النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
باب ١٠/ ح ٦٩٩٤-٦٩٩٧
كتاب التعبير
٦٩٩٤ - حدَّثنا مُعَلَّى بنُ أسَدٍ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ مُخْتَّارِ، حَدَّثنا ثابتٌ البُنائيُّ، عن أنسِ ◌َ﴾،
قال: قال النبيُّ ◌َّهِ: ((مَن رآني في المنام فقد رآني، فإنَّ الشَّيطانَ لا يَتَمثَّلُ بِي، وَرُؤْيا المؤمنِ جُزْءٌ
من ستّةٍ وأربعينَ جُزْءاً منَ النُبوة)).
٦٩٩٥ - حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيثُ، عن عُبيدِ الله بنِ أبي جعفرٍ، أخبرني أبو
سَلَمَةَ، عن أبي قَتَادَةَ، قال: قال النبيُّنَّه: «الزُّؤْيا الصالحةُ منَ الله، والحُلْمُ منَ الشَّيطان، فمَن
رَأى شيئاً يَكْرَهُه فلْيَنْفِث عن شِماله ثلاثاً، ولْيَتَعَوَّذ مِنَ الشَّيطان، فإنَّا لا تَضُرُّه، وإنَّ الشَّيطانَ
لا یتراءی بي)».
٦٩٩٦ - حدّثنا خالدُ بنُ خَلِيٍّ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ حَرْبٍ، حذَّثني الزُّبَيدِيُّ، عن الزُّهْريِّ، قال
أبو سَلَمَةَ: قال أبو قَتَادَةَ ﴾: قال النبيُّ وَّهِ: ((مَن رآني فقد رَأْى الحقَّ)).
تابَعَه يونسُ وابنُ أخي الزُّهْريِّ.
٦٩٩٧ - حذَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، حدَّثنا اللَّيثُ، حدَّثني ابنُ الهادِ، عن عبدِ الله بنِ خَبّابٍ، عن
أبي سعيدِ الخُدْرِيِّ، سمعَ النبيَّ ◌َّ يقول: ((مَن رآني فقد رَأى الحقَّ، فإنَّ الشَّيطانَ لا يَتَكَوَّنُنِي)).
الحدیث الثاني: حديث أنس.
قوله: ((مَن رآني في المنام فقد رآني)) هذا اللَّفظ وَقَعَ مِثله في حديث أبي هريرة کما مضى في
كتاب العلم (١١٠) وفي كتاب الأدب (٦١٩٧). قال الطِّييُّ: اَّحَدَ في هذا الخبر الشَّرطُ
والجزاءُ، فدلَّ على التَّناهي في المبالَغة، أي: مَن رآني فقد رأى حقيقتي على كمالها بغير شُبهة
ولا ارتياب فيما رأى، بل هي رُؤيا كاملة، ويُؤيِّده قوله في حديثَي أبي قَتَادة وأبي سعيد:
((فقد رأى(١) الحقّ)) أي: رُؤية الحقّ لا الباطل، وهو يَرُدّ ما تقدَّم من كلام مَن تَكلَّفَ في
تأويل قوله: ((مَن رآني في المنام فسَيَراني في اليَقَظة))، والذي يظهر لي أنَّ المراد مَن رآني في
المنام على أيّ صِفَةٍ كانت فليَسْتَبَشِر، ويَعلم أنَّه قد رآني الرُّؤيا الحقّ التي هي من الله، لا الباطل
(١) كذا قال الحافظ رحمه الله هنا: ((رأى)) وهو تحريف بالنسبة للرواية التي وقعت للطيبي من ((مشكاة المصابيح))
وعليها شرحه، كما بيناه قريباً، والذي يدلُّ على التحريف تقدير الطيبي للكلام.

٤٤٢
باب ١٠/ح ٦٩٩٤-٦٩٩٧
فتح الباري بشرح البخاري
الذي هو الحُلُم، فإنَّ الشَّيطان لا يَتَمثَّل بي.
قوله: ((فإنَّ الشَّيطان لا يَتَمثَّل بي)» قد تقدَّم بيانه، وفيه: ((ورُؤيا المؤمن جُزء)) الحديث،
وقد سَبَقَ قبل خمسة أبواب (٦٩٨٣).
الحديث الثالث: حديث أبي قَتَادة: ((الرُّؤيا الصالحة من الله)) وسيأتي شيء من شرحه في
((باب الخُلُم من الشَّيطان)) (٧٠٠٥)، وفيه: ((فإِنَّ الشَّيطان لا يَتَراءَى بي)) وقد ذكرتُ ما
فیه(١).
الحديث الرابع: حديث أبي قَتَادة: ((مَن رآني فقد رَأى الحقّ)) أي: المنام الحقّ، أي: الصِّدق،
ومثله في الحديث الخامس.
قال الطِّييُّ: الحقّ هنا مصدر مُؤكِّد(٢)، أي: فقد رأى رُؤية الحقّ، وقوله: ((فإنَّ الشَّيطان لا
يَتَمثَّل بي)) لتَتَمِيمِ المعنى والتَّعليل للحُكم.
قوله: ((تابَعَه يونس)) يعني: ابن يزيد ((وابن أخي الزُّهْريّ)) هو محمَّد بن عبد الله بن
مُسلم، يريد أنَّهما رَوياه عن الزُّهْريّ كما رواه الزُّبَيديّ، وقد ذكرتُ في الحديث الأوَّل أنَّ
مسلمً (٢٢٦٧) وَصَلَهما من طريقهما وساقَه على لفظ يونس، وأحالَ برواية ابن أخي
الزُّهْريّ عليه، وأخرجه أبو يَعْلى في ((مُسنَده)(٣) عن أبي خَيْئمةَ شيخ مسلم فيه، ولفظه:
((مَن رآني في المنام فقد رأى الحقّ)). وقال الإسماعيليّ: وتابَعَهما شُعَيب بن أبي حمزة عن
الزُّهْرِيّ. قلت: وَصَلَه الذُّهْلِيُّ في ((الزُّهْرِيّات))(٤).
(١) عند شرح حديث أبي هريرة أول أحاديث هذا الباب.
(٢) لا يستقيم إيراد إعراب الطيبي للفظة ((الحق)) هنا بأنها مصدر مؤكِّد، أي نائب عن المفعول المطلق، لأنه كما بيناه
قريباً مبنيٌّ على الرواية التي وقعت له من ((مشكاة المصابيح))، وهي: ((رآني الحقَّ)) بزيادة النون وياء المتكلم،
والطيبي نفسه قد غاير بين ما وقع له، وبين ما جاء عند البخاري ومسلم، وأعرب لفظة ((الحق)) على ما جاء
عندهما بأنها مفعول به. وانظر ((شرحه)) ٩/ ٣٠٠٠.
(٣) هو في ((مسنده الكبير))، فقد أخرجه الحافظ في ((تغليق التعليق)) ٢٦٨/٥ من طريق ابن المقرئ راوي ((مسند
أبي یعلی الکبیر)» عنه.
(٤) كذا وقع مُبيَّناً في (ع) و(س)، وبيَّض له في (أ)، فكأنه لم يكن وقف عليه، ثم اطلع عليه بعدُ عند الذُّهلي، =

٤٤٣
باب ١١/ح ٦٩٩٨
كتاب التعبير
الحديث الخامس: حديث أبي سعيد: ((مَن رآني فقد رأى الحقّ، فإنَّ الشَّيطان لا يَتَكَوَّنُني))،
وقد تقدَّم ما فيه(١)، وابن الهاد في السَّند: هو يزيد بن عبد الله بن أُسامة.
قال الإسماعيليّ: ورواه يحيى بن أيوب عن ابن الهاد قال: ولم أرَه - يعني البخاريَّ - ذَكَر عنه
- أي: عن يحيى بن أيوب - حديثاً برأسِه إلّا استدلالاً - أي: مُتَابَعة - إلّا في حديث واحد ذكره
في التُّدُور، من طريق ابن جُرَيج عن يحيى بن أيوب عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن
عُقْبة بن عامر في قصّة أُخته.
قلت: والحديث المذكور أخرجه البخاريّ عن أبي عاصم عن ابن جُرَيج بهذا السَّند،
وسَقَطَ في بعض النُّسَخ من ((الصَّحيح))، لكنَّه أورَدَه في كتاب الحجّ(٢) عن أبي عاصم،
وليس كما قال الإسماعيليّ: إنَّه أخرجه ليحيى بن أيوب استقلالاً، فإنَّه أخرجه من رواية
هشام بن يوسف عن ابن جُرَيج عن سعيد بن أبي أيوب، فكأنَّ لابنِ جُرَيج فيه شيخَين،
وكلّ منهما رواه له عن يزيد بن أبي حبيب، فأشارَ البخاريّ إلى أنَّ هذا الاختلاف ليس
بقادحِ في صِحّة الحديث، وظَهَرَ بهذا أنَّه لم يُخُرِّجه ليحيى بن أيوب استقلالاً، بل بمُتابَعة
سعید بن أبي أيوب.
١١ - باب رؤیا اللیل
٣٩٠/١٢
رواه سَمُرةُ.
٦٩٩٨ - حدَّثنا أحمدُ بنُ المِقْدامِ العِجْلِيُّ، حذَّنا محمَّدُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ الطُّفَاوِيُّ، حدّثنا
أيوبُ، عن محمَّدٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال النبيُّ ◌َّ: ((أَعْطِيتُ مفاتيحَ الكَلمِ، ونُصِرْتُ
بالرُّعْبِ، وبينا أنا نائمٌ البارحةَ، إذ أَتِيتُ بمفاتيح خزائنِ الأرضِ حتَّى وُضِعَت في يَدِي)).
قال أبو هريرةَ: فذهب رسولُ الله ◌ٍَّ، وأنتم تَنْتَقِلونَها.
= والله تعالى أعلم.
(١) عند شرح أول أحاديث هذا الباب.
(٢) بإثر الحديث (١٨٦٦).

٤٤٤
باب ١١/ح ٦٩٩٨ - ٧٠٠٠
فتح الباري بشرح البخاري
٦٩٩٩ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، عن مالكِ، عن نافعٍ، عن عبدِ الله بنِ عمَرَ رضي الله
عنهما، أنَّ رسولَ الله ◌َِّ قال: ((أُراني اللَّيلةَ عندَ الكَعْبةِ، فرأيتُ رجلاً آدمَ كأحسنِ ما أنتَ راءٍ
من أُدْم الرِّجال، له لِمّةٌ كأحسنٍ ما أنتَ راءٍ منَ اللِّمَمِ، قد رَجَّلَها تَقْطُرُ ماءً، مُتَكِئاً على رَجُلَينِ
- أو على عَواتِقِ رَجُلَينِ - يَطوفُ بالبيتٍ، فسألتُ مَن هذا؟ فقِيلَ: المسيحُ ابنُ مريمَ، وإذا أنا
برجُلٍ جَعْدٍ قَطَطٍ، أعوَرِ العينِ اليُمنَى، كأنَّهَا عِنَبَةٌ طافيةٌ، فسألتُ مَن هذا؟ فقِيلَ: المسيحُ
الدَّجّال)).
٧٠٠٠- حدَّثنا يحيى، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن يونُسَ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله، أنَّ
ابنَ عبَّاسٍ كان يُحدِّثُ: أنَّ رجلاً أتى رسولَ الله وَهِ فقال: إني رأيتُ اللَّيلةَ في المنامِ ... وساقَ
الحديثَ.
وتابَعَه سليمانُ بنُ كَثير وابنُ أخي الزُّهْريِّ وسفيانُ بنُ حسينٍ، عن الزُّهْريِّ، عن عُبيدِ الله،
عن ابنِ عبَّاسٍ، عن النبيِّ ◌ِلَّ.
وقال الزُّبَيدِيُّ، عن الزُّهْريِّ، عن عُبيدِ اللهِ: أنَّ ابنَ عبَّاسٍ أو أبا هريرةَ، عن النبيِّ ◌ِّ.
وقال شُعَيبٌّ وإسحاقُ بنُ يحيى، عن الزُّهْريِّ: كان أبو هريرةَ يُحدِّثُ عن النّبِيِّ ◌َِّه.
وكان مَعمَرٌ لا يُسْنِده حتَّی کان بَعْدُ.
[طرفه في: ٧٠٤٦]
قوله: ((باب رُؤْيا اللَّيل)) أي: رُؤيا الشّخص في اللَّل، هل تُساوي رُؤياه بالنَّهار أو
تَتَفاوتان؟ وهل بين زمانٍ كلٍّ منهما تَفاوتٌ؟ وكأنَّه يشير إلى حديث أبي سعيد: ((أصدَقُ
الرُّؤيا بالأسحار)) أخرجه أحمدُ (١١٢٤٠ و ١١٦٥٠) مرفوعاً وصَحَّحَه ابن حِبّان (٦٠٤١)(١)،
وذكر نَصرُ بن يعقوب الدِّينَوَريّ أنَّ الرُّؤيا أوَّلَ اللَّيل يُبطئ تأويلُها، ومن النّصف الثّاني يُسرِع
بتَقاوُتِ أجزاء اللَّيل، وأنَّ أسرعَها تأويلاً رُؤيا السَّحَر، ولا سيّما عند طلوع الفجر. وعن جعفر
(١) هو من رواية درّاج أبي السَّمْح عن أبي الهيثم العُتْواري، وروايته عنه ضعيفة، وعدَّ ابن عُدي حديثه هذا
مما يُنكر علیه.

٤٤٥
باب ١١/ح ٦٩٩٨ - ٧٠٠٠
كتاب التعبير
الصّادِقِ أسرعُها تأويلاً رُؤيا القَيلولة.
وذکر فیه أربعة أحاديث:
الأول:
قوله: ((رواه سَمُرة)) يشير إلى حديثه الطّويل الآتي في آخر كتاب التَّعبير (٧٠٤٧)، وفيه:
(«إنه أتاني الليلة آتيان))، وسيأتي الكلام عليه هناك.
الحديث الثاني:
قوله: ((عن محمَّد)) هو ابن ◌ِيرِين، وصَرَّحَ به في رواية أسلَمَ بن سهل عن أحمدَ بن المقدام
شيخ البخاريّ فيه عند أبي نُعَيم، والسَّند كلّه بصريّونَ.
قوله: ((أُعْطيت مفاتيح الكَلِم، ونُصِرَت بالرُّعْبِ)) كذا في هذه الرِّواية، وقد أخرجه
الإسماعيليّ عن الحسن بن سفيان وعبد الله بن ياسين(١)، كلاهما عن أحمدَ بن المقدام شيخ
البخاريّ فيه، بلفظ: ((أُعطيت جَوامع الكَلِم))، وأخرجه عن أبي القاسم البَغَويِّ عن أحمدَ
ابن الِقِدام باللَّفظِ الذي ذكره البخاريّ، ووَقَعَ في رواية أسلَمَ بن سهل بلفظ: / ((فواتح ٣٩١/١٢
الكَلم)»(٢)، وسيأتي بعد أبواب (٧٠١٣) من رواية سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة بلفظ:
(بُعِثت بجَوامع الكَلم)). قال البَغَويُّ فيما ذكره عنه الإسماعيليّ: لا أعلمُ حدَّث به عن
أيوب غيرَ محمَّد بن عبد الرَّحمن(٣).
قوله: ((وبينا أنا نائم البارحةَ، إذ أتيت بمفاتيح خزائن الأرض)) سيأتي شرحه مُستَوَّى إن
شاء الله تعالى في كتاب الاعتصام (٧٢٧٣).
الحديث الثالث: حديث ابن عمر في رُؤيَته ◌َِّ المسيحَ ابن مريم والمسيحَ الدَّجّال.
قوله: ((أُراني اللَّيلة عند الكَعْبة)) سيأتي (٧٠٢٦) في ((باب الطَّواف بالكعبة)) من وجهٍ آخر
(١) هو عبد الله بن محمد بن ياسين الُّوري.
(٢) وهي رواية محمد بن عثمان العقيلي عن الطُّفاوي عند البزار (٩٨٥٤).
(٣) وقال ذلك قبله البزار في ((مسنده)) بإثر الحديث (٩٨٥٤).

٤٤٦
باب ١١/ح ٦٩٩٨ - ٧٠٠٠
فتح الباري بشرح البخاري
عن ابن عمر بلفظ: ((بَيْنا أنا نائمٌ رأيتُني أطوف بالكعبة)) الحديث، وسيأتي الكلام عليه هناك
إن شاء الله تعالى.
الحديث الرابع:
قوله: «حدّثنا یحیی)) هو ابن عبد الله بن بُگیر.
قوله: ((أنَّ رجلاً أتى النبيّ وَله فقال: إني رأيتُ اللَّيلة في المنام)) وساقَ الحديث. كذا اقتَصَرَ من
الحديث على هذا القَدر، وساقَه بعد خمسة وثلاثينَ باباً (٧٠٤٦) عن يحيى بن بُكَير بهذا السَّند
بتمامه، وسيأتي شرحه هناك إن شاء الله تعالى.
قوله: ((وتابَعَه سليمان بن كَثير وابن أخي الزّهْريّ وسُفْيان بن حسين ... )) إلى آخره، أمَّا
مُتَابَعة سليمان بن كثير فوَصَلَها مسلم (١٧/٢٢٦٩) من رواية محمَّد بن كثير عن أخيه،
ووَقَعَ لنا بعُلوِّ في ((مُسنَد الدَّارِمِيّ)) (٢١٥٦)، وأمَّا مُتَابَعة ابن أخي الزُّهْرِيّ، فَوَصَلَها
الذُّهْلِيُّ في ((الزُّهْرِيّات))، وأمَّا مُتَابَعة سفيان بن حسين فوَصَلَها أحمدُ (٢١١٣) عن يزيد بن
هارون عنه.
قوله: ((وقال الزُّبَيديّ عن الزُّهْريّ)) فذكره بالشكِّ في ابن عبّاس أو أبي هريرة، قلت: وَصَلَها
مسلم أيضاً (٢٢٦٩/ ١٧).
قوله: ((وقال شُعَيب وإسحاق بن يحيى عن الزُّهْريّ: كان أبو هريرة يُحدِّث)) قلت: وَصَلَهما
الذُّهْلِيُّ في ((الزُّهْرِيّات)).
قوله: ((وكان مَعمَر لا يُسْنِده حتَی کان بَعْدُ)) وَصَلَه إسحاق بن راهويه في «مُسنَده)) عن
عبد الرَّزّاق عن مَعمَر عن الزُّهْريّ، کرواية يونس، ولكن قال: عن ابن عبّاس، كان أبو
هريرة يُحدِّث. قال إسحاق: قال عبد الرَّزّاق: كان مَعمَر يُحدِّث به فيقول: كان ابن عبّاس،
يعني ولا يَذكُر عُبيد الله بن عبد الله في السَّند، حتَّى جاءه زَمْعةُ بكتابٍ فيه: عن الزُّهْريّ
عن عُبيد الله عن ابن عبّاس، فكان لا يَشُكّ فيه بعْدُ. وأخرجه مسلم (١٧/٢٢٦٩) عن
محمّد بن رافع.

٤٤٧
باب ١٢/ح ٧٠٠١ -٧٠٠٢
كتاب التعبير
وأفادَ الإسماعيليّ فيه اختلافاً آخر عن الزُّهْريّ، فساقَه من رواية صالح بن کَیْسانَ عنه
فقال: عن سليمان بن يَسار عن ابن عبّاس، والمحفوظ قول من قال: عن عُبيد الله بن
عبد الله بن عُتبةً.
١٢ - باب رؤیا النَّهار
وقال ابنُ عَوْنٍ، عن ابنِ سِيرِينَ: رُؤْيا النَّهَار مِثْلُ اللَّيلِ.
٧٠٠١ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ الله بنِ أبي طَلْحةً،
أَنَّه سمعَ أنسَ بنَ مالكٍ يقول: كان رسولُ اللهِ وَّهِ يَدخُلُ على أمِّ حَرام بنت مِلْحانَ، وكانت
تحتَ عُبادةَ بنِ الصّامِتِ، فدَخَلَ عليها يوماً فأطعَمَتْه، وجَعَلَت تَفْلي رأسَه، فنامَ رسولُ الله وَِّ،
ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وهو يَضْحَك.
٧٠٠٢ - قالت: فقلتُ: ما يُضْحِكُكَ يا رسولَ الله؟ قال: «ناسٌ من أمَّتي عُرِضوا عليَّ غُزاةً في
سبيلِ اللهِ، يَرْكَبونَ تَبَجَ هذا البحرِ، مُلوكاً على الأسِرّةِ - أو مِثلَ الملوكِ على الأسِرّةِ -)» وشَكَّ
إسحاقُ، قالت: فقلتُ: يا رسولَ الله، ادعُ الله أن يجعلَني منهم، فدَعَا لها رسولُ الله ◌ِصَ لَّ، ثُمَّ
وضَعَ رأسَه، ثمّ استَقَظَ وهو يَضْحَكُ، فقلتُ: ما يُضْحِكُكَ يا رسولَ الله؟ قال: («ناسٌ من
أمَّتي عُرِضوا عليَّ غُزاةً في سبيلِ الله)) كما قال في الأولى، قالت: / فقلتُ: يا رسولَ الله، ادعُ الله ٣٩٢/١٢
أن يجعلَني منهم، قال: ((أنتِ منَ الأوَّلينَ)). فَرَكِيَتِ البحرَ في زمان معاويةَ بنِ أبي سفيانَ، فصُرِعَت
عن دابَتِها حينَ خَرَجَتْ منَ البحرِ فَهَلَكَتْ.
قوله: ((بابِ رُؤْيا النَّهار)) كذا لأبي ذرِّ(١)، ولغيره: ((باب الرُّؤيا بالنَّهار)).
قوله: ((وقال ابن عَوْن)) هو عبد الله ((عن ابن سِيرِينَ)) هو محمَّد.
قوله: ((رُؤْيا النَّهَار مِثْلِ اللَّيل)) في رواية السَّرَخْسِيّ: ((مِثلِ رُؤيا اللَّيل)) وهذا الأثر وَصَلَه
عليّ بن أبي طالب القَيروانيّ في كتاب ((التَّعبير)) له من طريق مَسعَدة بن اليَسَع عن عبدَ الله
ابن عَوْن به. ذكر ذلك مُغَلْطاي.
(١) قال القسطلّاني: كذا لأبي ذرِّ مما ليس في اليونينية.

٤٤٨
باب ١٣/ح ٧٠٠٣
فتح الباري بشرح البخاري
قال القَيروانيّ: ولا فرقَ في حُكم العِبارة بين رُؤيا اللَّيل والنَّهار، وكذا رُؤيا النِّساء
والرِّجال.
وقال المهلَّب نحوه، وقد تقدَّم ما نُقِلَ(١) عن بعضهم في التَّقاوُت، وقد يَتَفاوتان أيضاً
في مراتب الصّدق.
وذكر في الباب حديثَ أنس في قصَّة نَوم النبيّ وَ ◌ّ عند أمّ حَرام، وفيه: فدَخَلَ عليها
يوماً فأطعَمَته، وجَعَلَت تَفْلي رأسَه، فنامَ، وقد تقدَّم شرحُه مُستَوفَّى في كتاب الاستئذان
(٦٢٨٢ و٦٢٨٣) في ((باب مَن زَار (٢) قوماً فقال عندهم)) أي: من القائلة.
وذكر ابن التِّين أنَّ بعضهم زَعَمَ أنَّ في الحديث دليلاً على صِحّة خِلافة معاوية، لقولِه
في الحديث: فَرَكِبَتِ البحر زمن معاوية، وفيه نظر، لأنَّ المراد بزَمَنِهِ زمنَ إمارَته على الشّام
في خلافة عثمان، مع أنّه لا تعرُّضَ في الحدیث إلى إثبات الخلافة ولا نفيها، بل فیه إخبارٌ بما
سيكونُ فكان كما أخبر، ولو وَقَعَ ذلك في الوقت الذي كان يُدعَى معاوية خليفةً لم یکن في
ذلك مُعارَضة لحديثِ الخِلافة بعدي ثلاثونَ سنة؛ لأنَّ المراد به خِلَافةُ النُّبوّة، وأمَّا معاوية
ومَن بعده فكان أكثرُهم على طريقة الملوك، ولو سُمّوا خُلَفاءَ، والله أعلم.
١٣ - باب رؤيا النّساء
٧٠٠٣ - حدَّثنا سعيدُ بنُ عُفَيٍ، حدَّثني اللَّيثُ، حدَّثني عُقَيلٌ، عن ابنِ شِهابٍ، أخبرني
خارجةُ بنُ زيدٍ بنِ ثابتٍ، أنَّ أَّ العلاءِ - امرأةً منَ الأنصار بايعَت رسولَ الله وَّهِ - أخبَرَتْه:
أَنَّهُمُ اقْتَسَموا المهاجِرِينَ قُرْعةً، قالت: فطارَ لنا عُثمانُ بنُ مَظْعونٍ، وأنزَلْناه في أبياتنا، فوَجِعَ وجَعَه
الذي تُوِّيَ فيه، فلمَّا تُوقِّيَ غُسِّلَ، وكُفِّنَ في أثْوابه، دَخَلَ رسولُ اللهِ وَّهِ فقلتُ: رحمةُ الله
عليكَ أبا السائبِ، فشهادتي عليكَ لقد أكرَمَكَ الله. فقال رسولُ الله ◌َّ: ((وما يُدرِيكِ أنَّ الله
أكرَمَه؟)) فقلتُ: بأبي أنتَ يا رسولَ الله، فمَن يُكْرِمُه الله؟ فقال رسولُ اللهِوَّةِ: ((أمَّا هو، فوالله
(١) جاء في (س): تقدم نحو ما نقل. بإقحام لفظة ((نحو)).
(٢) تحَّف في (س) إلى: رأى.

٤٤٩
باب ١٤ / ح ٧٠٠٤ -٧٠٠٥
كتاب التعبير
لقد جاءه اليَقِينُ، والله إنّي لأرجو له الخيرَ، ووالله ما أدري - وأنا رسولُ الله - ماذا يُفْعَلُ بي)»
فقالت: والله لا أُزَكّي بعدَه أحداً أبداً.
٧٠٠٤ - حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ بهذا، وقال: ((ما أدري ما يُفْعَلُ به))،
قالت: وأحزَنَني، فنِمْتُ فرأيتُ لعُثمانَ عيناً تَجْرِي، فأخبَرَتُ رسولَ الله ◌َ، فقال: ((ذلك عَملُه)).
قوله: ((باب رُؤْيا النِّساء)) تقدَّم كلام القَيروانيّ وغيره في ذلك، وذكر أيضاً أنَّ المرأة إذا
رأت ما ليست له أهلاً فهو لزوجِها، وكذا حُلُم(١) العبد لسَيِّدِه، كما أنَّ رُؤيا الطِّفل لأبويه،
وذكر ابن بَطّال الاتّفاق على أنَّ رُؤيا المؤمنة / الصالحة داخلة في قوله: ((رؤيا المؤمن الصالح ٣٩٣/١٢
جُزءٌ من أجزاء النُّبوّة».
وذكر في الباب حديث أمّ العلاء في قصَّة عثمان بن مظعون، ورُؤياها له العينَ الجاريةَ،
وقد مضى شرحه في أوائل الجنائز (١٢٤٣)، وذكر في الشَّهادات (٢٦٨٧)، وفي الهجرة
(٣٩٢٩)، ويأتي الكلام على العَين الجارية بعد ثلاثة عشرَ باباً (٧٠١٨) إن شاء الله تعالى.
وقوله هنا: (فوجعَ)) أي: مَرِضَ، وزنه ومعناه، ويجوز ضَمُّ الواو.
١٤ - باب الحُلْم من الشّيطان، وإذا حَلَم فلْيبصُق عن يسارِهِ،
ولیستعِذْ بالله
٧٠٠٥ - حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن عُقَيل، عن ابنِ شِهابٍ، عن أبي سَلَمَةَ،
أَنَّ أبا قَتَادَةَ الأنصاريَّ، وكان من أصحاب النبيِّ وَ ◌ّهِ وفُرْسانه، قال: سمعتُ رسولَ الله ◌َّ
يقول: ((الرُّؤْيا منَ الله، والحُلْمُ منَ الشَّيطان، فإذا حَلَمَ أحدُكُمُ الخُلْمَ يَكْرَهُه، فَلْيَبْصُق عن
يَساره، ولْيَستَعِذ بالله منه، فلن يَضُرَّه)».
قوله: ((باب الخُلُم من الشَّيطان، وإذا حَلَمَ فَلْيَبْصُق عن يَساره ولْيَسْتَعِدْ بالله)) هكذا تَرجَمَ
لبعضِ ألفاظ الحديث، وقد تقدَّم شرحُه قريباً (٦٩٨٤)، والحُلم، بضمِّ المهمَلة وسكون اللّام،
وقد تُضَمُّ: ما يراه النائم، ولم يَحَكِ النَّوويّ غير السُّكون، يقال: حَلَمَ بفتح اللّام يَلُم بضمِّها،
(١) تحرَّفت في الأصلين و(س) إلى: حكم.

٤٥٠
باب ١٥/ ح ٧٠٠٦
فتح الباري بشرح البخاري
وأمَّا مِن الحِلْمِ، بكسر أوَّله وسكون ثانيه، فيقال: حَلُمَ بضمِّ اللّام. وجمع الحُلْم بالضَّمِّ،
والحِلم بالكسر: أحلام.
وذكر فيه حديثَ أبي قَتَادة، وسيأتي الإلمام بشيءٍ منه في شرح حديث أبي هريرة في
(باب القيد في المنام))، وإضافة الحُلُم إلى الشّيطان بمعنى أنَّها تُناسب صِفَته من الكذب
والتَّهويل وغير ذلك، بخِلاف الرُّؤيا الصّادِقة، فأُضيفَت إلى الله إضافةَ تشريفٍ، وإن كان
الكلّ بخلقِ الله وتقديره، كما أنَّ الجميع عباد الله، ولو كانوا عُصاةً كما قال: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ
الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىَّ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ﴾
[الحجر: ٤٢].
١٥- باب اللَّبَن
٧٠٠٦- حدَّثْنا عَبْدَانُ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا يونسُ، عن الزُّهْريِّ، أخبرني حمزةُ بنُ
عبدِ الله، أنَّ ابنَ عمرَ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ وَهَ يقول: ((بينا أنا نائمٌ أَتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ،
فَشَرِبتُ منه حتَّى إنّي لأَرَى الِّيَّ يَخْرُجُ في أظافيري، ثمَّ أعطَيتُ فضلي - يعني - عُمرَ)) قالوا: فما
أوَّلْتَه يا رسولَ الله؟ قال: ((العِلمَ)).
قوله: ((باب اللَّبَن)) أي: إذا رُئِيَ في المنام بماذا يُعبّر؟ قال المهلَّب: يدلّ على الفِطْرة والسُّنّة
والقرآن والعِلم.
قلت: وقد جاء في بعض الأحاديث المرفوعة تأويلُه بالفِطْرة، كما أخرجه البزَّار (١٠٠٥٩)
من حديث أبي هريرة رَفَعَه(١): ((اللَّبَن في المنام فِطرةٌ))، وعند الطبرانيّ(٢) من حديث أبي بكرة
رَفَعَه: ((مَن رأى أنَّه شَرِبَ لَبناً فهو الفِطْرة))، ومَضَى في حديث أبي هريرة في أوَّل الأشربة
(٥٥٧٦): أَنَّه ◌َلِّ لِمَّا أخَذَ قَدَح اللَّبَن قال له جِبْريل: الحمد لله الذي هَداك للفِطرة.
(١) لكنه روي من طريق أصح من طريق البزار عند ابن أبي شيبة ١١/ ٧٧، فوقفه على أبي هريرة.
(٢) هو في القسم الذي لم يُعثر عليه من ((معجم الطبراني الكبير)) وقد ذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) ٧/ ١٨٣، وذكر
أنَّ فيه الحكم بن ظهير، وأنه متروك. قلنا: وقد أخرجه أيضاً ابن عدي في ((الكامل)) ٢٠٩/٢، وابن عساكر في
«تاريخ دمشق» ١٣٠/٣٨.

٤٥١
باب ١٥/ ح ٧٠٠٦
كتاب التعبير
وذكر الدِّينَوَريّ أنَّ اللَّبَن المذكور في هذا يَخْتَصّ بالإبل، وأنَّه لشاربِهِ مالٌ حلالٌ وعِلم
وحِكمة، قال: ولَبَن البقر خِصْب السَّنة ومالٌ حلالٌ وفِطرة أيضاً، ولَبَن الشّاة مالٌ وسُرورٌ
وصِحّة جِسم، وألبان الوحش(١) شَكٍّ في الدّين، وألبان السِّباع غيرُ محمودة، إلّا أنَّ لَبَن
اللَّبْوة مالٌ مع عَدَاوة لذي أمر.
قوله: ((حدَّثْنا عبْدان)) كذا للجميع، ووَقَعَ في ((أطراف المِّيّ))/ أنَّ البخاريّ أخرج هذا ٣٩٤/١٢
الحديث في التَّعبير عن أبي جعفر محمَّد بن الصَّلْت، وفي فضل عمر عن عَبْدان، والموجود
في الصَّحيح بالعكس، وعبد الله: هو ابن المبارك، ويونس: هو ابن يزيد، وحمزة الراوي عن
ابن عمر هو ولده.
ووَقَعَ في الباب الذي يليه من وجه آخر عن الزّهْريّ عن حمزة: أنَّه سمعَ عبد الله بن
عمر.
قال ابن العربيّ: لم يُخرِّج البخاريّ هذا الحديث من غير هذه الطَّريق، وكان ينبغي على
طريقته أن يُخِرِّجه عن غيره لو وَجَدَه.
قلت: بل وَجَدَه وأخرجه كما تقدَّم في فضل عمر من طريق سالم أخي حمزة عن
أبيهما(٢)، وإشارته إلى أنَّ طريقة البخاريّ أن يُرِّج الحديث من طريقَينِ فصاعداً إلّا أن لا(٣)
تَجِد، في مقام المنع.
قوله: ((حتَّى إنّي لَأَرَى الرِّيَّ يَخْرُج في أظافيري)) في رواية الكُشمِيهنيّ: ((من أظافيري))(٤)،
(١) وقال الدّميري في ((حياة الحيوان)) ٢٧٩/٢: لبن حمار الوحش.
(٢) الذي تقدم في فضائل عمر (٣٦٨١) هو رواية يونس عن الزهري عن حمزة أيضاً، فلا اعتراض على ابن العربي
في دعواه الأُولى. وقد أخرجه أحمد (٦١٤٣) من طريق معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه. وقال الدارقطني
في «العلل» ١٢/ ٤٥٠ السؤال (٢٨٩٠): من قال: عن حمزة، أصح.
(٣) حرف ((لا)) سقط من الأصلين، والوجه إثباته كما في (س).
(٤) كذا في (أ) و(س)، وفي (ع): رواية الكُشميهني: من أظافري، بدون الياء، وكلاهما مخالف لرواية
الكشميهني حسب ما في اليونينية، ففيها: من أظفاري، بتقديم الفاء على الألف، وهو الذي في ((عمدة
القاري)» للعيني ٢٤/ ١٤٧.

٤٥٢
باب ١٥/ح ٧٠٠٦
فتح الباري بشرح البخاري
وفي رواية صالح بن كَيْسانَ (٧٠٠٧): ((من أطرافي)). وهذه الرُّؤيا يحتمل أن تكون بَصِرِيَّة،
وهو الظّاهر، ويحتمل أن تكون عِلميَّة، ويُؤيِّد الأوَّلَ ما عند الحاكم (٨٥/٣-٨٦) والطبرانيِّ
(١٣١٥٥) من طريق أبي بكر بن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن جَدّه في هذا الحديث:
(فشَرِبت حتَّى رأيتُهُ يَجري في عُروقي بين الجِلد واللَّحم)) على أنَّه مُتَمَل أيضاً.
قوله: (ثُمَّ أعطَيت فضلي - يعني عمر -)) كذا في الأصل، كأنَّ بعض رُواته شَكَّ، ووَقَعَ في
رواية صالح بن کَیْسانَ بالجزم، ولفظه: «فأعطیتُ فضلي عمر بن الخطّاب)، وفي رواية أبي
بكر بن سالم: ((ففَضَلَت فضلة فأعطيتها عمر)).
قوله: ((قالوا: فما أوَّلْتَه)) في رواية صالح: فقال مَن حولَه، وفي رواية سفيان بن عُيَينةً عن
الزُّهْريّ عند سعيد بن منصور: ثمَّ ناولَ فضله عمر، قال: ما أوَّلته؟ وظاهره أنَّ السائل
عمر، ووَقَعَ في رواية أبي بكر بن سالم أنَّه وَلّه قال لهم: (أوِّلوها)) قالوا: يا نبيّ الله، هذا عِلم
أعطاكَه الله فمَلَأك منه، ففَضَلَت فضلة فأعطَيتَها عمر، قال: ((أصَبتُم)).
ويُجمَع بأنَّ هذا وَقَعَ أوَّلاً، ثمَّ احتَمَلَ عندهم أن يكون عنده في تأويلها زيادة على
ذلك، فقالوا: ما أوَّلته ... إلى آخره، وقد تقدَّم بعض شرح هذا الحديث في كتاب العلم
(٨٢) وبعضه في مناقب عمر (٣٦٨١).
قال ابن العربيّ: اللَّبَن رِزق يَخَلُقه الله طيِّاً بين أخباث من دَمِ وفَرْثٍ، كالعلمِ نور
يُظهِره الله في ظُلمة الجهل، فضُرِبَ به المثَلُ في المنام. قال بعض العارفينَ: الذي خَلَّصَ
اللَّبَن من بين فرث ودَم قادرٌ على أن يَخَلُق المعرفة من بين شَكٌّ وجهل ويحفظ العمل عن
غَفلة وزَلَل. وهو كما قال، لكنِ الطَّرَدَتِ العادة بأنَّ العلم بالتَّعَلَّم، والذي ذكره قد يكون
خارقاً للعادة، فيكون من باب الكرامة.
وقال ابن أبي جَمْرة: تأوَّلَ النبيّ نَ ◌ّهِاللََّن بالعلمِ اعتباراً بما بُيِّنَ له أوَّلَ الأمر حين أُتَّ
بقَدَحِ ◌َمر وقَدَح لَبَن، فأخَذَ اللَّبَن، فقال له جِبْريل: أخذت الفِطْرة، الحديث. قال: وفي
الحديث مشروعيَّة قَصّ الكبير رُؤياه على مَن دونه، وإلقاء العالم المسائلَ، واختبار أصحابه

٤٥٣
باب ١٦ -١٧ /ح ٧٠٠٧ -٧٠٠٨
كتاب التعبير
في تأويلها، وأنَّ مِن الأدب أن يَرُدّ الطالب عِلمَ ذلك إلى مُعلِّمه.
قال: والذي يظهر أنَّه لم يُرِد منهم أن يَعبُروها، وإنَّما أراد أن يسألوه عن تَعبيرها،
ففَهموا مُراده فسألوه فأفادَهم، وكذلك ينبغي أن يُسلَك هذا الأدبُ في جميع الحالات.
قال: وفيه أنَّ عِلم النبيّ ◌َّ بالله لا يَبلُغ أحدٌ دَرَجَتَه فيه، لأَنَّه شَرِبَ حتَّى رأى الرِّيّ يَخْرُج من
أطرافه، وأمَّا إعطاؤه فضلَه عمرَ ففيه إشارة إلى ما حَصَلَ لعمر من العلم بالله بحیثُ كان
لا يأخُذه في الله لَومٌ لائم.
قال: وفيه أنَّ مِن الرُّؤيا ما يدلّ على الماضي والحال والمستَقبَل، قال: وهذه أُوَّلَت على
الماضي، فإنَّ رُؤياه هذه تمثيل بأمرٍ قد وَقَعَ، لأنَّ الذي أُعطيَه من العلم كان قد حَصَلَ له،
وكذلك ما أُعطيَه عمر، فكانت فائدة هذه الرُّؤيا تعريفَ قَدر النِّسبة(١) بين ما أُعطيَه من
العلم وما أُعطيَه عمر.
١٦ - باب إذا جرى اللّبن في أطرافه أو أظافيره
٧٠٠٧ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حذَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا أبي، عن صالحٍ، عن
ابنِ شِهابٍ، حدَّثني / حمزة بنُ عبدِ الله بنِ عمرَ، أَنَّه سمعَ عبد الله بنَ عمر رضي الله عنهما يقول: ٣٩٥/١٢
قال رسولُ الله ◌َّ: ((بينا أنا نائمٌ أَتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ، فَشَرِبتُ منه حتَّى إِنِّي لأَرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ من أطرافي،
فأعطَيتُ فضلي عمرَ بنَ الخطّابِ)) فقال مَن حَوْلَه: فما أوَّلْتَ ذلك يا رسولَ الله؟ قال: ((العِلمَ)).
قوله: ((باب إذا جَرَى اللَّبَن في أطرافه أو أظافيره)) يعني في المنام.
ذکر فیه حديث ابن عمر المذکور فیه وقد تقدَّم شرحه فیه.
١٧ - باب القميص في المنام
٧٠٠٨ - حذَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حذَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثني أبي، عن صالحٍ، عن ابنِ
شِهابٍ، قال: حدَّثني أبو أمامةَ بنُ سَهْلٍ، أَنَّه سمعَ أبا سعيدِ الخُذْريَّ يقول: قال رسولُ الله ◌َّ:
(١) تحرفت في (أ) إلى: التسمية، وسقطت هذه العبارة بُرُمَّتها من (ع)، وجاءت على الصواب في (س)، وفاقاً لما في
(بهجة النفوس)) لابن أبي جمرة ٤/ ٢٤٤.

٤٥٤
باب ١٧/ح ٧٠٠٨
فتح الباري بشرح البخاري
(بَيْنا أنا نائمٌ رأيتُ الناسَ يُعرَضونَ، وعليهم قُمُصٍّ منها ما يَبلُغُ القُّدِيَّ، ومنها ما يَبلُغُ دونَ ذلك،
ومَّ عليَّ عمرُ بنُ الخطَّب وعليه قَمِيصٌ يَجُّه)) قالوا: ما أوَّلَتَه يا رسولَ الله؟ قال: ((الدِّينَ)).
قوله: ((باب القَميص في المنام)) في رواية الكُشمِيهنيّ: ((القُمُص)) بضمَّتَينِ بالجمع، وكلاهما
في الخبر.
قوله: (حدّثنا يعقوب بن إبراهيم» أي: ابن سعد بن إبراهيم، وقد مضى في كتاب الإيمان
(٢٣) من وجه آخر عن إبراهيم بن سعد أعلى من هذا، وصالح: هو ابن كَيْسانَ.
قوله: ((رأيت الناس)) هو من الرُّؤية البصريّة، وقوله: ((يُعرَضونَ)) حال، ويجوز أن يكون من
الرُّؤيا العلميَّة، و((يُعرَضونَ)) مفعول ثانٍ، والناس بالنَّصبِ على المفعوليَّة، ويجوز فيه الرَّفع(١).
قوله: ((يُعرَضونَ)) تقدَّم في الإيمان بلفظ: ((يُعرَضونَ عليَّ»، وفي رواية عُقيل الآتية بعدُ
(٧٠٠٩): ((عُرِضوا».
قوله: ((منها ما يَبلُغِ الثَّدِيّ)) بضمِّ المثلَّثة وكسر الدّال وتشديد الياء، جمع ثَدي، بفتحِ ثمَّ
سكون، والمعنى: أنَّ القميص قصير جدّاً بحيثُ لا يَصِلُ من الحلق إلى نحو السُّرّة، بل فوقَها.
وقوله: ((ومنها ما يَبلُغ دونَ ذلك)) يحتمل أن يريد دونَه من جهة السُّفل، وهو الظّاهر،
فيكون أطول، ويحتمل أن يريد دونَه من جهة العُلوّ فيكون أقصر، ويُؤْيِّد الأوَّل ما في رواية
الحكيم الثِّرمِذيّ من طريق أُخرى عن ابن المبارك عن يونس عن الزُّهْريّ في هذا الحديث(٢):
«فمنهم من کان قميصه إلی سُرَّته، ومنهم من كان قميصه إلی رُکبته، ومنهم من كان قميصه إلى
أنصاف ساقیهِ)).
(١) قال العيني: في هذا التفصيل نَظَرٌ، و((يُعرضون)) حالٌ على كل تقدير، ولم يبيِّن وجه رفع ((الناس)).
(٢) هذا يُوهم أنَّ الحديث عند الحكيم الترمذي من طريق الزهري عن أبي أمامة عن أبي سعيد، ولكن الذي
عند الحكيم في ((نوادره)) (٥٠٠) رواية الزهري لهذا الحديث عن حمزة بن عبد الله بن عمر عن أبيه، وهو
ذاته إسناد الحديث المتقدم برقم (٧٠٠٦) في ذكر اللبن دون القُمص، فلا يبعد أن يكون الزهري سمع
من حمزة بن عبد الله بن عمر ذكر القميص وذكر اللبن، والله تعالى أعلم. ولم نقف في ((نوادر الأصول))
على ذكر القميص إلى الشُّرَّة.

٤٥٥
باب ١٨/ح ٧٠٠٩
كتاب التعبير
قوله: ((ومَّ عليَّ عمر بن الخطّاب)) في رواية عُقَيل (٧٠٠٩): ((وعُرِضَ عليَّ عمر بن
الخطّاب)).
قوله: («قميص يَجُّه)) في رواية عُقَيل: ((يَجْتَرُّه)).
قوله: ((قالوا: ما أوَّلْتُه)) في رواية الكُشمِيهنيّ: ((أوَّلتَ)) بغير ضمير، وتقدَّم في الإيمان (٢٣)
أوَّل الكتاب بلفظ: ((فما أوَّلت ذلك))، ووَقَعَ عندَ التِّرمِذيّ الحكيم في الرِّواية المذكورة: فقال له
أبو بكر: على ما تأوَّلت هذا يا رسول الله؟
قوله: ((قال: الدّينَ)) بالنَّصبِ، والتَّقدير أوَّلت، ويجوز الرَّفع. ووَقَعَ في رواية الحكيم
المذكورة: قال: ((علی الإیمان)).
١٨ - باب جرّ القميص في المنام
٧٠٠٩- حدَّثنا سعيدُ بنُ عُفَيرٍ، حدَّثني اللَّيْثُ، حذَّثني عُقَلٌ، عن ابنِ شِهابٍ، أخبرني أبو
أَمامَةَ بنُ سَهْلٍ، / عن أبي سعيدِ الخُدْريِّ ﴾، أنَّه قال: سمعتُ رسولَ الله ◌ِ لَه يقول: ((بينا أنا نائمٌ ٣٩٦/١٢
رأيتُ الناسَ عُرِضوا عليَّ وعليهم قُمُصٌ، فمنها ما يَبلُغُ الُّدِيَّ، ومنها ما يَبلُغُ دونَ ذلك، ومُرِضَ
عليَّ عمرُ بنُ الخطَّب وعليه قَمِيصٌ يَجِتَزُّه)) قالوا: فما أوَّلْتَه يا رسولَ الله؟ قال: ((الدِّينَ)).
قوله: ((باب جَرّ القميص في المنام)) ذکر فیه حديث أبي سعيد المذكور قبله من وجه آخر
عن ابن شهاب، وقد أشرت إلى الاختلاف في اسم صحابيّ هذا الحديث في مناقب عمر
(٣٦٩١). قالوا: وجه تَعبير القميص بالدّينِ أنَّ القميص يَستُر العَورة في الدُّنيا، والدّين يَستُرها
في الآخرة، ويَحِجُبها عن كلّ مكروه، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ النَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾
[الأعراف: ٢٦] الآية.
والعرب تَكنِي عن الفضل والعفاف بالقميص، ومنه قوله ◌َِّ لعثمانَ: ((إنَّ الله سيُلِبِسُك
قميصاً فلا تَخْلَعه)) أخرجه أحمد (٢٤٨٣٧)، والتِّرمِذيّ (٣٧٠٥)، وابن ماجَهْ (١١٢)، وصَحَّحَه
ابن حِبّان (٦٩١٥)، واتَّفَقَ أهل التَّعبير على أنَّ القميص يُعبَرَ بالدّين، وأنَّ طوله يدلّ على بقاء
آثار صاحبه من بعده.

٤٥٦
باب ١٨/ح ٧٠٠٩
فتح الباري بشرح البخاري
وفي الحديث أنَّ أهل الدّين يَتَفَاضَلونَ في الدّين بالقِلّة والكَثْرة وبالقوّة والضَّعف، وتقدَّم
تقرير ذلك في كتاب الإيمان (٢٣)، وهذا من أمثلة ما يُحمَد في المنام ويُذَمّ في اليَقَظة شَرعاً، أعني
جَرّ القميص، لما ثَبَتَ من الوعيد في تطویله، ومثله ما سيأتي في ((باب القَيد)) (١٧ ٧٠)، وعكس
هذا ما يُذَمّ في المنام ويُحمَد في اليَقَظة.
وفي الحديث مشروعيَّة تَعبير الرُّؤيا وسؤال العالم بها عن تَعبيرها، ولو كان هو الرَّائي،
وفيه الثّناء على الفاضل بما فيه لإظهار مَنزِلَته عندَ السامعين، ولا يخفى أنَّ مَحَلّ ذلك إذا أُمِنَ
عليه من الفتنة بالمدحِ كالإعجاب.
وفيه فضيلة لعمرَ، وقد تقدَّم الجواب عمَّا يُستَشكَل من ظاهره، وإيضاح أنَّه لا يَستَلِزِم
أن يكون أفضل من أبي بكر، وملخَّصه أنَّ المراد بالأفضلِ مَن يكون أكثر ثواباً، والأعمال
علامات الثَّواب، فمَن كان عمله أكثر فدينُه أقوى، ومَن كان دينه أقوى فثوابه أكثر، ومَن
كان ثوابه أكثر فهو أفضل، فيكون عمر أفضل من أبي بكر. وملخَّص الجواب أنَّه ليس في
الحديث تصريح بالمطلوب، فيحتمل أن يكون أبو بكر لم يُعرَض في أولئكَ الناس، إمّا لأنَّه
كان قد عُرِضَ قبلَ ذلك، وإمّا لأنَّه لا يُعرَض أصلاً، وأنَّه لمَّا عُرِضَ كان عليه قميص
أطولُ من قميص عمر، ويحتمل أن يكون سِرّ السُّكوت عن ذِكْره الاكتِفاءَ بما عُلمَ من
أفضليَّته، ويحتمل أن يكون وَقَعَ ذِكْرِه فذَهِلَ عنه الراوي، وعلى التنزّل بأنَّ الأصل عَدَم
جميع هذه الاحتمالات فهو مُعارَض بالأحاديثِ الدّالَّة على أفضليَّة الصِّدّيق، وقد تَواتَرَت
تَواتُراً مَعنَويّاً فهي المعتمَدة، وأقوى هذه الاحتمالات أن لا يكون أبو بكر عُرِضَ مع
المذكورين، والمراد من الخبر التَّنبيه على أنَّ عمر ممَّن حَصَلَ له الفضل البالغ في الدّين،
وليس فيه ما يُصرِّح بانحصار ذلك فيه.
وقال ابن العربيّ: إنَّمَا أَوَّلَه النبيّ ◌َه بالدّين، لأنَّ الدّين يَستُر عَورةَ الجهل كما يَستُر الثَّوبُ
عَورةَ البَدَن. قال: وأمَّا غير عمر، فالذي كان يَبلُغ الُّدِيّ هو الذي يَستُر قلبَه عن الكفر وإن كان
يَتَعاطَى المعاصِيَ، والذي كان يَبلُغ أسفلَ من ذلك وفَرِجُه بادٍ هو الذي لم يَستُر رِ جلَيه عن المشي

٤٥٧
باب ١٩/ح ٧٠١٠
كتاب التعبير
إلى المعصية، والذي يَستُر رِ جلَيه هو الذي احتَجَبَ بالتَّقوى من جميع الوجوه، والذي يَجُرّ
قميصه زائدٌ(١) على ذلك بالعملِ الصالح الخالص.
وقال ابن أبي جَمْرة ما ملخَّصه: المراد بالناس في هذا الحديث المؤمنونَ لتأويله القميص
بالدّين، قال: والذي يظهر أنَّ المراد خُصوص هذه الأُمّة المحمَّديَّة بل بعضها، والمراد
بالدّينِ العمل بمُقتَضاه كالحِرصِ على امتثال الأوامر واجتناب المناهي، وكان لعمر في ذلك
المقامُ العالي.
قال: ويُؤخَذ من الحديث أنَّ كلّ ما يُرَى في القميص من حُسن أو غيره، فإنَّه يُعبّر
بدينٍ لابِسه، قال: والنُّكتة في القميص أنَّ لابِسَه إذا اختارَ / نَزَعه وإذا اختارَ بَقًّاهُ(٢)، فلمَّا ٣٩٧/١٢
ألبَسَ الله المؤمنينَ لباس الإيمان واتَّصَفوا به كان الكامل في ذلك سابِغ الثَّوب، ومَن لا
فلا، وقد يكون نقص الثّوب بسبب نقص الإيمان، وقد يكون بسبب نقص العمل، والله
أعلم.
وقال غيره: القميص في الدُّنيا سَتر عَورة، فما زاد على ذلك كان مذموماً، وفي الآخرة
زینة محضةٌ، فناسب أن یکون تعبیرُه بحسبٍ هیئته، من زيادة ونقص، ومن حُسن وضِدّه،
فمهما زاد من ذلك كان من فضل لابِسه، ويُنسَب لكلٍّ ما يَلِيق به من دين أو عِلم أو جَمال
أو حِلْم، أو تَقَدُّم في فِئة، وضِدُّه لضِدِه.
١٩ - باب الخُضْر في المنام، والرّوضة الخضراء
٧٠١٠- حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدِ الجُعْفيُّ، حدَّثنا الحَرَميّ بنُ عُمَارةَ، حدَّثْنَا قُرّةُ بنُ خالدٍ،
عن محمَّدٍ بنِ سِيرِينَ، قال: قال قيسُ بنُ عُبادٍ: كنتُ في حَلْقةٍ فيها سَعْدُ بنُ مالكٍ وابنُ عمرَ،
فمَرَّ عبدُ الله بنُ سَلامٍ، فقالوا: هذا رجلٌ من أهلِ الجنَّةِ، فقلتُ له: إنَّهم قالوا كذا وكذا، قال:
◌ُبْحانَ الله! ما كان يَنبَغي لهم أن يقولوا ما ليس لهم به عِلمٌ، إنَّما رأيتُ كأنَّما عَمودٌ وُضِعَ في
(١) في (س): زائداً، بالنصب، وهو خطأ.
(٢) تحرَّف في (س) إلى: بقاءه.

٤٥٨
باب ١٩/ ٧٠١٠
فتح الباري بشرح البخاري
رَوْضٍ خَضْراءَ، فَنُصِبَ فيها، وفي رأسِها عُرْوةٌ، وفي أسفلِها مِنْصَفٌ، والِنْصَفُ الوَصِيفُ،
فِقِيلَ: ارقَهْ، فَرَقِيتُ حتَّى أخَذْتُ بالعُرْوة، فقَصَصْتُها على رسولِ اللهِوَِّ، فقال رسولُ الله ◌َّ:
((يموتُ عبدُ الله وهو آخِذٌ بالعُرْوةِ الوُنْقَى)).
قوله: ((باب الخُضْر في المنام والرَّوْضة الخَضْراء)» الخُضر، بضمِّ الخاء وسكون الضّاد
المعجَمتَين: جمع أخضَر، وهو اللَّون المعروف في الثّياب وغيرها، ووَقَعَ في رواية النَّسَفيّ:
((الخُضرة)) بسكونِ الضّاد وفي آخره هاء تأنيث، وكذا في رواية أبي أحمد الجرجانيِّ وبعض
الشُّروح، قال القَيروانيّ: الرَّوضة التي لا يُعرَف نَبتُها تُعبّر بالإسلام لنَضارتها وحُسن بهجتها،
وتُعبّر أيضاً بكلِّ مكان فاضل، وقد تُعبَر بالمصحَفِ وكُتُب العلم والعالِم ونحو ذلك.
قوله: ((حدَّثنا الحَرَمِيّ)) بِمُهمَلَتَينِ مفتوحَتَينِ هو اسمٌ بلفظ النَّسَب تقدَّم بيانُه.
قوله: ((عن محمَّد بن سِيرِينَ، قال قيس بن عُباد)) حذف قال الثّانية على العادة في حذفها
خطأً(١)، والتَّقدير: عن محمَّد بن سِيرِين أنَّه قال: قال قيس، ووَقَعَ في رواية ابن عَوْن كما
سيأتي بعدَ بابينِ (٧٠١٤) عن محمَّد - وهو ابن سِيرِين -: حدَّثني قيس بن عُباد، وهو بضمِّ
أوَّله وتخفيف الموحّدة وآخره دال، تقدَّم ذِكْره (٣٨١٣) في مناقب عبد الله بن سَلَام، بهذا
الحديث، وتقدَّم له حديث آخر في تفسير سورة الحجّ (٤٧٤٤)، وفي غزوة بدر أيضاً (٣٩٦١)،
وليس له في البخاريّ سوى هذَينِ الحديثَين، وهو بصريّ تابعيّ ثقة كبير له إدراك، قَدِمَ
المدينة في خِلَافة عمر، ووهمَ مَن عَدَّه في الصحابة.
قوله: ((كنت في حَلْقٍ» بفتح أوَّله وسكون اللّام.
قوله: ((فيها سَعْد بن مالك)) يعني: ابن أبي وقّاص، وابن عمر: هو عبد الله بن عمر بن
الخطّاب.
قوله: ((فمرَّ عبد الله بن سَلَام)) هو الصحابيُّ المشهور الإسرائيليّ، وأبوه بتخفيفِ اللّام
(١) كذا وقعت للحافظ رحمه الله محذوفةً في النسخة التي اعتمدها في شرحه، وإلّا فهي ثابتة في اليونينية دون حكاية
خلاف بين رواة البخاري في ذلك، والله أعلم.

٤٥٩
باب ١٩/ ٧٠١٠
ڪتاب التعبير
اتِّفاقاً، وقد تقدَّم بيان نَسَبه في مناقبه من كتاب مناقب الصحابة (١)، ووَقَعَ في رواية ابن
عَوْن الماضية في المناقب (٣٨١٣) بلفظ: كنت جالساً في مسجد المدينة، فدَخَلَ رجل على
وَجْهه أثَرّ الخُشوع، فقالوا: هذا رجل من أهل الجنَّة، زاد مسلم (١٤٨/٢٤٨٤) من هذا
الوَجْه: كنت بالمدينة في ناس فيهم بعض أصحاب رسول الله وَّة، فجاء رجل في وَجْهه
أثرٌ من خُشوع.
قوله: ((فقالوا: هذا رجل من أهل الجنَّة)) في رواية ابن عَوْن المشار إليها عندَ مسلم: فقال
بعض القوم: هذا رجل من أهل الجنَّة وكَرَّرَها ثلاثاً، وفي رواية خَرَشة، بفتح الخاء المعجمة/ ٣٩٨/١٢
والرَّاء والشّين المعجَمة ابن الحُرّ - بضمِّ الحاء وتشديد الرَّاء المهمَلتَينِ - الفَزّاريِّ عندَ مسلم
أيضاً (٢٤٨٤/ ١٥٠): كنت جالساً في حَلْقة في مسجد المدينة، وفيها شيخ حسن الهيئة، وهو
عبد الله بن سَلَام، فجَعَلَ يُحدِّثهم حديثاً حسناً، فلمَّا قامَ قال القوم: مَن سَرَّه أن يَنظُر إلى رجل
من أهل الجنَّة فليَنظُر إلى هذا. وفي رواية النَّسائيِّ (ك٧٥٨٦) من هذا الوجه: فجاء شيخ يَتَوكَّأ
على عصاًله، فذكر نحوه.
ويُجمَع بينهما بأَّهما قِصَّتان اتَّفَقَتا لرجلَين، فكأنَّه كان في مَجَلِس يَتَحدَّث كما في رواية
خَرَشة، فلمَّا قامَ ذاهباً مرَّ على الحلقة التي فيها سعد بن أبي وقّاص وابن عمر، فحَضَرَ ذلك
قيس بن عُباد كما في روايته، وكلّ من خَرَشة وقيس اتَّبَعَ عبد الله بن سَلَام، ودَخَلَ عليه
مَنْزِله وسألَه فأجابَه، ومن ثَمَّ اختَلَفَ الجواب بالزيادة والنَّقْص كما سأُبِّه، سواء كان زمنُ
اجتماعهما بعبد الله بن سَلَامِ اتَّحَدَ أم تَعدَّدَ.
قوله: ((فقلت له: إنَّهم قالوا كذا وكذا)» بيَّن في رواية ابن عَوْن عندَ مسلم (١٤٨/٢٤٨٤)
أنَّ قائل ذلك رجلٌ واحدٌ، وفيه عندَه زيادة، ولفظه: ثمَّ خَرَجَ فاتَّبَعتُه، فدَخَلَ مَنِزِله
ودَخَلت فتَحدَّثْنا، فلمَّا استأنسَ قلت له: إنَّك لمَّا دَخَلت قبلُ قال رجل كذا وكذا، وكأنَّه
نَسَبَ القول للجماعة والناطِقُ به واحد لِرِضاهم به وسكوتهم عليه، وفي رواية خَرَشة:
(١) بين يدي الحديث (٣٨١٢).

٤٦٠
باب ١٩/ح ٧٠١٠
فتح الباري بشرح البخاري
فقلت: والله لَأَتَّبِعَنَّه فلأعلمنَّ مكان بيته، فانطَلَقَ حتَّى كادَ يَخْرُج من المدينة، ثمَّ دَخَلَ
مَنِزِله، فاستأذَنت عليه فأذِنَ لي، فقال: ما حاجتك يا ابن أخي؟ فقلت: سمعت القوم يقولون،
فذكر اللَّفظ الماضي، وفيه: فأعجبني أن أكون مَعَك، وسَقَطَت هذه القصّة في رواية
النَّسائيّ، وعندَه: فلمَّا قَضَى صلاته قلت: زَعَمَ هؤلاءِ.
قوله: ((قال: سُبْحان الله، ما كان يَنبَغي لهم أن يقولوا ما ليس لهم به عِلمٌ)) تقدَّم بيان المراد
من هذا في المناقب مُفصَّلاً، ووَقَعَ في رواية خَرَشة: فقال: الله أعلم بأهلِ الجنَّة،
وسأُحدِّثُك ممّاً قالوا ذلك، فذكر المنام، وهذا يُقوِّي احتمال أنَّه أنكَرَ عليهم الجزمَ، ولم يُنكِرِ
أصلَ الإخبار بأنَّه من أهل الجنَّة، وهذا شأن المراقب الخائف المتواضع. ووَقَعَ في رواية
النَّسائيِّ (ك٧٥٨٦): الجنَّة لله يُدخِلها مَن يَشاء، زاد ابن ماجَهْ (٣٩٢٠) من هذا الوجه:
الحمد لله.
قوله: ((إنَّما رأيت كأنَّما عَمودٌ وُضِعَ فِي رَوْضة خَضْراء)» بيَّن في رواية ابن عَون(١) أنَّ
العَمود كان في وسَط الرَّوضة، ولم يَصِف الرَّوضة في هذه الرِّواية، وتقدَّم في المناقب من
رواية ابن عَوْن: رأيت كأنّ في رَوضة، ذكر من سَعَتها وخُضرَتها. قال الكِرْ مانيُّ: يحتمل أن
يُراد بالرَّوضة: جميع ما يَتَعلَّق بالدِّين، وبالعَمُود: الأركان الخمسة، وبالعُرْوة الوُثقَى:
الإيمان.
قوله: ((فنُصِبَ فيها)) بضمِّ النُّون وكسر المهمَلة بعدَها موخَّدة، وفي رواية المُستَمْلِي
والكُشمِيهنيّ: قَبَضتُ، بفتح القاف والموخَّدة بعدَها ضاد مُعجَمة ساكنة ثمَّ تاء المتكلِّم.
قوله: ((وفي رأسها عُرْوة)) في رواية ابن عَون: في أعلى العَمود عُرْوة، وفي روايته في المناقب:
ووسَطها عَمود من حديد، أسفله في الأرض وأعلاه في السماء، في أعلاه عُرْوة. وعُرِفَ من هذا
أنَّ الضَّمير في قوله: وفي رأسها للعَمود، والعَمود مُذكَّر، وكأنَّه أَنَّثَ باعتبار الدِّعامة(٢).
(١) الآتية برقم (٧٠١٤).
(٢) قال الكرماني في ((الكواكب الدراري)) ١١٦/٢٤: أنَّث الضميرَ إما لأنَّ العمود مؤنث سماعي، أو لأنه
في معنى العمدة، أو لأنَّ المراد منه عموده، وحيث استوى فيه التذكير والتأنيث لم تلحقه التاء.