النص المفهرس
صفحات 541-560
٥٤١ باب ٤٨/ح ٧٠٤٧ كتاب التعبير سألَه جِهاراً وأن يكون أعلمَه بذلك سِرّاً. وفيه الحثّ على تعليم عِلم الرُّؤيا وعلى تَعبيرها وتَرك إغفال السُّؤال عنه، وفضيلَتها لما تَشتَمِل عليه من الاطّلاع على بعض الغيب وأسرار الكائنات. قال ابن هُبَيرة: وفي السُّؤال من أبي بكر أوَّلاً وآخِراً وجواب النبيّ وَّ دلالة على/ ٤٣٨/١٢ انبساط أبي بکر معه وإدلاله علیه. وفيه أنَّه لا يَعبُر الرُّؤيا إلّا عالمٌ ناصحٌ أمينٌ حبيب. وفيه أنَّ العابِر قد يُخْطِئ وقد يُصيب. وأنَّ للعالِم بالتَّعبير أن يَسكُت عن تَعبير الزُّؤيا أو بعضها عندَ رُجْحان الکِتمان على الذِّكر. قال المهلَّب: ومحلّه إذا كان في ذلك عموم، فأمَّا لو كانت مخصوصةً بواحدٍ مثلاً فلا بأس أن يُخْبِرَه ليُعِدَّ الصَّبر ويكون على أُهبة من نزول الحادثة. وفيه جواز إظهار العالم ما يُحسِن من العلم إذا خَلَصَت نَيَّتْه وأمِنَ العُجْب. وكلامُ العالم بالعلمِ بحَضرة مَن هو أعلم منه إذا أذِنَ له في ذلك صريحاً أو ما قام مقامَه، ويُؤخذ منه جواز مِثله في الإفتاء والحكم، وأنَّ للتِّلميذِ أن يُقْسِم على مُعلِّمه أن يُفيدَه الحُكمَ. ٤٨ - باب تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح ٧٠٤٧- حدَّثْنَا مُؤْمَّلُ بنُ هشام أبو هاشمٍ، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثْنَا عَوْفٌ، حدّثنا أبو رَجاءٍ، حدَّثنا سَمُرةُ بنُ جُندُبٍ ﴾، قال: كان رسولُ اللهَوَّ يعني ممَّا يَكْثُرُ أن يقولَ لأصحابه: ((هل رَأَى أحدٌ منكم من رُؤْيا؟)) قال: فيُقَصُّ عليه ما شاءَ الله أن يَقُصَّ، وإِنَّه قال لنا ذاتَ غَداةٍ: ((إنَّه أتاني اللَّيلةَ آتِيان، وإنَّما ابتَعَثاني، وإنَّهما قالا لي: انطَلِقٍ، وإنّ انطَلَقْتُ معهما، وإنّا أنينا على رجلٍ مُضْطَجِعٍ، وإذا آخَرُ قائمٌ عليه بصَخْرةٍ، وإذا هو يَهْوي بالصَّخْرةِ لرأسِه، فِيَتْلَغُ رأسَه فيتدَهْدَه الحجرُ هاهنا، فيَتَبَعُ الحجرَ فيأخُذُه، فلا يَرجِعُ إليه حتَّى يَصِحَّ رأسُه كما كان، ثمَّ يعودُ عليه فيفعلُ به مِثلَ ما فعل مَرَّةَ الأولى، قال: قلتُ لهما: سُبْحانَ الله! ما هذان؟ قال: قالا لي: انطَلِقْ، انطَلِقْ. ٥٤٢ باب ٤٨/ح ٧٠٤٧ فتح الباري بشرح البخاري قال: فانطَلَقْنا، فأتينا على رجلٍ مُستَلْقٍ لقَفَاهُ، وإذا آخَرُ قائمٌ عليه بكُلّوبٍ من حديدٍ، وإذا هو يأتي أحدَ شِقَّ وجهِه فيُفَرْشِرُ شِدْقَه إلى قَفاه، ومَنخِرَه إلى قفاه، وعينه إلى قَفاه-قال: ورُبَّما قال أبو رَجاءٍ: فيَشُقُّ -، قال: ثمَّ يَتَحوَّلُ إلى الجانبِ الآخَرِ، فيفعلُ به مِثلَ ما فعل بالجانبِ الأوَّلِ، فما يَفْرُغُ من ذلك الجانبِ حتَّى يَصِحَّ ذلك الجانبُ كما كان، ثمَّ يعودُ عليه فيفعلُ مِثلَ ما فعل المرَّةَ الأولى، قال: قلتُ: سُبْحانَ الله! ما هذان؟ قال: قالا لي: انطَلِقْ، انطَلِقْ. فانطَلَقْنا، فأتينا على مِثْلِ التَّورِ، قال : - وأحسبُ أنَّه كان يقول - فإذا فيه لَغَطُّ وأصواتٌ، قال: فاطَّلَعْنا فيه فإذا فيه رجالٌ ونساءٌ عُراةٌ، وإذا هم يأتيهم لهبٌّ مِن أسفلَ منهم، فإذا أتاهم ذلك اللّهَبُ ضَوْضَوْا. قال: قلتُ لهم: ما هؤلاءِ؟ قال: قالا لي: انطَلِقْ، انطَلِقْ. قال: فانطَلَقْنا، فأتينا على نَهَرِ - حَسِبتُ أنَّه كان يقول -: أحمرَ مِثْلِ الدَّمِ، وإذا في النَّهَرِ رجلٌ سابعٌ يَسْبَحُ، وإذا على شَطِّ النَّهَرِ رجلٌ قد جَمَعَ عندَه حجارةً كثيرةً، وإذا ذلك السابحُ يَسْبَحُ ما سَبَح، ثمَّ يأتي ذلك الذي قد جَمَعَ عندَه الحجارةَ فِيَفْغَرُ له فاهُ فِيُلْقِمُه حجراً، فَيَنْطَلِقُ يَسْبَحُ، ثمَّ يَرجِعُ إليه، كلَّمَا رَجَعَ إليه فغَرَ له فَاهُ فألقَمَه حجراً، قال: قلتُ لهما: ما هذان؟ قال: قالا لي: انطَلِقْ، انطَلِقْ. قال: فانطَلَقْنا فأتينا على رجلٍ كَرِيه المَرْآَةِ، كأكرَه ما أنتَ راءٍ رجلاً مَرْآَةً، فإذا عندَه نارٌ يَحُقُّها ويَسْعَى حَوْلهَا،/ قال: قلتُ لهما: ما هذا؟ قال: قالا لي: انطَلِقْ، انطَلِقْ. فانطَلَقْنا فأتينا على رَوْضَةٍ مُعْتَمِةٍ فيها من كلِّ لَونِ الرَّبِيعِ، وإذا بينَ ظَهْرَىِ الرَّوْضِةِ رجلٌ طويلٌ، لا أكادُ أَرَى رأسَه طولاً في السماءِ، وإذا حَوْلَ الرجلِ من أكثرٍ وِلْدانٍ رأيتُهم قَطُّ، قال: فقلتُ: ما هؤلاءِ؟ قال: قالا لي: انطَلِقْ، انطَلِقْ. قال: فانطَلَقْنا فانتَهَينا إلى رَوْضةٍ عظيمةٍ، لم أرَ رَوْضةً قَطَّ أعظَمَ منها ولا أحسنَ، قال: قالا لي: ارقَ، فارتَقَيتُ فيها، فانتَهَينا إلى مدينةٍ مَبنِيَّةٍ بلَبِنِ ذهبٍ ولَيِنِ فِضّةٍ، فأتينا بابَ المدينة، فاستَفْتَحْنا ففُتِحَ لنا، فدَخَلْناها فتَلَقّانا فيها رجالٌ شَطْرٌ مِن خَلْقِهم كأحسنِ ما أنتَ راءٍ، وشَطْرٌ كأقبَح ما أنتَ راءٍ، قال: قالا لهمُّ: اذهبوا فقَعوا في ذلك النَّهَرِ، قال: وإذا ٤٣٩/١٢ ٥٤٣ باب ٤٨/ح ٧٠٤٧ كتاب التعبير نَهرٌ مُعتَرِضٌ يَجْري كأنَّ ماءَه المَحْضُ في البياض، فذهبوا فوَقَعُوا فیه، ثمَّ رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السُّوءُ عنهم، وصارُوا في أحسنِ صورةٍ، قال: قالا لي: هذه جَنّةُ عَدْنٍ، وهذاكَ مَنْزِلُكَ. قال: فسَمَا بَصَري صُعُداً فإذا قَصْرٌ مِثلُ الرَّبابةِ البيضاءِ، قال: قالا لي: هذاكَ مَنْزِلُكَ، قال: قلتُ لهما: بارَكَ الله فيكما، ذَراني فأدخُلَه، قالا: أمَّا الآنَ فلا، وأنتَ داخِلُه، قال: قلتُ لهما: فإنّي رأيتُ منذُ اللَّيلةِ عَجَباً! فما هذا الذي رأيتُ؟ قالا: أما إنّا سَنُخْبِرُكَ: أمَّا الرجلُ الأوَّلُ الذي أتيتَ عليه يُثْلَغُ رأسُه بالحجرِ، فإنَّه الرجلُ يأخُذُ القرآنَ فيَرْفِضُه، وينامُ عن الصلاةِ المكتوبةِ. وأمَّا الرجلُ الذي أتيتَ عليه يُشَرْشَرُ شِدْقُه إلى قَفاه، ومنخِرُه إلى قَفاه، وعينُهُ إلى قَفاه، فإنَّه الرجلُ يَغْدو من بيتِهِ فَيَكذِبُ الكَذْبَةَ تَبلُغُ الآفاقَ. وأمَّا الرِّجالُ والنِّساءُ العُراةُ الَّذِينَ في مِثْلِ بناءِ التَّنَورِ، فإنَّهِمُ الزُّنَاةُ والزَّواني. وأمَّا الرجلُ الذي أتيتَ عليه يَسْبَحُ فِي النَّهَرِ ويُلقَمُ الحِجارةَ فإِنَّه آكِلُ الرّبا. وأَمَّا الرجلُ الكَرِيه المَرْآةِ الذي عندَ النار يَحْثُّها ويَسْعَى حَوْلهَا، فإنَّه مالكٌ خازِنُ جَهَّمَ. وأمَّا الرجلُ الطَّوِيلُ الذي في الرَّوْضِةِ فإنَّه إبراهيمُ بَِّ، وأمَّا الوِلْدَانُ الَّذِينَ حَوْلَه فكلُّ مولودٍ ماتَ على الفِطْرة)) قال: فقال بعضُ المسلمين: يا رسولَ الله، وأوْلادُ المشركينَ؟ فقال رسولُ الله ◌ِّ: ((وأوْلادُ المشركينَ. وأمَّا القومُ الَّذِينَ كانوا شَطْراً منهم حَسَنٌ وشَطْراً منهم قَبِيحٌ، فإنَّهم قومٌ خَلَطوا عملاً صالحاً وآخَرَ سَيِّاً، تَجاوَزَ اللهُ عنهم)). قوله: ((باب تعبير الرُّؤْيا بعدَ صلاة الصُّبح)) فيه إشارةٌ إلى ضعف ما أخرجه عبد الرَّزّاق (٢٠٣٦١) عن مَعمَر عن سعيد بن عبد الرَّحمن عن بعض علمائهم قال: لا تَقْصُّص رؤياك علی امرأةٍ ولا تُخبِرِ بها حتَّى تَطلُع الشمس. وفيه إشارةٌ إلى الردِّ على مَن قال من أهل التَّعبير: إنَّ المستَحَبّ أن يكون تعبير الرُّؤيا بعدَ طُلوع الشمس إلى الرّابعة، ومن العصر إلى قبلَ المغرِب، فإنَّ الحديث دالّ على استحباب تعبيرها قبلَ طُلوع الشمس، ولا يُخالف قولهم بكراهة تعبيرها في أوقات كراهة الصلاة. ٥٤٤ باب ٤٨/ح ٧٠٤٧ فتح الباري بشرح البخاري قال المهلَّب: تعبير الرُّؤيا عندَ صلاة الصُّبح أولى من غيره من الأوقات، لحِفظِ صاحبها لها لقُربٍ عَهْده بها، وقبلَ ما يَعِرِض له نِسْيانها، ولحضورِ ذِهن العابِر وقِّة شُغله بالفِكرة فيما يَتَعلَّق ٤٤٠/١٢ بمَعاشه،/ ولَيَعرِفَ الرَّائي ما يَعرِض له بسببٍ رؤياهُ، فَيَستَبِشِر بالخير ويَحَذَر من الشرّ ويَتأهَّب لذلك، فُرُبَّما كان في الزُّؤيا تحذيرٌ عن معصيةٍ فيَكُفّ عنها، ورُبَّما كانت إنذاراً لأمرٍ فیکون له مُتَرَقِباً. قال: فهذه عِدّة فوائد لتَعبير الرُّؤيا أوَّل النَّهار. انتهى ملخَّصاً. قوله: «حدثنا» في روایة غیر أبي ذرٍّ: حدّثني. قوله: ((مُؤمَّل)) بوزنِ محمَّد مهموز ((بن هشام أبو هاشم)) كذا لأبي ذرِّ عن بعض مشايخه، وقال: الصَّواب: أبو هشام، وكذا هو عندَ غير أبي ذرٍّ، وهو ممَّن وافَقَت كُنْيته اسم أبيه، وكان صِهِرَ إسماعيلَ شيخِه في هذا الحديث على ابنَتَه، ولم يُرِّج عنه البخاريّ عن غير إسماعيل، وقد أخرج البخاريّ عنه هذا الحديث هنا تامّاً، وأخرج في الصلاة قبلَ الجمعة(١)، وفي أحاديث الأنبياء (٣٣٥٤)، وفي التَّفسير (٤٦٧٤) عنه بهذا السَّند منه أطرافاً، وأخرجه أيضاً تاماً في أواخر كتاب الجنائز (١٣٨٦) عن موسى بن إسماعيل عن جَرِير بن حازم عن أبي رَجَاء، وأخرج في الصلاة (٨٤٥)، وفي التَّهَجُّد(٢)، وفي البيوع (٢٠٨٥)، وفي بَدْء الخلق (٣٢٣٦)، وفي الجهاد (٢٧٩١)، وفي أحاديث الأنبياء(٣)، وفي الأدب (٦٠٩٦) عنه منه بالسَّندِ المذكور أطرافاً، وأخرج مسلم (٢٢٧٥) قِطعةً من أوَّله من طريق جَرِير بن حازم، وأخرجه أحمد (٢٠١٦٥) عن يزيد بن هارون عن جَرِير بتمامه، وأخرجه أيضاً (٢٠٠٩٤) عن محمَّد بن جعفر غُندَر عن(٤) عَوف بتمامه. قوله: ((حدَّثنا إسماعيل بن إبراهيم)) هو الذي يقال له: ابن عُليَّةَ، وشيخه عَوف: هو الأعرابيّ، وأبو رَجاء(٥): هو العُطارديُّ، واسمه عِمران، والسَّندُ كلّه بصريّونَ. (١) بل في التهجُّد برقم (١١٤٣). (٢) هو في التهجد برقم (١١٤٣) لكن بسند المصنف هنا. (٣) هو في أحاديث الأنبياء برقم (٣٣٥٤) لكن بسند المصنف هنا. (٤) وقع في (س): ((عنه عن)) بإقحام لفظة ((عنه)) خطأً. (٥) وقع في الأصلين: ((قوله: وأبو رجاء)) بإقحام لفظة ((قوله)) خطأً. ٥٤٥ باب ٤٨/ح ٧٠٤٧ كتاب التعبير قوله: ((كان رسول الله وَ لقر يعني ممّا يَكثُر أن يقول لأصحابه)) كذا لأبي ذرِّ عن الكُشمِيهنيّ، وله عن غيره بإسقاط: يعني، وكذا وَقَعَ عندَ الباقين، وفي رواية النَّسَفيِّ وكذا في رواية محمّد بن جعفر: مَّاً يقول لأصحابِهِ، وقد تقدَّم في بَدْء الوحي ما نَقَلَ ابن مالك أنَّها بمعنى: ممَّا يَكثُرُ. قال الطِّييُّ: قوله: مَمَّا يَكثُر خبر ((كان)) و((ما)) موصولة، و((يكثُرُ)) صِلَته، والضَّمير الرَّاجِع إلى ((ما)) فاعل ((يقول))، و((أن يقول)) فاعل ((يَكثُر))، و((هل رأى أحد منكم)) هو المُقُول، أي: رسول الله وَِّ كائناً من النَّفَرِ الذينَ كَثُرَ منهم هذا القول، فوضَعَ ((ما)) موضع ((من)) تفخيماً وتعظيماً لجانبِه، وتحريره: كان رسولُ الله وَلِّ يُجيد تَعبير الرُّؤيا، وكان له مُشارك في ذلك منهم، لأنَّ الإكثار من هذا القول لا يَصدُر إلّا مَمَّن تَدَرَّبَ فيه ووثِقَ بإصابَتِه، كقولك: كان زيدٌ من العلماء بالنَّحو، ومنه قول صاحبَي السِّجن ليوسف عليه السلام: ﴿فَبِثْنَا بِتَأْوِيلِ: إِنَّا نَرَئِكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٣٦]، أي: من المجيدينَ في عِبارة الرُّؤيا، وعلما ذلك مما رأياه منه، هذا من حيثُ البيانُ، وأمَّا من حيثُ النَّحو فيحتمل أن يكون قوله: ((هل رأى أحدٌ منكم رُؤيا؟)) مُبتَدَأ والخبر مُقدَّم عليه على تأويل: هذا القول ممَّا يُكثِرِ رسولُ اللهِ وَّهِ أن يقوله. ثمَّ أشارَ إلى ترجيح الوجه السابق، والمتبادر هو الثّاني، وهو الذي اتَّفَقَ عليه أكثر الشّارحينَ. قوله: ((فَيُقَصّ)) بضمٌّ أوَّلِه وفتح القاف(١). قوله: ((ما شاءَ الله)) في رواية يزيد (٢): فيَقُصّ عليه مَن شاءَ الله، وهو بفتح أوَّله وضمّ القاف، وهي رواية النَّسَفيّ، و((ما)) في الرّواية الأولى للمقصوص، و((مَن)) في الثّانية للقاصّ. ووَقَعَ في رواية جَرِير بن حازم: فسألَ يوماً فقال: «هل رأى أحد رُؤيا؟)) قلنا: لا، قال: (لكن رأيتُ اللَّيلة)). قال الطِّييُّ: وجه الاستدراك أنَّه كان يُحِبّ أن يَعبُر لهم الرُّؤيا، فلمَّا قالوا: (١) كذا وقعت الرواية للحافظ رحمه الله، مع أنَّ الذي في اليونينية دون حكاية خلاف بين رواه البخاري: فيَقُصُّ عليه مَن شاء الله. على أنَّ((من)) فاعل ((يقصُّ)). (٢) بل في رواية محمد بن جعفر عن عوف عند أحمد برقم (٢٠٠٩٤). ٥٤٦ باب ٤٨/ح ٧٠٤٧ فتح الباري بشرح البخاري ما رأينا شيئاً كأنَّه قال: أنتم ما رأيتُم شيئاً لكنّي رأيتُ. وفي رواية أبي خَلْدة - بفتح المعجَمة وسكون اللّام، واسمه خالد بن دينار - عن أبي رَجَاء عن سَمُرة: أنَّ النبيَّ وَِّ دَخَلَ المسجد يوماً فقال: «هل رأى أحدٌ منكم رُؤيا فليُحدِّث بها؟)) فلم يُحدِّث أحد بشيءٍ، فقال: (إنّ رأيت رُؤيا فاسمَعوا مِنِّي)) أخرجه أبو عَوَانة(١). قوله: ((وإِنَّه قال لنا (٢) ذات غداة)) لفظ: ((ذات)) زائد، أو (٣) هو من إضافة الشَّيء إلى اسمه، وفي رواية جَرِير بن حازم (١٣٨٦) عنه: كان إذا صَلَّى صلاة أقبَلَ علينا بوجهه، وفي رواية يزيد بن هارون عنه: إذا صَلَّى صلاة الغَدَاة، وفي رواية وهب بن جَرِير عن أبيه عندَ مسلم ٤٤١/١٢ (٢٢٧٥): إذا صَلَّى الصُّبح. / وبه تظهر مُناسَبة التَّرجمة، وذكر ابن أبي حاتم(٤) من طريق زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ عن أبيه عن جَدّه عن عليّ قال: صَلَّى بنا رسول الله وَله يوماً صلاة الفجر بغَلَسٍ(٥)، الحديث بطولِه، نحو حديث سَمُرة، والراوي له عن زيد ضعيف. وأخرج أبو داود (٥٠١٧) والنَّسائيُّ (ك٧٥٧٤) من حديث الأعرج(٦) عن أبي هريرة: أَنَّ النبيَّ ◌َِّ كان إذا انصَرَفَ من صلاة الغَدَاة يقول: «هل رأى أحدٌ اللَّيلة رُؤيا)). (١) هو في جملة ما لم يُعثر عليه إلى الآن من كتاب أبي عوانة فطبع الكتاب عريّاً عنه، وهو أيضاً عند محمد بن نصر المروزي في «قيام الليل))، كما في ((مختصره)) (٢١٨) من طريق أبي خلدة. (٢) لفظة ((لنا)) سقطت من اليونينية، وهي ثابتة في النسخة التي اعتمدها الحافظ من ((الصحيح))، وكذلك هي ثابتة في الأصل الخطي الذي عندنا برواية أبي ذر الهرويِّ، وأثبتها صاحبا ((جامع الأصول)) و((الجمع بین الصحیحین» والقسطلاني في «شرحه)). (٣) تحرَّف في الأصلين إلى: وهو، بواو العطف، فأوهم أنَّ المعطوف مترتّب على المعطوف عليه، والتصويب من ((شرح الكرماني)) ١٣٩/٢٤، و((شرح القسطلاني)) ١٦٣/١٠، وجاء على الصواب في (س). وانظر كلام العيني على شرح الحديث المتقدم برقم (١٠٥٠). (٤) في ((العلل)) (٤٢١)، وأسنده ابن عساكر ٤٥١/١٩. (٥) تحرَّف في (س) إلى: فجلس. والغَلَس: ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بضوء الصباح. (٦) بل من حديث زُفَر بن صعصعة عن أبيه عن أبي هريرة عند أبي داود، وكذا عند النسائي لكن بإسقاط ذكر صعصعة، فصار عن زفر بن صعصعة عن أبي هريرة، والمحفوظ إثباته كما بينه المزي في ((الأطراف)) (١٢٩٠٠). ٥٤٧ باب ٤٨/ح ٧٠٤٧ كتاب التعبير وأخرج الطبرانيُّ (٧٦٦٦) بسندٍ جَيِّد (١) عن أبي أمامةَ قال: خَرَجَ علينا رسول الله وِّل بعدَ صلاة الصُّبح فقال: ((إنّ رأيت اللَّيلة رُؤيا هي حَقّ، فاعِقِلوها)) فذكر حديثاً فيه أشياء يُشبِهِ بعضُها ما في حديث سَمُرة، لكن يظهر من سياقه أنَّه حديثٌ آخر، فإنَّ في أوَّله: ((أتاني رجلٌ فأخَذَ بَيَدي، فاستَبَعَني حتَّى أتى جبلاً طويلاً وعْراً، فقال لي: ارقَه، فقلت: لا أستطيع، فقال: إنّي سأُسَهِّلُه لك، فجَعَلت كلَّما وضَعت قَدَمِي وضَعتُها على دَرَجةٍ، حتَّى استَويت على سَواء الجبل، ثمَّ انطَلَقنا فإذا نحنُ برجالٍ ونساءٍ مُشَقَّقة أشداقهم(٢)، فقلت: مَن هؤلاءِ؟ قال: الذينَ يقولون ما لا يعلمونَ))(٣) الحديث. قوله: ((إِنَّه أتاني اللَّيْلَةَ)) بالنَّصب. قوله: (آتيان)) في رواية هَوذة عن عَوف عندَ ابن أبي شيبة (٦٣/١١- ٦٦): ((آتيان أو اثنان)» بالشكّ، وفي رواية جَرِير (١٣٨٦): ((رأيت رجلَينِ أتياني))، وفي حديث عليّ: ((رأيت مَلَکَینٍ))، وسیأتي في آخر الحديث(٤): أنّهما چِبريل وميكائيل. (١) كذا قال الحافظ رحمه الله مع أنَّ في إسناده عبد الله بن صالح كاتب الليث، وهو ليس بذاك، وقد خالفه من هو أوثق منه کما سيأتي. (٢) تحرف في الأصلين إلى: أقدامهم، والأشداق جمع شِدْق، وهو جانب الفم. (٣) كذا وقع في رواية الطبراني في «الكبير)) (٧٦٦٦)، وفي (مسند الشاميين)) (١٩٦٦) بلفظ: (يقولون ما لا يعلمون)) والظاهر أنَّ قوله: ((يعلمون)) محرف عن (يعملون)) بتقدیم الميم من العمل، فقد جاءت الرواية كذلك عند أبي القاسم الأصبهاني في ((الترغيب والترهيب)) (١٤٨٤) وغيره، لكن بلفظ: ((يفعلون)، وكذلك أورده بهذا اللفظ الذهبي في ((العلو)) (٢٥٧)، والسيوطي في ((شرح الصدور)) (٣٩) بعد أن عزاه لابن خزيمة وابن حبان والحاكم والطبراني وابن مردويه والبيهقي. وقد روي حديث أبي أمامة هذا بإسناد أصح من إسناد الطبراني عند النسائي في («الكبرى» (٣٢٧٣)، وابن خزيمة (١٩٨٦)، وابن حبان (٧٤٩١)، والحاكم ١/ ٤٣٠، لكن بلفظ: ((فإذا قوم معلقون بعراقيبهم مشققة أشداقهم، تسيل أشداقهم دماً، قلت: من هؤلاء، قال: هؤلاء الذين يُفطرون قبل تِلّة صومهم))، ورجاله ثقات عن آخرهم، ومما يؤكد الوهمَ في رواية الطبراني أنَّ هؤلاء الذين يقولون ما لا يفعلون، قد رآهم النبي ◌َل# ليلة أُسري به تقرض شفاهم بمقاريض من حديد، كما في حديث أنس عند أحمد (١٢٢١١) وابن حبان (٥٣) والطبراني في «الأوسط)) (٤١١)، والبيهقي في ((الشعب)) (٤٩٦٥)، فعقوبتهم إذاً قرضُ الشفاه، وأما تشقيق الأشداق فعقوبة الذين يُفطرون قبل تحِلّة صومهم. (٤) يعني رواية جرير بن حازم (١٣٨٦). ٥٤٨ باب ٤٨/ح ٧٠٤٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وإِنَّمَا ابْتَعَثاني)) بموخَّدةٍ ثمَّ مُثنّة وبعدَ العين المهمَلة مُثلَّثة، كذا للأكثر، وفي رواية الكُشمِيهنيِّ بنونٍ ثمَّ موخَّدة، ومعنى ابتَعَثاني: أرسَلاني، كذا قال في ((الصِّحاح)): بَعَثْتُه وابتعَثْتُه: أرسَلْته. يقال: ابْتَعَثَه: إذا أثارَه وأذهَبَه، وقال ابن هُبَيرة: معنى ابتَعَثاني: أيقَظاني، ويحتمل أن يكون رأى في المنام أنَّهما أيقَظاه، فرأى ما رأى في المنام، ووَصَفَه بعدَ أن أفاق، على أنَّ مَنامه كاليَقَظة، لكن لمَّاً رأى مِثالاً كَشَفَه التَّعبير دلَّ على أنَّه كان مَناماً. قوله: ((وإنّ انطَلَقْت معهما)) زاد جَرِير بن حازم في روايته: ((إلى الأرض المقدَّسة))، وعندَ أحمد (٢٠١٦٥): ((إلى أرضٍ فضاء أو أرضٍ مُستَوية)، وفي حديث عليّ: ((فانطَلَقا بي إلى السماء)). قوله: ((وإنّا أنينا على رجلٍ مُضْطَجِع)) في رواية جَرِير (١): «مُستَلْقٍ على قَفاه)). قوله: (وإذا آخَرُ قائمٌ عليه بصَخْرٍ)) في رواية جَرِير: ((يفهرٍ أو صخرة))، وفي حديث عليٍّ: ((فمَرَرت على مَلَك وأمامه آدميّ، وبيَدِ الملَك صخرةٌ يَضرِب بها هامة الآدميّ)). قوله: (يَهْوي) بفتح أوَّله وكسر الواو، أي: يَسقُط، يقال: هَوى بالفتح يهوي هويّاً: سَقَطَ إلى أسفل، وضَبَطَه ابن التِّين بضمٌ أوَّله من الرُّباعيّ(٢)، ويقال: أهوى من بُعدٍ، وهَوَى- بفتح الواو- من قُربٍ. قوله: (بالصَّخْرةِ لرأسِه فيَتَلَغ)) بفتح أوَّله وسكون المثلَّثة وفتح اللّام بعدَها غَين مُعجَمة، أي: يَشِدَخه، وقد وَقَعَ في رواية جَرِير: (فيَشدَخ))، والشَّدخُ: كسر الشَّيء الأجوف. قوله: ((فَيَتَدَهْدَه الحجر)) بفتح المهمَلتَينِ بينهما هاء ساكنة، وفي رواية الكُشمِيهنيّ: ((فِيَتَدَأْدَأ)» بهمزَتَينِ بدلَ الهاءَين، وفي رواية النَّسَفيِّ وكذا هو في رواية جَرِير بن حازم(٣): ((فِيَتَدَهدَا)) بهاءٍ ثُمَّ همزة، وكلٌّ بمعنَى. والمراد أنَّه دَفَعَه من عُلوٍّ إلى أسفل، وتَدَهدَهَ: إذا انحَطَّ، والهمزة تُبدَل من الهاء كثيراً، وتَدَأْدَاً: تَدَحرَجَ، وهو بمعناه. (١) عند أحمد (٢٠١٦٥). (٢) هذه رواية أبي ذرِّ الهروي كما في هامش اليونينية. (٣) عند أحمد (٢٠١٦٥). ٥٤٩ باب ٤٨/ح ٧٠٤٧ كتاب التعبير قوله: ((هاهُنا)) أي: إلى جهة الضّارب. قوله: ((فَيَتَبَع الحجرَ)) أي: الذي رَمَى به «فيأْخُذُه) في رواية جَرِير: «فإذا ذهب ليأخُذَه)). قوله: ((فلا يَرجِع إليه)) أي: الذي شَدَخَ رأسَه. قوله: ((حتَّى يَصِحّ رأسه)) في رواية جَرِير: ((حتَّى يَلَئِّم))، وعندَ أحمد: ((عادَ رأسه كما كان))، وفي حديث عليّ: ((فيقع دِماغه جانباً وتَقَعُ الصَّخرة جانباً)). قوله: ((ثمَّ يعودُ عليه)» في رواية جَرِير: ((فيعود إليه)). قوله: ((مِثْل ما فعل به مرَّة الأُولى)) كذا لأبي ذرِّ والنَّسَفيِّ(١)، ولغيرهما وكذا في رواية النَّضر ابن شُمَيلٍ عن عَوف عندَ أبي عَوَانة: ((المرّة الأولى))، وهو المراد بالرّواية الأُخرى، وفي رواية جَرِير: ((فيصنع مِثل ذلك)). قال ابن العربيّ: جُعِلَت العُقوبة في رأس هذا لِنَومِهِ (٢) عن الصلاة، والنَّوم موضعه الرَّأس. قوله: (انطَلِقِ انطَلِقٍ)) كذا في المواضع كلّها بالتكرير، وسَقَطَ في بعضها التكرار لبعضِهم، ٤٤٢/١٢ وأمَّا في رواية جَرِير فليس فيها سبحان الله، وفيها: ((انطَلِقٍ)) مرَّةً واحدةً. قوله: ((فانطَلَقْنا فأتينا على رجلٍ مُستَلْقٍ لِقَفاه، وإذا آخَرُ قائمٌ عليه بكلّوبٍ من حديد)» تقدَّم في الجنائز (١٣٨٦) ضبط الكَلّوب وبيان الاختلاف فيه، ووَقَعَ في حديث عليّ: «فإذا أنا بمَلَكِ وأمامه آدميّ، وبيَدِ الملَك كَلّوبٌ من حديد فيَضَعه في شِدقه(٣) الأيمَنْ فِيَشُقّه)) الحديثَ. قوله: ((فيُشَرْشِر شِدْقَه إلى قَفاه) أي: يَقطَعه شَقّاً، والشِّدق: جانب الفَم، وفي رواية جَرِير (٤): ((فُيُدخِلَه في شِدْقِهِ(٥)، فيَشُقّه حتَّى يَبلُغَ قَفاه))(٦). (١) يعني على إضافة الموصوف إلى الصفة، وهو كثير عند العرب. انظر ((شواهد التوضيح)) لابن مالك ص١٩٣. (٢) تحرَّف في (س) إلى: هذه النومة. (٣) تحرَّف في الأصلين إلى: شقه. (٤) عند أحمد (٢٠١٦٥). (٥) تحرَّف في الأصلین و(س) إلى: شقه. (٦) تحرَّف في الأصلین إلى: فاه. ٥٥٠ باب ٤٨/ح ٧٠٤٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((ومَنْخِره)) كذا بالإفرادِ، وهو المناسب، وفي رواية جَرِير(١): ((ومِنخَرَيه)) بالتَّثنية. قوله: ((قال: ورُبَّما قال أبو رَجاء: فيَشُقّ)) أي: بدلَ: ((فيُشَرِشِر))، وهذه الزّيادةُ ليست عندَ محمَّد بن جعفر(٢). قوله: (ثُمَّ يَتَحوَّل إلى الجانب الآخَر)) إلى آخره، اختَصَرَه في رواية جَرِير بن حازم(٣)، ولفظه: ((ثُمَّ يُخْرِجه، فيُدخِله في شَدْقه الآخر، ويَلِم هذا الشِّدْقُ(٤)، فهو یفعل ذلك به). قال ابن العربيّ: شَرشَرة شِدق الكاذب إنزال العقوبة بمَحَلِّ المعصية، وعلى هذا تجري العُقوبة في الآخرة بخِلَاف الدُّنيا. ووَقَعَت هذه القصَّة مُقدَّمة في رواية جَرِير على قصَّة الذي يُشدَخ رأسُه. قال الكِرْمانيُّ: الواو لا تُرِتِّب، والاختلاف في كونه مُستَلقياً وفي الأُخرى مُضطَجِعاً، والآخر كان جالساً وفي الأُخرى قائماً، مُحمَل على اختلاف حال كلّ منهما. قوله: ((فأتينا على مِثْلِ التَّنّور)) في رواية محمَّد بن جعفر: ((مِثل بناء التَّنَّور))، زاد جَرِير (١٣٨٦): ((أعلاه ضَيِّق وأسفله واسع، يتوقَّد(٥) تحته ناراً)) كذا فيه بالنَّصب، ووَقَعَ في رواية أحمد (٢٠١٦٥): ((تَتَوقَّد تحته نار)) بالرَّفع، وهي رواية أبي ذرٍّ، وعليها اقتَصَرَ الحميديُّ في ((جمعه)) وهو واضح. وقال ابن مالك في كلامه على مواضع من البخاريّ: ((يتوقَّد تحته ناراً)) بالنَّصبِ على التَّمييز، وأسنَدَ ((يتوقَّد)) إلى ضميرٍ عائدٍ على ((النقب))(٦)، كقولِك: مَرَرت بامرأةٍ يَتَضَوَّع من أردانها طيباً، والتَّقدير: يَتَضَوَّع طيب من أردانها، فكأنَّه قال: تتوقَّد ناره تحته، فيَصِحّ نصب نار على التَّمييز، قال: ويجوز أن يكون فاعل يتوقَّد موصولاً بتحته، فحُذِفَ (١) بل في رواية محمد بن جعفر عن عوف عند أحمد (٢٠٠٩٤). (٢) لا ندري ما وجه تخصيص ذكر محمد بن جعفر هنا، فهذه الزيادة لم ترد عند غير البخاري أصلاً. (٣) عند أحمد (٢٠١٦٥). (٤) تحرَّف في الأصلين و(س) إلى: شقه، الشق. (٥) تحرَّف في الأصلين و(س) إلى: يوقد، بمثناةٍ واحدة، وإنما هو بمثناتين. (٦) هذه اللفظة في رواية جرير التي يشرح عليها، وقد تحرفت في (أ) إلى: النعت، وفي (ع) إلى: التعب. ٥٥١ باب ٤٨/ح ٧٠٤٧ كتاب التعبير ويَقِيَت صِلَته دالّةً عليه لوضوح المعنى، والتَّقدير: يَتَوقَّد الذي تحته ناراً، وهو على التَّمييز أيضاً، وذَكَرَ لحذفِ الموصول في مثل هذا عِدّة شواهد. قوله: ((وأحسبُ أنَّه كان يقول: فإذا فيه لَغَط وأصوات)) في رواية جَرِير: («تَقْبٌ قد بُنيَ بناء التَّنّور(١)، وفيه رجالٌ ونساءٌ)). قوله: ((وإذا هم يأتيهم لهبٌ من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهَب ضَوْضَوْ)) بغير همزة للأكثر، وحُكِيَ الهمز، أي: رَفَعوا أصواتهم مُختَلِطة، ومنهم مَن سَهَّلَ الهمزة، قال في ((النّهاية)): الضَّوضاة: أصوات الناس ولَغَطهم. وكذا الضَّوضَى بلا هاء مقصور، وقال الحميديُّ: المصدر بغير همز، وفي رواية جَرِير (١٣٨٦): «فإذا اقتَرَبَت ارتَفَعوا حتَّى كادوا أن يَخْرُجوا، فإذا خَدَت رجعوا))، وعندَ أحمد (٢٠١٦٥): (فإذا أُوقِدَت)) بدلَ ((اقْتَرَبَت)). قوله: ((فأتينا على نَهرِ - حَسِبْت أنَّه كان يقول : أحمرَ مِثْلِ الدَّم» في روایة جَرِیر بن حازم (١٣٨٦): ((على شَهْرٍ من دَمِ))، ولم يَقُل: حَسِبت. قوله: ((سابِحٌ يَسْبَح)) بفتح أوَّله وسكون المهمَلة بعدَها موخَّدة مفتوحة ثمَّ حاء مُهمَلة، أي: يعوم. قوله: ((يَسْبَحُ(٢) ما سَبَحَ))(٣) بِفتحَتَينِ والموحّدة خفيفةٌ. قوله: ((ثمَّ يأتي ذلك الذي)) فاعل ((يأتي)) هو السابح. و((ذلك)) في موضع نصب على المفعوليَّة. قوله: ((فِيَفْغَر)) بفتح أوَّله وسكون الفاء وفتح الغَين المعجمة بعدَها راء، أي: يَفتَحه، وزنه و معناه. (١) كذا وقعت رواية جرير للحافظ في نسخته من ((مسند أحمد)) (٢٠١٦٥)، وهي قريبة من رواية جرير عند الطبراني (٦٩٩٠)، والبغوي في ((شرح السنة)) (٢٠٥٣)، غير أنه جاء عندهما: بيت، بدل: ثقب. وأما لفظ جرير عند أحمد (٢٠١٦٥) فهو: فإذا بيت مبنيٌّ على بناء التنور، وعند البخاري (١٣٨٦): ثقب مثل التنور. (٢) تحرف في (أ) إلى: سابح، وفي (س) إلى: سبح. (٣) كذا وقعت الرواية للحافظ رحمه الله بالمضارع في الأول والماضي في الثاني، مع أنَّ الذي في اليونينية بالمضارع فیھما دون حکایة خلاف بين رواه البخاري في ذلك. ٥٥٢ باب ٤٨/ح ٧٠٤٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((كلَّما رَجَعَ إليه)) في رواية المُستَمْلي(١): ((كما رَجَعَ إليه ففَغَرَ له فاه))، ووَقَعَ في رواية جَرِير بن حازم (١٣٨٦): «فأقبَلَ الرجل الذي في النَّهَر، فإذا أراد أن يَخْرُجِ رَمَى الرجلَ بحجرٍ في فيه، ورَدَّه حيثُ كان))، ويُجمَع بين الرِّوايتَينِ أنَّه إذا أراد أن يَخْرُج فغَرَ فاه، وأنَّه يُلِقِمُه الحجر بِرَمْيِهِ إيّاه. قوله: ((كَريه المَرْآةٍ)) بفتح الميم وسكون الرَّاء وهمزة ممدودة بعدَها هاءُ تأنيث، قال ابن التِّين: أصله المرأيَة، تَحَرَّكَت الياء وانفَتَحَ ما قبلَها/ فقُلِبَت ألِفاً، وزنه مَفْعَلة. ٤٤٣/١٢ قوله: ((كأكرَه ما أنتَ راءٍ رجلاً مَرْأةً)) بفتح الميم، أي: قبيح المنظَر. قوله: ((فإذا عندَه نار)) في رواية يحيى بن سعيد القَطّان عن عَوف عندَ الإسماعيليّ: ((عندَ نار)». قوله: ((يَحُشّها)) بفتح أوَّله وبضمِّ الحاء المهمَلة وتشديد الشّين المعجمة، من الثَّلاثيّ، وحكى في (المطالع)) ضَمّ أوَّله من الرُّباعيّ، وفي رواية جَرِير بن حازم(٢): ((يَحِشُشها)) بسكونِ الحاء وضمّ الشّين المعجمة المكَرَّرة. قوله: ((وَيَسْعَى حَوْلهَا)) في رواية جَرِير (٣): ((ويوقِدها)) وهو تفسير يحُشّها. قال الجَوْهريّ: حَشَشت النار أحُشُّها حَشّاً: أوقَدتها. وقال في ((التَّهذيب)): حَشَشت النار بالخَطَب: ضَمَمتُ ما تَفَرَّقَ من الخَطَب إلى النار. وقال ابن العربيّ: حَشَّ نارَه: حَرَّكَها. قوله: ((فأتينا على رَوْضة مُعْتِمة)) بضمِّ الميم وسكون المهمَلة وكسر المثنّاة وتخفيف الميم بعدَها هاء تأنيث، ولِبعضِهم بفتح المثنّة وتشديد الميم، يقال: اعتَمَّ النَّبْتُ(٤): إذا اكتَهَلَ، ونخلة عَميمة(٥): طويلة، وقال الدَّاوُودِيُّ: اعتَمَّت الرّوضة: غَطّاها الخِصب. وهذا كلّه على (١) ونسبها أيضاً في اليونينية للحقُّوِيّ. (٢) عند أحمد (٢٠١٦٥). (٣) عند أحمد (٢٠١٦٥). (٤) تصحف في الأصلين و(س) إلى: البيت. (٥) تحرَّف في الأصلين و(س) إلى: عتيمة. ٥٥٣ باب ٤٨/ح ٧٠٤٧ كتاب التعبير الرِّواية بتشديد الميم، قال ابن التِّين: ولا يظهرُ للتَّخفيفِ وجهٌ. قلت: الذي يظهر أنَّه من العَتَمة، وهو شِدّة الظَّلام، فوَصَفَها بشِدّة الخُضرة كقوله تعالى :. ﴿ مُدْهَآَمَتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٤]، وضَبَطَ ابن بَطّال رَوضة مُغِنَّةٌ(١) بكسر الغَين المعجمة وتشديد النّون، ثمَّ نَقَلَ عن ابن دُرَيدٍ: وادٍ أَغَنّ ومُغِنٍّ: إذا كَثُرَ شَجَره، وقال الخليل: روضة غَنّاء: كثيرة العُشب، وفي رواية جَرِير بن حازم: ((روضة خضراء، وإذا فيها شجرة عظيمة)). قوله: ((من كلّ لَوْن الَّبيع)) كذا للأكثر، وفي رواية الكُشمِيهنيّ: (نور)) بفتح الُّون وبراءٍ بدلَ النون (٢)، وهي رواية النَّضر بن شُمَيلٍ عندَ أبي عَوَانة(٣)، والنَّور، بالفتح: الزَّهر. قوله: ((وإذا بين ظَهْرَي الرَّوْضة)) بفتح الرَّاء وكسر الياء التَّحتائيَّة: تثنية ظَهر، وفي رواية يحيى بن سعيد (٤): ((بين ظَهَراني))، وهما بمعنَى، والمراد: وسَطها. قوله: ((رجل طويل)) زاد النَّضر(٥): ((قائمٌ)). قوله: «لا أكاد أَرَى رأسَه طولاً)) بالنَّصبِ على التَّمييز. قوله: ((وإذا حَوْلَ الرجل من أكثر وِلْدانٍ رأيتُهم قَطُّ)) قال الطِّييُّ: أصل هذا الكلام: وإذا حولَ الرجل ولدان ما رأيت ولداناً قَطّ أكثر منهم، ونَظيره قوله بعدَ ذلك: ((لم أرَ رَوْضة قَطُّ أعظَمَ منها))، ولمَّا أن كان هذا التَّركيب يَتَضَمَّنُ معنى النَّفي، جازَت زيادة ((من)) و(قَطّ)) التي تَّخْتَصّ بالماضي المنفي، وقال ابن مالك: جازَ استعمال ((قَطَّ)) في المثبت في هذه الرِّواية، وهو جائز، وغَفَلَ أكثرهم عن ذلك فخَصّوه بالماضي المنفيّ. قلت: والذي وَجَّهَه (١) تحرَّف في الأصلين و(س) إلى: مغنمة. (٢) تحرَّف في (س) إلى: لون. (٣) وهي أيضاً عند ابن حبان (٦٥٥)، وكذلك هي في رواية محمد بن جعفر عن عوف الأعرابي عند أحمد (٢٠٠٩٤). (٤) يعني عند الإسماعيلي، وكذلك هي في رواية محمد بن جعفر عند أحمد (٢٠٠٩٤)، ورواية هوذة عند ابن أبي شيبة ٦٣/١١ - ٦٦. (٥) وكذا محمد بن جعفر عند أحمد. ٥٥٤ باب ٤٨/ح ٧٠٤٧ فتح الباري بشرح البخاري به الطِّييُّ حسن جدّاً، ووجَّهَه الكِرْمانيُّ بأنَّه يجوز أن يكون اكتَفَى بالنَّفي الذي يَلزَم من التَّركيب، إذ المعنى: ما رأيتهم أكثر من ذلك، أو النَّفي مُقدَّر. وسَبَقَ نَظيره في قوله في صلاة الكُسوف (١٠٥٩): ((فصَلَّى بأطولِ قيام رأيته قَطّ)). قوله: ((فقلت لهما: ما هؤلاءِ؟)) في بعض الطّرق: ((ما هذا؟)) وعليها شرح الطِّيبيّ(١). قوله: ((فانتَهَينا إلى رَوْضة عظيمة، لم أرَ رَوْضة قَطّ أعظَمَ منها ولا أحسَنَ، قال: قالا لي: إرقَ، فارَقَيت فيها)) في رواية أحمد (٢٠٠٩٤) والنَّسائيِّ (ك٧٦١١) وأبي عَوَانة والإسماعيليّ: ((إلى دَوحة)) بدلَ ((روضة))، والدَّوحة: الشَّجَرة الكبيرة، وفيه: ((فصَعِدا بي في الشَّجَرة)) وهي التي تُناسب الرُّقيّ والصُّعود. قوله: ((فانتَهَينا إلى مَدينة مَبْنيّة بَيِنِ ذهبٍ ولَبِن فِضّةٍ)» اللَّبِن بفتح اللّام وكسر الموحّدة: جمع لَبِنة، وأصلها: ما يُبنَى به من طين، وفي رواية جَرِير بن حازم (١٣٨٦): ((فأدخَلاني داراً لم أرَ قَطّ أحسنَ منها، فيها رجال شيوخ وشَباب ونساء وصبيان(٢)، ثمَّ أخرَ جاني منها فأدخلاني داراً هي أحسن منها». قوله: ((فَتَلَقّانا فيها رجالٌ شَطْرٌ مِن خَلْقهم)) بفتح الخاء وسكون اللّام بعدَها قاف، أي: هيئتهم، وقوله: ((شَطر)) مُبْتَدَأ و((كأحسنٍ)) الخبر، والكاف زائدة والجملة صِفَة رجال، وهذا الإطلاق يحتمل أن يكون المراد أنَّ نصفهم حسن كلّه ونصفهم قبيح كلّه، ويحتمل أن يكون كلّ واحد منهم نصفه حسن ونصفه قبيح، والثّاني هو المراد، ويُؤيِّده قولهم في صِفَته: ((هؤلاءِ قوم خَلَطوا)» أي: عَمِلَ كلّ منهم عملاً صالحاً، وخَلَطَه بَعَمَلٍ سَبِّئ. ٤٤٤/١٢ قوله: ((فقَعُوا في ذلك النَّهر)) بصيغة فعل الأمرِ بالوقوع، والمراد أنَّهم يَنغَمِسونَ فيه لِتُغْسَلَ (١) الذي في رواية الطيبي ٩/ ٣٠١٣: ((ما هذا؟ ما هؤلاء)» بذكرهما معاً، قال: ((هذا)» إشارة إلى الرجل الطويل، و((هؤلاء)) إلى الولدان. قلنا: وقد ثبتا كذلك في الأصل الخطي الذي بين أيدينا برواية أبي ذر الهرويّ، مع أنه أُشير في اليونينية إلى أنهما ثابتان لغير أبي ذر الهرويّ، وأنَّ رواية الهرويّ بسقوط اسم الإشارة الأول، فلعله ثبت في بعض الأصول التي برواية أبي ذرِّ دون بعضها، والله أعلم. (٢) تحرَّف في (أ) إلى: قينات، وفي (س) إلى: فتيان، وسقط من (ع). ٥٥٥ باب ٤٨/ ح ٧٠٤٧ كتاب التعبير تلك الصِّفةُ بهذا الماء الخالص(١). قوله: (فَهَر مُعتَّرِض)) أي: يَجري عَرضاً. قوله: ((كأنَّ ماءَه المَحْضُ)) بفتح الميم وسكون المهمَلة بعدَها ضاد مُعجَمة: هو اللَّبَن الخالص عن الماء حُلواً كان أو حامضاً، وقد بيَّن جهة التَّشبيه بقوله: ((من البياض))، وفي رواية النَّسَفيِّ والإسماعيليّ: ((في البياض)). قال الطِّيبِيّ. كأنَهم سَمَّوا اللَّبَن بالصِّفة، ثمّ استُعمِلَ في كلّ صافٍ، قال: ويحتمل أن يُراد بالماءِ المذكور: عَفو الله عنهم أو التَّوبة منهم، كما في الحديث: ((اغسِل خَطاياي بالماءِ والثَّلج والبَرَد))(٢). قوله: ((ذهب ذلك السّوء عنهم)) أي: صارَ الشَّطْرُ القبيحُ كالشَّطْرِ الحسن، فلذلك قال: ((وصاروا في أحسن صورة». قوله: ((قالا لي: هذه جَنّ عَدْن)) يعني: المدينةَ. قوله: ((فسَما)) بفتح السّين المهمَلة وتخفيف الميم، أي: نظرَ إلى فوق. وقوله: ((صُعُداً)) بضمِّ المهمَلتَين، أي: ارتَفَعَ كثيراً، وضَبَطَه ابن الِّين بفتح العين(٣) واستَبَعَدَ ضَمّها. قوله: ((مِثْلُ الرَّبابة)) بفتحِ الرَّاء وتخفيف الموخَّدتَينِ المفتوحَتَين، وهي السَّحابة البيضاء، ويقال لكلِّ سحابة مُنفَرِدة دونَ السَّحاب، ولو لم تكن بيضاء، وقال الخطَّبيُّ: الرّبابة: السَّحابة التي رُكِّبَ بعضها على بعض، وفي رواية جَرِير (١٣٨٦). ((فَرَفَعت رأسي فإذا فوقي (٤) [مثل](٥) السَّحاب)). (١) تحرَّف في (س) إلى: الخاص. (٢) تقدم برقم (٧٤٤) من حديث أبي هريرة. (٣) بينه العيني، فقال: بضم الصاد وفتح العين المهملتين وبالمدّ، قال: ومنه: تنفس الصُّعَداء. قلنا: وذكر عياض في ((المشارق)) ٢ / ٤٨ أنَّ الأصيلي ضبطه كذلك. قال: والأول هنا أظهر. (٤) تحرَّف في (ع) إلى: فإذا هو السحاب، وفي (س) إلى: فإذا هو في السحاب، وسقط من (أ). (٥) لفظة ((مثل)) ثبتت في اليونينية دون حكاية خلاف في إثباتها، وبها يتم المعنى ويستقيم. ٥٥٦ باب ٤٨/ح ٧٠٤٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((ذَراني فأدخُلَه، قالا: أمَّا الآنَ فلا، وأنتَ داخلُهُ)) في رواية جَرِير بن حازم: ((فقلت: دَعاني أدخُل مَنزِلي، قالا: إنَّه بَقِيَ لك عمر لم تَستَكمِلْه، ولو استَكمَلتَه أَتَيتَ مَنزِلَك)). قوله: «فإنّ رأيت منذُ اللَّيلةِ عَجَباً، فما هذا الذي رأيتُ؟ قالا: أما)) بتخفيفِ الميم ((إنّا سَنُخْبِرُك)) في رواية جَرِير (١٣٨٦): «فقلت: طَوَّفتُما بي اللَّيلة - وهي بموخَّدةٍ، ولبعضِهم بنونٍ - فأخِراني عمّا رأيتُ، قالا: نعم)). قوله: ((فيَرْفِضه)) بكسر الفاء، ويقال: بضمِّها، قال ابن هُبَيرة: رَفْض القرآن بعد حفظه چِناية عظيمة، لأنَّه يُوهم أنَّه رأى فيه ما يُوجِب رَفضه، فلمَّا رَفَضَ أشرَفَ الأشياء وهو القرآن، عوقِبَ في أشرَفِ أعضائه، وهو الرَّأس. قوله: ((وينام عن الصلاة المكتوبة)) هذا أوضَح من رواية جَرِير بن حازم بلفظ: ((عَلَّمَه الله القرآن، فنامَ عنه باللَّيلِ ولم يعمل فيه بالنَّهار))، فإنَّ ظاهره أنَّه يُعذَّب على تَرك قراءة القرآن باللَّيل، بخِلَاف رواية عَوف، فإنَّه على ترك الصلاة المكتوبة، ويحتمل أن يكون التَّعذيب على مجموع الأمرَين: تَرك القراءة وتَرك العمل. قوله: ((يَغْدو من بيتِهِ)) أي: يَخْرُجُ منه مُبَكِّراً. قوله: ((فِيَكذِب الكَذْبة تَبلُغ الآفاقَ)» في رواية جَرِير بن حازم: «فكذوب يُحدِّث بالكَذبة تُحمَل عنه، حتى تبلُغ الآفاق، فيُصنَع به إلى يوم القيامة))، وفي رواية موسى بن إسماعيل في أواخر الجنائز: ((والرجل الذي رأيته يُشَقّ شِدقُه فكذّاب))(١). (١) كذا وقعت هذه العبارة في (س)، وسقط من الأصلين من قوله: ((في رواية جرير بن حازم)) إلى قوله: («تبلغ الآفاق» فأوهم أنَّ قوله بعد ذلك: «فیُصنع به إلى يوم القيامة» ثابت في روایة الباب هنا، ولیس كذلك، والذي وقع في (س) قد حصل فيه تقديم وتأخير وإبهام، لأنَّ لفظ رواية جرير المتقدمة: ((أما الذي رأيته يُشَقّ شِدقه فكذاب يحدث بالكذبة فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق، فيُصنع به إلى يوم القيامة)) كذلك هي رواية جرير دون خلاف بين رواة البخاري حسب ما في اليونينية، وموسى بنُ إسماعيل إنما يرويه هناك عن جرير بن حازم، وعبارة (س) توهم المغايرة، والله الموفق. ٥٥٧ .. باب ٤٨/ح ٧٠٤٧ كتاب التعبير قال ابن مالك: لا بُدَّ من جَعْل الموصول(١) الذي هنا للمُعيَّنِ كالعامّ، حتَّى جازَ دخول الفاء في خبره، أي: المراد هو وأمثاله. كذا نَقَلَه الكِرْمانيّ، ولفظ ابن مالك في هذا شاهد على أنَّ الحُكم قد يَسْتَحِقّ بجُزءِ العِلّة، وذلك أنَّ المبتدَأ لا يجوز دخول الفاء على خبره إلّا إذا كان شبيهاً بمَن الشَّرطيَّة في العموم، واستقبال ما يَتِمّ به المعنى، نحو: الذي يأتيني فمُكرَم، لو كان المقصود بـ(الذي)) مُعيَّناً زالَت مُشابَهَتَه بـ((مَن)) وامتَنَعَ دخول الفاء على الخبر، كما يمتنع دخولها على أخبار المبتَدَآت المقصود بها التَّعيين، نحو: ((زيد فمُكرَم)) لم يَجُزُ، وكذا لا يجوز(٢) ((الذي يأتيني)) إذا قَصَدت به مُعيَّناً، لكنَّ ((الذي يأتيني))(٣) عندَ قصد التَّعيين شبيه في اللَّفظ بـ(الذي يأتيني)) عندَ قصد العموم، فجازَ دخول الفاء حَمَلاً للشَّبيه على الشَّبيه. ونَظِيره قوله تعالى: ﴿ وَمَآ أَصَبَكُمْ يَوْمَ اُلْتَفَى الْجَمْعَانِ فَإِذْنِ اَللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٦]، فإنَّ مَدلول ((ما)» مُعيَّن، ومَدلول ((أصابكم)) ماضٍ، إلّا أنَّه رُوعيَ فيه الشَّبَهُ اللَّفظيّ، لشَبَه هذه الآية بقوله تعالى: ﴿ وَمَآ أَصَبَكُمْ مِّن قُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] فَأُجريا(٤) في مُصاحبة الفاء مجرّی واحداً. انتهى. قال الطِّيبيُّ: هذا كلام مَتين، / لكن جواب الملَكَينِ تفصيل لتلكَ الرُّؤيا المتعَدِّدة المبهمة، ٤٤٥/١٢ لا بُدَّ من ذِكْر كلمة التَّفصيل أو تقديرها، فالفاء جواب أما، ثمَّ قال: والفاء في قوله ((فأولاد الناس)) (٥) جازَ دخولها على الخبر، لأنَّ الجملة معطوفة على مَدخول ((أمّا)) في قوله: ((أمَّا الرجل))، وقد تُحذَف الفاء في بعض المحذوفات نظراً إلى أنَّ ((أمَّا)) لمَّا حُذِفَت حُذِفَ مُقتَضاها، وكلاهما جائز، وبالله التَّوفيق. وقوله: ((تُحمَل)) بالتَّخفيفِ للأكثر، ولبعضِهم بالتَّشديد، وإنَّما استَحَقَّ التَّعذيب لما يَنشَأ عن (١) تحرَّف في الأصلين و(س) إلى: الموصوف وإنما أراد الاسم الموصول الذي هنا، وهو ((الذي)) وانظر ((شواهد التوضیح)) لابن مالك ص١٨٤ . (٢) في (س): فكذا الذي لا يجوز، بإقحام لفظة ((الذي)). (٣) تحرَّف في الأصلین و (س) إلى: یبنی. (٤) تحرَّف في الأصلين و(س) إلى: فأجري ما. (٥) قوله: ((فأولاد الناس)) وقوله: ((تحمل)) وردا في رواية جرير المتقدمة برقم (١٣٨٦). ٥٥٨ باب ٤٨/ح ٧٠٤٧ فتح الباري بشرح البخاري تلك الكذبة من المفاسد، وهو فيها مُختار غير مُكرَه ولا مُلْجَأ. قال ابن هُبَيرة: لمَّا كان الكاذب يُساعد أنفُه وعينُه لسانَه على الكذب بتَرويجِ باطله، وَقَعَت المشارَكة بينهم في العُقوبة. قوله: ((في مِثْل بناءِ الثَّورِ)) في رواية جَرِير: ((والذي رأيته في النَّقْب)). قوله: ((فهم الزُّناة)) مُناسَبة العُرْي لهم لاستحقاقهم أن يُفضَحوا، لأنَّ عادتهم أن يَسْتَتِروا في الخلوة فعوقِبوا بالهَتْك، والحكمة في إتيان العذاب من تحتِهم كَونُ چِنايتهم من أعضائهم السُّفلَى. قوله: ((فإنَّه آكِل الرِّبا)) قال ابن هُبَيرة: إنَّمَا عوقِبَ آكِلِ الرِّبا بسِباحَتِه في النَّهَر الأحمر وإلقامه الحجارةَ لأَنَّ أصل الرِّبا يَجري(١) في الذَّهَب، والذَّهَب أحمر، وأمَّا إلقام الملك له الحجر فإنَّه إشارة إلى أنَّه لا يُغني عنه شيئاً، وكذلك الرِّبا، فإنَّ صاحبه يَتَخَيَّل أنَّ ماله يزداد والله من ورائه يَمحقُهُ. قوله: ((الذي عندَ النار)) في رواية الكُشمِيهنيّ: ((عندَه النار)). قوله: ((خازِن جَهَنَّم) إنَّما كان كَريه الرُّؤية لأنَّ في ذلك زيادةً في عذاب أهلِ النار. قوله: ((وأمَّ الرجل الطّويل الذي في الرَّوْضة، فإنَّه إبراهيم)) في رواية جَرِير: ((والشَّيخ في أصل الشَّجَرة إبراهيم))، وإنَّما اختُصَّ إبراهيم لأنَّه أبو المسلمين، قال تعالى: ﴿مِّلَّةَ أَبِّكُمْ إِنَّهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِنََّهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ الآية [آل عمران: ٦٨]. قوله: ((وأمَّا الوِلْدان الذينَ حَوْلَه فكلّ مولود ماتَ على الفِطْرة)» في رواية النَّضر بن شُمَيلِ: «وُلِدَ على الفِطْرة))، وهي أشبهَ بقولِه في الرِّواية الأُخرى: ((وأولاد المشرِكِينَ))، وفي رواية جَرِير: ((فأولاد الناس))، لم أرَ ذلك إلّا في هذه الطَّريق، ووَقَعَ في حديث أبي أُمامةَ الذي نبّهت عليه في أوَّل شرح هذا الحديث: ((ثُمَّ انطَلَقنا فإذا نحنُ بجَوارٍ وغِلمان يَلعَبونَ بين نَهَرَين، فقلت: ما هؤلاءِ؟ قال: ذُرِيَّة المؤمنينَ))(٢). (١) تحرَّفت العبارة في الأصلين إلى: لأن أصل مجرى. (٢) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٧٦٦٦). ٥٥٩ باب ٤٨/ح ٧٠٤٧ كتاب التعبير قوله: ((فقال بعضُ المسلمين) لم أقِفْ على اسمِه. قوله: ((وأوْلاد المشركينَ؟)) تقدَّم البحثُ فيه مُستَوقَى في أواخر الجنائز (١٣٨٦)، وظاهره أَنَّهَ وَّهِ الحَقَهم بأولادِ المسلمين في حُكم الآخرة، ولا يعارض قوله: ((هم من آبائهم))(١)، لأنَّ ذلك حُكم الدُّنيا. قوله: ((وأمَّا القوم الذينَ كانوا شَطْراً منهم حَسَنٌ، وشَطْراً منهم قبيحٌ)) كذا في الموضعين بنصبٍ (شَطرا)) ولغير أبي ذرٍّ: ((شَطرٌ)) في الموضعين بالرَّفع، وحسناً وقبيحاً بالنَّصبِ، ولكلٍّ وجهٌ، وللنَّسَفيِّ والإسماعيليّ بالرَّفع في الجميع، وعليه اقتَصَرَ الْحُميديُّ في ((جَمْعه)). و((كان)) في هذه الرِّواية تامّة، والجملة حاليَّة. وزاد جَرِير بن حازم في روايته: «والدّار الأولى التي دَخَلتَ دارُ عامّة المؤمنين، وهذه الدّار دار الشُّهَداء، وأنا جِبْريل وهذا ميكائيل))، وفي حديث أبي أمامةَ: ((ثمَّ انطَلَقنا فإذا نحنُ برجالٍ ونساء أقبَح شيء مَنظَراً وأنتَنُه ريحاً كأنَّما ريحُهم المراحيض، قلت: ما هؤلاءِ؟ قال: هؤلاءِ الزَّواني والزُّناة. ثمَّ انطَلَقنا فإذا نحنُ بموتَى أشدَّ شيء انتفاخاً وأنتَنَه ريحاً، قلت: ما هؤلاءِ؟ قال: هؤلاءِ مونَى الكفَّار. ثمَّ انطَلَقنا فإذا نحنُ برجالٍ نيام تحت ظِلال الشَّجَر، قلت: ما هؤلاءِ؟ قال: هؤلاءِ موتَى المسلمين. ثمَّ انطَلَقنا فإذا نحنُ برجالٍ أحسن شيء وجهاً وأطيبه ريحاً، قلت: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاءِ الصِّدّيقونَ والشُّهَداء والصالحونَ))(٢) الحدیث. وفي هذا الحديث من الفوائد أنَّ الإسراء وَقَعَ مِراراً يَقَظةً ومَناماً على أنحاء شَتَّى. وفيه أنَّ بعض العُصاة يُعذَّبونَ في البَرَزَخ. وفيه نوع من تلخيص العلم، وهو أن يجمع القضايا جملة ثمَّ يُفسِّرها على الولاء ليَجتَمِعَ تَصَوُّرها في الذِّهن. والتَّحذير من النَّوم عن الصلاة (١) انظر ما سلف برقم (٣٠١٣). (٢) وزاد في الرواية الأخرى التي قدّمنا ذكرها من حديث أبي أمامة عند ابن خزيمة (١٩٨٦) وابن حبان (٧٤٩١) وغيرهما: «ثم انطلق بي فإذا أنا بنساء تَنْهَشُ تُدِيَّهُنَّ الحياتُ، قلتُ: ما بالُ هؤلاء؟ قال: هؤلاء يمنعن أولادَهنَّ ألبانَهُنَّ». ٥٦٠ باب ٤٨/ح ٧٠٤٧ فتح الباري بشرح البخاري ٤٤٦/١٢ المكتوبة، وعن رَفض القرآن/ لمن يحفظه. وعن الزِّنا وأكل الرِّبا وتَعَمُّد الكذب. وأنَّ الذي له قصر في الجنَّة لا يُقيم فيه وهو في الدُّنيا بل إذا ماتَ، حتَّى النبيّ والشَّهيد. وفيه الحثّ على طلب العلم واتِّباع مَن يُلتَمَس منه ذلك. وفيه فضل الشُّهَداء، وأنَّ منازِلهم في الجنَّة أرفَعُ المنازِل، ولا يلزم من ذلك أن يكونوا أرفَع درجةً من إبراهيم عليه السلام، لاحتمال أنَّ إقامته هناك بسببٍ كَفَالَته الولدانَ، ومنزلته هو في المنزلة التي هي أعلى من منازِل الشُّهَداء، كما تقدَّم في الإسراء (١): أنَّه رأى آدم في السماء الدُّنيا، وإنَّما كان كذلك لكَونِه يرى نَسَم بنيه من أهل الخير ومن أهل الشّ، فَيَضحَك ويبكي مع أنَّ مَنزِلَته هو في عِلّين، فإذا كان يومُ القيامة استَقَرَّ كلّ منهم في مَنْزِلَته. وفيه أنَّ مَن استَوت حسناته وسَيِّئاته يَتَجاوز الله عنهم، اللهمَّ تَجاوز عَنّا برحمتك يا أرحَم الرَّاحِمينَ. وفيه أنَّ الاهتمام بأمرِ الرُّؤيا والسؤال عنها وفضل تَعبيرها، واستحباب ذلك بعدَ صلاة الصُّبح، لأنَّه الوقت الذي يكون فيه البالُ مُجْتَمِعاً. وفيه استقبال الإمام أصحابَه بعدَ الصلاة إذا لم يكن بعدَها راتبة، وأراد أن يَعِظهم أو يُفتيهم أو يحكم بينهم، وفيه أنَّ استدبار القِبْلة للإقبال عليهم لا يُكرَه بل يُشرَع کالخطيب. قال الكِرْمانيُّ: مُناسَبة العُقوبات المذكورة فيه للجنايات ظاهرة إلّا الزُّناة ففيها خفاء، وبيانه أنَّ العُرْي فضيحة كالزِّنا، والزّاني من شأنه طلب الخَلوة فناسَبَ التَّنّور، ثمَّ هو خائف حَذِر حالَ الفعل كأنَّ تحته النار. وقال أيضاً: الحكمة في الاقتصار على مَن ذُكِرَ من العُصاة دونَ غيرهم أنَّ العُقوبة تتعلَّق بالقولِ أو الفعل، فالأوَّل على وجود ما لا ينبغي منه أن يقال، والثّاني إمّا بَدَنيٌّ وإمّا ماليّ، فذُكر لكلِّ منهم مِثالٌ يُبَّه به على مَن عَداه، كما نُبِّهَ بمَن ذُكِرَ من أهل الثَّواب وأنَهم أربع درجات: دَرَجات النبيّ، ودَرَجات الأُمّة، أعلاها: الشُّهَداء، وثانيها: مَن بَلَغَ، وثالثها: مَن كان دونَ البلوغ. انتهى ملخَّصاً. (١) عند شرح الحديث (٣٨٨٧).