النص المفهرس
صفحات 1-20
عُ النَّطِي ٠ بشرح صِيُح البُخَارِيّ تأليفُ الِإِحَّاِ الْحَافِظِ شَكَابِ الِّينِ أُحَ بِنْ عَلَيّ بْنِ حَجَرِالسِّقَلَافِيّ ٧٧٣ - ٨٥٢ هـ أُشرفَ على تحقيق الكتَابُ ورَاحَعه شُعَيْتُ الأَؤُوطُ عَادكٌ مُّشْد شَارك في تخرّج نصُوص حقّق هَذَا الجَزُوْ رِضْجَهُ وعَلّون ◌َعَلَيْهٌ عَكاول مرة أحمَدْ بُرْهُومٌ هَيْثُم ◌َعَبْ الغَّفور الجُزْءُ الثَّالِثْ وَالْقِشْرُونُ الرسالة العالمية : -3 - فَتَجُ النَّهِي بشَرّع صحِيُّح البُخاريّ ٢٣ ◌ِّ الرَّحِْ الرَّحِيدِ نِـ جَمْعَ الحَقُوقُ محفوظَةٌ لِلنّاشِرْ الطّبْعَة الأولىُ ١٤٣٤ ھ -٢٠١٣م دار الرسالة العالمية جميع الحقوق محفوظة يمنع طبع هذا الكتاب أو أي جزء منه بجميع طرق الطبع والتطوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي والمسموع والحاسوبي وغيرها إلا بافن خيلي من: شركة الرسالة العالمية م.م. M-Bessich M-A Tamich m. Dublukers الإدارة العامة Head Office دمشق - الحجاز شارع مسلم البارودي بناء خولي وصلاحي 2625 (963)11-2212773 (963)11-2234305 الجمهورية العربية السورية Syrian Arab Republic info@resalahonline.com http://www.rosalabonline.com فرع بيروت BEIRUT/LEBANON TELEFAX: 815112- 319039- 818615 P.O. BOX:117460 ٥ كتاب الفتن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كتاب الفِتَنْ ٣/١٣ قوله: ((بسم الله الرَّحمن الرحيم. كتاب الفِتَن)) في رواية كَرِيمة والأَصِيلِيِّ تأخير البَسْمَلة. والفِتَن: جمع فِتْنة، قال الرَّاغِب: أصل الفَتْن: إدخال الذَّهَب في النار لتَظهَرَ جَوْدتُه من رَدَاءَته، ويُستَعمَل في إدخال الإنسانِ النارَ، ويُطلَق على العذاب كقوله: ﴿ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ﴾ [الذاريات: ١٤]، وعلى ما يَحصُل عندَ العذاب كقوله تعالى: ﴿أَلَا فِ اٌلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ ﴾ [التوبة: ٤٩]، وعلى الاختبار كقوله: ﴿وَفَنَّكَ فُونًا﴾ [طه: ٤٠]، وفيما يُدفَع إليه الإنسان من شِدّة ورَخاء، وفي الشِّدّة أظهَرُ معنًى وأكثرُ استعمالاً، قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَاْخَيْرِ فِتْنَةٌ﴾ [الأنبياء: ٣٥]، ومنه قوله: ﴿ وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٣] أي: يُوقِعونَك في بَلِيّة وشِدّة في صَرْفك عن العمل بما أُوحي إليك. وقال أيضاً: الفِتْنة تكون من الأفعال الصّادرة من الله ومن العبد، كالبَلِيّة والمصيبة والقتل والعذاب والمعصية وغيرها من المكروهات، فإنْ كانت من الله، فهي على وجه الحِكمة، وإن كانت من الإنسان بغير أمر الله، فهي مذمومة، فقد ذَمَّ الله الإنسان بإيقاع الفِتْنة كقوله: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَنُواْ الْمُؤْمِنِينَ وَاْمُؤْمِنَتِ﴾ [البروج: ١٠]، وقوله: ﴿مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَتِنِينَ﴾ [الصافات: ١٦٢]، وقوله: ﴿ِأَيِّكُمُ اُلْمَفْتُونُ﴾ [القلم: ٦٦]، وكقوله: ﴿وَأَحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ﴾ [المائدة: ٤٩]. وقال غيره: أصل الفِتنة: الاختبار، ثمَّ استُعمِلَتْ فيما أخرجته المِحنةُ والاختبار إلى المكروه، ثمَّ أُطلِقَتْ على كلّ مكروه أو آيِلِ إليه، كالكُفرِ والإثم والتَّحريق والفضيحة والفُجور، وغير ذلك. ٦ باب ١ / ح ٧٠٤٨ - ٧٠٥١ فتح الباري بشرح البخاري ١- باب ما جاءَ في قولِ الله تعالى: وَأَتَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمُ خَاصَةٌ ﴾ [الأنفال: ٢٥] وما كان النبيُّ ◌َّه ◌ُحُذِّرُ منَ الفِتَنِ. ٧٠٤٨ - حدّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثْنا بِشرُ بنُ السَّرِيِّ، حدَّثنا نافعُ بنُ عمرَ، عن ابنِ أبي مُلَيكةَ، قال: قالت أسماءُ: عن النبيِّ وَِّ قال: «أنا على حَوْضِي أَنْتَظِرُ مَن يَرِدُ عليَّ، فَيُؤْخَذُ بناسٍ مِن دُوني، فأقولُ: أمَّتي، فيقولُ: لا تَدْرِي، مَشَوْا على القَهْقَرَى)). قال ابنُ أبي مُلَيكةَ: اللهُمَّ إنّا نعوذُ بكَ أنْ نَرجِعَ على أعقابنا، أو نُفتَنَ. ٧٠٤٩- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو عَوَانَةَ، عن مُغِيرةَ، عن أبي وائلٍ، قال: قال عبدُ الله: قال النبيُّ وَِّ: («أنا فَرَطُكم على الحَوْضِ، فَلَيُرفَعَنَّ إليَّ رجالٌ منكم، حتَّى إذا أهوَيْتُ لأُنَاوِلَهم اختُلِجوا دوني، فأقولُ: أي رَبِّ، أصحابي! يقولُ: لا تَدْري ما أحدثوا بعدَكَ». ٧٠٥٠- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا يعقوبُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، عن أبي حازمٍ، قال: سمعتُ سَهْلَ بنَ سعدٍ يقولُ: سمعتُ النبيَّ ◌َ لَه يقولُ: «أنا فَرَطُكم على الخَوْضِ، مَن وَرَدَه شَرِبَ منه، ومَن شَرِبَ منه لم يَظْمَأْ بعدَه أبداً، لَيَرِدُ عليَّ أقوامٌ أعرِفُهم ويَعرِفوني، ثمَّ يُحالُ بَيْنِي وبينَهم)). ٤/١٣ ٧٠٥١ - قال أبو حازمٍ: فَسَمِعَني التُّعْمَانُ بنُ/ أبي عيَّاشٍ وأنا أُحدِّثُهم هذا، فقال: هكذا سمعتَ سَهْلاً؟ فقلتُ: نَعَم، قال: وأنا أَشهَدُ على أبي سعيدِ الخُذْريِّ ◌َسمعتُه يزيدُ فيه: قال: ((إنَّهم منّي، فيُقالُ: إِنَّكَ لا تَدْري ما بَذَّلوا بعدَكَ، فأقولُ: سُحْقاً سُحْقاً لمَن بَدَّلَ بعدِي)). قوله: ((باب ما جاءَ في قول الله تعالى: ﴿وَأَتَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً﴾)). قلت: وَرَدَ فيه ما أخرجه أحمد (١٤١٤) والبزَّار (٩٧٦) من طريق مُطرِّف بن عبد الله بن الشِّخّيرِ قال: قُلنا للزُّبَير - يعني: في قصَّة الجمل -: يا أبا عبد الله، ما جاءً بكُم؟ ضَيَّعْتُم الخليفةَ الذي قُتِلَ - يعني: عثمان - بالمدينة، ثمَّ جئتُمْ تَطلُبُونَ بَدَمِه - يعني: بالبصرةِ - فقال الزُّبَير: إنّا قرأْنا على عَهْد رسول الله وَّ: ﴿وَأَثَّقُواْفِتْنَةٌ لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاضَةً﴾، لم نَكُن نَحسِبُ أنّا أهلها حتَّى وَقَعَت مِنّا حيثُ وَقَعَت. ٧ باب ١ / ح ٧٠٤٨ -٧٠٥١ كتاب الفتن وأخرج الطََّرَيُّ (٢١٨/٩) من طريق الحسن البصريّ قال: قال الزُّبَير: لقد خُوِّفنا بهذه الآية ونحنُ مع رسول الله وََّ، وما ظنًّا أنّا خُصِصنا بها. وأخرجه النَّسائيُّ (ك١١١٤٢) من هذا الوَجْه نحوه، وله طرق أُخرى عن الزُّبَيرِ عندَ الطََّرِيِّ (٢١٨/٩ -٢١٩) وغيره. وأخرج الطَّبَرِيُّ (٢١٨/٩) من طريق السُّدِّيّ قال: نَزَلَتْ في أهل بَدْر خاصّة، فأصابَتهم يومَ الجمل، وعندَ ابن أبي شيبة (٢٧٦/١٥) نحوه، وعندَ الطَّبَريِّ من طريق عليّ بن أبي طَلحة عن ابن عبّاس قال: أمَرَ الله المؤمنينَ أن لا يُقِرّوا المنكَرِ بينَ أظهُرِهم فيَعُمَّهم العذاب. ولهذا الأثَر شاهد من حديث عَديّ بن عَميرةَ سمعتُ رسول الله وَ لِّ يقول: ((إنّ الله عزَّ وجلَّ لا يُعذِّب العامّة بعَمَلِ الخاصّة، حتَّى يَرَوا المنكَر بينَ ظَهْرانيهم وهم قادرونَ على أن يُنكِرِوه، فإذا فَعَلوا ذلك عَذَّبَ الله الخاصّةَ والعامّة)) أخرجه أحمد (١٧٧٢٠) بسندٍ حسن، وهو عندَ أبي داود (٤٣٤٥ و٤٣٤٦) من حديث العُرْس بن عَميرة، وهو أخو عَديّ، وله شواهد من حديث حُذَيفة وجَرير وغيرهما عندَ أحمد (٢٣٣٠١ و١٩١٩٢) وغيره. قوله: ((وما كان النبيُّ ونَ﴿ يُحُذُّر)) بالتَّشديد ((من الفِتَن)) يشير إلى ما تَضمَّنته أحاديث الباب من الوعيد على التَّبديل والإحداث، فإنَّ الفتن غالباً إِنَّمَا تَنشَأ عن ذلك. ثمَّ ذكر حديث أسماء بنت أبي بكر مرفوعاً: «أنا على حوضي أنتَظِر مَن يَرِدُ عليَّ، فَيُؤخَذ بناسٍ ذات الشِّمال))(١) الحديث، وحديث عبد الله بن مسعود رَفَعَه: «أنا فَرَطُكم على الحوض، فلَیُرفَعَنَّ إليَّ أقوام)) الحديث، وحديث سَهْل بن سعد بمعناه، ومعه حديث أبي سعيد، وفي جميعها: ((إنَّك لا تَدْري ما أحدثوا بعدك)) لفظ ابن مسعود والآخَرَين بمعناه، وقد تقدَّمَتْ في ذِكْر الحوض آخرَ كتاب الرِّقاق(٢) وتقدَّم شرحها في ((باب الحَشْرِ))(٣) قبلَ ذلك في كتاب الرِّقاق أيضاً. (١) قوله: ((ذات الشمال)) لم يرد في حديث أسماء عند البخاري، وإنما هو عنده في حديث ابن عباس، سلف برقم (٣٣٤٩). (٢) حدیث أسماء سلف برقم (٦٥٩٣)، وحديث عبد الله بن مسعود برقم (٦٥٧٥)، وحديث سهل بن سعد برقم (٦٥٨٣)، وحديث أبي سعيد برقم (٦٥٨٤). (٣) رقم الباب (٤٥). ٨ باب ٢ / ح ٧٠٥٢ فتح الباري بشرح البخاري وقوله في حديث أسماء: ((حدَّثنا بِشْر بن السَّرِيّ)) هو بكسر الموحّدة وسكون المعجَمة وأبوه بفتح المهمَلة وكسر الرَّاء بعدَها ياء ثقيلة، وبِشْر بَصْريّ سَكَنَ مكّةً، وكان صاحب مَوَاعِظ فلُقِّبَ الأَفْوَه، وهو ثقة عندَ الجميع، إلّا أنَّه كان تَكلَّمَ في شيءٍ يَتَعلَّقِ برُؤية الله في الآخرة، فقامَ عليه الحُميديُّ فاعتَذَرَ وتَنَصَّلَ، فتَكلَّمَ فيه بعضهم، حتَّى قال ابن مَعِين: رأيته بمكّةً يَدْعو على مَن يَنسُبه لرَأْي جَهْمٍ، وقال ابن عَديّ: له أفراد وغرائب. قلت: وليس له في البخاريّ سوى هذا الموضع، وقد وَضَحَ أنَّه مُتَابَعٌ. وقوله في حديث سَهْل: ((مَن وَرَدَه شَرِبَ)) وَقَعَ في رواية الكُشمِيهَنِيّ: ((يَشْرَب)). وقوله: ((لم يَظْمَأ)) قيل: هو كِناية عن أنَّه يَدخُل الجنَّة، لأنَّه صِفَة مَن يَدخُلها. وفي حديث أبي سعيد: (إنَّك لا تَدْري ما بَدَّلوا))، وَقَعَ في رواية الكُشمِيهَنيّ: ((ما أحدثوا)). وحاصل ما حُمِلَ عليه حالُ المذكورِينَ: أَّهم إن كانوا مَمَّن ارتَدَّ عن الإسلام، فلا إشكالَ في تَبَرّي النبيّ وَِّ منهم وإبعادِهم، وإنْ كانوا ممَّن لم يَرتَدَّ، لكنْ أحدَثَ معصيةً كبيرةً من أعمال البَدَن، أو بدعةً من اعتقاد القلب، فقد أجابَ بعضهم بأنَّه يحتمل أن يكون ٥/١٣ أعرَضَ عنهم ولم يَشفَع لهم اتِّباعاً لأمرِ الله فيهم، حتَّى يُعاقبَهم على جِنايتهم،/ ولا مانعَ من دخولهم في عموم شفاعته لأهلِ الكبائر من أمَّته، فيَخرُجونَ عندَ إخراج الموحّدينَ من النار، والله أعلم. ٢- باب قولِ النبيِّ وَّ: ((ستَرَوْنَ بَعْدي أُموراً تُنكِرونَها)» وقال عبدُ الله بنُ زيدٍ: قال النبيُّ وَّ: ((اصبِروا حتَّى تَلْقَوْني على الحَوْضِ)). ٧٠٥٢- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى بنُ سعيد، حدَّثنا الأعمَشُ، حدَّثنا زيدُ بنُ وَهْب، سمعتُ عبدَ الله، قال: قال لنا رسولُ اللهِ وَّةِ: ((إنَّكم ستَرَوْنَ بَعْدي أَثَرَةً وأُموراً تُنكِرونَها)» قالوا: فما تأمرُنا يا رسولَ الله؟ قال: ((أدُّوا إليهم حَقَّهُم، وسَلُوا الله حَقَّكم)). قوله: ((باب قول النبيّ وَّ: ستَرَوْنَ بَعْدي أُموراً تُنكِرونَها)» هذا اللَّفظ بعض المتن المذكور في ثاني أحاديث الباب، وهي ستّةُ أحاديث: ٩ باب ٢ / ح ٧٠٥٢ كتاب الفتن الأوَّل: قوله: ((وقال عبد الله بن زيد ... ) إلى آخره، هو طَرَفٌ من حديث وَصَلَه المصنّف في غزوة/ حُنَينٍ من كتاب المغازي (٤٣٣٥)، وفيه أنَّه وَِّ قال للأنصار: ((إنَّكم سَتَلْقَونَ ٦/١٣ بَعْدي أثَرةً، فاصِروا حتَّى تَلْقَوْني على الحَوضِ))، وتقدَّم شرحه هناك. الحديث الثاني: قوله: ((حذَّثنا زيد بن وَهْب)) للأعمش فيه شيخٌ آخَر أخرجه الطََّرانيُّ في ((الأوسط)) (٦٨٩٣) من رواية يحيى بن عيسى الرَّمْليّ عن الأعمَش عن أبي حازم عن أبي هريرة، مِثَ روایة زید بن وهب. قوله: ((عبد الله)) هو ابن مسعود، وصَرَّحَ به في رواية الثَّوريّ عن الأعمَش في علامات النُّبوّة (٣٦٠٣). قوله: (إِنَّكم ستَرَوْنَ بَعْدي أثَرةً)) في رواية الثَّوْريّ: (([ستكون](١) أثَرة))، وتقدَّم ضَبْط الأثرة وشرحها في شرح الحديث الذي قبله، وحاصلُها الاختصاص بحَظِّ دُنيَويّ. قوله: ((وأُموراً تُنكِرونَها)) يعني: من أُمور الدِّين، وسَقَطَت الواو من بعض الرِّوايات، فهذا بَدَلِّ من ((أثرة))، وفي حديث أبي هريرة الماضي في ذِكْر بني إسرائيل عن منصور(٢) هنا زيادة في أوَّله قال: «كان بنو إسرائيل تَسُوسُهم الأنبياء، كلَّما ماتَ نبيّ قامَ بعدَه نبيّ، وإنَّه لا نبيَّ بَعْدي، وستكونُ خُلَفاء فيَكثُرونَ» الحديث، وفيه معنى ما في حديث ابن مسعود. قوله: ((قالوا: فما تأمُرُنا؟)) أي: أن نَفعَل إذا وَقَعَ ذلك. قوله: ((أدُّوا إليهم)) أي: إلى الأُمراء ((حَقَّهم)) أي: الذي وَجَبَ لهم المطالَبة به وقَبْضُه، سواء كان يَخْتَصّ بهم أو يَعُمّ. ووَقَعَ في رواية الثَّوْريّ: (تُؤَدّونَ الحقَّ الذي عليكم)) أي: بَذْلَ المالِ الواجب في الَّكاة، والنَّفْسِ في الخروج إلى الجهاد عندَ التَّعيين، ونحو ذلك. قوله: ((وسَلُوا الله حَقَّكم)) في رواية الثَّوْريّ: ((وتَسْألونَ الله الذي لكم)) أي: بأنْ يُلِهِمَهم إنصافَكم أو يُبدِلَكم خيراً منهم، وهذا ظاهره العموم في المخاطَبين، ونَقَلَ ابن التِّين عن (١) سقطت من الأصلين و(س)، ولا بدَّ منها ليستقيم الكلام على الاختلاف في الرواية. (٢) كذا قال الحافظ، وهو ذهولٌ منه رحمه الله، فإنما مضى في ذكر بني إسرائيل برقم (٣٤٥٥) من رواية شعبة عن فرات القزّاز عن أبي حازم عن أبي هريرة. ١٠ باب ٢ / ح ٧٠٥٢ فتح الباري بشرح البخاري الدَّاوُودِيِّ أَنَّه خاصٌّ بالأنصار، وكأنَّه أخَذَه من حديث عبد الله بن زيد الذي قبلَه، ولا يَلْزَمُ من مُخاطَبة الأنصار بذلك أن يَختَصَّ بهم، فإنَّه يَخْتَصّ بهم بالنِّسبةِ إلى المهاجِرِين، ويَخْتَصّ ببعضِ المهاجِرينَ دونَ بعض، فالمستأثِرُ مَن يَلي الأمرَ، ومَن عَدَاه هو الذي يُستَأْثَر عليه، ولمَّا كان الأمر يَخْتَصّ بقُرَيشٍ ولا حَظَّ للأنصار فيه، خُوطِبَ الأنصار بأنَّكم ستَلْقَوْنَ أثرة، وخُوطِبَ الجميع بالنّسبةِ لمن يَلي الأمر، فقد وَرَدَ ما يَدُلّ على التَّعميم، ففي حدیث یزید بن سَلَمة الجُعْفِيِّ عندَ الطَّبَرانيِّ (٦٣٤/٢٢) أنَّه قال: يا رسول الله، إنْ كان علينا أُمراء يأخُذونَ بالحقّ الذي علينا ويَمنَعونا الحقَّ الذي لنا، أنقاتلُهم؟ قال: ((لا، عليهم ما حُمِّلوا وعليكم ما حُمِّلْتُم))، وأخرج مسلم (١٨٥٤) من حديث أمّ سَلَمة مرفوعاً: ((سيكونُ أُمراءُ فَتَعرِفونَ وتُنْكِرونَ، فَمَن كَرِهَ بَرِئٍّ، ومَن أنكَرَ سَلِمَ، ولكنْ مَن رَضِيَ وتابَعَ)) قالوا: أَفَلا نُقاتلهم؟ قال: ((لا، ما صَلَّوْا))، ومن حديث عَوْف بن مالك رَفَعَه في حديث في هذا المعنى (١٨٥٥): قلنا: يا رسول الله، أفَلا نُنابِذُهم عندَ ذلك؟ قال: «لا، ما أقاموا الصلاة))، وفي رواية له: «بالسَّيفِ» وزاد: ((وإذا رأيتُم من وُلاتكم شيئاً تَكْرَهونَه، فاكرهوا عمله ولا تَنزِعوا يداً من طاعة)). وفي حديث عمر في ((مُسنَده)) للإسماعيليِّ من طريق أبي مسلم الخَوْلانيّ عن أبي عُبيدة ابن الجرّاح عن عمر رَفَعَه قال: «أتاني جِبْريل فقال: إنَّ أمَّتَك مُفتَتَنة من بعدِك، فقلت: من أينَ؟ قال: من قِبَل أُمرائهم وقُرائهم، بمَنْع الأُمراءِ الناسَ الحقوقَ فيَطلُبُونَ حقوقهم فيُقْتَنُونَ، ويَتَبِعِ القُرّاءُ هؤلاءِ الأَمراء فيَفتَِّنونَ. قلت: فكيفَ يَسْلم مَن سَلِمَ منهم؟ قال: بالكَفِّ والصَّبر، إنْ أُعطُوا الذي لهم أخَذوه، وإنْ مُنِعُوه تَرَكوه))(١). ٧٠٥٣- حدَّثْنَا مُسَّدٌ، عن عبدُ الوارثِ، عن الجَعْدِ، عن أبي رَجاءٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ، عن النبيِّ وَّة، قال: ((مَن كَرِهَ مِن أميرِه شيئاً فَلْيَصبِرْ، فإنَّه مَن خَرَجَ منَ السُّلطان شِبْراً، ماتَ مِيتَةً جاهليّةً)). [طرفاه في: ٧٠٥٤، ٧١٤٣] (١) وأخرجه أيضاً ابن أبي الدنيا في ((الصبر والثواب عليه)) (١٩٦)، وابن وضاح في ((البدع)) (٢٥٩)، وابن أبي عاصم في ((السنة)) (٣٠٣)، وأبو نعيم في ((الحلية)) ١١٩/٥، وفي الإسناد عندهم كلهم مسلمة بن علي الخشني، وهو متروك الحديث، فالإسناد ضعيف جدّاً. ١١ باب ٢ / ح ٧٠٥٣ - ٧٠٥٤ كتاب الفتن ٧٠٥٤- حدّثنا أبو التُّعْمان، حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زيدٍ، عن الجَعْدِ أبي عُثمانَ، حدَّثني أبو رَجاءٍ العُطَارِدِيُّ، قال: سمعتُ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، عن النبيِّ وََّ، قال: ((مَن رَأى مِن أميرِه شيئاً يَكْرَهُه فَلْيَصْبِرْ عليه، فإِنَّه مَن فارَقَ الجماعةَ شِبْراً فماتَ، إلا ماتَ مِيتةً جاهليّةً)). الحديث الثالث والرابع: حديث ابن عبّاس من وَجْهَين، في الثّاني التَّصريحُ بالتَّحديث والسَّماع في موضعَي العنعنة في الأوَّل. قوله: ((عبد الوارث)) هو ابن سعيد، والجَعْد: هو أبو عثمان المذكور في السَّند الثّاني، وأبو رَجاء: هو العُطارِديُّ واسمُهُ عِمْران. قوله: ((مَن كَرِهَ من أميره شيئاً فلْيَصِرْ)) زاد في الرّواية الثّانية: ((علیه)). قوله: ((فإنَّه مَن خَرَجَ من السُّلطان)) أي: من طاعة السُّلطان، ووَقَعَ عندَ مسلم (١٨٤٩/ ٥٦): ((فإنَّه ليس أحد من الناس يَخْرُج من السُّلطان)»، وفي الرّواية الثّانية: ((مَن فارَقَ الجماعة))، وقوله: ((شِبْراً)) بكسر المعجَمة/ وسكون الموحَّدة، وهي كِناية عن معصية السُّلطان ومحارَبَته، ٧/١٣ قال ابن أبي جَمْرة: المراد بالمفارَقة: السَّعْي في حَلّ عَقْد البيعة التي حَصَلَتْ لذلك الأمير ولو بأدنَى شيء، فكنَّى عنها بِمِقْدار الشِّبْر، لأنَّ الأخذ في ذلك يَؤولُ إلى سَفْك الدِّماء بغير حَقٍّ. قوله: ((ماتَ مِينَةً جاهليّةً)) في الرّواية الأُخرى: ((فماتَ إلّا ماتَ ميتةً جاهليّةٍ))، وفي رواية لمسلمٍ: ((فمِيَتَه ميتة جاهلية)»(١)، وعندَه (١٨٥٠) في حديث ابن عمر رَفَعَه: ((مَن خَلَعَ يداً من طاعة، لَقِيَ الله ولا حُجّة له، ومَن ماتَ وليس في عُنُقُه بَيْعة، ماتَ ميتة جاهليّة)). قال الكِرْمانيُّ: الاستثناء هنا بمعنى الاستفهام الإنكاريّ، أي: ما فارَقَ الجماعةَ أحدٌ إلّا جَرَى له كذا، أو حُذِفَتْ ((ما)) فهي مُقدَّرة، أو ((إلّا)) زائدة أو عاطِفة على رأي الكوفيّين، والمراد بالمِيتَة الجاهليّة - وهي بكسر الميم - حالةُ الموت كموتِ أهل الجاهليّة على ضلال، وليس له إمام مُطاع، لأنَّهم كانوا لا يَعرِفونَ ذلك، وليس المراد أنَّه يموت كافراً، بل يموت (١) الذي عند مسلم (١٨٤٩) من حديث ابن عباس لفظان: الأول: ((فمات فميتة جاهلية))، والثاني: ((إلا مات ميتة جاهلية». ١٢ باب ٢ / ح ٧٠٥٥ - ٧٠٥٦ فتح الباري بشرح البخاري عاصياً، ويحتمل أن يكون التَّشبيه على ظاهره، ومعناه أنَّه يموت مِثْلَ موت الجاهليّ وإن لم يكن هو جاهليّاً، أو أنَّ ذلك وَرَدَ مَورِدَ الزَّجْر والتَّنفير، وظاهره غیر مُراد. ويُؤْيِّد أنَّ المراد بالجاهليّة التَّشبيهُ قوله في الحديث الآخر: ((مَن فَارَقَ الجماعة شِبْراً، فكأَنَّمَا خَلَعَ رِبْقةَ الإسلام من عُنُقِه)) أخرجه الِّرمِذيّ (٢٨٦٣ و٢٨٦٤) وابن خُزيمةَ (٩٣٠) وابن حِبّان (٦٢٣٣) ومُصحَّحاً من حديث الحارث بن الحارث الأشعَريّ في أثناء حديث طويل، وأخرجه البزَّار (٤٦٩٥) والطَّبَرانيُّ في ((الأوسط)) (٣٤٠٥) من حديث ابن عبَّاس، وفي سنده خُلَيْد بن دَعْلَج وفيه مَقال، وقال: ((من رَأْسِه)) بَدَلَ ((عُنُقِه)). قال ابن بَطّال: في الحديث حُجّة في ترك الخروج على السُّلطان ولو جارَ، وقد أجمَعَ الفُقَهاءُ على وجوب طاعة السُّلطان المتَغَلِّب والجهاد معه، وأنَّ طاعتَه خيرٌ من الخروج عليه، لما في ذلك من حَقْن الدِّماء وتسكين الدَّهْماء، وحُجَّتهم هذا الخبر وغيره ممَّا يُساعده، ولم يَستَئِنُوا من ذلك إلّا إذا وَقَعَ من السُّلطان الكفر الصَّریح، فلا تجوز طاعتُه في ذلك، بل تَجِب مُجاهَدتُه لمن قَدَرَ عليها كما في الحديث الذي بعده. الحديث الخامس: ٧٠٥٥- حدّثنا إسماعيلُ، حذَّثني ابنُ وَهْب، عن عَمرٍو، عن بُكَير، عن بُسْرِ بنِ سعيدٍ، عن جُنَادَةَ بنِ أبي أُميّةَ، قال: دَخَلْنا على عُبادةَ بنِ الصّامِتِ وهو مريضٌ، قلنا: أصلَحَكَ الله، حَدِّثْ بحديثٍ يَنفَعُكَ الله به سمعتَه منَ النبيِّ ◌ََّ، قال: دَعَانا النبيُّ ◌ِ لّهِ فبايَعْناهُ. ٧٠٥٦- فقال فيما أَخَذَ علينا: أنْ بايَعَنا على السَّمْعِ والطّاعةِ في مَنشَطِنا ومَكرَهِنا، وُسْرِنا ويُسِرِنا، وأثَرةٍ علينا، وأنْ لا تُنازِعَ الأمرَ أهلَه: ((إلا أنْ تَرَوْا كُفْراً بَوَاحاً عندَكم منَ الله فيه بُرْهانٌ». [طرفه في: ٧٢٠٠] قوله: ((حدَّثنا إسماعيل)) هو ابن أبي أُوَيسٍ. قوله: ((عن عَمْرو)) هو ابن الحارث، وعندَ مسلم (٤٢/١٨٤٠): حدَّثنا عَمْرو بن الحارثِ. ١٣ باب ٢ / ح ٧٠٥٥ - ٧٠٥٦ كتاب الفتن قوله: ((عن بُكَيرٍ)) هو ابن عبد الله بن الأشَجّ، وعندَ مسلم: حدَّثني بُکیرٌ. قوله: ((عن بُشْر)) بضمِّ الموخَّدة وسكون المهمَلة، ووَقَعَ في بعض النُّسَخ بكسر أوَّله وسكون المعجَمة وهو تصحيف، وجُنَادة بضمِّ الجيم وتخفيف النّون، ووَقَعَ عندَ الإسماعيليّ من طريق عثمان بن صالح: حدَّثنا ابن وَهْب أخبَرَني عَمْرو أنَّ بُكَيراً حدَّثه أنَّ بُشْر بن سعيد حدَّثه أَنَّ جُنَادة حدَّثه. قوله: ((دَخَلْنا على عُبادةَ بن الصّامِت وهو مريض، فقلنا: أصلَحَك الله، حَدِّثْ بحديثٍ)) في رواية مسلم: حَدِّثْنا، وقولهم: أصلَحَك الله، يحتمل أنَّه أرادَ الدُّعاء له بالصَّلاح في جِسْمه ليُعافَى من مرضه، أو أعمّ من ذلك، وهي كلمة اعتادوها عندَ افتتاح الطََّب. قوله: (دَعَانا النبيّ وَّةِ، فبايَعْناه)) يعني ليلةَ العَقَبة كما تقدَّم إيضاحه في أوائل كتاب الإيمان أوَّلَ ((الصَّحيح)) (١٨). قوله: ((فقال فيما أخَذَ علينا)) أي: اشتَرَطَ علينا. قوله: ((أنْ بايَعَنا)) بفتح العَين ((على السَّمْع والطّاعة)) أي: له ((في مَنشَطِنا)) بفتح الميم والمعجَمة وسكون النُّون التي بينهما ((ومَكرَهِنا)) أي: في حالة نشاطنا، وفي الحالة التي نكون فيها عاجِزِينَ عن العمل بما نُؤْمَر به. ونَقَلَ ابن التِّين عن الدَّاوُوديّ: أنَّ المراد الأشياءُ التي يَكْرَهونَها، قال ابن التِّين: والظّاهر أنَّه أرادَ في وقت الكَسَل والمشقَّة في الخروج ليُطابِقَ قولَه: مَنشَطنا. قلت: ويُؤْيِّده ما وَقَعَ في رواية إسماعيل بن عُبيد بن رِفاعة عن عُبادة عندَ أحمد (٢٢٧٦٩): في النَّشاط والكَسَل. قوله: ((وعُسْرنا ويُسْرنا)) في رواية إسماعيلَ بن عُبيد: وعلى النَّفَقة في العُسْر واليُسرِ، وزاد: وعلى الأمر بالمعروفِ والنَّهي عن المنكَرِ. قوله: ((وأَثَرة علينا)) بفتح الهمزة والمثلَّة، وقد تقدَّم / موضعُ ضَبْطها في أوَّلِ الباب، ٨/١٣ والمراد: أنَّ طَواعِيَتهم لمن يَتَوَى عليهم لا تَتَوقَّف على إيصالهم حقوقَهم، بل عليهم الطّاعة ولو مَنَعَهم حَقّهم. ١٤ باب ٢ / ح ٧٠٥٥ - ٧٠٥٦ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وأنْ لا نُنازعَ الأمرَ أهلَه)) أي: المُلْك والإمارة، زاد أحمد (٢٢٧٣٥) من طريق عُمَير بن هانئ عن جُنَادة: وإن رأيت أنَّ لك - أي: وإن اعتَقَدْتَ أنَّ لك ــ في الأمر حقّاً فلا تَعمَلْ بذلك الظَّنّ، بل اسمَعْ واطِعْ إلى أن يَصِل إليك بغير خروج عن الطّاعة، زاد في رواية حيّان أبي النَّصْر عن جُنَادة عندَ ابن حِبّان (٤٥٦٢ و٤٥٦٦) وأحمد (٢٢٧٣٦): ((وإنْ أكلوا ماَلَك، وضَرَبوا ظَهْرَك))(١)، وزاد(٢) في رواية الوليد بن عُبادة عن أبيه: وأن نقومَ بالحقِّ حيثُما كنّا لا نَخافُ في الله لَوْمَةَ لائم، وسيأتي في كتاب الأحكام (٧١٩٩). قوله: ((إلّا أنْ تَرَوْا كُفْراً بَوَاحاً)) بموخَّدةٍ ومُهمَلة، قال الخطَّبيُّ: معنى قوله: ((بَواحاً)» يريد: ظاهراً بادياً، من قولهم: باحَ بالشَّيءٍ يَبُوح به بَوحاً وبَواحاً: إذا أذاعَه وأظهَرَه. وأنكَرَ ثابت(٣) في (الدَّلائل)) بَواحاً، وقال: إنَّما يجوز بَوْحاً بسكونِ الواو، ويُؤاحاً بضمٍّ أوَّله ثمَّ همزة ممدودة. وقال الخطَّبيُّ: مَن رواه بالرَّاءِ فهو قريب من هذا المعنى، وأصل البَرَاح: الأرض القَفْراء التي لا أَنْيسَ فيها ولا بناء، وقيل: البَرَاحِ: البيان، يُقال: بَرَحَ الخَفاءُ: إذا ظَهَرَ. وقال النَّوويّ: هو في مُعظَم النُّسَخ من مسلم بالواو، وفي بعضها بالرَّاء. قلت: ووَقَعَ عندَ الطَّبَرانيِّ من رواية أحمد بن صالح عن ابن وَهْب في هذا الحديث: ((كُفْراً صُراحاً) بصادٍ مُهمَلة مضمومة ثمَّ راء، ووَقَعَ في رواية حيّان أبي النَّضْرِ المذكورة: ((إلّا أن يكون معصيةً لله بَواحاً))، وعندَ أحمد (٢٢٧٣٧) من طريق عُمَير بن هانئ عن جُنَادة: ((ما لم يأمُرُوك بإثمٍ بَواحاً))، وفي رواية إسماعيل بن عُبيد عندَ أحمد (٢٢٧٦٩) والطَّبَرانيّ والحاكم (٣٥٧/٣) من روايته عن أبيه عن عُبادة: ((سيَلِي أُمورَكم من بَعْدي رجال يُعرِّفونَكم (١) لم يسق الإمام أحمد لفظه من هذا الطريق. (٢) أي: أحمد في «مسنده» (١٥٦٥٣). (٣) هو ثابت بن حزم بن عبد الرحمن العوفي السَّرَّقُسطي المتوفى سنة (٣١٣هـ)، محدِّث، لغوي، نحوي، من مصنفاته كتاب ((الدلائل في شرح ما أغفل أبو عبيد وابن قتيبة من غريب الحديث)). وانظر ((سير أعلام النبلاء)) ١٤ / ٥٦٢. ١٥ باب ٢ / ح ٧٠٥٧ كتاب الفتن ما تُنكِرِونَ ويُنكِرونَ عليكم ما تَعرِفونَ، فلا طاعة لمن عَصَى الله))، وعندَ أبي بكر بن أبي شَيْبة (٢٣٣/١٥-٢٣٤) من طريق أزهَر بن عبد الله عن عُبادة رَفَعَه: ((سيكونُ عليكم أُمراءُ يأمُرُونَكم بما لا تَعرِفونَ، ويعملونَ ما تُنكِرِونَ، فليس لأولئكَ عليكم طاعة)). قوله: ((عندَكم من الله فيه بُرْهان)) أي: نَصُ آية أو خبر صحيح لا يحتمل التَّأويل، ومُقتَضاه أنَّه لا يجوز الخروج عليهم ما دامَ فِعلُهم يحتمل التَّويل. قال النَّوويّ: المراد بالكفرِ هنا المعصية، ومعنى الحديث: لا تُنازِعوا وُلاة الأُمور في ولا يتهم ولا تَعتَرِضوا عليهم، إلّا أن تَرَوْا منهم مُنكَراً مُحقَّقاً تعلمونَه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتُم ذلك فأنكروا علیھم، وقولوا بالحقِّ حیثُما كنتم، انتهى. وقال غيره: المراد بالإثم هنا المعصية والكفر، فلا يُعتَرَض على السُّلطان إلّا إذا وَقَعَ في الكفر الظّاهر، والذي يَظهَر حَملُ رواية الكفر على ما إذا كانت المنازَعة في الولاية، فلا يُنازِعُه بما يَقدَح في الولاية إلّا إذا ارتَكَبَ الكفر، وحَملُ رواية المعصية على ما إذا كانت المنازَعة فيما عدا الولاية، فإذا لم يَقدَح في الولاية نازَعَه في المعصية بأنْ يُنكِرِ عليه بِرِفْقٍ، ويَتَوصَّل إلى تثبيت الحقّ له بغير عُنْف، ومحلٌّ ذلك إذا كان قادراً، والله أعلم. ونَقَلَ ابن التِّين عن الدَّاوُوديِّ قال: الذي عليه العلماء في أُمراء الجَوْر: أنَّه إنْ قَدَرَ على خَلْعه بغيرِ فِتْنة ولا ظُلْم وَجَبَ، وإلّا فالواجب الصَّبر. وعن بعضهم: لا يجوز عَقْدُ الولاية لفاسِقِ ابتداءً، فإنْ أحدَثَ جَوْراً بعدَ أن كان عَدْلاً فاختَلَفوا في جواز الخروج عليه، والصَّحيحُ المنع، إلّا أن يَكفُر فيَجِبُ الخروج عليه. ٧٠٥٧- حدَّثنا محمَّدُ بنُ عَرْعَرَةَ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن قَتَادةَ، عن أنسِ بنِ مالكِ، عن أُسَيْدِ ابنِ حُضَيرٍ: أنَّ رجلاً أتى النبيَّ وَّةِ، فقال: يا رسولَ الله، استَعمَلْتَ فلاناً ولم تَستَعمِلْني! قال: ((إِنَّكم ستَرَوْنَ بَعْدي أثَرةً، فاصبِروا حتَّى تَلْقَوْني)). الحديث السادس: حديث أنس عن أُسَيْدِ بن حُضَيرٍ، ذكره مُختصَراً، وقد تقدَّم بتمامه مشروحاً في مناقب الأنصار (٣٧٩٢). ١٦ باب ٣ / ح ٧٠٥٨ فتح الباري بشرح البخاري والسِّ في جوابه عن طلب الولاية بقولِه: ((ستَرَوْنَ بَعْدي أثَرة)) إرادة نَفْي ظنّه أَنَّه آثَرَ الذي ولّاه عليه، فبَّن له أنَّ ذلك لا يقعُ في زمانه، وأنَّه لم يَخُصَّه بذلك لذاته بل لعمومِ مَصْلَحة المسلمين، وأنَّ الاستثْثار للحَظِّ الدُّنيَويّ إنَّما يقع بعدَه، وأمَرَهم عندَ وقوع ذلك بالصَّبر. ٩/١٣ ٣- باب قولِ النبيِّ وَلِّ: ((هلاكُ أَمَّتي على يَدَيْ أُغَيلِمَةٍ سُفَهَاءَ)) ٧٠٥٨- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا عَمْرو بنُ يحيى بنِ سعيدِ بنِ عَمرِو بنِ سعيدٍ، قال: أخبَرَفي جَدّي، قال: كنتُ جالساً مع أبي هُرَيرةَ في مسجدِ النبيِّ نَّهِ بِالمدينةِ ومَعَنا مروانُ، قال أبو هُرَيرةَ: سمعتُ الصّادِقَ المصدوقَ يقولُ: ((هَلَكَةُ أُمَّتي على يَدَيْ غِلْمَةٍ مِن قُرَيشٍ». فقال مروانُ: لَعْنةُ الله عليهم غِلْمةً، فقال أبو هُرَيرةَ: لو شئتُ أنْ أقولَ: بني فلانٍ وبني فلانٍ، لَفَعَلْتُ. فكنتُ أخرُجُ مع جَدّي إلى بني مروانَ حينَ مَلَكوا بالشَّامِ، فإذا رَآهم غِلْماناً أحداثاً قال لنا: عسى هؤلاءِ أن يكونوا منهم، قلنا: أنتَ أعلَمُ. قوله: ((باب قول النبيّ وَّ: هلاك أمَّتي على يَدَيْ أُغَيلِمة سُفَهاء)) زاد في بعض النُّسَخ لأبي ذَرّ: ((من قُرَيش)) ولم يقعْ لأكثرِهم، وقد ذكره في الباب من حديث أبي هريرة بدون قوله: ((سُفَهاء))، وذكر ابن بَطّال: أنَّ عليّ بن مَعبَد أخرجه - يعني: في كتاب ((الطّاعة والمعصية)) - من رواية سِماك عن أبي هريرة بلفظ: ((على رُؤوس غِلْمة سُفَهاء من قُرَيش)». قلت: وهو عندَ أحمد (٨٠٣٣) والنَّسائيِّ(١) من رواية سِماك عن أبي (٢) ظالم عن أبي هريرة: (إنَّ فساد أمَّتي على يَدَيْ غِلْمة سُفَهاء من قُرَيش)) هذا لفظ أحمد عن عبد الرَّحمن بن مَهْديّ عن سفيان عن سماك عن عبد الله بن ظالم، وتابَعَه أبو عَوَانة عن سِماك عندَ النَّسائيّ، ورواه أحمد أيضاً (٧٨٧١) عن زيد بن الحُبَابِ عن سفيان لكن قال: «مالك)) بَدَلَ ((عبد الله)) ولفظه: سمعت أبا هريرة يقول لمروانَ: أخبَرني حِبّي أبو القاسم ◌َّ قال: «فساد أمَّتي على (١) في الفتن من ((الكبرى)) كما في «النكت الظراف على الأطراف)) (١٤٣٤٠ م) للحافظ ابن حجر. (٢) كذا وقع في الأصلين و(س)، ويغلب على ظننا أنه خطأ، وأن الصواب: ابن، فإنه قد اختلف في اسم هذا الراوي: هل هو عبد الله أو مالك، ولم نقف له على كنية عند من ترجم له، والله تعالى أعلم. ١٧ باب ٣ / ح ٧٠٥٨ كتاب الفتن يَدَيْ غِلْمة سُفَهاء من قُرَيش))، وكذا أخرجه (٧٩٧٤) من طريق شُعْبة عن سِماك، ولم يَقِفْ عليه الكِرْ مانيُّ فقال: لم يقع في الحديث الذي أورَدَه بلفظ: ((سُفَهاء))، فلعلَّهِ بَوَّبَ به ليَستَذكِرَه(١) ولم يَتَّفِقْ له، أو أشارَ إلى أنَّه ثَبَتَ في الجملة لكنَّه ليس على شَرْطه. قلت: الثّاني هو المعتمَد، وقد أكثرَ البخاريُّ من هذا. قوله في الثَّرجمة: ((أُغَيلمة)) تصغير غِلْمة جمعُ غُلام، وواحد الجمع المصغَّر: غُلِيِّم بالتَّشديد، يُقال للصَّبِيِّ حينَ يولد إلى أن يَحَتَلم: غُلام، وتصغيره: غُلِيِّم، وجمعه: غِلْمان وغِلْمة وأُغَيلِمة، ولم يقولوا: أغْلِمة مع كَوْنه القياس، كأنَّهم استَغْنَوا عنه بغِلْمةٍ. وأغْرَبَ الدَّاوُودِيُّ فيما نَقَلَه عنه ابن التِّين فضَبَطَ ((أَغِيلمة)) بفتح الهمزة وكسر الغَيْن المعجَمة، وقد يُطلَق على الرجل المستَحكِم القوّة: غلام، تشبيهاً له بالغلام في قوَّته. وقال ابن الأثير: المراد بالأُغَيلمةِ هنا الصِّبيان، ولذلك صَغَّرَهم. قلت: وقد يُطلَق الصبيُّ والغُليِّم بالتَّصغيرِ على الضَّعيف العَقْلِ والتَّدبير والدِّين ولو كان مُحتَلماً، وهو المراد هنا، فإنَّ الخلفاء من بني أُميّة لم يكن فيهم مَن استُخلِفَ وهو دونَ البلوغ، وكذلك مَن أمَّروه على الأعمال، إلّا أن يكون المراد بالأُغَيلمةِ أولادَ بعض مَن استُخلِفَ فَوَقَعَ الفساد بسبِهم فُنُسِبَ إليهم، والأَولى الحمل على أعمَّ من ذلك. قوله: ((حدَّثْنَا عَمْرو بن يحيى بن سعيد بن عَمْرو)) زاد في علامات النَّبّة (٣٦٠٥) عن أحمد بن محمَّد المكِّيّ: حدَّثنا عَمْرو بن يحيى الأُمَويّ. قوله: ((أخبَرَني جَدّي)) هو سعيد بن عَمْرو بن سعيد بن العاص بن أُميّة، وقد نُسِبَ يحيى في رواية عبد الصَّمَد بن عبد الوارث(٢) عن عَمْرو بن يحيى إلى جَدِّ جَدّه الأعلى، فَوَقَعَ في روايته: حدَّثنا عَمْرو بن يحيى بن العاص، سمعت جَدّي سعيد بن العاص، فنَسَبَ سعيداً أيضاً إلى والد جَدِّ جَدّه، وأبوه عَمْرو بن سعيد هو المعروف بالأشدَق، قتله عبد الملك بن مروان لمَّا خَرَجَ عليه بدمشقَ بعدَ السَّبعينَ. (١) هكذا في (أ) و(ع)، وفي (س): ليستدركه، وكلاهما صحيح. (٢) أخرج رواية عبد الصمد هذه الإسماعيليُّ في ((مستخرجه)) كما في ((التوضيح)) لابن الملقِّن ٢٨٨/٣٢. ١٨ باب ٣ / ح ٧٠٥٨ فتح الباري بشرح البخاري قوله: «كنت جالساً مع أبي هريرة» كان ذلك زمنَ معاويةً. ١٠/١٣ قوله: ((ومَعَنا مروان)) هو ابن الحَكَم بن/ أبي العاص بن أُميّة الذي وليَ الخِلافةَ بعدَ ذلك، وكان يَلي لمعاويةَ إمرة المدينة تارةً وسعيد بن العاص - والد عَمْرو - يليها لمعاويةَ تارةً. قوله: ((سمعتُ الصّادِقَ المصدوق)) تقدَّم بيانه في كتاب القَدَر (٦٥٩٤) والمراد به النبيُّ ◌َّهه وقد وَقَعَ في رواية عبد الصَّمَد المذكور أنَّ أبا هريرة قال: قال رسول الله ◌َِّ، وفي رواية له أُخرى: سمعت رسول الله وَلِ﴾(١). قوله: ((هَلَكة أمَّتي)) في رواية المكِّيّ: ((هلاك أمَّتي)) وهو المطابِقِ لما في التَّرجمة، وفي رواية عبد الصَّمَد: ((هلاك هذه الأُمّةِ))، والمراد بالأُمّةِ هنا أهلُ ذلك العصر ومَن قارَبَهم لا جميع الأُمّة إلى يوم القيامة. قوله: ((على يَدَيْ غِلْمة)) كذا للأكثر بالتَّنية، وللسَّرَخْسيِّ والكُشمِيهَنيّ: ((أيدي)) بصيغة الجمع، قال ابن بَطّال: جاءَ المراد بالهلاكِ مُبيّناً في حديثٍ آخَر لأبي هريرة أخرجه عليّ بن مَعَبَد وابن أبي شَيْبة من وجه آخر عن أبي هريرة رَفَعَه: ((أعوذ بالله من إمارة الصِّبيان)» قالوا: وما إمارة الصِّبيان؟ قال: ((إن أطَعْتُموهم هَلَكْتُم)) أي: في دِينكم ((وإن عَصَيْتُموهم أهلکوکم))(٢) أي: في دُنیاکم بإزهاق النَّفْس أو بإذهابٍ المال أو بهما، وفي رواية ابن أبي شَيْبة(٣): أنَّ أبا هريرة كان يمشي في السّوق ويقول: اللهُمَّ لا تُدرِكْني سنة ستّينَ ولا إمارة (١) الرواية الأولى لعبد الصمد عند الإسماعيلي، والثانية عند البخاري في ((تاريخه الكبير)) ٤٩٩/٣. (٢) هذا مخرَّج عند علي بن معبد كما في ((التوضيح)) لابن الملقن ٢٨٩/٣٢، ولم نقف عليه عند ابن أبي شيبة، وأخرجه أيضاً بهذا اللفظ أبو عمرو الداني في ((الفتن)) (١٩٠)، وإسناده ضعيف جداً فيه يحيى بن عبيد الله ابن موهب، وهو متروك الحديث، وأخرجه ابن أبي شيبة ٤٩/١٥، وأحمد (٨٣١٩) بلفظ: «تعوذوا بالله من رأس السبعين وإمارة الصبيان))، وإسناده ضعيف، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٥/ ٥٠ و٢٤٥ موقوفاً على أبي هريرة بلفظ: ويل للعرب من شر قد اقترب، إمارة الصبيان، إن أطاعوهم أدخلوهم النار، وإن عَصَوهم ضربوا أعناقهم. والموقوف أصُ. (٣) كذا قال، ولم نقف عليه عند ابن أبي شيبة، وقد أخرجه البيهقي في ((دلائل النبوة)) ٤٦٦/٦، وسنده صحيح عن أبي هريرة. ١٩ باب ٣ / ح ٧٠٥٨ كتاب الفتن الصِّبْيان؛ وفي هذا إشارة إلى أنَّ أوَّل الأُغَيلمة كان في سنة ستّينَ، وهو كذلك، فإنَّ یزید بن معاوية استُخلِفَ فيها وبَقِيَ إلى سنة أربع وستّين، فماتَ ثمَّ وليَ ولدُه معاوية وماتَ بعدَ أشهر، وهذه الرِّواية تُخصِّص رواية أبي زُرْعة عن أبي هريرة الماضية في علامات النُّبوّة (٣٦٠٤) بلفظ: ((يُهلِك الناسَ هذا الحيُّ من قُرَيش))، وأنَّ المراد بعضُ قُرَيش وهم الأحداث منهم لا كلّهم، والمراد: أنَّهم يُهلِكونَ الناسَ بسببٍ طَلَبهم المُلْكَ والقتالِ لأجلِه، فَتَفسُد أحوال الناس ويَكثُر الخَبْط بتَوَالي الفتن، وقد وَقَعَ الأمر كما أخبَرَ وَلَّهِ. وأمّا قوله: ((لو أنَّ الناس اعتَزَلوهم)) محذوف الجواب وتقديره: لكان أولى بهم، والمراد باعتزالهِم أن لا يُداخِلوهم ولا يقاتلوا معهم، ويَفِرّوا بدينهم من الفتن، ويحتمل أن يكون ((لو)) للتّمنّي فلا يُحتاج إلی تقدیر جواب. ويُؤخَذ من هذا الحديث استِحْبابُ هُجْران البَلْدة التي يَقَعُ فيها إظهار المعصية، فإنَّا سببُ وقوع الفتن التي يَنشَأ عنها عموم الهلاك، قال ابن وَهْب عن مالك: تَهجُر الأرضَ التي يُصنَع فيها المنكرُ جِهاراً، وقد صَنَعَ ذلك جماعة من السَّلَف. قوله: ((فقال مروان: لَعْنة الله عليهم غِلْمةً)) في رواية عبد الصَّمَد: لَعْنة الله عليهم من أُ غَيلمة، وهذه الرِّواية تُفسِّر المراد بقوله في رواية المكِّيّ: ((فقال مروان: غِلْمة)) كذا اقتَصَرَ على هذه الكلمة، فدَلَّتْ رواية الباب أنَّها مُختصَرة من قوله: لَعْنة الله عليهم غِلْمة، فكان التَّقدير: غِلْمة عليهم لَعْنة الله، أو مَلْعونونَ، أو نحو ذلك، ولم يُرِدِ التَّعجُّبَ ولا الاستثبات. قوله: ((فقال أبو هريرة: لو شئتُ أنْ أقول: بني فلان وبني فلان، لَفَعَلْت)) في رواية الإسماعيليّ: من بني فلان وبني فلان لَقلتُ، وكأنَّ أبا هريرة كان يَعرِف أسماءَهم، وكان ذلك من الجِرَاب الذي لم يُحدِّث به، وتقدَّمَت الإشارة إليه في كتاب العِلم، وتقدَّم هناك (١٢٠) قوله: لو حَدَّثتُ به لَقَطَعتُم هذا البُلْعومَ. قوله: ((فكنت أخرج مع جَدّي)) قائل ذلك عَمْرو بن يحيى بن سعيد بن عَمْرو وجدُّه سعيد بن عَمْرو، وكان مع أبيه لمَّا غَلَبَ على الشّام، ثمَّ لمَّا قُتِلَ تَحوَّلَ سعيد بن عَمْرو إلى الکوفة فسگنَها إلى أن ماتَ. ٢٠ باب ٣ / ح ٧٠٥٨ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((حينَ مَلَكوا الشّام)) أي: وغيرها لمَّا وَلُوا الخِلافة، وإنَّما خُصَّت الشّام بالذِّكْر؛ لأنَّها كانت مَساكنَهم من عَهْد معاويةً. قوله: ((فإذا رآهم غِلْماناً أحداثاً) هذا يُقوِّي الاحتمال الماضي، وأنَّ المراد أولاد مَن استُخلِفَ منهم، وأمّا تَرَدُّده في أيّهم المراد بحديثِ أبي هريرة، فمن جهة كَوْن أبي هريرة لم يُفْصِح بأسمائهم، والذي يَظهَر أنَّ المذكورينَ من جُملَتهم، وأنَّ أوَّلهم يزيدُ كما دَلَّ عليه قول أبي هريرة: رَأْس السِّينَ وإمارة الصِّبْيان، فإنَّ يزيد كان غالباً يَنزِعُ الشَّيوخ من إمارة البُلْدان الكِبار ويولّيها الأصاغر من أقاربه. ١١/١٣ وقوله: ((قلنا: أنتَ / أعلَمُ)) القائل له ذلك أولاده وأتباعه ممَّن سَمِعَ منه ذلك، وهذا مُشعِر بأنَّ هذا القول صَدَرَ منه في أواخر دولة بني مروان، بحيثُ يُمكِّن عَمَرَو بن يحيى أن يسمع منه ذلك، وقد ذكر ابنُ عساكر أنَّ سعيد بن عَمْرو هذا بَقِيَ إلى أن وَفَدَ على الوليد ابن يزيد بن عبد الملك، وذلك قُبَيل الثَّلاثينَ ومئة، ووَقَعَ في رواية الإسماعيليّ أنَّ بينَ تحديث عَمْرو بن يحيى بذلك وسماعه له من جَدّه سبعينَ سنة. قال ابن بَطّال: وفي هذا الحديث أيضاً حُجّة لما تقدَّم من ترك القيام على السُّلطان ولو جارَ، لأنَّه وَّهِ أَعلَمَ أبا هريرة بأسماءِ هؤلاءٍ وأسماء آبائهم ولم يأمرهم بالخروج عليهم، مع إخباره أنَّ هلاك الأُمّة على أيديهم، لكَونِ الخروج أشدَّ في الهلاك وأقرَبَ إلى الاستثْصال من طاعتهم، فاختارَ أخَفَّ المفسَدتَينِ وأيسَرَ الأمرَين. تنبيه: يُتَعجَّب من لعن مروان الغِلمةَ المذكورينَ مع أنَّ الظّاهر أنَّهم من ولده، فكأنَّ الله تعالى أجرَى ذلك على لسانه ليكونَ أشدَّ في الحُجّة عليهم لعلَّهم يَتَّعِظونَ، وقد وَرَدَتْ أحاديث في لَعْنِ الحَكَم والِد مروان وما وَلَدَ، أخرجها الطَّبَرانيُّ (١٤٨٨٢ -١٤٨٨٤) وغيره(١)، غالبُها فيه مَقال وبعضها جيِّد، ولعلَّ المراد تخصيص الغِلْمة المذكورينَ بذلك. (١) انظر («تاريخ دمشق)) لابن عساكر ٢٦٥/٥٧-٢٧٣، فقد اعتنى بجمع هذه الأحاديث. وانظر أيضاً ((مسند أحمد)) (٦٥٢٠) و(١٦١٢٨).