النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ ح ٦٩٤٠ كتاب الإكراه في يسير الضَّرب والحَبس، كَيومٍ أو يومين. قوله: ((وقول الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُظْمَيِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ وساقَ إلى: ﴿عَظِيمٌ﴾)) هو وعيدٌ شديد لمن ارتَدَّ مُختاراً، وأمَّا مَن أُكرِهَ على ذلك فهو مَعذُورٌ بالآية، لأنَّ الاستثناء من الإثبات نفيٌّ، فيقتضي أن لا يَدخُل الذي أُكرِهَ على الكفر تحت الوعيد، والمشهور أنَّ الآية المذكورة نزلت في عَّار بن ياسر كما جاء من طريق أبي عُبيدة بن محمَّد بن عَّار بن ياسر قال: أخَذَ المشركونَ عمَّراً فعَذَّبوه حتَّى قارَبَهم في بعض ما أرادوا، فشكا ذلك إلى النبيّ وَّه، فقال له: ((كيف تَجِد قلبك؟)) قال: مُطمَئِنّاً بالإيمان، قال: ((فإن عادُوا فَعُدْ)) وهو مُرسَل رجاله ثقات، أخرجه الطََّرَيُّ (١٤ /١٨٢)، وقبلَه عبدُ الرَّزّاق(١) وعنه عبد بن ◌ُمید. وأخرجه البيهقيُّ (٢٠٨/٨) من هذا الوجه فزاد في السَّند، فقال: عن أبي عبيدة بن محمَّد بن عمَّر عن أبيه، وهو مُرسَل أيضاً(٢). وأخرج الطََّرَيُّ (١٤ / ١٨١) أيضاً من طريق عَطيَّة العَوْفيّ عن ابن عبّاس نحوه مُطوَّلاً، وفي سنده ضعف. وفيه (٣) أنَّ المشرِكينَ عَلَّبوا عمَّاراً وأباه وأُمّه وصُهَيباً ويلالاً وخَبّاباً وسالماً مولى أبي حُذَيفة، فماتَ ياسر وامرأته في العذاب وصَبَرَ الآخرونَ. وفي رواية مجاهد عن ابن عبّاس عند ابن المنذر: أنَّ الصحابة لمَّا هاجروا إلى المدينة أخَذَ المشرِكونَ خَبّاباً وبلالاً وعمَّاراً، فأطاعَهم عَّارٌ وأبى الآخران فعَذَّبوهما. وأخرجه الفاكهيّ من مُرسَل زيد بن أسلَمَ، وأنَّ ذلك وَقَعَ من عَّار عند بيعة الأنصار في (١) في ((التفسير)) ١/ ٣٦٠. (٢) قال الحافظ في ((الدراية)) ٢/ ١٩٧: إسناده صحيح إن كان محمد بن عمار سمعه من أبيه. قلنا: وهو أيضاً عند الحاكم في ((المستدرك)) ٣٥٧/٢. (٣) كذا قال الحافظ رحمه الله، وكلامه هذا يُوهِم أنَّ الضمير يعود على طريق عطية العوفيّ عن ابن عباس، مع أنَّ الحدیث عند الطبري کما عزاه إليه هو دون ذکر هؤلاء الذين ذكرهم مع عمار بن ياسر، وقد ورد ذکرهم في «أسباب النزول) للواحدي (٥٦٧) عن ابن عباس معلّقاً دون إسناد. ٢٨٢ ح ٦٩٤٠ فتح الباري بشرح البخاري العَقَبَة، وأنَّ الكفَّار أخَذوا عمَّراً فسألوه عن النبيّ ◌َّهِ، فَجَحَدَهم خَبَرَه، فأرادوا أن يُعذِّبوه، فقال: هو يَكفُرُ بمحمَّدٍ وبما جاء به، فأعجَبَهم وأطلقُوه، فجاء إلى النبيّ ◌َّهِ فذكر نحوه، وفي سنده ضعف أيضاً. وأخرج عبد بن حُميد من طريق ابن سِيرِين: أنَّ رسول الله وَّه لَقِيَ عمَّارَ بن ياسر وهو يبكي، فجَعَلَ يَمسَح الدُّموع عنه ويقول: «أخَذَك المشركونَ فغَطُّوك في الماء حتَّى قلتَ لهم كذا، إن عادوا فعُد)) ورجاله ثقات مع إرساله أيضاً، وهذه المراسيل يَقْوى بعضُها ببعضٍ، وقد أخرجه ابن أبي حاتم من طريق مسلم الأعور - وهو ضعيف - عن مجاهد عن ابن عبّاس قال: عَذَّبَ المشركونَ عمَّاراً حتَّى قال لهم كلاماً تَقيَّةً فاشتَدَّ علیه، الحديث. وقد أخرج الطَّبَريُّ (١٤/ ١٨٢) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله: ٣١٣/١٢ ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُظْمَيْنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ قال: أخبرَ اللهُ أنَّ مَن كفرَ بعد إيمانه فعليه غَضَب من الله، وأمَّا مَن أُكرهَ بلسانه وخالَفَه قلبُه بالإيمان لِيَنْجُوَ بذلك من عدوّه فلا حَرَج عليه، إن الله إنَّما يأخُذ العباد بما عَقَدَت عليه قلوبُهم. قلت: وعلى هذا فالاستثناء مُقدَّم من قوله: ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ كأنَّه قيل: فعليهم غَضَبٌ من الله إلّا مَن أُكرِهَ، لأنَّ الكفر يكون بالقولِ والفعلِ من غير اعتقادٍ، وقد يكون باعتقادٍ، فاستَثَنَى الأوَّل وهو المكرَه. قوله: ((وقال: ﴿إِلَّ أَنْ تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَنَّةٌ﴾ وهي تَقيَّةٌ)) أخَذَه من كلام أبي عُبيدة، قال: ثُقاة وتَفيَّة واحد. قلت: وقد تقدَّم ذلك في تفسير آل عمران(١) ومعنى الآية: لا يَتَّخِذ المؤمنُ الكافرَ وليّاً في الباطن ولا في الظّاهر، إلّا للَّقيَّة في الظّاهر، فيجوز أن يواليَه إذا خافَه ويُعاديه باطناً. قيل: الحكمة في العُدول عن الخِطاب أنَّ موالاة الكفَّار لمَّا كانت مُستَقَبَحةً لم يُواجِه اللهُ (١) انظر أول تفسير السورة قبل الحديث (٤٥٤٧). ٢٨٣ ح ٦٩٤٠ كتاب الإكراه المؤمنينَ بالخِطاب. قلت: ويظهر لي أنَّ الحكمة فيه أنَّه لمَّا تقدَّم الخِطاب(١) في قوله: ﴿لَا نَتَّخِذُواْ الْهُودَ وَالنَّصَرَى أَوْلِيَّةً بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضَِّ وَمَن يَتَوََُّّم ◌ِنَكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] كأنَهم أخَذوا بعمومِه حتَّى أنكروا على مَن كان له عُذر في ذلك، فنزلت هذه الآية رُخصةً في ذلك، وهو كالآيات الصَّريحة في الَّجْر عن الكفر بعد الإيمان، ثمَّ رَخَّصَ فيه لمن أُكرِه على ذلك. قوله: ((وقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَقَّهُمُ الْمَلَئِكَةُ ظَالِمِىّ أَنفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُمْ قَالُواْ كُنَا مُسْتَضْعَفِينَ فِى اُلْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿عَفُوًّا غَفُورًا﴾، وقال: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَنِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنِكَ وَلِيًّا وَأَجْعَل لَّنَا مِن ◌َّدُنكَ نَصِيرًا﴾)) هكذا في رواية أبي ذرٍّ، وهو صواب، وإنَّما أورَدتُه بلفظه للتنبيه على ما وَقَعَ من الاختلاف عند الشُّرّاح، ووَقَعَ في رواية كَرِيمة والأصِيلِيّ والقابِسيّ: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَنَّهُمُ﴾ فساقَ إلى قوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾، وقال بعدها: إلى قوله: ﴿وَأَجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيًّا ﴾، وفيه تغییر. ووَقَعَ في رواية النَّسَفِيّ: ﴿إِنَّالَّذِينَ تَوَقَّهُمُ الْمَلَتِكَةُ ظَالِىّ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُمْ﴾ الآيات، قال: ﴿ وَمَا لَكُمْ لَا نُقَائِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿نَصِيرًا﴾، وهو صواب، وإن كانت الآيات الأُولى مُتَراخيةً في السّورة عن الآية الأخيرة فليس فيه شيءٌ من التَّغيير، وإِنَّمَا صَدَّرَ (١) كذا جزم الحافظ رحمه الله بأنَّ هذه الآية التي ذكرها وهي من سورة المائدة متقدمة على آية آل عمران التي في الباب، وهو خطأ منه رحمه الله، ولعله أراد أن يذكر الآية الأولى في الممتحنة وهي التي نزلت في حاطب ابن أبي بلتعة، فسبق قلمه فذكر آية المائدة، لأنَّ قصة حاطب كانت عند فتح مكة سنة ثمان، وآية آل عمران كانت ضمن الآيات التي نزلت في وفد نجران سنة تسع، فلا شك بتقدّم آية الممتحنة على آیة آل عمران، ويستقيم الكلام، وأما آية المائدة فكان نزول السورة في حجة الوداع كما يشير إليه قول عمر بن الخطاب الآتي عند البخاري برقم (٧٢٦٨) حيث قال عن آية ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] بأنها نزلت يوم عرفة في يوم جمعة، ومعلوم أنَّ السورة نزلت جملة واحدة على رسول الله وَّلاو حتى لم تستطع ناقته مثل﴿ أن تحمله كما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص عند أحمد (٦٦٤٣) ورواه غيره أيضاً كما بینّاه في («المسند». ٢٨٤ ح ٦٩٤٠ فتح الباري بشرح البخاري بالآيات المتراخية للإشارة إلى ما رُويَ عن مجاهد (١): أنَّها نزلت في ناسٍ من أهلِ مكّة آمنوا، فَكُتِبَ إليهم من المدينة: فإنّا لا نَراكم مِنّا إلّا إن هاجَرتُم، فخَرَجوا فأدرَكَهم أهلُهم بالطَّريق ففَتَنوهم حتَّى كفروا مُكرَهینَ. واقتَصَرَ ابنِ بَطّال على هذا الأخير وعزاه للمُفسِّرِينَ، وقال ابن بَطّال: ﴿إِنَّالَّذِينَ تَوَقَّهُمُ الْمَلَئِكَةُ ظَالِمِىّ ◌َنفُسِهِمْ﴾ إلى ﴿يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾، وقال: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ إلى ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا ﴾. قلت: وليس فيه تغيير من التِّلاوة، إلّا أنَّ فيه تَصرُّفاً فيما ساقَه المصنِّف. وقال ابن التِّين بعد أن تَكلَّمَ على قصَّة عمَّار إلى أن قال: ﴿ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ [النحل: ١٠٦]، أي: مَن فَتَحَ صَدرَه لقَبُولِه. وقوله: ﴿الَّذِينَ تَوَقَّهُمُ الْمَلَبِكَةُ ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ ليس التِّلاوة كذلك، لأنَّ قوله: ﴿وَأَجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا ﴾ قبل هذا، قال: ووَقَعَ في بعض النُّسَخ إلى قوله: ﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٧] وفي بعضها: ﴿فَأُوْلَكَ عَسَى اَللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ [النساء: ٩٩]، وقال: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ﴾ [النساء: ٩٨] إلى قوله: ﴿مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾، وهذا على نَسَق التَّزيل. كذا قال فأخطأ، فالآية التي آخرها ﴿نَصِيرًا﴾ في أوَّلها: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ بالواو، لا بلفظ: ((إلّا))، وما نَقَلَه عن بعض النُّسَخ إلى قوله: ﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾ مُتَمَل، لأنَّ آخر الآية التي أوَّلُها: ﴿الَّذِينَ تَوَقَّهُمُ الْمَلَبِكَةُ﴾ [النساء: ٩٧] قوله: ﴿وَسَآءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧] وآخِرُ التي بعدها ﴿سَبِيلًا﴾ وآخِرُ التي بعدها ﴿عَفُوًّا غَفُورًا﴾ وآخِرِ التي بعدها ﴿غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ فكأنَّه أراد سياق أربع آيات. قوله: ((فعَذَرَ الله المستَضْعَفينَ الذينَ لا يَمْتَنِعونَ من ترك ما أمَرَ الله به)) يعني: إلّا إذا ٣١٤/١٢ غَلَبوا. قال: والمُكرَه لا يكون/ إلّا مُستَضعَفاً غير مُمْتَنِعِ من فعل ما أُمِرَ به، أي: ما يأمُرُ به مَن له قُدرة على إيقاع الشّ به، أي: لأنَّه لا يَقدِر على الامتناع من التَّرك كما لا يَقدِر المكرَه على الامتناع من الفعل، فهو في حُكم المُكرَه. (١) أخرجه عنه الطبري ١٤/ ١٨٣. ٢٨٥ ح ٦٩٤٠ كتاب الإكراه قوله: ((وقال الحسن)) أي: البصريّ ((التَّقيَّة إلى يوم القيامة)) وَصَلَه عبد بن حُميد وابن أبي شَيْبة (١٢/ ٣٥٩) من رواية عَوف الأعرابيّ عن الحسن البصريّ قال: التَّقيَّة جائزة للمؤمنِ إلى يوم القيامة، إلّا أنَّ كان لا يجعل في القتل تَقَيَّة. ولفظ عبد بن مُميد: إلّا في قَتل النَّفس التي حَرَّمَ الله، يعني: لا يُعذَر مَن أُكرِه على قتل غيرِه لگونه يُؤثِر نفسه على نفس غيره. قلت: ومعنى الثَّفيَّة: الحَذَر من إظهار ما في النَّفْس من مُعتَقَد وغيره للغير، وأصله وَقْيَة بوزنِ خَمْزَة، فَعْلة من الوِقاية، وأخرج البيهقيُّ (٢٠٩/٨) من طريق ابن جُرَيج عن عطاء عن ابن عبّاس قال: التَّقْيَّة باللِّسان والقلب مُطمَئِنّ بالإيمان، ولا يَسُط يدَه للقتل. قوله: ((وقال ابن عبّاس فيمَن يُكْرِهه اللُّصوص فيُطلِّق: ليس بشيءٍ، وبه قال ابن عمر وابن الزُّبَيرِ والشَّعْبي والَحَسَن)) أمَّا قول ابن عبّاس فوَصَلَه ابن أبي شَيْبة(١) من طريق عِكْرمة أنَّه سُئلَ عن رجلٍ أكرهَه اللُّصوص حتَّى طَلَّقَ امرأته، فقال: قال ابن عبّاس: ليس بشيءٍ. أي: ے لا يقع عليه الطَّلاق. وأخرج عبد الرَّزّاق(٢) بسندٍ صحيح عن ◌ِكْرمة عن ابن عبّاس: أنَّه كان لا يرى طَلَاق المكرَه شيئاً. (١) كذا نسبه الحافظ رحمه الله هنا وفي ((التغليق)) ٢٦١/٥ لابن أبي شيبة، ولم نقف عليه في ((المصنف)) ولا في («المسند»، ولعله يكون في «تفسيره)) الذي لم نقف علیه، ووقع للحافظ إذ هو في جملة مسموعاته حیث أورده في ((معجمه)) (٣٨٢)، وقد عزاه البيهقي بهذا اللفظ ٧/ ٣٥٧ لإسحاق بن راهويه أنه رواه بإسناده عن عكرمة عن ابن عباس. (٢) لم نقف عليه في ((مصنف عبد الرزاق)) من طريق عكرمة، وقد أسنده الحافظ في ((التغليق)) ٤٥٥/٤ من طريق محمد بن کثیر عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن ابن عباس، ثم قال: رواه عبد الرزاق عن ابن المبارك عن الأوزاعي نحوه. قلنا: الذي في ((المصنف)) (١١٤٠٨) عن ابن المبارك عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن ابن عباس مرسلاً. وكذلك أخرجه العقيلى في ((الضعفاء)) ٤٢٣/٤، والبيهقي ٧/ ٣٥٧ من طريق يحيى القطان عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن ابن عباس. فذكر عكرمة في الإسناد وهمٌّ، وكذا وقوعه في نسخة الحافظ من ((مصنف عبد الرزاق)) خطأ، وقد رواه من طريق عبد الرزاق ابنُ حزم في ((المحلى)) ١٠/ ٢٠٢ فلم يذكر فيه عكرمة، بل نصَّ عمرو الفلاس عند العقيلي أنه مرسلٌ، وانظر «سير أعلام النبلاء)» ٦/ ٣٠. ٢٨٦ ح ٦٩٤٠ فتح الباري بشرح البخاري وأمَّا قول ابن عمر وابن الزُّبَير، فأخرجهما الحُميديّ في ((جامعه)) والبيهقيُّ (٣٥٨/٧) من طريقه قال: حدّثنا سفيان سمعت عَمْراً، يعني: ابن دينار، حدَّثني ثابت الأعرج قال: تزوَّجتُ أَمَّ ولد عبد الرّحمن بن زيد بن الخطّاب، فدَعاني ابنُهُ ودَعا غلامَينِ له فَرَبَطوني وضَرَبوني بالسّياط، وقال: لتُطلِّقِنَّها أو لَأَفعَلَنَّ وأفعَلَنَّ، فطَلَّقْتُها، ثمَّ سألت ابنَ عمر وابنَ الزُّبَير فلم يَرَياه شيئاً، وأخرجه عبد الرَّزّاق (١١٤١٣) من وجه آخر عن ثابت الأعرج نحوه. وأمَّا قولُ الشَّعْبِيّ فَوَصَلَه عبد الرَّزّاق (١١٤٢٢) بسندٍ صحيح عنه قال: إن أكرهَه اللُّصوص فليس بطلاقٍ، وإن أكرهَه السُّلطان وَقَعَ، ونَقَلَ عن ابن عُبَينَةَ توجيهه، وهو أنَّ اللِّصّ يُقدِم على قَتِلِه والسُّلطان لا يقتلُه. وأمَّا قول الحسن فقال سعيد بن منصور (١١٣٩): حدَّثنا أبو عَوَانة عن قَتَادة عن الحسن: أنَّه كان لا يرى طلاق المكرَه شيئاً، وهذا سندٌ صحيح إلى الحسن. قال ابن بَطّال تَبَعاً لابنِ المنذر: أجمعوا على أنَّ مَن أُكره على الكفر حتَّى خَشِيَ على نفسِه القَتَلَ فكفرَ وقلبه مُطمَئِنٌ بالإيمان أنَّه لا يُحِكَم عليه بالكفر، ولا تَبِينُ منه زوجتُه، إلّا محمَّد ابن الحسن فقال: إذا أظهَرَ الكفرَ صارَ مُرتَدّاً، وبانَت منه امرأته ولو كان في الباطن مسلماً. قال: وهذا قولٌ تُغني حكايتُه عن الردّ عليه لمُخالَفَتِهِ النُّصوصَ. وقال قوم: مَحَلّ الرُّخصة في القول دونَ الفعل كأن يَسجُد للصَّنَمِ أو يقتل مُسلماً أو يأكل الخنزير أو يَزني، وهو قول الأوزاعيِّ وسَخْنون، وأخرج إسماعيل القاضي بسندٍ صحيح عن الحسن أنَّه لا يجعل التَّقيَّة في قتل النَّفس المحرَّمة. وقالت طائفة: الإكراه في القول والفعلِ سواءٌ. واختُلِفَ في حَدّ الإكراه، فأخرج عبد ابن حُميد بسندٍ صحيح عن عمر قال: ليس الرجل بأمينٍ على نفسِه إذا سُجِنَ أو أُوثِقَ أو عُذِّبَ، ومن طريق شُرَيح نحوه وزيادة، ولفظه: أربعٌ كلّهنَّ كُرْهً: السِّجن والضَّرب والوعيد والقَيْد، وعن ابن مسعود قال: ما کلامٌ يَدْرأ عنّي سوطینِ إلّا کنتُ مُتَكلّماً به، وهو قول الجمهور. ٢٨٧ ح ٦٩٤٠ كتاب الإكراه وعند الكوفيّينَ فيه تفصيل، واختَلَفوا في طلاق المُكرَه: فذهب الجمهور إلى أنَّه لا يقع، ونَقَلَ فيه ابن بَطّال إجماع الصحابة، وعن الكوفيّينَ: يقعُ، ونُقِلَ مِثله عن الزُّهْرِيّ وقَتَادة وأبي قِلَابةَ، وفيه قولٌ ثالث تقدَّم عن الشَّعْبيّ. قوله: (وقال النبيّ وَّ: الأعمال بالنّيَّةِ)) هذا طَرَف من حديث وَصَلَه المصنِّف في کتاب الأيمان - بفتح الهمزة(١) - ولفظه: ((الأعمال بالنّيَّة)) هكذا وَقَعَ فيه بدون: ((إنَّم)) في أوَّله، وإفرادِ النّيَّة، وقد تقدَّم شرحه مُستَوَى في أوَّل حديث في ((الصَّحيح))، ويأتي ما يَتَعلَّق بالإكراه في أوَّل تَرك الحيَل قريباً (٦٩٥٣)، وكأنَّ البخاريّ أشارَ بإيرادِه هنا إلى الردّ/ على مَن فَرَّقَ ٣١٥/١٢ في الإكراه بين القول والفعل، لأنَّ العمل فعل، وإذا كان لا يُعتَبَر إلّ بالنّيَّة كما دَلَّ عليه الحديث، فالمكرَه لا نيَّة له، بل نيَّتَه عَدَم الفعل الذي أُكره عليه. واحتَجَّ بعضُ المالكيَّة بأنَّ التَّفصيلَ يُشبِه ما نزلَ في القرآن، لأنَّ الذينَ أُكرهوا إنَّما هو على الكلام فيما بينهم وبين رَبّهم، فلمَّا لم يكونوا مُعتَقِدينَ له جُعِلَ كأنَّه لم يكن، ولم يُؤَثِّر لا في بَدَن ولا مال، بخِلَاف الفعل فإنَّه يُؤَثِّر في البَدَن والمال، هذا معنى ما حكاه ابن بَطّال عن إسماعيل القاضي. وتَعقَّبَه ابن المنيِّر: بأنَهم أُكرهوا على النُّطْق بالكفر، وعلى مُالَطة المشرِكِينَ ومُعاونتهم، وتَرك ما يُخالف ذلك، والتُّروكُ أفعالٌ على الصَّحيح، ولم يُؤَاخَذوا بشيءٍ من ذلك. واستَثَنَى المعظَمُ قتَلَ النَّفْس فلا يَسقُط القِصاص عن القاتل، ولو أُكرهَ لأَنَّه آثَرَ نفسَه على نفس المقتول، ولا يجوز لأحدٍ أن يُنَجّي نفسَه من القتل بأن يقتُّلَ غيره. ثمَّ ذكر(٢) حديث أبي هريرة: أنَّ النبيَّ وٍَّ كان يَدعُو في الصلاة، تقدَّم في تفسير سورة النِّساء (٤٥٩٨) من وجه آخر عن أبي سَلَمة بمِثلِ هذا الحديث، وزاد: أنَّها صلاة العِشاء، وفي (١) كذا قال الحافظ رحمه الله، والحديث جاء عند البخاري في كتاب الإيمان، بكسر الهمزة (٥٤)، وفي كتاب الأيمان بفتح الهمزة (٦٦٨٩)، لكنه جاء بحذف ((إنما)) في كتاب الإيمان - بالكسر - وليس في كتاب الأيمان، وإن كان بإفراد النية في الكتابين. (٢) الضمير هنا يعود على البخاري. ٢٨٨ باب ١/ح ٦٩٤١ - ٦٩٤٢ فتح الباري بشرح البخاري كتاب الصلاة (٨٠٣ و ٨٠٤) من طريق شُعَيب عن الزُّهْريّ عن أبي بكر بن عبد الرَّحمن وأبي سَلَمة: أنَّ أبا هريرة كان يُكبِّ في كلّ صلاة، الحديث، وفيه (٨٠٤): قال أبو هريرة: وكان رسول الله وَ ◌ّر حين يَرفَع رأسه يقول: ((سمعَ الله لمن حَمِدَه، رَبَّنَا ولَك الحمد)) يَدعُو لرجالٍ فُيُسمّيهم بأسمائهم، فذكر مِثل حديث الباب، وزاد: وأهل المشرق يومئذٍ من مُضَر مخالفونَ له. وفي الأدب (٦٢٠٠) من طريق سفيان بن عُيَينةَ عن الزُّهْريّ عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة قال: لمََّ رَفَعَ رسول الله ◌َ ◌ّ﴿ رأسَه من الزُّكوع قال، فذكره. وقد تقدَّم بيان المستَضعَفينَ في سورة النِّساء والتَّعريف بالثلاثة المذكورينَ هنا في تفسير آل عمران (٤٥٦٠) وما يَتَعلَّق بمشروعيَّة القُنوت في النازِلة ومحلّه في كتاب الوتر (١٠٠١) ولله الحمد. وقوله: ((والمستَضعَفينَ))(١) هو من ذِكْرِ العامّ بعد الخاصّ، وتَعلَّقُ الحديث بالإكراه، لأنَّهم كانوا مُكرَهينَ على الإقامة مع المشركين، لأنَّ المستَضعَف لا يكون إلّا مُكرَهاً كما تقدَّمَ. ويُستَفاد منه أنَّ الإكراه على الكفر لو كان كفراً لمَا دَعَا لهم وسَّاهم مُؤمِنِينَ. ١ - باب من اختارَ الضّربَ والقتلَ والهوانَ على الكفر ٦٩٤١ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ عبدِ الله بنِ حَوْشَبِ الطّائِيُّ، حدَّثنا عبدُ الوهَّاب، حدَّثنا أيوبُ، عن أبي قِلَابةَ، عن أنسٍ ◌َُه، قال: قال رسولُ اللهِ وَّةِ: («ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه وَجَدَ حَلاوةَ الإيمان: أن يكونَ اللهُ ورسولُهُ أحَبَّ إليه مما سواهما، وأن يُحِبَّ الَرْءَ لا يُحِبُّه إلا الله، وأن يَكْرَةَ أن يُعُودَ في الكفرِ كما يَكْرَه أن يُقذَفَ في النار)). ٦٩٤٢- حدَّثنا سعيدُ بنُ سليمانَ، حدَّثنا عبَّدٌ، عن إسماعيلَ، سمعتُ قيساً، سمعتُ سعيدَ بنَ زيدٍ يقول: لقد رأيتني وإنَّ عُمرَ مُوثِقي على الإسلامِ، ولو انقَضَّ أُحُدُ ممَّا فَعَلُم بُعُثمانَ، كان تَحَقُوقاً أن يَنْقَضَّ. (١) الرواية هنا دون واو العطف، بل بإعادة الفعل ((أنج))، لكن الرواية بواو العطف هي الرواية المتقدمة في الصلاة (٨٠٤)، وكذا المتقدمة في الأدب (٦٢٠٠). ٢٨٩ باب ١/ح ٦٩٤١- ٦٩٤٣ كتاب الإكراه ٦٩٤٣- حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن إسماعيلَ، حدَّثنا قيسٌ، عن خَبّاب بنِ الأرَتِّ، قال: شَكَوْنا إلى رسولِ الله وَّهِ وهو مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً له في ظِلِّ الكَعْبةِ، فقلنا: ألا تَستَنِصِرُ؟ ألا تَذْعو لنا؟ فقال: «قد كان مَن قبلَكم يُؤْخَذُ الرجلُ، فيُحفَرُ له في الأرضِ فيُجعَلُ فيها، فيُجاءُ بالمِنْشار فيُوضَعُ على رأسِه، فيُجعَلُ نِصْفَينٍ، / ويُمْشَطُ بأمشاطِ الحديدِ مِن دُونِ لحمِه وعَظْمِه، ٣١٦/١٢ فما يَصُدُّه ذلك عن دِينِهِ، والله لَيَتِمَّنَّ هذا الأمرُ حتَّى يَسِيرَ الَّاكِبُ من صَنْعاءَ إلى حَضْرَ مَوتَ لا يَخَافُ إلَّ اللهَ والذِّئْبَ على غَنَمِهِ، ولكنَّكم تَستَعْجِلونَ)). قوله: ((باب مَن اختارَ الضَّرْبَ والقتلَ والهوانَ على الكفر)) تقدَّمَت الإشارة إلى ذلك في الباب الذي قبله، وأنَّ بلالاً كان ممَّن اختارَ الضَّربَ والهوانَ على التلفَّظ بالكفر، وكذلك خَبّابٌ المذكور في هذا الباب ومَن ذُكِرَ معه، وأنَّ والدَي عمّار ماتا تحت العذاب، ولمَّا لم يكن ذلك على شرط الصِّحّة اكتَفَى المصنّف بما يدلّ عليه. وذکر فیه ثلاثة أحاديث: الحديث الأوَّل: حديث: ((ثلاث مَن كُنَّ فيه وَجَدَ حَلاوة الإيمان)) الحديث، وقد تقدَّم شرحه في كتاب الإيمان (١٦) في أوائل ((الصَّحيح))، ووجه أَخْذ التَّرجمة منه أنَّه سوَّی بین كراهية الكُفر وكراهية دخول النار، والقتلُ والضَّربُ والهوانُ أسهَلُ عند المؤمن من دُخول النار، فيكون أسهَلَ من الكفر إن اختارَ الأخذ بالشِّدّة. ذكره ابن بَطّال، وقال أيضاً: فيه حُجّة لأصحاب مالك. وتَعقَّبَه ابن التِّين بأنَّ العلماء مُتَّفِقونَ على اختيار القتل على الكفر، وإنَّما يكون حُجّةً على مَن يقول: إنَّ التَّلقُّظ بالكفرِ أولى من الصَّبر على القتل. ونَقَل(١) عن المهلَّب أنَّ قوماً مَنَعُوا من ذلك، واحتَجّوا بقوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ الآية [النساء: ٢٩]، ولا حُجّة فيه، لأنَّه قال تِلْو الآية المذكورة: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا﴾ [النساء: ٣٠] فقَّدَه بذلك، وليس مَن أهلَكَ نفسه في طاعة الله ظالماً ولا مُعتَدياً، وقد (١) الضمير هنا يعود على ابن بطال، إذ نَقَلَ ذلك عن المهلب في ((شرحه)) ٢٩٦/٨. ٢٩٠ باب ١/ح ٦٩٤١- ٦٩٤٣ فتح الباري بشرح البخاري أجمعوا على جواز تَقَخُّم المهالك في الجهاد. انتهى، وهذا يَقدَح في نقْل ابن التِّين الاتِّفاقَ المذكور، وأنَّ ثَمَّ مَن قال بأولَويَّة التلفُّظ على بَذل النَّفْس للقتل، وإن كان قائل ذلك يُعَمِّمُ فليس بشيءٍ، وإن قَيَّدَه بما لو عَرَضَ ما يُرجِّح المفضولَ، كما لو عَرَضَ على مَن إذا تَلَفَّظَ به نَفعٌ متعدٍّ ظاهراً فيَتَّجِهُ. الحديث الثاني: قوله: ((عبَّاد)) هو ابن العَوّام، فيما جَزَمَ به أبو مسعود، وإسماعيل: هو ابن أبي خالد، وقيس: هو ابن أبي حازم، وسعيد بن زيد، أي: ابن عَمْرو بن نُفَيل، وهو ابن ابن عمّ عمر ابن الخطّاب بن نُفَيل، وقد تقدَّم حديثه في ((باب إسلام سعيد بن زيد)) من السِّيرة النبويَّة (٣٨٦٢)، وهو ظاهر فيما تَرجَمَ له، لأنَّ سعيداً وزوجته أُخت عمر اختارا الهوان على الكُفر، وبهذا تظهر مُناسَبة الحديث للتَّرجمة. وقال الكِرْمانيُّ: هي مأخوذة من كَون عثمان اختارَ القَتْل على ما يُرضي قاتليه، فيكون اختياره القتلَ على الكفرِ بطريق الأَولى. واسم زوجته فاطمة بنت الخطّاب، وهي أوَّل امرأة أسلمت بعد خديجة فيما يقال، وقيل: سَبَقَتها أمّ الفضل زوج العبّاس. الحديث الثالث: قوله: ((يحيى)) هو القَطّان، وإسماعيل: هو ابن أبي خالد، وقيس: هو ابن أبي حازم أيضاً، وخَّاب بفتح الخاء المعجَمة وموخَّدتَينِ الأولى مُشدّدة بينهما ألِف، وقد تقدَّم شرحه مُسْتَوَقَى في (باب ما لَقِيَ النبيّ وَّه من المشركينَ بمكّة)) من السِّيرة النبويَّة (٣٨٥٢)، ودخولُه في التَّرجمة من جهة أنَّ طلبَ خَّاب الدُّعاءَ من النبيّ وََّ على الكفَّار دالّ على أنَّهم كانوا قد اعتَدَوا عليهم بالأذَى ظُلماً وعدواناً. قال ابن بَطّال: إنَّما لم يُحِب النبيُّ نَ سؤالَ خَبّاب ومَن معه بالدُّعاءِ على الكفّار مع قوله تعالى: ﴿أَدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وقوله: ﴿فَلَوْلاَ إِذْ جَاءَهُمْ بَأَسُنَا تَضَرَّعُواْ﴾ ٢٩١ باب ٢/ ح ٦٩٤٤ كتاب الإكراه [الأنعام: ٤٣] لأنَّه علم أنَّه قد سَبَقَ القَدَرُ بما جَرَى عليهم من البَلوى ليُؤْجَروا عليها، كما جَرى به عادةُ الله تعالى في أتباع الأنبياء فصَبَروا على الشِّدّة في ذات الله، ثمَّ كانت لهم العاقبة بالنَّصرِ وجَزيل الأجر، قال: فأمَّا غير الأنبياء فواجبٌ عليهم الدُّعاء عند كلّ نازِلة، لأنَهم لم يَطَّلِعوا على ما الطَّلَعَ عليه النبيّ ◌َِّ، انتهى ملخَّصاً. وليس في الحديث تصريح بأنَّه وَله لم يَدعُ لهم بل يحتمل أنَّ دَعا، وإنَّما قال: ((قد كان مَن قبلكم يُؤخَذ ... )) إلى آخره، تسليةً لهم وإشارةً إلى الصَّبر حتَّى تَنْقَضِيَ / المدّة المقدورة، ٣١٧/١٢ وإلى ذلك الإشارةُ بقولِه في آخر الحديث: ((ولكنَّكم تَستَعجِلونَ)). وقوله في الحديث: ((بالمِنشار)) بنونٍ ساكنة ثمَّ شين مُعجَمة: معروف، وفي نسخة بیاءٍ مُثنّة من تحت بغير همزة بَدَل النُّون، وهي لُغة فيه. وقوله: (مِن دونٍ لحمِه وعظمه)) وللأکثر ((ما)) بَدَل ((من)). وقوله: ((هذا الأمر)) أي: الإسلام، وتقدَّم المراد بصنعاء في شرح الحديث. قال ابن بَطّال: أجمعوا على أنَّ مَن أُكرهَ على الكفر واختارَ القتل أنَّه أعظَمُ أجراً عند الله مَمَّن اختارَ الرُّخصة، وأمَّا غير الكفر، فإن أُكره على أكل الخنزير وشُرب الخمر مثلاً فالفعل أَولى، وقال بعض المالكيَّة: بل يأثَم إن مُنِعَ من أكل غيرها، فإنَّه يصير كالمضطَرِّ إلى(١) أكل الميتة إذا خافَ على نفسِه الموت فلم يأكل. ٢ - بابٌ في بيع المُكرَه ونحوه في الحقّ وغيره ٦٩٤٤ - حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، حدَّثني اللَّيثُ، عن سعيدِ المقبُريِّ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ ظُهُ، قال: بينما نحنُ في المسجدِ إِذ خَرَجَ علينا النبيُّ وَّةِ، فقال: (انطَلِقوا إلى يهودَ)) فخَرَجْنا معه حتَّى جِئْنا بيتَ الِدْراسِ، فقامَ النبيُّ ◌َِّ فناداهم: (يا مَعْشَرَ يهودَ، أسلِمُوا تَسْلَمُوا)) فقالوا: قد بَلَّغْتَ يا أبا القاسم، فقال: ((ذلك أُرِيدُ)) ثمَّ قالها الثّانيةَ، فقالوا: قد بَلَّغْتَ يا أبا القاسمِ، ثمَّ قال في الثّالثةِ، فقال: ((اعلَمُوا أَنَّ الأرضَ لله ورسوله، وإنّي أُرِيدُ أن أَجْلِيَكم، فمَن وَجَدَ منكم (١) تحرَّف في (س) إلى: على. ٢٩٢ باب ٢/ ح ٦٩٤٤ فتح الباري بشرح البخاري بماله شيئاً فلْيَبِعْهِ، وإلا فاعلَمُوا أنَّ الأرضَ لله ورسولهِ)). قوله: ((بابٌّ في بيعِ المُكْرَه ونحوِه في الحقّ وغيره)) قال الخطّابِيّ: استَدَلَّ أبو عبد الله - يعني البخاريّ - بحديثٍ أبي هريرة، يعني المذكور في الباب على جواز بيع المُكرَه والحديث ببيع المضطَرّ أشبه، فإنَّ المكرَه على البيع هو الذي يُحمَل على بيع الشّيء شاءَ أو أبى، واليهود لو لم يبيعوا أرضهم لم يُلزَموا بذلك، ولكنَّهم شَحّوا على أموالهم فاختاروا بيعَها، فصاروا كأنَّهم اضطُرُّوا إلى بيعها، كمَن رَهِقَه دَينٌ فاضطُرّ إلى بيع ماله، فيكون جائزاً ولو أُكرِهَ عليه لم يجُز. قلت: لم يَقتَصِر البخاريّ في التَّرجمة على المكرَه وإنَّما قال: ((بيع المكرَه ونحوِه في الحقّ)) فدخل في ترجمته المضطَرّ، وكأنَّه أشار إلى الردّ على مَن لا يُصحِّح بيع المضطَرِ، وقوله في آخر كلامه: ولو أُكره عليه لم يَجُزُ، مردود لأَنَّه إكراه بحَقٌّ، كذا تَعقَّبَه الكِرْمانيُّ، وتوجيه كلام الخطَّبيّ أنَّه فَرَضَ كلامه في المضطرّ من حيثُ هو ولم يُرِد خُصوص قصّة اليهود. وقال ابن المنيِّر: تَرجَمَ بالحقِّ وغيره ولم يَذْكُر إلّا الشِّقّ الأوَّل، ويُجاب بأنَّ مُراده ((بالحقِّ)) الدَّين و((بغيره) ما عداه مَّا يكون بيعه لازِماً، لأنَّ اليهودَ أُكرهوا على بيع أموالهم لا لِدَينٍ عليهم، وأجابَ الكِرْمانيُّ: بأنَّ المراد ((بالحقِّ)) الجلاء، وبقوله: ((وغيره)) الجِنايات، أو المراد بقوله: ((الحقّ)) الماليّات، وبقولِه: ((غيره)) الجَلاء. قلت: ويحتمل أن يكون المراد بقوله: ((وغيره)) الدَّين، فيكون من الخاصِّ بعد العامّ، وإذا صَحَّ البيع في الصّورة المذكورة وهو سببٌ غير ماليّ، فالبيع في الدَّين وهو سببٌ ماليّ أَولَى. ثم ذكر حديث أبي هريرة في إخراج اليهود من المدينة، وقد تقدَّم في الجزية في ((باب إخراج اليهود من جزيرة العرب)) (٣١٦٧)، وبيَّنت فيه أنَّ اليهود المذكورينَ لم يُسمَّوا ولم يُنسَبوا، وقد أورَدَ مسلم (١٧٦٦) حديث ابن عمر في إجلاء بني النَّضیر، ثمَّ عَقَّبَه بحديثٍ أبي هريرة (١) (١٧٦٥) فأوهَمَ أنَّ اليهود المذكورينَ في حديث أبي هريرة هم بنو النَّضير، وفيه (١) إنما أورد مسلمٌ حديث أبي هريرة أولاً ثم عقّبه بحديث ابن عمر، وليس العكس. ٢٩٣ باب ٢/ ح ٦٩٤٤ كتاب الإكراه نَظَرِّ، لأنَّ أبا هريرة إنَّما جاء بعد فتح خَيْبر، وكان/ فتحُها بعد إجلاء بني النَّضير وبني ٣١٨/١٢ قَيْنُقَاعِ، وقَتْل(١) بني قُرَيظة، وقد تقدَّمَت قصَّة بني النَّضير في المغازي (٤٠٢٨) قبل قصَّة بدر (٢)، وتقدَّم قول ابن إسحاق: أنَّها كانت بعد بئر مَعُونة. وعلى الحالَينِ فهي قبل مجيء أبي هريرة، وسياق إخراجهم مخالف لسياق هذه القصّة، فإنَّهم لم يكونوا داخل المدينة، ولا جاءهم النبيّ ◌َّه إلّا ليستعينَ بهم في دية رجلَينِ قَتَلهما عَمْرو بن أُميَّة مِن حُلَفائهم(٣)، فأرادوا الغَدر بهِ فَرَجَعَ إلى المدينة، وأرسَلَ إليهم يُيِّرُهم بين الإسلام وبين الخروج، فأبَوا فحاصَرَهم فَرَضُوا بالجَلاء، وفيهم نزلَ أوَّلُ سورة الحَشر، فيحتمل أن يكون مَن ذُكِرَ في حديث أبي هريرة بَقيَّةٌ منهم أو من بني قُرَيظة، كانوا سُكّاناً داخل المدينة، فاستَمرّوا فيها على حُكم أهل الذِّمّة حتَّى أجَلاهم بعد فتح خَيْبر، ويحتمل أن يكونوا من أهل خَيْبر، لأنَّها لمَّا فُتِحَت أقَرَّ أهلَها على أن يَزرَعوا فيها ويعملوا فيها ببعضِ ما يَخْرُج منها، فاستَمرّوا بها حتَّى أجَلاهم عُمر من خَيْبر كما تقدَّم بيانه في المغازي (٤٢٤٤-٤٢٤٨)، فيحتمل أن يكون هؤلاءِ طائفة منهم كانوا يَسكُنونَ بالمدينة، فأخرجهم النبيّ ◌َّهَ، وأوصَى عند موته أن يُخْرِجوا المشرِكينَ من جَزيرة العرب، ففَعَلَ ذلك عمر (٤). قوله: ((بيت المِدْراس)) بكسر الميم وآخره مُهمَلة: مِفعال من الدَّرس، والمراد به كبير اليهود، ونُسِبَ البيت إلیه لأنّه هو الذي کان صاحب دراسة گُبهم، أي: قراءتها، ووَقَعَ في بعض الطُّرِق: حتَّى إذا أتى المِدراس، ففَسَّرَه في ((المطالع)) بالبيت الذي تُقرأ فيه التَّوراة، ووجَّهَه الكِرْمانيُّ بأنَّ إضافة البيت إليه من إضافة العامّ إلى الخاصّ، مِثل شَجَر الأَرَاكِ، وقال في (١) تصحّف في (س) إلى: وقیل. (٢) كذا قال الحافظ، وهو سبق قلم منه رحمه الله، لأنَّ قصة بني النضير كانت بعد بدرٍ باتفاق. (٣) كذا جزم الحافظ رحمه الله بهذا السبب لجلاء بني النضير، مع أنه أورد عند حديثه عن بني النضير في المغازي بین یدي الحديث (٤٠٢٨) روايةً من عند ابن مردويه صحَّح إسنادها تدل على سبب آخر غير ما قاله أهل السير والمغازي، ورجّحه، ثم توقف لكون أهل المغازي اتفقوا على السبب المذكور لديهم. (٤) انظر ما سلف برقم (٢٧٣٠) و(٣١٦٨). ٢٩٤ باب ٢/ ح ٦٩٤٤ فتح الباري بشرح البخاري ((النِّهاية)): مِفعال غريب في المكان، والمعروف أنَّه من صِيَغ المبالَغة للرجل. قلت: والصَّواب أنَّه على حذف الموصوف والمراد الرجل، وقد وَقَعَ في الرّواية الماضية في الجِزية (٣١٦٧): حتَّى جِئنا بيت المُدارِس، بتأخير الرَّاء عن الألف بصيغة المفاعل(١)، وهو مَن يَدْرُس الكتاب ويُعلِّمه غيرَه، وفي حديث الرَّجم (٤٥٥٦): فَوَضَعَ مُدارسُها (٢) الذي يُدرِّسها يدَه على آية الرَّجم، وفُسِّرَ هناك(٣) بأنَّه ابن صورِيًا، فيُحتمل أن يكون هو المرادهنا. قوله: «فقام النبيّ پڑ فناداهم)» في رواية الگُشمِیھنيّ: فنادَى. قوله: ((ذلك أُريدُ)) أي: بقولي: أسلمُوا، أي: إن اعتَرَفُتُم أنَّني بَلَّغْتُكمْ سَقَطَ عنِّي الحَرَج. قوله: ((اعلَمُوا أنَّ الأرض)) في رواية الكُشمِيهنيّ: ((أنَّما الأرضُ)) في الموضعين. وقوله: (الله ورسوله)) قال الدَّاوُوديّ: لله: افتتاحُ كلامٍ ولرسولِه حقيقةٌ، لأنَّها ممّا لم يُوجِف المسلمون عليه بخَيلِ ولا رِكاب. كذا قال، والظّاهر ما قال غيره: أنَّ المراد أنَّ الحُكم لله في ذلك ولرسولِهِ، لِكَونِهِ المبَلِّغَ عنه القائمَ بتنفيذِ أوامره. قوله: ((أُجْلیکم)) بضمِّ أوَّله وسكون الجیم، أي: أُخرِ جکم وزنه ومعناه. قوله: ((فمَن وجَدَ)) كذا هنا بلفظ الفعل الماضي ((بماله شيئاً) الباء مُتعلِّقة بشيءٍ محذوف أو ضَمَّنَ ((وجَدَ)) معنى (بَخِلَ))(٤) فعَدّاه بالباء، أو وَجَدَ من الوِجْدان(٥) والباء سبيَّة، أي: فمَن وَجَدَ بماله شيئاً من المحبّة، وقال الكِرْمانيُّ: الباء هنا للمُقابَلة، فجَعَلَ وَجَدَ من الوِجْدان. (١) كذا ضبطه الحافظ هنا، وخالف ذلك في شرحه على الحديث في الجزية، حيث ضبطه بكسر أوله، يعني كما جاء في هذا الرواية، وهو الصحيح، إذ لم يُشَر هناك في اليونينية إلى وجود خلاف بين رواه البخاري بضبطها على وَفْق ما جاء هنا. (٢) كذا جاء ضبطها للحقُّويّ والمستَمْلِيْ، وأما الكُشمِيْهنيّ فضبطها بتقديم الراء على الألف، على وَفْق ما جاء هنا ورجح الحافظ هناك ضبط الگُشْمَيْهِنيّ. (٣) عند شرح الحديث (٦٨٤١). (٤) تصخَّف في (أ) و(س) إلى: نحل. (٥) كذا ذكر الحافظ الوجدان مصدراً لِوَجَدَ التي بمعنى أحب، مع أنَّ أحداً من أهل اللغة لم يذكر لوَجَدَ الذي بمعنى أحبَّ مصدراً غير وَجْدٍ، بل نصَّ صاحب ((التاج)) على سَعَة اطلاعه أنه ليس له إلّا مصدر واحد، وهو الوَجْد. ٢٩٥ باب ٣/ح ٦٩٤٥ - ٦٩٤٦ كتاب الإكراه ٣- باب لا يجوز نكاحُ المُكرَه ﴿وَلَا تُكْرِهُواْ فَتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٣٣]. ٦٩٤٥ - حدَّثنا يحيى بنُ قَزَعةَ، حدَّثنا مالكٌ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ القاسمِ، عن أبيه، عن عبدِ الرَّحمنِ ومُجُمِّعٍ ابنَي يزيدَ بنِ جاريةَ الأنصاريِّ، عن خَنْساءَ بنت خِدَام الأنصاريَّةِ: أنَّ أباها زَوَّجَها وهي تَيِّبٌ، فَكَرِهَت ذلك، فأنتِ النبيَّ وَّ، فَرَدَّ نِکاحَها. ٦٩٤٦- حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسفَ، حدَّثنا سفيانُ، عن ابنِ جُرَيج، عن ابنِ أبي مُلَیکةَ، عن أبي ٣١٩/١٢ عَمِرٍو، هو ذَكْوانُ، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: قلتُ: يا رسولَ الله، يُستَأمَرُ النِّساءُ في أبضاعهِنَّ؟ قال: ((نعم)، قلتُ: فإنَّ البِكْرَ تُستَأمُرُ فَتَستحْيِي، فَتَسْكُت. قال: ((سُكانُها إِذُها)). قوله: ((باب لا يجوز نِكاح المُكْرَه)» المُكرَه بفتح الرَّاء. قوله: ((﴿وَلَا تُكْرِهُواْ فَتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾)) كذا لأبي ذرِّ والإسماعيليّ، وزاد القابِسيّ لفظ: ﴿إِكْرَهِهِنَ﴾، وعند النَّسَفيّ: الآية، بَدَل قوله: إلى آخره، وكذا للجُرْجانيّ، وساقَ في رواية كَرِيمة الآيَةَ كلّها. والفَتَيات، بفتح الفاء والتاء: جمع فتاة، والمراد بها الأمَّةُ، وكذا الخادِم ولو كانت حُرّةً، وحِكمة التَّقييد بقوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنَا﴾ [النور: ٣٣] أنَّ الإكراه لا يَتَأَتَّى إلّا مع إرادة التَّحَصُّن، لأنَّ المطيعة لا تُسمَّى مُكرَهة، فالتَّقدير: فتَيَاتكم اللّتي جَرَت عادتهنَّ بالبِغاء، وخَفيَ هذا على بعض المفسِّرِينَ فجَعَلَ ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَضُّنَا﴾ مُتعلِّقاً بقولِه فيما قبلَ ذلك: ﴿وَأَنكِحُواْ الْأَنَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، وسيأتي بَقيَّة الكلام على هذه الآية بعد بابين. وقد استَشكَلَ بعضُهم مُناسَبة الآية للتَّرجمة، وجَوَّزَ أنَّه أشارَ إلى أنَّه يُستَقاد مطلوب التَّرجمة بطريق الأولى، لأنَّه إذا نَهَى عن الإكراه فيما لا يَحِلّ فالنَّهي عن الإكراه فيما يَحِلّ أَولِى. قال ابن بَطّال: ذهب الجمهور إلى بُطْلان نِكاح المُكرَه، وأجازَه الكوفيّونَ، قالوا: فلو أُكره رجلٌ على تزويج امرأة بعشرة آلاف، وكان صَداق مِثلها ألفاً صَحَّ النِّكاح، ولَزِمَته الألف وبَطَلَ الزّائد، قال: فلمَّا أبطَلوا الزائد بالإكراه كان أصل النِّكاح بالإكراه أيضاً باطلاً. انتهى، ٢٩٦ باب ٣/ح ٦٩٤٥ - ٦٩٤٦ فتح الباري بشرح البخاري فلو كان راضياً بالنِّكاح، وأُكرهَ على المهر كانت المسألة اتِّفاقيَّةً، يَصِحّ العَقد، ويَلزَم المسَمَّى بالدُّخول، ولو أُكره على النِّكاح والوطء لم يُحدَّ ولم يَلزَمه شيء، وإن وَطِئَ مُتاراً غير راضٍ بالعَقدِ حُدَّ. ثم ذكر في الباب حدیثین: أحدهما: حديث خَنْساء، بفتح المعجَمة وسكون النُّون بعدها مُهمَلة ومَدّ، بنت خِدام، بكسر المعجَمة وتخفيف المهمَلة (١)، وجارية جَدّ الراويَينِ عنها بجيم وياء مُثنّة من تحت، وقد تقدَّم شرحه في كتاب النِّكاح (٥١٣٨)، وأنَّها كانت غيرَ بِكْرٍ، وذِكر ما وَرَدَ فیه من الاختلاف. ثانيهما: قوله: ((حدَّثنا محمّد بن يوسف، حدَّثنا سُفْيان)) الظّاهر أنَّه الفِرْيابيّ، وشيخه الثَّوْريّ، ويحتمل أن يكون البِيكَنْدِيَّ وشيخُه ابنَ عُيَينَةَ، فإنَّ كلَّ من السُّفيانَينِ معروف بالرِّواية عن ابن جُرَيج، لكنَّ هذا الحديث إنَّما هو عن الفِرْيابيّ كما جَزَمَ به أبو نُعَيم، والِفِرْيابيّ إذا أطلقَ سفيان أراد الثَّوْريّ وإذا أراد ابن عُيَينةَ نَسَبَه. قوله: ((ذَكْوان)) يعني مولى عائشةَ. قوله: «قلت: يا رسول الله، يُستَأمَر النِّساء في أبضاعهنَّ؟ قال: نعم)) في رواية حَجّاج بن محمّد وأبي عاصم عن ابن جُرَيج: سمعت ابن أبي مُلَيكة يقول: قال ذَكْوانُ: سمعتُ عائشةَ، سألَتُ رسولَ الله ◌َّه عن الجارية يُنكِحُها أهلُها: هل تُستأمَر أم لا؟ فقال: ((نعم تُستأمَر))(٢). وفيه تقوية لمضمونِ الحديث الذي قبله، وإرشاد إلى السَّلامة من إبطال العقد. (١) كذا ضبطه الحافظ بالدال المهملة، وهو خلاف ما عليه أصحاب كتب المشتبه كالدارقطني وابن ماكولا وابن ناصر الدين، حيث ضبطوه بالذال المعجمة، وكذلك ضبطه النووي في ((تهذيب الأسماء واللغات))، وابن الأثير في ((جامع الأصول)) في قسم التراجم. (٢) رواية حجاج بن محمد وأبي عاصم عن ابن جريج أخرجهما أبو عوانة (٤٢٤٦) و(٤٢٤٧)، والطحاوي في ((شرح المشكل)» (٥٧٣٨) و(٥٧٣٩)، وفات الحافظ رحمه الله أنه وقع كذلك في روايةٍ عند مسلم (١٤٢٠) (٦٥). ٢٩٧ باب ٤/ ح ٦٩٤٧ كتاب الإكراه وقوله: ((سُكاتها)) هو لُغة في السُّكوت، ووَقَعَ عندَ الإسماعيليّ من رواية الذُّهْلِيِّ وأحمدَ ابن(١) يوسف عن الفِرْيابيّ بلفظ: ((سكوتها))، وفي رواية حَجّاج وأبي عاصم: ((ذلك إذنها إذا سَكَتَت))، وتقدَّم في النّكاح (٥١٣٧) من طريق اللَّيث عن ابن أبي مُلَيكة بلفظ: ((صَمتُها)»، وتقدَّم شرحه أيضاً هناك، وبيان الاختلاف في صِحّة إنكاح الوليّ المُجبِرِ البِكرَ الكبيرةَ، وأنَّ الصَّغيرةَ لا خِلاف في صِحّة إجباره لها. ٤ - باب إذا أُكره حتّى وهب عبداً أو باعه، لم يَجُز وبِهِ قال بعضُ الناسِ، قال: فإن نَذَرَ المشتَري فيه نَذْراً، فهو جائزٌ بزَعْمِهِ، وكذلك إذا دَبَّرَه. ٣٢٠/١٢ ٦٩٤٧ - حدَّثنا أبو النُّعْمان، حدَّثنا حَّادُ بنُ زيدٍ، عن عَمِرِو بنِ دِينارٍ، عن جابرٍ ﴾: أنَّ رجلاً منَ الأنصار دَبََّ مملوكاً ولم يكن له مالٌ غيرُه، فَبَلَغَ ذلك النبيَّ ◌َّهِ، فقال: ((مَن يَشتَرِيه منّي؟)) فاشتَرَاه نُعَيمُ بنُ النَّحّامِ بثمان مئةِ دِرْهَمٍ. قال: فسمعتُ جابراً يقول: عبداً قِبْطِيّاً، ماتَ عامَ أوَّلَ(٢). قوله: ((باب إذا أُكْرِهَ حتَّى وهَبَ عبداً أو باعَه لم يَجُز)) أي: ذلك البيع والهِبة، والعَبد باقٍ علی مِلْكه. قوله: (وبِهِ قال بعضُ الناس، قال: فإن نَذَرَ المشْتَري فيه نَذْراً فهو جائز)) أي: ماضٍ عليه، ويَصِحّ البيعُ الصّادرُ مع الإكراه، وكذلك الهِبة. قوله: ((بزَعْمِه)) أي: عنده، والزَّعم يُطلَق على القول كثيراً. قوله: ((وكذلك إذا دَبَّرَه)) أي: يَنعَقِد التَّدبير، نَقَلَ ابن بَطّال عن محمَّد بن سَحْنون قال: وافَقَ الكوفيّونَ الجمهور على أنَّ بيع المكرَه باطل، وهذا يقتضي أنَّ البيع مع الإكراه غيرُ ناقلِ للمِلك، فإن سَلَّموا ذلك بَطَلَ قولهم: إنَّ نَذْرَ المشتَري وتَدبيرَه يَمنَع تَصُّف الأوَّل فيه، وإن قالوا: إنَّه ناقِلٌ، فلِمَ خَصُّوا ذلك بالعِتقِ والهِبة دونَ غيرهما مِن التَّصَرُّفات؟ (١) تحرَّف في (س) إلى: عن. وأحمد بن يوسف هو ابن خالد النَّيسابوري. (٢) هو بالفتح عل البناء، وهو من باب إضافة الموصوف إلى صفته وهو جائز عند الكوفيين مممنوع عند البصريين، فيؤولونه على حذف مضاف أي: عام الزمن الأول. قاله القسطلاني في «إرشاد الساري)) ٩٩/١٠. ٢٩٨ باب ٥/ح ٦٩٤٨ فتح الباري بشرح البخاري قال الكِرْمانيُّ: ذكر المشايخ أنَّ المراد بقولِ البخاريّ في هذه الأبواب: ((بعض الناس)) الحنفيَّة، وغَرَضه أنَهم تَناقَضوا، فإنَّ بيع الإكراه إن كان ناقلاً للمِلكِ إلى المشتَري، فإنَّه يَصِحّ منه جميعُ التَّصَرُّفات فلا يَخْتَصّ بالنَّذْرِ والتَّدبير، وإن قالوا: ليس بناقلٍ فلا يَصِحّ النَّذر والتَّدبير أيضاً، وحاصله أنَّهم صَحَّحوا النَّذر والتَّدبیر بدون الملك، وفيه تَحگِّم وتخصيص بغير مُخُصِّص. وقال المهلَّب: أجمَعَ العلماء على أنَّ الإكراه على البيع والهِبة لا يجور معه البيع، وذُكِرَ عن أبي حنيفة: إنْ أعتَقَه المشتَري أو دَبَّرَه جازَ، وكذا الموهوب له، وكأنَّه قاسَه على البيع الفاسد، لأنَّهم قالوا: إنَّ تَصُّف المشتَري في البيع الفاسد نافذٌ. ثمَّ ذكر البخاريّ حديث جابر في بيع المدَبَِّ، وقد تقدَّم شرحه مُستَوَلَى في العِتق (٢٥٣٤). قال ابن بَطّال: ووجه الردّ به على القول المذكور أنَّ الذي دَبَّرَه لمّا لم يكن له مالٌ غيرُه كان تَدبيره سَفَهاً من فِعْله، فَرَدَّ عليه النبيّ ◌َّ ذلك، وإن كان مِلکه للعبد كان صحيحاً، فكان مَن اشتَراه شِراء فاسداً ولم يَصِحّ له مِلكه إذا دَبَّرَه أو أعتَقَه، أولى أن يُرَدَّ فعلُه مِن أجل أنَّه لم يَصِحّ لهِمِلگُه. ٥- بابٌ من الإکراہ کرْهاً وُرْهاً واحدٌ. ٦٩٤٨ - حدَّثْنا حسينُ بنُ منصورٍ، حدَّثنا أسباطُ بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا الشَّيبانيُّ سلیمانُ بنُ فیروزَ، عن عِكْرمةً، عن ابنِ عبَّاسٍ. وقال الشَّيبانيُّ: وحدَّثني عطاءٌ أبو الحسنِ السُّوَائِيُّ، ولا أظُنُّه إلا ذكره، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: ﴿ يََّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَحِلُ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَآءَ كَرْهًا ﴾ [النساء: ١٩] الآيةَ، قال: كانوا إذا ماتَ الرجلُ كان أوْلِياؤُه أحقَّ بامرأتِه، إن شاءَ بعضُهم تزوَّجَها، وإن شاؤوا زَوَّجُوها، وإن شاؤوا لم يُزَوِّجُوها، فهم أحقُّ بها مِن أهلِها، فنزلت هذه الآيةُ في ذلك. ٢٩٩ باب ٦/ ح ٦٩٤٩ كتاب الإكراه قوله: ((بابٌ من الإكْراه)) أي: من جملة ما وَرَدَ في كراهية الإكراه ما تَضَمَّنَتَه الآية، وهو المذكور فيه عن ابن عبّاس في نزول قوله تعالى: ﴿يََّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُواْ النِّسَآءَ كَرْهًا﴾، وقد تقدَّم شرحه في تفسير سورة النِّساء (٤٥٧٩)، فإنَّه أورَدَه هناك عن محمّد بن مُقاتل عن أسباط بن محمَّد، وهُنا عن حسين بن منصور عن أسباط، وحسين نَيسابوريّ ما له في البخاريّ إلّ هذا الموضع، كذا جَزَمَ بهِ الكَلَابَاذيّ، وقد تقدَّم في صِفَة النبيّ ◌َِّ (٣٥٥٣): / حدَّثنا الحسن بن منصور أبو عليّ حدَّثنا حَجّاج بن محمَّد، فذكر حديثاً. ٣٢١/١٢ وذكر الخطيب أنَّ محمَّد بن مَخَلَد روى عن أبي عليّ هذا فسَّاه حسيناً - بالتَّصغير - فيحتمل أن يكون هو، وذكر المِّيّ مع حسين بن منصور النَّيسابوريّ ثلاثة، كلّ منهم حسين بن منصور، وكلّهم من طبقة واحدة. وقوله في الثَّرجمة: ((كَرْهاً وكُرْهاً واحدٌ)) أي: بفتح أوَّله وبضمِّه بمعنَى واحد، وهذا قول الأكثر، وقيل: بالضَّمِّ ما أكرهتَ نفسَك عليه، وبالفتح: ما أكرهَك عليه غيرُك. ووَقَعَ الغير أبي ذرٍّ: ((كَرْهُ وكُرْهُ) بالرَّفع فيهما، وسَقَطَ للنَّسَفيِّ أصلاً، وقد تقدَّم في تفسير سورة النِّساء. وقال ابن بَطّال عن المهلَّب: يُستَفاد منه أنَّ كلّ مَن أمسَكَ امرأته طَمعاً أن تموت فِيَرِثَها لا يَحِلُّ له ذلك بنَصِّ القرآن. كذا قال، ولا يَلزَم من النَّصّ على أنَّ ذلك لا يَحِلّ أن لا يَصِحّ ميراتُه منها في الحُكم الظّاهر. ٦ - باب إذا استُكرِهَت المرأةُ على الزّنى فلا حذَّ عليها لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُكْرِهِهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٣٣]. ٦٩٤٩- وقال اللَّيثُ: حدَّثني نافعٌ، أنَّ صَفِيَّةَ بنْتَ أبي عُبيدٍ أخبَرَتْه: أنَّ عبداً من رَقِيقِ الإمارةِ وَقَعَ على وَلِيدَةٍ مِنَ الخُمُسِ، فاستَكْرَهَها حتَّى اقتَضَّها، فجَلَدَه عمرُ الحدّ، ونَفَاه، ولم تَجَلِدِ الوَلِيدَةَ من أجلِ أَنَّه استَكْرَهَها. وقال الزُّهْريُّ، في الأمةِ البِكْرِ يَفتَرِعُها الخُّ: يُقِيمُ ذلك الحَكَمُ منَ الأَمَةِ العَذْراءِ بِقَدْرٍ ثَمَنِها، ويُجُلَدُ، وليس في الأَمَّةِ الثَّيِّبِ في قضاءِ الأئمّةِ غُرٌْ، ولكن عليه الحدُّ. ٣٠٠ باب ٦/ ح ٦٩٤٩ - ٦٩٥٠ فتح الباري بشرح البخاري ٦٩٥٠ - حدّثنا أبو اليَمَان، حدَّثْنا شُعَيبٌ، حدَّثنا أبو الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((هاجَرَ إبراهيمُ بسارةَ، دَخَلَ بها قريةً فيها مَلِكٌ منَ الملوكِ، أو جَبّارٌ منَ الجبابرةِ، فأرسَلَ إليه: أن أرسِلْ إليَّ بها، فأرسَلَ بها، فقامَ إليها، فقامت تَوضَّأُ وتُصَلّي، فقالت: اللهمَّ إن كنتُ آمَنْتُ بِكَ وبرسولِكَ فلا تُسَلِّط عليَّ الكافرَ، فَغُطَّ حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ)). قوله: («باب إذا استُكْرِهَتِ المرأة على الزِّنى فلا حَدّ عليها، لقولِه تعالى: ﴿وَمَنْ يُكْرِهِهُنَّ فَإِنَّاللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَهِ هِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾)) أي: لهنّ، وقد قُرِئَ في الشّاذّ: «فإنَّ الله من بعد إكراههنَّ لهنَّ غَفور رحيم)) وهي قراءة ابن مسعود وجابر وسعيد بن جُبَير، ونُسِبَت أيضاً لابنِ عبَّاس، والمحفوظ عنه تفسيره بذلك، وكذا عن جماعةٍ غيره. وجَوَّزَ بعض المُعْرِبين أن يكون النَّقدير: لهم، أي: لمن وَقَعَ منه الإكراه لكن إذا تابَ، وضُعِّفَ لكون الأصل عَدَمَ التَّقدير، وأُجيبَ بأَنَّه لا بدَّ من التَّقدير لأجلِ الشرط. واستُشكِلَ تعليق المغفرة لهنَّ لأنَّ التي تُكرَه ليست آئِمة، وأُجيبَ باحتمال أن يكون الإكراه المذكور كان دونَ ما اعتُبِرَ شَرعاً، فُرُبَما قَصَرَت عن الحدّ الذي تُعذَر به فتأثم، فناسَبَ تعليقُ المغفرة، وقال البيضاويّ: الإكراه لا يُنافي المؤاخَذة. قلت: أو ذِكْر المغفرة والرَّحمة لا يَسْتَلِزِم تَقَدُّمَ الإثم، فهو كقوله: ﴿فَمَنِ أَضْطُرَّ غَيْرَ بَاعٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهٍ إِنَّاللَّهَ غفورُ زّحِيمٌ ﴾ [البقرة: ١٧٣]. وقال الطِّييُّ: يُستَفاد منه الوعيد الشّديد للمُكرِهينَ لهنَّ، وفي ذِكْر المغفرة والرَّحمة تعريضٌ، وتقديره: انتَهُوا أيّها المكرِهونَ فإنَّهَنَّ مع كَونِهِنَّ مُكرَهاتٍ قد يُؤاخَذنَ، لولا رحمةُ الله ومَغفِرَته فکیف بگم أنتم؟ ٣٢٢/١٢ ومُناسَبتها للتَّرجمة أنَّ في الآية دلالةً على أن لا إثم / على المُكرَهة على الزِّنى، فيَلزَم أن لا يجب عليها الحدّ، وفي ((صحيح مسلم)) (٣٠٢٩) عن جابر: أنَّ جاريةً لعبد الله بن أُبيّ يقال لها: مُسَيْكة(١)، وأُخرى يقال لها: أُمَيمة، فكان يُكرهُهما على الزِّنى، فأنزَلَ الله سبحانه (١) تحرَّف في (أ) و(س) إلى: مسيلمة.