النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
باب ٣/ح ٦٩٨٤ -٦٩٨٥
كتاب التعبير
يكون أشارَ إلى ما وَرَدَ في بعض طرقه كما سأُبِّنه، وظاهر قوله: ((الرُّؤيا من الله والحُلُم من
الشَّيطان)) أنَّ التي تُضاف إلى الله لا يقال لها: حُلُم، والتي تُضاف للشَّيطان لا يقال لها:
رُؤيا، وهو تَصرُّف شَرعيّ، وإلّا فالكل يُسمَّى رُؤیا، وقد جاء في حديث آخر ((الرُّؤيا ثلاث))،
فأطلقَ على كلِّ رُؤيا، وسيأتي بيانه في (باب القيد في المنام)) (٧٠١٧).
وذکر فیه حدیثین:
الحديثُ الأول: حديث أبي قَتَادة، وزُهَير في السَّند: هو ابن معاوية أبو خَيْئمة الجُعْفيّ،
ويحيى بن سعيد: هو الأنصاريّ، وأبو سَلَمة: هو ابن عبد الرّحمن.
قوله: ((الرُّؤْيا الصّادِقة)) في رواية الكُشمِيهنيّ: ((الصالحة))، وهو الذي وَقَعَ في مُعظَم
الرِّوايات، وسَقَطَ الوصف من رواية أحمد بن يحيى الحلوانيّ عن أحمد بن يونس شیخ
البخاريّ فيه، أخرجه أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) بلفظ: ((الرُّؤيا مِن الله)) كالتَرجمة (١)، وكذا في
الطِّبّ (٥٧٤٧) من رواية سليمان بن بلال والإسماعيليّ من رواية الثَّوْريّ وبشر بن المفضَّل
ويحيى القَطّان، كلّهم عن يحيى بن سعيد، ولمسلمٍ (١/٢٢٦١) من رواية الزُّهْريّ عن أبي
سَلَمة، كما سيأتي قريباً، مِثله. ووَقَعَ في رواية عبد رَبّه بن سعيد عن أبي سَلَمة، كما سيأتي في
«باب إذا رأى ما يَكرَه)) (٧٠٤٤): «الرُّؤيا الحسنة من الله))، ووَقَعَ عند مسلم (٣/٢٢٦١ و٤) من
هذا الوجه: ((الصالحة))، زاد في هذه الرِّواية (٤/٢٢٦١): «فإذا رأى أحدُكم ما يُحِبّ فلا
يُخِرِ به إلّا مَن يُحِبّ))، ولمسلمٍ (٣/٢٢٦١) في رواية من هذا الوجه: «فإن رأى رُؤيا حَسنة
فليَبَشُر ولا يُبِرِ إلّا مَن يُحِبّ)). وقوله: ((فليَشُر)) بفتح التَّحتانيَّة وسكون الموحَّدة وضمّ
المعجَمة، من البُشرَى، وقيل: بنونٍ بَدَل الموخَّدة، أي: لِيُحدِّث بها، وزَعَمَ عِيَاض أنَّها تصحيف،
ووَقَعَ في بعض النُّسَخ من مسلم: ((فليَستُ)) بمُهمَلِةٍ ومُثنّة، من السَّتر.
وفي حديث أبي رَزِين عند الِّرمِذيّ(٢): ((ولا يَقُصّها إلّا على وادِّ)) - بتشديد الدّال، اسم
(١) وكذلك سقط هنا لغير أبي ذرِّ الهرويّ. وهو المثبت في متن اليونينية.
(٢) بل عند أبي داود (٥٠٢٠)، وابن ماجه (٣٩١٤).

٤٠٢
باب ٣/ح ٦٩٨٤ -٦٩٨٥
فتح الباري بشرح البخاري
فاعل من الوُدّ - أو ذي رأي))، وفي أُخرى(١): ((ولا يُحدِّث بها إلّا لَبِيباً أو حبيباً))، وفي أُخرى (٢).
(ولا يَقُصّ الرُّؤيا إلّا على عالم أو ناصح)».
قال القاضي أبو بكر بن العربيّ: أمَّا العالم فإِنَّه يُؤَوِّلها له على الخير مهما أمكَنَه، وأمَّا
الناصِحُ فإِنَّه يُرشِد إلى ما يَنفَعه ويُعينه عليه، وأمَّا اللَّبيب وهو العارف بتأويلِها، فإنَّه يُعلِمه
بما يُعَوَّل عليه في ذلك أو يَسكُت، وأمَّا الحبيب فإن عَرَفَ خيراً قاله، وإِن جَهِلَ أو شَكَّ
سَگَتَ.
قلت: والأَولى الجمع بين الرِّوايتَين، فإنَّ اللَّبِيب عَبَّرَ به عن العالِم، والحبيب عَبَّرَ به
عن الناصح. ووَقَعَ عند مسلم(٣) في حديث أبي سعيد ثاني (٤) حديثَي الباب: «فليَحمَد الله
علیھا ولُحدِّث بها)).
قوله: ((والحُلُم من الشَّيطان)) كذا اختَصَرَه، وسيأتي ضبط الحُلُم ومعناه في ((باب الحُلُم
من الشَّيطان)) (٧٠٠٥) إن شاء الله تعالى.
٣٧٠/١٢
وقد أخرجه أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) من الطَّريق المشار إليها، فزاد: ((فإذا رأى أحدُكم /
شيئاً يَكرَهه، فليَنفُث عن شِماله ثلاث مرَّات، ويَتَعَوَّذ بالله من شَرِّها وأذاها، فإنَّها لا
تَضُرُّهُ)) وكذا مضى في الطِّبّ (٥٧٤٧) من رواية سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد،
وسيأتي للمصنّف في ((باب الُلُم من الشَّيطان)) (٧٠٠٥) من طريق ابن شهاب عن أبي
سَلَمة بلفظ: ((فإذا حَلَمَ أحدُكم الحُلُمَ يَكرَهه فليبصُق عن يساره، وليستَعِذ بالله منه، فلن
يَضُرَّه))، ولمسلمٍ (١/٢٢٦١) من هذا الوجه: ((عن يساره حين يَهُبُّ مِن نَومه ثلاث مرَّات))،
(١) عند الترمذي (٢٢٧٨).
(٢) عند الترمذي (٢٢٨٠).
(٣) كذا نسب الحافظ هذه الزيادة المذكورة في الحديث لمسلم، وهو ذهول منه رحمه الله، لأنها ثابتة في رواية
البخاري في هذا الباب، وفيما سيأتي برقم (٧٠٤٥)، وليست عند مسلم. فجلَّ مَن لا يسهو، ولعله أراد
أن يقول: البخاري، فسبق قلمه فقال مسلم، لأنه سيشرح على هذا الحرف من الحديث قريباً.
(٤) تحرف في الأصلين و(س) إلى: في.

٤٠٣
باب ٣/ح ٦٩٨٤ -٦٩٨٥
كتاب التعبير
وسيأتي في (باب مَن رأى النبيّ ◌َّ)) (٦٩٩٥) من طريق عُبيد الله بن أبي جعفر عن أبي سَلَمة
بلفظ: ((فمَن رأى شيئاً يَكرَهُه، فليَنفُث عن شِماله ثلاثاً، ولَيَتَعَوَّذ من الشَّيطان، فإنَّها لا
تَضُرّه))، ومن رواية عبد رَبّه بن سعيد عن أبي سَلَمة الآتية في «باب إذا رأى ما يَكرَه)) (٧٠٤٤)،
بلفظ: ((وإذا رأى ما يَكرَه فليَتَعَوَّذ بالله من شَرِّها ومن شَرّ الشَّيطان، ولَيَتَفُل ثلاثاً، ولا يُحدِّث بها
أحداً، فإنَّهَا لن تَضُرّه)) وهذه أتمُّ الرِّوايات عن أبي سَلَمة لفظاً.
قال المهلَّب: سَمَّى الشّارعِ الرُّؤيا الخالصةَ من الأضغاث صالحةً وصادِقةً، وأضافَها
إلى الله، وسَمَّى الأضغاث حُلُماً وأضافَها إلى الشَّيطان إذ كانت مخلوقةً على شاكِلَتِهِ، فأعلمَ
الناس بكَيدِه وأرشَدَهم إلى دفعه، لئلّا يُبلِغوه أرَبَه في تخزينهم والتَّهويل عليهم.
وقال أبو عبد الملِك: أُضيفَت إلى الشّيطان لكَونِها على هَواه ومُراده.
وقال ابن الباقلانيّ يَخْلُق الله الرُّؤيا الصالحة بحَضرة الملَك، ويَخْلُق الرُّؤيا التي تُقابِلها
بحضرة الشّيطان، فمن ثَمَّ أُضيفَ إليه، وقيل: أُضيفَت إليه لأَنَّه الذي يُخيِّلُ بها ولا حقيقةَ
لها في نفس الأمر.
الحديث الثاني: عن أبي سعيد الخُدْريّ.
قوله: ((حذَّثني ابن الهاد)) هو يزيد بن عبد الله بن أُسامة بن عبد الله بن شدَّاد بن الهاد اللَّيغيّ،
وسيأتي منسوباً في ((باب إذا رأى ما يَكرَه)) (٧٠٤٥).
قوله: ((فإنَّما هي من الله)) في الرِّواية المذكورة: ((فإنَّهَا من الله)) («فليَحمَدِ الله عليها، وليتحدَّثْ
بها)) في رواية الكُشمِيهنيّ: ((وليُحدِّث)) (١)، ومثله في الرِّواية المذكورة.
قوله: ((وإذا رَأى غير ذلك ممّا يَكرَه، فإنَّما هي من الشَّيطان فلْيَستَعِذ)) زاد في نسخة:
((بالله))(٢).
(١) تحرَّف في (س) إلى: فلیتحدث.
(٢) وهي رواية بكر بن مضر عن ابن الهاد عند أحمد (١١٠٥٤)، والترمذي (٣٤٥٣)، والنسائي في ((الكبرى))
(٧٦٠٥).

٤٠٤
باب ٣/ح ٦٩٨٤ -٦٩٨٥
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((ولا يَذْكُرُها لأحدٍ، فإنَّهَا لا تَضُرّه)» في رواية الكُشمِيهنيّ في «باب إذا رأى ما يَكرَه)»:
((فإنَّها لن تَضُرّه)).
فحاصل ما ذُكِرَ من أدب الرُّؤيا الصالحة ثلاثةُ أشياء: أن يَحمَد الله عليها، وأن يَستَبِشِر
بها، وأن يَتَحدَّث بها، لكن لمن يُحِبّ دونَ مَن يَكرَه.
وحاصل ما ذُكِرَ من أدب الرُّؤيا المكروهة أربعة أشياء: أن يَتَعَوَّذ بالله من شَرّها، ومن شَرّ
الشَّيطان، وأن يَتَفُل حين يَهُبّ من نَومه عن يَساره ثلاثاً، ولا يذكرها لأحدٍ أصلاً.
ووَقَعَ عند المصنِّف في ((باب القَيد في المنام)) (٧٠١٧) عن أبي هريرة خامسة، وهي الصلاة،
ولفظه: ((فمَن رأى شيئاً يَكرَهُه، فلا يَقُصّه على أحدٍ، ولِيَقُم فليُصَلِّ))، لكن لم يُصرِّح البخاريّ
بوصْلِهِ، وصَرَّحَ به مسلم كما سيأتي بيانه في بابه (٧٠١٧)، وغَفَلَ القاضي أبو بكر بن العربيّ
فقال: زاد التِّرمِذيّ (٢٢٨٠) على ((الصحيحين)) الأمرَ بالصلاة، انتهى.
وزاد مسلم (٢٢٦٢/ ٥) سادسة: وهي التَّحَوُّل عن جنْبه الذي كان عليه، فقال: حدَّثنا
قُتَيبة حدَّثنا ليث. وحدَّثنا ابن رُمح أخبرنا اللَّيث عن أبي الزُّبَير عن جابر، رَفَعَه: ((إذا رأى
أحدُكم الرُّؤيا يَكرَهها، فليَبصُق على يَساره ثلاثاً، وليَستَعِذ بالله من الشَّيطان ثلاثاً،
وليَتَحوَّل عن جنبه الذي كان عليه)) وقال قبل ذلك (٢/٢٢٦١): حدَّثنا قُتَية ومحمَّد بن رُمح
عن اللَّيث بن سعد، وحدَّثنا محمَّد بن مُثَنَّى حدَّثنا عبد الوهّاب، وحدَّثنا أبو بكر بن أبي
شَيْبة حدَّثنا عبد الله بن نُمَير، كلّهم عن يحيى بن سعيد بهذا الإسناد، يعني: عن أبي سَلَمة
عن أبي قَتَادة، مِثْلَ حديث سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد، وزاد ابنُ رُمْح في هذا
الحديث: ((وليَتَحَوَّلْ عن جنبه الذي كان عليه))، وذكر بعض الحُفّاظ أنَّ هذه الزّيادة إنَّما هي في
حديث اللَّيث عن أبي الزُّبَيرِ، كما أَتَّفَقَ عليه قُتَيبة وابن رُمح، وأمَّا طريق يحيى بن سعيد في
حديث أبي قَتَادة فليست فيه، ولذلك لم يَذكُرِها قُتَيبة.
وفي الجملة فتَكمُل الآدابُ ستّةً: الأربعة الماضية والصلاة والتَّحَوُّل، ورأيت في بعض
٣٧١/١٢ الشُّروح / ذِكْرَ سابِعةٍ وهي قراءة آية الكرسيّ، ولم يَذكُر لذلك مُستَنَداً، فإن كان أخَذَه من

٤٠٥
باب ٣/ح ٦٩٨٤ -٦٩٨٥
كتاب التعبير
عموم قوله في حديث أبي هريرة: ((ولا يَقْرَبُك شيطان))(١) فيَتَّجِهُ، وينبغي أن يقرأها في صلاته
المذكورة، وسيأتي ما يَتَعلَّق بأدب العابِر(٢).
وقد ذكر العلماء حِكمةَ هذه الأُمور: فأمَّا الاستعاذة بالله من شَرّها فواضح، وهي
مشروعة عند كلّ أمر يُكرَه. وأمَّ الاستعاذة من الشَّيطان، فلما وَقَعَ في بعض طُرُق الحديث
أنَّهَا منه، وأنَّه يُخُيِّل بها لقصدٍ تحزين الآدميّ والتَّهويل عليه كما تقدَّمَ. وأمَّا التَّغْل، فقال
عِيَاض: أمَرَ به طَرداً للشَّيطان الذي حَضَرَ الرُّؤيا المكروهة تَحقيراً له واستقذاراً، وخُصَّت به
اليسار لأنَّهَا مَحَلّ الأقذار ونحوها.
قلت: والَّليث للتَّأكيد. وقال القاضي أبو بكر بن العربيّ: فيه إشارةٌ إلى أنَّه في مقام الرُّقية،
ليَتَقرَّر عند النَّفس دفعُه عنها. وعبَّرَ في بعض الرِّوايات بالبصاق إشارة إلى استقداره، وقد
وَرَدَ بثلاثة ألفاظٍ: النَّفْث والتَّفْلِ والبَصْق.
قال النَّوويّ في الكلام على النَّفْث في الرّقية تَبَعاً لِعِيَاضٍ: اختُلِفَ في النَّفْثِ والتَّعْلِ
فقيلَ: هما بمعنَى ولا يكونان إلّا بِرِيقٍ، وقال أبو عبيد: يُشتَرَط في التَّفْل ريقٌ يسيرٌ، ولا
يكون في النَّفْث، وقيل: عكسه، وسُئلَت عائشة عن النَّفث في الرُّقية، فقالت: كما يَنْفُث
آكِلُ الَّبيب(٣) لا ريقَ معه. قال: ولا اعتبارَ بما يَخْرُج معه مِن بِلَّة بغير قصد، قال: وقد جاء
في حديث أبي سعيد في الرُّقْية بفاتحة الكتاب: فجَعَلَ يَجمع بُزاقَه(٤).
قال عِيَاض: وفائدة التَّفْلِ التَّبَرُّك بتلكَ الرُّطوبة والهواء والنَّفَس المباشر للرُّقْية المُقارِنة
للذِّكرِ الحسن، كما يُتْبَرَّك بغُسَالة ما يُكتَب من الذِّكر والأسماء، وقال النَّوويّ أيضاً: أكثرُ
الرِّوايات في الرُّؤيا: ((فلَنْفُث)): وهو نَفخٌ لطيفٌ بلا رِيق، فيكون التَّفْلِ والبَصْق محمولَينِ
(١) تقدم برقم (٢٣١١).
(٢) في باب من لم يَرَ الرؤيا لأول عابرٍ إذا لم يُصِب، وحديثه (٧٠٤٦).
(٣) قالته عائشة في حديثها عن وفاة النبي ◌َّة، أخرجه أحمد (٢٤١٠٣)، وابن ماجه (١٦١٨)، والنسائي في
«الکبری» (٧٠۵١). وقوله: لا ریق معه، بیان من قول أبي عبيد.
(٤) تقدم برقم (٥٧٣٦).

٤٠٦
باب ٣/ح ٦٩٨٤ -٦٩٨٥
فتح الباري بشرح البخاري
عليه مَجازاً.
قلت: لكنَّ المطلوب في الموضعين مُخْتَلِف، لأنَّ المطلوب في الرُّقية التَّبَرُّك بُرُطوبة الذِّكر كما
تقدَّمَ، والمطلوب هنا طَرد الشَّيطان وإظهارُ احتقارِه واستقذاره، كما نَقَلَه هو عن عِيَاض كما
تقدَّمَ، فالذي يَجمع الثلاثةَ الْحَمْلُ على التَّفل، فإنَّه نَفخٌ معه ريقٌ لطيفٌ، فبالنَّظَرِ إلى النَّفَخ قيل له:
نَفث، وبالنّظَرِ إلی الرّیق قیل له: بُصاق.
قال النَّوويّ: وأمَّا قوله: ((فإنَّهَا لا تَضُرّه)) فمعناه أنَّ الله جَعَلَ ما ذُكِرَ سبباً للسَّلامة من
المكروه المترَتِّب على الرُّؤيا، كما جَعَلَ الصَّدَقَةَ وِقایةً للمال(١)، انتهى.
وأمَّا الصلاة فلما فيها من التَّوجّه إلى الله والمَلْجأ (٢) إليه، ولأنَّ في التحرُّم بها عِصْمة من
الأسواء، وبها تَكمُّل الرَّغبة وتَصِحّ الطَّلِبة لقُربِ المصَلّي من رَبّه عند سجوده(٣).
وأمَّا التَّحَوُّل فِلِلتَّقَاؤُلِ بَتَحوُّلِ تلك الحال التي كان عليها.
قال النَّوويّ: وينبغي أن يُجمَع بين هذه الرِّوايات كلِّها ويُعمل بجميع ما تَضَمَّنَته، فإن
اقتَصَرَ على بعضِها أجزأه في دفع ضَرَرِها بإذنِ الله تعالى كما صَرَّحَت به الأحاديث.
قلت: لم أرَ في شيءٍ من الأحاديث الاقتصارَ على واحدة، نعم أشارَ المهلَّب إلى أنَّ
الاستعاذة كافيةٌ في دفع شَرّها، وكأنَّه أخَذَه من قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ
الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانُّ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل:
٩٨ -٩٩]، فيحتاج مع الاستعاذة إلى صِحّة التّوجيهِ، ولا يكفي إمرارُ الاستعاذة باللِّسان.
وقال القُرطُبيّ في ((المفهم)): الصلاة تَجمَع ذلك كلّه، لأنَّه إذا قامَ فصَلَّى تَحوَّلَ عن
جنبه، وبَصَقَ ونَفَثَ عند المضمضة في الوضوء، واستَعاذَ قبل القراءة، ثمَّ دَعَا الله في أقرَبِ
الأحوال إليه، فيكفيه اللهُ شَرّها بمَنِّه وَرَمِه.
(١) من ذلك قوله ◌َلّ: «ما نَقَصت صدقةٌ من مال)) أخرجه مسلم (٢٥٨٨) من حديث أبي هريرة.
(٢) في (س): واللّجأ. وكلاهما صحيح في المصدرية.
(٣) يشير إلى حديث أبي هريرة الذي أخرجه مسلم (٤٨٢) رفعه: ((أقرب ما يكون العبد من ربِّه وهو ساجد،
فأكثروا الدعاء».

٤٠٧
باب ٣/ح ٦٩٨٤ -٦٩٨٥
كتاب التعبير
وورَدَ في صِفَة التَّعُّذ من شَرّ الرُّؤيا أثرٌ صحيحٌ أخرجه سعيد بن منصور وابن أبي شَيْبة
(٧/ ٤٢١) وعبد الرَّزّاق (٢٠٣٥٩ و٢٠٣٦٦) بأسانيد صحيحة عن إبراهيم النَّخَعيِّ قال: إذا
رأى أحدُكم في مَنامه ما يَكرَه فليَقُل إذا استَيِقَظَ: أعوذ بما عاذَت به ملائكةُ الله ورُسُلُه من شَرّ
رُؤياي هذه أن يُصيني فيها ما أكره في ديني ودُنياي)).
وورَدَ في الاستعاذة من التَّهويل في المنام ما أخرجه مالك (٢/ ٩٥٠) قال: بَلَغَني أنَّ
خالد بن الوليد قال: يا رسول الله، إنّ أُرَوَّع في المنام، فقال: ((قل: أعوذ بكلمات الله التامّاتِ
من شَرِّ غَضَبِهِ وعذابِهِ، وشَرِّ عبادِهِ، ومن هَمَزات الشَّياطين وأن يَحِضُرونٍ))،/ وأخرج النَّسائيُّ ٣٧٢/١٢
(ك١٠٥٣٤) من رواية عَمْرو بن شُعَيب عن أبيه عن جَدّه قال: كان خالد بن الوليد يُفزَعُ في
مَنامه، فذكر نحوه، وزاد في أوَّله: ((إذا اضطَجَعتَ فقُل: باسم الله)) فذكره، وأصله عند أبي
داود (٣٨٩٣) والتِّرمِذيّ (٣٥٢٨) وحَسَّنَه، والحاكم (٥٤٨/١) وصَحَّحَه.
واستثنَى الدَّاوُوديّ مِن عموم قوله: ((إذا رأى ما يَكرَه)) ما يكون في الرُّؤيا الصّادِقة،
لكونها قد تقَعُ إنذاراً كما تقع تبشيراً، وفي الإنذار نوعٌ ما يَكرَهُه الرَّائي، فلا يُشرَع إذا عَرَفَ
أنَّهَا صادِقة ما ذكره من الاستعاذة ونحوها، واستَنَّدَ إلى ما وَرَدَ من مَرائي النبيّ ◌َّ كالبقرِ
التي تُنحَر(١) ونحو ذلك. ويُمكِن أن يقال: لا يَلزَم من تَرك الاستعاذة في الصّادِقة أن لا
يَتَحوَّل عن جنْبه، ولا أن لا يُصَلّي، فقد يكون ذلك سبباً لدفع مكروه الإنذار مع حصول
مقصود الإنذار. وأيضاً فالمُنذِرِةُ قد تَرجِع إلى معنى المبشِّرة، لأنَّ مَن أُنذِرَ بما سيقعُ له ولو
كان لا يَسُرّه أحسنُ حالاً مَّن هَجَمَ عليه ذلك، فإنَّه يَنزَعِجِ ما لا يَنْزَعِجِ مَن كان يَعلم بوقوعِه،
فیکون ذلك تخفيفاً عنه ورِفقاً به.
قال الحكيم التِّرمِذيّ: الرُّؤيا الصّادِقة أصلها حَقٌّ تُخُبِرِ عن الحقّ، وهي بُشرَى وإنذار
ومُعاتَبة، لتكونَ عَوناً لما نُدِبَ إليه، قال: وقد كان غالبُ أُمورِ الأوَّلينَ الرُّؤيا، إلّا أنَّهَا قَلَّت
في هذه الأُمّة لِعِظَم ما جاء به نبيُّها من الوحي، ولكَثْرة مَن في أمَّته مِن الصِّدّيقينَ مِن المحدَّثينَ -
(١) كما سيأتي برقم (٧٠٣٥).

٤٠٨
باب ٣/ح ٦٩٨٤ -٦٩٨٥
فتح الباري بشرح البخاري
بفتح الدّال - وأهل اليقين، فاكتَفَوا بكَثْرة الإلهام والملهَمِينَ عن كَثْرة الرُّؤيا التي كانت في
المتقدِّمينَ.
وقال القاضي عِيَاض: يحتمل قوله: ((الرُّؤيا الحسنة والصالحة)) أن يَرجِع إلى حُسن
ظاهرها أو صِدقها، كما أنَّ قوله: الرُّؤيا المكروهة أو السّوء، يحتمل سوء الظّاهر أو سوء
التَّأويل، وأمَّا كَتمُها مع أنَّها قد تكون صادِقة فخَفيَت حِكمَته، ويحتمل أن يكون لمَخافة
تعجيلِ اشتغال ◌ِرِّ الرَّائي بمكروه تفسيرها، لأنَّها قد تُبطِئ، فإذا لم يُبِرِ بها زالَ تعجيلُ رَوعها
وتَخْزِينِها، ويَبقَى إذا لم يَعبُرها له أحدٌ بين الطَّمَع في أنَّ لها تفسيراً حسناً، أو الرَّجاء في أنَّها من
الأضغاث، فيكون ذلك أسكَنَ لنفسِه.
واستُدِلَّ بقولِه: ((ولا يَذْكُرها)) على أَنَّ الُّؤيا تقع على ما تُعْبِرُ به، وسيأتي البحث في ذلك في
(باب إذا رأى ما يَكرَه)) (٧٠٤٤) إن شاء الله تعالى، واستُدِلَّ به على أنَّ للوهمِ تأثيراً في النُّوس،
لأنَّ النَّفْلِ وما ذُكِرَ معه يَدِفَع الوهمَ الذي يقع في النَّفْس من الرُّؤيا، فلو لم يكن للوهمِ تأثير
لمَا أرشَدَ إلى ما يَدِفَعه، وكذا في النَّهي عن التحدّث بما يَكرَه لمن يَكرَه، والأمر بالتحدُّث بما
يُحِبّ لمن يُحِبّ.
قوله في حديث أبي سعيد: ((وإذا رَأى غير ذلك ممَّ يَكْرَه، فإِنَّما هي من الشَّيطان)) ظاهر الحَصر
أنَّ الرُّؤيا الصالحة لا تَشتَمِل على شيءٍ ممّا يَكرَهه الرَّائي، ويُؤَيِّده مُقابلة رُؤيا البُشْرَى بالحُلُمِ،
وإضافة الحُلُم إلى الشَّيطان، وعلى هذا ففي قول أهل التَّعبير ومَن تَبِعَهم: إنَّ الرُّؤيا الصّادِقة قد
تكون بُشرَى وقد تكون إنذاراً، نظرٌ، لأنَّ الإنذار غالباً يكون فيما يكرهه الرَّائي، ويُمكِن
الجمع بأنَّ الإنذار لا يَسْتَلِزِم وقوع المكروه كما تقدَّم تقريرُه، وبأنَّ المراد بما يَكرَه ما هو أعمُّ
من ظاهر الرُّؤيا وممّا تُعبَر به.
وقال القُرطُبيّ في (المفهم): ظاهرُ الخَبَرَ أنَّ هذا النَّوع من الرُّؤيا، يعني: ما كان فيه تَهَويلٌ أو
تَخويفٌ أو تحزينٌ، هو المأمور بالاستعاذة منه، لأنَّه من تَخْييلات الشَّيطان، فإذا استعاذَ
الرَّائي منه صادِقاً في التِجائه إلى الله، وفَعَلَ ما أُمِرَ به من النَّفْلِ والتَّحَوُّل والصلاة، أذهَبَ اللهُ عنه

٤٠٩
باب ٤/ح ٦٩٨٦ - ٦٩٨٨
كتاب التعبير
ما به وما يخافُه من مكروه ذلك، ولم يُصِبه منه شَيء، وقيل: بل الخَبر على عمومه فيما يَكرَهه
الرَّائي، يَتَنَاوَلُ ما يَتَسَبَّب به الشَّيطان وما لا تَسَبُّبَ له فيه، وفعلُ الأُمور المذكورة مانعٌ من وقوع
المكروه كما جاء أنَّ الدُّعاء يَدِفَعُ البلاء(١)، والصَّدَقة تَدَفَعُ مِيتَة السّوءِ(٢)، وكلّ ذلك بقضاءِ الله
وقَدره، ولكنَّ الأسباب عادات لا مُوجِدات(٣)، وأمَّا ما يُرَى أحياناً مَّا يُعجِب الرَّائيَ، ولكنَّه لا
يَجِدِه في اليَقَظة ولا ما يدلّ عليه، فإنَّه يَدخُل في قسم آخر وهو ما كان الخاطِرُ به مشغولاً قبل
النَّومِ، ثمَّ يَحصُل النَّومُ فيراه، فهذا قسم لا يَضُرّ ولا يَنفَع.
٤ - بابٌ الرؤيا الصالحة جزءٌ من سٍّ وأربعين جزءاً من النّبوّة
٣٧٣/١٢
٦٩٨٦ - حدَّثْنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ يحيى بن أبي كثير - وأثْنَى عليه خيراً، لَقِيتُه
باليَمَامَةِ - عن أبيه، حدَّثنا أبو سَلَمَةَ، عن أبي قَتَادَةَ، عن النبيِّ وَّهِ، قال: ((الرُّؤْيا الصالحةُ منَ الله،
والحُلْمُ مِنَ الشَّيطان، فإذا حَلَمَ أحدُكم فلْيَتَعَوَّذ منه ولْبَيْصُق عن شِمالِهِ، فإنَّهَا لا تَضُرُّه)).
وعن أبيه، حدَّثنا عبدُ الله بنُ أبي قَتَادةَ، عن أبيه، عن النبيِّ وَِّ، مِثْلَه.
٦٩٨٧ - حَّثنا محمَّدُ بنُّ بشَّارِ، حدَّثْنَا غُندَرٌّ، حدَّثْنَا شُعْبَةُ، عن قَتَادَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن
عُبادةَ بنِ الصّامِتِ، عن النبيِّ ◌َِّهِ، قال: ((رُؤْيا المؤمنِ جُزْءٌ من ستّةٍ وأربعينَ جُزْءاً منَ النُّبَوَةِ)).
ورواه ثابتٌ ومحميدٌ وإسحاقُ بنُ عبدِ الله وشُعَيبٌ، عن أنسٍ، عن النبيِّ ◌َّ.
٦٩٨٨ - حدّثنا يحيى بنُ قَزَعةَ، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن الزُّهْريِّ، عن سعيدِ بنِ
المسيّبِ، عن أبي هريرةَ ﴾، أنَّ رسولَ اللهِ ◌ّم قال: «رُؤْيا المؤمنِ جُزْءٌ من ستّةٍ وأربعينَ جُزْءاً
منَ النُّبوّةِ)).
[طرفه في: ٧٠١٧]
(١) كما في حديث سلمان الفارسي عند الترمذي (٢١٣٩) رفعه: ((لا يردُّ القضاءَ إلّ الدعاءُ)) وحسَّنه الترمذي، وكما
في حديث ثوبان عند أحمد (٢٢٣٨٦)، وابن ماجه (٩٠) و(٤٠٢٢)، وصححه ابن حنبل (٨٧٢).
(٢) كما في حديث أنس بن مالك عند الترمذي (٦٦٤) وحسّنه: ((إنَّ الصدقة لتطفئ غضب الربّ وتدفع
ميتة السوء)).
(٣) تحرَّف في (س) إلى: موجودات.

٤١٠
باب ٤/ ح ٦٩٨٦ - ٦٩٨٩
فتح الباري بشرح البخاري
٦٩٨٩ - حدَّثنا إبراهيمُ بنُ حمزةَ، حدَّثني ابنُ أبي حازم والدَّراوَرِيُّ، عن یزیدَ، عن
عبدِ الله بنِ خَبّابٍ، عن أبي سعيدِ الخُذريِّ، أَنَّه سمعَ رسولَ الله ◌َّهِ يقول: ((الرُّؤْيا الصالحةُ
جُزْءٌ من ستّةٍ وأربعينَ جُزْءاً منَ النُّبوّة)).
قوله: ((بابٌ الرُّؤْيا الصالحةُ جُزْءٌ من ستّةٍ وأربعينَ جُزْءاً من النُّة)) هذه التَّرجمة لفظُ آخرِ
أحاديث الباب، فكأنَّه حَمَلَ الرِّواية الأُخرى بلفظ: ((رُؤيا المؤمن)) على هذه المقَيَّدة، وسَقَطَت هذه
التَّرجمة للنَّسَفيِّ، وذكر أحاديثها في الباب الذي قبله.
وذکر فیه خمسة أحاديث:
الحديث الأول:
قوله: ((حدَّثْنا مُسدَّد، قال: حدّثنا عبد الله بن يحيى بن أبي كثير - وأثْنَى عليه خيراً، لَقِيتُه
باليمامةِ -)» هكذا للأكثر، وفي رواية القابِسيّ بعد قوله: خيراً: قال: لَقيتُه باليمامة، وفاعل
أثنَى هو مُسدَّد، وهي جملة حاليَّة، كأنَّه قال: أثْنَى عليه خيراً حال تحديثه عنه، وقد أثنَی
عليه أيضاً إسحاق بن أبي إسرائيل فيما أخرجه الإسماعيليّ من طريقه قال: حدَّثنا عبد الله
ابن يحيى بن أبي كثير، وكان من خيار الناس وأهل الورَع والدّين.
قوله: ((وعن أبيه)) هو عطف على السَّند الذي قبله، ففي رواية إسحاق بن أبي إسرائيل
المذكورة بعد أن ساقَ طريق أبي سَلَمة، قال: وحدَّثنا عبد الله بن يحيى بن أبي كثير عن أبيه عن
عبد الله بن أبي قَتَادة عن أبيه مِثْل حديث أبي سَلَمة، وتقدَّم في صِفَة إبليس (٣٢٩٢) من طريق
الأوزاعيِّ عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سَلَمة(١) وحده عن أبي قَتَادة.
وأخرجه أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) من طريق أبي خليفة عن مُسدَّد كرواية البخاريّ
عن مُسدَّد، ومن طريق إبراهيم الحَرْبيّ عن مُسدّد بهذا السَّند، فقال: عن أبي هريرة، بَدَل
أبي قَتَادة، ولعلَّه كان عند أبي سَلَمة عنهما،/ وكان عند مُسدَّد على الوجهَين، فقد أخرجه
ابن عَديّ (٢١٥/٤) من رواية إسحاق بن أبي إسرائيل بهذا السَّند إلى أبي سَلَمة فقال: عن
٣٧٤/١٢
(١) هذا وهم من الحافظ رحمه الله، لأنَّ الرواية المتقدمة في صفة إبليس لعبد الله بن أبي قتادة وليست لأبي سلمة.

٤١١
باب ٤/ ح ٦٩٨٦ - ٦٩٨٩
كتاب التعبير
أبي قَتَادة تارة، وعن أبي هريرة أُخرى(١).
وعند (٢) عبد الله (٣) بن يحيى بن أبي كثير عن أبيه عن أبي سلمة عن أبي هريرة حديث: ((رُؤيا
الرجل الصالح جُزء من ستّة وأربعينَ جُزءاً من النُّبوّة)) أخرجه مسلم (٨/٢٢٦٣).
قوله: ((الرُّؤْيا الصالحة من الله والخُلُم من الشَّيطان، فإذا حَلَمَ أحدُكم)) تقدَّم شرحه في الباب
الذي قبلَه مُستَوفَّى، وقد اعتَرَضَه الإسماعيليّ، فقال: ليس هذا الحديث من هذا الباب في شيء،
وأخَذَه الزَّركَشِّ فقال: إدخالُه في هذا الباب لا وجه له، بل هو مُلحَقٌ بالذي قبله.
قلت: وقد وَقَعَ ذلك في رواية النَّسَفيّ كما أشرتُ إليه، ويُجاب عن صنيع الأكثر بأنَّ وجه
دخوله في هذه التّرجمة الإشارة إلى أنَّ الرُّؤيا الصالحة إنَّما كانت جزءاً من أجزاء النُبّة لكونها
من الله تعالى، بخلاف التي من الشَّيطان، فإنَّها ليست من أجزاء النُّة، وأشارَ البخاريّ مع
ذلك إلى ما وَقَعَ في بعض الطُّرق عن أبي سَلَمة عن أبي قَتَادة، فقد ذكرتُ في الباب الذي
قبله(٤) أنَّه وَقَعَ في رواية محمّد بن إبراهيم التَّيميّ عن أبي سَلَمة عن أبي قَتَادة في هذا الحديث
من الزّيادة: ((ورُؤيا المؤمن جُزء من سنّة وأربعينَ جُزءاً من النُّبُوّة)).
الحديث الثاني:
قوله: ((حدَّثنا غُندَر)) هو محمّد بن جعفر.
قوله: ((عن أنس)) في رواية أحمدَ (٢٢٦٩٧): عن محمَّد بن جعفر المذكور بسندِه المذکور:
سمعت أنس بن مالك يُحدِّث عن عُبادة، وقد خالَفَ قَتَادةَ غيرُه، فلم يَذكُرُوا عُبادة في
(١) هذا يوهم أنَّ حديث أبي هريرة كحديث أبي قتادة سواء، وإنما أخرج ابن عدي من هذه الطريق عن أبي هريرة
حديث ((رؤيا العبد المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة))، وهو الحديث الذي سيذكره الحافظ ويعزوه
لمسلم.
(٢) تحرَّف في (س) إلى: عن.
(٣) تحرَّف في (س) إلى: عبيد الله.
(٤) لم يتقدم للحافظ رحمه الله ذِكرٌ لهذه الطريق، وهي عند النسائي في ((الكبرى)) (١٠٦٧٩)، ولفظ الزيادة عنده:
((رؤيا العبد الصالح ... )) وهي أيضاً عند إسحاق بن راهويه، كما في ((المطالب العالية)) (٢٨٤٤) بلفظ: ((رؤيا
المسلم ... )).

٤١٢
باب ٤/ ح ٦٩٨٦ -٦٩٨٩
فتح الباري بشرح البخاري
السَّند، وهو الحدیث الثّالث حديث أنس.
قوله: ((ورواه ثابت ومُميدٌ وإسحاق بن عبد الله وشُعَيب، عن أنس، عن النبيّ وَّ)) أي:
بغير واسطة، فأمَّا رواية ثابت فتأتي موصولةً بعد خمسة أبواب (٦٩٩٤) من طريق عبد العزيز
ابن المختار عنه تِلْو حديث أوَّلُه: ((مَن رآني في المنام فقد رآني))، وقال فيه: ((ورُؤيا المؤمن))،
ووَصَلَها مسلم (٧/٢٢٦٤) من طريق شُعْبة عن ثابت كذلك، وأخرجها البزَّار (٦٨٤٠) وقال:
لا نَعلم رواه عن ثابتٍ إلّا شُعْبة. ورواية عبد العزيز تَرُدّ عليه. ووَقَعَ في ((أطراف الِّيّ)) أنَّ
البخاريّ أخرجه في التَّعبير مُعلَّقاً فقال: رواه شُعْبة عن ثابت، ولم أرَ ذلك في البخاريّ.
وأمَّا رواية حُميد فوَصَلَها أحمدُ (١٢٠٣٧) عن محمّد بن أبي عَديّ عنه، ولفظ المتن مِثل
رواية قَتَادة. وأمَّا رواية إسحاق - وهو ابن عبد الله بن أبي طلحة - فتقدَّمَت قريباً (٦٩٨٣)،
وأمَّا رواية شُعَيب - وهو ابن الحَبْحاب، بمُهمَلَتَينِ مفتوحَتَينِ وموخَّدتَينِ الأولى ساكنة -
فُرُوِّيناها موصولةً في كتاب ((الرّوح)) لأبي عبد الله ابن مَندَهُ(١) من طريق عبد الوارث بن سعيد،
وفي الجزء الرَّابِع من ((فوائد أبي جعفر محمَّد بن عَمْرو الرَّزاز)) (١٠٥) من طریق سعید بن زيد،
كلاهما عن شُعَيب، ولفظه مِثل حُميد، وأشارَ الدّارَ قُطنيُّ إلى أنَّ الطَّريقَينِ صحيحان.
الحديث الرّابع: حديث أبي هريرة من رواية الزُّهْريّ عن سعيد بن المسيّب عنه، ولفظه
مِثل قَتَادة، وقد أخرجه مسلم (٨/٢٢٦٤) من هذا الوجه فزاد في أوَّله: ((إنَّ) التي للتَّأكيد،
وأخرجه (٨/٢٢٦٤) من طريق أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ أبي سعيد آخر أحاديث الباب،
ومن طريق أبي سَلَمة ومن طريق همَّام، كلاهما عن أبي هريرة (٨/٢٢٦٤) بلفظ: ((رؤيا
الرجل الصالح)) بَدَل لفظ: ((المؤمن))(٢).
الحديث الخامس: حديث أبي سعيد من رواية ابن أبي حازم والدَّرَاورديّ، واسم كلّ منهما
عبد العزيز، واسم أبي حازم: سَلَمة بن دينار، واسم والد الدَّرَاورديّ: محمَّد بن عُبيد، ويزيد
(١) وكذلك أخرجه من الطريق المذكور كمالُ الدين ابن العَديم في ((بغية الطلب في تاريخ حلب)) ٣٤٦٩/٧.
(٢) وأخرجه مسلم أيضاً (٢٢٦٤) (٨) من طريق أبي صالح أيضاً عن أبي هريرة بلفظ: ((رؤيا المسلم يراها
أو تُری له ... )).

٤١٣
باب ٥/ح ٦٩٩٠
كتاب التعبير
شيخهما هو المعروف بابنِ الهاد(١)، والسَّند كلّه مدنيُّونَ، ولفظ المتن مِثل التَّرجمة كما تقدَّم.
قوله: ((من النُّبوّة)) قال بعض الشُّراح: كذا هو في جميع الطُّرق، وليس في شيءٍ منها
بلفظ: ((من الرِّسالة)) بَدَل: ((من النُّبّة))، قال: وكأنَّ السِّ فيه أنَّ الرِّسالة تَزيد على النُبّة
بتبليغِ الأحكام للمُكلَّفين، بخِلَاف النُّبُوّة المجَرَّدة فإنّها اطّلاعٌ على بعض المغَيَّبات، وقد
يُقرِّر بعضُ الأنبياء شَريعةَ مَن قبله، ولكن لا يأتي بحُكمِ جَديدٍ مخالفٍ لمن قبله، فيُؤخَذ من
ذلك ترجيح القول بأنَّ مَن رأى النبيّ وَّهَ في المنام فأمَرَه بحُكمٍ يُخالف حُكم / الشَّرع ٣٧٥/١٢
المستَقِرّ في الظّاهر، أنَّه لا يكون مشروعاً في حَقّه ولا في حَقّ غيره حتَّى يجبَ عليه تبليغُه،
وسيأتي بَسطُ هذه المسألة في الكلام على حديث: ((مَن رآني في المنام فقد رآني)) (٦٩٩٣)، إن
شاء الله تعالى.
٥- باب المبشِّرات
٦٩٩٠ - حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، حدَّثني سعيدُ بنُ المسيّبِ، أنَّ
أبا هريرةَ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ وَّه يقول: ((لم يَبْقَ منَ النُّبوّة إلّا المبشِّرات)) قالوا: وما
المبشِّرات؟ قال: ((الرُّؤْيا الصالحة)).
قوله: ((باب المبشِّرات)) بكسر الشّين المعجمة: جمع مُبشِّرة، وهي البُشرَى.
وقد وَرَدَ في قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِ اَلْحَيَوْةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس : ٦٤]: هي الرُّؤيا الصالحة،
أخرجه التِّرمِذيّ(٢) وابن ماجَهْ (٣٨٩٨) وصَحَّحَه الحاكم (٢/ ٣٤٠) من رواية أبي سَلَمة
(١) تحرف في الأصلين إلى: ابن الهلا.
(٢) كلام الحافظ هنا يُوهم أنَّ الحديث عند الترمذي على وجهين، الأول جاء فيه: عن أبي سلمة عن عبادة، والثاني
جاء فيه: عن أبي سلمة قال: نبئتُ عن عبادة، لكن الترمذي أخرجه برقم (٢٢٧٥) من طريق أبي داود
الطيالسي عن حرب بن شداد وعمران القطان، كلاهما عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة قال: نبئتُ عن
عبادة. فكأن الحافظ حكم بكون الترمذي حمل رواية القطان على رواية حرب بن شداد، وساق الإسناد على
رواية حرب بن شداد یعني فقال: نبئتُ، لأنَّ أبا داود الطيالسي روی الحدیث في «مسنده)) (٥٨٤) عن حرب
ابن شداد، كرواية الترمذي لكننا لم نقف على ما يدل على أنَّ رواية عمران القطان مغايرة لرواية حرب بن
شداد، بل الظاهر من صنيع الترمذي اتفاقهما، والله أعلم.
٠٠
٠

٤١٤
باب ٥/ح ٦٩٩٠
فتح الباري بشرح البخاري
ابن عبد الرَّحمن عن عُبادة بن الصامت، ورواته ثقات، إلّا أنَّ أبا سَلَمة لم يسمعه من عُبادة،
وأخرجه الِّرمِذيّ أيضاً من وجهٍ آخر عن أبي سَلَمة قال: نُبِّئْت عن عُبادة.
وأخرجه أيضاً هو (٢٢٧٣ و٣١٠٦) وأحمدُ (٢٧٥٢٠) وإسحاق(١) وأبو يَعْلى (٢) من طريق
عطاء بن يَسار عن رجلٍ من أهل مِصر عن عُبادة(٣)، وذكر ابن أبي حاتم عن أبيه أنَّ هذا الرجل
لیس بمعروفٍ.
وأخرجه ابن مَرْدويه من حديث ابن مسعود قال: سألتُ رسولَ الله ﴿ ﴿، فذکر مِثله،
وفي الباب عن جابر(٤) عند البزَّار، وعن أبي هريرة عند الطَّبَريّ (١٣٥/١١)، وعن عبد الله
ابن عَمْرو عند أبي يَعْلى(٥).
قوله: (لم يَبْقَ من النُّوّة إلّا المبشِّرات)) كذا ذكره باللَّفْظِ الدّالّ على المضيّ تحقيقاً لوقوعِه،
والمراد الاستقبال، أي: لا يَبقَى، وقيل: هو على ظاهره، لأنَّه قال ذلك في زمانه، واللّام في
النُّة للعهدِ، والمراد نُبوَّته، والمعنى: لم يَبقَ بعد النُّبوّة المختَصَّة بي إلّا المبشِّرات، ثمَّ فَسَّرَها
بالرُّؤيا، وصَرَّحَ به في حديث عائشة عند أحمدَ (٢٤٩٧٧) بلفظ: ((لم يَبَقَ (٦) بعدي)).
وقد جاء في حديث ابن عبّاس: أنَّه وسلم قال ذلك في مرض موته، أخرجه مسلم (٤٧٩)
وأبو داود (٨٧٦) والنَّسائيُّ (١٠٤٥) من طريق إبراهيم بن عبد الله بن مَعبَد عن أبيه عن
ابن عبّاس: أنَّ النبيَّ ◌ََّ كَشَفَ السِّتارة ورأسُه مَعصوبٌ في مرضِه الذي ماتَ فیه والناس
صُفُوفٌ خَلف أبي بكر، فقال: ((يا أيّها الناس، إنَّه لم يَبقَ من مُبشِّرات النُّبوّة إلّ الرُّؤيا الصالحة
(١) وأخرجه من طريقه أبو موسى المديني في ((اللطائف من علوم المعارف)) بإثر (٥١٤).
(٢) لم نقف عليه في ((مسنده)) المطبوع الذي بروايته ابن حمدان، فلعله في ((مسنده الكبير)) الذي برواية ابن المقرئ.
(٣) ذكر عبادة هنا سبق قلم، لأنَّ عطاء بن يسار قال في روايته: عن رجل من أهل مصر قال: سألت أبا الدرداء.
(٤) هو جابر بن عبد الله بن رِئاب وليس جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، كما جاء مقيداً في ((كشف الأستار))
(٢٢١٨). وفي الإسناد إليه محمد بن السائب الكلبي وهو متهم.
(٥) لعله في ((مسنده الكبير)) الذي لم يُعثر عليه، إذ لم نقف عليه في («مسنده)» المطبوع الذي برواية ابن حمدان،
وفات الحافظ أنه عند أحمد (٧٠٤٤).
(٦) في النسخ الخطية التي بأيدينا من ((مسند أحمد)): ((لا يبقى)).

-
1
باب ٥/ح ٦٩٩٠
٤١٥
كتاب التعبير
يراها المسلم أو تُرَى له)) الحديث، وللنَّسائيِّ (ك٧٥٧٤) من رواية زُفَرَ بن صَعْصَعة عن
أبي هريرة رَفَعَه: ((إِنَّه ليس يَبقَى بعدي من النُّبّة إلّا الزُّؤيا الصالحة)) وهذا يُؤيِّد التَّأويل
الأوَّل.
وظاهر الاستثناء مع ما تقدَّم من أنَّ الرُّؤيا جُزءٌ من أجزاء النُّبّة، أنَّ الرُّؤیا نُبوّة، ولیس
كذلك لما تقدَّم أنَّ المرادَ تشبيهُ أمر الرُّؤيا بالتُبّة، أو لأنَّ جُزء الشَّيء لا يَسْتَلِزِمِ ثُبوت وصفه له،
كمَن قال: أشهد أن لا إله إلّا الله، رافعاً صوتَه، لا يُسمَّى مُؤَذِّناً، ولا يقال: إنَّه أَذَّنَ، وإن كانت
جزءاً من الأذان، وكذا لو قرأ شيئاً من القرآن وهو قائم لا يُسمَّى مُصَلّياً، وإن كانت القراءةُ
جزءاً من الصلاة.
ويُؤيِّده حديثُ أمّ كُرْز - بضمِّ الكاف وسكون الرَّاء بعدها زاي - الكعبيَّة قالت:
سمعت النبيّ وَله يقول: ((ذهبَت النُّبُوّة وبَقِيَت المبشِّرات)) أخرجه أحمدُ (٢٧١٤١) وابن
ماجَهْ (٣٨٩٦) وصَحَّحَه ابن خُزَيمةَ(١) وابن حِبّان (٦٠٤٧). ولأحمدَ (٢٤٩٧٧) عن عائشة
مرفوعاً: ((لم يَبَقَ بعدي من المبشِّرات إلّا الرُّؤيا)). وله (٢) وللطََّرانيّ (٣٠٥١) من حديث حُذَيفة
ابن أَسِيد مرفوعاً: ((ذهَبَتِ النُّبوّة ويَقِيَتِ المبشِّرات)). ولأبي يَعْلى (٣) من حديث أنسٍ رَفَعَه: ((إنَّ
الرِّسالة والنُُّوّة قد انقَطَعَت، ولا نبيَّ ولا رسولَ بعدي، ولكن بَقِيَت المبشِّرات)) قالوا: وما
المبشِّرات؟ قال: ((رُؤيا المسلم هي(٤) جُزءٌ من أجزاء النُّبوّة)).
(١) وأورده الحافظ في («إتحاف المهرة)) (٢٣٦٦٥)، وأنه عند ابن خزيمة في التوكُّل.
(٢) الذي في ((مسند أحمد)) (٢٣٧٩٥) حديث أبي الطفيل عامر بن واثلة، قال: قال رسول الله وَ له:((لا نبوّة بعدي إلّا
المبشرات))، وهو نفسه إسناد حديث حذيفة بن أسيد عند الطبراني، لأنَّ الطبراني رواه عن أبي الطفيل عن
حذيفة، فجعله من مسند حذيفة لا أبي الطفيل. فلعلَّ الحافظ رحمه الله حمل رواية أحمد على رواية الطبراني، يعني
أنَّ أبا الطفيل إنما سمعه من حذيفة بن أسيد وليس من النبي ◌َّ.
(٣) لم نقف عليه في ((مسنده)) المطبوع الذي برواية ابن حمدان، وهو في ((مسنده الكبير)) الذي برواية ابن
المقرئ، فقد أخرجه من طريقه الضياء في ((المختارة)) (٢٦٤٥)، وفات الحافظ أنه عند أحمد (١٣٨٢٤)،
والترمذي (٢٢٧٢).
(٤) تحرَّف في الأصلين و(س) إلى: المسلمين.

٤١٦
باب ٦
فتح الباري بشرح البخاري
٣٧٦/١٢
قال المهلَّب ما حاصله: التَّعبير بالمبشِّرات خَرَجَ للأغْلَب، فإنَّ من الرُّؤيا ما تكون/ مُنذِرة،
وهي صادِقة يُريها اللهُ للمؤمنِ رِفْقاً به ليَستَعِدّ لما يقع قبل وقوعه. وقال ابن التِّين: معنى
الحديث: أنَّ الوحيَ يَنْقَطِع بموتي ولا يَبقَى ما يُعلم منه ما سيكونُ إلّ الرُّؤيا. ويَرِدُ عليه
الإلهام، فإنَّ فيه إخباراً بما سيكون، وهو للأنبياءِ بالنّسبة للوحي كالرُّؤيا، ويقعُ لغيرِ الأنبياءِ
كما في الحديث الماضي في مناقب عمر (٣٦٨٩): «قد كان فيمَن مضى من الأُمَم مُحدَّثونَ»،
وفُشِّرَ المحدَّث بفتح الدّال بالملهَمِ بالفتح أيضاً. وقد أخبر كثيرٌ من الأولياء عن أُمُورٍ مُغيّةٍ
فكانت كما أخبروا. والجواب أنَّ الحَصْر في المنام لكَونِه يَشمَل آحاد المؤمنين، بخلاف الإلهام
فإِنَّه مُخْتَصّ بالبعض، ومع كَونه مُخْتَصّاً فإنَّه نادر، فإنَّما ذُكِرَ المنام لشُموله وگثْرة وقوعه، ویشیر
إلى ذلك قوله وَله: (فإن يكن))، وكان السِّ في نُدور الإلهام في زَمَنه وكَثْرَتِهِ مِن بعدِه غَلَبة
الوحي إليه وَّه في اليقظة، وإرادة إظهار المعجزات منه، فكان المناسِب أن لا يقع لغيره منه في
زمانه شيءٌ، فلمَّا انقَطَعَ الوحيُّ بموتِهِ وَقَعَ الإلهامُ لمن اختَصَّهِ اللهُ به للأمنِ من اللَّبس في
ذلك، وفي إنكار وُقوع ذلك مع كَثَرَتِه واشتهاره مُكابَرةٌ مَّن أنكَرَه، والله أعلم.
٦- باب رؤیا یوسف
وقولِه عزَّ وجلّ: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِهِ يَأَبَتِ إِنِِّ رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ
رَأَيُِّهُمْ لِ سَنِجِدِينَ﴾ إلى قوله: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [يوسف: ٤ -٦].
وقوله تعالى: ﴿يَأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُهْيَىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِ حَقًّا﴾ إلى قوله: ﴿وَأَلْحِقْنِى
بِالصَّلِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠٠ - ١٠١].
فاطِرٌ والبَدِيعُ والمُبْدِعُ والبارئُّ والخالقُ واحدٌ، قال أبو عبدِ الله: منَ الِدْءِ وبادِئه.
قوله: ((باب رُؤْيا يوسف)) كذا لهم، ووَقَعَ للَّسَفيّ: ((يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن
إبراهيم خليل الرَّحمن)).
قوله: ((وقوله عزَّ وجلّ: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِهِ﴾ فساقَ إلى ﴿سَجِدِينَ﴾ ثمّ قال: إلى قوله:
﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾)»، كذا لأبي ذرِّ والنَّسَفيّ، وساقَ في رواية كَرِيمة الآيات كلّها.

٤١٧
باب ٦
كتاب التعبير
قوله: ((وقوله تعالى: وقال ﴿وَقَالَ يَكَأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُوْيَىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِ حَقًّا﴾ إلى
قوله: ﴿وَأَلْحِقْنِ بِالصَّلِحِينَ﴾)) كذا لأبي ذرِّ والنَّسَفيّ أيضاً، وساقَ في رواية كَرِيمة
الآيَتَين، والمراد أنَّ معنى قوله: ﴿تَأْوِيلُ رُوْيَىَ﴾ أي: التي تقدَّم ذِكْرُها، وهي رؤية الكَواكِب
والشَّمس والقَمَر ساجدِينَ له، فلمَّا وَصَلَ أَبُواه وإخوتُه إلى مِصر ودخلوا عليه وهو في مَرتَبة
المَلِكِ سَجَدوا له، وكان ذلك مُباحاً في شريعَتهم، فكان التَّويل في الساجِدينَ وكَونها حقّاً
في السُّجود، وقيل: التَّويل وَقَعَ أيضاً في السُّجود، ولم يقعْ منهم السُّجود حقيقةً، وإنَّما هو
كِنايةٌ عن الخُضوع. والأوَّل هو المعتمَد.
وقد أخرجه ابن جَرِير بسندٍ صحيح عن قَتَادة في قوله: ﴿وَخَرُّوْلَهُ سُجَّدًا ﴾ [يوسف: ١٠٠]
قال: كانت تَحَيَّةَ مَن قبلَكم، فأعطَى الله هذه الأُمّةَ السَّلامَ تَحِيَّةَ أهل الجنَّة، وفي لفظ:
وكانت تَحَيَّةُ الناسِ يومئذٍ أن يَسجُد بعضُهم لبعضٍ، ومن طريق ابن إسحاق والثَّوْريّ
وابن جُرَيج وغيرهم نحو ذلك، قال الطَّبَريُّ: أرادوا أنَّ ذلك كان بينهم لا على وجه
العبادة بل الإكرام.
واختُلِفَ في المدّة التي كانت بين / الرُّؤيا وتفسيرها، فأخرج الطَّبَريُّ (٦٩/١٣) والحاكم ٣٧٧/١٢
(٤ / ٣٩٦) والبيهقيُّ في ((الشَّعَبِ)) (٤٧٨٠) بسندٍ صحيح عن سلمان الفارسيّ، قال: كان
بين رُؤيا يوسف وعِبارَتها أربعون عاماً، وذكر البيهقيُّ (٤٧٨١) له شاهداً عن عبد الله بن
شدَّاد وزاد: وإليها يَنْتَهي أمَدُ الرُّؤيا، وأخرج الطَّبَرِيُّ (٧٠/١٣) من طريق الحسن
البصريّ قال: كانت مُدّة المفارقة بين يعقوب ويوسف ثمانينَ سنةً، وفي لفظ ثلاثاً وثمانينَ
سنةً، ومن طريق قَتَادة: خمساً وثلاثينَ سنةً.
ونَقَلَ الثَّعلَبيّ عن ابن مسعودٍ: تسعينَ سنةً، وعن الكَلْبِيّ: اثنتَينٍ وعشرينَ سنةً، قال:
وقيل: سبعاً وسبعين، ونَقَلَ ابن إسحاق قولاً: أنَّها كانت ثمانية عشرَ عاماً، والأوَّل أقوى
والعلم عند الله.
قوله: ((قال أبو عبد الله)) هو المصنِّف، وسَقَطَ هذا وما بعده إلى آخر الباب للنَّسَفيّ.

٤١٨
باب ٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فاطِرٌ والبدیع والمُبْدِع والبارِئ واخالقُ واحدٌ)) كذا لبعضِهم: البارئ، بالرَّاء، ولأبي ذرِّ
والأكثر: البادِئ، بالدّال بَدَل الرّاء، والهمز ثابت فيهما، وزَعَمَ بعض الشُّرّاح أنَّ الصَّواب بالرَّاءِ
وأنَّ رواية الدّال وهم، وليس كما قال، فقد وَرَدَت في بعض طرق الأسماء الحُسنَى كما تقدَّم في
الدَّعَوات (٦٤١٠)، وفي الأسماء الحُسنَى أيضاً المُبدِئ.
وقد وَقَعَ في العنكبوت ما يَشْهَد لكلٍّ منهما في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِىُّ اللَّهُ الْخَلْقَ
ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [العنكبوت: ١٩] - ثمَّ قال - ﴿فَنْظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ [العنكبوت: ٢٠]،
فالأوَّل من الرُّباعيّ، واسم الفاعل منه: مُبدِئ، والثّاني من الثّلاثيّ، واسم الفاعل منه:
بادِئ، وهما لُغَتان مشهورتان، وإنَّما ذكر البخاريّ هذا استطراداً من قوله في الآيتينِ المذكورتين:
﴿فَاطِرَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يوسف: ١٠١] فأراد تفسير الفاطر.
وزَعَمَ بعضُ الشُّرّاح أنَّ دَعوى البخاريِّ في ذلك الوحدةَ ممنوعةٌ عند المحَقِّقين. كذا
قال، ولم يُرِد البخاريّ بذلك أنَّ حَقائق معانيها مُتَوِّدة، وإنَّما أراد أنَّهَا تَرجِع إلى معنّى
واحدٍ، وهو إيجاد الشَّيء بعد أن لم يكن، وقد ذكرت قول الفَرّاء: أنَّ فطَرَ وخَلَقَ وفَلَقَ
بمعنَّى واحدٍ، قبل ((باب رُؤيا الصالحينَ)) (٦٩٨٣).
قوله: ((قال أبو عبد الله: من البَدْء وبادِئِهِ)) كذا وَجَدتُه مضبوطاً في الأصل بالهمز في
الموضعين، وبواو العطف (١) لأبي ذرٍّ، فإن كان محفوظاً تَرَجَّحَت رواية الدّال من قوله:
((والبادِئ))، ولغير أبي ذرِّ(٢): ((من البَدْو بادية))، بالواو بَدَل الهمز وبغير همز في ((بادية)) وبهاءِ
تأنيث، وهو أولى لأنَّه يريد تفسير قوله في الآية المذكورة ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِّنَ الْبَدْوِ ﴾ [يوسف:
١٠٠] ففَسَّرَها بقولِه: بادية، أي: جاء بكَم من البادية، وذكره الكِرْمانيُّ فقال: قوله: ((من
البَدو)) أي: قوله: ﴿وَجَ بِكُمْ مِّنَ الْبَدْوِ ﴾، أي: من البادية، ويحتمل أن يكون مقصودُه أنَّ
(١) كذا قال الحافظ، مع أنَّ الذي في اليونينية وغيرها من الأصول الخطية التي بأيدينا من البخاري سقوط
الواو لجميع رواة البخاري، فالله أعلم.
(٢) كذا نسب الحافظ رحمه الله هذه الرواية لغير أبي ذرٍّ، مع أنَّ الذي في هامش اليونينية أنها لأبي ذرٍّ، وكذلك
جاء في الأصل الخطي الذي بأيدينا بروايته!
!

٤١٩
باب ٧
كتاب التعبير
فاطِرِ معناه: البادِئ من البَدْء، أي: الابتداء، أي: بادِئ الخَلق، فمعنى فاطِرٍ بادِئٌ، والله
أعلم.
٧- باب رؤيا إبراهيم عليه السلام
وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ﴾ إلى قوله: ﴿نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢-
١٠٥].
قال مجاهدٌّ: ﴿أَسْلَمَا﴾: سَلَّما ما أُمِرا به، ﴿وَتَلَّهُ﴾: وَضَعَ وجهَه بالأرضِ.
قوله: ((باب رُؤْيا إبراهيم عليه السلام)) كذا لأبي ذرِّ، وسَقَطَ لفظ باب لغيره.
قوله: ((وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ﴾ إلى قوله ﴿نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ﴾)) كذا لأبي
ذرِّ، وسَقَطَ لِلنَّسَفيّ، وساقَ في رواية كَرِيمة الآياتِ كلَّها.
قيل: كان إبراهيم نَذَرَ إِن رَزَقَه الله من سارةَ ولداً أن يَذَبَحه قُرباناً، فرأى في المنام أن
أوفِ بنَذرِك، أخرجه ابن أبي حاتم عن السُّدِّيّ، قال: فقال إبراهيم لإسحاق: انطَلِق بنا
نُقَرِّبْ قُرباناً وأخَذَ حَبلاً وسِكّیناً، ثمَّ انطَلَقَ به حتَّى إذا كان/ بین الجبال قال: يا أبتِ، أين ٣٧٨/١٢
قُربانك؟ قال: أنتَ يا بُنيّ ﴿إِنِّ أَرَى فِ الْمَنَامِ أَنِّ أَذْبَحُكَ ﴾ الآيات [الصافات: ١٠٢]، فقال:
اشدُدْ رِباطي حتَّى لا أضطَرِب، واكفُفْ ثِيَابَك حتَّى لا يَنْتَضِحَ عليها من دَمي، فَتَراه سارةٌ
فَتَحْزَن، وأسرعٍ مَّ السِّكّين على حَلْقي ليكونَ أهوَنَ عليّ، فَفَعَلَ ذلك إِبراهيمُ وهو يبكي،
وأمرَّ السِّكّينَ على حَلْقه فلم تَحُزَّ، وضَرَبَ الله على حَلْقِهِ صَفيحةً من نُحاس، فكَبَّه على
جَبِينه وحَّ في قَفاه، فذاكَ قوله: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَثَلَّهُ لِلْجَبِينِ ) وَدَيْنَهُ أَنْ يَإِرَهِيمُ ) قَدْ
صَدَّقْتَ الزُِّيَآ﴾ فالتَفَتَ، فإذا هو بكَبْشٍ، فأخَذَه وخَلَّى (١) عن ابنه. هكذا ذكره السُّدِّيّ،
ولعلَّهُ أَخَذَه عن بعضِ أهلِ الكتاب.
فقد أخرج ابن أبي حاتم (٢) بسندٍ صحيح أيضاً عن الزُّهْريّ عن القاسم قال: اجتَمَعَ
(١) تحرف في (ع) و(س) إلى: وحل، وفي (أ) إلى: ونحره.
(٢) وهو أيضاً في ((تفسير عبد الرزاق)) ٢/ ١٥٠-١٥١.

٤٢٠
باب ٧
فتح الباري بشرح البخاري
أبو هريرة وكعبٌ فحدَّث أبو هريرة عن النبيّ ◌َِّ: ((إنَّ لكلِّ نبيِّ دَعوةٌ مُستَجابة)) فقال
كعب: أفَلا أُخبرك عن إبراهيم؟ لمَّا رأى أنَّه يَذْبَح ابنَه إسحاقَ قال الشَّيطانُ: إن لم أفِن
هؤلاءِ عند هذه لم أفتِنهم أبداً، فذهب إلى سارةَ، فقال: أين ذهب إبراهيم بابنِك؟ قالت: في
حاجته، قال: كلّا، إنَّه ذهبَ به ليَذْبَحه يَزعُم أنَّ رَبَّه أمَرَه بذلك، فقالت: أحسَنَ أن يُطيعَ
رَبَّه، فجاء إلى إسحاق فأجابَه بنحوِه، فواجَهَ إِبراهيمَ فلم يَلتَفِت إليه، فأيِسَ أن يُطيعوه.
وساقَ نحوه من طريق سعيد عن قَتَادة، وزاد: أنَّه سَدَّ على إبراهيم الطَّريقَ إلى المَنحَر،
فأمَرَه جِبْرِيلُ أن يَرمِيَه بسبع حَصَياتٍ عند كلّ ◌َْرةٍ، وكأنَّ قَتَادة أخَذَ أوَّله عن بعضِ أهلِ
الكتاب وآخرَه ممَّا جاء عن ابن عبّاس، وهو عند أحمدَ (٢٧٠٧) من طريق أبي الطَّفَيل عنه
قال: إنَّ إبراهيم لمَّا رأى المناسِكَ عَرَضَ له إبليسُ عند المسعَى، فسَبَقَه إبراهيم، فذهبَ بِه
جِبْرِيلُ إلى العَقَبة فعَرَضَ له إبليس، فرَماه بسبْعِ حَصَیاتٍ حتَّی ذهبَ، وكان على إسماعيل
قميصٌ أبيضُ، وثَمَّ تَلَّه للجَبينِ فقال: يا أبتِ إنَّه ليس لي قميصٌ تُكفِّنني فيه غيرُه فاخْلَعْهُ،
فنوديَ مِن خَلِفِه: ﴿أَنْ يََِّهِيمُ (®) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات: ١٠٤ - ١٠٥]، فالتَّفَتَ
فإذا هو بكَبشٍ أبيضَ أقرَنَ أعيَنَ، فَذَبَحَه.
وأخرج ابن إسحاق في ((المبتدَأ)) عن ابن عبّاس نحوه، وزاد: فوالذي نفسي بيده لقد كان
أوَّلُ الإسلام وإنَّ رأس الكَبشِ لَمُعَلَّقٌ بقَرنَيه في ميزانِ الكعبة.
وأخرجه أحمدُ أيضاً (١٦٦٣٧) عن عثمان بن أبي طلحة قال: أمَرَني رسول الله وَ لَه فوارَيتُ
قَرِنَ الكَبْشِ حین دَخَلَ البيت.
وهذه الآثارُ من أقوى الحُجَج لمن قال: إنَّ الذَّبيح إسماعيل. وقد نَقَلَ ابن أبي حاتمٍ وغيرُه
عن العبّاس وابن مسعود وعن عليّ وابن عبّاس في إحدى الرِّوايتَينِ عنهما، وعن الأحنف عن
ابن مَيسَرة وزيد بن أسلَمَ ومسروق وسعيد بن جُبَير في إحدى الرِّوايتَينِ عنه، وعطاء والشَّعْبيّ
وكعب الأحبار: أنَّ الذَّبیح إسحاق.
وعن ابن عبَّاس في أشَر الرِّوايتَينِ عنه، وعن عليّ في إحدى الرِّوايتَين، وعن أبي هريرة