النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
باب ١/ح ٦٩٨٢
كتاب التعبير
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كتاب التَّعبير
١ - بابٌ أوَّلُ ما بُدِىَ به رسولُ اللهِّهِ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيا الصالحةُ
٦٩٨٢ - حدّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيثُ، عن عُقَيل، عن ابنِ شِهابٍ (ح) وحدَّثني
عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، أخبرَنا مَعمَرٌ، قال: قال الزُّهْريُّ: فأخبرني عُزْوةُ، عن
عائشةَ رضي الله عنها، أنَّهَا قالت: أوَّلُ ما بُدِىَ به رسولُ اللهِوَّهِ مِنَ الوَحْي الرُّؤْيا الصَّالِة في
الثَّومِ، فكان لا يَرَى رُؤْيا إلّا جاءَتْهُ مِثلَ فَلَقِ الصُّبح، فكان يأتي حِراءً فيَتَحَنَّثُ فيه، وهو
التَّعَبُّدُ اللَّيَالِيَ ذواتِ العَدَدِ، ويَتزوَّدُ لذلك، ثمَّ يَرجِعُ إلى خَدِيجَةَ فَتُزَوِّدُه ◌ِثْلِها، حتَّى فجِتَه الحقُّ
وهو في غار حِراءٍ، فجاءه الملَكُ فيه، فقال: اقرَأْ، فقال له النبيُّ ◌َّ: ((ما أنا بقارئٍ، فأخَذَني
فَغَطَّني، حتَّى بَلَغَ منّي الجُهْدُ، ثمَّ أرسَلَني، فقال: اقرأ، فقلتُ: ما أنا بقارئٍ، فأخَذَني فَغَطَّني
الثّانيةَ، حتَّى بَلَغَ منّي الجُهْدُ، ثمَّ أرسَلَني، فقال: اقرَأْ، فقلتُ: ما أنا بقارئٍ، فأخَذَني فغَطَّني
الثّالثةَ، حتَّى بَلَغَ منّي الجُهْدُ، ثمَّ أرسَلَني فقال: ﴿أَقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ﴾ حتَّى بَلَغَ: ﴿عَلَّمَ
آلْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ -٥])).
فَرَجَعَ بها تَرَجُفُ بَوادِرُهُ، حَتَّى دَخَلَ على خَدِيجَةَ، فقال: ((زَمِّلُوني، زَمِّلُون)) فَزَقَّلُوه حتَّى
ذهب عنه الرَّوْعُ، فقال: ((يا خَدِيجَةُ، ما لي؟)) وأخبَرَها الخَبَرَ، وقال: «قد خَشِيتُ عَلَّ)) فقالت
له: كلّا، أبشِرْ، فوالله لا يُخْزِيكَ الله أبداً، إنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وتَصْدُقُ الحديثَ، وَحمِلُ الكَلَّ،
وتَقْري الضَّيفَ، وتُعِينُ على نَوائبِ الحقِّ، ثمَّ انطَلَقَتْ به خَدِيجَةُ حتَّى أنت به وَرَقَةَ بنَ نَوْفَلِ بنِ
أسَدِ بنِ عبدِ العُزَّى بنِ قُصَيٍّ، وهو ابنُ عمِّ خَدِيجَةَ أخو أبِيها، وكان امرَأَ تَنَصَّرَ في / الجاهليَّةِ، ٣٥٢/١٢
وكان يَكْتُبُ الكتابَ العربيَّ، فَيَكْتُبُ بالعربيَّةِ منَ الإنجيلِ ما شاءَ اللهُ أن يَكْتُبَ، وكان شيخاً
كبيراً قد عَمِيَ، فقالت له خَدِيجَةُ: أى ابنَ عمِّ، اسمَع مِنِ ابنِ أخيك، فقال وَرَقَةُ: ابنَ أخي،
ماذا تَرَى؟ فأخبَرَه النبيُّ ◌َِّ مَا رَأى، فقال وَرَقَةُ: هذا الناموسُ الذي أُنزِلَ على موسى، يا لَيتَني

٣٦٢
باب ١/ح ٦٩٨٢
فتح الباري بشرح البخاري
فيها جَذَعاً أكونُ حَيّاً حينَ يُخْرِجُكَ قومُكَ، فقال رسولُ اللهِ وَّ: ((أَوَخْرِجِيَّ هم؟!)) فقال
وَرَقَةُ: نعم، لم يأتِ رجلٌ قَطَّ بما جِئْتَ به إلّا عُودِيَ، وإن يُدرِ كْني يومُّكَ أَنصُرْكَ نَصْراً مُؤَزَّراً،
ثَّ لم يَنْشَبْ وَرَقَةُ أن تُوقّ.
وفَتَرَ الوَحْيُ فَتْرَةً، حتَّى حَزِنَ النبيُّ ◌َّهِ فِيمَا بَلَغَنا حُزْناً غَدَا منه مِراراً كَيْ يَتَردَّى من
رؤوس شواهقِ الجبال، فكلّما أَوْفَى بذروةٍ جبلٍ لكي يُلْقِيَ منه نفسه، تَبَدَّی له چِبْریلُ، فقال: يا
محمَّدُ، إِنَّكَ رسولُ الله حقّاً، فَيَسْكُنُ لذلك جَأْشُه، وتَقِرُّ نفسُه فيَرَجِعُ، فإذا طالَت عليه فَتْرةُ
الوَحْيِ عَدَا لِمِثْلِ ذلك، فإذا أوْقَى بذِرْوةِ جبلٍ تَبَدَّى له جِبْرِيلُ، فقال له مِثلَ ذلك.
وقال ابنُ عبَّاسٍ: ﴿فَالِقُ اَلْإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام: ٩٦]: ضَوْءُ الشمس بالنَّهار وضَوْءُ القمرِ بِاللَّيل.
قوله: ((بسم الله الرحمن الرحيم. كتاب التعبير. بابٌ)) بالتَّنوين ((أوَّل ما يُدِىَ به رسولُ الله ◌ِه
من الوَحْي الرُّؤْيا الصالحة)) كذا للنَّسَفيِّ والقاِسِيّ، ولأبي ذرٍّ مِثله، إلّا أنَّه سَقَطَ له عن غير
المُستَمْلي لفظ ((باب)) ولغيرهم: ((باب التَّعبير وأوَّل ما بُدِىَ به)) إلى آخره، وللإسماعيليّ: ((کتاب
التَّعبير)) ولم يَزِدْ، وثَبَتَتِ البسملة أوَّلاً للجميع.
والتَّعبير خاصٌّ بتفسير الرُّؤيا، وهو العُبور من ظاهرها إلى باطنها، وقيل: النَّظَر في الشَّيء،
فَيَعْتَبِرِ بعضه ببعضٍ حتَّى يَحَصُل على فهمه، حكاه الأَزهَريّ. وبالأوَّل جَزَمَ الرَّاغِب، وقال:
أصله من العَبْر، بفتحِ ثمَّ سكون: وهو التَّجاوز من حال إلى حال، وخَصّوا تَّجاوز الماء
بسِباحةٍ أو في سَفينة أو غيرها بلفظ العُبور، بضمَّتَين، وعَبَرَ القومُ إذا ماتوا، كأنَّهم جازُوا
القَنْطَرة من الدُّنيا إلى الآخرة، قال: والاعتبار والعِبرة: الحالة التي يُتوصَّل بها مِن مَعرِفة
المشاهَد إلى ما ليس بمُشاهَدٍ. ويقال: عَبَرَتُ الرُّؤيا بالتَّخفيفِ إذا فَسَّرتَها، وعَبَّرتُها بالتَّشديد
للمُبالَغة في ذلك. وأمَّا الزُّؤيا: فهي ما يراه الشَّخص في مَنامه، وهي بوزنِ فُعلَى، وقد تُسَهَّل
الهمزة، وقال الواحديّ: هي في الأصل مصدر كالبُشرى، فلمَّا جُعِلَت اسماً لما يَتَخَيَّله
النائم أُجريَت مُجُرَى الأسماء.
قال الرَّاغِب: والرُّؤية بالهاء: إدراك المرء بحاسّة البَصَر، وتُطلَق على ما يُدرَك بالتَّخَيُّلِ نحو

٣٦٣
باب ١/ح ٦٩٨٢
كتاب التعبير
أَرَى أنَّ زيداً مُسافر، وعلى التفكُّرِ النَّظَرِيّ نحو ﴿إِنَّ أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ [الأنفال: ٤٨]، وعلى الرَّأَي
وهو اعتقاد أحد النَّقْيضَينِ عن غَلَبة الظَّنّ. انتهى.
وقال القُرطُبيّ في ((المفهم)): قال بعض العلماء: قد تجيء الرُّؤيا، بمعنى الرُّؤية(١)،
كقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّغْيَا الَّتِى أَرَيْنَكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] فَزَعَمَ أنَّ المراد بها
ما رآه النبيّ وَّ ليلة الإسراء من العجائب، وكان الإسراء جميعُه في اليَقَظة.
قلت: وعَكَسَه بعضهم، فَزَعَمَ أنَّه حُجّة لمن قال: إنَّ الإسراء كان مَناماً، والأوَّل
المعتمد، وقد تقدَّم في تفسير الإسراء (٤٧١٦) قول ابن عبّاس: إنَّهَا رُؤيا عَينٍ، ويحتمل أن
تكون الحكمة في تسمية ذلك رُؤيا لكَونِ أُمور الغيب مخالفةً لرؤية (٢) الشَّهادة، فأشبَهَت ما
في المنام.
وقال القاضي أبو بكر بن العربيّ: الرُّؤيا إدراكات عَلَّقَها الله تعالى في قلب العبد على
يَدَي مَلَكِ أو شيطان، إمّا بأسمائها، أي: حقيقتها، وإمّا بكُناها، أي: بعِبارَتِها، وإمّا تخليط،
ونَظيرُها في اليَقَظة الخواطِرِ، فإنَّها قد تأتي على نَسَق في قَصْدِ (٣)، وقد تأتي مُستَرسَلة غير
مُحصَّلة،/ هذا حاصل قول الأستاذ أبي إسحاق. قال: وذهب القاضي أبو بكر بن الطيِّب ٣٥٣/١٢
إلى أنَّها اعتقادات، واحتَجَّ بأنَّ الرَّائي قد يرى نفسه بهيمةً، أو طائراً، مثلاً، وليس هذا
إدراكاً، فوجَبَ أن يكون اعتقاداً لأنَّ الاعتقاد قد يكون على خِلاف المعتَقَد.
قال ابن العربيّ: والأوَّل أولى، والذي يكون من قبيل ما ذكره ابن الطيِّب من قبيل
المثَل، فالإدراك إنَّما يَتَعلَّق به لا بأصلِ الذّات. انتهى ملخَّصاً.
وقال المازَرِيّ: كَثُرَ كلام الناس في حقيقة الرُّؤيا، وقال فيها غير الإسلاميّينَ أقاويلَ
كثيرةً مُنكَرة، لأنَّهم حاولوا الوقوف على حَقائقَ لا تُدرَك بالعقلِ، ولا يقوم عليها بُرهان،
وهم لا يُصدِّقونَ بالسَّمْعِ، فاضطَرَبَت أقوالهم، فمَن يَنْتَمي إلى الطِّبّ يَنسُب جميعَ الرُّؤيا
(١) في (س): الرؤية بمعنى الرؤيا. يعني معكوسة، وهو خطأ.
(٢) تحرَّف في (س) إلی: لرؤيا.
(٣) تحرَّف في (س) إلى: قصة.

٣٦٤
باب ١/ح ٦٩٨٢
فتح الباري بشرح البخاري
إلى الأخلاط، فيقول: مَن غَلَبَ عليه البَلغَم رأى أنَّه يَسْبَحُ في الماء ونحو ذلك، لمُناسَبة
الماء طَبيعةَ البَلغَم، ومَن غَلَبَت عليه الصَّفراء رأى النّيران والصُّعود في الجَوّ، وهكذا إلى
آخره، وهذا وإن جَوَّزَه العقل وجازَ أن يُجريَ الله العادةَ به، لكنَّه لم يَقُم عليه دليلٌ. ولا
اطََّدَت به عادةٌ، والقطع في موضع التَّجويز غَلَطٌ.
ومَن يَنْتَمي إلى الفَلسَفة يقول: إنَّ صور ما يجري في الأرض هي في العالم العُلْويّ،
كالنُّقُوشِ فما حاذَى بعضَ النُّقوش منها انتَقَشَ فيها. قال: وهذا أشدُّ فساداً من الأوَّل، لكَونِه
تَحَكُّماً لا بُرهان عليه، والانتقاش من صفات الأجسام، وأكثرُ ما يَجري في العالم العُلويّ
الأعراضُ، والأعراض لا يُنتَقَش فيها.
قال: والصَّحيح ما عليه أهل السُّنّة: أنَّ الله يَخُلُق في قلب النائم اعتقاداتٍ، كما يَخلُقها في
قلب اليقظان، فإذا خَلَقَها فكأنَّه جعلها عَلَماً على أُمور أُخرى يخلُقها في ثاني الحال، ومهما
وَقَعَ منها على خِلاف المعتَقَد فهو كما يقع لليقظان، ونَظيره أنَّ الله خَلَقَ الغَيم علامةً على
المطر وقد يَتَخلَّف، وتلكَ الاعتقادات تقع تارةً بحَضرة الملَك فيقع بعدها ما يَسُرّ، أو
بحَضرة الشَّيطان فيقع بعدها ما يَضُرّ، والعلم عند الله تعالى.
وقال القُرطُبيّ: سبب تخليط غير الشَّرعيّينَ إعراضُهم عمَّا جاءت به الأنبياء من الطَّريق
المستقيم، وبيان ذلك أنَّ الرّؤيا إنَّما هي من إدراكات النّفس، وقد غُيِّبَ عَنّا عِلمُ حقيقتها، أي:
النَّفس، وإذا كان كذلك فأَولى أن لا نَعلم عِلم إدراكاتها، بل كثير ممَّ انكَشَفَ لنا من إدراكات
السَّمع والبَصَر إِنَّمَا نَعلم منه أُموراً جُمْليَّة لا تفصيليَّة.
ونَقَلَ القُرطُبيّ في ((المفهم)) عن بعض أهل العلم: أنَّ لله تعالى مَلَكاً يَعرِض المرئيّات
على المحَلّ المدرِك من النائم، فيُمثِّلُ له صُوَراً محسوسةً، فتارةً تكون أمثلة موافقة لما يقع في
الوجود، وتارةً تكون أمثلة لمَعانٍ معقولة، وتكون في الحالتين مُبشِّرة ومُنذِرة. قال:
ويُحتاج فيما نَقَلَه عن الملَك إلى توقيف من الشَّرع، وإلّا فجائز أن يَخْلُق الله تلك المِثالات من
غير مَلَك، قال: وقيل: إنَّ الرُّؤيا إدراك أمثلة مُنضَبِطة في التَّخَيُّل جعلها الله أعلاماً على ما
کان أو يكون.

٣٦٥
باب ١/ح ٦٩٨٢
كتاب التعبير
وقال القاضي عياض: اختُلِفَ في النائم المستَغرِق، فقيلَ: لا تَصِحّ رُؤیاہ ولا ضَربُ
المثل له، لأنَّ هذا لا يُدرِك شيئاً مع استغراق أجزاء قلبه، لأنَّ النَّوم يُخرِج الحيّ عن صفات
التَّمييز والظَّنّ والتَّخَيُّل كما يُخْرِجه عن صِفَة العلم.
وقال آخرونَ: بل يَصِحّ للنّائمِ مع استغراقِ أجزاء قلبه بالنَّومِ أن يكون ظانّاً ومُتَخَيِّلاً،
وأمَّا العلم فلا، لأنَّ النَّوم آفة تَمنَع حصول الاعتقادات الصَّحيحة.
نعم إن كان بعض أجزاء قلبِه لم يَحِلّ فيه النَّوم فيَصِحُّ، وبه يُضرَب له (١) المثَل، وبه يرى
ما يَتَخَيَّله، ولا تكليف عليه حينئذٍ، لأنَّ رُؤياه ليست على حقيقة وجود العلم ولا صِحّة
المَيْزِ، وإنَّمَا بَقِيَت فيه بَقِيَّة يُدرِك بها ضرب المثل.
وأيَّدَه القُرطُبيّ بأنَّ النبيَّ ◌ََّ كان تنام عينُهُ ولا ينام قلبُهُ، ومن ثَمَّ احتَرَزَ القائل بقولِه:
المدرِك من النائم، ولذا قال: ((مُنضبِطة في التَّخَيُّل)) لأنَّ الرَّائي لا يرى في مَنامِه إلّا من نوع
ما يُدرِكه في اليَقَظة بحِسِّه، إلّا أنَّ التَّخَيُّلات قد تُرَكَّب له في النَّومِ تركيباً يَحَصُل به صورةٌ لا
عهدَ له بها، تكون عَلَماً على أمر نادر، كمَن رأى رأسَ إنسان على جسدٍ فرسٍ له جناحان
مثلاً، وأشارَ/ بقولِه: ((أعلاماً)) إلى الرُّؤيا الصَّحيحة المنتظمة الواقعة على شروطها.
٣٥٤/١٢
وأمَّا الحديث الذي أخرجه الحاكم (٣٩٦/٤ - ٣٩٧) والعُقَيليّ(٢) من رواية محمَّد بن
عَجْلان عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: لَقيَ عمر عليّاً فقال: يا أبا الحسن، الرجل
یری الرُّؤیا فمنها ما يَصدُق ومنها ما يكذب، قال: نعم، سمعت رسول الله ټ يقول: «ما
من عبدٍ ولا أمَةٍ ينام فيَمْتَلِئِ نَوماً، إلّا ◌ُرج بروحِه إلى العَرش، فالذي لا يَستَيقِظ دونَ
العَرش فتلكَ الرُّؤيا التي تَصدُق، والذي يَستَيقِظ دونَ العَرش فتلكَ الرُّؤيا التي تَكذِب)).
قال الذَّهَبِيّ في ((تلخيصه)): هذا حديث مُنكَر ولم يُصحِّحه المؤلّف، ولعلَّ الآفة من الراوي
(١) حرف ((له)) سقط من (س).
(٢) أخرجه في ((الضعفاء الكبير)) ١/ ١٣٥ بلفظ: ((الأرواح جنود مجنّدة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها
اختلف)»، وهو قطعة من حديث طويل يتضمن أيضاً القطعة التي ذكرها الحافظ هنا، والحديث بتمامه أخرجه
الطبراني في «الأوسط)) (٥٢٢٠)، وأبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (٤٩٤٥).

٣٦٦
باب ١/ح ٦٩٨٢
فتح الباري بشرح البخاري
عن ابن عَجْلان. قلت: هو أزهَرُ بن عبد الله الأزديّ الُراسانيّ، ذكره العُقَيليّ في ترجمته،
وقال: إنَّه غير محفوظ، ثمَّ ذكره من طريق أُخرى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن الحارث عن
عليّ ببعضِه، وذكر فيه اختلافاً في وَقْفه ورَفْعه.
وذكر ابن القَيِّم حديثاً مرفوعاً غير مَعْزوٍّ: ((إنَّ رُؤيا المؤمن كلام يُكلِّم به العَبدَ رَبُّه في
المنام))، ووُجِدَ الحديث المذكور في (نَوادر الأُصول)) للتِّرمِذيِّ (٤٩٧) من حديث عُبادة بن
الصّامت أخرجه في الأصل الثّامن والسَّبعين، وهو من روايته عن شيخه عمر بن أبي عمر(١)،
وهو واهٍ، وفي سنده جُنَيد بن ميمون عن حمزة بن الزُّبَير عن عُبادة.
قال الحكيم: قال بعض أهل النَّفسير في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا
وَحْيَّا أَوْ مِن وَرَآٍ جَابٍ ﴾ [الشورى: ٥١] أي: في المنام، ورؤيا الأنبياء وحيٌّ بخِلَاف غيرهم،
فالوحي لا يَدخُله خَلَل لأنَّه محروس، بخِلَاف رُؤيا غير الأنبياء فإنَّها قد يحضُرها الشَّيطان.
وقال الحكيم أيضاً: وَكَلَ الله بالرُّؤيا مَلَكاً الطَّلَعَ على أحوال بني آدم من اللَّوح المحفوظ،
فَيَنْسَخ منها ويَضرِب لكلٍّ على قِصَّته مثلاً، فإذا نامَ مَثَّلَ له تلك الأشياءَ على طريق الحكمة،
لتكونَ له بُشرَى أو نِذارةً أو مُعاتَبةً.
والآدميّ قد تَسَلَّطَ علیه الشّيطانُ لشِدّة العداوة بينهما، فهو یکیده بكلِ وجهٍ ویرید إفساد
أُموره بكلِّ طريقٍ، فيَلْبِسُ عليهِ رُؤياه إمّا بتغليطِهِ فيها وإمّا بغَفْلَتِهِ عنها. ثمَّ جميع المرائي تَنحَصِر
(١) هو العبديّ البَلْخيّ، ذكره الخطيب في ((المتفق والمفترق)) ٣/ ١٦١٢، وذكر أنه روى عنه الحكم الترمذي
ورجل آخر، ولم نقف له على ما يدلُّ أنه واهٍ، كما قال عنه الحافظ، وقد ذكره الجُوزْقاني في «الأباطيل))
٦٣/٢ في حديث رواه له، وعقبه بقوله: مجهول، وهو أَليقُ بحاله، ولعلَّ الحافظ ظنّه عمر بن أبي عمر
العبدي البصري مولى ابن طاووس وهذا واهٍ، لكن شيخ الترمذي يَصغُر في الطبقة عنه، ولهذا فرَّق بينهما
الخطيب في ((المتفق والمفترق)) وعلى أي حالٍ فقد تابعه يحيى بن عثمان بن سعيد الحمصي عند أبي بشر
الدولابي في ((الكنى)) (١٥٣٢) إذ روياه عن نعيم بن حماد عن عثمان بن سعيد الحمصي عن محمد بن
مهاجر الشامي عن جُنيد بن ميمون، وقد تابع نعيم بن حماد عمرُو بن عثمان بن سعيد الحمصي عند ابن
أبي عاصم في ((السنة)) (٤٨٦)، وغيره، إذ رواه عن أبيه عثمان بن سعيد الحمصي، بالإسناد المذكور. لكن
یبقی الشأن في جنید فإنه مجهول، إذ لا يُعرَف روی عنه غیر محمد بن مهاجر.

٣٦٧
باب ١/ح ٦٩٨٢
كتاب التعبير
على قسمَين: الصّادِقة: وهي رُؤيا الأنبياء، ومَن تَبِعَهم من الصالحينَ وقد تَقَعُ لغيرهم
بنُدورٍ، وهي التي تقع في اليَقَظة على وَفْق ما وَقَعَت في النَّوم، والأضغاث: وهي لا تُنذِر
بشيءٍ، وهي أنواع: الأوَّل: تَلاعُب الشَّيطان لَيَحُزُن الرَّائي، كأن يرى أنَّه قُطِع رأسُه وهو
يَتْبَعه، أو رأى أنَّه واقعٌ في هَولٍ ولا يَجِد مَن يُنجِده، ونحو ذلك، الثّاني: أن یری أنَّ بعض
الملائكة تأمُرُه أن يفعل المحرَّمات مثلاً، ونحوه من المُحالِ عقلاً، الثّالث: أن يرى ما
تَتَحدَّث به نفسُه في اليَقَظة أو يَتَمنّه، فيراه كما هو في المنام، وكذا رُؤية ما جَرَت به عادتُه في
اليَقَظة أو ما يَغلِب على مِزاجه، ويقع عن المستَقبَل غالباً وعن الحال كثيراً وعن الماضي
قليلاً.
ثمَّ ساقَ المصنّف حديث عائشة في بَدْء الوحي، وقد ذكره في أوَّل ((الصَّحيح)) (٣)،
وقد شَرَحتُه هناك، ثمَّ استَدرَكتُ ما فاتَ من شرحه في تفسير ﴿ اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]
(٤٩٥٣)، وسأذكر هنا ما لم يَتقدَّم ذِكْرُه في الموضعين غالباً ممَّا يُستَفاد من شرحه.
ومَداره على الزُّهْريّ عن عُرْوة عن عائشة، وقد ساقَه في المواضع الثلاثة عن يحيى بن
بُكَير عن اللَّيث عن عُقَيل عن الزُّهْريّ، ولكنَّه ساقَه على لفظه في أوَّل الكتاب، وقَرَنَه
في التَّفسير (٤٩٥٣) بيونس بن يزيد وساقَه على لفظه، ثمَّ قَرَنَه هنا بمَعمَر وساقَه على
لفظه.
وقوله هنا: ((أخبرَنا مَعمَر، قال: قال الزُّهْريّ: فأخبرني عُرْوة) وَقَعَ عند مسلم (١٦٠/ ٢٥٣)
عن محمَّد بن رافع عن عبد الرَّزّاق مِثله، لكن فيه: وأخبرني، بالواو لا بالفاء، وهذه الفاء مُعَقِّبة
لشيءٍ محذوف، وكذلك الواو عاطِفة عليه، وقد بيَّنْه البيهقيُّ في ((الدَّلائل)) (٢/ ١٣٩ - ١٤٠)
حيثُ أخرج الحديث من وجه آخر عن الزُّهْريّ عن محمَّد بن النُّعمان بن بشير مُرسَلاً، فذكر
قصَّة بَدْء الوحي مختصرةً ونزول ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى قوله: ﴿خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق:٢]،
وقال محمّد بن النُّعمان: فَرَجَعَ رسول الله وَله بذلك. قال الزّهْريّ:/ فسمعتُ عُرْوةَ بن الزّبَير ٣٥٥/١٢
يقول: قالت عائشة، فذكر الحديث مُطوَّلاً.
٠

٣٦٨
باب ١/ح ٦٩٨٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((الصالحة)) في رواية عُقَيل: ((الصّادِقة))(١) وهما بمعنَى واحدٍ بالنّسبة إلى أُمور الآخرة
في حَقّ الأنبياء، وأمَّا بالنّسبة إلى أُمور الدُّنيا فالصالحة في الأصل أخصّ، فُرُؤيا النبيّ كلَّها
صادِقة، وقد تكون صالحةً، وهي الأكثر، وغير صالحةٍ بالنّسبة للدُّنيا كما وَقَعَ في الرُّؤيا يومَ
أُحُد(٢)، وأمَّا رُؤيا غير الأنبياء فبينهما عمومٌ وخُصوص، إن فَسَّرنا الصّادِقة بأنَّها التي لا تحتاج
إلى تَعبير، وأمَّا إن فَسَّرناها بأنّها غير الأضغاث، فالصالحة أخصُّ مُطلَقاً.
وقال الإمام نَصر بن يعقوب الدّينَوريّ في ((التَّعبير القادريّ))(٣): الرُّؤية الصّادِقة: ما يقع
بعينِهِ، أو ما يُعبَّر في المنام، أو يُخِرِ به مَن(٤) لا يَكذِب، والصالحة: ما يَسُرّ.
قوله: ((إلّا جاءَتْه مِثْلَ فَلَق الصُّبح)) في رواية الكُشمِيهنيّ: ((جاءت)) کروایة عُقَيل، قال
ابن أبي جَمْرة: إنَّما شَبَّهَها بفَلَقِ الصُّبح دونَ غيره لأنَّ شَمس النُّبّة كانت الرُّؤيا مبادئَ
أنوارها، فما زالَ ذلك النّور يَتَّسِع حتَّى أشرَقَتِ الشمسُ، فمَن كان باطنُه نُوريّاً كان في
التَّصديق بَكْرِيّاً كأبي بكر، ومَن كان باطنُه مُظلماً كان في التكذيب خُفّاشاً كأبي جهل،
وبَقيَّةُ الناس بين هاتَينِ المَنزِلَتَينِ كلّ منهم بقَدرٍ ما أُعطيَ من النّور.
قوله: ((يأتي حِراءً)) قال ابن أبي ◌َمْرة: الحِكمة في تخصيصه بالتَّخَلّي فيه أنَّ المقيم فيه كان
يُمكِنِه رُؤية الكعبة، فَيَجتَمِع لمن يَخْلو فيه ثلاثُ عبادات: الحلوة، والتَّعَبُّد، والنَّظَر إلى
البيت. قلت: وكأنّه مَا بَقِيَ عندهم من أُمور الشَّرع على سَبيل(٥) الاعتكاف، وقد تقدَّم أنَّ الزَّمَن
(١) كذا قال الحافظ، وهو وهم منه رحمه الله، لأنَّ الصواب أنَّ الرواية هنا: الصادقة، وهي رواية معمر،
ورواية عقيل: الصالحة، فلعلَّ الحافظ أراد أن يقول ذلك فسبق قلمُه فعكس الكلام، على أنه تقدم هذا
الحرفُ من الحديث منفرداً في التفسير (٤٩٥٥) من طريق عقيل، ووقع للكُشميهني فيه: الصادقة، لكن
وقع لصاحبيه: الصالحة، وهو الصواب الموافق لروايته المطولة المتقدمة أول ((الصحيح)) إذ لم يختلف رواة
البخاري في أنَّ رواية عقيل فيها: الصالحة.
(٢) تقدم برقم (٣٦٢٢).
(٣) سماه كذلك لأنه ألّفه للخليفة القادر بالله العباسي.
(٤) تحرّفت في (س) إلى: ما.
(٥) في (س): سَنَن. وكلاهما صحيح.

٣٦٩
باب ١/ح ٦٩٨٢
كتاب التعبير
الذي كان يَخْلو فيه كان شهرَ رمضان، وأنَّ قُرَيشاً كانت تَفعَلُه كما كانت تصومُ عاشُوراء(١)،
ويُزاد هنا أنَّهم إنَّما لم يُنازِعوا النبيّ وَّه في غار حِراء مع مزيد الفَضل فيه على غيرِهِ، لأنَّ
جَدّه عبدَ المطَّلِب أوَّل مَن كان يخلو فيه من قُرَيش، وكانوا يُعظِّمُونَه لِجَلالَتِهِ وکِبَرَ سِنّه،
فتَبِعَه على ذلك مَن كان يَتَأَلَّه، فكان ◌ِِّ يَخُلُو بمكان جَدِّه، وسَلَّمَ له ذلك أعمامُه لكَرامَتِه
عليهم، وقد تقدَّم (٣) ضبطُ حِراء، وأنَّ الأفصَحَ(٢) فيه بكسر أوَّله وبالمدّ، وحُكِيَ تثليثُ
أوَّله مع المدّ، والقصرُ وكسر الرَّاء، والصَّرف وعَدَمه، فيَجتَمِع فيه عِدّةُ لُغاتٍ مع قِلّة
أحرُفه، ونَظيره قُباء، لكنَّ الخطَّبيَّ جَزَمَ بأنَّ فتح أوَّله لَحن، وكذا ضَمُّه وكذا قَصرُه وکسر
الرَّاء، وزاد التيمي(٣): تَرك الصَّرف، وقال الكِرْمانيُّ: إن كان الذي كَسَرَ الرَّاء أراد الإمالة
فهو سائغ.
قوله: ((اللَّيالي ذوات العَدَد)) قال الكِرْمانيُّ: يحتمل الكَثْرة إذ الكثير يحتاج إلى العَدَد، وهو
المناسب للمقام. قلت: أمَّا كَونه المناسب فمُسَلَّم، وأمَّا الأوَّل فلا، لأنَّ عادتَهم جَرَت في
الكثير أن يُوزَن وفي القليل أن يُعَدّ، وقد جَزَمَ الشَّيخ أبو محمَّد بن أبي جَمْرة بأنَّ المراد به
الكَثْرة، لأنَّ العَدَد على قِسمَين، فإذا أُطلِقَ أُريدَ به مجموعُ القِلّة والكَثْرة، فكأنّها قالت: آَيالي
كثيرة، أي: مجموع قِسمَي العَدَد.
وقال الكِرْمانيُّ: اختُلِفَ في تَعَبِّدِهِ وَّه بماذا كان يَتَعَبَّد، بناءً على أنَّه هل كان مُتَعَبَّداً
بشَرعٍ سابقٍ أو لا؟ والثّاني قول الجمهور، ومُستَنَدُهم أنَّه لو وُجِدَ لنُقِلَ، ولأنَّه لو وَقَعَ
لكان فيه تنفيرٌ عنه. وبماذا كان يَتَعَبَّد؟ قيل: بما يُلقَى إليه من أنوار المعرِفة، وقيل: بما يَحصُل
له من الرُّؤيا، وقيل: بالتفكُّر، وقيل: باجتنابٍ رُؤية ما كان يقع من قومِه. ورَجَّحَ الْآَمِديّ
(١) كما تقدم برقم (٢٠٠٢) من حديث عائشة.
(٢) في (س): وإن كان الأفصح. بإقحام لفظة ((كان)).
(٣) تحرف في (س): إلى التميمي، بميمين. وإنما هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي
الأصبهاني صاحب كتاب ((التحرير في شرح صحيح مسلم))، وقد قدّمنا أنه ولدُ الإمام الحافظ إسماعيل بن
محمد المعروف بقِوامُ السُّنَّة.

٣٧٠
باب ١/ح ٦٩٨٢
فتح الباري بشرح البخاري
وجماعةٌ الأوَّلَ(١)، ثمَّ اختَلَفوا في تعيينه على ثمانية أقوال: آدم أو نوح أو إبراهيم أو موسى أو
عيسى، أو أيِّ شَريعة، أو كلّ شَريعة، أو الوقف.
قوله: ((فتُزَوِّدُه)) في رواية الكُشمِيهنيّ بحذفِ الضَّمير.
وقوله: ((لِمِثلِها)) تقدَّم في بَدْءِ الوحي أنَّ الضَّميرَ للَّيالي، ويحتمل أن يكون للمرّة أو الفعْلة أو
الخلوة أو العِبادة، ورَجَّحَ شيخُنا البُلْقِينيّ أنَّ الضَّمير للسَّنة، فذكر من روایة ابن إسحاق: كان
يَخْرُج إلى حِراءٍ في كلّ عامِ شهراً من السَّنة، يَتَنَسَّك فيه، يُطعِم مَن جاءه من المساكين. قال:
وظاهرُه أنَّ التزُّد لمِثلِها كان في السَّنة التي تليها لا لمُدّةٍ أُخرى من تلك السَّنة، وقد كنتُ
قَوَّيتُ هذا في التَّفْسير، ثمَّ ظَهَرَ لي بعد ذلك أنَّ مُدّة الخلوة كانت شهراً كان يَتزوَّد لبعضِ / ليالي
الشَّهر، فإذا نَفَدَ ذلك الزّاد رَجَعَ إلى أهله، فتزوَّدَ قَدَر ذلك من جهة أنَّهم لم يكونوا في سَعَةٍ بالغةٍ
من العَيش، وكان غالبُ زادِهم اللَّبَن واللَّحم، وذلك لا يُدَّخَر منه كِفاية الشهر، لئلّا يُسرع إليه
الفساد، ولا سيَّما وقد وُصِفَ بأنَّه كان يُطعِم مَن يَرِدُ علیه.
٣٥٦/١٢
قوله: (حتَّى فَجِئَه الحقّ)) حتَى هنا على بابها من انتهاء الغاية، أي: انتهى توجُّهه لغار حِراءٍ
بمَجيءِ المَلَكِ، فَتَرَكَ ذلك، وقوله: ((فجِتَه)) بفتح الفاء وكسر الجيم ثمَّ همز، أي: جاءه الوحْيُ
بَغْتَةً، قاله النَّوويّ، قال: فإِنَّه ◌ِّه لم يكن مُتَوقّعاً للوحي. وفي إطلاق هذا النَّفي نظرٌّ، فإِنَّ الوحيَ
كان جاءَه في النَّوم مِراراً، قاله شيخنا البُلْقِينيّ، واستَنَدَ إلى ما ذكره ابن إسحاق عن عُبيد بن
عُمَير: أنَّه وَقَعَ له في المنامِ نَظيرُ ما وَقَعَ له في اليَقَظة من الغَطّ والأمر بالقراءة وغير ذلك.
انتهى، وفي كَون ذلك يَسْتَلِزِم وقوعَه في اليقظة حتَّى يَتَوقَّعَه نظرٌ، فالأَولى تَركُ الجزْم بأحدٍ
الأمرَين.
وقوله: ((الحقّ)) قال الطِّييُّ: أي: أمر الحقّ، وهو الوحي، أو رسولُ الحقّ، وهو چِبْریل، وقال
شيخُنا: أي: الأمر البَيِّن الظّاهر، أو المراد الملَك بالحقّ، أي: الأمر الذي بُعِثَ به.
قوله: ((فجاءه الملَك)) تقدَّم في بَدْء الوحي الكلامُ على الفاء التي في قوله: ((فجاءه الملَك)) وأنَّها
(١) يعني أنه كان متعبَّداً بشرع سابق.

٣٧١
باب ١/ح ٦٩٨٢
يوم
كتاب التعبير
التَّفسيريَّة، وقال شيخُنا البُلْقِينيّ: يحتمل أن تكون للتَّعقيب، والمعنى بمَجيءٍ الحقّ انكِشافُ
الحالِ عن أمرٍ وَقَعَ في القلب، فجاءه الملك عَقِبه، قال: ويحتمل أن تكون سببيَّة، أي: حتَّى قُضِيَ
بمَجيءٍ الوحي فبِسببٍ ذلك جاءَه الملك. قلت: وهذا أقربُ من الذي قبله.
وقوله: ((فيه)» يُؤْخَذ منه رفْعُ تَوهُّم مَن يَظُنّ أنَّ المَلَك لم يَدخُل إليه الغارَ، بل كَلَّمَه
والنبيُّ ◌َ ◌ِّ داخل الغارَ والملَك على الباب، وقد عَزَوت هذه الزّيادة في التَّفسير (٤٩٥٣)
(لِدلائِل البيهقيِّ)) (١٣٥/٢ - ١٣٧) تَبَعاً لشيخِنا البُلْقِينِيّ، ثمَّ وجَدتها هنا فكان العَزو إلیه
أولی، فأحقتُ ذلك هناك.
قال شيخنا البُلْقِينيّ: الملَك المذكور هو جِبْيل، كما وَقَعَ شاهده في كلام وَرَقة، وكما
مضى في حديث جابر (٤): أنَّه الذي جاءه بحِراءٍ. ووَقَعَ في ((شرح القُطْب الحَلَبِيّ)): الملَك
هنا هو جِبْريل، قاله السُّهَيليّ، فَتَعَجَّبَ منه شيخُنا، وقال: هذا لا خِلَاف فيه، فلا يَحِسُن
عَزؤُه للسُّهَيلِيّ وحده. قال: واللّم في الملَك لتعريفِ الماهِيَّة لا للعهد، إلّا أن يكون المراد به
ما عَهِدَه النبيُّ وَّه قبل ذلك لمَّا كَلَّمَه في صِباه، أو اللَّفظ لعائشة وقَصَدَت به ما يَعْهَدُهُ مَن
تُخاطِبه به. انتهى. وقد قال الإسماعيليّ: هي عبارة عمَّا عُرِفَ بعدُ أنَّه مَلَك، وإنَّما الذي في
الأصل: ((فجاءَه جاءٍ)) وكان ذلك الجائي مَلَكاً، فأخبَرَ وَّل عنه يومَ أُخبِرٍ بحقيقةِ چِنسه،
وكأنَّ الحاملَ على ذلك أنَّه لم يَتقدَّم له مَعرِفٌ به. انتهى.
وقد جاء التَّصريح بأنَّه جِبْريل فأخرج أبو داود الطَّالسيّ في «مُسنَده)) (١٦٤٣) من طريق
أبي عمران الجَوْنيّ عن رجلٍ (١) عن عائشة: أنَّ رسول الله وَّهَاعتَكَفَ هو وخديجة، فوافَقَ ذلك
رمضان، فخَرَجَ يوماً فسمعَ: السَّلامُ عليكم، قال: ((فظنتُ أنَّه من الجِنّ)) فقال: أبشِروا فإنَّ
السَّلام خير، ثمَّ رأى يوماً آخرَ جِبْريل على الشمس له جناحٌ بالمشرقِ وجناحٌ بالمغربِ، قال:
((فِهِبْتُ منه))، الحديث، وفيه أنَّه جاءه فكَلَّمَه حتَّى أنِسَ به. وظاهره أنَّ جميع ما وَقَعَ له كان
(١) جاء في رواية الحارث بن أبي أسامة كما في ((بغية الباحث)) (٩٢٨) وعند أبي نعيم في ((الدلائل)) (١٦٣) مقيَّداً بيزيد
ابن بابَنُوس، وهو مقبول الرواية، لكن في الإسناد إليه عندهما داود بن المحبَّر، وهو متروك. وقد يكون
أبو عمران طوى ذكره عمداً لكونه ممن قاتل علي بن أبي طالب عليه، خشية أن تُرَدَّ روايته، والله أعلم.

٣٧٢
باب ١/ح ٦٩٨٢
فتح الباري بشرح البخاري
وهو في الغار. لكن وَقَعَ في مُرسَل عُبيد بن عُمَير: ((فأجلَسَني على دُرْنُوك فيه الياقوتُ
والُّؤْلُؤ)). وهو بضمِّ الدّال والنُّون بينهما راء ساكنة: نوعٌ من البُسُط له ◌َمٌ. وفي مُرسَل
الزّهْريّ (١): ((فأجلَسَني على ◌َجَلِسٍ كريم مُعجِب)).
وأفادَ شيخُنا أنَّسِنّ النبيّ وَّهِ حين جاءَه جِبْرِيلُ في حِراء كان أربعينَ سنةً على المشهور، ثمَّ
حكى أقوالاً أُخرى، قيل: أربعينَ ويوماً، وقيل: وعشرة أيام، وقيل: وشهرين(٢)، وقيل:
وسنتين، وقيل: وثلاث، وقيل: وخمس(٣). قال: وكان ذلك يوم الاثنينِ نهاراً. قال: واختُلِفَ في
الشَّهر: فقيلَ: شهر رمضان في سابع عَشِرِه، وقيل: سابِعه، وقيل: رابع عشريّه.
قلت: ورمضان هو الرَّاجح لما تقدَّم من أنَّه الشَّهر الذي جاء فيه في حِراء فجاءه الملَك،
٣٥٧/١٢ وعلى هذا يكون سِنُّه حينئذٍ أربعينَ سنة وستّة أشهر، وليس ذلك في الأقوال التي/ حكاها
شيخنا. ثمّ قال: وسيأتي ما يُؤيِّد ذلك من قول مَن قال: إنَّ وحي المنام كان ستّة أشهر. قال
شيخُنا. وقيل: في سابع عشريّ شهر رَجَب، وقيل: في أوَّل شهر رَبيع الأوَّل، وقيل: في ثامنه.
انتھی.
ووَقَعَ في رواية الطَّيّالسيّ التي أشرت إليها: أنَّ مَجَيءٍ جِبْرِيل كان لمَّا أراد النبيُّ وَّل أن
يَرجِعَ إلى أهله، فإذا هو بجِبْريل وميكائيل، فهَبَطَ جِبْرِيلُ إلى الأرض وبَقِيَ ميكائيلُ بين
السماء والأرض .. الحديث. فيُستَفاد من ذلك أن يكون في آخر شهر رمضان، وهو قولٌ
آخر يُضاف لما تقدَّم، ولعلَّه أرجحُها.
قوله: ((فقال: اقرَأ» قال شيخُنا: ظاهرُه أنَّه لم يَتقدَّم مِن جِبْريل شيء قبل هذه الكلمة
ولا السَّلام، فيحتمل أن يكون سَلَّمَ وحُذِفَ ذِكْرُه لأنَّه مُعتادٌ، وقد سَلَّمَ الملائكة على إبراهيم
(١) عند البيهقي في (الدلائل)) ٢/ ١٤٢.
(٢) في (س): أربعين يوماً، وقيل: عشرة أيام، وقيل: شهرين، بإسقاط الواو من كلٌّ، وهو خطأ جَلِيٍّ، لأنَّ
هذه الأرقام مضافة إلى الأربعين سنة.
(٣) في (س): وقيل: ثلاثاً، وقيل: خمساً، والمثبت من الأصلين، وهو صحيح على نية إضافة السنين، يعني:
وثلاث سنین، و قیل: و خمس وسنین.

٣٧٣
باب ١/ح ٦٩٨٢
كتاب التعبير
حين دخَلُوا عليه، ويحتمل أن يكون لم يُسَلِّم، لأنَّ المقصود حينئذٍ تفخيمُ الأمر وتَويلُه،
وقد تكون مشروعيَّةُ ابتداءِ السَّلام تتعلَّق بالبشرِ لا من الملائكة، وإن وَقَعَ ذلك منهم في بعض
الأحيان.
قلت: والحالةُ التي سَلَّموا فيها على إبراهيم كانوا في صورة البَشَر، فلا تَرِدُ هنا، ولا يَرِدُ
سَلامُهم على أهل الجنَّة، لأنَّ أُمورَ الآخرة مُغايرةٌ لأُمورِ الدُّنيا غالباً، وقد ذكرتُ عن رواية
الطَّيالسيّ أنَّ جِبْرِيل سَلَّمَ أوَّلاً، ولم يُنقَل أنَّه سَلَّمَ عند الأمر بالقراءة، والله أعلم.
قوله: ((فقال له النبيّ ◌َّ) هذا مُناسبٌ لسياق الحديث مِن أوَّله إلى هنا بلفظ الإخبار
بطريقِ الإرسال، ووَقَعَ مِثْلُه في النَّفسير (٤٩٥٣). وفي رواية بَدْء الوحي (٣) اختلافٌ: هل
فيه: قال: ((ما أنا بقارئٍ))؟ أو: ((قلت: ما أنا بقارئٍ))؟ وجَعَ بين اللَّفْظَينِ يونسُ عند مسلمٍ
(٢٥٢/١٦٠): قال: ((قلت: ما أنا بقارئٍ)). قال شيخنا البُلْقِينيّ: وظاهره أنَّ عائشةَ سمعت
ذلك من النبيّ وََّ، فلا يكون من مُرسَلات الصحابة.
قوله: ((ما أنا بقارئٍ(١)، فأخَذَني فغَطَّني)) استُدِلَّ به على أنَّ ((افعَل))(٢) تَرِدُ للتنبيه، ولم
يَذكُروه قاله شيخنا البُلْقِينيّ، ثمَّ قال: ويُحتمل أن تكون على بابها لطلبِ القراءة على معنى
أنَّ الإمكان حاصلٌ.
قوله: ((فقال: اقرَأ)) قال شيخُنا البُلْقِينيّ رحمه الله: دَلَّت القصَّةُ على أنَّ مُراد چِبْريل بهذا
أن يقول النبيّ وَّ نَصَّ ما قاله، وهو قوله: ((اقرأ))، وإنَّما لم يَقُل له: قل: ((اقرأ)) إلى آخره،
لئلّا يَظُنَّ أنَّ لفظه: ((قُل)) أيضاً من القرآن. قلت: ويُحتمل أن يكون السِّرُّ فيه الابتلاء في
أوَّل الأمر حتَّى يَتَرَتَّب عليه ما وَقَعَ من الغَطِّ وغيره، ولو قال له في الأول: قُل: ﴿اقْرَأْ بِأَسِ
رَبِّكَ﴾ إلى آخره، لبادَر إلى ذلك، ولم يقع ما وَقَع، ثمَّ قال شيخُنا: ويحتمل أن يكون جِبْرِيلُ
(١) وقع في الأصلين و(س) هنا: ((فقلت: ما أنا بقارئٍ)) بزيادة ذكر القول المضاف إلى ضمير المتكلم، وهو
ثابت لغير أبي ذر الهروي، لكن كلام الحافظ في الفقرة التي قبل هذه يدل على أنه ليس في نسخته من
((الصحيح)) وفاقاً لرواية أبي ذر الهروي، ولذلك حذفناه.
(٢) تصحَّف في (س) إلى: أفعل، بقطع الهمزة، وإنما هي بالوصل أمرٌ بالفعل.

٣٧٤
باب ١/ح ٦٩٨٢
فتح الباري بشرح البخاري
أشارَ بقولِه: ((اقرأ) إلى ما هو مكتوبٌ في النَّمَط الذي وَقَعَ في رواية ابن إسحاق، فلذلك
قال له: ((ما أنا بقارئ)) أي: أمّيٌّ لا أُحسِنُ قراءَةَ الكتب. قال: والأوَّل أظهَرُ، وهو أنَّه أراد
بقولِه: ((اقرأ)) التلفُّظ بها.
قلت: ويُؤْيِّده أنَّ رواية عُبيد بن عُمَير أنَّما ذكرها عن مَنامِ تقدَّمَ، بخِلَاف حديثِ عائشةً
فإنَّه كان في اليَقَظة، ثمَّ تَكلَّمَ شيخُنا على ما كان مكتوباً في ذلك النَّمَط، فقال: ((اقرأ)) أي:
القَدر الذي أقرأه إيّاه، وهي الآيات الأُولى من ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾، ويُحتمل أن يكون جملةَ
القرآن، وعلى هذا يكون القرآن نزلَ جملةً واحدةً باعتبارٍ، ونزلَ مُنَجَّماً باعتبارٍ آخر، قال:
وفي إحضارِه له جملةً واحدةً إشارةٌ إلى أنَّ أمره(١) يَكمُل باعتبار الجملة، ثمَّ یکمُل باعتبار
التّفصیل.
قوله: ((حتَّى بَلَغَ مِنِّي الجُهْدُ)) تقدَّم في بَدْء الوحي (٣) أنَّه رُويَ بنصبِ الدّال ورَفعِها
وتوجيههما، وقال التُّورِشْتيُّ: لا أرَى الذي قاله بالنَّصبِ إلَّا وَهِمَ، فإنَّه يصير المعنى أنَّه
◌َطَّه حتَّى اسْتَفَرَغَ الملَك قُوَّته في ضَغطِهِ بحيثُ لم يَبْقَ فيه مَزيدٌ، وهو قولٌ غيرُ سَديد، فإنَّ
البِنية البشريّة لا تُطيق استيفاءَ القوّة المَلَكيَّة، لا سيّما في مُبتَدَأ الأمر، وقد صَرَّحَ الحديثُ
بأنَّه داخَلَه الرُّعبُ مِن ذلك.
قلت: وما المانع أن يكون قَوّاه اللهُ على ذلك، ويكونَ من جملة مُعجِزاته. وقد أجابَ
الطِّييُّ بأنَّ جِبْريل لم يكن حينئذٍ على صورته الملَكيَّة، فيكون استفراغ جُهدِه بحَسَبٍ صورته
٣٥٨/١٢ التي جاءه بها حين غَطَّه، قال: وإذا صَحَّت الرِّوايةُ اضمَحَلَّ الاستبعاد. قلت: التَّرجيح/
هنا مُتَعيِّن لاتِّحادِ القصَّة، ورواية الرّفع لا إشكال فيها، وهي التي ثَبَتَت عن الأكثر
فَتَرَجَّحَت، وإن كان للأُخرى توجيه، وقد رَجَّحَ شيخُنا البُلْقِينِيّ بأنَّ فاعل ((بَلَغَ)) هو
الغَطّ، والتَّقدير: بَلَغَ مِنِّي الغَطُّ جُهدَه، أي: غايتَه، فَيَرجِعِ الرَّفعُ والنَّصبُ إلى معنى واحدٍ، وهو
أولى.
(١) تحرف في (س) إلى: آخره.

٣٧٥
باب ١/ح ٦٩٨٢
كتاب التعبير
قال شيخُنا: وكان الذي حَصَلَ له عند تَلَقّي الوحي من الجَهْد مُقدِّمةً لما صارَ يَحِصُل له
من الكَرْب عند نزولِ القرآن، كما في حديث ابن عبّاس: كان يُعالِجِ من التَّنزيل شِدّةً، وكذا
في حديث عائشة وعمر ويَعْلى بن أُميَّة وغيرِهم(١)، وهي حالةٌ يُؤخَذ فيها عن حال الدُّنيا
مِن غير موت، فهو مقام بَرْزَخيّ يَحَصُل له عند تَلَقّي الوحي، ولمَّا كان البَرَزَخُ العامّ
يَنْكَشِف فيه للميِّتِ كثيرٌ مِن الأحوال، خَصَّ اللهُ نبيّه ببَرَزَخِ في الحياة يُلقي إليه فيه وحيه
المشتَمِل على كثير من الأسرار، وقد يقع لكثيرٍ من الصُّلَحاء عند الغَيْبة بالنَّومِ أو غيرِهِ الطِّلاعٌ
على كثيرٍ من الأسرار، وذلك مُستَمَدّ من المقام النبويّ، ويَشهَد له حديث: «رُؤيا المؤمن جُزءٌ
من ستّةٍ وأربعينَ جُزءاً من النُّبوّة)) كما سيأتي الإلمام به قريباً.
قال السُّهَيليّ: تأويلُ الغَطّات الثلاث على ما في رواية ابن إسحاق أنَّها كانت في النَّوم
أنَّه سيقعُ له ثلاث شَدائد يُبْتَلَى بها ثمَّ يأتي الفَرَج، وكذلك كان، فإنَّه لَقِيَ ومَن تَبِعَه شِدّة
أولى بالشِّعْبِ لمَّا حَصَرَتهم قُرَيش، وثانية لمَّ خَرَجوا وتَوعَّدوهم بالقتل حتَّى فرّوا إلى
الحَبَشة، وثالثة لمَّا هَمّوا بما هَمّوا به من المكر به كما قال تعالى: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ
لِيُشْبِتُوَكَ﴾ [الأنفال: ٣٠] الآية، فكانت له العاقبة في الشَّدائد الثلاث.
وقال شيخُنا البُلْقِينيّ ما ملخَّصه: وهذه المناسَبة حَسنةٌ ولا تَتَعيَّن للنّوم، بل تكون
بطريق الإشارة في اليَقَظة، قال: ويُمكِن أن تكون المناسَبةِ أنَّ الأمرَ الذي جاءَه به ثقيلٌ مِن
حيثُ القولُ والعملُ والنِّيَّة، أو من جهة التَّوحيد والأحكام والإخبار بالغيبِ الماضي
والآتي، وأشارَ بالإرسالات الثلاث إلى حصولِ التَّيسير والتَّسهيل والتَّخفيف في الدُّنيا والبَرزَخ
والآخرة عليه وعلى أمَّته.
قوله: ((فَرَجَعَ بها) أي: رَجَعَ مُصاحباً للآيات الخمسِ المذكورة.
قوله: («تَرجُف بَوادرُه)) تقدَّم في بَدْء الوحي (٣) بلفظ: فُؤَادُه، قال شيخُنا: الحكمة في العُدول
(١) حديث ابن عباس تقدم برقم (٥)، وأخرجه مسلم (٤٤٨)، وحديث عائشة تقدم برقم (٢)، وأخرجه مسلم
(٢٣٣٣)، وحديث عمر أخرجه الترمذي (٣١٧٣)، والنسائي في ((الكبرى)) (١٤٤٣)، وحديث يعلى بن أمية
تقدم برقم (١٥٣٦)، وأخرجه مسلم (١١٨٠).

٣٧٦
باب ١/ح ٦٩٨٢
فتح الباري بشرح البخاري
عن القلب إلى الفُؤاد أنَّ الفُؤاد وِعاء القلب على ما قاله بعض أهل اللّغة، فإذا حَصَلَ للوِعاءِ
الرَّجَفان حَصَلَ لما فيه، فيكون في ذِكْره من تعظيم الأمرِ ما ليس في ذِكْر القلب، وأمَّا بَوادرُه
فالمرادُ بها: اللَّحمةُ التي بين المَنكِب والعُنُق، جَرَت العادة بأنَّهَا تَضطَرِب عند الفَزَع، وعلى
ذلك جَرَى الجَوْهريّ أنَّ اللَّحمة المذكورة سُمَّت بلفظ الجمع، وتَعقَّبَه ابن بَرِّيّ، فقال: البَوادِر
جمع بادِرة: وهي ما بين المَنكِب والعُنُقَ، يعني أنَّه لا يَخْتَصُّ بعُضوٍ واحد، وهو جيِّد، فيكون
إسناد الرَّجَفان إلى القلب لكَونِهِ مَحَلَّه وإلى البَوادر لأنَّهَا مَظهَرُه، وأمَّا قول الدَّاوُوديّ: البَوادر
والفُؤاد واحدٌ، فإن أراد أنَّ مَفادَهما واحد على ما قَرَّرناه، وإلّا فهو مردودٌ.
قوله: ((وقال: قد خَشِيتُ عليَّ) بالتَّشديد، وفي رواية الكُشمِيهنيّ: ((على نفسي)).
قوله: ((فقالت له: كلّ أبشِر)) قال النَّوويّ تَبَعاً لغيره: كلّا كلمةُ نفي وإبعاد، وقد تأتي بمعنى
حقّاً، وبمعنى الاستفتاح، وقال القَزّاز: هي هنا بمعنى الردّ لما خَشِيَ على نفسِه، أي: لا خَشْيَةَ
عليك، ويُؤيِّده أنَّ في رواية أبي مَيسَرة(١): فقالت: مَعاذَ الله.
ومن اللَّطائف أنَّ هذه الكلمة التي ابتَدَأت خديجةُ النُّطق بها عَقِب ما ذَكَر لها النبيُّ ◌َله
من القصّة التي وَقَعَت له، هي التي وَقَعَت عَقِب الآيات الخمس من سورة اقرأ في نَسَقِ
التِّلاوة، فجَرَت على لسانها اتِّفاقاً لأنَّها لم تكن نزلت بعدُ، وإنَّما نزلت في قصَّة أبي جهل،
وهذا هو المشهورُ عند المفسِّرين، وقد ذهب بعضُهم إلى أنَّها تتعلَّق بالإنسان المذكور، قيل:
لأنَّ المعرفة إذا أُعيدَت مَعرِفةً فهي عينُ الأُولى، وقد أُعيدَ الإنسان هنا كذلك، فكان
التَّقدير: كلّا لا يَعلَمُ الإنسان أنَّ اللهَ هو خَلَقَه وعَلَّمَه، إنَّ الإنسان لَيَطْغَى، وأمَّا قولها هنا:
٣٥٩/١٢ أبشِر، فلم يقع في حديث عائشة تعيينُ / المبشَر به، ووَقَعَ في ((دلائل البيهقيِّ)) من طريق أبي
مَيَسَرة مُرسَلاً (٢): أنَّه ◌ِ لَ قَصَّ على خديجة ما رأى في المنام، فقالت له: أبشِر، فإنَّ الله لن يصنع
(١) أخرجها الآجرّي في ((الشريعة)) ص ٤٤٢-٤٤٣، والبيهقي في ((الدلائل)) ١٥٨/٢ -١٥٩.
(٢) كذا قال الحافظ، وهو وهم منه رحمه الله، لأنَّ هذه الرواية عند البيهقي في ((الدلائل)) ١٤٣/٢ من مرسل
الزهري، وليست من مرسل أبي ميسرة، وجاء مثلها من مرسل عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم
عند الدولابي في ((الذرية الطاهرة)) (٢٠).

٣٧٧
باب ١/ح ٦٩٨٢
كتاب التعبير
بك إلّا خيراً، ثمَّ أخبَرَها بما وَقَعَ له مِن شَقِّ البطن وإعادته، فقالت له: أبشر، إنَّ هذا والله
خير، ثَمَّ اسْتَعَلَنَ له جِبْرِيلُ، فذكر القصَّة، فقال لها: «أرأيتَكِ الذي كنتُ رأيتُ في المنام، فإنَّه
جِبْريلُ اسْتَعَلَنَ لي بأنَّ رَبِي أرسَلَه إليَّ) وأخبَرَها بما جاء به، فقالت: أبشِر، فوالله لا يفعلُ الله بك
إلّا خيراً، فاقبَل الذي جاءَك من الله فإنَّه حَقّ، وأبشِر فإنَّك رسولُ الله حقّاً.
قلت: هذا أصرَحُ ما وَرَدَ في أنَّها أوَّلُ الآدميّينَ آمَنَ برسولِ الله وَّهِ.
قوله: ((لا يُخْزِيك اللهُ أبداً» في رواية الكُشمِيهنيّ: لا يُزِئُك، بمُهمَلٍ ونون.
قوله: ((وهو ابن عمّ خديجة أخو أبيها)) كذا وَقَعَ هنا، وأخو صِفَةٌ للعَمّ، فكان حَقُّه أن
يُذكَرَ مَجَروراً، وكذا وَقَعَ في رواية ابن عساكر: أخي أبيها، وتوجيه رواية الرَّفع أنَّه خبر مُبْتَدَأ
محذوف.
قوله: ((تَنَصَّرَ)) أي: دَخَلَ في دين النَّصرانيَّة.
قوله: ((في الجاهليَّة)) أي: قبل البَعْثة المحمَّديَّة، وقد تُطلَق الجاهليّة ويُراد بها ما قبل
دخول المحكيّ عنه في الإسلام، وله أمثلة كثيرة.
قوله: ((أَوُخْرِجيَّ هم؟!)» تقدَّم ضبطُه في أوَّل الكتاب (٣) وتمامه في التَّفسير (٤٩٥٣).
قال السُّهَيليّ: يُؤْخَذ منه شِدّةُ مُفارَقة الوطن على النَّفْس، فإنَّه ◌َِّ﴿ سمعَ قولَ وَرَقة أنَّهم
يُؤذونَه ويُكذِّبونَه، فلم يظهر منه انزعاجٌ لذلك، فلمَّا ذكر له الإخراج تَحَرَّكَت نفسُه لذلك
لِحُبِّ الوطن وإِلْفه، فقال: ((أَوَمُرِجيَّ هم؟))، قال: ويُؤيِّد ذلك إدخالُ الواو بعد ألف
الاستفهام مع اختصاص الإخراج بالسُّؤال عنه، فأشعَرَ بأنَّ الاستفهامَ على سبيلِ الإنكار
أو التَّفَجُّع، ويُؤَكِّد ذلك أنَّ الوطن المشارَ إليه حَرَمُ الله وجِوارُ بيتِهِ وبَلدة الآباء من عَهدِ
إسماعيل عليه السلام. انتهى ملخَّصاً.
ويحتمل أن يكون انزِعاجُه كان مِن جهةٍ خَشْبةٍ فواتِ ما أمَّلَه مِن إِيمانِ قَومِه بالله،
وإنقاذِهم به مِن وَضَرِ الشِّرك وأدناسِ الجاهليَّة، ومن عذاب الآخرة، وليَتِمّ له المرادُ مِن إرساله
إليهم، ويحتمل أن يكون انزَعَجَ من الأمرَينِ معاً.

٣٧٨
باب ١/ح ٦٩٨٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((لم يأتِ رجل قَطَّ بما جِئْتَ به)) في رواية الكُشمِيهنيّ: بمِثْلِ ما جِئتَ به، وكذا
للباقینَ.
قوله: (نَصْراً مُؤَزَّراً) بالهمز للأكثر وتشديد الزّاي بعدها راء من التَّأزير، أي: التَّقوية،
وأصله من الأزْرِ وهو القوّة، وقال القَزّاز: الصَّواب مُوازَراً(١) بغير همز، من وازَرتُه موازَرةً:
إذا عاونته، ومنه أُخِذَ وُزَراء الملِك، ويجوز حذفُ الألف فتقول: نَصراً مُوزَراً، ويَرِدُ عليه
قول الجَوْهريّ: آزَرتُ فلاناً: عاوَنتُه، والعامّة تقول: وازَرتُه.
قوله: ((وفَتَرَ الوَحْيُ)) تقدَّم القول في مُدّةِ هذه الفَترة في أوَّل الكتاب.
وقوله هنا: ((فَتْرَةً حتَّى حَزِنَ النبيّ ◌َ فيما بَلَغَنا)) هذا وما بعده من زيادة مَعمَر على
رواية عُقَيل ويونُس، وصنيع المؤلِّف يُوهِم أنَّه داخلٌ في رواية عُقَيل، وقد جَرَى على ذلك
الحُميديّ في ((جْعِه)) فساقَ الحديث إلى قوله: وفَتَرَ الوحي، ثمّ قال: انتهى حديثُ عُقَيل
المفرَد عن ابن شِهاب إلى حيثُ ذَكَرنا، وزاد عنه البخاريّ في حديثه المقتَّرِن بمَعمَر عن
الزُّهْريّ فقال: وفَتَرَ الوحيُّ فترةً حتَّى حَزِنَ، فساقَه إلى آخره، والذي عندي أنَّ هذه
الزّيادة خاصّةٌ برواية مَعمَر، فقد أخرج طريقَ عُقَيل أبو نُعَيم في ((مُستَخرَجِه)) من طريق أبي
زُرْعة الرَّازيّ عن يحيى بن بُكَير شيخ البخاريّ فيه في أوَّل الكتاب بدونها، وأخرجه مقروناً
هنا برواية مَعمَر، وبيَّن أنَّ اللَّفظ لمعمَر، وكذلك صَرَّحَ الإسماعيليّ أنَّ الزّيادة في رواية
مَعمر.
وأخرجه أحمدُ (٢٥٨٦٥) ومسلم (١٦٠ / ٢٥٤) والإسماعيليّ وغيرهم وأبو نُعَيم أيضاً من
طريق جَمْعٍ من أصحاب اللَّيث عن اللَّيث بدونها، ثمَّ إِنَّ القائل: فيما بَلَغَنا، هو الزّهْريّ، ومعنى
الكلام: أنَّ في جملة ما وَصَلَ إلينا من خبر رسول الله وَّ في هذه القصَّة. وهو من بَلاغات
الزُّهْريّ وليس موصولاً، وقال الكِرْمانيُّ: هذا هو الظّاهر ويحتمل أن يكون بَلَغَه بالإسناد.
٣٦٠/١٢ المذكور، ووَقَعَ عند ابن مَرْدويه في ((التَّفسير)) من طريق محمَّد بن كثير عن/ مَعمَر بإسقاطِ قوله:
(١) تحرَّف في (س) إلى: مُوزراً.

٣٧٩
باب ١/ح ٦٩٨٢
كتاب التعبير
فيما بَلَغَنا، ولفظه: فَتَرَةً حَزِنَ النبيّ وَِّ منها حزناً عدا منه ... إلى آخره، فصارَ كلّه مُدرَجاً على
رواية الزُّهْريّ عن عُرْوة عن عائشة، والأوَّل هو المعتمَد (١).
وقوله فيها: ((فإذا طالَت عليه فترة الوحي)) قد يَتَمسَّك به مَن يُصحِّح مُرسَل الشَّعْبيّ في
أنَّ مُدّة الفترة كانت سَنتَينِ ونصفاً، كما نَقَلتُه في أوَّل بَدْء الوحي، ولكن يعارضُه ما أخرجه
ابن سعد (١٩٦/١) من حديث ابن عبّاس بنحوِ هذا البلاغ الذي ذكره الزُّهْريّ، وقوله:
مَكَثَ أياماً بعد مجيء الوحي لا يرى جِبْرِيلَ فحَزِنَ حزناً شديداً، حتَّى كان(٢) يَعْدو إلى نَبِير
مرَّةً وإلى حِراءَ أُخرى يريد أن يُلقيَ نفسَه، فبينا هو كذلك عامداً لبعضٍ تلك الجبال إذ
سمعَ صوتاً، فوقَفَ فِزِعاً، ثمَّ رَفَعَ رأسَه، فإذا حِبْرِيلُ على كُرسيّ بين السماءِ والأرض
مُتَرَبِّعاً يقول: يا محمَّد، أنتَ رسول الله حقّاً وأنا جِبْرِيل، فانصَرَفَ وقد أَقَرَّ اللهُ عينَه
وانبَسَطَ جَأْشُه، ثمَّ تَتَابَعَ الوحي. فيُستَفاد من هذه الرِّواية تسميةُ بعض الجبال التي أُبِهِمَت
في رواية الزّهْريّ، وتَقليل مُدّة الفَترة، والله أعلم، وقد تقدَّم في تفسير سورة ﴿وَالضُّحَى﴾
(٤٩٥٠) شيءٌ يَتَعلَّق بفَترة الوَحْي.
قوله: ((فِيَسْكُن لذلك جَأْشُه)) بجيمِ وهمزة ساكنة وقد تُسَهَّل، وبعدها شين مُعجَمة،
قال الخليل: الجأشُ: النَّفْسَ، فعلى هذا فقوله: وتَقَرَّ نفسُه، تأكيدٌ لفظيّ.
قوله: ((عَدَا)) بِعِينٍ مُهمَلة من العَدْو، وهو الذَّهاب بسُرعةٍ، ومنهم مَن أعجَمَها من الذَّهاب
غُدوةً.
قوله: ((بذِرْوةِ جبل)) قال ابن التِّين: رُوِّيناه بكسر أوَّله وضمّه، وهو في كتب اللَّغة بالكسر لا
غير. قلت: بل حُكَيَ تَثليثُه، وهو أعلى الجبل، وكذا الجمل.
قوله: (تَبَدَّى له جِبْريل)) في رواية الكُشمِيهنيّ: بَدا له(٣)، وهو بمعنى الظُّهور.
(١) ويؤيده أنَّ عبد الرزاق أخرجها مفردة في «تفسيره)) ٢/ ٣٢٧ عن معمر عن الزهري.
(٢) تحرَّف في الأصلین و(س) إلى: كاد.
(٣) كذا قال الحافظ، وهذا خلاف ما في اليونينية حيث جاء فيها ما يفيد عكس ما قاله الحافظ هنا بأنَّ رواية
الكُشميهني: تَبدَّى، ورواية صاحبَيَه: بدا، وكذلك قال القسطلّاني، فلعلَّ ما وقع للحافظ سبق قلم،
والله أعلم.

٣٨٠
باب ١/ح ٦٩٨٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: «فقال له مِثْلَ ذلك)) زاد في رواية محمَّد بن کثیر: حتَّی کَثُرَ الوحي وتَتَابَعَ. قال
الإسماعيليّ: مَوَّهَ بعضُ الطاعِنِينَ على المحدِّثينَ، فقال: كيف يجوز للنبيِّ أن يرتابَ في نُبَوَّته
حتَّى يَرجِع إلى وَرَقَةَ ويَشكو لخديجةَ ما يَخْشَاهُ، وحتَّى يُوفيَ بذروةِ جبل ليُلِقِيَ منها نفسَه
على ما جاء في رواية مَعمَر؟ قال: ولَئِن جازَ أن يرتاب مع مُعاينة النازِل عليه مِن رَبّه، فکیف
يُنكَرِ على مَن ارتابَ فيما جاءه به مع عَدَم المعاينة؟
قال: والجواب أنَّ عادةَ الله جَرَت بأنَّ الأمر الجليل إذا قَضى بإيصاله إلى الخلق أن
يَتقدّمَه(١) تَرشيحٌ وتأسيسٌ، فكان ما يراهُ النبيُّ نَّهِ مِن الرُّؤيا الصّادِقة وعَحَبّة الخَلْوةِ
والتَّعَبُّد مِن ذلك، فلمَّا فَجِتَهُ الملَك فَجْأةً بَغَتَهُ أمرٌ خالَفَ العادةَ والمألوفَ، فَنَفَرَ طَبعُه
البشريُّ منه وهالَه ذلك، ولم يتمكّن من التَّأمُّل في تلك الحال، لأنَّ النُّةَ لا تُزِيلُ طِباعَ
البشريَّة كلّها، فلا يُتَعَجَّبُ أن يَجِزَعَ ممّا لم يأَفْه ويَنِفِرَ طَبعُه منه، حتَّى إذا تَدَرَّجَ عليه وألِفَهُ
استَمرَّ عليه، فلذلك رَجَعَ إلى أهله التي ألِفَ تأنيسَها لهُ فأعلمَها بما وَقَعَ له، فَهَوَّنَت عليه
خَشيته بما عَرَفَته من أخلاقه الكَرِيمة وطريقتِه الحسنة، فأرادتِ الاستظهارَ بمَسيِرِها بِه إلى
وَرَقة لمَعرِفَتِها بصِدقِهِ ومَعرِفَتِهِ وقِرَاءَته الكتبَ القديمةَ، فلمَّ سمعَ كلامَه أيقَنَ بالحقِّ
واعتَرَفَ به.
ثمَّ كان من مُقدِّماتِ تأسيسِ النُّبوّة فَتْرةُ الوَحْي، لِيَتَدَرَّج فيه ويَمْرُن عليه، فشَقَّ عليه
فُتورُه إذ لم يكن خُوطِبَ عن الله بعدُ أنَّك رسولٌ مِن الله ومبعوثٌ إلى عباده، فأشفَقَ أن
يكون ذلك أمراً بُدِىَ به، ثمَّ لم يُرَدِ اسْتِتمامُه فحَزِنَ لذلك، حتَّى إذا تَدَرَّجَ على احتمال أعباءِ
النُُّوّة، والصَّيرِ على ثِقَلِ ما يَرِدُ عليه، فَتَحَ الله له من أمرِه بما فَتَحَ.
قال: ومِثال ما وَقَعَ له في أوَّل ما خوطِبَ ولم يَتَحقَّقِ الحالَ على جَليَّتَها، مَثَل رجلٍ
سمعَ آخر يقول: الحمد لله، فلم يَتَحقَّق أنَّه يقرأ، حتَّى إذا وَصَلَها بما بعدها من الآيات
تَحقَّقَ أنَّه يقرأ، وكذا لو سمعَ قائلاً يقول: خَلَت الدّيارُ، لم يَتَحقَّق أنَّه يُنشِد شِعراً حتَّى
(١) تحرَّف في (س) إلى: يقدمه.