النص المفهرس
صفحات 461-480
٤٦١ باب ١٩/ ٧٠١٠ كتاب التعبير قوله: ((وفي أسفلها مِنْصَف)) تقدَّم ضبطُه في المناقب. قوله: ((والمِنْصَف: الوصيف)) هذا مُدرَج في الخبر، وهو تفسير من ابن سِيرِين بدليلٍ قوله في رواية مسلم: فجاءني مِنصَف - قال ابن عَون: والمِنصَف: الخادِم - فقال بشيابي من خَلف - ووَصَفَ أنَّه رَفَعَه من خلفه بيده۔۔ قوله: ((فَرَقِيت)) بكسر القاف على الأفصَح ((فاستَمْسَكْت بالعُرْوِ))(١) زاد في رواية المناقب: فَرَقِيت حتَّى كنتُ في أعلاها، فأخذت بالعُرْوة، فاستَمسَكتُ، فاستَقَظتُ وإِنَّهَا لَفي یدي. ووَقَعَ في رواية خَرَشة: حتَّى أتى بي عَموداً رأسُه في السماء وأسفلُه في الأرض، في أعلاهُ حَلقةٌ، فقال لي: اصعَد فوقَ هذا، قال: قلت: كيف أصعَد؟ فأخَذَ بَيَدِي فَزَجَلَ بي - وهو بزايٍ وجيم، أي: رَفَعَني - فإذا أنا مُتعلِّق بالخَلْقة، ثمَّ ◌ُرِبَ العَمودُ، فخَرَّ وبَقيتُ مُتعلِّقاً بالحلقة حتَّى أصبحتُ. وفي رواية خَرَشة / أيضاً زيادة في أوَّل المنام ولفظه: إنّي بينما ٣٩٩/١٢ أنا نائم إذ أتاني رجل فقال لي: قُم، فأخَذَ بَيَدي فانطَلَقتُ معه، فإذا أنا بجَوادّ - بجيمٍ ودال مُشدَّدة، جمع جادّة: وهي الطّريق المسلوكة - عن شِمالي، قال: فأخذتُ لِآَخُذَ فيها - أي: أسير - فقال: لا تأخُذ فيها، فإنَّها طرق أصحاب الشِّمال. وفي رواية النَّسائيِّ من طريقه: فبينا أنا أمشي إذ عَرَضَ لي طريقٌ عن شِمالي، فأردتُ أن أسلُكها، فقال: إنَّك لست من أهلها. رَجَعَ إلى رواية مسلم قال: وإذا مَنهَجٌ على يميني، فقال لي: خُذ هاهنا، فأتى بي جبلاً، فقال لي: اصعَد، قال: فجَعَلت إذا أردتُ أن أصعَد خَرَرتُ، حتَّى فعَلت ذلك مِراراً. وفي رواية النَّسائيِّ وابن ماجَهْ: جبلِ زَلَقٍ، فأخَذَ بَيَدِي فَجَلَ بي، فإذا أنا في ذُروته، فلم أتقارَّ ولم أتماسَك، وإذا عَمودُ حديدٍ في ذِروته حلقة من ذهب، فأخَذَ بَيَدِي فَزَجَلَ بي حتَّى أخذت بالعُرْوة، فقال: استَمسِك، فاستَمسَكتُ، قال: فضَرَبَ العَمودَ بِرِجِلِه فاستَمسَكتُ بالعُرْوة. (١) هذا لفظ رواية ابن عون الآتية برقم (٧٠١٤)، وأما لفظ الرواية هنا فهو: حتى أخذتُ بالعُروة. ٤٦٢ باب ١٩/ح ٧٠١٠ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((فَقَصَصْتُها على رسول الله ◌َّةِ، فقال رسول الله وَّه يموت عبدُ الله وهو آخِذٌ بالعُرْوِ الوُثْقَى)) زاد في رواية ابن عَوْن (١): فقال: «تلكَ الرَّوضة رَوضةُ الإسلام، وذلك العَمود عَمود الإسلام، وتلكَ العُرْوة ◌ُعُرْوة الوُثقَى، لا تَزال مُستَمسِكاً بالإسلام حتَّى تموت)). وزاد في رواية خَرَشة عندَ النَّسائيِّ وابن ماجَهْ: فقال: ((رأيتَ خيراً، أمَّا المنهَج فالمحشَر، وأمَّا الطَّريق))(٢)، وفي رواية مسلم: فقال: ((أمَّا الطّرق التي عن (٣) يَسارك فهي طرق أصحاب الشِّمال، والطّرق التي عن يمينك طرق أصحاب اليمين))، وفي رواية النَّسائيّ(٤): ((طرق أهل النار)) و((طرق أهل الجنَّة))، ثمَّ اتَّفَقا: ((وأمَّا الجبل فهو مَنزِل الشُّهَداء))، زاد مسلم: ((ولن تَنالَه، وأمَّا العَمود ... )) إلى آخره، وزاد النَّسائيُّ وابن ماجَهْ في آخره: فأنا أرجو أن أكون من أهلها. وفي الحديث مَنْقَبة لعبد الله بن سَلَام، وفيه من تَعبير الرُّؤيا معرفة اختلاف الطُّرق، وتأويل العَمُودِ والجبل والرَّوضة الخضراء والعُرْوة، وفيه من أعلام النَّبّة أنَّ عبد الله بن سَلَام لا يموت شهيداً، فوَقَعَ كذلك، ماتَ على فِراشه في أوَّل خلافة معاوية بالمدينة. ونَقَلَ ابن التِّين عن الدَّاوُوديّ: أنَّ القوم إنَّما قالوا في عبد الله بن سَلَام: إنَّه من أهل الجنَّة، لأنَّه كان من أهل بدر. كذا قال، والذي أورَدتُه من طرق القصَّة يدلّ على أنَّهم إِنَّا أخَذوا ذلك من قوله لمَّا ذكَر طريق الشِّمال: ((إنَّك لستَ من أهلها))، وإنَّما قال: ما كان ينبغي لهم أن يقولوا ما ليس لهم به عِلمٌ، على سبيل التَّواضُع كما تقدَّمَ، وكراهة أن يُشار إليه بالأصابع خَشْية أن يَدخُله العُجْب، ثمَّ إِنَّه ليس من أهل بدر أصلاً، والله أعلم. (١) الآتية برقم (٧٠١٤)، وكذلك روايته المتقدمة في المناقب، إلّا أنه قال هناك آخر الحديث: ((فأنت على الإسلام حتى تموت)). (٢) كذا جاء الكلام مقطوعاً في الأصلين و(س)، وتمامه في رواية ابن ماجه والنسائي: ((وأما الطريق التي عرضت عن يسارك فطريق أهل النار، ولستَ من أهلها، وأما الطريق التي عرضت عن يمينك فطريق أهل الجنة)). (٣) في رواية مسلم في الموضعين: ((التي رأيتَ عن)) بزيادة لفظة «رأيتَ)). (٤) رواية النسائي كرواية ابن ماجه لا اختلاف، يعني ((طريق أهل الجنة ... طريق أهل النار)). ٤٦٣ باب ٢٠-٢١/ح ٧٠١١ - ٧٠١٢ كتاب التعبير ٢٠ - باب كشف المرأة في المنام ٧٠١١ - حدَّثني عُبِيدُ بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: قال رسولُ اله ◌َّ: ((أُرِيتُكِ في المنامِ مرَّتَينِ: إذا رجلٌ يَحمِلُكِ في سَرَقةٍ حَرِیٍ، فيقول: هذه امرأتُكَ، فأكشِفُها فإذا هي أنتِ، فأقولُ: إن يكن هذا من عندِ اللهِيُمْضِهِ)). ٢١ - باب ثياب الحرير في المنام ٧٠١٢ - حدَّثنا محمَّدٌ، أخبرنا أبو معاويةَ، أخبرنا هشامٌ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: قال رسولُ الله ◌َّ: ((أُرِيتُكِ قبلَ أن أتزَوَّجَكِ مرَّتَينِ: رأيتُ الملَكَ يَحمِلُكِ في سَرَقةٍ من حَرِيرٍ، فقلتُ/ له: اكشِفْ، فكَشَفَ، فإذا هي أنتِ، فقلتُ: إن يكن هذا من عندِ الله يُمْضِهِ، ثمَّ أَرِيتُكِ ٤٠٠/١٢ و تَحمِلُكِ في سَرَقةٍ من حَرِيرٍ، فقلتُ: اكشِفْ، فَكَشَفَ فإذا هي أنتِ، فقلتُ: إن يَكُ هذا من عندٍ الله يُمْضِهِ)). قوله: «باب کشْف المرأة في المنام» وقوله بعده: «باب ثیاب الحریر في المنام)» ذکر فیھما حدیث عائشة في رُؤية النبيّ وَ ◌ّ لها في المنام قبلَ أن يَتزوَّجها، وساقَه في الأوَّل من طريق أبي أُسامة، وفي الثّاني من طريق أبي معاوية، كلاهما عن هشام، وهو ابن عُرْوة بن الزُّبَير عن أبيه عنها، وزاد في رواية أبي أُسامة: ((فيقول: هذه امرأتك)) وبهذه الزّيادة يَنْتَظِم الكلام، وزاد في رواية أبي معاوية: ((قبلَ أن أتَزَوَّجَك))، وأعادَ فيها صورة المنام بياناً لقولِهِ: ((أُرِيتُك مرَّتَينٍ))، فقال في روايته: ((رأيت المَلَك يَحِمِلك)) ثمّ قال: ((أُرِيتُكِ يَحِمِلك))، وقال في المرّتَين: ((فقلت له: اكشِف))، ووَقَعَ في رواية أبي أُسامة: «فاكْشِفُها)» والضَّمير لقولِه: ((امرأتك)). وقد تقدَّم في السِّيرة النبويَّة (٣٨٩٥) قبلَ الهجرة إلى المدينة من طريق وُهَيب بن خالد عن هشام بنحوِ سياق أبي أسامة، وتقدّم في النِّكاح (٥١٢٥) من طريق حمّاد بن زيد عن هشام، ولفظه: ((فقال لي: هذه امرأتك، فكَشَفت عن وجهك)). ويجمع هذا الاختلافَ أنَّ نِسبة الكَشف إليه لكَونِهِ الآمِرَ به، وأنَّ الذي باشَرَ الكَشف هو الملَك. ٤٦٤ باب ٢١/ح ٧٠١٢ فتح الباري بشرح البخاري ووَقَعَ في هذه الطَّريق(١) عندَ مسلم (٧٩/٢٤٣٨) والإسماعيليّ بعدَ قوله: ((المنام)): (ثلاث لَيالٍ))، فلعلَّ البخاريّ حَذَفَها لأنَّ الأكثر رَوَوه بلفظ: ((مرَّتَين)) وكذلك أخرجه مسلم (٧٩/٢٤٣٨) من رواية عبد الله بن إدريس(٢)، وأبو عَوَانة (٣) من رواية مالك ومن رواية يونس بن بُكَير ومن رواية عبد العزيز بن المختار، كلّهم عن هشام بن عُرْوة جازِمينَ بمرَّتَين، ومن رواية حَمَّاد بن سَلَمة عن هشام فقال في روايته: ((مرَّتَينِ أو ثلاثاً)) بالشكّ، فيحتمل أن يكون الشكّ من هشام، فاقتَصَرَ البخاريّ على المحقّق، وهو قوله: ((مرَّتَينٍ))، وتأكَّدَ ذلك عندَه برواية أبي معاوية المفَسَّرة، وحَذَفَ لفظ ثلاث من رواية حَمَّاد بن زيد، لأنَّ أصل الحديث ثابت (٤). وقوله: ((فإذا هي أنتِ)) قال القُرطُبيّ: يريد أنَّه رآها في النَّوم كما رآها في اليَقَظة، فكانت المرادَ بالرُّؤيا لا غيرُها، وقد بيَّن حمّاد بن سَلَمة في روايته المراد، ولفظه: ((أُتيت بجاريةٍ في سَرَقة من حَرير بعدَ وفاة خديجة، فكَشَفتُها فإذا هي أنتِ)) الحديث، وهذا يَدفَع الاحتمال الذي ذكره ابن بَطّال ومَن تَبِعَه، حیثُ جَوَّزوا أنَّ هذه الرؤیا(٥) قبلَ أن یوحَی إلیه، وقد تقدَّم تفسير السَّرَقة وضبطُها، وأنَّ الملَك المذكور: هو جِبْريل، وكثير من مباحثه في كتاب النِّكاح، وذكرت احتمالاً عن عِيَاض في قوله: ((إن يكن هذا من عندِ الله يُمضِه)) ثمَّ وجَدتُه أَخَذَ أكثره من كلام ابن بَطّال. (١) يعني طريق حماد بن زيد عن هشام. (٢) لم يُفصح مسلمٌ عن لفظه، وإنما أحال على ما قبله قائلاً: نحوه، وقد أفصح عنه أحمد (٢٤١٤٢) إذ رواه عن ابن إدريس، فقال: ((مرتين)). (٣) وأورده الحافظ أيضاً في («إتحاف المهرة)) (٢٢٤١٨) مبيناً طرقه عند أبي عوانة، لكن سقط من المطبوع من ((مستخرجه)) أكثر هذه الطرق المذكورة، وثبتت رواية عبد العزيز بن المختار برقم (٤٢٧٧)، ورواية وهيب ابن خالد أيضاً عن هشام بإثر الحديث (٤٢٧٦)، وقد أخرجه البيهقي ٧/ ٨٥ من طريق يونس بن بكير، وأخرجه الطبراني ٢٣/ (٤٣) من طريق مالك، وأخرجه أبو يعلى (٤٦٠٠) من طريق حماد بن سلمة. (٤) ومما يُرجِّح ذكر المرتين أيضاً أنَّ اللالكائي أخرجه في ((أصول الاعتقاد)) (٢٧٤٩) من طريق عبيد الله بن عمر القواريري عن حماد بن زيد، فقال: ((مرتين)) جزماً. (٥) تحرَّف في (س) إلى: الرؤية. ٤٦٥ باب ٢٢/ح ٧٠١٣ كتاب التعبير و(محمَّد)) فِي السَّند الثّاني جَزَمَ السَّرَخْسِيّ (١) في رواية أبي ذرِّ عنه أنَّه أبو كُرَیبٍ محمَّد بن العلاء، وكلام الكلاباذيّ يقتضي أنَّه ابن سَلَام(٢). قال ابن بَطّال: رُؤيا المرأة في المنام تختلف على وجوه: منها أن يَتزوَّجِ الرَّائي حقيقةً بمَن يراها أو شَبَهِها، ومنها أن يدلّ على حصول دُنيا أو مَنزِلة فيها أو سَعة في الرِّزق، وهذا أصلٌ عندَ المعَبِّرِينَ في ذلك. وقد تَدُلّ المرأة بما يَقتَرِن بها في الرُّؤيا على فتنة تَّحصُل للرَّائي. وأمَّا ثياب الحرير فيدلّ اتّخاذها للنِّساءِ في المنام على النِّكاح، وعلى العِزِّ(٣) أو الغِنَى، وعلى زيادة في البَدَن، قالوا: والملبوس كلّه يدلّ على جِسم لابِسه لكَونِهِ يَشتَمِل عليه، ولا سيّما واللِّباس في العُرف دالٌّ على أقدار الناس وأحوالهم. ٢٢- باب المفاتیح في الید ٧٠١٣- حدَّثنا سعيدُ بنُ عُفَيرِ، حدَّثنا اللَّيْثُ، حدَّثْنِي عُقَلٌ، عن ابنِ شِهابٍ، أخبرني سعيدُ بنُ المسيّبِ: / أنَّ أبا هريرةَ قال: سمعتُ رسولَ الله وَله يقول: ((بُعِثْتُ بجَوَامِعِ الكَلمِ، ٤٠١/١٢ ونُصِرْتُ بالرُّعْبِ، وبينا أنا نائمٌ أَتِيتُ بمفاتيحِ خزائنِ الأرضِ، فُضِعَت في یَدِي)). قال أبو عبد الله: وبَلَغَني أنَّ جَوامِعَ الكَلمِ: أنَّ الله يَجمَعُ الأُمورَ الكثيرةَ التي كانت تُكْتَبُ في الكُتُبِ قبلَه في الأمرِ الواحدِ والأمرَينِ، أو نحو ذلك. قوله: ((باب المفاتيح في اليد)) أي: إذا رُئيَت في المنام. قال أهل التَّعبير: المفتاح مال وعِزّ وسُلطان، فمَن رأى أنَّه فتَحَ باباً بمِفتاحٍ فإنَّه يَظفَر بحاجته بمَعُونة مَن له بَأسُ، وإن رأى أنَّ بَيَدِه مفاتيح فإنَّه يُصيب سُلطاناً عظيماً. (١) وكذلك الكشميهني كما في اليونينية. (٢) وقد نصَّ عليه المستملي في رواية أبي ذر عنه، كما في اليونينية أيضاً، وهو الذي يقتضيه صنيع المزي في ((تحفة الأشراف)) (١٧٢٠٩) حيث ذكره معطوفاً على حديثين آخرين عند البخاري من روايته عن محمد ابن سَلَام بقوله: وبه في التعبير ... فذكره. (٣) تحرَّف في (أ) و(س) إلى: العزاء، والمثبت على الصواب من (ع) موافقاً لما في ((شرح ابن بطال)) وهو الذي نقله عنه العيني ٢٤/ ١٥١. ٤٦٦ باب ٢٣/ح ٧٠١٤ فتح الباري بشرح البخاري وذكر فيه حديث أبي هريرة الماضي في ((باب رُؤيا اللَّيل)) (٦٩٩٨) من وجه آخر عنه بلفظ: (بُعِثت بجَوامع الكَلم))(١)، وفيه: ((وبينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فُوُضِعَت في يَدي))، وقد تقدَّم في الباب المذكور بلفظ: ((وبينا(٢) أنا نائم البارحةَ». قوله في آخره: «قال أبو عبد الله)) كذا لأبي ذرٍّ، ووقع في روایة کریمة: قال محمّد، فقال بعض الشُّرَاح: لا مُنافاةَ لأَنَّه اسمُه، والقائل: هو البخاريّ، والذي يظهر لي أنَّ الصَّواب ما عندَ كَرِيمة فإنَّ هذا الكلام ثَبَتَ عن الزُّهْريّ، واسمه محمَّد بن مسلم(٣)، وقد ساقَه البخاريّ هنا من طريقه، فيَبعد أن يأخُذ كلامه فيَنسِبه لنفسِه. وكأنَّ بعضهم لمَّا رأى: وقال محمَّد، ظنَّ أنَّه البخاريّ، فأراد تعظيمه فكنّاه فأخطأ، لأنَّ محمّداً هو الزُّهْريّ، وليست گُنيته أبا عبد الله بل هو أبو بكر، وسيأتي الكلام على جَوامع الكلم وسائر (٤) الحديث في الاعتصام (٧٢٧٣) إن شاء الله تعالى. ٢٣ - باب التّعليق بالعروة والحلْقة ٧٠١٤- حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا أزهَرُ، عن ابنِ عَوْنٍ (ح) وحدَّثْنِي خَلِيفةُ، حدّثنا معاذٌ، حدَّثنا ابنُ عَوْنٍ، عن محمَّدٍ، حَدَّثنا قيسُ بنُ عُبادٍ، عن عبدِ الله بنِ سَلَامِ، قال: رأيتُ كانِي في رَوْضَةٍ، وسَطَ الرَّوْضةِ عَمودٌ، في أعلى العَمودِ عُرْوةٌ، فِقِيلَ لي: ارقَةْ، قلتُ: لا أستَطِيع، فأتاني وصِيفٌ، فَرَفَعَ ثِيَابِي فَرَقِيتُ، فاستَمْسَكْتُ بالعُرْوِةِ، فانتَبَهْتُ وأنا مُستَمْسِكٌ بها، فقَصَصْتُها على النبيِّ وََّ، فقال: ((تلكَ الرَّوْضَةُ رَوْضُ الإسلامِ، وذلك العَمودُ عَمودُ الإسلامِ، وتلكَ العُرْوةُ عُرْوةُ الوُثْقَى، لا تَزالُ مُستَمْسِكاً بالإسلام حتَّى تموتَ))(٥). (١) يعني لفظه هنا. (٢) وقع في الأصلين و(س) هنا: ((وبينما)) بزيادة الميم، وهو خلاف ما جاء عند شرح الحديث هناك، حيث جاءت بحذف الميم في الأصلين و(س)، وهو الذي في الأصل الخطي الذي بأيدينا برواية أبي ذرِّ الهروي، ولذلك أثبتناه. (٣) جاء منصوصاً عليه في رواية البيهقي في ((الدلائل)) ٤٧١/٥. (٤) تحرَّف في (س) إلى: وسيأتي. (٥) ساقه البخاري هنا بلفظ خليفة وهو ابن خيَّاط، وقد ساقه فيما تقدم برقم (٣٨١٣) بلفظ عبد الله بن محمد وهو الجعفي. ٤٦٧ باب ٢٤ كتاب التعبير قوله: ((باب التَّعليق بالعُرْوةِ والحَلْقة)) ذكر فيه حديث عبد الله بن سَلَام: رأيت كأنّي في رَوضة، وقد تقدَّم قبلَ هذا بأربعة أبواب (٧٠١٠) أتمَّ من هذا، وتقدَّم شرحه هناك. قال أهل التَّعبير: الحَلْقة والعُرْوة المجهولة تَدُلّ لمن تَسَّكَ بها على قوَّته في دينه وإخلاصه فيه. ٢٤ - باب عمود الفُسطاط تحت وِسَادته قوله: ((باب عَمود الفُسْطاط)) العَمود بفتح أوَّله: معروف، والجمع أعمِدة وعُمُد بضمَّتَين، وبفتحَتَين: ما تُرفَع به الأخبية من الخشب، ويُطلَق أيضاً على ما تُرفَع به البيوت من حجارة كالرُّخام والصَّوّان، ويُطلَق على ما يُعتَمَد عليه من حديد وغيره، وعَمود الصُّبح: ابتداء ضَوئِه. والفُسطاط بضمِّ الفاء وقد تُكسَر، وبالطاءِ المهمَلة مُكرَّرة، وقد تُبدَل الأخيرة سيناً مُهمَلة، وقد تُبدَل الطاءُ تاءً(١) مُئنّةَ فيهما وفي أحدهما، وقد تُدَم التاء الأولى في السّين، وبالسِّين / المهمَلة في آخره، لُغات تَبلُغ على هذا اثنتَي عشرةَ، اقْتَصَرَ ٤٠٢/١٢ النَّوويّ منها على ستّ: الأولى والأخيرة، وبتاءٍ بدلَ الطاء الأولى وبضمِّ الفاء وبكسرها، وقال الجَوَاليقيّ: إنَّه فارسيّ مُعرَّب. قوله: ((تحتَ وِسادته)) عندَ النَّسَفيّ: ((عندَ)) بدلَ ((تحت)) كذا للجميع ليس فيه حديث، وبعدَه عندَهم: ((باب الإستَبِرَق ودخول الجنَّة في المنام)) إلّا أنَّه سَقَطَ لفظ ((باب)) عندَ النَّسَفيِّ والإسماعيليّ، وفيه حديث ابن عمر: رأيت في المنام كأنَّ في يَدي سَرَقة من حَرير، وأمَّا ابن بَطّال فجَمَعَ التَّرجمَتَينِ في باب واحد، فقال: باب عَمُود الفُسطاط تحت وسادته ودخول الجنَّة في المنام فيه حديث ابن عمر، إلى آخره، ولعلَّ مُستَنَده ما وَقَعَ في رواية الجُرجانيّ: ((باب الإستَبِرَق ودخول الجنَّة في المنام، وعَمود الفُسطاط تحت وِسادته)) فجَعَلَ التَرجَمَتَيْنِ في باب واحد وقَدَّمَ وأخّرَ. ثُمَّ قال ابنُ بَطّال: قال المهلَّب: السَّرَقة: الكِلّة، وهي كالهَودَج عندَ العرب، وكَون عَمودها في يد ابن عمر دليل على الإسلام، وطُنُبُها (٢): الدّين والعلم والشَّرع الذي به (١) وقعت في (س) معكوسة: تبدل التاء طاءً. وهو خطأ. (٢) الطُّنُب: حبل الخباء. ٤٦٨ باب ٢٤ فتح الباري بشرح البخاري يُرَزَقِ الثَّمَكُّنَ من الجنَّة حيثُ شاءَ، وقد يُعبَرَ هنا بالحَرير عن شَرَف الدّين والعلم، لأنَّ الحَرير أشرَفُ مَلابِس الدُّنيا، وكذلك العلم بالدّينِ أشرَف العلوم، وأمَّا دخول الجنَّة في المنام فإنَّه يدلّ على دخولها في اليَقَظة، لأنَّ في بعض وجوه الرُّؤيا وجهاً يكون في اليَقَظة، كما يراه نَصّاً، ويُعبَّر دخول الجنَّة أيضاً بالدُّخولِ في الإسلام الذي هو سبب لدخولِ الجنَّة، وطَيَران السَّرَقة قوّة تَدُلّ على التَّمَكُّن من الجنَّة حيثُ شاءَ. قال ابن بطّال: وسألت المهلَّب عن ترجمة عمود الفُسطاط تحت وسادته، ولم يذكُر في الحديث عَمود فُسطاط ولا وِسادة، فقال: الذي يقع في نفسي أنَّه رأى في بعض طرق حديث(١) السَّرَقة شيئاً أكمَل مما ذكره في كتابه. وفيه أنَّ السَّرَقة مَضروبة في الأرض على عَمود كالخِباء، وأنَّ ابن عمر اقتَلَعَها من عَمودها فوضَعَها تحت وِسادته، وقامَ هو بالسَّرَقة فأمسَكَها، وهي كالَودَجِ من إستَبَرَق، فلا يريد موضعاً من الجنَّة إلّا طارَت به إليه، ولم يَرِضَ بسنِدِ هذه الزّيادة فلم يُدخِله في كتابه، وقد فعلَ مِثل هذا في كتابه كثيراً كما يُتَرجِم بالشَّيءٍ ولا يَذكُره، ويشير إلى أنَّه رويَ في بعض طرقه، وإنَّما لم يَذْكُره للينِ في سنِدِه، وأعجَلَتْه المنيّةُ عن تهذيب کتابه. انتھی. وقد نَقَلَ كلامَ المهلَّب جماعةٌ من الشُّرّاح ساكِتِينَ عليه، وعليه مَآخِذ أصلها إدخال حديث ابن عمر في هذا الباب وليس منه، بل له باب مُستَقِلّ، وأشدّها تفسيره السَّرَقةَ بالكِلّة فإنّي لم أرَه لغيره، قال أبو عُبيدٍ(٢): السَّرَقة: قِطعة من حرير، وكأنَّها فارسيَّة، وقال الفارابيّ: شُقّة من حَرير، وفي ((النِّهاية)): قِطعة من جيّد الحَرير، زاد بعضهم(٣): بيضاء. ويكفي في رَدّ تفسيرها بالكِلّة أو الهَودَج قوله في نفس الخبر: ((رأيت كأنَّ بيَدي قِطعة إستَبرَق)). وتخيُّلُهُ أنَّ في حديث ابن عمر الزّيادةَ المذكورة لا أصل له، فجميع ما رَتَّبَه عليه كذلك. (١) تحرَّف في (س): الحديث، زيادة أل التعريف. وهو خطأ. (٢) تحرف في (س) إلى: أبو عبيدة، وإنما هو أبو عبيد القاسم بن سلام، كما نقله عنه أبو عبيد الهروي في ((الغريبين)) ٨٩٠/٣. (٣) كأبي عبيد القاسم بن سلام فيما نقله عنه الهروي في ((الغريبين). ٤٦٩ باب ٢٤ كتاب التعبير وقَلَّدَه ابن المنيِّر، فذكر التَّرجمة كما تَرجَمَ، وزاد عليه أن قال: روى غير البخاريّ هذا الحديث - أي: حديث ابن عمر - بزيادة عَمود الفُسطاط، ووَضْع ابن عمر له تحت وِسادته، ولكن لم توافق الزّيادة شرطَه فأدرَجَها في التَّرجمة نفسها. وفساد ما قال يظهر ممَّا تقدَّمَ، والمعتمَد أنَّ البخاريّ أشارَ بهذه التَرجمة إلى حديث جاء من طُرق (١): أنَّ النبيَّ نَّه رأى في مَنامه عَمود الكتاب انتُرِعَ من تحت رأسه، الحدیث. وأشهَر طرقه ما أخرجه يعقوب بن سفيان (٢) والطبرانيُّ (١٤٥٤٥) وصَحَّحَه الحاكم (٥٠٩/٤) من حديث عبد الله بن عَمْرو بن العاص: سمعت رسول الله وَله يقول: ((بينا أنا نائم رأيت عَمود الكتاب احتُمِلَ من تحتِ رأسي، فأتبَعته بَصري فإذا هو قد عُمِدَ (٣) به إلى الشّام، ألا وإنَّ الإيمان حينَ تقع الفتن بالشّام))، وفي رواية (٤): ((فإذا وَقَعَت الفتن فالأمن بالشّام))، وله طريق عندَ عبد الرَّزّاق(٥) رجاله رجال الصَّحيح، إلّا أنَّ فيه انقطاعاً بين أبي قِلَابَةَ وعبد الله بن عَمْرو، ولفظه عندَه: ((أخَذوا عَمود الكتاب فعَمَدوا به إلى الشّام)). وأخرج أحمد (٢١٧٣٣) ويعقوب بن / سفيان (٢/ ٢٩٠) والطبرانيّ(٦) أيضاً عن أبي الدَّرداء ٤٠٣/١٢ رَفَعَهُ: ((بَيْنا أنا نائم رأيتُ عَمود الكتاب احتُمِلَ من تحت رأسي، فظننتُ أنَّه مذهوب به، فأتبَعتُهُ بَصَري فعُمِدَ به إلى الشّام)) الحديث، وسنده صحيح. وأخرج يعقوب (٢/ ٣٠١) والطبرانيُّ أيضاً (٧٧١٤) عن أبي أمامةَ نحوه وقال: ((انتُزِعَ من تحت وِسادَتي))، وزاد بعدَ قوله: ((بصري)): ((فإذا هو نورٌ ساطِعٌ حتَّى ظننتُ أنَّه قد هُويَ به، فعُمِدَ به إلى الشّام، وإنّي أوَّلتُ أنَّ الفتن إِذا وَقَعَت أنَّ الأمان بالشّام)) وسنده ضعيف. (١) تحرَّف في (س) إلى: طريق. (٢) في ((المعرفة والتاريخ)) ٢٩٠/٢-٢٩١ و٣٠٠-٣٠١. (٣) تحرَّف في (س) إلى: عهد. (٤) عند الطبراني (١٤٥١٤). (٥) هو نفسه الطريق الذي رويت به الرواية الثانية، ولم نقف عليه عند عبد الرزاق، ووقفنا عليه عند الطبراني (١٤٥١٤). (٦) وهو عنده أيضاً في ((مسند الشاميين)) (١١٩٨). ٤٧٠ باب ٢٤ فتح الباري بشرح البخاري وأخرج الطبرانيُّ(١) أيضاً بسندٍ حسن عن عبد الله بن حَوالة أنَّ رسول الله وَّه قال: («رأيت ليلة أُسريَ بي عَموداً أبيض كأنَّه لواءٍ(٢) تَحمِله الملائكة، فقلت: ما تَحمِلونَ؟ قالوا: عَمود الكتاب أُمِرنا أن نَضَعه بالشّام)). قال: ((وبينا أنا نائم رأيت عَمود الكتاب اختُلِسَ من تحت وِسادَتي، فظَنَنت أنَّ الله تَخلَّى عن أهل الأرض، فأتبَعتُهُ بَصري فإذا هو نورٌ ساطِعٌ حتَّى وُضِعَ بالشّام)). وفي الباب عن عبد الله بن عَمْرو بن العاص عندَ أحمد (١٧٧٧٥) والطبرانيِّ(٣) بسندٍ ضعيف، وعن عمر عندَ يعقوب (٣١١/٢) والطبرانيِّ(٤) كذلك، وعن ابن عمر في ((فوائد المخلِّص))(٥) كذلك. وهذه طرق يُقوِّي بعضُها بعضاً، وقد جمعها ابن عساكر في مُقدِّمة ((تاريخ دِمَشق)) وأقرَبها إلى شرط البخاريّ حديث أبي الدَّرداء، فإنَّه أخرج لرواته إلّا أنَّ فيه اختلافاً على یحیی بن حمزة في شيخه: هل هو ثور بن یزید أو زید بن واقد؟ وهو غير قادح، لأنَّ كلَّ منهما ثقة من شرطه، فلعلَّه كَتَبَ التَّرجمة وبيَّضَ للحديثِ ليَنظُر فيه، فلم يَتَهِيَّ له أن يَكتُبه، وإنَّما تَرجَمَ بعَمودِ الفُسطاط، ولفظ الخبر: ((في عَمود الكتاب)) إشارةً إلى أنَّ مَن رأى عَمود الفُسطاط في مَنامه فإنَّه يُعبَرَ بنحوِ ما وَقَعَ في الخبر المذكور، وهو قول العلماء بالتَّعبير، قالوا: مَن رأى في مَنامه عَموداً فإنَّه يُعبَرَ بالدّينِ أو برجلٍ يُعتَمَد عليه فيه، وفَسَّروا العَمود بالدّينِ والسُّلطان، وأمَّا الفُسطاط فقالوا: مَن رأى أنَّه ◌ُرِبَ عليه فُسطاط فإنَّه يَنال سُلطاناً بقَدره، أو يُخاصم مَلِكاً فيَظفَر به. (١) وهو أيضاً عنده في ((مسند الشاميين)) (٦٠١). (٢) كذا في الأصلين و(س)، والذي عند الطبراني في ((الشاميين)) وعند غيره ممن خرَّج الحديث: لؤلؤة. (٣) وهو عنده في ((الشاميين)) (١٣٥٧). (٤) وهو عنده أيضاً في ((الشامیین)) (١٥٦٦). (٥) لم نقف عليه فيما طبع من «فوائده))، وقد رواه من طريقه ابن عساكر في ((تاريخه)) ١/ ١١٠، وهو أيضاً عند ابن أبي عاصم في ((الأحاد والمثاني)) (٧٥٣) و(٧٥٤)، لكنه ذكره في ترجمة عُبيد الله بن عمر بن الخطاب أخي عبد الله! ٤٧١ باب ٢٥/ح ٧٠١٥ -٧٠١٦ كتاب التعبير ٢٥ - باب الإستبرق، ودخول الجنّة في المنام ٧٠١٥- حدَّثنا مُعَلَّى بنُ أسَدٍ، حدَّثنا وُهَيبٌ، عن أيوبَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمر رضي الله عنهما، قال: رأيتُ في المنام كأنَّ في يَدِي سَرَقَةً من حَرِيرٍ لا أُهْوِي بها إلى مكانٍ في الجنَّةِ إلّا طارَت بي إليه، فقَصَصْتُها على حفصةَ. ٧٠١٦- فقَصَّتْها حفصةُ على النبيِّ وَّةِ، فقال: ((إنَّ أخاكِ رجلٌ صالحٌ - أو إنَّ عبدَ الله رجلٌ صالحٌ-)». قوله: ((باب الإستَبْرَق، ودخول الجنَّة في المنام)) تقدَّم في الذي قبلَه ما يَتَعلَّق بشيءٍ منه. وحديث ابن عمر في الباب ذكره هنا من طريق وُهَيب بن خالد عن أيوب عن نافع بلفظ: سَرَقة، وذكره بلفظ: قِطعة من إستَبرَق، كما في الترجمةِ (١): التِّرمِذيّ من طريق إسماعيل بن إبراهيم المعروف بابنِ عُلَيَّة عن أيوب، فذكره مختصراً، كرواية وُهَيب، إلّا أنَّه قال: كأنَّا في يَدي قِطعة إستَبِرَق، فكأنَّ البخاريّ أشارَ إلى روايته في الَّرجمة، وقد أخرجه أيضاً في ((باب مَن تَعارَّ من اللَّيل)) (١١٥٦) من كتاب التَّهَجُّد، وهو في أواخر كتاب الصلاة، من طريق حَمَّاد بن زيد عن أيوب، أتمَّ سياقاً من رواية وُهَيب وإسماعيل، وأخرجه النَّسائيُّ (ك٧٥٩٩) من طريق الحارث بن عُمَير عن أيوب فجَمَعَ بين اللَّفظَتَينِ فقال: سَرَقة من إستَبرَق. وقوله هنا: ((لا أُهوي بها)) هو بضمٍّ أوَّله، أهوى إلى الشَّيء بالفتح، يُهوي بالضَّمّ، أي: / ٤٠٤/١٢ مالَ، ووَقَعَ في رواية حَمَّاد: فكأنّ لا أُريدُ مكاناً من الجنَّة إلّا طارَت بي إليه. قوله في رواية وُهَيب: «فقَصَصْتها على حفصة، فقَصَّتْها حفصة على النبيّ ێ)) الحديث، وَقَعَ مِثله في رواية حَمَّاد عندَ مسلم (٢٤٧٨)، ووَقَعَ عندَ المؤلِّف في روايته بعدَ قوله: طارَت بي إليه، من الزّيادة: ورأيت كأنَّ اثنَينِ أتياني أرادا أن يذهبا بي إلى النار، الحديث بهذه القصّة مختصراً، وقال فيه: فقَصَّت حفصة على النبيّ ◌َ ﴿ إِحدى رؤياي، وظاهر رواية وُهَيب ومَن (١) في (س): كما في ترجمة الترمذي. وهو خطأ. ٤٧٢ باب ٢٥/ح ٧٠١٥ -٧٠١٦ فتح الباري بشرح البخاري تابَعَه أنَّ الرُّؤيا التي أُبِهِمَت في رواية حَمَّد هي رُؤية السَّرَقة من الحَرير، وقد وَقَعَ ذلك صريحاً في روایة حمّاد عندَ مسلم. لكن يعارضه ما مضى في ((باب فضل قيام اللّيل)) (١١٢١) ويأتي في ((باب الأخذ على(١) اليمين)) (٧٠٣٠ و ٧٠٣١) من كتاب التَّعبير من طريق سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه، فذكر الحديث في رُؤيَته النار وفيه: فقَصَصتُها على حفصة فقَصَّتها حفصة، فهو صريح في أنَّ حفصة قَصَّتِ رُؤياه النارَ، كما أنَّ رواية حَمَّد صريحة في أنَّ حفصة قَصَّت رُؤياه السَّرَقَة، ولم يَتعرَّض في رواية سالم إلى رُؤيا السَّرَقة، فیحتمل أن يكون قوله: إحدى رُؤياي، محمولاً على أنَّهَا قَصَّتِ رُؤيا السَّرَقَة أوَّلاً، ثمَّ قَصَّتِ رُؤيا النارَ بعدَ ذلك، وأنَّ التَّقدير: قَصَّت إحدى رُؤياي أوّلاً، فلا يكون لقوله: ((إحدى)) مفهوم، وهذا الموضع لم أرَ مَن تَعرَّضَ له من الشُّرّاح، ولا أزالَ إشكاله، فلله الحمد على ذلك. قوله: ((فقال: إنَّ أخاك رجل صالح - أو إنَّ عبد الله رجل صالح -)» هو شَكّ من الراوي، ووَقَعَ في رواية حَمَّاد المذكورة: ((إنَّ عبد الله رجل صالح))(٢) بالجزم، وكذا في رواية صخر ابن جُويرية عن نافع (٧٠٢٨ ,٧٠٢٩)، وزاد الكُشمِيهنيُّ في روايته عن الفِرَبريِّ في الموضعين: ((لو كان يُصَلّي من اللَّيل))، وسَقَطَت هذه الزّيادة لغيره، وهي ثابتة في رواية سالم كما تقدَّم في قيام اللَّل (١١٢١ و١١٢٢) وتأتي (٧٠٣١)، ويُؤيِّد ثُبُوتها قوله في رواية حَمَّاد عندَ الجميع: فقال نافع: فلم يزل بعدَ ذلك يُكثِرِ الصلاة(٣). وقد تقدَّم في قيام اللَّيل (١١٥٦). وفي رواية عُبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عندَ مسلم (٢٤٧٩/ ١٤٠): وقال: ((نِعمَ الفَتَى (١) وقع في الأصلين و(س) هنا: ((عن))، والمثبت بلفظ ((على)) من شرح الحافظ للباب المذكور في موضعه، وهو الذي في اليونينية دون حكاية خلاف بين رواه البخاري في ذلك. (٢) إذا أراد رواية حماد عند البخاري فليس فيها اللفظ المذكور، وهو عنده في رواية يونس عن الزهري عن سالم عن أبيه (٣٧٤٠ و٣٧٤١)، وإذا أراد رواية حماد عند مسلم فهي عنده (٢٤٧٨) بلفظ: ((أُرى عبد الله رجلاً صالحاً)). (٣) هذا لفظه من رواية صخر بن جويرية عن نافع، وأما لفظ رواية حماد بن زيد عن أيوب عن نافع فهو: فکان عبد الله څڅه يصلي من الليل. ٤٧٣ باب ٢٦/ح ٧٠١٧ كتاب التعبير - أو قال: نِعمَ الرجلُ - ابن عمر لو كان يُصَلّي من اللَّيل)) قال ابن عمر: وكنت إذا نِمت لم أُقُم حتَّى أُصبحَ، قال نافع: فكان ابن عمر بعدُ يُصَلّي من اللَّيل. أخرج مسلم إسنادَه وأصلَه، وأحالَ بالمتنِ على رواية سالم، وهو غير جيِّد لتَغايُرِهما. وأخرجه بلفظه أبو عَوَانة والجَوزَقيُّ بهذا. ويأتي في ((باب الأمن وذهاب الرَّوع)) أيضاً (٧٠٢٨ و٧٠٢٩) من طريق صخر بن جويرية عن نافع، وكذا بعده في ((باب الأخذ على اليمين)» (٧٠٣٠ و ٧٠٣١) في رواية سالم، قال الزُّهْريّ: وكان عبد الله بعدَ ذلك يُكثِرِ الصلاة من اللَّيل، ولعلَّ الزُّهْريّ سمعَ ذلك من نافع أو من سالم، ومَضَى شرحه هناك. ووَقَعَ في «مُسنَد أبي بكر بن هارون الرُّویانيّ))(١) من طريق عبد الله بن نافع عن أبيه في نحو هذه القصَّة من الزّيادة: وكان عبد الله كثير الرُّقاد، وفيه أيضاً: إنَّ الملَك الذي قال له: لم تُرَع، قال له: لا تَدَع الصلاة، نِعمَ الرجل أنتَ لولا قِلّة الصلاة. ٢٦ - باب القيد في المنام ٧٠١٧ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ صَبّاح، حدَّثنا مُعتَمِرٌ، سمعتُ عَوْفاً، حدَّثنا محمَّدُ بنُ سِیرِینَ، أنَّه سمعَ أبا هريرةَ يقول: قال رسولُ اللهِ وَِّ: ((إذا اقتَرَبَ الزَّمانُ لم تَكَدِ رُؤْيا المؤمنِ تَكذِبُ، ورُؤْيا المؤمنِ جُزْءٌ من ستّةٍ وأربعينَ جُزْءاً منَ النُّبوّة)) وما كان من النبوة فإنه لا يكذِب. قال محمَّدٌ: وأنا أقولُ هذه، قال: وكان يقال: الرُّؤْيا ثلاثٌ: حديثُ النَّفْسِ، وتَخْوِيفُ الشَّيطان، ويُشْرَى مِنَ الله، فمَن رَأى شيئاً يَكْرَهُه، فلا يَقُصَّه على أحدٍ، ولْيَقُم/ فلْيُصَلِّ. ٤٠٥/١٢ قال: وكان يَكرَه الغُلَّ في النَّومِ، ويُعجِبُهُمُ القَيدُ، ويقُولُ: القَيْدُ ثَبَاتٌ في الدِّينِ. ورواهُ قَتَادة وَيونسُ وهشامٌ وأبو هلالٍ، عن ابنِ سِيرِينَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﴾ وأدرَجَه بعضُهم كلَّه في الحدیثِ. وَحدیثُ عَوْفٍ أَبَنُ. وقال يونسُ: لا أحسِبُهُ إلّا عن النبيِّ وَّهِ فِي القَيْدِ. (١) ومن طريقه أخرجه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ١٠٣/٣١. ٤٧٤ باب ٢٦/ح ٧٠١٧ فتح الباري بشرح البخاري قال أبو عبد الله: لا تكونُ الأغلالُ إلا في الأعناق. قوله: ((باب القَيد في المنام)) أي: مَن رأى في المنام أنَّه مُقيَّد ما يكون تَعبيرُه؟ وظاهر إطلاق الخبر أنَّه يُعبَرَ بالثَّبات في الدّين في جميع وجوهه، لكنَّ أهل التَّعبير خَصّوا ذلك بما إذا لم يكن هناك قَرِينَةٌ أُخرى، كما لو كان مُسافراً أو مريضاً، فإنَّه يدلّ على أنَّ سفره أو مرضه يَطول، وكذا لو رأى في القَيد صِفَةً زائدةً، کمَن رأی في رِجله قیداً من فِضّة فإنَّه يدلّ على أنه يَتزوَّج، وإن كان مِن ذهب فإنَّه لأمرٍ يكون بسببٍ مال يَتَطَلَّبه، وإن كان من صُفر فإنَّه لأمرٍ مکروه أو مال فات، وإن كان من رصاص فإنَّه لأمرٍ فیه وهن، وإن کان من حبل فلأمرِ في الدّين، وإن كان من خَشَب فلأمرِ فيه ◌ِنِفاق، وإن كان من حَطَب فلَمِيمةِ، وإن كان من خِرقة أو خيط فلأمرٍ لا يدوم. قوله: ((حدَّثنا عبد الله بن صَبّاح)) بفتح المهمَلة وتشديد الموحّدة: هو العَطّار البصريّ، وتقدَّم في الصلاة في ((باب السَّمَر بعدَ العِشاء)) (٦٠٠): حدَّثنا عبد الله بن الصَّبّاح، ولبعضِهم: عبد الله بن صَبّاح كما هنا، ولأبي نُعَيم هنا من رواية محمَّد بن يحيى بن مَندَهُ: حدَّثنا عبد الله بن الصَّاح، وفي شيوخ البخاريّ ابنُ الصَّبّاح ثلاثةٌ: عبد الله هذا ومحمَّد والحسن، وليس واحد منهم أخا الآخر. قوله: ((حدَّثنا مُعتَمِر)) هو ابن سليمان التَّيميّ، وعَوف: هو الأعرابيّ. قوله: ((إذا اقتَرَبَ الزَّمان لم تَكَد رُؤْيا المؤمن تَكذِب)) كذا للأكثر، ووَقَعَ في رواية أبي ذرِّ عن غير الكُشمِيهنيِّ بتقديم (تَكَذِب)) على ((رُؤيا المؤمن))، وكذا في رواية محمّد بن يحيى، وكذا في رواية عيسى بن يونس عن عَوف عندَ الإسماعيليّ. قال الخطَّبيُّ في ((المعالم)): في قوله: ((إذا اقتَرَبَ الزّمان)) قولان: أحدهما: أن يكون معناه: تَقَارَب زمانُ اللَّيل وزمان النَّهار، وهو وقت استوائهما أيام الرّبيع، وذلك وقت اعتدال الطَّبائع الأربع(١) غالباً، وكذلك هو في الحديث، والمعَبِّرونَ يقولون: أصدَق الرُّؤيا (١) هي المزاج والمِرَّتَين (السوداء والصفراء) والدم والبلغم. انظر ((تاج العروس)) مادة (مزج). ٤٧٥ باب ٢٦/ح ٧٠١٧ كتاب التعبير ما كان وقت اعتدال اللَّيل والنَّهار وإدراك الثِّهار، ونَقَلَه في ((غريب الحديث)) عن أبي داود السِّجِستانيّ ثمَّ قال: والمعَبِرونَ يَزْعُمونَ أنَّ أصدَق الأزمان لوقوع التَّعبير وقت انفتاق الأزهار وإدراك الثِّمار، وهما الوقتان اللَّذان يَعتَدِل فيهما اللَّيل والنَّهار، والقول الآخر: إنَّ اقتراب الزّمان انتهاء مُدَّته إذا دَنا قيام الساعة. قلت: يُبعِد الأوَّل التَّقييد بالمؤمن، فإنَّ الوقت الذي تَعتَدِل فيه الطَّبائع لا يَخْتَصّ به، وقد جَزَمَ ابن بَطّال بأنَّ الأوَّل هو الصَّواب، واستَنَدَ إلى ما أخرجه التِّرمِذيّ (٢٢٩١) من طريق مَعمَر عن أيوب في هذا الحديث بلفظ: ((في آخر الزَّمان لا تَكذِب رُؤيا المؤمن، وأصدَقهم رُؤيا أصدَقُهم حديثاً)(١) قال: فعلى هذا فالمعنى: إذا اقتَرَبَت الساعة وقُبِضَ أكثر العلم ودَرَسَت مَعالم الدِّيانة بالهَرْجِ والفتنة، فكان الناس على مِثل الفترة، محتاجينَ إلى مُذكِّرٍ ومُجَدِّد لما دَرَسَ من الدّين، كما كانت الأُمَم تُذكَّر بالأنبياء، لكن لمَّا كان نبيّنا خاتَم الأنبياء وصارَ الزّمان المذكور يُشبِهِ زمان الفَترة، عُوِّضوا بما مُنِعوا من النُّبّة بعدَه بالرُّؤيا الصّادِقة التي هي جُزء من النُّبوّة الآتية بالتَّشير والإنذار، انتهى. ويُؤيِّده ما أخرجه ابن ماجَهْ (٣٩١٧) من طريق الأوزاعيِّ عن محمَّد بن سِيرِين بلفظ: ((إذا قَرُبَ الزّمان)»، وأخرج البزَّار (٩٨٩٩) من طريق يونس بن عُبيد عن محمَّد بن سِيرِين بلفظ: ((إذا تَقارَبَ الزَّمان))، وسيأتي في كتاب الفتن (٧٠٦١) من وجه / آخر عن أبي هريرة: «يَتَقَارَب ٤٠٦/١٢ الزَّمان ويُرفَع العلم)) (٢) الحديث، والمراد به: اقتراب الساعة قطعاً. وقال الدَّاوُوديُّ: المراد بتَقارُبِ الزَّمان: نقص الساعات والأيام واللَّيالي. انتهى، ومُراده بالنَّقصِ سُرعة مُرورها، وذلك قُرب قيام الساعة، كما ثَبَتَ في الحديث الآخر عندَ (١) وقد روى هذه الزيادة أيضاً في الحديث عبد الوهّاب بن عبد المجيد عن أيوب عن ابن سيرين عند مسلم (٢٢٦٣)، وأبي داود (٥٠١٩)، والترمذي (٢٢٧٠)، والأوزاعي عن ابن سيرين عند ابن ماجه (٣٩١٧). (٢) لفظه هناك في الرواية التي شرح عليها الحافظ: ((وينقص العلم))، وذكر هناك أنَّ مسلماً رواه في بعض روايات حديث أبي هريرة عنده بلفظ: ((ويقبض العلم». قلنا: وهي رواية أبي الوقت والهروي في روايته عن الكشميهني هناك، کما في هامش اليونينية. ٤٧٦ باب ٢٦/ح ٧٠١٧ فتح الباري بشرح البخاري مسلم (١) وغيره: ((يَتَقارَب الزّمان، حتَّى تكون السَّنة كالشَّهر، والشَّهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كالساعة، والساعة كاحتراق السَّعْفة». وقيل: إنَّ المراد بالزَّمان المذكور: زمان المهديّ عندَ بَسط العَدل، وكثرة الأمن، وبَسط الخير والرِّزق، فإنَّ ذلك الزّمان يُستَقصَر لاستلذاذِه فتَتَقارَب أطرافه. وأمَّا قوله: ((لم تَكَد ... )) إلى آخره، فيه إشارة إلى غَلَبة الصِّدق على الرُّؤيا، وإن أمكَنَ أنَّ شيئاً منها لا يَصدُق، والرَّاجح أنَّ المراد نفي الكذب عنها أصلاً، لأنَّ حرف النَّفي الدّاخل على ((كادَ) يَنفي قُرب حصوله، والنافي لقُربٍ حصول الشَّيء أدلّ على نفيه نفسه. ذكره الطّييّ. وقال القُرطُبيّ في ((المفهم)): والمراد - والله أعلم - بآخِرِ الَّمان المذكور في هذا الحديث زمان الطائفة الباقية مع عيسى ابن مريم بعدَ قتله الدَّجّالَ، فقد ذكر مسلم (١١٦/٢٩٤٠) في حدیث عبد الله بن عمرو (٢) ما نصّه: «فیبعث الله عيسى ابن مريم، فيمگُث في الناس سبع سنين ليس بين اثنَيْنِ عَدَاوة، ثمَّ يُرسِل الله ريحاً باردةً من قِبَلِ الشّام، فلا يَبقَى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذَرّة من خير أو إيمان إلّا قبضته)) الحديث، قال: فكان أهل هذا الزَّمان أحسنَ هذه الأُمّة حالاً بعدَ الصَّدر الأوَّل، وأصدَقهم أقوالاً، فكانت رُؤياهم لا تَكَذِب، ومن ثَمَّ قال عَقِبَ هذا: ((وأصدَقهم رُؤيا أصدَقهم حديثاً)، وإنَّما كان كذلك لأَنَّ مَن كَثُرَ صِدقه تَنَوَّرَ قلبه وقَويَ إدراكه، فانتَقَشَت فيه المعاني على وجه الصِّحّة، وكذلك مَن كان غالب حاله الصِّدق في يَقَظَته استصحَبَ ذلك في نَومه، فلا يرى إلّا صِدقاً، وهذا بخِلَاف الكاذب والمخلِّط فإنَّه يَفسُد قلبُه ويُظلِمِ، فلا يرى إلّا تخليطاً وأضغاثاً، وقد يَندُر المنام أحياناً فيَرَى الصّادِقِ ما لا يَصِحَ ويَرَى الكاذب ما يَصِحّ، ولكنَّ الأغلَب الأكثر ما تقدَّم، والله أعلم. (١) كذا عزاه الحافظ لمسلم هنا وفيما تقدم عند شرح الحديث (٦٥٠٦)، وهو وهم منه رحمه الله، لأنَّ مسلماً لم يخرجه، وهو في «مسند أحمد)» (١٠٩٤٣) من حديث أبي هريرة، وفي «جامع الترمذي» (٢٣٣٢) من حديث أنس بن مالك، وسيخرجه الحافظ على الصواب عند شرح الحديث (٧٠٦١). (٢) تحرَّف في (س) إلى: عمر. ٤٧٧ باب ٢٦/ح ٧٠١٧ كتاب التعبير وهذا يُؤيِّد ما تقدَّم أنَّ الرُّؤيا لا تكون إلّا من أجزاء النُّبّة إن صَدَرَت من مسلم صادِق صالح، ومن ثَمَّ قُيِّدَ بذلك في حديث: ((رُؤيا المسلم جُزء)) فإنَّه جاء مُطلَقاً مُقتَصِراً على المسلم، فأخرج الكافر، وجاء مُقَيَّداً بالصالح تارةً وبالصالحة وبالحسنة وبالصّادِقة كما تقدَّم بيانه، فيُحمَل المطلَق على المقَيَّد، وهو الذي يناسب حاله حالَ النبيّ، فيُكرَم بما أُكرِمَ به النبيّ، وهو الاطّلاع على شيء من الغيب، فأمَّا الكافر والمنافق والكاذب والمخلِّط وإن صَدَقَتِ رُؤياهم في بعض الأوقات، فإنَّما لا تكون من الوحي ولا من النَُّّة، إذ ليس كلّ مَن صَدَقَ في شيء ما يكون خبره ذلك نُبّة، فقد يقول الكاهن كلمة حَقّ، وقد يُحدِّث المنَجِّم فيُصيب، لكن كلّ ذلك يكون على النُّدور والقِلّة، والله أعلم. وقال ابن أبي جَمْرة: معنى كَون رُؤيا المؤمن في آخر الزّمان لا تكاد تَكذِب، أنَّها تقع غالباً على الوجه المَرئي، لا تحتاج إلى تَعبير، فلا يَدخُلها الكذب، بخِلَاف ما قبلَ ذلك فإنَّها قد يخفى تأويلها، فيَعبُرها العابِر فلا تقع كما قال، فيَصدُق دخول الكذب فيها بهذا الاعتبار، قال: والحكمة في اختصاص ذلك بآخِرِ الزَّمان أنَّ المؤمن في ذلك الوقت يكون غريباً، كما في الحديث: ((بَدَأ الإسلام غريباً وسيعودُ غريباً) أخرجه مسلم (١٤٥)، فيَقِلّ أَنِيس المؤمن ومُعينه في ذلك الوقت، فيُكرَم بالرُّؤيا الصّادِقة. قال: ويُمكِن أن يُؤْخَذ من هذا سبب اختلاف الأحاديث في عَدَد أجزاء النُّبوّة بالنّسبة لرُؤيا المؤمن، فيقال: كلَّما قَرُبَ الأمر وكانت الرُّؤيا أصدَق ◌ُلَ على أقلّ عَدَد ورَدَ، وعكسه وما بين ذلك. قلت: وتَنبَغي الإشارة إلى هذه المناسبة فيما تقدَّم من المناسَبات. وحاصل ما اجتَمَعَ من كلامهم في معنى قوله: ((إذا اقتَرَبَ الَّمان لم تَكَد رُؤيا المؤمن تَكذِب)) إذا كان المراد آخر الزمان ثلاثة أقوال: أحدها: أنَّ العلم بأُمورِ الدّيانة لمَّا يذهب غالبه بذهابٍ غالب أهله، وتَعذَّرَت النُّبَّة في هذه الأُمّة، / عوِّضوا بالمرائي(١) الصّادِقة، ليُجَدَّدَ لهم ما قد دَرَسَ من العلم. (١) تحرَّف في (س) إلى: بالمرأى. ٤٠٧/١٢ ٤٧٨ باب ٢٦/ح ٧٠١٧ فتح الباري بشرح البخاري والثّاني: أنَّ المؤمنينَ لمَّا يَقِلّ عَدَدهم ويَغْلِب الكفرُ والجهلُ والفِسقُ على الموجودين، يُؤنَس المؤمن ويُعان بالرُّؤيا الصّادِقة إكراماً له وتسلية. وعلى هذَينِ القولَينِ لا يَخْتَصّ ذلك بزمانٍ مُعيَّن، بل كلَّما قَرُبَ فراغ الدُّنيا وأخَذَ أمر الدّين وأهله في الاضمحلال، تكون رُؤيا المؤمن الصّادِق أصدَق. والثّالث: أنَّ ذلك خاصّ بزمان عيسى ابن مريم. وأوَّلها أولاها، والله أعلم. قوله: ((ورُؤْيا المؤمن جُزْء)) الحديث، هو معطوف على جملة الحديث الذي قبلَه، وهو: ((إذا اقتَرَبَ الزّمان)) الحديث، فهو مرفوع أيضاً، وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى قريباً (٦٩٨٨). وقوله: ((وما كان من النُّبوّة فإِنَّه لا يَكذِب)) هذا القَدر لم يَتقدَّم في شيء من طرق الحديث المذكور، وظاهر إيراده هنا أنَّه مرفوع، ولئن كان كذلك، فإنَّه أولى ما فُشِّرَ به المراد من النُّبّة في الحديث، وهو صِفَة الصِّدق، ثمَّ ظَهَرَلي أنَّ قوله بعدَ هذا: قال محمَّد: وأنا أقول هذه، أنَّ الإشارة في قوله: ((هذه)) للجملة المذكورة، وهذا هو السِّرّ في إعادة قوله: قال، بعدَ قوله: هذه، ثمَّ رأيت في (بُغية النُّقّاد)) لابنِ الموّاق أنَّ عبد الحقّ أغفَلَ التَّنبيه على أنَّ هذه الزيادة مُدرَجة، وأنَّه لا شَكّ في إدراجها، فعلى هذا فهي من قول ابن سِيرِين وليست مرفوعة(١). قوله: («وأنا أقول هذه)) كذا لأبي ذرِّ وفي جميع الطّرق، وكذا ذكره الإسماعيليّ وأبو نُعَيم في ((مُستَخرَجَيهما))، ووَقَعَ في ((شرح ابن بَطّال)): وأنا أقول: هذه الأُمّة، وكان يقال، إلى آخره. قلت: وليست هذه اللَّفظة في شيء من نُسَخ ((صحيح البخاريّ)) ولا ذكرها عبد الحقّ في ((جمعه)) ولا الحميديُّ، ولا مَن أخرج حديث عَوف من أصحاب الكتب والمسانيد، وقد تَقَلَّدَه عِيَاض، فذكره كما ذكره ابن بَطّال، وتَبِعَه في ((شرحه)) فقال: خَشِيَ ابن ◌ِيرِين أن يَتأوَّل أحدٌ معنى قوله: ((وأصدَقهم رُؤيا أصدَقهم حديثاً)(٢) أنَّه إذا تَقارَبَ (١) ومما يؤكد ذلك ما رواه أبو بكر القطيعي في ((الرابع من العوالي)) - وهي بانتقاء عمر بن جعفر بن عبد الله ابن أبي السّي من حديث القطيعي عن شيوخه - برقم (٨) عن بشر بن موسى عن هَوْذة بن خليفة عن عوف به، وفي آخره: قال محمد: وما كان من النيوة فإنه لا يكذب. ثم قال: أنا أقول هذا. (٢) أخرجه مسلم (٢٢٦٣) (٦) من حديث أبي هريرة. ٤٧٩ باب ٢٦/ح ٧٠١٧ كتاب التعبير الزَّمان لم يَصدُق إلّا رُؤيا الرجل الصالح، فقال: وأنا أقول: هذه الأُمّة، يعني رُؤيا هذه الأُمّة صادِقة كلّها صالحها وفاچِرِها، ليكونَ صِدق رُؤیاهم زاچِراً لهم وحُجّة علیهم، لدُروسِ أعلام الدّين وطُموس آثاره بموت العلماء وظُهور المنكر، انتهى. وهذا مُرتَّب على ثُبُوت هذه الزيادة وهي لفظ: الأُمّة، ولم أجِدها في شيء من الأُصول. وقد قال أبو عَوَانة الإسفرايِنِيّ بعدَ أن أخرجه موصولاً مرفوعاً من طريق هشام عن ابن سِيرِين: هذا لا يَصِحّ إلّا(١) عن ابن سِيرِين. قلت: وإلى ذلك أشارَ البخاريّ في آخره بقوله: وحديث عَوف أبيَن، أي: حيثُ فصَلَ المرفوع من الموقوف(٢). قوله: ((قال: وكان يقال: الرُّؤْيا ثلاث ... )) إلى آخره، قائل قال: هو محمّد بن سِيرِين، وأَبهَمَ القائلَ في هذه الرِّواية، وهو أبو هريرة، وقد رَفَعَه بعض الرُّواة ووقَفَه بعضهم، وقد أخرجه أحمد (٩١٢٩) عن هَوذة بن خليفة عن عَوف بسندِه مرفوعاً: ((الرُّؤيا ثلاث)) الحديث مِثله، وأخرجه التِّرمِذيّ (٢٢٨٠) والنَّسائيُّ (١٠٦٨٠) من طريق سعيد بن أبي عَرُوبة عن قَتَادة عن ابن سِيرِين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّ: ((الرُّؤيا ثلاثٌ: فُرُؤیا حَقّ، ورُؤیا مُحدِّث بها الرجل نفسه، ورُؤيا تحزين من الشَّيطان))، وأخرجه مسلم (٦/٢٢٦٣) وأبو داود (٥٠١٩) والتِّرمِذيّ (٢٢٧٠) من طريق عبد الوهّاب الثَّقفيّ عن أيوب عن محمَّد بن سِيرِين مرفوعاً أيضاً بلفظ: ((الرُّؤيا ثلاث، فالرُّؤيا الصالحة بُشرَى من الله)) والباقي نحوه. قوله: ((حديث النَّفْس، وتخويف الشَّيطان، ويُشْرَى من الله)) وَقَعَ في حديث عَوف بن مالك عندَ ابن ماجَهْ (٣٩٠٧) بسندٍ حسن رَفَعَه: «الرُّؤيا ثلاث: منها أهاويل من الشَّيطان ليَحُزُن ابنَ آدم، ومنها ما يَهُمُّ به الرجلُ في يَقَظَته فيراه في مَنامه، ومنها جُزءٌ من ستّةٍ وأربعينَ جُزءاً من النُّبُوّة)). (١) في (س): هذا لا يصح مرفوعاً عن ابن سيرين، والمثبت من (ع) ومن ((انتقاض الاعتراض)) للحافظ ٧٠٠/٢، وسقطت هذه الفقرة برُمَّتها من (أ). (٢) الأليق بهذه الفقرة أن تكون بعد نقل كلام ابن الموّاق المتقدم قريباً، حتى لا يُظَنَّ عَودُها على لفظة ((الأمة)) التي علَّق عليها الحافظ هنا، والله أعلم. ٤٨٠ باب ٢٦/ح ٧٠١٧ فتح الباري بشرح البخاري قلت: وليس الحصر مُراداً من قوله: ((ثلاث)) لُبُوتِ نوع رابع في حديث أبي هريرة في الباب، وهو حديث النَّفْس، وليس في حديث أبي قَتَادة (٦٩٨٤) وأبي سعيد (٦٩٨٥) الماضيَيْنِ سوى ذِكْر وصف الرُّؤيا بأنَّها مكروهة ومحبوبة، أو حَسنة وسَيِّئَة. وبَقِيَ نوع خامس، وهو تَلاعُب الشَّيطان، وقد ثَبَتَ عندَ مسلم (١٥/٢٢٦٨) من حديث ٤٠٨/١٢ جابر/ قال: جاء أعرابيّ فقال: يا رسول الله، رأيت في المنام كأنَّ رأسي قُطِعَ فأنا أتبَعُه، وفي لفظ: فقد خَرَجَ فاشْتَدَدت في أثره، فقال: ((لا تُخْبِرِ بتَلاعُبِ الشَّيطان بك في المنام))، وفي رواية له: ((إذا تَلاعَبَ الشّيطان بأحدِکم في منامه فلا ◌ُبِر به الناس». ونوع سادس وهو رُؤيا ما يَعتاده الرَّائي في اليَقَظة، كمَن كانت عادته أن يأكل في وقتٍ، فنامَ فيه، فرأى أنَّه يأكل، أو باتَ طافحاً من أكل أو شُرب فرأى أنَّه يَتَقَيَّا، وبينه وبين حديث النَّفْس عموم وخُصوص. وسابع وهو الأضغاث. قوله: ((فَمَن رَأى شيئاً يَكْرَهه فلا يَقُصّه على أحد، ولْيَقُم فلْيُصَلِّ)) زاد في رواية هَوذة: ((فإذا رأى أحدكم رُؤيا تُعجِبِه فليقُصَّها لمن يَشاء، وإذا رأى شيئاً يَكرَهه)) فذكر مثله. ووَقَعَ في رواية أيوب عن محمّد بن سِیرِین: «فلیُصلِّ ولا مُحدِّث بها الناس))، وزاد في رواية سعيد ابن أبي عَرُوبة عن ابن سِيرِين عندَ التِّرمِذيّ: وكان يقول: ((لا تقصّ الرُّؤيا إلّا على عالم أو ناصح)) وهذا وَرَدَ معناه مرفوعاً (١) في حديث أبي رَزينٍ عندَ أبي داود (٥٠٢٠) والتِّرمِذيّ (٢٢٧٨) وابن ماجَهْ (٣٩١٤): ((ولا يَقُصّها إلّا على وادّ أو ذي رأي))(٢)، وقد تقدَّم شرح هذه الزّيادة في ((باب الرُّؤيا من الله تعالى)) (٦٩٨٤). (١) ظاهر كلام الحافظ رحمه الله هنا يُوهم أنَّ هذا الحديث الذي ذكره موقوف، وليس في رواية الترمذي ما يدلُّ على وقفه، بل رواه الترمذي معطوفاً على عدة أحاديث مرفوعة في الرؤيا، وأخرجه الدارمي مقتصراً عليه (٢١٤٧) بإسناد الترمذي نفسه، فرفعه. وسيشير الحافظ إلى رواية الترمذي هذه مرة أخرى عند ذكر الخلاف في رفع ووقف ذكر القيد والغلّ، مقرراً أنَّ ظاهر ما عند الترمذي أنَّ كل تلك الأحاديث المعطوفة مرفوعة، فخالف قوله هنا. (٢) لفظه عند الترمذي: وأحسبه قال: ((ولا يحدِّث بها إلا لبيباً أو حبيباً».