّواة هذا الحرف، ويحتمل أن يكون بفتح اللام وتشديد القاف، أي: يُتَلَقَّى ويُتَعلَّم ويُتواصَى به، كما في قوله: ﴿وَلَا يُلَّقَّمُهَا إِلَّا الضَبِرُونَ﴾ [القصص: ٨٠] قال: والرِّواية بسكونِ اللّام مُخفَّفاً تُفسِد المعنى، لأنَّ الإلقاء بمعنى التَّرك، ولو تُرِكَ لم يكن موجوداً وكان مَدْحاً، والحديث يُنِئ بالذَّمّ. قلت: وليس المراد بالإلقاءِ هنا أنَّ الناس يُلْقونَه، وإنَّما المراد أنَّه يُلقَى إليهم، أي: يُوقَع في قلوبهم، ومنه: ﴿إِنّ أُلْفِىَ إِلَىَّ كِتَبُ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] قال الحميديّ: / ولو قيل بالفاءِ مع ١٨/١٣ الشَّخفيف لم يَستَقِمْ، لأنَّه لم يزلْ موجوداً. قلت: لو ثَبَتَت الرِّواية بالفاءِ لكان مُستَقيماً، والمعنى: أنَّه يُوجَد كثيراً مُستَفيضاً عند كلّ أحدٍ كما تقدَّمَت الإشارة إليه. وقال القُرْطُبيّ في ((الَّذكرة)): يجوز أن يكونَ ((يُلقَى)) بتخفيفِ اللّام والفاء، أي: يُترَك لأجلِ كَثْرة المال وإفاضَته حتَّى يُهِمَّ ذا المال مَن يَقبَل صَدَقَتَه فلا يَجِد، ولا يجوز أن يكونَ بمعنى: يُوجَد، لأنَّه ما زالَ موجوداً؛ كذا جَزَمَ به، وقد تقدَّم ما یَرِدُ علیه. وأمّا قوله: ((وتَظهَر الفتن)) فالمراد كَثْرتها واشتهارها، وعَدَمُ التكاتُّم بها، والله المستعان. قال ابن أبي جَمْرة: يحتمل أن يكون إلقاءُ الشُّحّ عامّاً في الأشخاص، والمحذور من ذلك ما يَترتَّب عليه مَفْسَدة، والشَّحيح شَرْعاً: هو مَن يَمنَعَ ما وَجَبَ عليه، وإمساك ذلك ◌ُحِقٌ للمالِ مُذهِبٌ لِبَرَكَتِهِ، ويُؤيِّده: ((ما نَقَصَ مالٌ من صَدَقة))(١)، فإنَّ أهل المعرفة فَهِموا منه أنَّ المال الذي يُخرَج منه الحقُّ الشَّرْعِيّ لا يَلْحَقُه آفةٌ ولا عاهة بل يَحِصُل له النَّماء، ومن ثَمَّ سُمّيَت الزّكاة، لأنَّ المال يَنْمو بها ويَحَصُل فيه البَرَكة، انتهى ملخَّصاً. (١) أخرجه مسلم (٢٥٨٨)، والترمذي (٢٠٢٩) من حديث أبي هريرة بلفظ: ((ما نقصت صدقةٌ من مال))، وهو باللفظ المذكور في الشرح عند البزار (١٠٣٢) من حديث عبد الرحمن بن عوف، والطبراني في ((الأوسط)) (٢٢٧٠) من حديث أم سلمة، ومدارهما في الإسناد على يونس بن خباب، وهو منكر الحديث ضعيف، وعند القضاعي في ((مسند الشهاب)) (٧٧١) من حديث ابن مسعود، وإسناده ضعيف. ٣٤ باب ٥ / ح ٧٠٦٢ - ٧٠٦٧ فتح الباري بشرح البخاري قال: وأمّا ظُهور الفتن، فالمراد بها ما يُؤَثِّر في أمر الدِّين، وأمّا كَثْرة القتل فالمراد بها ما لا يكونُ على وجه الحقّ كإقامة الحدِّ والقِصاص. الحديث الثاني والثالث: ٧٠٦٢، ٧٠٦٣- حدَّثْنا مُسدَّد، حدَّثنا عُبِيدُ الله بنُ موسى، عن الأعمَشِ، عن شَقِيقٍ، قال: كنتُ مع عبدِ الله وأبي موسى، فقالا: قال النبيُّ ◌َّهِ: ((إنَّ بينَ يَدَيِ السّاعةِ لَأياماً يَنْزِلُ فيها الجَهْلُ، ويُرفَعُ فيها العِلمُ، ويَكثُرُ فيها الهَرْجُ)) والهَرْجُ: القتلُ. [ ح ٧٠٦٢ طرفه في: ٧٠٦٦] [ح ٧٠٦٣ طرفاه في: ٧٠٦٤، ٧٠٦٥]. ٧٠٦٤ - حدَّثْنا عمرُ بنُ حَفْصٍ، حدَّثنا أبي، حدَّثنا الأعمَشُ، حدَّثنا شَقِيقٌ، قال: جَلَسَ عبدُ الله وأبو موسى / فتَحدَّثا، فقال أبو موسى: قال النبيُّ وَّهِ: ((إنَّ بينَ يَدَىِ السّاعةِ أياماً يُرفَعُ فيها العِلمُ، ويَنِزِلُ فيها الجَهْلُ، ويَكثُرُ فيها الهَرْجُ)) والهَرْجُ: القتلُ. ٧٠٦٥- حدَّثنا قُتَيَبةُ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن الأعمَشِ، عن أبي وائلٍ، قال: إنّ لَجَالسُ مع عبدِ الله وأبي موسى رضي الله عنهما، فقال أبو موسى: سمعتُ النبيَّ ◌َّ ... مِثلَه. والهَرْجُ بلِسان الحَبَش: القتلُ. ٧٠٦٦- حدَّثنا محمَّدٌ، حدَّثنا غُندَرٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن واصلٍ، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ الله - وأحسَبُهُ رَفَعَه - قال: ((بينَ يَدَىِ السّاعةِ أيامُ الهَرْجِ: يَزولُ العِلمُ، ويَظهَرُ فيها الجَهْلُ)). قال أبو موسى: والهَرْجُ: القتلُ بلِسان الحَبَشةِ. ٧٠٦٧- وقال أبو عَوَانةَ: عن عاصمٍ، عن أبي وائلٍ، عن الأشعَريِّ: أنَّه قال لعبدِ الله: تعلمُ الأيامَ التي ذكر النبيُّ ◌َّ أَيامَ الهَرْجِ ... نحوَه. وقال ابنُ مسعودٍ: سمعتُ النبيَّ ◌َله يقولُ: ((مِن شِرارِ الناسِ مَن تُدرِكُهم السّاعةُ وهم أحياءٌ)). ٣٥ باب ٥ / ح ٧٠٦٢ -٧٠٦٧ كتاب الفتن قوله: ((حدَّثنا مُسدَّد، حدَّثَنَا عُبيد الله بن موسى)) كذا وَقَعَ عندَ أبي ذرِّ عن شيوخه في نُسْخة مُعتمَدة وسَقَطَ في غيرها، وقال عِيَاض: ثَبَتَ للقابِسِيِّ عن أبي زيد المَرْوَزيّ، وسَقَطَ مُسدَّد للباقينَ، وهو الصَّواب. قلت: وعليه اقتَصَرَ أصحابُ الأطراف. قوله: ((شقیق)» هو أبو وائل. قوله: ((كنت مع عبد الله)) هو ابن مسعود، وأبو موسى: هو الأشعَريُّ. قوله: ((فقالا)) يَظهَر من الرِّوايتَينِ اللَّتَينِ بعدَها أنَّ الذي تَلفَّظَ بذلك هو أبو موسى، لقولِه في روايته: فقال أبو موسى، فذكره، ولا يعارضُ ذلك الرِّواية الثّالثة من طريق واصل عن أبي وائل عن عبد الله، وأحسَبه رَفَعَه قال: ((بينَ يَدَي السّاعة)» فذكره، لاحتمالِ أن يكون أبو وائل سَمِعَه من عبد الله أيضاً، لدخولِه في قوله في رواية الأعمَش: قالا، وقد اتَّفَقَ أكثر الزُّواة عن الأعمَش على أنَّه عن عبد الله وأبي موسى معاً، ورواه أبو معاوِية عن الأعمَش فقال: عن أبي موسى، ولم يَذكُر عبدَ الله، أخرجه مسلم (١٠/٢٦٧٢)، وأشارَ ابنُ أبي خَيْئمةَ إلى ترجيح قول الجماعة، وأمّا رواية عاصم المعلّقة التي خُتِمَ بها البابُ، فلولا أنَّه دونَ الأعمَشِ وواصلٍ في الحِفْظ، لكانت روايته هي المعتمَدة، لأنَّه جَعَلَ لكلِّ من أبي موسى وعبد الله لفظ مَتْنٍ غير الآخَر، لكنْ يحتمل أن يكون المتن الآخَر كان عندَ عبد الله بن مسعود مع المتن الأوّل. قوله: ((يَنزِل فيها الجَهْلِ ويُرفَع فيها العِلم)) معناه: أنَّ العِلم يَرتَفِع بموت العلماء، فكلّما ماتَ عالم يَنقُص العِلمُ بالنِّسبةِ إلى فَقْد حامله، ويَنشَأ عن ذلك الجهلُ بما كان ذلك العالم يَنْفِرِد به عن بقيَّة العلماء. قوله: ((إِنَّ بينَ يَدَي السّاعة لَأياماً)) في رواية الكُشِمِيهَنِيِّ بحَذْف اللّام. قوله: «ويَكثُر فيها الهَرْجِ، والهَرْجُ القتل)) كذا في هاتَينِ الرِّوايتَين، وزاد في الرّواية الثّالثة وهي رواية جَرير بن عبد الحميد عن الأعمَش: والهَرْج بلسان الحَبَش(١): القتل، ونُسِبَ (١) في (س): الحبشة، بالتاء المربوطة، والمثبت من الأصلين، وهو رواية أبي ذر الهروي. ٣٦ باب ٥ / ح ٧٠٦٢ -٧٠٦٧ فتح الباري بشرح البخاري التَّفسير في رواية واصل لأبي موسى، وأصلُ الهَرْج في اللّغة العربيّة: الاختلاط، يُقال: هَرَجَ الناسُ: اختَلَطوا واختَلَفوا، وهَرَجَ القومُ في الحديث: إذا كَثُرُوا وخَلَطوا، وأخطَأْ مَن قال: نِسْبة تفسير الهَرْجِ بالقتلِ للسان الحَبَشة وهمٌّ من بعض الرُّواة، وإلّا فهي عربيّة صحيحة، ووَجْه الخطأ أنَّها لا تُستَعمَل في اللُّغة العربيّة بمعنى القتل إلّا على طريق المجاز، لكَوْنِ الاختلاط مع الاختلاف يُفْضي كثيراً إلى القتل، وكثيراً ما يُسمُّون الشَّيءَ باسم ما يَؤُول إليه، واستعمالها في القتل بطريق الحقيقة هو بلسان الحَبَش، وكيف يُدَّعَى على مِثْل أبي موسى الأشعَريّ الوَهْمُ في تفسير لفظة لُغَويّة، بل الصَّوابِ معه. واستعمال العرب الهَرْجَ بمعنى القتل لا يَمنَع كَوْنَها لغة الحَبَشة، وإِن وَرَدَ استعمالها ١٩/١٣ في الاختلاط والاختلاف كحديثٍ مَعقِل بن يَسار رَفَعَه: ((العبادة في /الهَرْجِ كِهِجْرةٍ إليَّ)) أخرجه مسلم (٢٩٤٨). وذكر صاحب ((المحكم)) للهَرْج معانيَ أُخرى ومجموعها تسعة: شِدّة القتل، وكَثْرة القتل، والاختلاط، والفِتْنة في آخر الزّمان، وكَثْرة النِّكاح، وكَثْرة الكذب، وكَثْرة النَّوم، وما يُرَى في النَّوم غير مُنضَبِطِ، وعَدَم الإتقان للشَّيء. وقال الجَوْهريّ: أصل الهَرْج الكَثْرةُ في الشَّيء، يعني: حتَّى لا يَتَميِّز. قوله في رواية واصل: ((وأحسَبُهُ رَفَعَه)) زاد في رواية القَوَارِيريِّ عن غُندَر: إلى النبيّ وَلَِّ، أخرجه الإسماعيليّ، وكذا أخرجه أحمد (٤١٨٣) عن غُندَر. ومحمَّدٌ شيخ البخاريّ فيه لم يُنْسَبِ عندَ الأكثر، ونَسَبَه أبو ذرٍّ في روايته محمَّدَ بن بشّار. قوله: ((وقال أبو عَوَانة، عن عاصم)) هو ابن أبي النَّجُود القارئ المشهور، ووَجَدتُ لأبي عَوَانة عن عاصم في المعنى سنداً آخَرَ أخرجه ابن أبي خَيْئمة عن عَفّانَ وأبي الوليد جميعاً عن أبي عَوَانة عن عاصم عن شَقِيق عن عُرْوة بن قيس عن خالد بن الوليد، فذكر قصَّة فيها: فأولئكَ الأيام التي ذكر النبيُّ وَّهِ بِينَ يَدَي السّاعة أيام الهَرْج، وذكر فيه: أنَّ الِفِتْنة تُدهِش حتَّى يَنظُرُ الشَّخْص هل يَجِد مكاناً لم يَنْزِلْ به فلا يَجِد، وقد وافَقَه على حديث ابن مسعود الأخير ٣٧ باب ٥ / ح ٧٠٦٢ - ٧٠٦٧ كتاب الفتن زائدةُ، أخرجه الطَّبَرانيُّ (١٠٤١٣) من طريقه عن عاصم عن شَقِيق عن عبد الله: سمعت رسول الله ◌َله يقول: ((إنَّ من شِرار الناس مَن تُدرِكهم السّاعةُ وهم أحياء)) الحديث. قوله: ((أنَّه قال لعبدِ الله)) يعني: ابن مسعود «تعلم الأيام التي ذكر - إلى قوله: نحوه)) يريد نحوَ الحديث المذكور: ((بينَ يَدَي السّاعة أيام الهَرْج))، وقد رواه الطََّرانيُّ (١٠٤١٣) من طريق زائدة عن عاصم مُقْتَصراً على حديث ابن مسعود المرفوع دون القصَّة، ووقع عند أحمد (١٩٦٣٦) وابن ماجَهْ (٣٩٥٩) من رواية الحسن البصريّ عن أَسِيد بن المتَشَمِّس عن أبي موسى في المرفوع زيادة: قال رجل: يا رسول الله، إنّا نَقتُل في العام الواحد من المشركينَ كذا وكذا، فقال: ((ليس بقَتلِكم المشركين، ولكنْ بقَتلِ بعضكم بعضاً» الحديث. قوله: ((وقال ابن مسعود)) هو بالسَّندِ المذكور. قوله: ((من شِرار الناس مَن تُدرِكهم السّاعة وهم أحياء)) قال ابن بَطّال: هذا وإن كان لفظه لفظ العموم، فالمراد به الخُصوص، ومعناه: أنَّ السّاعة تقوم في الأكثر والأغلَب على شِرار الناس، بدليلٍ قوله: ((لا تَزالُ طائفة من أمَّتي على الحقّ حتَّى تقومَ السّاعة))(١)، فدَلَّ هذا الخبر أنَّ السّاعة تقوم أيضاً على قوم فُضلاء. قلت: ولا يَتعيَّن ما قال، فقد جاءَ ما يُؤيِّد العمومَ المذکور کقوله في حديث ابن مسعود أيضاً رَفَعَه: ((لا تقوم السّاعة إلّا على شِرار الناس)) أخرجه مسلم (٢٩٤٩)، ولمسلم أيضاً (١١٧) من حديث أبي هريرة رَفَعَه: ((إنَّ الله يَبعَث ريحاً من اليَمَن أَلْيَنَ من الحَرير، فلا تَدَعُ أحداً في قلبه مِثْقَالُ ذَرّة من إيمان إلّا قَبَضَتْه))، وله (٢٩٣٧) في آخر حديث النَّاس بن سِمْعان الطّويل في قصَّة الدَّجّال وعيسى ويأجوج ومأجوج: ((إذ بَعَثَ الله ريحاً طيِّة فتَقْبِضُ روحَ كلّ مؤمن ومسلم، ويَبقَى شِرار الناس يَتَهارَجونَ تَهَارُجَ الحُمُر، فعليهم تقوم السّاعة))، وقد اختَلَفوا في المراد بقولِه: ((يَتَهارَجونَ)) فقيلَ: يَتَسافَدونَ، وقيل: يَتَّاوَرونَ، والذي يَظهَر أنَّه هنا بمعنى: يَتَقَاتَلونَ، أو لأعمَّ من ذلك، ويُؤيِّد حمَلَه على التَّقاتُل حديثُ (١) رُويَ هذا عن غير واحدٍ من الصحابة مرفوعاً وعلى غير ما لفظٍ، انظر تخريج حديث قرة المزني في ((مسند أحمد)) برقم (١٥٥٩٦). ٣٨ باب ٦ / ح ٧٠٦٨ فتح الباري بشرح البخاري الباب، ولمسلم أيضاً (١٤٨): ((لا تقوم السّاعة على أحد يقول: الله الله)) وهو عندَ أحمد بلفظ: ((على أحد يقول: لا إله إلّا الله))(١)، والجمع بينَه وبينَ حديث ((لا تزالُ طائفة)) حَملُ الغاية في حديث ((لا تزالُ طائفة)) على وقت هُبوب الرّيحِ الطَّيِّة التي تَقِض روحَ كلّ مؤمن ومسلم، فلا يَبقَى إلّ الشِّرار، فَتَهجُم السّاعة عليهم بَغْتَةً كما سيأتي بيانه بعدَ قليل. ٦ - بابٌ لا يأتي زمانٌ إلّا الذي بعدَه شَرّ منه ٧٠٦٨- حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسفَ، حدَّثنا سفيانُ، عن الزُّبَيرِ بنِ عَدِيٍّ، قال: أتَينا أنسَ بنَ ٢٠/١٣ مالكٍ فشَكَوْنا/ إليه ما يَلْقَونَ منَ الحَجّاجِ، فقال: اصبِروا، فإنَّه لا يأتي عليكم زمانٌ إلّا والذي بعدَه أشَرِّ منه حتَّى تَلْقَوْا رَبَّكم، سمعتُهُ مِن نبيِّكم ◌ِّ. قوله: ((بابٌ لا يأتي زمان إلّا الذي بعدَه شَرِّ منه)) كذا تَرجَمَ بالحديث الأوَّل، وأورد فيه حدیثین: الأول: قوله: ((سُفْيان)) هو الثَّوْريّ، و((الزُّبَيرِ بن عَدِيّ)) بفتح العَين بعدَها دال، وهو کوفيّ هَمْدانيّ بسکونِ المیم، ولي قضاء الرَّيّ ويُكنى أبا عَديّ، وهو من صِغار التّابعین، ولیس له في البخاريّ سوى هذا الحديث، وقد يَلتَبِس به راوٍ قريبٌ من طبقته، وهو الزُّبَير بن عَرَبِيّ، بفتح العَين والرَّاء بعدَها موخَّدة مكسورة، وهو اسمٌ بلفظ النَّسَب، بَصْريّ، يُكنَى أبا سَلَمة، وليس له في البخاريّ سوى حديث واحد تقدَّم في الحجّ (١٦١١) من روايته عن ابن عمر، وتقدَّمَت الإشارة إلى شيء من ذلك هناك من كلام الثِّرمِذيّ. قوله: ((أَتَينا أنسَ بن مالك فشَكَوْنا إليه ما يَلْقَوْنَ)) فيه الْتِفات، ووَقَعَ في رواية الكُشمِيهَنيّ: فشَكَوْا، وهو على الجادّة، ووَقَعَ في رواية ابن أبي مريم عن الفِرْيابيِّ شيخ البخاريّ فيه عندَ أبي نُعيم: نَشْكُو، بنونٍ بَدَلَ الفاء، وفي رواية عبد الرَّحمن بن مَهْديّ عن سفيان عندَ الإسماعيليّ: شَكَوْنا إلى أنس ما نَلْقَى من الحجّاجِ. (١) لفظه عند أحمد (١٢٠٤٣) و(١٢٦٦٠) كلفظ مسلم، وأما اللفظ المذكور فهو عند ابن حبان (٦٨٤٨)، والحاكم ٤/ ٤٩٤. ٣٩ باب ٦ / ح ٧٠٦٨ كتاب الفتن قوله: (من الحجّاج)) أي: ابن يوسف الثَّقفيّ، الأمير المشهور، والمراد شَكْواهم ما يَلْقَوْنَ من ظُلْمه لهم وتَعدِّيه، وقد ذكر الزُّبَير في ((الموفَّقيّات)) من طريق مُجالِد عن الشَّعْبيّ قال: كان عمر فمَن بعدَه إذا أُخَذوا العاصيَ أقاموه للنّاسِ ونَزَعوا عِمَامَتَه، فلمَّا كان زیادٌ ضَرَبَ في الجِنايات بالسِّياط، ثمَّ زاد مُصعَب بن الزُّبَيرِ حَلْقَ اللِّحية، فلمَّا كان بِشْر بن مروان سَمَّرَ كَفَّ الجاني بمِسْمارٍ، فلمَّا قَدِمَ الحجّاج قال: هذا كلّه لَعِبٌ، فقَتَلَ بالسَّيف. قوله: ((فقال: اصبروا)) زاد عبد الرَّحمن بن مَهْديّ في روايتِهِ: ((اصبِروا عليه)). قوله: ((فإنَّه لا يأتي عليكم زمان)) في رواية عبدَ الرَّحمن بن مَهْديّ: ((لا يأتيكم عام)) وبهذا اللَّفظ أخرج الطََّرانيُّ (٨٥٥١) بسندٍ جيّد عن ابن مسعود نحو هذا الحديث موقوفاً عليه قال: ليس عام إلّا والذي بعدَه شَرّ منه، وله (٨٧٧٣) عنه بسندٍ صحيح قال: أمْسِ خيرٌ من اليوم، واليومُ خيرٌ من غَدٍ، وكذلك حتَّى تقوم السّاعة. قوله: ((إلّا والذي بعدَه) كذا لأبي ذرٍّ، وسَقَطَت الواو للباقينَ وثَبَتَتْ لابنِ مَهْديٍّ. قوله: ((أشَرّ منه)) كذا لأبي ذرٍّ والنَّسَفيّ، وللباقينَ بحَذْفِ الألف، وعلى الأوَّل شَرَح ابنُ التِّين فقال: كذا وَقَعَ ((أَشَرّ)) بَوَزْنِ أَفعَل، وقد قال في ((الصِّحاح)): فلان شَرٌّ من فلان، ولا يُقال: أَشَرّ، إلّا في لُغة رديئة. ووَقَعَ في رواية محمَّد بن القاسم الأسَديِّ(١) عن الثَّوْريّ ومالكِ بن مِغوَل ومِسعَر وأبي سِنان الشَّيبانيّ، أربعتهم عن الزُّبَير بن عَديّ بلفظ: ((لا يأتي على الناس زمان إلّا شَرّ من الزّمان الذي كان قبلَه)) سمعتُ ذلك من رسول الله وَّةٍ، أخرجه الإسماعيليّ، وكذا أخرجه ابن مَندَهْ من طريق مالك بن مِغوَل بلفظ: ((إلّا وهو شَرّ من الذي قبلَه))،/ وأخرجه الطَّبَرانيُّ ٢١/١٣ في ((المعجَم الصَّغير)) (٥٢٨) من رواية مسلم بن إبراهيم عن شُعْبة عن الزُّبَير بن عَديّ، وقال: تفرَّد به مسلم عن شُعْبة. (١) وهو متروك الحديث. ٤٠ باب ٦ / ح ٧٠٦٨ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((حتَّى تَلْقَوْا ربَّكم)) أي: حتَّى تموتوا، وقد ثَبَتَ في ((صحيح مسلم) في حديث آخَر: ((واعلموا أنَّكم لن تَرَوْا ربَّكم حتَّى تموتوا)»(١). قوله: ((سمعتُهُ من نبيّكم وَّ)» في رواية أبي نُعَيم: سمعت ذلك. قال ابن بَطّال: هذا الخبر من أعلام النُّبوّة، لإخباره وَلّ بفسادِ الأحوال، وذلك من الغَيْب الذي لا يُعلَم بالرَّأْي، وإنَّما يُعلَم بالوَحْي، انتهى. وقد استُشكِلَ هذا الإطلاق مع أنَّ بعض الأزمنة تكون في الشرِّ دونَ التي قبلَها، ولو لم يَكُن في ذلك إلّا زمن عمر بن عبد العزيز، وهو بعدَ زمن الحجّاج بيسيرٍ، وقد استمرَّ الخيرُ(٢) الذي كان في زمن عمر بن عبد العزيز، بل لو قيل: إنَّ الشّ اضمَحَلَّ في زمانه، لما كان بعيداً فَضْلاً عن أن يكون شَرّاً من الزَّمَن الذي قبله، وقد حَمَلَه الحسن البصريّ على الأكثر الأغلَب، فسُئلَ عن وجود عمر بن عبد العزيز بعدَ الحجّاج، فقال: لا بُدَّ للنّاسِ من تنفيس. وأجابَ بعضهم: أنَّ المراد بالتَّفضيلِ تفضيلُ مجموع العصر على مجموع العصر، فإنَّ عَصْر الحجّاج كان فيه كثير من الصحابة في الأحياء، وفي عَصْر عمر بن عبد العزيز انقَرَضوا، والَّمان الذي فيه الصحابة خير من الزَّمان الذي بعده، لقولِهِ وَِّ: ((خَيْرِ القُرون قَرْني)) وهو في ((الصحيحين))(٣)، وقوله: («أصحابي أَمَنة لأُمَّتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمَّتي ما يُوعَدونَ)) أخرجه مسلم (٢٥٣١). ثمَّ وَجَدتُ عن عبد الله بن مسعود التَّصريحَ بالمرادِ، وهو أولى بالاتباع، فأخرج يعقوب بن شَيْبة من طريق الحارث بن حَصِيرة عن زيد بن وَهْب قال: سمعت عبد الله (١) أخرج مسلم (٢٩٣١) نحوَه عن بعض أصحاب النبي ◌َ ◌ّ مرفوعاً، وانظر التعليق على هذا الحديث في الجزء الأول من ((الفتح)) ص٢٥٦. (٢) هكذا في الأصلين، وفي (س): وقد اشتهر الخبر. (٣) سلف عند البخاري برقم (٢٦٥١)، وهو عند مسلم برقم (٢٥٣٥) من حديث عمران بن حصين، وسلف أيضاً من حديث عبد الله بن مسعود برقم (٢٦٥٢)، وهو عند مسلم برقم (٢٥٣٣). وفي الباب عن غير واحدٍ من الصحابة في ((الصحيح)) وغيره، انظرها في ((مسند أحمد)) عند حديث ابن مسعود برقم (٣٥٩٤).